باب 1- حدوث العالم و بدء خلقه و كيفيته و بعض كليات الأمور

 الآيات البقرة هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ الأنعام الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ جَعَلَ الظُّلُماتِ وَ النُّورَ الأعراف إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ   يونس إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ هود وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا الكهف ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَ ما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً الأنبياء أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْ‏ءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ الفرقان الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً التنزيل اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ فصلت قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَ تَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ وَ جَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَ بارَكَ فِيها وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَ أَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَ حِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ.   ق وَ لَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَ ما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ. الحديد هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ النازعات أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها وَ أَغْطَشَ لَيْلَها وَ أَخْرَجَ ضُحاها وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَ مَرْعاها وَ الْجِبالَ أَرْساها مَتاعاً لَكُمْ وَ لِأَنْعامِكُمْ الأعلى سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَ الَّذِي قَدَّرَ فَهَدى. تفسير هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً امتنان على العباد بخلق ما يتوقف عليه بقاؤهم و يتم به معاشهم و معنى لَكُمْ لأجلكم و انتفاعكم في دنياكم باستعمالكم بها في مصالح أبدانكم بوسط أو غير وسط و في دينكم بالاستدلال و الاعتبار و التعرف بما يلائمها من لذات الآخرة و آلامها و هذا مما يستدل به على إباحة جميع الأشياء إلا ما أخرجه الدليل و ما يعم كل ما في الأرض لا الأرض إلا إذا أريد به جهة السفل كما يراد بالسماء جهة العلو جَمِيعاً حال عن الموصول الثاني ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ أي قصد إليها بإرادته من قولهم استوى إليه   إذا قصده قصدا مستويا من غير أن يلوي على شي‏ء و قيل استوى أي استولى و ملك قال الشاعر

قد استوى بشر على العراق من غير سيف و دم مهراق.

 و المراد بالسماء الأجرام العلوية أو جهات العلو كما قيل. فَسَوَّاهُنَّ أي عدلهن و خلقهن مصونة من العوج و الفطور و قيل هن ضمير السماء إن فسرت بالأجرام لأنها جمع أو في معنى الجمع و إلا فمبهم يفسره ما بعده كقولهم ربه رجلا سَبْعَ سَماواتٍ بدل أو تفسير و السبع لا ينافي التسع التي أثبتوها أصحاب الأرصاد إذ الثامن و التاسع مسميان في لسان الشرع بالكرسي و العرش وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ قيل فيه تعليل كأنه قال و لكونه عالما بتلك الأشياء كلها خلق ما خلق على هذا النمط الأكمل و الوجه الأنفع و الاستدلال بأن من كان فعله على هذا النسق العجيب و الترتيب الأنيق كان عليما و تدل الآية على حدوث السماوات بل الأرض أيضا كما سيأتي بيانه. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ أخبر بأنه تعالى حقيق بالحمد   و نبه على أنه المستحق له على هذه النعم الجسام حمد أو لم يحمد ليكون حجة على الذين هُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ و جمع السماوات دون الأرض و هي مثلهن لأن طبقاتها مختلفة بالذات متفاوتة الآثار و الحركات و قدمها لشرفها و علو مكانها وَ جَعَلَ الظُّلُماتِ وَ النُّورَ أي أنشأهما و الفرق بين خلق و جعل الذي له مفعول واحد أن خلق فيه معنى التقدير و جعل فيه معنى التضمين و لذلك عبر عن إحداث النور و الظلمة بالجعل تنبيها على أنهما لا يقومان بأنفسهما كما زعمت الثنوية و جمع الظلمات لكثرة أسبابها و الأجرام الحاملة لها أو لأن المراد بالظلمة الضلال و بالنور الهدى و الهدى واحد و الضلال متعدد و تقديمها لتقدم الأعدام على الملكات. فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ المشهور أن المراد بالأيام هنا مقدار أيام الدنيا و روي عن ابن عباس أنها من أيام الآخرة كل يوم منها أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ. أقول و بمثل هذا الخبر لا يمكن صرف الآية عن ظاهرها ثم إنه سبحانه إنما خلق في هذه المدة مع أنه كان قادرا على خلقها في طرفة عين إما لعبرة من خلقها من الملائكة إذ الاعتبار في التدريج أكثر كما ورد في الخبر أو ليعلم بذلك أنها صادرة من قادر مختار عالم بالمصالح و وجوه الأحكام إذ لو حصلت من مطبوع أو موجب لحصلت في حالة واحدة أو ليعلم الناس التأني في الأمور و عدم الاستعجال فيها

 كما روي عن أمير المؤمنين ع و لو شاء أن يخلقها في أقل من لمح البصر لخلق و لكنه جعل الأناء و المداراة مثالا لأمنائه و إيجابا للحجة على خلقه

و أورد هنا إشكال و هو أن اليوم إنما يحصل بحركة الشمس و طلوعها و غروبها فما معنى اليوم هاهنا و يمكن أن يجاب بوجوه. الأول أن مناط تمايز الأيام و تقدرها إنما هو حركة الفلك الأعلى دون السماوات السبع و المخلوق في الأيام المتمايزة إنما هو السماوات السبع و   الأرض و ما بينهما دون ما فوقهما و لا يلزم من ذلك الخلأ لتقدم الماء الذي خلق منه الجميع على الجميع. الثاني أن المراد بالأيام الأوقات كقوله تعالى وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ. الثالث أن المراد في مقدار ستة أيام و مرجع الجميع إلى واحد إذ قبل وجود الشمس لا يتصور يوم حقيقة فالمراد إما مقدار من الزمان مطلقا أو مقدار حركة الشمس هذا القدر و على التقديرين إما مبني على كون الزمان أمرا موهوما منتزعا من بقائه سبحانه أو من أول الأجسام المخلوقة كالماء أو من الأرواح المخلوقة قبل الأجسام على القول به أو من الملائكة كما هو ظاهر الخبر الآتي و إما بالقول بخلق فلك متحرك قبل ذلك بناء على القول بوجود الزمان و أنه مقدار حركة الفلك فإن التجدد و التقضي و التصرم الذي هو منشأ تحقق الزمان عندهم في الجميع متصور.   و قال بعض الصوفية للزمان المادي زمان مجرد كالنفس للجسد و للمكان   المادي مكان مجرد و هما عارضان للمجردات و لا يمكن فهمه و خارج عن طور العقل كسائر خيالاتهم و أقوالهم. و على أي حال هذه الآية و ما سيأتي من أشباهها تدل على حدوث السماوات و الأرض و ما بينهما لأن الحادث في اليوم الأخير مثلا مسبوق بخمسة أيام فيكون متناهي البقاء منقطع الوجود في جهة الماضي و الموجود في اليوم الأول زمان وجوده أزيد على الأخير بقدر متناه فالجميع متناهي الوجود حادث فيرد على الحكماء كون الزمان أيضا حادثا متناهيا لأنه عندهم مقدار حركة الفلك و أما ما ذكره الرازي في تفسيره من أن المراد بستة أيام ستة أحوال و ذلك لأن السماء و الأرض و ما بينهما ثلاثة أشياء و لكل واحد منهما ذات و صفة فنظرا إلى خلقة ذات السماء حالة و إلى خلقة صفاتها أخرى و نظرا إلى خلقة ذات الأرض و إلى صفاتها كذلك و نظرا إلى ذوات ما بينها و إلى صفاتها أخرى فهي ستة أشياء في ستة أحوال و إنما ذكر الأيام لأن الإنسان إذا رأى إلى الخلق رآه فعلا و الفعل ظرفه الزمان و الأيام أشهر الأزمنة و إلا فقبل السماوات لم يكن ليل و لا نهار و هذا مثل ما يقول القائل لغيره إن يوما ولدت فيه كان يوما مباركا و قد يجوز أن يكون ولد ذلك ليلا و لا يخرج عن مراده لأن المراد الزمان الذي هو ظرف   ولادته فهو تكلف بعيد مستغنى عنه و ما ذكرنا أقرب إلى لفظ الآية الكريمة و أوفق بالمراد و سيأتي معاني العرش و استوى عليه. وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ قال البيضاوي أي قبل خلقهما لم يكن حائل بينهما لا أنه كان موضوعا على متن الماء و استدل به على إمكان الخلاء و أن الماء أول حادث بعد العرش من أجرام هذا العالم و قيل كان الماء على متن الريح و الله أعلم بذلك انتهى و قال الطبرسي و في هذا دلالة على أن العرش و الماء كانا موجودين قبل خلق السماوات و الأرض و كان الماء قائما بقدرة الله على غير موضع قرار بل كان الله يمسكه بكمال قدرته و في ذلك أعظم الاعتبار لأهل الإنكار و قيل المراد بقوله عَرْشُهُ بناؤه يدل عليه وَ مِمَّا يَعْرِشُونَ أي يبنون فالمعنى و كان بناؤه على الماء فإن البناء على الماء أبدع و أعجب عن أبي مسلم انتهى. و قال الرازي في تفسيره قال كعب خلق الله تعالى ياقوتة خضراء ثم نظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها ثم وضع العرش على الماء قال أبو بكر الأصم و معنى قوله وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ كقولهم السماء على الأرض و ليس ذلك على سبيل كون أحدهما ملتصقا بالآخر و كيف كانت الواقعة يدل على أن العرش و الماء كانا قبل السماوات و الأرض قالت المعتزلة و في الآية دلالة على وجود الملائكة قبل خلقهما لأنه لا يجوز أن

    يخلق ذلك و لا أحد ينتفع بالعرش و الماء انتهى. و في بعض الأخبار أن المراد حمل علمه و دينه الماء و ربما يؤول من قال بالهيولى الماء بها. لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا أي خلقهن لحكمة بالغة و هي أن يجعلها مساكن لعباده و ينعم عليهم فيها بفنون النعم و يكلفهم و يعرضهم لثواب الآخرة و لما أشبه ذلك اختبار المختبر قال لِيَبْلُوَكُمْ أي ليفعل بكم ما يفعل المبتلي لأحوالكم كيف تعملون

 و عن الصادق ع ليس يعني أكثركم عملا و لكن أصوبكم عملا و إنما الإصابة خشية الله و النية الصادقة

 ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ قال الطبرسي ره أي ما أحضرت إبليس و ذريته خلق السماوات و الأرض و لا خلق أنفسهم مستعينا بهم على ذلك و لا استعنت ببعضهم على خلق بعض و هذا إخبار عن كمال قدرته و استغنائه عن الأنصار و الأعوان و يدل عليه قوله وَ ما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً أي الشياطين الذين يضلون الناس أعوانا يعضدونني عليه و كثيرا ما يستعمل العضد بمعنى العون و قيل المعنى أنكم اتبعتم الشياطين كما يتبع من يكون عنده علم لا ينال إلا من جهته و أنا ما أطلعتهم على خلق السماوات و لا على خلق أنفسهم و لم أعطهم العلم بأنه كيف يخلق الأشياء فمن أين يتبعونهم و قيل معناه ما أحضرت مشركي العرب و هؤلاء الكفار خلق السماوات و الأرض و لا بعضهم خلق بعض بل لم يكونوا موجودين فخلقتهم فمن أين قالوا إن الملائكة بنات الله و من أين ادعوا ذلك انتهى. و زاد الرازي وجهين آخرين أحدهما أن الضمير عائد إلى الكفار   الذين قالوا له ص إن لم تطرد عن مجلسك هؤلاء الفقراء فلا نؤمن بك فكأنه تعالى قال إن هؤلاء الذين أتوا بهذا الاقتراح الفاسد و التعنت الباطل ما كانوا شركائي في خلق العالم و تدبير الدنيا و الآخرة بل هم كسائر الخلق فلم أقدموا على هذا الاقتراح و نظيره إن من اقترح عليك اقتراحات عظيمة فإنك تقول له لست بسلطان البلد و لا وزير الملك حتى نقبل منك هذه الاقتراحات. و ثانيهما أن يكون المراد هؤلاء الكفار أيضا و يكون المعنى أنتم جاهلون بما جرى به القلم من أحوال السعادة و الشقاوة فكيف يمكنكم أن تحكموا لأنفسكم بالرفعة و الكمال و العلو و لغيركم بالذل و الدناءة انتهى.

 و روى العياشي عن الباقر ع أن رسول الله ص قال اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هشام فأنزل الله هذه الآية بعينهما

 و في الكافي، عن الجواد ع أن الله تعالى لم يزل متفردا بوحدانيته ثم خلق محمدا و عليا و فاطمة فمكثوا ألف دهر ثم خلق جميع الأشياء فأشهدهم خلقها و أجرى طاعتهم عليها و فوض أمرها إليهم الخبر

و هذا الخبر صريح في حدوث جميع أجزاء العالم. أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا قال الطبرسي ره استفهام يراد به التقريع و المعنى أ و لم يعلموا أن الله سبحانه الذي يفعل هذه الأشياء و لا يقدر عليها غيره فهو الإله المستحق للعبادة دون غيره أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما تقديرها كانتا ذواتي رتق و المعنى كانتا ملتزقتين منسدتين ففصلنا   بينهما بالهواء عن ابن عباس و غيره و قيل كانت السماوات مرتتقة مطبقة ففتقناها سبع سماوات و كانت الأرض كذلك ففتقناها سبع أرضين عن مجاهد و السدي و قيل كانت السماء رتقا لا تمطر و الأرض رتقا لا تنبت ففتقنا السماء بالمطر و الأرض بالنبات عن عكرمة و عطية و ابن زيد و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله ع انتهى. و قال الرازي الرؤية إما بمعنى الإبصار أو العلم و الأول مشكل لأن القوم ما رأوهما و لقوله تعالى ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ و الثاني أيضا مشكل لأن الأجسام قابلة للرتق و الفتق في أنفسها فالحكم عليها بالرتق أولا و بالفتق ثانيا لا سبيل إليه إلا السمع و المناظرة مع الكفار المنكرين للرسالة فكيف يجوز مثل هذا الاستدلال و دفع الإشكال بعد اختيار الثاني بوجوه. أحدها أنا نثبت نبوة محمد ص بسائر المعجزات ثم نستدل بقوله ثم نجعلهما دليلا على حصول المصالح في العالم و انتفاء الفساد عنه و ثانيها أن نحمل الرتق و الفتق على إمكانهما و العقل يدل عليه لأن الأجسام يصح عليها الاجتماع و الافتراق فاختصاصها بالاجتماع دون الافتراق أو بالعكس يستدعي مخصصا و ثالثها أن اليهود و النصارى كانوا عالمين بذلك فإنه جاء في التوراة أن الله تعالى خلق جوهرة ثم نظر إليها بعين الهيبة فصارت ماء ثم خلق السماوات و الأرض و فتق بينهما و كان بين عبدة الأوثان و بين اليهود نوع صداقة بسبب الاشتراك في عداوة محمد ص فاحتج الله تعالى عليهم بهذه الحجة بناء على أنهم يقبلون قول اليهود في ذلك. ثم قال اختلف المفسرون في المراد من الرتق و الفتق على أقوال أحدها و ذكر الوجه الأول من وجوه الطبرسي ثم قال هذا القول يوجب أن خلق   الأرض مقدم على خلق السماء لأنه تعالى لما فصل بينهما ترك الأرض حيث هي و أصعد الأجزاء السماوية قال كعب خلق الله السماوات و الأرضين ملتصقتين ثم خلق ريحا توسطهما ففتقتا بها ثم ذكر الثاني و الثالث و رجح الثالث بقوله تعالى وَ السَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ وَ الْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ و بقوله سبحانه وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْ‏ءٍ حَيٍّ ثم قال و رابعها قول أبي مسلم الأصفهاني قال يجوز أن يراد بالفتق الإيجاد و الإظهار كقوله فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ فأخبر عن الإيجاد بلفظ الفتق و عن الحال قبل الإيجاد بلفظ الرتق. أقول و تحقيقه أن العدم نفي محض فليس فيه ذوات متميزة و أعيان متباينة بل كأنه أمر واحد متصل متشابه فإذا وجدت الحقائق فعند الوجود و التكوين يتميز بعضها عن بعض فبهذا الطريق جعل الرتق مجازا عن العدم و الفتق عن الوجود. و خامسها أن الليل سابق على النهار بقوله وَ آيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فكانت السماوات و الأرض مظلمة ففتقهما الله بإظهار النهار المبصرة انتهى. و أقول سيأتي في الأخبار ما يؤيد الوجه الثالث و يومئ بعض خطب أمير المؤمنين ع إلى الثاني كما ستعرف

 و روى الكليني في الروضة عن عدة من أصحابه عن أحمد بن محمد بن خالد عن الحسن بن محبوب عن أبي حمزة الثمالي   قال سأل نافع أبا جعفر ع عن قول الله عز و جل أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما قال إن الله تبارك و تعالى أهبط آدم إلى الأرض و كانت السماوات رتقا لا تمطر شيئا و كانت الأرض رتقا لا تنبت شيئا فلما تاب الله عز و جل على آدم ع أمر السماء فتقطرت بالغمام ثم أمرها فأرخت عزاليها ثم أمر الأرض فأنبتت الأشجار و أثمرت الثمار و تفهقت بالأنهار فكان ذلك رتقها و هذا فتقها فقال نافع صدقت يا ابن رسول الله إلى آخر الخبر

و هذا يدل على الثالث. وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْ‏ءٍ حَيٍّ قال الطبرسي أي و أحيينا بالماء الذي ننزله من السماء كل شي‏ء حي و قيل و خلقنا من النطفة كل مخلوق و الأول أصح

 و روى العياشي بإسناده عن الحسين بن علوان قال سئل أبو عبد الله ع عن طعم الماء فقال سل تفقها و لا تسأل تعنتا طعم الماء طعم الحياة قال الله سبحانه وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْ‏ءٍ حَيٍّ

و قيل معناه و جعلنا من الماء حياة كل ذي روح و نماء كل نام فيدخل فيه الحيوان و النبات و الأشجار عن أبي مسلم. أَ فَلا يُؤْمِنُونَ أي أ فلا يصدقون بالقرآن و بما يشاهدون من الدليل و البرهان الرَّحْمنُ قيل خبر للذي إن جعلته مبتدأ و لمحذوف إن جعلته صفة   للحي أو بدل من المستكن في اسْتَوى و قرئ بالجر صفة للحي فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً أي فاسأل عما ذكر من الخلق و الاستواء عالما يخبرك بحقيقته و هو الله تعالى أو جبرئيل أو من وجده في الكتب المتقدمة ليصدقك فيه و قيل الضمير للرحمن و المعنى أن أنكروا إطلاقه على الله فاسأل عنه من يخبرك من أهل الكتاب ليعرفوا ما يرادفه في كتبهم و على هذا يجوز أن يكون الرحمن مبتدأ و الخبر ما بعده و السؤال كما يعدى بعن لتضمنه معنى التفتيش يعدى بالباء لتضمنه معنى الاعتناء و قيل إنه صلة خبيرا قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ قال البيضاوي أي مقدار يومين أو بنوبتين و خلق في كل نوبة ما خلق في أسرع ما يكون و لعل المراد بالأرض ما في جهة السفل من الأجرام البسيطة و من خلقها في يومين أنه خلق لها أصلا مشتركا ثم خلق لها صورا صارت لها أنواعا و كفرهم به إلحادهم في ذاته و صفاته وَ تَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً و لا يصح أن يكون له ند ذلِكَ الذي خلق الأرض في يومين رَبُّ الْعالَمِينَ خالق جميع ما وجد من الممكنات و مربيها وَ جَعَلَ فِيها رَواسِيَ استئناف غير معطوف على خلق للفصل بما هو خارج عن الصلة مِنْ فَوْقِها مرتفعة عليها ليظهر للنظار ما فيها من وجوه الاستبصار و تكون منافعها معرضة للطلاب. أقول و قال الرازي إذ لو جعلت تحتها لأوهم ذلك أنها أساطين تمسكها فجعلها فوقها ليرى الإنسان أن الأرض و الجبال أثقال على أثقال و كلها مفتقرة إلى ممسك و حافظ و ليس ذلك إلا الله سبحانه. وَ بارَكَ فِيها قال البيضاوي أي و أكثر خيرها بأن خلق فيها أنواع النبات و الحيوانات وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها أي أقوات أهلها بأن عين لكل نوع ما يصلحه و يعيش به أو أقواتا تنشأ منها بأن خص حدوث كل قوت بقطر من   أقطارها و قرئ و قسم فيها أقواتها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ أي في تتمة أربعة أيام كقولك سرت من البصرة إلى بغداد في عشر و إلى الكوفة في خمس عشرة و لعله قال ذلك و لم يقل في يومين للإشعار باتصالهما لليومين الأولين و التصريح على الفذلكة. أقول و قد يحمل على أن المراد أربعة أوقات و هي التي يخرج الله فيها أقوات العالم من الناس و البهائم و الطير و حشرات الأرض و ما في البر و البحر من الخلق من الثمار و النبات و الشجر و ما يكون فيه معاش الحيوان كله و هي الربيع و الصيف و الخريف و الشتاء و لا يخفى بعده عن السياق. سَواءً أي استوت سواء بمعنى استواء و الجملة صفة أيام و يدل عليه قراءة يعقوب بالجر و قيل حال من الضمير في أَقْواتَها أو في فِيها و قرئ بالرفع على هي سواء للسائلين متعلق بمحذوف تقديره هذا الحصر للسائلين عن مدة خلق الأرض و ما فيها أو بمقدر أي قدر فيها الأقوات للطالبين. ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ قصد نحوها من قولهم استوى إلى مكان كذا إذا توجه إليه توجها لا يلوي على غيره وَ هِيَ دُخانٌ قال البيضاوي أي أمر ظلماني و لعله أراد به مادتها و الأجزاء المتصغرة التي ركبت منها و قال الطبرسي قال ابن عباس كانت بخار الأرض و قيل معناه ثم استوى أمره إلى السماء و قال الرازي و ذكر صاحب الأثر أنه كان عرش الله على الماء

    منذ خلق السماوات و الأرض فأحدث الله في ذلك الماء سخونة فارتفع منه زبد و دخان فبقي على وجه الماء فخلق الله تعالى فيه اليبوسة و أحدث منه الأرض و أما الدخان فارتفع و علا فخلق الله منه السماوات و اعلم أن هذه القصة غير موجودة في القرآن فإن دل عليها دليل صحيح قبلت و إلا فلا و هذه القصة مذكورة في أول الكتاب الذي تزعم اليهود أنه التوراة و فيه أنه تعالى خلق السماء من أجزاء مظلمة و هذا هو المعقول لأنا قد دللنا في المعقولات على أن الظلمة ليست كيفية وجودية بل هي عبارة عن عدم النور فالله سبحانه لما خلق الأجزاء التي لا تتجزى فقبل أن يخلق فيها كيفية الضوء كانت مظلمة عديمة النور ثم إذ ركبها و جعلها سماوات و كواكب و شمسا و قمرا و أحدث صفة الضوء فيها فحينئذ صارت مستنيرة فثبت أن تلك الأجزاء حين قصد الله تعالى أن يخلق منها السماوات و الشمس و القمر كانت مظلمة فصح تسميتها بالدخان لأنه لا معنى للدخان إلا أجزاء متفرقة غير متواصلة عديمة النور. فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا قال البيضاوي أي بما خلقت فيكما من التأثير و التأثر و أبرزا ما أودعتكما من الأوضاع المختلفة و الكائنات المتنوعة أو ائتيا في الوجود على أن الخلق السابق بمعنى التقدير أو الترتيب للرتبة أو الإخبار أو إتيان السماء بحدوثها و إتيان الأرض أن تصير مدحوة أو ليأت كل منكما الأخرى في حدوث ما أريد توليده منكما و يؤيده قراءة آتيا من المؤاتاة أي   ليوافق كل واحدة منكما أختها فيما أردت منكما طَوْعاً أَوْ كَرْهاً شئتما ذلك أو أبيتما أو المراد إظهار كمال قدرته و وجوب وقوع مراده لا إثبات الطوع و الكره لهما و هما مصدران وقعا موقع الحال قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ أي منقادين بالذات و الأظهر أن المراد تصوير تأثير قدرته فيهما و تأثرهما بالذات عنها و تمثيلها بأمر المطاع و إجابة المطيع الطائع كقوله كُنْ فَيَكُونُ و ما قيل إنه تعالى خاطبهما و أقدرهما على الجواب إنما يتصور على الوجه الأول و الأخير و إنما قال طائِعِينَ على المعنى باعتبار كونهما مخاطبتين كقوله تعالى ساجِدِينَ. و قال الطبرسي قدس سره قال ابن عباس أتت السماء بما فيها من الشمس و القمر و النجوم و أتت الأرض بما فيها من الأنهار و الأشجار و الثمار و ليس هناك أمر بالقول حقيقة و لا جواب لذلك القول بل أخبر سبحانه عن اختراعه السماوات و الأرض و إنشائه لهما من غير تعذر و لا كلفة و لا مشقة بمنزلة ما يقال افعل فيفعل من غير تلبث و لا توقف و لا تأن فعبر عن ذلك بالأمر و الطاعة و هو كقوله إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ و إنما قال أَتَيْنا طائِعِينَ و لم يقل طائعتين لأن المعنى أتينا بمن فينا من العقلاء فغلب حكم العقلاء و قيل إنه لما خوطبن خطاب من يعقل جمعن جمع من يعقل كما قال وَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ. فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ قال البيضاوي أي فخلقهن خلقا إبداعيا و أتقن

    أمرهن و الضمير للسماء على المعنى أو مبهم و سَبْعَ سَماواتٍ حال على الأول و تمييز على الثاني فِي يَوْمَيْنِ قيل خلق السماوات يوم الخميس و الشمس و القمر و النجوم يوم الجمعة وَ أَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها شأنها و ما يتأتى منها بأن حملها عليه اختيارا أو طبعا و قيل أوحى إلى أهلها بأوامره وَ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ فإن الكواكب كلها ترى كأنها تتلألأ عليها وَ حِفْظاً أي و حفظناها من الآفات أو من المسترقة حفظا و قيل مفعول له على المعنى كأنه قال خصصنا السماء الدنيا بمصابيح زينة و حفظا ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ البالغ في القدرة و العلم. وَ ما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ قال الطبرسي أي تعب و نصب أكذب الله تعالى بهذا اليهود فإنهم قالوا استراح الله يوم السبت فلذلك لا نعمل فيه شيئا. و قال الرازي في تفسيره قال بعض المفسرين المراد من الآية الرد على اليهود حيث قالوا بدأ الله خلق العالم يوم الأحد و فرغ منه في ستة أيام آخرها يوم الجمعة و استراح يوم السبت و استوى على عرشه فقال تعالى وَ ما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ رادا عليهم و الظاهر أن المراد الرد على المشرك أي ما تعبنا بالخلق الأول حتى لا نقدر على الإعادة ثانيا و أما ما قاله اليهود و نقلوه من التوراة فهو إما تحريف منهم أو لم يعلموا تأويله و ذلك لأن الأحد و الإثنين أزمنة متميزة بعضها عن بعض فلو كان خلق السماوات ابتداء يوم الأحد لكان الزمان متحققا قبل الأجسام و الزمان لا ينفك عن الأجسام فيكون قبل الأجسام أجسام أخر   فيلزم القول بقدم العالم و هو مذهب الفلاسفة انتهى. و أقول تعيين تلك الأيام موجودة في الأخبار المعتبرة كما ستعرف و ما توهم من لزوم قدم العالم خطأ كما عرفت سابقا أنه يمكن تصحيحه بوجوه متعددة شي‏ء منها لا يستلزم ذلك و أما تعيين الأيام فيمكن أن تقدر الأزمنة بحيث تكون بعد خلق الشمس و حركة الأفلاك و تعيين الأيام تلك الأزمان الماضية موافقة لهذه الأيام الستة بحيث إذا كانت الشمس متحركة فيها كانت تلك الأيام بعينها فتأمل. أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً قال البيضاوي أي أصعب خلقا أَمِ السَّماءُ ثم بين كيف خلقها و قال بَناها ثم بين البناء فقال رَفَعَ سَمْكَها أي جعل مقدار ارتفاعها من الأرض أو ثخنها الذاهب في العلو رفيعا فَسَوَّاها أي فعدلها أو جعلها مستوية أو فتممها بما به يتم كمالها من الكواكب و التداوير و غيرها من قولهم سوى فلان أمره إذا أصلحه وَ أَغْطَشَ لَيْلَها أي أظلمه منقول من غطش الليل إذا أظلم و أضاف إليها لأنه يحدث بحركتها وَ أَخْرَجَ ضُحاها أي و أبرز ضوء شمسها كقوله تعالى وَ الشَّمْسِ وَ ضُحاها يريد النهار وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها بسطها و مهدها للسكنى أَخْرَجَ مِنْها ماءَها بتفجير العيون وَ مَرْعاها أي و رعيها و هو في الأصل لمواضع الرعي و تجريد الجملة عن العاطف لأنها حال بإضمار قد أو بيان للدحو وَ الْجِبالَ أَرْساها أي أثبتها مَتاعاً لَكُمْ وَ لِأَنْعامِكُمْ تمتيعا لكم و لمواشيكم.    الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى أي خلق كل شي‏ء فسوى خلقه بأن جعل له ما به يتأتى كماله و يتم معاشه وَ الَّذِي قَدَّرَ أي قدر أجناس الأشياء و أنواعها و أشخاصها و مقاديرها و صفاتها و أفعالها و آجالها فَهَدى فوجهه إلى أفعاله طبعا أو اختيارا بخلق الميول و الإلهامات و نصب الدلائل و إنزال الآيات

تحقيق في دفع شبهة

 اعلم أن بعض الملاحدة أوردوا تناقضا بين آيات سورتي البقرة و السجدة و بين آيات سورة النازعات حيث زعموا أن الأولة تدل على تقدم خلق الأرض على السماء و الأخيرة على العكس و أجيب عنه بوجوه. أحدها أن خلق الأرض قبل السماء إلا أن دحوها متأخر عن خلق السماء و استشكل بوجهين الأول أن الأرض جسم عظيم فامتنع انفكاك خلقها عن التدحية فإذا كانت التدحية متأخرة عن خلق السماء كان خلقها لا محالة أيضا متأخرا عن خلق السماء. و الثاني أن الآية الأولى تدل على أن خلق الأرض و خلق كل ما فيها مقدم على خلق السماء و خلق الأشياء في الأرض لا يكون إلا بعد ما كانت مدحوة و أجيب عن الأول بأنا لا نسلم امتناع انفكاك خلق الأرض عن دحوها و المناقشة في إطلاق خلق الأرض على إيجادها غير مدحوة مناقشة لفظية و عن الثاني بأن قوله تعالى وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها يقتضي تقدم خلق السماء على دحو الأرض و لا يقتضي تقدم تسوية السماء على دحو الأرض فجاز أن تكون تسوية السماء متأخرة عن دحو الأرض فيكون خلق الأرض قبل السماء و خلق السماء قبل دحو الأرض و دحو الأرض قبل تسوية السماء فارتفع التنافي و يرد عليه أن الآية الثالثة تقتضي تقدم تسوية السماء على دحو الأرض و الثانية تقتضي تقدم خلق الأرض بما فيها على تسويتها سبع سماوات و خلق ما في الأرض قبل دحوها مستبعد و يمكن أن يجاب بأن المراد بالخلق في الأولى التقدير و هو شائع في العرف و اللغة أو بأن المراد بخلق ما في الأرض خلق موادها كما أن خلق   الأرض قبل دحوها عبارة عن مثل ذلك فتكون تسوية السماء متقدمة على دحو الأرض كما هو ظاهر الآية الثالثة أو بأن يفرق بين تسويتها المذكورة في الثالثة و بين تسويتها سبع سماوات كما في الأولى و حينئذ فتسويتها مطلقا متقدمة على دحو الأرض و تسويتها سبعا متأخرة عنه و لعل هذا أوفق في الجمع أو بأن يقال الفاء في قوله تعالى فَسَوَّاها بمعنى ثم و المشار إليه بذلك في قوله تعالى وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها هو بناء السماء و خلقها لا مجموع ما ذكر قبله أو بأن يقال كلمة ثم في الأولى للترتيب الذكري و تقديم خلق ما في الأرض في معرض الامتنان لمزيد الاختصاص فيكون خلق ما في الأرض بعد دحوها كما هو الظاهر و تسوية السماء متقدمة عليه و على دحو الأرض كما هو ظاهر الآية الثالثة لكن هذا لا يخلو من نوع منافرة لظاهر الآية الثانية و قد أوردنا بعض التوجيهات لها في شرح بعض الأخبار الآتية. و قال البيضاوي كلمة ثم في آيتي البقرة و السجدة لتفاوت ما بين الخلقين و فضل خلق السماء على خلق الأرض كقوله تعالى ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا لا للتراخي في المدة فإنه يخالف ظاهر قوله تعالى وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها فإنه يدل على تأخر دحو الأرض المتقدم على خلق ما فيها عن خلق السماء و تسويتها إلا أن يستأنف بدحيها مقدرا لنصب الأرض فعلا آخر دل عليه أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً مثل تعرف الأرض و تدبر أمرها بعد ذلك لكنه خلاف الظاهر انتهى. و الوجه الثاني مما قد أجيب به عن أصل الإشكال أن يقال كلمة بعد في الآية الثالثة ليست للتأخر الزماني إنما هو على جهة تعداد النعم و الإذكار

    لها كما يقول القائل أ ليس قد أعطيتك و فعلت بك كذا و كذا و بعد ذلك خلطتك و ربما يكون بعض ما تقدم في اللفظ متأخرا بحسب الزمان لأنه لم يكن الغرض الإخبار عن الأوقات و الأزمنة بل المراد ذكر النعم و التنبيه عليها و ربما اقتضت الحال إيراد الكلام على هذا الوجه. و الثالث ما ذكره الرازي و هو أن لا يكون معنى دَحاها مجرد البسط بل يكون المراد أنه بسطها بسطا مهيأ لنبات الأقوات و هذا هو الذي بينه بقوله أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَ مَرْعاها و ذلك لأن الاستعداد لا يحصل للأرض إلا بعد وجود السماء فإن الأرض كالأم و السماء كالأب و ما لم يحصلا لم يتولد أولاد المعادن و النبات و الحيوان. و الرابع ما ذكره أيضا و هو أن يكون قوله وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ أي مع ذلك كقوله عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ أي مع ذلك و كقولك للرجل أنت كذا و كذا ثم أنت بعدها كذا لا تريد الترتيب و قال تعالى فَكُّ رَقَبَةٍ إلى قوله ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا و المعنى و كان و هذا تقرير ما نقل عن ابن عباس و غيره قالوا في قوله وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها أي مع مياده دحاها. أقول و هذا قريب من الثاني ثم المشهور أن خلق الأرض قبل خلق السماء و هو الأظهر و قيل بالعكس نقل الواحدي في البسيط عن مقاتل أنه قال خلق الله السماء قبل الأرض و تأويل قوله ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ ثم كان قد استوى وَ هِيَ دُخانٌ قبل أن يخلق الأرض فأضمر فيه كان كما قال تعالى قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ معناه إن يكن سرق. و قال الرازي المختار عندي أن يقال خلق السماء مقدم على خلق الأرض   بقي أن يقال كيف تأويل هذه الآية يعني آية السجدة فنقول الخلق ليس عبارة عن التكوين و الإيجاد و الدليل عليه قوله تعالى إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فلو كان الخلق عبارة عن الإيجاد و التكوين لصار معنى الآية أوجده من تراب ثم قال له كن فيكون و هذا محال لأنه يلزم أنه تعالى قد قال لشي‏ء وجد كن و إذا ثبت هذا فنقول قوله خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ معناه أنه قضى بحدوثها في يومين و قضاء الله بأنه سيحدث كذا في مدة كذا لا يقتضي حدوث ذلك الشي‏ء في الحال فقضاء الله بحدوث الأرض في يومين مقدم على إحداث السماء و لا يلزم منه تقدم إحداث الأرض على إحداث السماء انتهى و لا يخفى ما فيه و ستطلع على حقيقة الأمر في ضمن شرح الأخبار إن شاء الله تعالى

الأخبار

1-  نهج، ]نهج البلاغة[ قال أمير المؤمنين ع في خطبة له المعروف من غير رؤية و الخالق من غير روية الذي لم يزل قائما دائما إذ لا سماء ذات أبراج و لا حجب ذات أرتاج و لا ليل داج و لا بحر ساج و لا جبل ذو فجاج و لا فج ذو اعوجاج و لا أرض ذات مهاد و لا خلق ذو اعتماد ذلك مبتدع الخلق و وارثه و إله الخلق و رازقه

 بيان من غير روية أي تفكر لأنه يستلزم الجهل السابق و حدوث أمر فيه لم يكن و الاستكمال بعد النقص الذي لم يزل قائما أي بذاته أو بأحوال الخلق و قد مر مرارا دائما أي باقيا بذاته من غير علة ذات أبراج أي بروج أو كواكب نيرة و الحجب جمع الحجاب و المراد هنا ما سيأتي من الحجب النورانية التي تحت العرش أو السماوات عبر عنها بلفظين و الأرتاج في بعض   النسخ بكسر الهمزة مصدر أرتج الباب أي أغلقه و في بعضها بالفتح جمع رتج بالتحريك أو رتاج بالكسر و الأول الباب العظيم و الثاني الباب المغلق أو الذي عليه باب صغير و الداجي المظلم و الساجي الساكن و الفجاج جمع الفج بالفتح و هو الطريق الواسع بين الجبلين و المهاد بالكسر الفراش و اعتمدت على الشي‏ء اتكأت عليه و كل حي يعتمد على رجله في المشي و على غيرها و يمكن أن يراد به القوة و التصرف و أبدعت الشي‏ء و ابتدعته أي استخرجته و أحدثته و الابتداع الخلق على غير مثال و وراثة أي الباقي بعد فنائهم و المالك لما ملكوا ظاهرا و لا يخفى صراحته في حدوث العالم

2-  النهج، ]نهج البلاغة[ قال ع الأول قبل كل أول و الآخر بعد كل آخر

 بيان الغرض إثبات الأولية و الآخرية الحقيقيتين له سبحانه و ظاهر الأول حدوث ما سواه و استدل بالثاني على ما ذهب إليه كثير من المتكلمين من انعدام العالم بأسره قبل قيام الساعة و يمكن أن يكون الآخرية باعتبار أن كل ما عداه في التغير و التحول من حال إلى حال كما ورد في الرواية و قيل أوليته بحسب الخارج و آخريته بحسب الذهن أو الآخر في سلسلة الافتقار لاحتياج الكل إليه سبحانه

    -3  النهج، ]نهج البلاغة[ قال ع الحمد لله الدال على وجوده بخلقه و بمحدث خلقه على أزليته

 و منه قال ع الحمد لله خالق العباد و ساطح المهاد و مسيل الوهاد و مخصب النجاد ليس لأوليته ابتداء و لا لأزليته انقضاء هو الأول لم يزل و الباقي بلا أجل إلى قوله ع قبل كل غاية و مدة و كل إحصاء و عدة إلى قوله ع لم يخلق الأشياء من أصول أزلية و لا من أوائل أبدية بل خلق ما خلق فأقام حده و صور ما صور فأحسن صورته

    بيان الساطح الباسط و المسيل المجرى و الوهاد جمع وهدة و هي الأرض المنخفضة و أخصب الله الأرض أي جعلها كثيرة العشب و الكلأ و النجاد بالكسر جمع نجد بالفتح و هو المرتفع من الأرض و لا لأزليته انقضاء أي في جانب الأبد أي أزليته أزلية مقرونة بالأبدية و يمكن أن يكون إشارة إلى أن الأزلية تستلزم الأبدية إذ ما ثبت قدمه امتنع عدمه أو في جانب الأزل إذا رجع الوهم إليه و لا يخفى دلالة تلك الفقرات على اختصاص الأزلية به و حدوث ما سواه إذ ذكر الصفات المشتركة بينه و بين خلقه لا يناسب مقام المدح. ثم صرح ع بذلك بقوله لم يخلق الأشياء من أصول أزلية ردا على ما زعمته الحكماء من الهيولى القديمة و نحو ذلك و الأبد بالتحريك الدهر و الدائم و القديم الأزلي كما ذكره في القاموس و قيل الزمان الطويل الذي ليس بمحدود و الظاهر أنه تأكيد و تفسير للفقرة الأولى و يحتمل أن يكون المراد الأمثلة التي يخلق الله تعالى الأشياء على حذوها و في بعض النسخ بدية و البدي كرضي الأول من أوائل سابقة على إيجادها

    -4  شرح النهج للكيدري، ورد في الخبر أن الله تعالى لما أراد خلق السماء و الأرض خلق جوهرا أخضر ثم ذوبه فصار ماء مضطربا ثم أخرج منه بخارا كالدخان فخلق منه السماء كما قال ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ ثم فتق تلك السماء فجعلها سبعا ثم جعل من ذلك الماء زبدا فخلق منه أرض مكة ثم بسط الأرض كلها من تحت الكعبة و لذلك تسمى مكة أم القرى لأنها أصل جميع الأرض ثم شق من تلك الأرض سبع أرضين و جعل بين كل سماء و سماء مسيرة خمسمائة عام و كذلك بين كل أرض و أرض و كذلك بين هذه السماء و هذه الأرض ثم بعث ملكا من تحت العرش حتى نقل الأرض على منكبه و عنقه و مد اليدين فبلغت إحداهما إلى المشرق و الأخرى إلى المغرب ثم بعث لقرار قدم ذلك الملك بقرة من الجنة كان لها أربعون ألف قرن و أربعون ألف رجل و يد و بعث ياقوتا من الفردوس الأعلى حتى يوضع بين سنام تلك البقرة و أذنها فاستقر قدما ذلك الملك على السنام و الياقوت و إن قرون تلك البقرة لمرتفعة من أقطار الأرض إلى تحت العرش و إن مناخر أنوفها بإزاء الأرض فإذا تنفست البقرة مد البحر و إذا قبضت أنفاسها جزر البحر من ذلك ثم خلق لقرار قوائم تلك البقرة صخرة و هي التي حكى الله عن لقمان في قوله فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ فيزيد مقدار سعة تلك الصخرة سبع مرات على مقدار سبع سماوات و سبع أرضين ثم خلق حوتا و هو الذي أقسم الله فقال ن وَ الْقَلَمِ و النون الحوت و أمر تعالى بوضع تلك الصخرة على ظهر ذلك الحوت و جعل ذلك الحوت في الماء و أمسك الماء على الريح و يحفظ الله الريح بقدرته

5-  النهج، ]نهج البلاغة[ و الاحتجاج، في خطبة لأمير المؤمنين ع الدال على قدمه بحدوث خلقه و بحدوث خلقه على وجوده إلى قوله ع مستشهد بحدوث الأشياء على أزليته

    -6  و في خطبة أخرى مشهورة لا تصحبه الأوقات و لا ترفده الأدوات سبق الأوقات كونه و العدم وجوده و الابتداء أزله إلى قوله ع لا يجري عليه السكون و الحركة و كيف يجري عليه ما هو أجراه و يعود فيه ما هو أبداه و يحدث فيه ما هو أحدثه إذا لتفاوتت ذاته و لتجزأ كنهه و لامتنع من الأزل معناه إلى قوله ع يقول لما أراد كونه كن فيكون لا بصوت يقرع و لا نداء يسمع و إنما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه و مثله لم يكن من قبل ذلك كائنا و لو كان قديما لكان إلها ثانيا لا يقال كان بعد أن لم يكن فتجري عليه الصفات المحدثات و لا يكون بينها و بينه فصل و لا له عليها فضل فيستوي الصانع و المصنوع و يتكافأ المبتدع و البديع خلق الخلائق على غير مثال خلا من غيره و لم يستعن على خلقها بأحد من خلقه و أنشأ الأرض فأمسكها من غير اشتغال و أرساها على غير قرار و أقامها بغير قوائم و رفعها بغير دعائم و حصنها من الأود و الاعوجاج و منعها من التهافت و الانفراج أرسى أوتادها و ضرب أسدادها و استفاض عيونها و خد أوديتها فلم يهن ما بناه و لا ضعف ما قواه إلى قوله ع هو المفني لها بعد وجودها حتى يصير موجودها كمفقودها و ليس فناء الدنيا بعد ابتدائها بأعجب من إنشائها و اختراعها إلى قوله ع و إنه سبحانه يعود بعد فناء الدنيا وحده لا شي‏ء معه كما كان قبل ابتدائها كذلك يكون بعد فنائها بلا وقت و لا مكان و لا حين و لا زمان عدمت عند ذلك الآجال و الأوقات و زالت السنون و الساعات فلا شي‏ء إلا الواحد القهار الذي إليه مصير جميع الأمور بلا قدرة منها كان ابتداء خلقها و بغير امتناع منها كان فناؤها و لو قدرت على الامتناع لدام بقاؤها لم يتكاءده صنع شي‏ء   منها إذ صنعه و لم يؤده منها خلق ما برأه و خلقه و لم يكونها لتشديد سلطان و لا لخوف من زوال و نقصان و لا للاستعانة بها على ند مكاثر و لا للاحتراز بها من ضد مثاور و لا للازدياد بها في ملكه و لا لمكاثرة شريك في شركه و لا لوحشة كانت منه فأراد أن يستأنس إليها ثم هو يفنيها بعد تكوينها لا لسأم دخل عليه في تصريفها و تدبيرها و لا لراحة واصلة إليه و لا لثقل شي‏ء منها عليه لم يمله طول بقائها فيدعوه إلى سرعة إفنائها لكنه سبحانه دبرها بلطفه و أمسكها بأمره و أتقنها بقدرته ثم يعيدها بعد الفناء من غير حاجة منه إليها و لا استعانة بشي‏ء منها عليها و لا لانصراف من حال وحشة إلى حال استئناس و لا من حال جهل و عمى إلى علم و التماس و لا من فقر و حاجة إلى غنى و كثرة و لا من ذل وضعه إلى عز و قدرة

 إيضاح الدال على قدمه بحدوث خلقه فيه و فيما بعده دلالة على أن علة الفاقة إلى المؤثر الحدوث و أنه لا يعقل التأثير في الأزلي القديم و كذا   قوله مستشهد بحدوث الأشياء على أزليته. لا تصحبه الأوقات يحتمل وجهين أحدهما نفي المصاحبة على الدوام بل وجوده سابق على الأزمان كالزمانيات كما قال سبق الأوقات كونه و ثانيهما نفي الزمانية عنه سبحانه مطلقا كما ذهب إليه الحكماء من أن الزمان نسبة المتغير إلى المتغير و لا يكون فيما لا تغير فيه أصلا فالمراد بسبق كونه على الأوقات عدم لحوقها له و امتناع مقارنته سبحانه لها و ربما يؤيد ذلك بقوله ع و كيف يجري عليه ما هو أجراه فإنه ع استدل على عدم جريان السكون و الحركة عليه بأنه موجدهما فلا يكونان من صفاته الكمالية لأن الفعل لا يكون كمالا للفاعل و اتصافه بهما لا على وجه الكمال يوجب التغير أو النقص و هذا جار في الزمان أيضا. و كذا قوله و يعود فيه ما هو أبداه أي أظهره فقيل المعنى أنه سبحانه أظهر الحركة و السكون فكانا متأخرين عنه ذاتا فلو كانا من صفاته لزم أن يعود المتأخر و يصير متقدما لأن صفاته سبحانه عين ذاته فلا يجوز خلوه عنها في مرتبة الإظهار و الإيجاد و يحدث فيه ما هو أحدثه لأن الشي‏ء لا يكون فاعلا و قابلا لشي‏ء واحد أو لما مر من لزوم الاستكمال بغيره و النقص في ذاته.   إذا لتفاوتت ذاته أي حصل الاختلاف و التغير في ذاته و لتجزأ كنهه أي كانت حقيقته ذات أجزاء و أبعاض لأن الحركة و السكون مستلزمان للتحيز المستلزم للجسمية أو لكان فيه ما به بالقوة و ما به بالفعل و لامتنع من الأزل معناه أي ذاته المقصودة من أسمائه الحسنى و الامتناع من الأزل للجسمية و حدوث ما لا ينفك عن الحركة و السكون لا بصوت يقرع أي يقرع الأسماع و القرع الدق و في بعض النسخ على بناء المجهول أي يحصل من قرع شي‏ء. و مثله أي أقامه و قيل البارئ تعالى مثل القرآن لجبرئيل ع بالكتابة في اللوح و يقال مثلته بين يدي أي أحضرته فلما كان الله تعالى فعل القرآن واضحا بينا كأن قد مثله للمكلفين انتهى و الظاهر أن المراد أن قوله كن فيكون ليس المراد به الكلام الحقيقي الذي له صوت بل كناية عن تعلق الإرادة و تمثيل لحصول الأشياء بمحض إرادته بلا تأخر و لا توقف على أمر. و لو كان قديما لكان إلها ثانيا هذا صريح في أن الإمكان لا يجامع القدم و أن الإيجاد إنما يكون لما هو مسبوق بالعدم فالقول بتعدد القدماء مع القول بإمكان بعضها قول بالنقيضين فتجري على المعلوم و في بعض النسخ على المجهول عليه الصفات المحدثات في أكثر النسخ الصفات معرفة باللام فالمحدثات صفة له و في بعضها بدون اللام على الإضافة و هو أنسب أي لو كان محدثا لجرت عليه صفات الأجسام المحدثة فلم يكن بينه و بينها فرق. و الفصل القطع و الحاجز بين الشيئين و المبتدع في بعض النسخ على صيغة الفاعل و في بعضها على صيغة المفعول فعلى الأول البديع بمعنى المبدع على بناء المفعول و على الثاني بمعنى المبدع على بناء الفاعل. على غير مثال خلا أي مضى و سبق من غير اشتغال أي لم يشغله إمساكها

    عن غيره من الأمور و أرساها أي أثبتها على غير قرار أي مقر يتمكن عليه بل قامت بأمره لا على شي‏ء بغير قوائم أي لا كدابة تقوم بقوائمها و الدعامة بالكسر عماد البيت الذي يقوم عليه و حصنه تحصينا أي جعله منيعا و الأود بالتحريك الاعوجاج و العطف للتفسير و التهافت التساقط قطعة قطعة أوتادها أي جبالها التي هي للأرض بمنزلة الأوتاد و ضرب أسدادها السد بالفتح و بالضم الجبل و الحاجز بين الشيئين و قيل بالضم ما كان مخلوقا لله تعالى و بالفتح ما كان من فعلنا و ضرب الأسداد نصبها يقال ضربت الخيمة أي نصبتها أو تعيينها كضرب الخراج و لعل المعنى خلق الجبال فيها و الأنهار التي هي كالحدود لها ليتميز بعضها عن بعض على حسب اقتضاء الحكمة الكاملة و قال الجوهري السد أيضا واحد السدود و هي السحائب السود عن أبي زيد. و استفاض عيونها أي جعلها فائضة جارية و خد أوديتها أي شقها و منه الأخدود أي الحفرات المستطيلة في الأرض حتى يصير موجودها كمفقودها لعل المراد بالمفقود ما لم يوجد أصلا أي حتى يصير كأن لم يكن و يحتمل أن تكون الكاف زائدة و قوله ع كما كان قبل ابتدائها إلى آخر الكلام صريح في حدوث ما سوى الله تعالى و ظاهره نفي الزمان أيضا قبل العالم و عدم زمانيته سبحانه إلى أن يحمل على الأزمنة المعينة من الليالي و الأيام و الشهور و السنين و يدل على فناء جميع أجزاء الدنيا بعد الوجود و هذا أيضا ينافي القدم لأنهم أطبقوا على أن ما ثبت قدمه امتنع عدمه و أقاموا عليه البراهين العقلية. لم يتكاءده في أكثر النسخ على صيغة التفاعل و في بعضها على صيغة التفعل و كلاهما بمعنى نفي المشقة و في بعض النسخ لم يتكاره على صيغة التفاعل من الكره يقال فعل الأمر على تكره و تكاره أي على تسخط و عدم الرضا به و الغرض أنه سبحانه لم يكن مجبورا مكرها في خلق الأشياء.   و آده الأمر يؤده أثقله و برأه أي خلقه و تشديد السلطان إحكام السلطنة و حفظها عن تطرق الخلل فيها و الند بالكسر المثل قالوا و لا يكون الند إلا مخالفا و المكاثرة المغالبة بالكثرة و الضد بالكسر النظير و الكفو و قيل مثل الشي‏ء و خلافه و هو من الأضداد و الثور بالفتح الهيجان و الوثب و ثاوره أي واثبه و الشرك بالكسر الاسم من شركته كعلمت في البيع و الميراث شركه و في النسخ في شركة بالتاء موضع الضمير و الاستئناس اتخاذ الأنيس ضد الاستيحاش و السأم بالتحريك الملال و التصريف التغيير و تحويل الشي‏ء من حال إلى حال و من وجه إلى وجه و الثقل بالكسر كما في بعض النسخ و كعنب كما في بعضها ضد الخفة و لم يمله على صيغة الإفعال أي لم يجعله سئما و في بعض النسخ و لا يمله و ذكر السرعة لأن الإفناء لا يستدعي زمانا طويلا إذا كان عن قدرة كاملة أو لأنه إذا كان عن ملالة من البقاء يكون بسرعة. و أتقنها أحكمها و الالتماس الطلب و المراد طلب علم مجهول و الضعة بالفتح كما في النسخ و بالكسر انحطاط الدرجة ضد الرفعة و الضمير في قوله ع يعيدها راجع إلى الدنيا كالضمائر السابقة و جوز بعض شارحي النهج عودها إلى الأمور في قوله ع إليه مصير جميع الأمور و على أي حال ظاهره انعدام جميع المخلوقات حتى الأرواح و الملائكة ثم عودها فيدل على جواز إعادة المعدوم و قد سبق الكلام فيه في المجلد الثالث

7-  التوحيد، و العيون، عن محمد بن علي ماجيلويه عن عمه محمد بن أبي القاسم عن أبي سمينة عن محمد بن عبد الله الخراساني عن الرضا ع قال هو أين   الأين كان و لا أين و هو كيف الكيف كان و لا كيف الخبر

8-  الاحتجاج، عن صفوان بن يحيى قال سألني أبو قرة المحدث أن أدخله إلى أبي الحسن الرضا ع فاستأذنته فأذن له فدخل و سأله عن مسائل فكان فيما سأله أخبرني جعلني الله فداك عن كلام الله لموسى و ساق الكلام إلى أن قال فما تقول في الكتب فقال التوراة و الإنجيل و الزبور و الفرقان و كل كتاب أنزل كان كلام الله أنزله للعالمين نورا و هدى و هي كلها محدثة و هي غير الله فقال أبو قرة فهل يفنى فقال أبو الحسن ع أجمع المسلمون على أن ما سوى الله فان و ما سوى الله فعل الله و التوراة و الإنجيل و الزبور و الفرقان فعل الله أ لم تسمع الناس يقولون رب القرآن و أن القرآن يقول يوم القيامة يا رب هذا فلان و هو أعرف به قد أظمأت نهاره و أسهرت ليله فشفعني فيه و كذلك التوراة و الإنجيل و الزبور كلها محدثة مربوبة أحدثها من لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ هدى لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ فمن زعم أنهن لم يزلن فقد أظهر أن الله ليس بأول قديم و لا واحد و أن الكلام لم يزل معه و ليس له بدء و ليس بإله

 بيان و ليس له بدء أي ليس للكلام علة لأن القديم لا يكون مصنوعا و ليس بإله أي و الحال أنه ليس بإله فكيف لم يحتج إلى الصانع أو الصانع يلزم أن لا يكون إلها لوجود الشريك معه في القدم و في بعض النسخ و ليس بإله له أي يلزم أن لا يكون الله إلها للكلام لكونه معه دائما

9-  المهج، ]مهج الدعوات[ بإسناده عن أحمد بن محمد بن غالب عن عبد الله بن أبي حبيبة و خليل بن سالم عن الحارث بن عمير عن جعفر بن محمد عن آبائه عن أمير المؤمنين ع قال علمني رسول الله ص هذا الدعاء و ذكر له فضلا كثيرا الحمد لله الذي لا إله إلا هو الملك الحق المبين المدبر بلا وزير و لا خلق من عباده يستشير الأول غير مصروف و الباقي بعد فناء الخلق العظيم الربوبية نور   السماوات و الأرضين و فاطرهما و مبتدعهما بغير عمد خلقهما فاستقرت الأرضون بأوتادها فوق الماء ثم علا ربنا في السَّماواتِ الْعُلى الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما وَ ما تَحْتَ الثَّرى إلى قوله أنت الله لا إله إلا أنت كنت إذ لم تكن سماء مبنية و لا أرض مدحية و لا شمس مضيئة و لا ليل مظلم و لا نهار مضي‏ء و لا بحر لجي و لا جبل راس و لا نجم سار و لا قمر منير و لا ريح تهب و لا سحاب يسكب و لا برق يلمع و لا روح تتنفس و لا طائر يطير و لا نار تتوقد و لا ماء يطرد كنت قبل كل شي‏ء و كونت كل شي‏ء و ابتدعت كل شي‏ء إلى آخر الدعاء

10-  و منه، بأسانيد ذكرها إلى ابن عباس و عبد الله بن جعفر عن أمير المؤمنين ع في الدعاء اليماني المعروف و أنت الجبار القدوس الذي لم تزل أزليا دائما في الغيوب وحدك ليس فيها غيرك و لم يكن لها سواك

11-  و منه، في دعاء علمه جبرئيل النبي صلى الله عليهما الأول و الآخر و الكائن قبل كل شي‏ء و المكون لكل شي‏ء و الكائن بعد فناء كل شي‏ء

12-  التوحيد، عن محمد بن الحسن عن محمد بن الحسن الصفار عن محمد بن عيسى عن سليمان الجعفري قال قال الرضا ع المشية من صفات الأفعال فمن زعم أن الله لم يزل مريدا شائيا فليس بموحد

 بيان لعل الشرك باعتبار أنه إذا كانت الإرادة و المشية أزليتين فالمراد و المشي‏ء أيضا يكونان أزليين و لا يعقل التأثير في القديم فيكون إلها ثانيا كما مر مرارا أو أنهما لما لم يكونا عين الذات فكونهما دائما معه سبحانه يوجب إلهين   آخرين بتقريب ما مر و يؤيد الأول

 ما رواه في التوحيد أيضا عن عاصم بن حميد عن أبي عبد الله ع قال قلت له لم يزل الله مريدا فقال إن المريد لا يكون إلا لمراد معه بل لم يزل عالما قادرا ثم أراد

13-  التوحيد، بإسناده عن سلمان قال سأل الجاثليق أمير المؤمنين ع أخبرني عن الرب أ في الدنيا هو أو في الآخرة قال علي ع لم يزل ربنا قبل الدنيا هو مدبر الدنيا و عالم بالآخرة

14-  و بإسناده عن أبي عبد الله ع قال الحمد لله الذي كان قبل أن يكون كان لم يوجد لوصفه كان ثم قال كان إذ لم يكن شي‏ء و لم ينطق فيه ناطق فكان إذ لا كان

15-  النهج، ]نهج البلاغة[ من خطبة له ع و كان من اقتدار جبروته و بديع لطائف صنعته أن جعل من ماء البحر الزاخر المتراكم المتقاصف يبسا جامدا ثم فطر منه أطباقا ففتقها سبع سماوات بعد ارتتاقها فاستمسكت بأمره و قامت على حده يحملها الأخضر المثعنجر و القمقام المسخر قد ذل لأمره و أذعن لهيبته و وقف الجاري منه لخشيته و جبل جلاميدها و نشوز متونها و أطوادها فأرساها   في مراسيها و ألزمها قرارتها فمضت رءوسها في الهواء و رست أصولها في الماء فانهد جبالها عن سهولها و أساخ قواعدها في متون أقطارها و مواضع أنصابها فأشهق قلالها و أطال أنشازها و جعلها للأرض عمادا و أرزها فيها أوتادا فسكنت على حركتها من أن تميد بأهلها أو تسيخ بحملها أو تزول عن مواضعها فسبحان من أمسكها بعد موجان مياهها و أجمدها بعد رطوبة أكنافها فجعلها لخلقه مهادا و بسطها لهم فراشا فوق بحر لجي راكد لا يجري و قائم لا يسري تكركره الرياح العواصف و تمخضه الغمام الذوارف إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى

 بيان الاقتدار على الشي‏ء القدرة عليه و الجبروت فعلوت من الجبر و هو القهر و البديع بمعنى المبدع بالفتح و اللطيف الدقيق و زخر البحر كمنع أي تملأ و ارتفع و المتراكم المجتمع بعضه فوق بعض و تقاصف البحر تزاحمت أمواجه و قال ابن أبي الحديد اليبس بالتحريك المكان يكون رطبا ثم يبس قال الله تعالى فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا و اليبس بالسكون اليابس خلقة يقال حطب يبس و هكذا يقول أهل اللغة و فيه كلام لأن الحطب ليس يابسا خلقة بل كان رطبا من قبل و الأصوب أن يقال لا تكون هذه اللفظة محركة إلا في المكان خاصة انتهى و الجامد ضد الذائب و المراد باليبس الجامد الأرض و الفطر بالفتح الخلق و الإنشاء و الأطباق بالفتح جمع طبق بالتحريك و هو غطاء كل شي‏ء و الطبق أيضا من كل شي‏ء ما ساواه و قوله ع ففتقها إشارة إلى قوله تعالى أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما و قد مرت الوجوه في تفسيرها و هذا مما يؤيد بعضها فتذكر و يدل على حدوث السماوات و كونها أولي طبقات منفصلة في الحقيقة متصلة في الصورة   بعضها فوق بعض ففتقها و فرقها و باعد بعضها عن بعض فحصلت سبع سماوات متميزات بينها أفضية للملائكة. و الاستمساك الاحتباس و الاعتصام و الغرض عدم تفرقها كان بعضها معتصم ببعض و قيامها على حده كناية عن وقوفها على ما حده لها من المكان و المقدار و الشكل و الهيئة و النهايات و الطبائع و عدم خروجها عن تلك و الضمير في حده راجع إلى الله أو إلى اليبس. و قال الكيدري و الأخضر الماء و العرب تصفه بالخضرة و المثعنجر على صيغة اسم الفاعل كما في النسخ السائل من ماء أو دمع و بفتح الجيم وسط البحر و ليس في البحر ما يشبهه ذكره الفيروزآبادي و قال الجزري في حديث علي ع يحملها الأخضر المثعنجر هو أكثر موضع في البحر ماء و الميم و النون زائدتان و منه حديث ابن عباس فإذا علمي بالقرآن في علم علي كالقرارة في المثعنجر القرارة الغدير الصغير. و القمقام بالفتح كما في النسخ و قد يضم البحر و يكون بمعنى السيد و الأمر العظيم و العدد الكثير و المسخر في بعض النسخ بالخاء المعجمة و في بعضها بالجيم في القاموس سجر النهر ملأه و تسجير الماء تفجيره و الضمير في قوله ع منه راجع إلى ماء البحر أو إلى اليبس الجامد فيكون الدخان الذي خلق منه السماوات مرتفعا منه و في استمسكت إلى الأطباق أو إلى ما يرجع إليه الضمير في يحملها و هو اليبس الجامد و التأنيث لأن المراد به الأرض. و أذعن له أي خضع و انقاد و الجاري منه أي السائل بالطبع فوقوفه عدم جريانه طبعا بإرادته سبحانه أو السائل منه قبل إرادته و أمره بالجمود و يحتمل

    أن تكون الضمائر في ذل و أذعن و وقف راجعة إلى الأخضر أو القمقام و هو أنسب بتذكير الضمير و الجريان. و جبل كنصر و ضرب أي خلق و الجلمد بالفتح و الجلمود بالضم الحجر العظيم الصلب و النشز بالفتح المكان المرتفع و الجمع نشوز بالضم و المتن ما صلب من الأرض و ارتفع و الطود بالفتح الجبل أو العظيم منه و الضمائر راجعة إلى الأرض المعبر عنها باليبس الجامد و أرساها أي أثبتها في مراسيها أي في مواضعها المعينة بمقتضى الحكم الإلهية و القرارة موضع القرار و رست أي ثبتت و في بعض النسخ رسبت يقال رسب كنصر إذا ذهب إلى أسفل و إذا ثبت و يقال نهد ثدي الجارية كمنع و نصر أي كعب و أشرف و السهل من الأرض ضد الحزن و ساخت قوائمه في الأرض تسوخ و تسيخ أي دخلت فيها و غابت و أساخها غيبها و قواعد البيت أساسه و القطر بالضم الناحية أي غيب قواعد الجبال في متون نواحي الأرض و قيل أي في جوانب أقطارها و النصب بالفتح و يحرك العلم المنصوب و بالضم و بضمتين كل ما جعل علما و كل ما عبد من دون الله و المراد بالأنصاب الجبال و بمواضعها الأمكنة الصالحة للجبال بمقتضى الحكمة و القلال بالكسر جمع قلة بالضم و هي أعلى الجبل أو أعلى كل شي‏ء و الشاهق المرتفع أي جعل قلالها مرتفعة و إطالة الأنشاز مؤكدة لها و العماد بالكسر الخشبة التي يقوم عليها البيت و الأبنية الرفيعة و الظاهر أن المراد بجعلها للأرض عمادا ما يستفاد من الفقرة التالية و قيل المراد جعلها مواضع رفيعة في الأرض و أرز بتقديم المهملة كنصر و ضرب و علم أي ثبت و أرز بتشديد المعجمة أي أثبت و في أكثر النسخ بالتخفيف و فتح العين و في بعضها بالتشديد قال في النهاية في كلام علي ع أرزها فيها أوتادا أي أثبتها إن كانت الزاي مخففة فهي من أرزت الشجرة تأرز إذا أثبت في الأرض و إن كانت مشددة فهي من أرزت الجرادة إذا أدخلت ذنبها في الأرض لتلقي فيها بيضها و رززت الشي‏ء في الأرض رزا أثبتته فيها و حينئذ تكون الهمزة زائدة   انتهى و قيل و روي آرز بالمد من قولهم شجرة آرزة أي ثابتة في الأرض. فسكنت على حركتها أي حال حركتها التي هي من شأنها لأنها محمولة على سائل متموج كما قيل أو على أثر حركتها بتموج الماء من أن تميد أي تتحرك و تضطرب أو تسيخ بحملها أي تغوص بالماء مع ما عليها قال ابن أبي الحديد لو تحركت الأرض فإما أن تتحرك على مركزها أو لا و الأول هو المراد بقوله ع تميد بأهلها و الثاني ينقسم إلى أن تنزل إلى تحت و هو المراد بقوله ع تسيخ بحملها و أن لا تنزل إلى تحت و هو المراد بقوله تزول عن مواضعها انتهى. و يحتمل أن يراد بقوله ع تميد بأهلها تحركها و اضطرابها بدون الغوص في الماء كما يكون عند الزلزلة و بسوخها بحملها حركتها على وجه يغوص أهلها في الماء سواء كانت على المركز أم لا فتكون الباء للتعدية و بزوالها عن مواضعها خراب قطعاتها بالرياح و السيول أو بتفرق القطعات و انفصال بعضها عن بعض فإن الجبال كالعروق السارية فيها تضبطها عن التفرق كما سيأتي و يؤيده إيراد المواضع بلفظ الجمع. و صيغة فعلان بالتحريك في المصدر تدل على الاضطراب و التقلب و التنقل كالميدان و النزوان و الخفقان و لعل المراد بهذا الموجان ما كان غامرا للأرض أو أكثرها و إمساكها بخلق الجبال التي تقدم في الكلام و رطوبة أكنافها أي جوانبها لميدانها قبل خلق الجبال و المهاد بالكسر الفراش و الموضع يهيأ للصبي و يوطأ و الفراش ما يبسط و اللجة بالضم معظم الماء و ركد كنصر أي ثبت و سكن و سرى عرق الشجر كرمى أي دب تحت الأرض. و قال الجوهري الكركرة تصريف الرياح السحاب إذا جمعته بعد تفرق و قال باتت تكركره الجنوب و أصله تكرره من التكرير و كركرته عني   أي دفعته و رددته. و الرياح العواصف الشديدة الهبوب و مخض اللبن يمخضه مثلثة أي أخذ زبده و في النسخ الفتح و الضم و الغمام جمع غمامة و هي السحابة البيضاء أو الأعم و ذرف الدمع كضرب أي سال و ذرف عينه أي سال دمعها و ذرف العين دمعها أي أسالها و من يخشى العلماء كما قال سبحانه إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ و يحتمل أن يكون التخصيص لأجل أن عدم الخشية يوجب عدم المبالاة بالعبر و الالتفات إليها

16-  العلل، بإسناده عن معاذ بن جبل أن رسول الله ص قال إن الله خلقني و عليا و فاطمة و الحسن و الحسين ع قبل أن يخلق الدنيا بسبعة آلاف عام قلت فأين كنتم يا رسول الله قال قدام العرش نسبح الله و نحمده و نقدسه و نمجده قلت على أي مثال قال أشباح نور الخبر

17-  التوحيد، و العيون، عن محمد بن الحسن عن محمد بن عمرو الكاتب عن محمد بن زياد القلزمي عن محمد بن أبي زياد الجدي عن محمد بن يحيى العلوي عن الرضا ع في خطبته الطويلة قال أول عبادة الله معرفته و أصل معرفة الله توحيده و نظام توحيد الله نفي الصفات عنه لشهادة العقول أن كل صفة و موصوف مخلوق و شهادة كل مخلوق أن له خالقا ليس بصفة و لا موصوف و شهادة كل صفة و موصوف بالاقتران و شهادة الاقتران بالحدث و شهادة الحدث بالامتناع من الأزل الممتنع من الحدث إلى قوله سبق الأوقات كونه و العدم وجوده و الابتداء أزله إلى قوله ففرق بها بين قبل و بعد ليعلم أن لا قبل له و لا بعد إلى قوله مخبرة بتوقيتها أن لا وقت لموقتها إلى قوله له معنى الربوبية إذ لا مربوب و حقيقة الإلهية إذ لا مألوه و معنى العالم إذ لا معلوم و معنى الخالق إذ   لا مخلوق و تأويل السمع و لا مسموع ليس منذ خلق استحق معنى الخالق و لا بإحداثه البرايا استفاد معنى البرائية كيف و لا تغيبه مذ و لا تدنيه قد و لا تحجبه لعل و لا يوقته متى و لا تشمله حين و لا تقارنه مع إلى قوله فكل ما في الخلق لا يوجد في خالقه و كلما يمكن فيه يمتنع من صانعه لا تجري عليه الحركة و السكون و كيف يجري عليه ما هو أجراه أو يعود إليه ما هو ابتداه إذا لتفاوتت ذاته و لتجزأ كنهه و لامتنع من الأزل معناه إلى قوله ليس في محال القول حجة و لا في المسألة عنه جواب و لا في معناه لله تعظيم و لا في إبانته عن الخلق ضيم إلا بامتناع الأزلي أن يثنى و لما لا بدء له أن يبدأ إلى آخر الخطبة

 الاحتجاج، مرسلة مثله مجالس ابن الشيخ، عن أبيه عن المفيد عن الحسن بن حمزة العلوي عن محمد بن عبد الله الحميري عن أبيه عن أحمد بن محمد بن عيسى عن مروك بن عبيد   عن محمد بن زيد الطبري عن الرضا ع مثله

 مجالس المفيد، عن الحسن بن حمزة مثله

 بيان قد مر شرح الخطبة في كتاب التوحيد و قد دلت على تنافي الحدوث أي المعلولية و الأزلية و تأويل الأزلية بوجوب الوجود مع بعده يجعل الكلام خاليا عن الفائدة و دلالة سائر الفقرات ظاهرة كما فصلناه سابقا و ظاهر أكثر الفقرات نفي الزمانية عنه سبحانه و كذا قوله ع إلا بالامتناع الأزلي أن يثنى يدل على امتناع تعدد القدماء و كذا الفقرة التالية لها

18-  التوحيد، عن محمد بن الحسن عن الصفار و سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد بن عيسى و الهيثم بن أبي مسروق و محمد بن الحسين كلهم عن الحسن بن محبوب عن عمرو بن أبي المقدام عن إسحاق بن غالب عن أبي عبد الله عن آبائه ع قال قال رسول الله ص في بعض خطبه الحمد لله الذي كان في أزليته وحدانيا إلى قوله ابتدأ ما ابتدع و أنشأ ما خلق على غير مثال كان سبق لشي‏ء مما خلق ربنا القديم بلطف ربوبيته و بعلم خبره فتق و بإحكام قدرته خلق جميع ما خلق الخبر

19-  و منه، عن علي بن أحمد الدقاق عن محمد بن أبي عبد الله الكوفي عن موسى بن عمران عن الحسين بن يزيد عن إبراهيم بن الحكم عن عبد الله بن جرير عن جعفر بن محمد ع أنه كان يقول الحمد لله الذي كان قبل أن يكون كان لم يوجد لوصفه كان بل كان أولا كائنا لم يكونه مكون جل ثناؤه بل كون الأشياء قبل كونها فكانت كما كونها علم ما كان و ما هو كائن كان إذ لم يكن شي‏ء و لم ينطق فيه ناطق فكان إذ لا كان

    -20  و منه، عن أبيه عن محمد بن إدريس عن محمد بن أحمد عن سهل بن زياد عن أحمد بن بشر عن محمد بن جمهور العمي عن محمد بن الفضيل عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله ع قال قال في الربوبية العظمى و الإلهية الكبرى لا يكون الشي‏ء لا من شي‏ء إلا الله و لا ينقل الشي‏ء من جوهريته إلى جوهر آخر إلا الله و لا ينقل الشي‏ء من الوجود إلى العدم إلا الله

21-  و منه، عن محمد بن إبراهيم الطالقاني عن الحسن بن علي العدوي عن الهيثم عبد الله الرماني عن الرضا عن آبائه ع قال خطب أمير المؤمنين ع الناس في مسجد الكوفة فقال الحمد لله الذي لا من شي‏ء كان و لا من شي‏ء كون ما كان مستشهد بحدوث الأشياء على أزليته و بفطورها على قدمته الخطبة

22-  و منه، عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن إبراهيم بن هاشم عن ابن أبي عمير عن منصور بن حازم قال قلت أ رأيت ما كان و ما هو كائن إلى يوم القيامة أ ليس كان في علم الله تعالى قال فقال بلى قبل أن يخلق السماوات و الأرض

23-  و منه، عن الحسين بن أحمد بن إدريس عن أبيه عن محمد بن أحمد الأشعري عن علي بن إسماعيل و إبراهيم بن هاشم جميعا عن صفوان عن منصور بن حازم قال سألت أبا عبد الله ع هل يكون اليوم شي‏ء لم يكن في علم الله عز و جل قال لا بل كان في علمه قبل أن ينشئ السماوات و الأرض

    -24  و منه، عن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب عن أحمد بن الفضل عن منصور بن عبد الله عن علي بن عبد الله عن الحسين بن بشار عن أبي الحسن الرضا ع قال إن الله العالم بالأشياء قبل كون الأشياء إلى قوله فلم يزل الله عز و جل علمه سابقا للأشياء قديما قبل أن يخلقها فتبارك ربنا و تعالى علوا كبيرا خلق الأشياء و علمه بها سابق لها كما شاء كذلك لم يزل ربنا عليما سميعا بصيرا

25-  و بهذا الإسناد عن علي بن عبد الله عن صفوان عن ابن مسكان قال سألت أبا عبد الله ع عن الله تبارك و تعالى أ كان يعلم المكان قبل أن يخلق المكان أم علمه عند ما خلقه و بعد ما خلقه فقال تعالى الله بل لم يزل عالما بالمكان قبل تكوينه كعلمه به بعد ما كونه و كذلك علمه بجميع الأشياء كعلمه بالمكان

26-  و منه، عن علي بن أحمد الدقاق عن محمد بن أبي عبد الله الكوفي عن محمد بن إسماعيل البرمكي عن الفضل بن سليمان عن الحسين بن خالد قال قلت للرضا ع إن قوما يقولون إنه عز و جل لم يزل عالما بعلم و قادرا بقدرة و حيا بحياة و قديما بقدم و سميعا بسمع و بصيرا ببصر فقال ع من قال ذلك و دان به فقد اتخذ مع الله آلهة أخرى و ليس من ولايتنا على شي‏ء

27-  العيون، و التوحيد، عن جعفر بن علي بن أحمد الفقيه القمي عن الحسن بن محمد بن علي بن صدقة عن محمد بن عبد العزيز الأنصاري قال حدثني من سمع الحسن بن محمد النوفلي قال قال عمران الصابي للرضا ع أخبرني   عن الكائن الأول و عما خلق قال ع سألت فافهم أما الواحد فلم يزل واحدا كائنا لا شي‏ء معه بلا حدود و لا أعراض و لا يزال كذلك ثم خلق خلقا مبتدعا مختلفا بأعراض و حدود مختلفة لا في شي‏ء أقامه و لا في شي‏ء حده و لا على شي‏ء حذاه و مثله له فجعل من بعد ذلك الخلق صفوة و غير صفوة و اختلافا و ائتلافا و ألوانا و ذوقا و طعما لا لحاجة كانت منه إلى ذلك و لا لفضل منزلة لم يبلغها إلا به و لا رأى لنفسه فيما خلق زيادة و لا نقصا تعقل هذا يا عمران قال نعم و الله يا سيدي قال ع و اعلم يا عمران أنه لو كان خلق ما خلق لحاجة لم يخلق إلا من يستعين به على حاجته و لكان ينبغي أن يخلق أضعاف ما خلق لأن الأعوان كلما كثروا كان صاحبهم أقوى و الحاجة يا عمران لا تسعها لأنه لم يحدث من الخلق شيئا إلا حدثت فيه حاجة أخرى و لذلك أقول   لم يخلق الخلق لحاجة و لكن نقل بالخلق بالحوائج بعضهم إلى بعض و فضل بعضهم على بعض بلا حاجة منه إلى من فضل و لا نقمة منه على من أذل فلهذا خلق قال عمران يا سيدي أ لا تخبرني عن حدود خلقه كيف هي و ما معانيها و على كم نوع تكون قال قد سألت فافهم إن حدود خلقه على ستة أنواع ملموس و موزون و منظور إليه و ما لا وزن له و ما لا ذوق له و هو الروح و منها منظور إليه و ليس له وزن و لا لمس و لا حس و لا لون و التقدير و الأعراض و الصور و الطول و العرض و منها العمل و الحركات التي تصنع الأشياء و تعملها و تغيرها من حال إلى حال و تزيدها و تنقصها و أما الأعمال و الحركات فإنها تنطلق لأنه لا وقت لها أكثر من قدر ما يحتاج إليه فإذا فرغ من الشي‏ء انطلق بالحركة و بقي الأثر و يجري مجرى الكلام الذي يذهب و يبقى أثره قال له عمران يا سيدي أ لا تخبرني عن الخالق إذا كان واحدا لا شي‏ء غيره و لا شي‏ء معه أ ليس قد تغير بخلقه الخلق قال له الرضا ع لم يتغير عز و جل بخلق الخلق و لكن الخلق يتغير بتغييره قال عمران يا سيدي أ لا تخبرني عن الله عز و جل هل يوحد بحقيقة أو يوحد بوصف قال ع إن الله المبدأ الواحد الكائن الأول لم يزل واحدا لا شي‏ء معه فردا لا ثاني معه لا معلوما و لا مجهولا و لا محكما و لا متشابها و لا

   مذكورا و لا منسيا و لا شيئا يقع عليه اسم شي‏ء من الأشياء و لا من وقت كان و لا إلى وقت يكون و لا بشي‏ء قام و لا إلى شي‏ء يقوم و لا إلى شي‏ء استند و لا في شي‏ء استكن و ذلك كله قبل الخلق إذ لا شي‏ء غيره و ما أوقعت عليه من الكل فهي صفات محدثة و ترجمة يفهم بها من فهم و اعلم أن الإبداع و المشية و الإرادة معناها واحد و أسماؤها ثلاثة و كان أول إبداعه و إرادته و مشيته الحروف التي جعلها أصلا لكل شي‏ء و دليلا على كل مدرك و فاصلا لكل مشكل و بتلك الحروف تفريق كل شي‏ء من اسم حق أو باطل أو فعل أو مفعول أو معنى أو غير معنى و عليها اجتمعت الأمور كلها و لم يجعل للحروف في إبداعه لها معنى أو غير معنى و عليها اجتمعت الأمور كلها و لم يجعل للحروف في إبداعه لها معنى غير أنفسها بتناه و لا وجود لها لأنها مبدعة بالإبداع و النور في هذا الوضع أول فعل الله الذي هو نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ و الحروف هي المفعول بذلك الفعل و هي الحروف التي عليها الكلام و العبارات كلها من الله عز و جل علمها خلقه و هي ثلاثة و ثلاثون حرفا فمنها ثمانية و عشرون حرفا تدل على اللغات العربية و من الثمانية و العشرين اثنان و عشرون حرفا تدل على اللغات السريانية و العبرانية و منها خمسة أحرف متحرفة في سائر اللغات من العجم لأقاليم اللغات كلها و هي خمسة أحرف تحرفت من الثمانية و العشرين الحروف من اللغات فصارت الحروف ثلاثة و ثلاثين حرفا فأما الخمسة المختلفة فبحجج لا يجوز ذكرها أكثر مما ذكرناه ثم جعل الحروف   بعد إحصائها و إحكام عدتها فعلا منه كقوله عز و جل كُنْ فَيَكُونُ و كن منه صنع و ما يكون به المصنوع فالخلق الأول من الله عز و جل الإبداع لا وزن له و لا حركة و لا سمع و لا لون و لا حس و الخلق الثاني الحروف لا وزن لها و لا لون و هي مسموعة موصوفة غير منظور إليها و الخلق الثالث ما كان من الأنواع كلها محسوسا ملموسا ذا ذوق منظورا إليه و الله تبارك و تعالى سابق للإبداع لأنه ليس قبله عز و جل شي‏ء و لا كان معه شي‏ء و الإبداع سابق للحروف و الحروف لا تدل على غير أنفسها قال المأمون و كيف لا تدل على غير أنفسها قال الرضا ع لأن الله عز و جل لا يجمع منها شيئا لغير معنى أبدا فإذا ألف منها أحرفا أربعة أو خمسة أو ستة أو أكثر من ذلك أو أقل لم يؤلفها لغير معنى و لم يك إلا لمعنى محدث لم يكن قبل ذلك شيئا قال عمران فكيف لنا معرفة ذلك قال الرضا ع أما المعرفة فوجه ذلك و بيانه أنك تذكر الحروف إذا لم ترد بها غير نفسها ذكرتها فردا فقلت أ ب ت ث ج ح خ حتى تأتي على آخرها فلم تجد لها معنى غير أنفسها فإذا ألفتها و جمعت منها أحرفا و جعلتها اسما و صفة لمعنى ما طلبت و وجه ما عنيت كانت دليلة على معانيها داعية إلى الموصوف بها أ فهمته قال نعم ثم قال يا سيدي أ لا تخبرني عن الإبداع أ خلق هو أم غير خلق قال الرضا ع بل خلق ساكن لا يدرك بالسكون و إنما صار خلقا لأنه شي‏ء محدث و الله الذي أحدثه فصار

   خلقا له و إنما هو الله عز و جل و خلقه لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما فما خلق الله عز و جل لم يعد أن يكون خلقه و قد يكون الخلق ساكنا و متحركا و مختلفا و مؤتلفا و معلوما و متشابها و كل ما وقع عليه حد فهو خلق الله عز و جل و اعلم أن كل ما أوجدتك الحواس فهو معنى مدرك للحواس و كل حاسة تدل على ما جعل الله عز و جل لها في إدراكها و الفهم من القلب بجميع ذلك كله و اعلم أن الواحد الذي هو قائم بغير تقدير و لا تحديد خلق خلقا مقدرا بتحديد و تقدير و كان الذي خلق خلقين اثنين التقدير و المقدر و ليس في واحد منهما لون و لا وزن و لا ذوق فجعل أحدهما يدرك بالآخر و جعلهما مدركين بنفسهما و لم يخلق شيئا فردا قائما بنفسه دون غيره للذي أراد من الدلالة على نفسه و إثبات وجوده فالله تبارك و تعالى فرد واحد لا ثاني معه يقيمه و لا يعضده و لا يكنه و الخلق يمسك بعضه بعضا بإذن الله و مشيته و إنما اختلف الناس في هذا الباب حتى تاهوا و تحيروا و طلبوا الخلاص من الظلمة بالظلمة في وصفهم الله بصفة أنفسهم فازدادوا من الحق بعدا و لو وصفوا الله عز و جل بصفاته و وصفوا المخلوقين بصفاتهم لقالوا بالفهم و اليقين و لما اختلفوا فلما طلبوا من ذلك ما تحيروا فيه ارتبكوا وَ اللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ تمام الخبر

 بيان لا في شي‏ء أقامه أي في مادة قديمة كما زعمته الفلاسفة و مثله   له أي مثل أولا ذلك الشي‏ء للشي‏ء الكائن ثم خلق الكائن على حذوه كما هو شأن المخلوقين و يحتمل أن يكون ضمير له راجعا إلى الصانع تعالى و الحاجة يا عمران لا يسعها أي لا يسع خلق الحاجة و لا يدفعها لأن كل من خلق لو كان على وجه الاحتجاج لكان يحتاج لحفظه و تربيته و رزقه و دفع الشرور عنه إلى أضعافه و هكذا على ستة أنواع لعل الأول ما يكون ملموسا و موزونا و منظورا إليه. و الثاني ما لا تكون له تلك الأوصاف كالروح و إنما عبر عنه بما لا ذوق له اكتفاء ببعض صفاته و في بعض النسخ و ما لا لون له و هو الروح و هو أظهر للمقابلة. و الثالث ما يكون منظورا إليه و لا يكون ملموسا و لا محسوسا و لا موزونا و لا لون له كالهواء و السماء فالمراد بكونه منظورا إليه أنه يظهر للنظر بآثاره و قد يرى و لا لون له بالذات أو يراد به الجن و الملك و أشباههما و الظاهر أن قوله و لا لون زيد من النساخ. و الرابع التقدير و يدخل فيه الصور و الطول و العرض. و الخامس الأعراض القارة المدركة بالحواس كاللون و الضوء و هو الذي عبر عنه بالأعراض. و السادس الأعراض غير القارة كالأعمال و الحركات التي تذهب هي و تبقى آثارها و يمكن تصوير التقسيم بوجوه أخر تركناها لمن تفكر فيه. هل يوحد بحقيقة بالحاء المهملة المشددة أي هل يتأتى توحيده مع تعقل كنه حقيقته أو إنما يوحد مع تعقله بوجه من وجوهه و صفة من صفاته و في بعض النسخ بالجيم من الوجدان أي يعرف و هو أظهر فأجاب ع بأنه سبحانه يعرف بالوجوه التي هي محدثة في أذهاننا و هي مغايرة لحقيقته تعالى و ما ذكره أولا لبيان أنه قديم أزلي و القديم يخالف المحدثات في الحقيقة و كل شي‏ء غيره فهو حادث و قوله ع لا معلوما تفصيل و تعميم للثاني أي ليس معه غيره لا معلوم و لا مجهول و المراد بالمحكم ما يعلم حقيقته و بالمتشابه ضده و يحتمل أن يكون إشارة إلى نفي قول من قال بقدم القرآن فإن المحكم و المتشابه   يطلق على آياته و لم يجعل للحروف في إبداعه لها معنى أي إنما خلق الحروف المفردة التي ليس لها موضوع غير أنفسها و لم يجعل لها وضعا و لا معنى ينتهي إليه و يوجد و يعرف بذلك الحرف و يحتمل أن يكون المراد بالمعنى الصفة أي أول ما خلقها كان غير موصوف بمعنى و صفة ينتهي إليها و يوجد لأنها كانت مبدعة بمحض الإبداع و لم يكن هناك شي‏ء غير الإبداع و الحروف حتى يكون معنى للحروف أو صفة لها و المراد بالنور الوجود إذ به تظهر الأشياء كما تظهر الموجودات للحس بالنور و الإبداع هو الإيجاد و بالإيجاد تصير الأشياء موجودة فالإبداع هو التأثير و الحروف هي الأثر موجودة بالتأثير و بعبارة أخرى الحروف محل التأثير و عبر عنه بالمفعول و الفعل و الأثر هو الوجود. فأما الخمسة المختلفة فبحجج كذا في أكثر النسخ أي إنما حدثت بأسباب و علل من انحراف لهجات الخلق و اختلاف منطقهم لا ينبغي ذكرها و في بعضها فبحح بالحاءين من البحة و هي الغلظة في الصوت و الأظهر أنه ع ذكر تلك الحروف فاشتبه على الرواة و صحفوها فالخمسة الگاف في قولهم بگو أي تكلم و الچيم المنقوطة بثلاث نقاط كما في قولهم چه ميگوئى و الژاء في قولهم ژاله و الپاء في قولهم پياده و پياله و التاء في الهندية ثم ركب الحروف و أوجد الأشياء و جعلها فعلا منه كما قال إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فكن صنع و إيجاد للأشياء و ما يوجد به هو المصنوع فأول صادر عنه تعالى هو الإيجاد و هو معنى لا وزن له و لا حركة و ليس بمسموع و لا ملون و لا محسوس و الخلق الثاني يعني الحروف غير موزون و لا ملون لكنها مسموعة موصوفة و لا يمكن إبصارها و الخلق الثالث و هو ما وجد بهذه الحروف من السماوات و الأرضين و غيرهما هي محسوسة ملموسة مذوقة مبصرة فالله مقدم بوجوده

    على الإبداع الذي هو الخلق الأول لأنه ليس شي‏ء قبله حتى يسبقه أيضا إبداع و لا كان شي‏ء دائما معه و الإبداع متقدم على الحروف لوجودها به و معنى كون الحروف غير دالة على معنى غير نفسها هو أن الحروف المفردة إنما وضعت للتركيب و ليس لها معنى تدل عليه إلا بعد التركيب قوله ع بل خلق ساكن أي نسبة و إضافة بين العلة و المعلول فكأنه ساكن فيهما أو عرض قائم بمحل لا يمكنه مفارقته و قوله لا يدركه بالسكون أي أمر إضافي اعتباري ينتزعه العقل و لا يشار إليه في الخارج و لا يدرك بالحواس و إن كان ما يتعلق به من المحسوسات و إنما قلنا إنه خلق لأن هذه النسبة و التأثير غيره تعالى و هو محدث و لا يمكن نفي الوجود عنه رأسا لأنه شي‏ء حادث بعد أن لم يكن فله خروج عن كتم العدم و دخول في نحو من أنحاء الوجود و كل محدث معلول فلا يتوهم أنه خلق يحتاج إلى تأثير آخر و هكذا حتى يلزم التسلسل بل ليس في الحقيقة إلا الرب و مخلوقه الذي أوجده و الإيجاد معنى صار سببا لوجود المعلول بتأثيره تعالى فكل شي‏ء خلقه الله لم يعد و لم يتجاوز أن يصدق عليه إن الله خلقه فهذا هو معنى الإبداع لا غير و هذا المعنى يقع عليه حد و كل ما يقع عليه حد فهو خلق الله أو يقال أشار بقوله و الله الذي أحدثه إلى رفع توهم أنه مع كونه موجودا حادثا لا يجوز أن يستند إليه تعالى لأنه حينئذ يجب أن يتعلق به إبداع آخر و هكذا إلى غير نهاية و استناد كل من هذه السلسلة موقوف على استناد سابقة فلا يحصل إلا بعد تحقق الأمور الغير المتناهية و هو محال فكذا الموقوف عليه فأثبت ع أولا استناده إليه تعالى من جهة أن الحادث بتبعية حادث آخر في مرتبته من محدث لا يتصور أن يكون مستندا إلى غيره ثم أيده ثانيا بنفي ثالث بينهما صالح لأن يستند إليه كما هو المفروض ثم أكده ثالثا بنفي ثالث صالح لذلك مطلقا بناء على أن الكلام في مطلق الإبداع و من أفراده الإبداع الأول الذي لا يتصور تقدم شي‏ء عليه سوى الله تعالى فسائر   أفراده كذلك لعدم الفرق ضرورة ثم أوثقه رابعا بدفع توهم بعيد هو أن يكون مستندا إليه و لا يكون مخلوقا له بالإشارة إلى أن الاستناد و كل ما يعبر به عن هذا المعنى يرجع إلى معنى الخلق فلا يمكن أن يكون خلقه فتجاوز عن كونه مخلوقا له ثم أحكمه خامسا بدفع شبهة لزوم التسلسل بالفرق بين حقائق الموجودات و تفاوت مراتبها في المقتضيات و عدم جواز قياس بعضها على بعض في جميع الحالات ليسهل به التصديق بجواز أن يكون حكم الموجودات الرابطية مخالفا لحكم الموجودات الحقيقية فلا يلزم من ثبوت إبداع لها ثبوته للرابطية أيضا كما اشتهر أن الإرادة ليس لها إرادة أخرى فلا يلزم التسلسل و يمكن أن يحمل على الإشارة إلى دفع مثل هذا التسلسل باعتبار الفرق المذكور

 ما روي في الكافي عن أبي عبد الله ع قال خلق الله المشية بنفسها ثم خلق الأشياء بالمشية

ثم أفاد ع سادسا ضابطة و علامة لمعرفة خلقه تعالى تتميما للمقصود و تأكيدا لصحته بأن كل ما لوجوده حد لم يكن قبله موجودا فلا بد له من أن يكون مخلوقا له تعالى لثبوت الإمكان و لزوم الاحتياج. قوله ع و كان الذي خلق خلقين اثنين لعله إشارة إلى الخلق الأول و هي الحروف ففي خلقتها يخلق شيئان حرف و تحديد و تقدير قائم به و ليس شي‏ء من الحروف و العرض القائم به ذا لون و وزن و ذوق و جعل أحدهما يدرك بالآخر أي الحروف تعرف بالحدود القائمة بها فيعرف بأنه شي‏ء محدود و المعنى أنه لو لم يكن محدودا لم يكن مدركا بالحواس و جعل الحرف و حده كليهما مدركين بنفسهما لا بآثارهما فإن الأمور المحسوسة إنما تدرك بأنفسها لا بآثارها و لم يخلق شيئا فردا عن الحدود و التقديرات قائما بنفسه دون غيره أي من غير أن يخلق معه غيره كالحدود لأنه أراد أن يكون حروفا و أصواتا دالة على نفسه و إثبات وجوده و ما يكون دالا على المعاني هاديا للناس إلى المعرفة لا يكون   إلا محسوسا و كل محسوس يكون محدودا و المعنى أنه أراد أن يكون محدودا ليدل بكونه على هذه الحالة على إمكانه و افتقاره إلى الصانع فيكون بوجوده بنفسه دالا على الصانع لا باعتبار مدلوله و يحتمل أن يكون المراد بالتقدير أولا الإبداع أيضا و المحدث إنما يدرك و يظهر بالإبداع و في كل خلق يحدث شيئان مبدع و إبداع متعلق به لكن في تطبيق ما بعده عليه يحتاج إلى نوع عناية تظهر بالتأمل الصادق و قد سبق الخبر بتمامه مع شرحه في المجلد الرابع و إنما أوردنا هنا ما يناسب المقام

28-  العيون، و التوحيد، بالإسناد المتقدم عن الحسن بن محمد النوفلي في خبر طويل يذكر فيه مناظرة الرضا ع مع سليمان المروزي قال سليمان فإنه لم يزل مريدا قال ع يا سليمان فإرادته غيره قال نعم قال فقد أثبت معه شيئا غيره لم يزل قال سليمان ما أثبت فقال ع هي محدثة يا سليمان فإن الشي‏ء إذا لم يكن أزليا كان محدثا و إذا لم يكن محدثا كان أزليا و جرى المناظرة إلى أن قال ع أ لا تخبرني عن الإرادة فعل هي أم غير فعل قال بل هي فعل قال فهي محدثة لأن الفعل كله محدث قال ليست بفعل قال فمعه غيره لم يزل قال سليمان إنها مصنوعة قال فهي محدثة و ساق الكلام إلى أن قال قال سليمان إنما عنيت أنها فعل من الله لم يزل قال ع أ لا تعلم أن ما لم يزل لا يكون مفعولا و قديما حديثا في حالة واحدة فلم يحر جوابا ثم أعاد الكلام إلى أن قال ع إن ما لم يزل لا يكون مفعولا قال سليمان ليس الأشياء إرادة و لم يرد شيئا قال ع وسوست يا سليمان فقد فعل و خلق ما لم يرد خلقه و فعله و هذه صفة ما لا يدري ما فعل تعالى الله عن ذلك ثم أعاد الكلام إلى أن قال ع فالإرادة محدثة و إلا فمعه غيره

 الاحتجاج، مرسلا مثله   حكم ع في هذا الخبر مرارا بأنه لا يكون قديم سوى الله و أنه لا يعقل التأثير بالإرادة و الاختيار في شي‏ء لم يزل معه

29-  العيون، عن الحسن بن محمد بن سعيد الهاشمي عن فرات بن إبراهيم الكوفي عن محمد بن أحمد بن علي الهمداني عن العباس بن عبد الله البخاري عن محمد بن القاسم بن إبراهيم عن عبد السلام بن صالح الهروي عن الرضا عن آبائه ع قال قال رسول الله ص إن أول ما خلق الله عز و جل أرواحنا فأنطقها بتوحيده و تحميده ثم خلق الملائكة الخبر

30-  الكافي، عن محمد بن يحيى عن ابن محبوب عن عبد الله بن سنان   قال سمعت أبا عبد الله ع يقول إن الله خلق الخير يوم الأحد و ما كان ليخلق الشر قبل الخير و في يوم الأحد و الإثنين خلق الأرضين و خلق أقواتها في يوم الثلاثاء و خلق السماوات في يوم الأربعاء و يوم الخميس و خلق أقواتها يوم الجمعة و ذلك قول الله عز و جل خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ

 العياشي، عن ابن سنان مثله إلا أن فيه و خلق يوم الأربعاء السماوات و خلق يوم الخميس أقواتها و الجمعة و ذلك قوله خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ فلذلك أمسكت اليهود يوم السبت

بيان و ما كان ليخلق الشر قبل الخير لعل الغرض أنه سبحانه ابتدأ خلق الجميع يوم الأحد إذ خيريته تعالى تقتضي أن لا يقدم خلق الشر على خلق الخير و ابتداء خلق الخير كان يوم الأحد فلم يخلق قبله شي‏ء أصلا ثم اعلم أن مدلول هذا الخبر ينافي ما مر من الآيات الكريمة و ظواهرها من جهتين الأولى أن ظاهر الآية أن خلق أقوات الأرض و تقديرها كان في يومين و الخبر يدل على أنه خلق أقوات الأرض في يوم و أقوات السماء في يوم و الثانية أن ظاهر الآية تقدم يومي خلق الأقوات على يومي خلق السماوات و الخبر يدل على تأخر أحد يومي خلق الأقوات عنهما و يمكن أن يجاب عن الأولى بأن المراد بخلق أقوات السماء خلق أسباب أقوات أهل الأرض الكائنة في السماء من المطر و الثلج و الألواح التي يقدر فيها الأقوات و الملائكة الموكلين بها و يؤيده أن ليس لأهل السماء قوت و طعام و شراب ففي يوم واحد قدر الأسباب الأرضية لأقوات أهل الأرض و في يوم آخر قدر الأسباب السماوية لها و في الآية نسبهما إلى الأرض لكونهما   لأهلها و في الخبر فصل ذلك لبيان اختلاف موضع التقديرين و عن الثانية بنحو مما ذكره البيضاوي بأن لا تكون لفظة ثم للترتيب و التراخي في المدة. و من غرائب ما سنح لي أني لما كتبت شرح هذا الخبر اضطجعت فرأيت فيما يرى النائم إني أتفكر في هذه الآية فخطر ببالي في تلك الحالة أنه يحتمل أن يكون المراد بأربعة أيام تمامها لا تتمتها و يكون خلق السماوات أيضا من جملة تقدير أرزاق أهل الأرض فإنها من جملة الأسباب و محال بعض الأسباب كالملائكة العاملة و الألواح المنقوشة و الشمس و القمر و النجوم المؤثرة بكيفياتها كالحرارة و البرودة في الثمار و النباتات و تكون لفظة ثم في قوله تعالى ثُمَّ اسْتَوى للترتيب في الأخبار لتفصيل ذلك الإجمال بأن يومين من تلك الأربعة كانا مصروفين في خلق السماوات و الآخرين في خلق سائر الأسباب و لو لا أنه سنح لي في هذه الحال لم أجسر على إثبات هذا الاحتمال و إن لم يقصر عما ذكره المفسرون و به يندفع الإشكالان و أما رواية العياشي فالظاهر أن فيها تصحيفا و تحريفا و لا تستقيم على وجه

31-  تفسير علي بن إبراهيم، قُلْ لهم يا محمد أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ و معنى يومين أي وقتين ابتداء الخلق و انقضاؤه وَ جَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَ بارَكَ فِيها وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها أي لا تزول و تبقى فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ يعني في أربعة أوقات و هي التي يخرج الله فيها أقوات العالم من الناس و البهائم و الطير و حشرات الأرض و ما في البر و البحر من الخلق و الثمار و النبات و الشجر و ما يكون فيه معايش الحيوان كله و هو الربيع و الصيف و الخريف و الشتاء ففي الشتاء يرسل الله الرياح و الأمطار و الأنداء و الطلول من السماء فيلقح الشجر و يسقي الأرض و الشجر و هو وقت بارد ثم يجي‏ء بعده الربيع و هو   وقت معتدل حار و بارد فيخرج الشجر ثماره و الأرض نباتها فيكون أخضر ضعيفا ثم يجي‏ء من بعده وقت الصيف و هو حار فينضج الثمار و يصلب الحبوب التي هي أقوات العباد و جميع الحيوان ثم يجي‏ء من بعده وقت الخريف فيطيبه و يبرده و لو كان الوقت كله شيئا واحدا لم يخرج النبات من الأرض لأنه لو كان الوقت كله ربيعا لم تنضج الثمار و لم تبلغ الحبوب و لو كان الوقت كله صيفا لاحترق كل شي‏ء في الأرض و لم يكن للحيوان معاش و لا قوت و لو كان الوقت كله خريفا لم يتقدمه شي‏ء من هذه الأوقات لم يكن شي‏ء يتقوت به العالم فجعل الله هذه الأقوات في هذه الأربعة الأوقات في الشتاء و الربيع و الصيف و الخريف و قام به العالم و استوى و بقي و سمى الله هذه الأوقات أياما سَواءً لِلسَّائِلِينَ يعني المحتاجين لأن كل محتاج سائل و في العالم من خلق الله من لا يسأل و لا يقدر عليه من الحيوان كثير فهم سائلون و إن لم يسألوا و قوله ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ أي دبر و خلق و قد سئل أبو الحسن الرضا ع عمن كلم الله لا من الجن و لا من الإنس فقال السماوات و الأرض في قوله ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ فَقَضاهُنَّ أي خلقهن سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ يعني في وقتين ابتداء و انقضاء وَ أَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها فهذا وحي تقدير و تدبير

 بيان هذا التأويل للآية أقرب مما مر و لعله من بطون الآية و لا ينافي ظاهرها قوله أي لا تزول و تبقى أي المراد بالتقدير التقدير الدائمي و يحتمل أن يكون تفسير بارَكَ فِيها قوله و إن لم يسألوا أي هم سائلون بلسان افتقارهم و اضطرارهم الرب سبحانه بسمع فيضه و فضله و رحمانيته و لسان الحال أبلغ من لسان المقال

    -32  التوحيد، عن علي بن أحمد الدقاق عن الكليني رفع الحديث إلى ابن أبي العوجاء حين كلمه أبو عبد الله ع عاد إليه في اليوم الثاني ثم في اليوم الثالث فقال ما الدليل على حدوث الأجسام فقال إني ما وجدت شيئا صغيرا و لا كبيرا إلا و إذا ضم إليه مثله صار أكبر و في ذلك زوال و انتقال عن الحالة الأولى و لو كان قديما ما زال و لا حال لأن الذي يزول و يحول يجوز أن يوجد و يبطل فيكون بوجوده بعد عدمه دخول في الحدث و في كونه في الأزل دخوله في القدم و لن تجتمع صفة الأزل و العدم في شي‏ء واحد فقال عبد الكريم هبك علمت في جري الحالتين و الزمانين ما ذكرت و استدللت على حدوثها فلو بقيت الأشياء على صغرها من أين كان لك أن تستدل على حدثها فقال العالم ع إنما نتكلم على هذا العالم المصنوع فلو رفعناه و وضعنا عالما آخر كان لا شي‏ء أدل على الحدث من رفعنا إياه و وضعنا غيره و لكن أجيبك من حيث قدرت أن تلزمنا و نقول إن الأشياء لو دامت على صغرها لكان في الوهم أنه متى ما ضم شي‏ء إلى مثله كان أكبر و في جواز التغيير عليه خروجه من القدم كما أن في تغييره دخوله في الحدث ليس لك وراءه شي‏ء يا عبد الكريم فانقطع و خزي

 الكافي، و الاحتجاج، مرفوعا مثله

 و في الاحتجاج و لن تجتمع صفة الحدوث و القدم في شي‏ء

بيان قد مر الخبر بطوله و شرحه في كتاب التوحيد و فيه إجمال و يحتمل أن يراد فيه بكل من الحدوث و القدم الذاتي أو الزماني فإن كان المراد الأول كان الغرض   إثبات أن الأجسام ممكنة الوجود مصنوعة معلولة تحتاج إلى صانع يصنعها و يوجدها و على الثاني يكون مبنيا على ما سبق في الأخبار الكثيرة أن كل قديم لا يكون إلا واجبا بالذات و المعلول لا يكون إلا حادثا بالزمان و هو أظهر و هكذا فهمه الصدوق و أورده في باب حدوث العالم و عقبه بالدلائل المشهورة عند المتكلمين على الحدوث و قيل حاصل استدلاله ع إما راجع إلى دليل المتكلمين من أن عدم الانفكاك من الحوادث يستلزم الحدوث و إما إلى أنه لا يخلو إما أن يكون بعض تلك الأحوال الزائلة المتغيرة قديما أو يكون كلها حوادث و هما محالان أما الأول فلما تقرر عندهم أن ما ثبت قدمه امتنع عدمه و أما الثاني فلاستحالة التسلسل في الأمور المتعاقبة و الأول أظهر

33-  الكافي، عن أحمد بن مهران عن عبد العظيم الحسني عن علي بن أسباط عن خلف بن حماد عن ابن مسكان عن مالك الجهني قال سألت أبا عبد الله ع عن قول الله عز و جل أَ وَ لَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ وَ لَمْ يَكُ شَيْئاً قال فقال لا مقدرا و لا مكونا قال و سألته عن قوله عز و جل هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً قال كان مقدرا غير مذكور

    بيان يدل ظاهرا على حدوث نوع الإنسان

34-  تفسير علي بن إبراهيم، سميت مكة أم القرى لأنها أول بقعة خلقها الله من الأرض لقوله إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً

35-  العلل، و العيون، سأل الشامي أمير المؤمنين ع لم سميت مكة أم القرى قال ع لأن الأرض دحيت من تحتها و سأل عن أول بقعة بسطت من الأرض أيام الطوفان فقال له موضع الكعبة و كانت زبرجدة خضراء

 بيان لعل المراد بأيام الطوفان أيام تموج الماء و اضطرابه قبل خلق الأرض

36-  إرشاد القلوب، سئل أمير المؤمنين ع لم سميت مكة قال لأن الله مك الأرض من تحتها أي دحاها

37-  مجالس الصدوق، و التوحيد، و كنز الكراجكي، و الاحتجاج، بأسانيدهم في مناظرة الصادق ع لابن أبي العوجاء قال ع هذا بيت استعبد الله به خلقه إلى قوله خلقه الله قبل دحو الأرض بألفي عام

38-  العلل، و العيون، في علل ابن سنان عن الرضا ع علة وضع البيت وسط الأرض أنه الموضع الذي من تحته دحيت الأرض و كل ريح تهب في الدنيا فإنها تخرج من تحت الركن الشامي و هي أول بقعة وضعت في الأرض لأنها الوسط ليكون الفرض لأهل المشرق و المغرب في ذلك سواء

39-  العلل، عن محمد بن الحسن بن الوليد عن محمد بن يحيى و أحمد بن   إدريس عن محمد بن أحمد الأشعري عن الحسن بن علي عن مروان بن مسلم عن أبي حمزة الثمالي قال قال أبو جعفر ع إن خلق البيت قبل الأرض ثم خلق الله الأرض من بعده فدحاها من تحته

 الكافي، عن محمد بن يحيى عن محمد بن أحمد عن الحسن بن علي عن عدة من أصحابنا عن الثمالي مثله

40-  العياشي، عن الحلبي عن أبي عبد الله ع قال إنه وجد في حجر من حجرات البيت مكتوبا إني أنا الله ذو بكة خلقتها يوم خلقت السماوات و الأرض و يوم خلقت الشمس و القمر و حففتهما بسبعة أملاك حفيفا

41-  الكافي، عن أحمد بن إدريس عن الحسين بن عبد الله عن محمد بن عيسى و محمد بن عبيد الله عن علي بن الحديد عن مرازم عن أبي عبد الله ع قال قال الله تبارك و تعالى يا محمد إني خلقتك و عليا نورا يعني روحا بلا بدن قبل أن أخلق سماواتي و أرضي و عرشي و بحري الخبر

42-  و عنه عن الحسين بن محمد عن المعلى عن عبد الله بن إدريس عن محمد بن سنان قال كنت عند أبي جعفر الثاني ع فأجريت اختلاف الشيعة فقال   يا محمد إن الله تبارك و تعالى لم يزل متفردا بوحدانيته ثم خلق محمدا و عليا و فاطمة صلوات الله عليهم أجمعين فمكثوا ألف دهر ثم خلق جميع الأشياء فأشهدهم خلقها و أجرى طاعتهم عليها الحديث

 بيان لم يزل متفردا بوحدانيته أي متفردا بأنه متوحد لا شي‏ء معه أو الباء للسببية أي متفردا بسبب أنه كان واحدا من جميع الوجوه و ما كان كذلك فهو واجب بالذات فيجوز عليه القدم بخلاف غيره فإن القدم ينافي التكثر و الإمكان الذي هو لازمه فأشهدهم خلقها أي كانوا حاضرين عند خلقها عالمين بكيفيته و لذا قال تعالى في شأن إبليس و ذريته و أتباعه ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ بعد قوله أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَ ذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي إشارة إلى أن المستحق للولاية و المتابعة من كان شاهدا خلق الأشياء عالما بحقائقها و كيفياتها و صفاتها و الغيوب الكامنة فيها و المستنبطة منها

43-  التوحيد، عن علي بن أحمد الدقاق عن محمد بن جعفر الأسدي عن محمد بن إسماعيل البرمكي عن الحسين بن الحسن عن أبي سمينة عن إسماعيل بن أبان عن زيد بن جبير عن جابر الجعفي قال جاء رجل من علماء أهل الشام إلى أبي جعفر ع فقال جئت أسألك عن مسألة لم أجد أحدا يفسرها لي و قد سألت ثلاثة أصناف من الناس فقال كل صنف غير ما قال الآخر فقال أبو جعفر ع و ما ذلك فقال أسألك ما أول ما خلق الله عز و جل من خلقه فإن بعض من سألته قال القدرة و قال بعضهم العلم و قال بعضهم الروح فقال أبو جعفر ع ما قالوا شيئا أخبرك أن الله علا ذكره كان و لا شي‏ء غيره عزيزا و لا   عز لأنه كان قبل عزه و ذلك قوله سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ و كان خالقا و لا مخلوق فأول شي‏ء خلقه من خلقه الشي‏ء الذي جميع الأشياء منه و هو الماء فقال السائل فالشي‏ء خلقه من شي‏ء أو من لا شي‏ء فقال خلق الشي‏ء لا من شي‏ء كان قبله و لو خلق الشي‏ء من شي‏ء إذا لم يكن له انقطاع أبدا و لم يزل الله إذا و معه شي‏ء و لكن كان الله و لا شي‏ء معه فخلق الشي‏ء الذي جميع الأشياء منه و هو الماء

 بيان قوله فإن بعض من سألته قال القدرة لعل هذا القائل زعم أن صفاته تعالى زائدة على ذاته مخلوقة له كما ذهب إليه جماعة من العامة و سيأتي برواية الكليني القدر فلعله توهم أن تقديره تعالى جوهر أو يكون مراده بالقدرة اللوح الذي أثبت الله تعالى فيه تقديرات الأمور و كذا القول بأن أول المخلوقات العلم مبني على القول بمخلوقية الصفات و في الكافي مكانه القلم و هو موافق لبعض ما سيأتي من الأخبار و سنذكر وجه الجمع بينها و بين غيرها قوله ع لأنه كان قبل عزه لعل المراد أنه كان غالبا و عزيزا قبل أن يظهر عزه و غلبته على الأشياء بخلقها و لذا قال رَبِّ الْعِزَّةِ إذ فعلية العزة و ظهورها مسبب عنه و المعنى و لا عز لغيره فالمراد بالعزة في الآية عزة المخلوقات و في الكافي و لا أحد كان قبل عزه و ذلك قوله أي لم يكن أحد قبل عزه يكون عزه به و استدل عليه بقوله رَبِّ الْعِزَّةِ إذ هو يدل على أنه سبحانه سبب كل   عزة فلو كان عزه بغيره كان ذلك الغير رَبِّ الْعِزَّةِ و هذا الخبر نص صريح في الحدوث و لا يقبل التأويل بوجه

44-  الاحتجاج، و تفسير الإمام أبي محمد العسكري، عن آبائه ع قال احتج رسول الله ص على الدهرية فقال ما الذي دعاكم إلى القول بأن الأشياء لا بدء لها و هي دائمة لم تزل و لا تزال فقالوا لأنا لا نحكم إلا بما شاهدنا و لم نجد للأشياء حدثا فحكمنا بأنها لم تزل و لم نجد لها انقضاء و فناء فحكمنا بأنها لا تزال فقال رسول الله ص أ فوجدتم لها قدما أم وجدتم لها بقاء أبدا فإن قلتم إنكم وجدتم ذلك أنهضتم لأنفسكم أنكم لم تزالوا على هيئتكم و عقولكم بلا نهاية و لا تزالون كذلك و لئن قلتم هذا دفعتم العيان و كذبكم العالمون الذين يشاهدونكم قالوا بل لم نشاهد لها قدما و لا بقاء أبد الآبدين قال رسول الله ص فلم صرتم بأن تحكموا بالبقاء و القدم لأنكم لم تشاهدوا حدوثها و انقضاءها أولى من تارك التميز لها مثلكم فيحكم لها بالحدوث و الانقضاء و الانقطاع لأنه لم يشاهد لها قدما و لا بقاء أبد الأبد أ و لستم تشاهدون الليل و النهار و أحدهما بعد الآخر فقالوا نعم فقال أ ترونهما لم يزالا و لا يزالان فقالوا نعم فقال أ فيجوز عندكم اجتماع الليل و النهار فقالوا لا فقال ص فإذن ينقطع أحدهما عن الآخر فيسبق أحدهما و يكون الثاني جاريا بعده قالوا كذلك هو فقال قد حكمتم بحدوث ما تقدم من ليل و نهار و لم تشاهدوهما فلا تنكروا الله قدره ثم قال ص أ تقولون ما قبلكم من الليل و النهار متناه أم غير متناه فإن قلتم إنه غير متناه فقد وصل إليكم آخر بلا نهاية لأوله و إن قلتم إنه متناه فقد كان و لا شي‏ء منهما قالوا   نعم قال لهم أ قلتم إن العالم قديم ليس بمحدث و أنتم عارفون بمعنى ما أقررتم به و بمعنى ما جحدتموه قالوا نعم قال رسول الله ص فهذا الذي نشاهده من الأشياء بعضها إلى بعض يفتقر لأنه لا قوام للبعض إلا بما يتصل إليه كما ترى البناء محتاجا بعض أجزائه إلى بعض و إلا لم يتسق و لم يستحكم و كذلك سائر ما نرى قال فإن كان هذا المحتاج بعضه إلى بعض لقوته و تمامه هو القديم فأخبروني أن لو كان محدثا كيف كان يكون و كيف إذا كانت تكون صفته قال فبهتوا و علموا أنهم لا يجدون للمحدث صفة يصفونه بها إلا و هي موجودة في هذا الذي زعموا أنه قديم فوجموا و قالوا سننظر في أمرنا الخبر

 بيان ذهبت الدهرية إلى أن العالم قديم زماني و قالوا إن الأشياء دائمة الوجود لم تزل و لا تزال بل بعضهم أنكروا الحوادث اليومية أيضا و ذهبوا إلى الكمون و البروز لتصحيح قدم الحوادث اليومية و أنكروا وجود ما لم تدركه الحواس الخمس و لذا أنكروا وجود الصانع لعدم إدراك الحواس له تعالى و قالوا وجود الموجودات من الطبائع المتعاقبة لا إلى نهاية إذا تقرر هذا فاعلم أن الظاهر أن المطلوب أولا إثبات الحدوث الزماني فإن الظاهر من البدء البدء الزماني و يؤيده قوله و هي دائمة لم تزل و لا تزال. و قوله أ فوجدتم إلى قوله أ تقولون ما قبلكم من الليل و النهار إبطال   إنكارهم وجود ما لا تدركه الحواس و إثبات لوجود الإيمان بالغيب عند قيام البرهان و ذلك لأنهم يحكمون بالقدم و بتقدم الليل و النهار في الأزمنة الماضية و عدم اجتماعهما فيها مع أنهم لم يشاهدوا شيئا من ذلك فيلزمهم أن يعترفوا بوجود ما يغيب عن حواسهم و يحتمل أن يكون إلى قوله أ و لستم تشاهدون الليل و النهار إثباتا للحدوث الزماني جدلا بأنهم كما يحكمون بالقدم لعدم مشاهدة الحدوث يلزمهم أن يحكموا بالحدوث لأنهم لم يشاهدوا القدم و البقية لإثبات الإيمان بالغيب أو البقية لإثبات الحدوث بالدليل المشهور عند المتكلمين من عدم الانفكاك عن الحوادث أو أن الحكم بحدوث كل ليل و نهار يكفي لاحتياجها إلى الصانع و لا ينفع قدم الطبيعة و من قوله أ تقولون ما قبلكم إلى قوله ع أ قلتم إثبات لانقطاع الليل و النهار من جهة الماضي لاستحالة ما لا نهاية له و هو انقطاع الزمان و يلزم منه انقطاع الحركات و حدوث الأجسام و الأعراض القائمة بها و من قوله أ قلتم إثبات لإمكان العالم المستلزم لوجود الصانع تعالى شأنه. و يحتمل أن يكون ص تدرج في الاحتجاج فنزلهم أولا عن مرتبة الإنكار إلى الشك ثم أخذ في الاحتجاج فمن قوله أ تقولون إلى آخر الكلام يحتمل أن يكون دليلا واحدا حاصله أنه لا يخلو من أن يكون الزمان متناهيا أو غير متناه و على الأول لا بد للأشياء لحدوثها من صانع فقوله فقد كان و لا شي‏ء منهما أي كان الصانع قبل وجود شي‏ء منهما ثم أبطل الثاني بأنكم إنما حكمتم بقدمها لئلا يحتاج إلى صانع و العقل يحكم بأن ما يوجب الحكم في الحادث بالحاجة إلى الصانع يحكم في القديم أيضا و يحتمل أن يكون إلى آخر الكلام دليلين و قد فصلنا الكلام فيه في المجلد الرابع فلا نعيد هنا و دلالته على الحدوث على كل الوجوه ظاهرة

45-  تفسير علي بن إبراهيم، وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ و ذلك في مبدأ الخلق أن الرب تبارك و تعالى خلق   الهواء ثم خلق القلم فأمره أن يجري فقال يا رب بما أجري فقال بما هو كائن ثم خلق الظلمة من الهواء و خلق النور من الهواء و خلق الماء من الهواء و خلق العرش من الهواء و خلق العقيم من الهواء و هو الريح الشديدة و خلق النار من الهواء و خلق الخلق كلهم من هذه الستة التي خلقت من الهواء فسلط العقيم على الماء فضربته فأكثرت الموج و الزبد و جعل يثور دخانه في الهواء فلما بلغ الوقت الذي أراد قال للزبد اجمد فجمد فقال للموج اجمد فجمد فجعل الزبد أرضا و جعل الموج جبالا رواسي للأرض فلما أجمدهما قال للروح و القدرة سويا عرشي على السماء فسويا عرشه على السماء و قال للدخان اجمد فجمد ثم قال له ازفر فزفر فناداها و الأرض جميعا ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ فلما أخذ في رزق خلقه خلق السماء و جناتها و الملائكة يوم الخميس و خلق الأرض يوم الأحد و خلق دواب البر و البحر يوم الإثنين و هما اليومان اللذان يقول الله عز و جل أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ و خلق الشجر و نبات الأرض و أنهارها و ما فيها و الهوام في يوم الثلاثاء و خلق الجان و هو أبو الجن يوم السبت و خلق الطير في يوم الأربعاء و خلق آدم في ست ساعات من يوم الجمعة ففي هذه الستة أيام خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما

 بيان يوم السبت ليس في بعض النسخ و هو أظهر و على تقديره و إن كان خلاف المشهور يمكن أن لا يكون الجمعة محسوبا في الستة لتأخره عن خلق العالم أو لم يحسب خلق الجان من خلق العالم بأن المراد بالعالم ما يشاهد و يرى و يكون ذكر الملائكة استطرادا لشرفهم أو يكون بناء الحساب على التلفيق بأن يكون ابتداء الخلق من ظهر يوم السبت و انتهاؤه عند ظهر يوم الجمعة فيكون ستة   أيام على حساب أهل النجوم و يؤيده قوله في ست ساعات و على التقادير لا يخلو عن غرابة و سيأتي بعض القول في ذلك

46-  التفسير، عن أبيه عن علي بن الحكم عن سيف بن عميرة عن أبي بكر الحضرمي عن أبي عبد الله ع قال خرج هشام بن عبد الملك حاجا و معه الأبرش الكلبي فلقيا أبا عبد الله ع في المسجد الحرام فقال هشام للأبرش تعرف هذا قال لا قال هذا الذي تزعم الشيعة أنه نبي من كثرة علمه فقال الأبرش لأسألنه عن مسألة لا يجيبني فيها إلا نبي أو وصي نبي فقال هشام للأبرش وددت أنك فعلت ذلك فلقي الأبرش أبا عبد الله ع فقال يا أبا عبد الله أخبرني عن قول الله عز و جل أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما فما كان رتقهما و ما كان فتقهما فقال أبو عبد الله ع يا أبرش هو كما وصف نفسه كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ و الماء على الهواء و الهواء لا يحد و لم يكن يومئذ خلق غيرهما و الماء يومئذ عذب فرات فلما أراد أن يخلق الأرض أمر الرياح فضربت الماء حتى صار موجا ثم أزبد فصار زبدا واحدا فجمعه في موضع البيت ثم جعله جبلا من زبد ثم دحى الأرض من تحته فقال الله تعالى إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً ثم مكث الرب تبارك و تعالى ما شاء فلما أراد أن يخلق السماء أمر الرياح فضربت البحور حتى أزبدتها فخرج من ذلك الموج و الزبد من وسطه دخان ساطع من غير نار فخلق منه السماء فجعل فيها البروج و النجوم و منازل الشمس و القمر و أجراها في الفلك و كانت السماء خضراء على لون الماء العذب الأخضر و كانت الأرض خضراء علي لون الماء   و كانتا مرتوقتين ليس لهما أبواب و لم يكن للأرض أبواب و هو النبت و لم تمطر السماء عليها فتنبت ففتق السماء بالمطر و فتق الأرض بالنبات و ذلك قوله عز و جل أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما فقال الأبرش و الله ما حدثني بمثل هذا الحديث أحد قط أعد علي فأعاد عليه و كان الأبرش ملحدا فقال و أنا أشهد أنك ابن نبي ثلاث مرات

47-  و منه، إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ قال في ستة أوقات ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ أي علا على العرش

 بيان تأويل الأيام بالأوقات إما لعدم خلق الليل و النهار بعد فأول اليوم بمقداره أو المراد باليوم النوبة و المرة فيكون خلق كل منها في أسرع الأزمنة و عبر عنه باليوم مجازا كما قيل

48-  العيون، عن محمد بن عمرو بن علي البصري عن محمد بن علي الواعظ عن عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي عن أبيه عن الرضا عن آبائه ع قال كان علي ع في جامع الكوفة إذ قام إليه رجل من أهل الشام فقال أخبرني عن أول ما خلق الله قال خلق النور قال فمم خلقت السماوات قال من بخار الماء قال فمم خلقت الأرض قال من زبد الماء قال فمم خلقت الجبال قال من الأمواج الخبر

    بيان يمكن أن يكون المراد بالنور نور النبي و الأئمة ع كما ورد في أكثر الأخبار

49-  التوحيد، عن علي بن أحمد الدقاق عن الكليني عن العلان عن محمد بن عيسى عن الحسين بن خالد عن أبي الحسن الرضا ع أنه قال اعلم علمك الله الخير أن الله تبارك و تعالى قديم و القدم صفة دلت العاقل على أنه لا شي‏ء قبله و لا شي‏ء معه في ديمومته فقد بان لنا بإقرار العامة معجزة الصفة أنه لا شي‏ء قبل الله و لا شي‏ء مع الله في بقائه و بطل قول من زعم أنه كان قبله أو كان معه شي‏ء و ذلك أنه لو كان معه شي‏ء في بقائه لم يجز أن يكون خالقا له لأنه لم يزل معه فكيف يكون خالقا لمن لم يزل معه و لو كان قبله شي‏ء كان الأول ذلك الشي‏ء لا هذا و كان الأول أولى بأن يكون خالقا للثاني

 الكافي، عن علي بن محمد مرسلا عن أبي الحسن الرضا ع مثله بيان هذا الخبر صريح في الحدوث و معلل و قد مر شرحه في كتاب التوحيد

50-  التوحيد، و العيون، عن تميم بن عبد الله القرشي عن أبيه عن أحمد   علي الأنصاري عن أبي الصلت الهروي قال سأل المأمون أبا الحسن علي بن موسى الرضا ع عن قول الله عز و جل وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا فقال إن الله تبارك و تعالى خلق العرش و الماء و الملائكة قبل خلق السماوات و الأرض و كانت الملائكة تستدل بأنفسها و بالعرش و الماء على الله عز و جل ثم جعل عرشه على الماء ليظهر بذلك قدرته للملائكة فتعلم أنه على كل شي‏ء قدير ثم رفع العرش بقدرته و نقله فجعله فوق السماوات السبع ثم خلق السماوات و الأرض في ستة أيام و هو مستول على عرشه و كان قادرا على أن يخلقها في طرفة عين و لكنه عز و جل خلقها في ستة أيام ليظهر للملائكة ما يخلقه منها شيئا بعد شي‏ء فتستدل بحدوث ما يحدث على الله تعالى ذكره مرة بعد مرة و لم يخلق الله العرش لحاجة به إليه لأنه غني عن العرش و عن جميع ما خلق لا يوصف بالكون على العرش لأنه ليس بجسم تعالى عن صفة خلقه علوا كبيرا و أما قوله عز و جل لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا فإنه عز و جل خلق خلقه ليبلوهم بتكليف طاعته و عبادته لا على سبيل الامتحان و التجربة لأنه لم يزل عليما بكل شي‏ء   فقال المأمون فرجت عني يا أبا الحسن فرج الله عنك

51-  العلل، عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن محمد بن أحمد السياري عن محمد بن عبد الله بن مهران الكوفي عن حنان بن سدير عن أبيه عن أبي إسحاق الليثي قال قال لي أبو جعفر ع يا إبراهيم إن الله تبارك و تعالى لم يزل عالما خلق الأشياء لا من شي‏ء و من زعم أن الله عز و جل خلق الأشياء من شي‏ء فقد كفر لأنه لو كان ذلك الشي‏ء الذي خلق منه الأشياء قديما معه في أزليته و هويته كان ذلك أزليا بل خلق الله عز و جل الأشياء كلها لا من شي‏ء فكان مما خلق الله عز و جل أرضا طيبة ثم فجر منها ماء عذبا زلالا فعرض عليه ولايتنا أهل البيت فقبلها فأجرى ذلك الماء عليها سبعة أيام حتى طبقها و عمها ثم نضب ذلك الماء عنها فأخذ من صفوة ذلك الطين طينا فجعله طين الأئمة ع ثم أخذ ثقل ذلك الطين فخلق منه شيعتنا الخبر

52-  العلل، في خبر ابن سلام قال أخبرني عن أول يوم خلق الله عز و جل قال النبي ص يوم الأحد قال و لم سمي يوم الأحد قال لأنه واحد محدود قال فالإثنين قال هو اليوم الثاني من الدنيا قال فالثلثاء قال الثالث من الدنيا قال فالأربعاء قال اليوم الرابع من الدنيا قال فالخميس قال هو يوم خامس من الدنيا و هو يوم أنيس لعن فيه إبليس و رفع فيه إدريس قال فالجمعة   قال هو يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَ ذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ و يوم شاهِدٍ وَ مَشْهُودٍ قال فالسبت قال يوم مسبوت و ذلك قوله عز و جل في القرآن وَ لَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ فمن الأحد إلى الجمعة ستة أيام و السبت معطل الخبر

 بيان قال في القاموس السبت الراحة و القطع و قال في النهاية قيل سمي يوم السبت لأن الله تعالى خلق العالم في ستة أيام آخرها الجمعة و انقطع العمل فسمي يوم السابع يوم السبت

53-  الاحتجاج، عن هشام بن الحكم قال سأل الزنديق أبا عبد الله ع فقال من أي شي‏ء خلق الله الأشياء قال ع من لا شي‏ء قال فكيف يجي‏ء من لا شي‏ء شي‏ء قال ع إن الأشياء لا تخلو أن تكون خلقت من شي‏ء أو من غير شي‏ء فإن كان خلقت من شي‏ء كان معه فإن ذلك الشي‏ء قديم و القديم لا يكون حديثا و لا يفنى و لا يتغير و لا يخلو ذلك الشي‏ء من أن يكون جوهرا واحدا و لونا واحدا فمن أين جاءت هذه الألوان المختلفة و الجواهر الكثيرة الموجودة في هذا العالم من ضروب شتى و من أين جاء الموت إن كان الشي‏ء الذي أنشئت منه الأشياء حيا و من أين جاءت الحياة إن كان ذلك الشي‏ء ميتا و لا يجوز أن يكون من حي و ميت قديمين لم يزالا لأن الحي لا يجي‏ء منه ميت و هو لم يزل حيا و لا يجوز أيضا أن يكون الميت قديما لم يزل بما نسبوا من الموت لأن الميت لا قدرة له فلا بقاء قال فمن أين قالوا إن الأشياء أزلية قال هذه مقالة قوم جحدوا مدبر الأشياء فكذبوا الرسل و مقالتهم و الأنبياء و ما أنبئوا عنه   و سموا كتبهم أساطير الأولين و وضعوا لأنفسهم دينا برأيهم و استحسانهم إن الأشياء تدل على حدوثها من دوران الفلك بما فيه و هي سبعة أفلاك و تحرك الأرض و من عليها و انقلاب الأزمنة و اختلاف الوقت و الحوادث التي تحدث في العالم من زيادة و نقصان و موت و بلاء و اضطرار النفس إلى القرار بأن لها صانعا و مدبرا أ ما ترى الحلو يصير حامضا و العذب مرا و الجديد باليا و كل إلى تغير و فناء و ساق الحديث إلى أن قال قال الزنديق و من زعم أن الله لم يزل و معه طينة مؤذية فلم يستطع التفصي منها إلا بامتزاجه بها و دخوله فيها فمن تلك الطينة خلق الأشياء قال ع سبحان الله ما أعجز إلها يوصف بالقدرة لا يستطيع التفصي من الطينة إن كانت الطينة حية أزلية فكانا إلهين قديمين فامتزجا و دبرا العالم من أنفسهما فإن كان ذلك كذلك فمن أين جاء الموت و الفناء و إن كانت الطينة ميتة فلا بقاء للميت مع الأزلي القديم و الميت لا يجي‏ء منه حي هذه مقالة الديصانية أشد الزنادقة قولا ثم قال ع في مواضع من هذا الخبر لو كانت قديمة أزلية لم تتغير من حال إلى حال و إن الأزلي لا تغيره الأيام و لا يأتي عليه الفناء

 بيان و القديم لا يكون حديثا أي ما يكون وجوده أزليا لا يكون محدثا معلولا فيكون الواجب الوجود بذاته فلا يعتريه التغير و الفناء و قد نسب إلى بعض الحكماء أنه قال المبدع الأول هو مبدع الصور فقط دون الهيولى فإنها   لم تزل مع المبدع فأنكر عليه سائر الحكماء و قالوا إن الهيولى لو كانت أزلية قديمة لما قبلت الصور و لما تغيرت من حال إلى حال و لما قبلت فعل غيرها إذ الأزلي لا يتغير. و قوله ع فمن أين جاءت هذه الألوان المختلفة لعله مبني على ما زعموا من أن كل حادث لا بد له من منشإ و مبدإ يشاكله و يناسبه في الذات و الصفات فألزمه ع بحسب معتقده أو المراد أن الاحتياج إلى المادة إن كان لعجز الصانع تعالى عن إحداث شي‏ء لم يكن فلا بد من وجود الأشياء بصفاتها في المادة حتى يخرجها منها و هذا محال لاستلزامه كون المادة ذات حقائق متباينة و اتصافها بصفات متضادة و إن قلتم إنها مشتملة على بعضها فقد حكمتم بإحداث بعضها من غير مادة فليكن الجميع كذلك و إن قلتم إن جوهر المادة يتبدل جواهر أخر و أعراضها أعراضا أخرى فقد حكمتم بفناء ما هو أزلي و هذا محال و بحدوث شي‏ء آخر من غير شي‏ء و هو مستلزم للمطلوب. و أما ما ذكره ع في الحياة و الموت فيرجع إلى ما ذكرنا و ملخصه أنه إما أن تكون مادة الكل حية بذاتها أو ميتة بذاتها أو تكون الأشياء من أصلين أحدهما حي بذاته و الآخر ميت و هذا أيضا يحتمل وجهين أحدهما أن يكون كل شي‏ء مأخوذا من كل من الحي و الميت و الثاني أن يكون الحي مأخوذا من الحي و الميت من الميت فأبطل ع الأول بأنه لو حصل الميت بذاته عن الحي بذاته يلزم زوال الحياة الأزلية من هذا الجزء من المادة و قد مر امتناعه أو تبدل الحقيقة الذي يحكم العقل ضرورة بامتناعه و لو قيل بإعدام الحي و إنشاء الميت فيلزم المفسدة الأولى مع الإقرار بالمدعى و هو حدوث الشي‏ء لا من شي‏ء و بهذا يبطل الثاني و كذا الثالث لأن الجزء الحي من المادة يجري فيه ما سبق إذا حصل منه ميت و أشار إليه بقوله لأن الحي لا يجي‏ء منه ميت و أشار   إلى الرابع بقوله و لا يجوز أن يكون الميت قديما و به يبطل الثاني و الثالث أيضا و تقريره أن الأزلي لا بد أن يكون واجب الوجود بذاته كاملا بذاته لشهادة العقول بأن الاحتياج و النقص من شواهد الإمكان المحوج إلى المؤثر و الموجد فلا يكون الأزلي ميتا و ربما يحمل الحي في هذا الخبر على الموجود و الميت على الاعتباري المعدوم و الظاهر أن أكثر الكلام مبني على مقدمات موضوعة مسلمة عند الخصم و قد مر الخبر بتمامه و شرحه في الجملة في المجلد الرابع

54-  التوحيد، عن أبيه و ابن عبدوس عن أبي قتيبة عن الفضل بن شاذان عن ابن أبي عمير قال قال موسى بن جعفر ع هو الأول الذي لا شي‏ء قبله و الآخر الذي لا شي‏ء بعده و هو القديم و ما سواه مخلوق محدث تعالى عن صفات المخلوقين علوا كبيرا

55-  و منه، عن الفضل بن عباس الكندي عن محمد بن سهل عن عبد الله بن محمد البلوي عن عمارة بن زيد عن عبيد الله بن العلاء عن صالح بن سبيع عن عمرو بن محمد بن صعصعة عن أبيه عن محمد بن أوس عن أمير المؤمنين ع في خطبة طويلة لم يخلق الأشياء من أصول أزلية و لا من أوائل كانت قبله بدية بل خلق ما خلق و أتقن خلقه و صور ما صور فأحسن صورته الخبر

56-  و منه، عن محمد بن الحسن بن الوليد عن محمد بن يحيى العطار عن   الحسين بن الحسن بن أبان عن محمد بن أورمة عن إبراهيم بن الحكم بن ظهير عن عبد الله بن جوين العبدي عن أبي عبد الله ع أنه كان يقول الحمد لله الذي كان إذ لم يكن شي‏ء غيره و كون الأشياء فكانت كما كونها و علم ما كان و ما هو كائن

57-  و منه، عن محمد بن موسى بن المتوكل عن محمد العطار عن محمد بن أحمد عن عبد الله بن محمد عن علي بن مهزيار قال كتب أبو جعفر ع في دعاء يا ذا الذي كان قبل كل شي‏ء ثم خلق كل شي‏ء الخبر

58-  و منه، عن ابن المتوكل عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن الصقر بن دلف عن أبي الحسن الثالث ع قال يا ابن دلف إن الجسم محدث و الله محدثه و مجسمه الخبر

59-  و منه، عن محمد بن علي ماجيلويه عن عمه محمد بن أبي القاسم عن محمد بن علي الصيرفي عن علي بن حماد عن المفضل عن أبي عبد الله ع في كلام يصف فيه البارئ تعالى كذلك لم يزل و لا يزال أبد الآبدين و كذلك كان إذ لم تكن أرض و لا سماء و لا ليل و لا نهار و لا شمس و لا قمر و لا نجوم و لا سحاب   و لا مطر و لا رياح ثم إن الله تبارك و تعالى أحب أن يخلق خلقا يعظمون عظمته و يكبرون كبرياءه و يجلون جلاله فقال كونا ظلين فكانا

 أقول تمام الخبر في باب جوامع التوحيد

60-  و منه، عن ماجيلويه عن عمه عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي عن أبيه عن أحمد بن النضر عن عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر ع قال إن الله تبارك و تعالى كان و لا شي‏ء غيره الخبر

61-  و منه، عن أبيه عن محمد العطار عن محمد الحسين بن أبي الخطاب عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر ع قال سمعته يقول كان و لا شي‏ء غيره و لم يزل الله عالما بما كون فعلمه به قبل كونه كعلمه به بعد ما كونه

62-  و منه، عن علي بن أحمد الدقاق عن محمد بن جعفر الأسدي عن محمد بن بشر عن أبي هاشم الجعفري قال كنت عند أبي جعفر الثاني ع فسأله رجل فقال أخبرني عن الرب تبارك و تعالى له أسماء و صفات في كتابه فأسماؤه و صفاته هي هو فقال أبو جعفر ع إن لهذا الكلام وجهين إن كنت تقول هي هو أنه ذو عدد و كثرة فتعالى الله عن ذلك و إن كنت تقول لم تزل هذه الصفات و الأسماء فإن لم تزل يحتمل معنيين فإن قلت لم تزل   عنده في علمه و هو مستحقها فنعم و إن كنت تقول لم تزل تصويرها و هجاؤها و تقطيع حروفها فمعاذ الله أن يكون معه شي‏ء غيره بل كان الله و لا خلق ثم خلقها وسيلة بينه و بين خلقه يتضرعون بها إليه و يعبدونه و هي ذكره و كان الله سبحانه و لا ذكر و المذكور بالذكر هو الله القديم الذي لم يزل و الأسماء و الصفات مخلوقات و المعني بها هو الله الخبر

 الاحتجاج، عن الجعفري مثله الكافي، عن محمد بن أبي عبد الله رفعه إلى أبي هاشم الجعفري مثله أقول قد مر شرحه في كتاب التوحيد و دلالته على المدعى صريحة

63-  التوحيد، و الكافي، روي أنه سئل أمير المؤمنين ع أين كان ربنا قبل أن يخلق سماء و أرضا فقال ع أين سؤال عن مكان و كان الله و لا مكان

64-  الاحتجاج، سئل أبو الحسن علي بن محمد ع عن التوحيد فقيل لم يزل الله وحده لا شي‏ء معه ثم خلق الأشياء بديعا و اختار لنفسه أحسن الأسماء أو لم تزل الأسماء و الحروف معه قديمة فكتب لم يزل الله موجودا ثم كون ما أراد الخبر

65-  التوحيد، عن علي بن أحمد الدقاق عن الكليني رفعه قال سأل ابن أبي العوجاء أبا عبد الله ع فقال ما الدليل على حدوث الأجسام فقال إني ما وجدت شيئا صغيرا و لا كبيرا إلا و إذا ضم إليه مثله صار أكبر و في ذلك   زوال و انتقال عن الحالة الأولى و لو كان قديما ما زال و لا حال لأن الذي يزول و يحول يجوز أن يوجد و يبطل فيكون بوجوده بعد عدمه دخول في الحدث و في كونه في الأولى دخوله في العدم و لن تجتمع صفة الأزل و العدم في شي‏ء واحد الخبر

66-  و منه، عن محمد بن الحسن الصفار عن العباس بن معروف عن عبد الرحمن بن أبي نجران عن حماد بن عثمان عن عبد الرحيم قال كتبت على يدي عبد الملك بن أعين إلى أبي عبد الله ع جعلت فداك اختلف الناس في القرآن فزعم قوم أن القرآن كلام الله غير مخلوق و قال آخرون كلام الله مخلوق فكتب ع القرآن كلام الله محدث غير مخلوق و غير أزلي مع الله تعالى ذكره و تعالى عن ذلك علوا كبيرا كان الله عز و جل و لا شي‏ء غير الله معروف و لا مجهول و كان عز و جل و لا متكلم و لا مريد و لا متحرك و لا فاعل جل و عز ربنا فجميع هذه الصفات محدثة عند حدوث الفعل منه عز و جل ربنا و القرآن كلام الله غير مخلوق فيه خبر من كان قبلكم و خبر ما يكون بعدكم أنزل من عند الله على محمد رسول الله ص

 قال الصدوق رحمه الله معنى قوله ع غير مخلوق غير مكذوب و لا يعني به أنه غير محدث لأنه قد قال محدث غير مخلوق و غير أزلي مع الله تعالى ذكره و إنما منعنا من إطلاق المخلوق عليه لأن المخلوق في اللغة قد يكون مكذوبا   و يقال كلام مخلوق أي مكذوب قال الله تبارك و تعالى إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً وَ تَخْلُقُونَ إِفْكاً أي كذبا. أقول الظاهر أن فيه نوعا من التقية أو الاتقاء لامتناع المخالفين من إطلاق هذا اللفظ على القرآن أشد الامتناع

67-  قصص الراوندي، بإسناده إلى الصدوق عن أبيه و ابن الوليد معا عن سعد بن عبد الله عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن ابن محبوب عن عمرو بن أبي المقدام عن جابر عن أبي جعفر ع قال قال أمير المؤمنين ع إن الله لما خلق الأرضين خلقها قبل السماوات

 أقول تمامه في باب العوالم

68-  البصائر، عن أحمد بن محمد و عبد الله بن محمد عن ابن محبوب عن ابن رئاب عن سدير قال سأل حمران أبا جعفر ع عن قول الله تبارك و تعالى بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ قال ع إن الله ابتدع الأشياء كلها على غير مثال كان و ابتدع السماوات و الأرض و لم يكن قبلهن سماوات و لا أرضون أ ما تسمع لقوله تعالى كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ

 العياشي، عن حمران مثله

69-  ثواب الأعمال، عن أبيه عن سعد عن أحمد بن محمد البرقي عن أبيه عن محمد بن سنان عن أبي العلاء عن أبي خالد الصيقل عن أبي جعفر ع قال إن الله عز و جل فوض الأمر إلى ملك من الملائكة فخلق سبع سماوات و سبع أرضين و أشياء فلما رأى الأشياء قد انقادت له قال من مثلي فأرسل الله   عز و جل نويرة من نار قال و ما نويرة من نار قال نار بمثل أنملة قال فاستقبلها بجميع ما خلق فتخللت لذلك حتى وصلت إليه لما أن أدخله العجب

 المحاسن، عن أبيه عن ابن سنان مثله

70-  و منه، عن أبيه عن بعض أصحابه عن عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر ع قال إن الله تبارك و تعالى كان و ليس شي‏ء غيره نورا لا ظلام فيه و صدقا لا كذب فيه و علما لا جهل فيه و حياة لا موت فيه و كذلك لا يزال أبدا

71-  العياشي، عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر ع قال كان الله تبارك و تعالى كما وصف نفسه و كان عرشه على الماء و الماء على الهواء و الهواء لا يجري و لم يكن غير الماء خلق و الماء يومئذ عذب فرات فلما أراد الله أن يخلق الأرض أمر الرياح الأربع فضربن الماء حتى صار موجا ثم أزبد زبدة واحدة فجمعه في موضع البيت فأمر الله فصار جبلا من زبد ثم دحى الأرض من تحته ثم قال إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ

72-  و منه، عن عيسى بن أبي حمزة قال قال رجل لأبي عبد الله ع   جعلت فداك إن الناس يزعمون أن الدنيا عمرها سبعة آلاف سنة فقال ليس كما يقولون إن الله خلق لها خمسين ألف عام فتركها قاعا قفرا خاوية عشرة آلاف عام ثم بدا لله بداء فخلق فيها خلقا ليس من الجن و لا من الملائكة و لا من الإنس و قدر لهم عشرة آلاف عام فلما قربت آجالهم أفسدوا فيها فدمر الله عليهم تدميرا ثم تركها قاعا قفرا خاوية عشرة آلاف عام ثم خلق فيها الجن و قدر لهم عشرة آلاف عام فيها فلما قربت آجالهم أفسدوا فيها و سفكوا الدماء و هو قول الملائكة أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ كما سفكت بنو الجان فأهلكهم الله ثم بدا لله فخلق آدم و قرر له عشرة آلاف و قد مضى من ذلك سبعة آلاف عام و مائتان و أنتم في آخر الزمان

73-  تفسير الإمام، قال ع قال أمير المؤمنين ع قال رسول الله ص في قوله عز و جل الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً إن الله عز و جل لما خلق الماء فجعل عرشه عليه قبل أن يخلق السماوات و الأرض و ذلك قوله عز و جل هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ يعني و كان عرشه على الماء قبل أن يخلق السماوات و الأرض فأرسل الله   الرياح على الماء فتفجر الماء من أمواجه فارتفع عنه الدخان و علا فوق الزبد فخلق من دخانه السماوات السبع فخلق من زبده الأرضين السبع فبسط الأرض على الماء و جعل الماء على الصفا و الصفا على الحوت و الحوت على الثور و الثور على الصخرة التي ذكرها لقمان لابنه فقال يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا و الصخرة على الثرى و لا يعلم ما تحت الثرى إلا الله فلما خلق الله الأرض دحاها من تحت الكعبة ثم بسطها على الماء فأحاطت بكل شي‏ء ففخرت الأرض و قالت أحطت بكل شي‏ء فمن يغلبني و كان في كل أذن من آذان الحوت سلسلة من ذهب مقرونة الطرف بالعرش فأمر الله الحوت فتحركت فتكفأت الأرض بأهلها كما تكفأ السفينة على متن الماء قد اشتدت أمواجه و لم تستطع الأرض الامتناع ففخر الحوت و قال غلبت الأرض التي أحاطت بكل شي‏ء فمن يغلبني فخلق الله عز و جل الجبال فأرساها و ثقل الأرض بها فلم يستطع الحوت أن يتحرك ففخرت الجبال و قالت غلبت الحوت الذي غلب الأرض فمن يغلبني فخلق الله عز و جل الحديد فقطعت به الجبال و لم يكن عندها دفاع و لا امتناع ففخر الحديد و قال غلبت الجبال التي غلبت الحوت فمن يغلبني فخلق الله عز و جل النار فألانت الحديد و فرقت أجزاءه و لم يكن عند الحديد دفاع و لا امتناع ففخرت النار و قالت غلبت الحديد الذي غلب الجبال فمن يغلبني فخلق الله عز و جل الماء فأطفأ النار و لم يكن عندها دفاع و لا امتناع ففخر الماء و قال غلبت النار التي غلبت الحديد فمن يغلبني فخلق الله عز و جل الريح فأيبست الماء ففخرت الريح و قالت غلبت الماء الذي غلب النار فمن يغلبني فخلق الله عز و جل الإنسان فصرف الرياح عن مجاريها بالبنيان ففخر الإنسان و قال غلبت الريح التي   غلبت الماء فمن يغلبني فخلق الله عز و جل ملك الموت فأمات الإنسان ففخر ملك الموت و قال غلبت الإنسان الذي غلب الريح فمن يغلبني فقال الله عز و جل أنا القهار الغلاب الوهاب أغلبك و أغلب كل شي‏ء فذلك قوله إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ

74-  العياشي، عن أبي جعفر عن رجل عن أبي عبد الله ع قال إن الله خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ فالسنة تنقص ستة أيام

 بيان لعل المعنى أن مقتضى ظاهر الحال كان تساوي الشهور و كون كلها ثلاثين يوما فأسقط الله الستة عن الشهور و جعل حركة القمر بحيث تصير السنة القمرية ثلاثمائة و أربعة و خمسين يوما و لذا تطلق السنة في عرف الشرع و عرف العرب على الثلاثمائة و الستين مع أنه لا يوافق حركة الشمس و لا حركة القمر و الله يعلم

75-  العياشي، عن جابر عن أبي جعفر ع قال إن الله جل ذكره و تقدست أسماؤه خلق الأرض قبل السماء ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ لتدبير الأمور

 و منه عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر ع قال كان الله تبارك و تعالى كما وصف نفسه وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ و الماء على الهواء و الهواء لا يجري

76-  و منه، عن محمد بن عمران العجلي قال قلت لأبي عبد الله ع أي شي‏ء كان موضع البيت حيث كان الماء في قول الله عز و جل وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ قال كانت مهاة بيضاء يعني درة

77-  المناقب، سأل ضباع الهندي ما أصل الماء قال ع أصل الماء من خشية الله

 بيان أي خشية الله صار سببا لذوبان الدرة و صيرورتها ماء كما سيأتي

    -78  تنبيه الخاطر، للورام عن ابن عباس عن أمير المؤمنين ع قال إن الله تعالى أول ما خلق الخلق خلق نورا ابتدعه من غير شي‏ء ثم خلق منه ظلمة و كان قديرا أن يخلق الظلمة لا من شي‏ء كما خلق النور من غير شي‏ء ثم خلق من الظلمة نورا و خلق من النور ياقوتة غلظها كغلظ سبع سماوات و سبع أرضين ثم زجر الياقوتة فماعت لهيبته فصارت ماء مرتعدا و لا يزال مرتعدا إلى يوم القيامة ثم خلق عرشه من نوره و جعله على الماء و للعرش عشرة آلاف لسان يسبح الله كل لسان منها بعشرة آلاف لغة ليس فيها لغة تشبه الأخرى و كان العرش على الماء من دون حجب الضباب

79-  تفسير الفرات، عن عبيد بن كثير معنعنا عن الحسن بن علي بن أبي طالب ع قال شهدت أبي عند عمر بن الخطاب و عنده كعب الأحبار و كان رجلا قد قرأ التوراة و كتب الأنبياء ع فقال له عمر يا كعب من كان أعلم بني إسرائيل بعد موسى بن عمران ع قال كان أعلم بني إسرائيل بعد موسى بن عمران يوشع بن نون و كان وصي موسى بن عمران بعده و كذلك كل نبي خلا من بعد موسى بن عمران كان له وصي يقوم في أمته من بعده فقال له عمر فمن وصي نبينا و عالمنا أبو بكر قال و علي ساكت لا يتكلم فقال كعب مهلا فإن السكوت عن هذا أفضل كان أبو بكر رجلا خطا بالصلاح فقدمه المسلمون لصلاحه و لم يكن بوصي فإن موسى بن عمران لما توفي أوصى إلى   يوشع بن نون فقبله طائفة من بني إسرائيل و أنكرت فضله طائفة و هي التي ذكر الله تعالى في القرآن فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَ كَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ و كذلك الأنبياء السالفة و الأمم الخالية لم يكن نبي إلا و قد كان له وصي يحسده قومه و يدفعون فضله فقال ويحك يا كعب فمن ترى وصي نبينا قال كعب معروف في جميع كتب الأنبياء و الكتب المنزلة من السماء علي أخو النبي العربي ع يعينه على أمره و يوازره على من ناواه و له زوجة مباركة و له منها ابنان يقتلهما أمته من بعده و يحسدون وصيه كما حسدت الأمم أوصياء أنبيائها فيدفعونه عن حقه و يقتلون من ولده بعده كحسد الأمم الماضية و قال فأفحم عندها و قال يا كعب لئن صدقت في كتاب الله المنزل قليلا فقد كذبت كثيرا فقال كعب و الله ما كذبت في كتاب الله قط و لكن سألتني عن أمر لم يكن لي بد من تفسيره و الجواب فيه فإني لأعلم أن أعلم هذه الأمة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ع بعد نبيها لأني لم أسأله عن شي‏ء إلا وجدت عنده كلما تصدقه به التوراة و جميع كتب الأنبياء ع فقال له عمر اسكت يا ابن اليهودي فو الله إنك لكثير التخرص بكذب فقال كعب و الله ما علمت أني كذبت في شي‏ء من   كتاب الله منذ جرى لله علي الحكم و لئن شئت لألقين عليك شيئا من علم التوراة فإن فهمته فأنت أعلم منه و إن فهم فهو أعلم منك فقال له عمر هات بعض هناتك فقل كعب أخبرني عن قول الله وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ فأين كانت الأرض و أين كانت السماء و أين كان جميع خلقه فقال له عمر و من يعلم غيب الله منا إلا ما سمعه رجل من نبينا قال و لكن إخال أبا حسن لو سئل عن ذلك لشرحه بمثل ما قرأناه في التوراة فقال له عمر فدونك إذا اختلف المجلس قال فلما دخل علي ع على عمر و أصحابه أرادوا إسقاط أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ع فقال كعب يا أبا الحسن أخبرني عن قول الله تعالى في كتابه وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ع نعم كان عرشه على الماء حين لا أرض مدحية و لا سماء مبنية و لا صوت يسمع و لا عين تنبع و لا ملك مقرب و لا نبي مرسل و لا نجم يسري و لا قمر يجري و لا شمس تضي‏ء و عرشه على الماء غير مستوحش إلى أحد من خلقه يمجد نفسه و يقدسها كما شاء أن يكون كان ثم بدا له أن يخلق الخلق فضرب بأمواج البحور فثار منها مثل الدخان كأعظم ما يكون من خلق الله فبنى بها سماء رتقا ثم دحا الأرض من موضع الكعبة و هي وسط الأرض فطبقت إلى البحار ثم فتقها بالبنيان و جعلها سبعا بعد إذ كانت واحدة ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ من ذلك الماء الذي أنشأه من تلك البحور فجعلها سبعا طباقا بكلمته التي لا يعلمها غيره و جعل في كل سماء ساكنا من الملائكة خلقهم معصومين من نور من بحور عذبة و هو بحر الرحمة و جعل طعامهم التسبيح و التهليل و التقديس فلما قضى أمره

   و خلقه استوى على ملكه فمدح كما ينبغي له أن يحمد ثم قدر ملكه فجعل في كل سماء شهبا معلقة كواكب كتعليق القناديل من المساجد لا يحصيها غيره تبارك و تعالى و النجم من نجوم السماء كأكبر مدينة في الأرض ثم خلق الشمس و القمر فجعلهما شمسين فلو تركهما تبارك و تعالى كما كان ابتدأهما في أول مرة لم يعرف خلقة الليل من النهار و لا عرف الشهر و لا السنة و لا عرف الشتاء من الصيف و لا عرف الربيع من الخريف و لا علم أصحاب الدين متى يحل دينهم و لا علم العامل متى يتصرف في معيشته و متى يسكن لراحة بدنه فكان الله تبارك و تعالى لرأفته بعباده نظر لهم فبعث جبرئيل ع إلى إحدى الشمسين فمسح بها جناحه فأذهب منها الشعاع و النور و ترك فيها الضوء فذلك قوله وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ وَ النَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَ جَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ وَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا و جعلهما يجريان في الفلك و الفلك بحر فيما بين السماء و الأرض مستطيل في السماء استطالته ثلاثة فراسخ يجري في غمرة الشمس و القمر كل واحد منهما على عجلة يقودهما ثلاثمائة ملك بيد كل ملك منها عروة يجرونها في غمرة ذلك البحر لهم زجل بالتهليل و التسبيح و التقديس لو برز واحد منهما من غمر ذلك البحر لاحترق كل شي‏ء على وجه الأرض حتى الجبال و الصخور و ما خلق الله من شي‏ء فلما خلق الله السماوات و الأرض و الليل و النهار و النجوم و الفلك و جعل الأرضين على ظهر حوت أثقلها فاضطربت فأثبتها بالجبال فلما استكمل خلق ما في السماوات   و الأرض يومئذ خالية ليس فيها أحد قال للملائكة إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ فبعث الله جبرئيل ع فأخذ من أديم الأرض قبضة فعجنه بالماء العذب و المالح و ركب فيه الطبائع قبل أن ينفخ فيه الروح فخلقه من أديم الأرض فلذلك سمي آدم لأنه لما عجن بالماء استأدم فطرحه في الجبل كالجبل العظيم و كان إبليس يومئذ خازنا على السماء الخامسة يدخل في منخر آدم ثم يخرج من دبره ثم يضرب بيده على بطنه فيقول لأي أمر خلقت لئن جعلت فوقي لا أطعتك و إن جعلت أسفل مني لا أعينك فمكث في الجنة ألف سنة ما بين خلقه إلى أن ينفخ فيه الروح فخلقه من ماء و طين و نور و ظلمة و ريح و نور من نور الله فأما النور فيورثه الإيمان و أما الظلمة فيورثه الكفر و الضلالة و أما الطين فيورثه الرعدة و الضعف و الاقشعرار عند إصابة الماء فينعت به على أربع الطبائع على الدم و البلغم و المرار و الريح فذلك قوله تبارك و تعالى أَ وَ لا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ يَكُ شَيْئاً قال فقال كعب يا عمر بالله أ تعلم كعلم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فقال لا فقال كعب علي بن أبي طالب ع وصي الأنبياء و محمد خاتم الأنبياء ع و علي خاتم الأوصياء و ليس على الأرض اليوم منفوسة إلا و علي بن أبي طالب أعلم منه و الله ما ذكر من خلق الإنس و الجن و السماء و الأرض و الملائكة شيئا إلا و قد قرأته في التوراة كما قرأ قال فما رئي عمر غضب قط مثل غضبه ذلك اليوم

 بيان الخرص الكذب و القول بالظن و التخرص الافتراء بعض   هناتك أي شرورك أو كلماتك العجيبة و لكن إخال بكسر الهمزة و قد تفتح أي أظن ثم فتقها بالبنيان لعل المراد جعل الفرج بين قطعاتها فصارت كالبنيان أو جعل فيها البناء و العمارة فقسمت بالأقاليم على قول و الجبل بالفتح الساحة و كان في الخبر تصحيفات و هو مشتمل على رموز و لعلنا نتكلم في بعض أجزائه في موضع يناسبه

80-  الكافي، عن محمد بن الحسن عن سهل عن ابن محبوب عن عبد الرحمن بن كثير عن داود الرقي قال سألت أبا عبد الله ع عن قول الله عز و جل وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ فقال ما يقولون قلت يقولون إن العرش كان على الماء و الرب فوقه فقال كذبوا من زعم هذا فقد صير الله محمولا و وصفه بصفة المخلوق و لزمه أن الشي‏ء الذي يحمله أقوى منه قلت بين لي جعلت فداك فقال إن الله حمل دينه و علمه الماء قبل أن تكون أرض أو سماء أو جن أو إنس أو شمس أو قمر فلما أراد أن يخلق الخلق نثرهم بين يديه فقال لهم من ربكم فأول من نطق رسول الله ص و أمير المؤمنين و الأئمة ع فقالوا أنت ربنا فحملهم العلم و الدين ثم قال للملائكة هؤلاء حملة ديني و علمي و أمنائي في خلقي و هم المسئولون ثم قال لبني آدم أقروا لله بالربوبية و لهؤلاء النفر بالولاية و الطاعة فقالوا نعم ربنا أقررنا فقال الله للملائكة اشهدوا فقالت الملائكة شهدنا على أن لا يقولوا غدا إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ أو يقولوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَ كُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ يا داود ولايتنا مؤكدة عليهم في الميثاق

 التوحيد، عن علي بن أحمد الدقاق عن محمد بن أبي عبد الله الكوفي عن   محمد بن إسماعيل البرمكي عن جزعان بن نصر الكندي عن سهل مثله بيان ظاهره أن الله سبحانه أعطى الماء حالة صار قابلا لحمل دينه و علمه و يحتمل أن يكون المعنى أنه لما كان الماء أول المخلوقات و كان الله تعالى جعله قابلا لأن يخرج منه خلقا يكونون قابلين لعلمه و دينه و كان يهيئ أسباب خروجهم منه فكأنه حمل دينه و علمه الماء و من يسلك مسلك الحكماء قد يؤول الماء بالعقل و قد يؤوله بالهيولى و نحن من ذلك بمعزل بفضله تعالى

81-  الكافي، عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن الحسين بن سعيد عن محمد بن داود عن محمد بن عطية قال جاء إلى أبي جعفر ع رجل من أهل الشام من علمائهم فقال يا أبا جعفر جئت أسألك عن مسألة قد أعيت علي أن أجد أحدا يفسرها و قد سألت عنها ثلاثة أصناف من الناس فقال كل صنف منهم شيئا غير الذي قال الصنف الآخر فقال له أبو جعفر ع ما ذاك قال فإني أسألك عن أول ما خلق الله من خلقه فإن بعض من سألته قال القدر و قال بعضهم القلم و قال بعضهم الروح فقال أبو جعفر ما قالوا شيئا أخبرك أن الله تبارك و تعالى كان و لا شي‏ء غيره و كان عزيزا و لا أحد كان قبل عزه و ذلك قوله سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ و كان الخالق قبل المخلوق و لو كان أول ما خلق من خلقه الشي‏ء من الشي‏ء إذا لم يكن له انقطاع أبدا و لم يزل الله إذا و معه شي‏ء ليس هو يتقدمه و لكنه كان إذ لا شي‏ء غيره و خلق الشي‏ء الذي جميع   الأشياء منه و هو الماء الذي خلق الأشياء منه فجعل نسب كل شي‏ء إلى الماء و لم يجعل للماء نسبا يضاف إليه و خلق الريح من الماء ثم سلط الريح على الماء فشققت الريح متن الماء حتى ثار من الماء زبد على قدر ما شاء أن يثور فخلق من ذلك الزبد أرضا بيضاء نقية ليس فيها صدع و لا ثقب و لا صعود و لا هبوط و لا شجرة ثم طواها فوضعها فوق الماء ثم خلق الله النار من الماء فشققت النار متن الماء حتى ثار من الماء دخان على قدر ما شاء الله أن يثور فخلق من ذلك الدخان سماء صافية نقية ليس فيها صدع و لا نقب و ذلك قوله أَمِ السَّماءُ بَناها رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها وَ أَغْطَشَ لَيْلَها وَ أَخْرَجَ ضُحاها قال و لا شمس و لا قمر و لا نجوم و لا سحاب ثم طواها فوضعها فوق الأرض ثم نسب الخليقتين فرفع السماء قبل الأرض فذلك قوله عز ذكره وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها يقول بسطها قال فقال له الشامي يا أبا جعفر قول الله عز و جل أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما فقال له أبو جعفر ع فلعلك تزعم أنهما كانتا رتقا ملتزقتين ملتصقتين ففتقت إحداهما من الأخرى فقال نعم فقال أبو جعفر ع استغفر ربك فإن قول الله عز و جل كانَتا رَتْقاً يقول كانت السماء رتقا لا تنزل المطر و كانت الأرض رتقا لا تنبت الحب فلما خلق الله تبارك و تعالى الخلق وَ بَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ ففتق السماء بالمطر و الأرض بنبات الحب فقال الشامي أشهد أنك من ولد الأنبياء و أن علمك علمهم

 توضيح قوله ع و لو كان أول ما خلق أي لو كان كما تزعمه الحكماء كل حادث مسبوقا بمادة فلا يتحقق شي‏ء يكون أول الأشياء من الحوادث فيلزم وجود قديم سوى الله تعالى و هو محال فجعل نسب كل شي‏ء إلى الماء أي   بأن خلق جميعها منه لا بقوله وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْ‏ءٍ حَيٍّ لأنه ظاهرا مختص بذوي الحياة إلا أن يقال المراد بكل شي‏ء هنا أيضا ذوو الحياة أو يقال انتساب ذوي الحياة إليه مستلزم لانتساب غيرهم أيضا من العناصر لأنها جزء الحيوان ثم نسب الخليقتين أي رتبهما في الوضع و جعل إحداهما فوق الأخرى أو بين نسبة خلقهما في كتابه بقوله وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها فبين أن دحو الأرض بعد رفع السماء

82-  الكافي، عن محمد عن أحمد بن محمد عن ابن محبوب عن العلاء بن رزين عن محمد بن مسلم و الحجال عن العلاء عن محمد بن مسلم قال قال لي أبو جعفر ع كان كل شي‏ء ماء وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ فأمر الله جل و عز الماء فاضطرم نارا ثم أمر النار فخمدت فارتفع من خمودها دخان فخلق الله السماوات من ذلك الدخان و خلق الأرض من الرماد ثم اختصم الماء و النار و الريح فقال الماء أنا جند الله الأكبر و قال الريح أنا جند الله الأكبر و قالت النار أنا جند الله الأكبر فأوحى الله عز و جل إلى الريح أنت جندي الأكبر

 بيان و خلق الأرض من الرماد لعل المراد بقية الأرض التي حصلت بعد الدحو و يحتمل أيضا أن يكون الزبد المذكور في الأخبار الأخر مادة بعيدة للأرض بأن يكون الرماد تكون من الزبد و من الرماد تكونت الأرض أو يكون الرماد أحد أجزاء الأرض مزج بالزبد فجمد الزبد بذلك المزج و تصلب

83-  الكافي، عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن ابن محبوب عن أبي جعفر الأحول عن سلام بن المستنير عن أبي جعفر ع قال إن الله عز و جل خلق الجنة قبل أن يخلق النار و خلق الطاعة قبل أن يخلق المعصية و خلق الرحمة قبل الغضب و خلق الخير قبل الشر و خلق الأرض قبل السماء و خلق الحياة قبل الموت و خلق الشمس قبل القمر و خلق النور قبل أن يخلق الظلمة

    بيان لعل المراد بخلق الطاعة تقديرها بل الظاهر في الأكثر ذلك و الخلق بمعنى التقدير شائع و المراد بخلق الشر خلق ما يترتب عليه شر ظاهرا و إن كان خيره غالبا و وجوده صلاحا

84-  الكافي، عن علي بن إبراهيم عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله ع قال قال النبي ص ما خلق الله عز و جل خلقا إلا و قد أمر عليه آخر يغلبه فيه و ذلك أن الله تبارك و تعالى لما خلق السحاب السفلى فخرت و زخرت و قالت أي شي‏ء يغلبني فخلق الأرض فسطحها على ظهرها فذلت ثم إن الأرض فخرت و قالت أي شي‏ء يغلبني فخلق الجبال فأثبتها على ظهرها أوتادا من أن تميد بما عليها فذلت الأرض و استقرت ثم إن الجبال فخرت على الأرض فشمخت و استطالت و قالت أي شي‏ء يغلبني فخلق الحديد فقطعها فقرت الجبال و ذلت ثم إن الحديد فخر على الجبال و قال أي شي‏ء يغلبني فخلق النار فأذابت الحديد فذل الحديد ثم إن النار زفرت و شهقت و فخرت و قالت أي شي‏ء يغلبني فخلق الماء فأطفأها فذلت النار ثم إن الماء فخر و زخر و قال أي شي‏ء يغلبني فخلق الريح فحركت أمواجه و أثارت ما في قعره و حبسته عن مجاريه فذل الماء ثم إن الريح فخرت و عصفت و لوحت أذيالها و قالت أي شي‏ء يغلبني فخلق الإنسان فبنى و احتال و اتخذ ما يستتر به من الريح و غيرها فذلت الريح ثم إن الإنسان طغى و قال من أشد مني قوة فخلق الله له الموت فقهره فذل الإنسان ثم إن الموت فخر في نفسه فقال الله عز و جل لا تفخر فإني ذابحك بين الفريقين أهل الجنة و أهل النار ثم لا أحييك أبدا فترجى و تخاف و قال أيضا و الحلم يغلب الغضب   و الرحمة تغلب السخط و الصدقة تغلب الخطيئة ثم قال أبو عبد الله ع و ما أشبه هذا مما يغلب غيره

 إيضاح في القاموس زخر البحر كمنع زخرا و زخورا و تزخر طما و تملأ و الوادي مد جدا و ارتفع و النبات طال و الرجل بما عنده فخر انتهى و الظاهر أن هذه الجمل جرت على سبيل الاستعارة التمثيلية لبيان أن سوى الحق تعالى مقهور مغلوب عن غيره و الله سبحانه هو الغالب القاهر لجميع ما سواه و أنه سبحانه بحكمته دفع في الدنيا عادية كل شي‏ء بشي‏ء ليستقيم للناس التعيش فيها و الميل الحركة و الاضطراب. و قال الجوهري الزفير اغتراق النفس للشدة و الزفير أول صوت الحمار و الشهيق آخره و قال الفيروزآبادي زفر النار سمع لتوقدها صوت قوله ع إن الماء فخر لعل المراد بالماء هاهنا المياه التي استكنت في الأرض و خلقت على وجهها و لذا قيد الماء في أول الخبر بالبحار السفلى و غلبة الأرض إنما هي عليها دون المياه الظاهرة فلا ينافي تأخر خلق هذا الماء عن كثير من الأشياء تقدم خلق أصل الماء و حقيقته على غيره من سائر الأشياء. قوله و عصفت أي اشتدت و لوحت أذيالها أي رفعتها و حركتها تبخترا و تكبرا و هذا من أحسن الاستعارات فترجى أو تخاف أي لا أحييك فتكون حياتك رجاء لأهل النار و خوفا لأهل الجنة و ذبح الموت لعل المراد به ذبح شي‏ء يسمى بهذا الاسم ليعرف الفريقان رفع الموت عنهما عيانا إن لم نقل بتجسم الأعراض في تلك النشأة و يحتمل أن يكون هذا أيضا على الاستعارة التمثيلية

    -85  الاختصاص، قال يونس بن عبد الرحمن يوما لموسى بن جعفر ع أين كان ربك حيث لا سماء مبنية و لا أرض مدحية قال كان نورا في نور و نورا على نور خلق من ذلك النور ماء منكدرا فخلق من ذلك الماء ظلمة فكان عرشه على تلك الظلمة قال إنما سألتك عن المكان قال كلما قلت أين فأين هو المكان قال وصفت فأجدت إنما سألتك عن المكان الموجود المعروف قال كان في علمه لعلمه فقصر علم العلماء عند علمه قال إنما سألتك عن المكان قال يا لكع أ ليس قد أجبتك أنه كان في علمه لعلمه فقصر علم العلماء عند علمه

86-  سعد السعود، للسيد بن طاوس قال وجدت في صحف إدريس ع من نسخه عتيقة أول يوم خلق الله جل جلاله يوم الأحد ثم كان صباح يوم الإثنين فجمع الله جل جلاله البحار حول الأرض و جعلها أربعة بحار الفرات و النيل و سيحان و جيحان ثم كان مساء ليلة الثلاثاء فجاء الليل بظلمته و وحشته ثم كان صباح يوم الثلاثاء فخلق الله جل جلاله الشمس و القمر و شرح ذلك و ما بعده شرحا طويلا و قال ثم كان مساء ليلة الأربعاء فخلق الله ألف ألف صنف من الملائكة منهم على خلق الغمام و منهم على خلق النار متفاوتين في الخلق و الأجناس ثم كان صباح يوم الأربعاء فخلق الله من الماء أصناف البهائم و الطير و جعل لهن رزقا في الأرض و خلق النار العظام و أجناس الهوام ثم كان مساء ليلة الخميس فميز الله سباع الدواب و سباع الطير ثم كان صباح يوم الخميس فخلق الله ثمان جنان و جعل كل باب واحدة منهن إلى بعض ثم كان مساء ليلة الجمعة فخلق الله النور الزهراء و فتح الله مائة باب رحمة في كل باب جزء من الرحمة و وكل بكل باب ألفا من ملائكة الرحمة و جعل رئيسهم كلهم ميكائيل فجعل آخرها بابا لجميع الخلائق يتراحمون به بينهم ثم كان صباح يوم الجمعة فتح الله أبواب السماء بالغيث و أهب الرياح   و أنشأ السحاب و أرسل ملائكة الرحمة للأرض تأمر السحاب تمطر على الأرض و زهرت الأرض بنباتها و ازدادت حسنا و بهجة و غشي الملائكة النور و سمى الله يوم الجمعة لذلك يوم أزهر و يوم المزيد و قال الله قد جعلت يوم الجمعة أكرم الأيام كلها و أحبها إلي ثم ذكر شرحا جليلا بعد ذلك ثم قال إن الأرض عرفها الله جل جلاله أنه يخلق منها خلقا فمنهم من يطيعه و منهم من يعصيه فاقشعرت الأرض و استعفت الله و سألته أن لا يأخذ منها من يعصيه و يدخله النار و إن جبرئيل أتاها ليأخذ عنها طينة آدم فسألته بعزة الله أن لا يأخذ منها شيئا حتى تتضرع إلى الله تعالى و تضرعت فأمره الله تعالى بالانصراف عنها فأمر الله ميكائيل ع فاقشعرت و سألت و تضرعت فأمره الله تعالى بالانصراف عنها فأمر الله تعالى إسرافيل بذلك فاقشعرت و سألت و تضرعت فأمره الله تعالى بالانصراف عنها فأمر عزرائيل فاقشعرت و سألت و تضرعت فقال قد أمرني ربي بأمر أنا ماض له سرك ذاك أم ساءك فقبض منها كما أمره الله ثم صعد بها إلى موقفه فقال الله له كما وليت قبضها من الأرض و هي كارهة كذلك تلي قبض أرواح كل من عليها و كلما قضيت عليه الموت من اليوم إلى يوم القيامة فلما غابت شمس يوم الجمعة خلق الله النعاس فغشاه دواب الأرض و جعل النوم سباتا و سمى الليلة لذلك ليلة السبت و قال أنا الله لا إله إلا أنا خالق كل شي‏ء خلقت السماوات و الأرض وَ ما بَيْنَهُما وَ ما تَحْتَ الثَّرى في ستة أيام من شهر نيسان و هو أول شهر من شهور الدنيا و جعلت الليل و النهار و جعلت النهار نشورا و معاشا و جعلت الليل لباسا و سكنا ثم كان صباح يوم السبت فميز الله لغات الكلام فسبح جميع الخلائق لعزة الله جل جلاله فتم خلق الله و تم أمره في الليل و النهار ثم كان صباح يوم الأحد الثاني اليوم الثامن من الدنيا فأمر الله ملكا فعجن طينة آدم فخلط بعضها ببعض ثم خمرها

   أربعين سنة ثم جعلها لازبا ثم جعلها حمأ مسنونا أربعين سنة ثم جعلها صلصالا كالفخار أربعين سنة ثم قال للملائكة بعد عشرين و مائة سنة مذ خمر طينة آدم إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ فقالوا نعم فقال في الصحف ما هذا لفظه فخلق الله آدم على صورته التي صورها في اللوح المحفوظ يقول علي بن موسى بن طاوس فأسقط بعض المسلمين بعض هذا الكلام و قال إن الله خلق آدم على صورته فاعتقد التجسيم فاحتاج المسلمون إلى تأويلات الحديث و لو نقله بتمامه استغنى عن التأويل بتصديق و شهد العقل المستقيم و قال في الصحف ثم جعلها جسدا ملقى على طريق الملائكة الذي تصعد فيه إلى السماء أربعين سنة ثم ذكر تناسل الجن و فسادهم و هرب إبليس منهم إلى الله و سؤاله أن يكون مع الملائكة و إجابة سؤاله و ما وقع من الجن حتى أمر الله إبليس أن ينزل مع الملائكة لطرد الجن فنزل و طردهم عن الأرض التي أفسدوا فيها و شرح كيفية خلق الروح في أعضاء آدم و استوائه جالسا و أمر الله الملائكة بالسجود فسجدوا له إلا إبليس كان من الجن فلم يسجد له فعطس آدم فقال الله يا آدم قل الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ فقال الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ قال الله يرحمك الله لهذا خلقتك لتوحدني و تعبدني و تحمدني و تؤمن بي و لا تكفر بي و لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً

87-  أقول قد مر تمامه في كتاب النبوة و كتاب الغيبة و وجدت في بعض الكتب عن الصادق ع في كلام له فالزم ما أجمع عليه أهل الصفاء و النقاء من أصول الدين و حقائق اليقين و الرضا و التسليم و لا تدخل في اختلاف الخلق فيصعب عليك و قد اجتمعت الأمة المختارة بأن الله واحد لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ و أنه   عدل في حكمه و يَفْعَلُ ما يَشاءُ و يَحْكُمُ ما يُرِيدُ و لا يقال له في شي‏ء من صفته لم و لا كان و لا يكون شي‏ء إلا بمشيته و أنه قادر على ما يشاء صادق في وعده و وعيده و أن القرآن كلامه و أنه كان قبل الكون و المكان و الزمان و أن إحداثه و إفناءه غيره سواء ما ازداد هو بإحداثه علما و لا ينقص بفنائه ملكه عز سلطانه و جل سبحانه فمن أورد عليك ما ينقض هذا الأصل فلا تقبله الخبر

88-  الأخبار المسلسلات، لجعفر بن أحمد القمي قال حدثنا محمد بن علي بن الحسين و شبك بيدي قال شبك بيدي عتاب بن محمد بن عتاب أبو القاسم قال شبك بيدي أحمد بن محمد بن عمار ببغداد و قال لنا شبك بيدي محمد بن همام العراقي قال شبك بيدي إسماعيل بن إبراهيم قال شبك بيدي عبد الكريم بن هشام قال شبك بيدي إبراهيم بن أبي يحيى قال شبك بيدي صفوان بن سليمان قال شبك بيدي أيوب بن خالد قال شبك بيدي عبيد الله بن رافع قال شبك بيدي أبو هريرة قال شبك بيدي رسول الله ص و قال خلق الله الأرض يوم السبت و الجبال يوم الأحد و البحر يوم الإثنين و المكروه يوم الثلاثاء و النور يوم الأربعاء و الدواب يوم الخميس و آدم يوم الجمعة

 أقول الحديث ضعيف مخالف للمشهور و سائر الأخبار فلا يعول عليه

89-  كتاب زيد النرسي، عن عبيد بن زرارة قال سمعت أبا عبد الله ع إذا أمات الله أهل الأرض لبث مثل ما كان الخلق و مثل ما أماتهم و أضعاف ذلك ثم   أمات أهل السماء الدنيا ثم لبث مثل ما خلق الخلق و مثل ما أمات أهل الأرض و السماء الدنيا و أضعاف ذلك ثم أمات أهل السماء الثانية ثم لبث مثل ما خلق الخلق و مثل ما أمات أهل الأرض و السماء الدنيا و السماء الثانية و أضعاف ذلك ثم أمات أهل السماء الثالثة ثم لبث مثل ما خلق الخلق و مثل ما أمات أهل الأرض و السماء الدنيا و السماء الثانية و السماء الثالثة و أضعاف ذلك ثم أمات أهل السماء الرابعة ثم لبث مثل ما خلق الخلق و مثل ما أمات أهل الأرض و أهل السماء الدنيا و السماء الثانية و السماء الثالثة و السماء الرابعة و أضعاف ذلك ثم أمات أهل السماء الخامسة ثم لبث مثل ما خلق الأرض و مثل ما أمات أهل الأرض و أهل السماء الدنيا و الثانية و الثالثة و الرابعة و الخامسة و أضعاف ذلك ثم أمات أهل السماء السادسة ثم لبث مثل ما خلق الخلق و مثل ما أمات أهل الأرض و أهل السماء الدنيا و الثانية و الثالثة و الرابعة و الخامسة و السادسة و أضعاف ذلك ثم أمات أهل السماء السابعة ثم لبث مثل ما خلق الخلق و مثل ما أمات أهل الأرض و أهل السماوات إلى السماء السابعة و أضعاف ذلك ثم أمات ميكائيل ثم لبث مثل ما خلق الخلق و مثل ذلك كله و أضعاف ذلك كله ثم أمات جبرئيل ثم لبث مثل ما خلق الخلق و مثل ذلك كله و أضعاف ذلك كله ثم أمات إسرافيل ثم لبث مثل ما خلق الخلق و مثل ذلك كله و أضعاف ذلك كله ثم أمات ملك الموت قال ثم يقول تبارك و تعالى لمن الملك اليوم فيرد على نفسه لله الواحد القهار أين الجبارون أين الذين ادعوا معي إلها أين المتكبرون و نحو هذا ثم يلبث مثل ما خلق الخلق و مثل ذلك كله و أضعاف ذلك ثم يبعث الخلق أو ينفخ في الصور قال عبيد بن زرارة فقلت إن هذا الأمر كائن طولت ذلك فقال أ رأيت ما كان قبل أن يخلق الخلق أطول أو ذا قال قلت ذا قال فهل علمت به قال قلت لا قال فكذلك هذا

 بيان الخبر صريح في الحدوث و قوله قلت ذا الظاهر أنه إشارة إلى المدة   قبل خلق الخلق و يدل على الزمان الموهوم

90-  النهج، ]نهج البلاغة[ روى مسعدة بن صدقة عن الصادق جعفر بن محمد ع أنه قال خطب أمير المؤمنين علي ع بهذه الخطبة على منبر الكوفة و ذلك أن رجلا أتاه فقال يا أمير المؤمنين صف لنا ربنا لنزداد له حبا و به معرفة فغضب ع و نادى الصلاة جامعة فاجتمع الناس عليه حتى غص المسجد بأهله فصعد المنبر و هو مغضب متغير اللون فحمد الله سبحانه و صلى على النبي ص ثم قال الحمد لله الذي لا يفره المنع و لا يكديه الإعطاء و الجود إذ كل معط منتقص سواه و كل مانع مذموم ما خلاه و هو المنان بفوائد النعم و عوائد المزيد و القسم عياله الخلائق ضمن أرزاقهم و قدر أقواتهم و نهج سبيل الراغبين إليه و الطالبين ما لديه و ليس بما سئل بأجود منه بما لم يسأل الأول الذي لم يكن له قبل فيكون شي‏ء قبله و الآخر الذي ليس له بعد فيكون شي‏ء بعده و الرادع أناسي الأبصار عن أن تناله أو تدركه ما اختلف عليه دهر فتختلف منه الحال و لا كان في مكان فيجوز عليه الانتقال و لو وهب ما تنفست عنه معادن الجبال و ضحكت عنه أصداف البحار من فلز اللجين و العقيان و نثارة الدر و حصيد المرجان ما أثر ذلك في جوده و لا أنفد سعة ما عنده و لكان عنده من ذخائر   الإنعام ما لا تنفده مطالب الأنام لأنه الجواد الذي لا يغيضه سؤال السائلين و لا يبخله إلحاح الملحين فانظر أيها السائل فما دلك القرآن عليه من صفته فأتم به و استضئ بنور هدايته و ما كلفك الشيطان علمه مما ليس في الكتاب عليك فرضه و لا في سنة النبي و أئمة الهدى أثره فكل علمه إلى الله سبحانه فإن ذلك منتهى حق الله عليك و اعلم أن الراسخين في العلم هم الذين أغناهم عن اقتحام السدد المضروبة دون الغيوب الإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب فمدح الله تعالى اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما و سمى تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عن كنهه رسوخا فاقتصر على ذلك فلا تقدر عظمة الله سبحانه على قدر عقلك فتكون من الهالكين هو القادر الذي إذا ارتمت الأوهام لتدرك منقطع قدرته و حاول الفكر المبرأ من خطر الوساوس أن يقع عليه من عميقات غيوب ملكوته و تولهت القلوب إليه لتجري في كيفية صفاته و غمضت مداخل العقول في حيث لا تبلغه الصفات لتنال علم ذاته ردعها و هي تجوب مهاوي سدف الغيوب متخلصة إليه سبحانه و تعالى فرجعت إذ جبهت معترفة بأنه لا ينال بجور الاعتساف كنه معرفته و لا تخطر ببال أولي الروايات خاطرة من تقدير جلال عزته الذي ابتدع الخلق على غير مثال امتثله و لا مقدار احتذى عليه من خالق معبود كان قبله و أرانا من ملكوت قدرته و عجائب ما نطقت به آثار حكمته و اعتراف الحاجة من الخلق إلى أن يقيمها بمساك قوته ما دلنا باضطرار قيام الحجة على معرفته و ظهرت في البدائع التي أحدثها آثار صنعته و أعلام حكمته فصار كل ما خلق حجة له و دليلا عليه و إن كان خلقا صامتا فحجته بالتدبير ناطقة و دلالته على المبدع قائمة فأشهد أن من شبهك بتباين أعضاء خلقك و تلاحم حقاق

   مفاصلهم المحتجبة لتدبير حكمتك لم يعقد غيب ضميره على معرفتك و لم يباشر قلبه اليقين بأنه لا ند لك و كأنه لم يسمع تبرؤ التابعين من المتبوعين إذ يقولون تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ كذب العادلون بك إذ شبهوك بأصنامهم و نحلوك حلية المخلوقين بأوهامهم و جزءوك تجزئة المجسمات بخواطرهم و قدروك على الخلقة المختلفة القوى بقرائح عقولهم فأشهد أن من ساواك بشي‏ء من خلقك فقد عدل بك و العادل بك كافر بما تنزلت به محكمات آياتك و نطقت به عنه شواهد حجج بيناتك و أنك أنت الله الذي لم يتناه في العقول فيكون في مهب فكرها مكيفا و لا في رويات خواطرها محدودا مصرفا و منها قدر ما خلق فأحكم تقديره و دبره فألطف تدبيره و وجهه لوجهته فلم يتعد حدود منزلته فلم يقصر دون الانتهاء إلى غايته و لم يستصعب إذ أمر بالمضي على إرادته و كيف و إنما صدرت الأمور عن مشيته المنشئ أصناف الأشياء بلا روية فكر آل إليها و لا قريحة غريزة أضمر عليها و لا تجربة أفادها من حوادث الدهور و لا شريك أعانه على ابتداع عجائب الأمور فتم خلقه و أذعن لطاعته و أجاب إلى دعوته و لم يعترض دونه ريث المبطئ و لا أناة المتلكئ فأقام من الأشياء أودها و نهج حدودها و لاءم بقدرته بين متضادها و وصل أسباب قرائنها و فرقها أجناسا مختلفات في الحدود و الأقدار و الغرائز و الهيئات بدايا خلائق أحكم صنعها و فطرها على ما أراد و ابتدعها منها في صفة السماء و نظم بلا تعليق رهوات فرجها و لاحم صدوع انفراجها و شج بينها و بين أزواجها و ذلل للهابطين بأمره و الصاعدين بأعمال خلقه حزونة معراجها و ناداها بعد إذ هي دخان فالتحمت عرى أشراجها و فتق   بعد الارتتاق صوامت أبوابها و أقام رصدا من الشهب الثواقب على نقابها و أمسكها من أن تمور في خرق الهواء بائدة رائدة و أمرها أن تقف مستسلمة لأمره و جعل شمسها آية مبصرة لنهارها و قمرها آية ممحوة من ليلها و أجراهما في مناقل مجراهما و قدر مسيرهما في مدارج درجهما ليميز بين الليل و النهار بهما و ليعلم عدد السنين و الحساب بمقاديرها ثم علق في جوها فلكها و ناط بها زينتها من خفيات دراريها و مصابيح كواكبها و رمى مسترقي السمع بثواقب شهبها و أجراها على إذلال تسخيرها من ثبات ثابتها و مسير سائرها و هبوطها و صعودها و نحوسها و سعودها منها في صفة الملائكة ع ثم خلق سبحانه لإسكان سماواته و عمارة الصفيح الأعلى من ملكوته خلقا بديعا من ملائكته ملأ بهم فروج فجاجها و حشا بهم فتوق أجوائها و بين فجوات تلك الفروج زجل المسبحين منهم في حظائر القدس و سترات الحجب و سرادقات المجد و وراء ذلك الرجيج الذي تستك منه الأسماع سبحات نور تردع الأبصار عن بلوغها فتقف خاسئة على حدودها أنشأهم على صور مختلفات و أقدار متفاوتات أولي أجنحة تسبح جلال عزته لا ينتحلون ما ظهر في الخلق من صنعه و لا يدعون أنهم يخلقون شيئا معه مما انفرد به بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ جعلهم فيما هنالك أهل الأمانة على وحيه و حملهم إلى المرسلين ودائع أمره و نهيه و عصمهم من ريب الشبهات فما منهم زائغ عن سبيل مرضاته و أمدهم بفوائد المعونة و أشعر قلوبهم تواضع إخبات السكينة و فتح لهم أبوابا ذللا إلى تماجيده و نصب لهم منارا واضحة على

   أعلام توحيده لم تثقلهم مؤصرات الآثام و لم ترتحلهم عقب الليالي و الأيام و لم ترم الشكوك بنوازعها عزيمة إيمانهم و لم تعترك الظنون على معاقد يقينهم و لا قدحت قادحة الإحن فيما بينهم و لا سلبتهم الحيرة ما لاق من معرفته بضمائرهم و سكن بعظمته و هيبة جلاله في أثناء صدورهم و لم تطمع فيهم الوساوس فتقترع برينها على فكرهم منهم من هو في خلق الغمام الدلح و في عظم الجبال الشمخ و في قترة الظلام الأيهم و منهم من قد خرقت أقدامهم تخوم الأرض السفلى فهي كرايات بيض قد نفذت في مخارق الهواء و تحتها ريح هفافة تحبسها على حيث انتهت من الحدود المتناهية قد استفرغتهم أشغال عبادته و وسلت حقائق الإيمان بينهم و بين معرفته و قطعهم الإيقان به إلى الوله إليه و لم تجاوز رغباتهم ما عنده إلى ما عند غيره قد ذاقوا حلاوة معرفته و شربوا من كأس الروية من محبته و تمكنت من سويداء قلوبهم وشيجة خيفته فحنوا بطول الطاعة اعتدال ظهورهم و لم ينفد طول الرغبة إليه مادة تضرعهم و لا أطلق عنهم عظيم الزلفة ربق خشوعهم و لم يتولهم الإعجاب فيستكثروا ما سلف منهم و لا تركت لهم استكانة الإجلال نصيبا في تعظيم حسناتهم و لم تجر الفترات فيهم على طول دءوبهم و لم تغض رغباتهم فيخالفوا عن رجاء ربهم و لم تجف لطول المناجاة أسلات ألسنتهم و لا ملكتهم الأشغال فتنقطع بهمس الخير إليه أصواتهم و لم تختلف   في مقاوم الطاعة مناكبهم و لم يثنوا إلى راحة التقصير في أمره رقابهم و لا تعدوا على عزيمة جدهم بلادة الغفلات و لا تنتضل في هممهم خدائع الشهوات قد اتخذوا ذا العرش ذخيرة ليوم فاقتهم و يمموه عند انقطاع الخلق إلى المخلوقين برغبتهم لا يقطعون أمد غاية عبادته و لا يرجع بهم الاستهتار بلزوم طاعته إلا إلى مواد من قلوبهم غير منقطعة من رجائه و مخافته لم تنقطع أسباب الشفقة منهم فينوا في جدهم و لم تأسرهم الأطماع فيؤثروا وشيك السعي على اجتهادهم و لم يستعظموا ما مضى من أعمالهم و لو استعظموا ذلك لنسخ الرجاء منهم شفقات وجلهم و لم يختلفوا في ربهم باستحواذ الشيطان عليهم و لم يفرقهم سوء التقاطع و لا تولاهم غل التحاسد و لا شعبتهم مصارف الريب و لا اقتسمتهم أخياف الهمم فهم أسراء إيمان لم يفكهم من ربقته زيغ و لا عدول و لا ونى و لا فتور و ليس في أطباق السماوات موضع إهاب إلا و عليه ملك ساجد أو ساع حافد يزدادون على طول الطاعة بربهم علما و تزداد عزة ربهم في قلوبهم عظما و منها في صفة الأرض و دحوها على الماء كبس الأرض على مور أمواج مستفحلة و لجج بحار زاخرة تلتطم أواذي أمواجها و تصطفق متقاذفات أثباجها و ترغو زبدا كالفحول عند هياجها فخضع جماح الماء المتلاطم لثقل حملها و سكن هيج ارتمائه إذ وطئته بكلكلها و ذل مستخذيا إذ تمعكت عليه بكواهلها فأصبح بعد اصطخاب أمواجه ساجيا مقهورا و في حكمة الذل منقادا أسيرا و سكنت الأرض مدحوة في لجة تياره و ردت من نخوة بأوه و اعتلائه و شموخ أنفه و سمو غلوائه و كعمته على كظة جريته فهمد بعد نزقاته و لبد بعد زيفان وثباته فلما سكن هيج الماء من تحت أكنافها و حمل شواهق الجبال البذخ

   على أكنافها فجر ينابيع العيون من عرانين أنوفها و فرقها في سهوب بيدها و أخاديدها و عدل حركاتها بالراسيات من جلاميدها و ذوات الشناخيب الشم من صياخيدها فسكنت من الميدان برسوب الجبال في قطع أديمها و تغلغلها متسربة في جوبات خياشيمها و ركوبها أعناق سهول الأرضين و جراثيمها و فسح بين الجو و بينها و أعد الهواء متنسما لساكنها و أخرج إليها أهلها على تمام مرافقها ثم لم يدع جرز الأرض التي تقصر مياه العيون عن روابيها و لا تجد جداول الأنهار ذريعة إلى بلوغها حتى أنشأ لها ناشئة سحاب تحيي مواتها و تستخرج نباتها ألف غمامها بعد افتراق لمعة و تباين قزعه حتى إذا تمخضت لجة المزن فيه و التمع برقة في كففه و لم ينم وميضه في كنهور ربابه و متراكم سحابه أرسله سحا متداركا قد أسف هيدبه تمر به الجنوب درر أهاضيبه و دفع شآبيبه فلما ألقت السحاب برك بوانيها و بعاع ما استقلت به من العب المحمول عليها أخرج به من هوامل الأرض النبات و من زعر الجبال الأعشاب فهي تبهج بزينة رياضها و تزدهي بما ألبسته من ربط أزاهيرها و حلية ما شمطت به من ناضر أنوارها و جعل ذلك بلاغا للأنام و رزقا للأنعام و خرق الفجاج في آفاقها و أقام المنار للسالكين على جواد طرقها فلما مهد أرضه و أنفذ أمره اختار آدم ع خيرة من خلقه و جعله أول جبلته و أسكن جنته و أرغد فيها أكله و أوعز إليه فيما نهاه عنه و أعلمه أن في الإقدام عليه التعرض لمعصيته و المخاطرة بمنزلته فأقدم على ما نهاه عنه موافاة لسابق علمه فأهبطه بعد التوبة ليعمر أرضه بنسله و ليقيم الحجة به على عباده و لم يخلهم بعد أن قبضه مما يؤكد عليهم حجة ربوبيته و يصل بينهم و بين معرفته بل تعاهدهم بالحجج على ألسن الخيرة   من أنبيائه و متحملي ودائع رسالاته قرنا فقرنا حتى تمت بنبينا محمد ص حجته و بلغ المقطع عذره و نذره و قدر الأرزاق فكثرها و قللها و قسمها على الضيق و السعة فعدل فيها ليبتلي من أراد بميسورها و معسورها و ليختبر بذلك الشكر و الصبر من غنيها و فقيرها ثم قرن بسعتها عقابيل فاقتها و بسلامتها طوارق آفتها و بفرج أفراحها غصص أتراحها و خلق الآجال فأطالها و قصرها و قدمها و أخرها و وصل بالموت أسبابها و جعله خالجا لأشطانها و قاطعا لمرائر قرانها عالم السر من ضمائر المضمرين و نجوى المتخافتين و خواطر رجم الظنون و عقد عزيمات اليقين و مسارق إيماض الجفون و ما ضمنته أكناف القلوب و غيابات الغيوب و ما أصغت لاستراقه مصائخ الأسماع و مصايف الذر و مشاتي الهوام و رجع الحنين من المولهات و همس الأقدام و منفسح الثمرة من ولائج غلف الأكمام و منقمع الوحوش من غيران الجبال و أوديتها و مختبإ البعوض بين سوق الأشجار و ألحيتها و مغرز الأوراق من الأفنان و محط الأمشاج من مسارب الأصلاب و ناشئة الغيوم و متلاحمها و درور قطر السحاب و متراكمها و ما تسفي الأعاصير بذيولها و تعفو الأمطار بسيولها و عوم نبات الأرض في كثبان الرمال و مستقر ذوات الأجنحة بذرى شناخيب الجبال و تغريد ذوات المنطق في دياجير الأوكار و ما أوعته الأصداف و حضنت عليه أمواج البحار و ما غشيته سدفة ليل أو ذر عليه شارق نهار و ما اعتقبت عليه أطباق الدياجير و سبحات النور و أثر كل خطوة و حس كل حركة و رجع كل كلمة و تحريك كل شفة و مستقر كل نسمة و مثقال كل ذرة و هماهم كل نفس هامة و ما عليها من ثمر شجرة أو ساقط ورقة أو قرارة نطفة أو نقاعة دم و مضغة أو ناشئة خلق و سلالة لم تلحقه في ذلك كلفة و لا اعترضته في حفظ

   ما ابتدع من خلقه عارضة و لا اعتورته في تنفيذ الأمور و تدابير المخلوقين ملالة و لا فترة بل نفذ فيهم علمه و أحصاهم عده و وسعهم عدله و غمرهم فضله مع تقصيرهم عن كنه ما هو أهله اللهم أنت أهل الوصف الجميل و التعدد الكثير أن تؤمل فخير مأمول و إن ترج فخير مرجو اللهم و قد بسطت لي لسانا فيما لا أمدح به غيرك و لا أثني به على أحد سواك و لا أوجهه إلى معادن الخيبة و مواضع الريبة و عدلت بلساني عن مدائح الآدميين و الثناء على المربوبين المخلوقين اللهم و لكل مثن على من أثنى عليه مثوبة من جزاء أو عارفة من عطاء و قد رجوتك دليلا على ذخائر الرحمة و كنوز المغفرة اللهم و هذا مقام من أفردك بالتوحيد الذي هو لك و لم ير مستحقا لهذه المحامد و الممادح غيرك و بي فاقة إليك لا يجبر مسكنتها إلا فضلك و لا ينعش من خلتها إلا منك و جودك فهب لنا في هذا المقام رضاك و أغننا عن مد الأيدي إلى من سواك إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ

 التوحيد، عن علي بن أحمد الدقاق عن محمد بن جعفر الأسدي عن محمد بن إسماعيل البرمكي عن علي بن العباس عن إسماعيل بن مهران عن إسماعيل بن الحق الجهني عن فرج بن فروة عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله ع مثله مع اختصار و قد مر في كتاب التوحيد   بيان قد مضى شرح أكثر أجزاء هذه الخطبة في كتاب التوحيد و لعل غضبه ع لعلمه بأن غرض السائل وصفه سبحانه بصفات الأجسام أو لأنه سأل بيان كنه حقيقته سبحانه أو وصفه بصفات أرفع و أبلغ مما نطق به الكتاب و الآثار لزعمه أنه لا يكفي في معرفته سبحانه و يؤيد كلا من الوجوه بعض الفقرات و جامعة منصوبة على الحالية أي عليكم الصلاة على رفع الصلاة كما حكي أو احضروا الصلاة على نصبها جامعة لكل الناس و ربما يقرأ برفعهما على الابتداء و الخبرية و هذا النداء كان شائعا في الخطوب الجليلة و إن كان أصله للصلاة. لا يفره أي لا يكثره المنع أي ترك العطاء و لا يكديه الإعطاء أي لا يجعله قليل الخير مبطئا فيه يقال كدت الأرض إذا أبطأ نباتها و أكدى   فلان الأرض إذا جعلها كادية أو لا ترده كثرة العطاء عن عادته فيه من قولهم أكديت الرجل عن الشي‏ء أي رددته عنه ذكره الجوهري و قال الكدية الأرض الصلبة و أكدى الحافر إذا بلغ الكدية فلا يمكنه أن يحفر و أكدى الرجل إذا قل خيره و انتقص يكون متعديا و لازما كنقص و هذا في النسخ على بناء المفعول و التعليل بالجملتين باللف و النشر المرتب أو المشوش لمطابقة الإعطاء و المنع في كل منهما و على التقديرين التعليل في الأولى ظاهر و الفقرة الثانية ليست في نسخ التوحيد و هو الصواب و على تقديرها ففي أصل الجملة و التعليل بها معا إشكال أما الأول فلأنه إن أريد بالمنع ما كان مستحسنا أو الأعم فكيف يصح الحكم بكونه مذموما و إن أريد به ما لم يكن مستحسنا فلا يستقيم الاستثناء. و يمكن أن يجاب باختيار الثاني من الأول أي الأعم و يقال المراد بالمذموم من أمكن أن يلحقه الذم فيصير حاصل الكلام أن كل مانع غيره يمكن أن يلحقه الذم بخلافه سبحانه فإنه لا يحتمل أن يلحقه بالمنع ذم أو يقال المانع لا يصدق على غيره تعالى إلا إذا بخل بما افترض عليه و إذا أطلق عليه سبحانه يراد به مقابل المعطي و المراد بالعنوان المعنى الشامل لهما

 و يدل عليه ما مر مرويا عن الرضا ع أنه سئل عن الجواد فقال ع إن لكلامك وجهين فإن كنت تسأل عن المخلوق فإن الجواد هو الذي يؤدي ما افترض الله سبحانه عليه و البخيل هو الذي يبخل بما افترض الله عليه و إن أردت الخالق فهو الجواد إن أعطى و هو الجواد إن منع لأنه إن أعطى عبدا أعطاه ما ليس له و إن منعه منعه ما ليس له

و أما الثاني فيحتمل أن تكون جملة مستقلة غير داخلة تحت التعليل مسوقة لرفع توهم ينشأ من التعليل بعدم الانتقاص بالإعطاء فإن لمتوهم أن يقول إذا لم ينقص من خزائنه شي‏ء بالإعطاء فيجب أن لا يتصف بالمنع أصلا و لو اتصف به لكان مذموما مع أن من أسمائه تعالى المانع فرد ذلك الوهم بأن منعه سبحانه   ليس للانتقاص بالإعطاء بل لقبح الإعطاء و عدم اقتضاء المصلحة له و مثل ذلك المنع لا يستتبع الذم و استحقاقه و لو حملت على التعليل فيمكن أن يكون من قبيل الاستدلال بعدم المعلول على عدم العلة فإن الوفور بالمنع أو إكداء الإعطاء علة للبخل التابع للخوف من الفاقة و هو علة لترتب الذم من حيث إنه نقص أو لاقتضائه المنع و رد السائل و نفي الذم يدل على عدم الوفور أو الإكداء المدعى في الجملتين المتقدمتين. المنان بفوائد النعم المن يكون بمعنى الإنعام و بمعنى تعديد النعم و الأول هنا أظهر و ربما يحمل على الثاني فإن منه سبحانه حسن و إن كان في المخلوق صفة ذم و الفائدة الزيادة تحصل للإنسان من مال أو غيره و العائد المعروف و العطف و قيل عوائد المزيد و القسم معتادهما و المزيد الزيادة و لعل المراد به ما لا يتوهم فيه استحقاق العبد و القسم جمع القسمة و هي الاسم من قسمه كضربه و قسمه بالتشديد أي جزأه و عيال الرجال بالكسر أهل بيته و من يمونهم جمع عيل و جمعه عيائل. ضمن أرزاقهم أي كفلها و قدر أقواتهم أي جعل لكل منهم من القوت قدرا تقتضيه الحكمة و المصلحة و نهج سبيل الراغبين إليه نهجت الطريق أبنته و أوضحته و نهج السبيل لصلاح المعاد كما أن ضمان الأرزاق لصلاح المعاش و يحتمل الأعم ليس بما سئل إلخ عدم الفرق بينهما بالنظر إلى الجود لا ينافي الحث على السؤال لأنه من معدات السائل لاستحقاق الإنعام لأن نسبته سبحانه إلى الخلق على السواء و إن استحق السائل ما لا يستحقه غيره بخلاف المخلوقين فإن السؤال يهيج جودهم بالطبع مع قطع النظر عن الاستعداد. الأول الذي لم يكن له قبل فيكون شي‏ء قبله قيل وجوده سبحانه ليس بزماني فلا يطلق عليه القبلية و البعدية كما يطلق على الزمانيات فمعناه الأول

    الذي لا يصدق عليه القبلية ليمكن أن يكون شي‏ء ما قبله و الآخر الذي لا يصدق عليه البعدية الزمانية ليمكن أن يكون شي‏ء ما بعده و قد يحمل على وجه آخر و هو أنه لم يكن سبقه عدم فيقال إنه مسبوق بشي‏ء من الأشياء إما المؤثر فيه أو الزمان المقدم عليه و إنه ليس بذات يمكن فناؤها و عدمها فيكون بعده شي‏ء من الأشياء إما الزمان أو غيره و يمكن أن يكون المراد بالقبل الزمان المتقدم سواء كان أمرا موجودا أو موهوما و بالشي‏ء موجودا من الموجودات أي ليس قبله زمان حتى يتصور تقدم موجود عليه و كذا بقاء موجود بعده و الرادع أناسي الأبصار عن أن تناله أو تدركه الأناسي بالتشديد جمع إنسان و إنسان العين المثال الذي يرى في السواد و لا يجمع على أناس كما يجمع الإنسان بمعنى البشر عليه و قيل الأناسي جمع إنسان العين مشدد و الآخر يشدد و يخفف و قرئ أناسي كثيرا بالتخفيف و ردعها أي منعها كناية عن عدم إمكان إحساسها له لأنه سبحانه ليس بجسم و لا جسماني و لا في جهة و نلت الشي‏ء أصبته و أدركته أي تبعته فلحقته و المراد بالنيل الإدراك التام و بالإدراك غيره و يحتمل العكس و أن يكون العطف لتغاير اللفظين أو يكون إشارة إلى جهتين لامتناع الرؤية فالنيل إشارة إلى استلزام كونه ذا جهة و جسمانيا و الإدراك إلى أنه يستلزم وجود كنه ذاته في الأذهان و هو ممتنع كما أشرنا إليه في كتاب التوحيد. ما اختلف عليه دهر ظاهره نفي الزمانية عنه تعالى و يحتمل أن يراد به جريانه على خلاف مراده أحيانا و على وفق إرادته أحيانا حتى يلحقه ما يلحق الخلق من الشدة و الرخاء و النعم و البؤس و الصحة و السقم و نحو ذلك. و لو وهب ما تنفست استعار التنفس هنا لإبراز المعادن ما يخرج منهما كما يخرج الهواء من تنفس الحيوان و ضحكت عنه أي تفتحت و انشقت حتى ظهر و يقال للطلع حين تنشق الضحك بفتح الضاد و قد مر بيان لطف تلك التشبيهات. و الفلز بكسر الفاء و اللام و تشديد الزاي الجواهر المعدنية كالذهب و   الفضة و في الصحاح ما ينقيه الكير مما يذاب من جواهر الأرض و اللجين مصغرا الفضة و العقيان بالكسر الذهب الخالص و نثرت الشي‏ء كنصرت رميته متفرقا و نثارة الدر بالضم ما تناثر منه و الدر جمع درة و هي اللؤلؤة العظيمة أو مطلقا و حصد الزرع قطعه بالمنجل و الحصيد المحصود و المراد بالمرجان إما صغار اللؤلؤ و وصفه بالحصيد لعله يناسب ما تذكره التجار أن الصدف كثيرا ما يغرز عرقه في أرض البحر فيحصده الغواصون و لذا قيل إنه حيوان يشبه النبات و قال بعض شارحي النهج كأن المراد المتبدد من المرجان كما يتبدد الحب المحصود و يجوز أن يعنى المحكم من قولهم شي‏ء مستحصد أي مستحكم قال و يروى و حصباء المرجان و الحصباء الحصى و قال قوم هو البسد يعني الحجر الأحمر و أنفده أي أفناه و ذخائر الإنعام ما بقي عنده من نعمه الجسام بعد العطايا المفروضة و المطالب جمع المطلب بمعنى المصدر لا يغيضه جاء متعديا كما جاء لازما و لا يبخله أي لا يجعله بخيلا و يقال أيضا بخله تبخيلا إذا رماه بالبخل و روي على صيغة الإفعال أي لا يجده بخيلا و التعليل بقوله لأنه الجواد إما للجملة الشرطية بتواليها فالوجه في التعليل بنفي التبخيل ظاهر إذ لو أثر العطاء المفروض في جوده لبخله الإلحاح فإنه في الحقيقة منع التأثير في الجود فنفيه يدل على نفيه و إما لبقاء ما لا ينفده المطالب فوجه التعليل أن العادة قد جرت بلحوق البخل لمن ينفد ما عنده بالطلب و إن أمكن عقلا عدمه بأن يسمح بكل ما عنده فنفي التبخيل يدل على نفي الإنفاد.

    فانظر أيها السائل إلخ الايتمام الاقتداء و الأثر بالتحريك نقل الحديث و روايته و وكل الأمر إليه وكلا و وكولا سلمه و تركه و يدل على المنع من الخوض في صفاته سبحانه و من البحث عما لم يرد منها في الكتاب و السنة. و اعلم أن الراسخين في العلم إلى آخره الراسخ في العلم الثابت فيه و اقتحم المنزل أي دخله بغتة و من غير روية و السدد جمع سدة و هي باب الدار و ضرب الباب نصبه و دون الشي‏ء ما قرب منه قبل الوصول إليه و المتعمق في الأمر الذي يبالغ فيه و يطلب أقصى غايته و قدر الشي‏ء مبلغه و تقديره أن تجعل له قدرا و تقيسه بشي‏ء و المعنى لا تقس عظمة الله بمقياس عقلك و مقداره و الظاهر أن المراد بإقرار الراسخين في العلم و مدحهم ما تضمنه قوله سبحانه فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ إلى قوله وَ ما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ فإقرارهم قولهم آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا و مدح الله تعالى إياهم ذكر كلامهم المتضمن للإيمان و التسليم في مقام المدح أو تسمية ترك تعمقهم رسوخا في العلم فالعطف في قوله و سمى للتفسير أو الإشارة إلى أنهم أولو الألباب بقوله وَ ما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ و حينئذ فالمراد بالمتشابه ما يشمل كنه ذاته و صفاته سبحانه مما استأثر الله بعلمه و على هذا فمحل الوقف في الآية إِلَّا اللَّهُ كما هو المشهور بين المفسرين و القراء فتفيد اختصاص علم المتشابه به سبحانه و قوله وَ الرَّاسِخُونَ مبتدأ و يَقُولُونَ خبره و هو بظاهره مناف   لما دلت عليه الأخبار المستفيضة من أنهم ع يعلمون ما تشابه من القرآن كما مر في كتاب الإمامة و على هذا فالوقف على الْعِلْمِ و إليه ذهب أيضا جماعة من المفسرين فقوله يَقُولُونَ حال من الراسخين أو استئناف موضح لحالهم و يمكن الجمع بينها بوجوه الأول أن يكون ما ذكره ع هنا مبنيا على ما اشتهر بين المخالفين إلزاما عليهم. الثاني أن يكون للآية ظهر و بطن أحدها أن يكون المراد بالمتشابه مثل العلم بكنه الواجب و ما استأثر الله عز و جل بعلمه من صفاته و كنه ذاته و أمثال ذلك مما تفرد سبحانه بعلمه و إليه يشير ظاهر هذا الكلام و ثانيهما أن يراد به ما علم الراسخون في العلم تأويله و إليه أشير في سائر الأخبار فيكون القارئ مخيرا في الوقف على كل من الموضعين الثالث ما قيل إنه يمكن حمل حكاية قول الراسخين على اعترافهم و تسليمهم قبل أن يعلمهم الله تأويل ما تشابه من القرآن فكأنه سبحانه بين أنهم لما آمنوا بجملة ما أنزل من المحكمات و المتشابهات و لم يتبعوا ما تشابه منه كالذين في قلوبهم زيغ بالتعلق بالظاهر أو بتأويل باطل فآتاهم الله علم التأويل و ضمهم إلى نفسه في الاستثناء و الاستئناف في قوة رفع الاستبعاد عن مشاركتهم له تعالى في ذلك العلم و بيان أنهم إنما استحقوا إفاضة ذلك العلم باعترافهم بالجهل و قصورهم عن الإحاطة بالمتشابهات من تلقاء أنفسهم و إن علموا التأويل بتعليم إلهي

 و قد ورد عنه ع أنه لما أخبر ببعض الغيوب قال له رجل أعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب فقال ع ليس هو بعلم غيب و إنما هو تعلم من ذي علم

و قد مر بعض الكلام فيه في كتاب التوحيد. إذا ارتمت يقال ارتمى القوم إذا تراموا بالنبال و الأوهام خطرات القلب و في اصطلاح المتكلمين إحدى القوى الباطنة شبه ع جولان الأفكار و تعارضها بالترامي و المنقطع موضع الانقطاع و يحتمل المصدر و حاولت   الشي‏ء أردته و الخطر بالتسكين مصدر خطر له خاطر أي عرض في قلبه و روي من خطرات الوساوس و الوسوسة حديث النفس و الشيطان بما لا خير فيه و لا نفع و الاسم الوسواس. و الملكوت العز و السلطان و تولهت إليه أي اشتد عشقها و حنت إليه و الوله بالتحريك التحير و ذهاب العقل من حزن أو فرح لتجري في كيفية صفاته أي لتجد مجرى و مسلكا في ذلك و غمض الشي‏ء بالفتح و الضم أي خفي مأخذه و الغامض من الكلام خلاف الواضح و مداخل العقول طرق الفكر و فاعل تنال ضمير العقول أي إذا دقت و غمضت طرق العقول و وصلت إلى حد لا تبلغ الصفات لدقة تلك الطرق و خفائها أو إذا دقت و انتهت العقول إلى أنها لا تعتبر مع ملاحظة الحق صفة من صفاته كما قيل طالبة بذلك أن تصل إلى علم ذاته و في بعض النسخ علم ذلك و الأول أظهر. ردعها الردع الرد و الكف و الجملة جزاء للشرط السابق و الضمير المنصوب راجع إلى الأوهام أو غيرها مما سبق و هي تجوب أي تقطع و الواو للحال و المهاوي جمع مهواة و هي الحفرة أو ما بين الجبلين و المراد هنا المهلكة و السدف جمع سدفة و هي القطعة من الليل المظلم و يطلق على الضياء أيضا و خلصته تخليصا نحيته فتخلص فقوله متخلصة إليه أي متوجهة إليه بكليتها متنحية عن غيره و جبهه كمنعه أي ضرب جبهته فرده و الجور العدول عن الطريق و الاعتساف قطع المسافة على غير جادة معلومة و المراد بجور اعتسافها شدة جولانها في ذلك المسلك الذي لا جادة له و لا يفضي إلى المقصود و الخاطرة المنفية ما يكون مطابقا للواقع.   الذي ابتدع الخلق الابتداء الإنشاء و الإحداث و مثال الشي‏ء بالكسر صورته و صفته و مقداره و امتثله أي تبعه و لم يتجاوز عنه و احتذى عليه أي اقتدى به و قوله من خالق متعلق بمحذوف و هو صفة لمقدار أو لمثال أيضا كناشئ و المراد بنفي امتثال المثال أنه لم يمثل لنفسه مثالا قبل شروعه في خلق العالم ليخلق العالم على هيئته و بنفي احتذاء المقدار أنه لم يقتد بخالق كان قبله فالظرف صفة للمقدار فقط و يحتمل أن يكون الثاني كالتأكيد للأول فالظرف صفة للمثال و المقدار معا و يكون المراد بالأول نفي الاقتداء بالغير في التصوير و بالثاني في التقدير أو يكون المراد بالمثال ما يرتسم في الخيال من صورة المصنوع و هيئته و لم يكن على حذو فعل فاعل آخر لتنزهه عن الصور و الخواطر فالظرف صفة لمقدار و وصف الخالق بالمعبود لأنه من لوازمه أو لأنه لو كان كذلك لكان هو المعبود. و المساك بالكسر ما يمسك به و فيه دلالة على احتياج الباقي في بقائه إلى المؤثر و قوله ما دلنا مفعول ثان لأرانا و اضطرار قيام الحجة عبارة عن إفادتها العلم القطعي بعد تحقق الشروط و ارتفاع الموانع و الظرف في قوله على معرفته متعلق بقوله دلنا و أعلام الحكمة ما يدل عليها و الضمير في قوله فحجته يحتمل عوده إلى الخلق الصامت كالضمير في دلالته أو إلى الله سبحانه فأشهد و في بعض النسخ بالواو بتباين المشبه به في الحقيقة هو الخلق و إنما أدخل الباء على التباين تنبيها على وجه الخطإ في التشبيه و التلاحم التلاصق و الحقاق بالكسر جمع حقة بالضم و هي في الأصل وعاء من خشب و حقاق المفاصل النقر التي ترتكز فيها العظام و احتجابها استتارها بالجلد و اللحم و قوله لتدبير متعلق بالمحتجبة أي المستورة للتدبير الذي اقتضته الحكمة قيل و من حكمة احتجابها أنها لو خلقت ظاهرة ليبست رباطاتها فيتعذر تصرف الحيوان و كانت معرضة للآفات أو بالتباين و التلاحم. و قال بعض شارحي النهج و من روى

    المحتجة أراد أنها كالمستدل على التدبير الحكمي من لدنه سبحانه و العقد الشد و فاعل الفعل الموصول المشبه و غيب منصوب على المفعولية و هو كل ما غاب و الضمير اسم من أضمرت في نفسي شيئا أو إضافة الغيب إلى الضمير من إضافة الصفة إلى الموصوف و المراد بغيب الضمير حقيقة عقيدته و باطنها لا ما يظهره منها لغيره أو يظهر له بحسب توهمه و في بعض النسخ لم يعتقد على صيغة المجهول و غيب بالرفع و المباشرة لمس البشرة و الفاعل اليقين و في بعض النسخ قلبه بالرفع على أنه الفاعل و اليقين بالنصب و الأول الأظهر و الند المثل و إن في الآية مخففة من المثقلة و يظهر من كلامه ع أن التسوية في الآية يشمل هذا التشبيه و لا يخص التسوية في استحقاق العبادة كذب العادلون بك أي المسوون بك غيرك و نحلوك أي أعطوك حلية المخلوقين أي صفاتهم و التعبير بالنحلة و الحلية لزعم هؤلاء أنها كمال له عز و جل و جزءوك أي أثبتوا لك أجزاء و خواطرهم ما يخطر ببالهم من الأوهام الفاسدة و قدروك على الخلقة أي جعلوا لك قدرا في العظمة المعنوية كقدر الخلق فأثبتوا لك صفاتهم و قرائح عقولهم ما يستنبطونه بآرائهم و القريحة في الأصل أول ما يستنبط من البئر و محكمات الآيات نصوص الكتاب و شواهد الحجج الأدلة العقلية و نطقها دلالتها القطعية أو الشواهد الهداة المبينون للحجج التي هي الأدلة و كأنه ضمن النطق معنى الكشف فعدي بعن و إضافة الحجج إلى البينات للمبالغة. لم يتناه في العقول أي لم تقدرك العقول بالنهاية و الكنه بحيث لا تكون لك صفة وراء ما أدركته أو لم تحط بك العقول فتكون محدودا متناهيا فيها و مهب الفكر هبوبها و لعله ع شبه الحركات الفكرية بهبوب الرياح و الأفكار بما تجمعها و تذروها من الحشائش إشعارا بضعفها و سفالة ما يحصل منها   و قيل التناهي في العقل هو أن يدرك العقل الشي‏ء مرسما في القوى الجزئية و هي مهاب الفكر التي ترتسم فيها الصور و تزول كالريح الهابة تمر بشي‏ء و قيل مهاب الفكر جهاتها و رويات الخواطر ما يخطر بالبال بالنظر و الفكر و المحدود المحاط بالحدود و المراد بالحدود ما يلزم الإحاطة التامة أو الصفات و الكيفيات التي لا يتعداها المعلوم و المصرف القابل للتغير و الحركة أو المحكوم عليه بالتجزئة و التحليل و التركيب. قدر ما خلق فأحكم تقديره أي جعل لكل شي‏ء مقدارا مخصوصا بحسب الحكمة أو هيأ كل شي‏ء لما أراد منه من الخصائص و الأفعال أو قدره للبقاء إلى أجل معلوم فأحكم أي أتقن و التدبير في الأمر النظر إلى ما تئول إليه عاقبته فألطف تدبيره أي أعمل فيه تدبيرات دقيقة لطيفة أو كانت تدبيراته مقرونة باللطف و الرفق و الرحمة على عباده و وجهه لوجهته أي جعل كلا منها مهيأة و ميسرة لما خلق له كالحبوب للأكل و الدواب للركوب و كل صنف من الإنسان لأمر من الأمور المصلحة للنظام و يحتمل أن يكون إشارة إلى أمكنتها و الأول أعم و أظهر و الوجهة بالكسر الناحية و كل أمر استقبلته و قصر السهم عن الهدف إذا لم يبلغه و قصرت عن الشي‏ء أي عجزت عنه و استصعب الأمر علينا أي صعب و الصعب غير المنقاد و مضى الشي‏ء مضيا و مضوا أي نفذ و لم يمتنع و صدر كعقد رجع و انصرف كرجوع الشاربة عن الماء و المسافرين عن مقصدهم و لما كانت الأمور لإمكانها محتاجة في الوجود إلى مشيته فكأنما توجهت إليها فرجعت فائزة بمقصدها و المشية الإرادة و أصلها المشيئة بالهمز. آل إليها أي رجع و الغريزة الطبيعة و قريحة الغريزة ما يستنبطه الذهن و قيل قوة الفكر للعقل أضمر عليها أي أخفاه في نفسه محتويا عليها و التجربة الاختبار مرة بعد أخرى و يقال أفدته مالا أي أعطيته

    و أفدت منه مالا أخذته و حكى الجوهري عن أبي زيد أفدت المال أعطيته غيري و أفدته استفدته و ابتداع الخلائق إحداثها فتم خلقه يمكن أن يراد بالخلق المعنى المصدري و يكون الضمير راجعا إليه سبحانه كالضمير في طاعته و دعوته أو إلى ما خلق المذكور سابقا و على الأول يكون في أذعن و أجاب راجعين إلى الخلق على الاستخدام أو إلى ما خلق و يمكن أن يراد به المخلوق و تمام مخلوقاته بإفاضته عليها ما يليق بها و تستعد له و إذعان ما خلق لطاعته و إجابته إلى دعوته إما بمعنى استعداده لما خلق له أو تهيئه لنفوذ تقديراته و إرادته سبحانه فيه و فيه إشارة إلى قوله تعالى أَتَيْنا طائِعِينَ و ربما تحمل أمثالها على ظاهره بناء على أن لكل مخلوق شعورا كما هو ظاهر قوله تعالى وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ. و اعترض الشي‏ء دون الشي‏ء أي حال بينه و بينه و دونه أي قبل الوصول إليه و الضمير في دونه أيضا راجع إليه سبحانه و يحتمل أن يكون راجعا إلى مصدر أذعن و أجاب و الريث البطوء و الأناة كفتاه الاسم من تأنى في الأمر أي تمكث و لم يعجل و تلكأ توقف و أبطأ. فأقام من الأشياء أودها الأود بالتحريك الاعوجاج و إقامته إعداد كل شي‏ء لما ينبغي له أو دفع المفاسد التي تقتضيها الأشياء لو خليت و طباعها و نهج أي أوضح و حد الشي‏ء منتهاه و أصل الحد المنع و الفصل بين الشيئين و نهج الحدود قيل إيضاحه لكل شي‏ء غايته و تيسيرها له أو المعنى جعل لكل شخص و نوع مشخصا و مميزا واضحا يمتاز به عن غيره فإن من أعاظم المصالح و أعزها   امتياز الأنواع و الأشخاص بعضها عن بعض أقول و يحتمل أن يكون المراد بالحدود حدود أمكنتها كمكان العناصر فإن لكل منها حدا لا تتجاوزه و لعله أنسب بما بعده. و لاءم أي جمع بين متضاداتها كجمع العناصر المتباينة في الكيفيات و الصفات لحصول المزاج و كالألفة بين الروح و البدن. و وصل أسباب قرائنها السبب في الأصل الحبل و يقال لكل ما يتوصل به إلى شي‏ء و القرينة فعيلة بمعنى مفعولة و قرائن الأشياء ما اقترن منها بعضها ببعض و وصل أسبابها ملزوم لاتصالها و قال ابن ميثم القرائن النفوس المقرونة بالأبدان و اعتدال المزاج بسبب بقاء الروح أي وصل أسباب أنفسها بتعديل أمزجتها و المراد بالأجناس هنا أعم مما هو مصطلح المنطقيين و كذا المراد بالحدود غير ما هو المعروف عندهم و إن كان المقام لا يأباهما. و الغرائز الطبائع و القوى النفسانية و البدايا جمع بداية و هي الحالة العجيبة يقال أبدأ الرجل إذا أتى بالأمر المعجب و البديئة أيضا الحالة المبتدأة المبتكرة أي عجائب مخلوقات أو مخلوقات مبتدأة بلا اقتفاء مثال و هو خبر مبتدأ محذوف أي هي بدايا و الفطر الابتداء و الاختراع و الابتداع كالتفسير له و نظم أي جمع و ألف بلا تعليق أي من غير أن يعلق بعضها ببعض بخيط أو نحوه و رهوات فرجها الرهوة المكان المرتفع و المنخفض أيضا فنظمها تسويتها و قال في النهاية في حديث علي و نظم رهوات فرجها أي المواضع المنفتحة منها و هو مأخوذ من قولهم رها رجليه رهوا أي فتح و فيه دلالة على أن السماء كانت ذات فرج و صدوع فنظمها سبحانه و هو مناسب لما مر من أن مادتها الدخان المرتفع من الماء إذ مثل ذلك تكون قطعا و ذات فرج   و أول بعض الشارحين بتباين أجزاء المركب لو لا التركيب و التأليف أو بالفواصل التي كانت بين السماوات لو لا أن الصانع خلقها أكرا متماسة و إنما اضطره إلى ذلك الاعتقاد بقواعد الفلاسفة و تقليدهم. و ملاحمة الصدوع إلصاق الأجزاء ذوات الصدوع بعضها ببعض و إضافة الصدوع إلى الانفراج من إضافة الخاص إلى العام و وشج بالتشديد أي شبك و الضمير في بينها راجع إلى ما يرجع إليه الضمائر السابقة. و قال ابن ميثم المراد بأزواجها نفوسها التي هي الملائكة السماوية بمعنى قرائنها و كل قرين زوج أي ربط ما بينها و بين نفوسها بقبول كل جرم سماوي لنفسها التي لا يقبلها غيره. و أقول القول بكون السماوات حيوانات ذوات نفوس مخالف للمشهور بين أهل الإسلام بل نقل السيد المرتضى رضي الله عنه إجماع المسلمين على أن الأفلاك لا شعور لها و لا إرادة بل هي أجسام جمادية يحركها خالقها و يمكن أن يراد

    بالأزواج الملائكة الموكلون بها أو القاطنون فيها أو المراد أشباهها من الكواكب و الأفلاك الجزئية و يمكن حمل الفقرات السابقة أيضا على هذين الوجهين الأخيرين و يمكن أن يكون المراد بأزواجها أشباهها في الجسمية و الإمكان من الأرضيات و يناسب ما جرى على الألسن من تشبيه العلويات بالآباء و السفليات بالأمهات. و ذلل للهابطين يقال ذلل البعير أي جعله ذلولا و هو ضد الصعب الذي لا ينقاد من الذل بالكسر و هو اللين و الحزونة خلاف السهولة و المعراج السلم و المصعد و نداء السماء إشارة إلى ما مر من قوله سبحانه فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً. فالتحمت عرى أشراجها التحمت أي التزقت و التأمت و عرى العيبة هي الحلق التي تضم بعضها إلى بعض و تشد و تقفل و الشرج بفتحتين عرى العيبة و الجمع أشراج و قيل قد تطلق الأشراج على حروف العيبة التي تخاط و لعل هذا الالتحام كناية عن تمام خلقها و فيضان الصور السماوية عليها. و فتق بعد الارتتاق صوامت أبوابها فتق الثوب فتقا نقضت خياطته حتى انفصل بعضه عن بعض و رتقت الفتق رتقا أي سددته فارتتق و الأبواب الصامتة و المصمتة المغلقة منها و فتق صوامت الأبواب إما كناية عن إيجاد الأبواب فيها و خرقها بعد ما كانت رتقا لا باب فيها أو فتح الأبواب المخلوقة فيها حين إيجادها و هذه الأبواب هي التي منها عروج الملائكة و هبوطها و صعود أعمال العباد و أدعيتهم   و أرواحهم كما قال تعالى لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ و التي تنزل منها الأمطار كما أشار إليه بقوله فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ. و أقام رصدا هو بالتحريك جمع راصد كخدم و خادم أو اسم جمع كما قيل و يكون مصدرا كالرصد بالفتح و الراصد القاعد على الطريق منتظرا لغيره للاستلاب أو المنع و المرصاد الطريق و المكان يرصد فيه العدو و أرصدت له أعددت و الثواقب التي تثقب الشياطين أو الهواء أو يثقب الجو بضوئها و النقاب بالكسر جمع نقب بالفتح و هو الثقب و الخرق و المراد إقامة الشهب الثواقب لطرد الشياطين عن استراق السمع كما أشار إليه سبحانه بقوله وَ أَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً و لا صراحة فيه بكون ذلك المنع مقارنا لإيجاد السماء حتى ينافي ما دل على حدوثها و يحتمل تخلل الرخصة بين المنعين أيضا. و أمسكها من أن تمور أي تموج و تضطرب و الخرق يكون بمعنى الثقب في الحائط و الشق في الثوب و غيره و هو في الأصل مصدر خرقته إذا قطعته و مزقته و يكون بمعنى القفر و الأرض الواسعة تنخرق فيها الرياح أي تهب و تشتد و الهواء يقال للجسم الذي هو أحد العناصر و يقال لكل خال هواء كما قال سبحانه وَ أَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ أي خالية من العقل أو الخير و المراد بالمور في خرق الهواء أما الحركة الطبيعية أو القسرية في الفواصل التي تحدث بحركتها في الجسم الذي هو أحد العناصر إذ لا دليل على انحصاره في الذي بين السماء و الأرض أو حركتها في المكان الخالي الموهوم أو الموجود طبعا أو قسرا أو حركة أجزائها فيما بين السماء   و الأرض و الأيد بالفتح القوة و الظرف متعلق بالإمساك و الاستسلام الانقياد و يحتمل أن يكون الأمر كناية عن تعلق الإرادة كما مر. آية مبصرة الآية العلامة و المبصر المدرك بالبصر و فسرت المبصرة في قوله تعالى وَ جَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً بالبينة الواضحة و بالمضيئة التي يبصر بها و بالمبصرة للناس من أبصرته فبصر و بالمبصر أهله كقولهم أجبن الرجل إذا كان أهله جبناء و المحو إذهاب الأثر و طمس النور و فسر محو القمر بكونه مظلما في نفسه غير مضي‏ء بذاته كالشمس و بنقصان نوره بالنظر إلى الشمس و بنقصان نوره شيئا فشيئا إلى المحاق.

 و روي أن ابن الكواء سأل أمير المؤمنين ع عن اللطخة التي في وجه القمر فقال ذاك محو آية الليل

و يمكن أن يكون لها مدخل في نقصان ضوء القمر من ليلها قيل من لابتداء الغاية أو لبيان الجنس و يتعلق بممحوة أو يجعل و قيل أراد من آيات ليلها. و المنقل في الأصل الطريق في الجبل و المدرج المسلك و درج أي مشى و الدرج بالتحريك الطريق و درجيهما في بعض النسخ على لفظ التثنية و في بعضها مفرد و مناقلهما و مدارجهما منازلهما و بروجهما و الظاهر أن التمييز و العلم غايتان لمجموع الأفعال السابقة فيكون إشارة إلى قوله تعالى وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ وَ النَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَ جَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ و إلى قوله عز و جل هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَ الْقَمَرَ نُوراً وَ قَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ و يحتمل   أن يكون التمييز غاية للأول و العلم غاية للأخير أو الأخيرين فيكون نشرا على ترتيب اللف و ظاهر كلامه ع تفسير الآيتين المفردتين في الآية الأولى بالشمس و القمر لا بالليل و النهار و إن كان المراد بالآيتين أولا الليل و النهار و قيل المراد جعلناهما ذوي آيتين فتكون الشمس و القمر مقصودين بهما في الموضعين و المراد بالحساب حساب الأعمار و الآجال التي يحتاج إليه الناس في أمور دينهم و دنياهم و مقاديرهما مقادير سيرهما و تفاوت أحوالهما. ثم علق في جوها فلكها الظاهر أن كلمة ثم هنا للترتيب الذكري و لعل المعنى أنه أقر فلكها في مكانه من الجو بقدرته و لا ينافي نفي التعليق في نظم الأجزاء كما سبق و الجو الفضاء الواسع أو ما بين السماء و الأرض و الفلك بالتحريك مدار النجوم و قيل أراد بالفلك دائرة معدل النهار و قيل أراد به الجنس و هو أجسامها المستديرة التي يصدق عليها هذا الاسم و قيل الفلك هنا عبارة عن السماء الدنيا فيكون على وفق قوله سبحانه إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ و التوجيه مشترك و على المشهور من عدم كون جميعها في السماء الدنيا لعل الأظهر أن يراد بالفلك ما ارتكز فيه كوكب يتحرك بحركته و بالجو الفضاء الواسع الموهوم أو الموجود الذي هو مكان الفلك و وجه إضافته إليها واضح فإن الفلك من جملتها و كذا إضافة الفلك إليها و يحتمل حينئذ أن يراد بفلكها المحيط المحرك لجملتها و يمكن على طريقة الاستخدام أو بدونه أن يراد بضمير السماء الذي أحاط بجميع ما ارتكزت فيه الكواكب المدير لها فكون فلكها في جوها ظاهر أو يراد بالسماء الأفلاك الكلية و بالفلك الأفلاك الجزئية الواقعة في جوفها و في بعض النسخ علق في جوها فلكا بدون الضمير و هو يناسب كون الكواكب كلها في فلك واحد. و ناط أي علق و الدراري جمع دري و هو المضي‏ء و كأنه نسب إلى

    الدر تشبيها به لصفائه و قال الفراء الكوكب الدري عند العرب هو العظيم المقدار و قيل هو أحد الكواكب السبعة السيارة و في النهاية الكواكب الخمسة السيارة و لا يخفى أن وصف الدراري بالخفيات ينافي القولين ظاهرا و استراق السمع الاستماع مختفيا بثواقب شهبها أي بشهبها الثاقبة تلميحا إلى قوله سبحانه إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ و قوله إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ و الأذلال جمع ذل بالكسر يقال أمور الله جارية أذلالها بالنصب و على أذلالها أي مجاريها و يقال دعه على أذلاله أي على حاله و ثبات الثوابت بالنسبة إلى سير السيارات و المراد بالهبوط إما مقابل الشرف كما هو مصطلح المنجمين أو التوجه إلى حضيض الحامل أو التدبير أو التوجه إلى الغروب فإنه الهبوط حسا و يقابله الصعود و النحوس ضد السعود ثم خلق الظاهر أن كلمة ثم هنا للترتيب الحقيقي و سيأتي بعض الأخبار الدالة على تقدم خلق الملائكة على السماوات و يمكن الجمع بالتخصيص هاهنا بسكان السماوات الذين لا يفارقونها و عمارة المنزل جعله آهلا ضد الخراب الذي لا أهل له و الصفيح السطح و وجه كل شي‏ء عريض و الصفيح أيضا اسم من أسماء السماء و المراد هنا سطح كل سماء و يقابله الصفيح الأسفل و هو الأرض أو فوق السماء السابعة أو فوق الكرسي و الملكوت كرهبوت العز و السلطان و الفروج الأماكن الخالية و الفج الطريق الواسع بين الجبلين و حشوت الوسادة بالقطن جعلتها مملوة منه و الفتق الشق و الجو الفضاء الواسع و ما بين السماء و الأرض و هذا الكلام صريح في عدم تلاصق السماوات و في تجسم الملائكة و أن ما بين السماوات مملوة منهم و به تندفع شبهة لزوم الخلأ كما ستعرف و الفجوة الفرجة و الموضع المتسع بين الشيئين و زجل المسبحين صوتهم   الرفيع العالي و الحظيرة في الأصل الموضع الذي يحاط عليه لتأوي إليه الغنم و الإبل يقيها الحر و البرد و الريح و القدس بالضم و بضمتين الطهر اسم و مصدر و السترات بضمتين جمع سترة بالضم و هو ما يستتر به كالستارة و الحجاب ما احتجب به و السرادق الذي يمد فوق صحن البيت من الكرسف و المجد الشرف و العظمة و الرجيج الزلزلة و الاضطراب و منه رجيج البحر. تستك منه الأسماع أي تصم و فسروا السبحات بالنور و البهاء و الجلال و العظمة و قيل سبحات الوجه محاسنه لأنك إذا رأيت الوجه الحسن قلت سبحان الله و لعل المراد بها الأنوار التي تحجب بها الأبصار و يعبر عنها بالحجب و ردعه كمنعه كفه و رده و الخاسئ من الكلاب و غيرها المبعد لا يترك أن يدنو من الناس يقال خسأت الكلب أي طردته و أبعدته و الضمير في حدودها راجع إلى السحاب و قيل أي تقف الأبصار حيث تنتهي قوتها لأن قوتها متناهية فإذا بلغت حدودها وقفت. أولي أجنحة تسبح جلال عزته إشارة إلى قوله تعالى أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ و تسبح في أكثر النسخ بالتشديد من التسبيح و هو التنزيه و التقديس من النقائص و الجلال العظمة و العزة القوة و الشدة و الغلبة و الجملة صفة لأولي أجنحة و في بعض النسخ تسبح بالتخفيف من السباحة و خلال بالخاء المعجمة المكسورة و هو وسط الشي‏ء أو جمع خلل بالتحريك و هو الفرجة بين الشيئين و في بعضها خلال بحار عزته و لعل المراد بسباحتهم سيرهم في أطباق السماوات و فوقها أو عروجهم و نزولهم لأداء الرسالات و غيرها أو سيرهم في مراتب القرب بالعبادة و التسبيح. لا ينتحلون انتحل الشي‏ء و تنحله إذا ادعاه لنفسه و هو لغيره أي لا يدعون الربوبية لأنفسهم كما يدعيها البشر لهم و لأنفسهم فتكون هذه الفقرة

    لنفي ادعاء الاستبداد و الثانية لنفي ادعاء المشاركة أو الأولى لنفي ادعائهم الخالقية فيما لهم مدخل في وجوده بأمره تعالى و الثانية لنفي ذلك فيما خلقه الله سبحانه بمجرد أمره و إرادته مكرمون بالتخفيف من الإكرام و قرئ بالتشديد من التكريم و اللام في قوله بالقول عوض عن المضاف إليه أي لا يسبقون الله بقولهم بل هم تابع لقوله سبحانه كما أن علمهم تابع لأمره. جعلهم فيما هنالك لعله مخصوص ببعض الملائكة كما قال عز و جل اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا و يكفي للنسبة إلى الجميع كون بعضهم كذلك و ما هنالك عبارة عن مراتب الملائكة أو الأشغال و الأمور المفوضة إليهم أو عن أربابها و أصحابها و في قوله حملهم تضمين معنى البعث أو الإرسال و نحوه و عصمهم هذا يشمل جميعهم و الريب الشك أو التهمة و الزيغ العدول عن الحق و المرضاة ضد السخط و الإمداد الإعانة و التقوية و الفائدة ما استفدته من طريفة مال أو علم أو غيرهما و المعونة مفعلة بضم العين من استعان به فأعانه و قيل الميم أصلية مأخوذة من الماعون و لعل المعنى تأييدهم بأسباب الطاعات و القربات و المعارف و الألطاف الصارفة لهم عن المعاصي. و أشعر قلوبهم أي ألزمهم مأخوذ من الشعار و هو ما يلبس تحت الدثار و قيل من الشعور بمعنى الإدراك يقال أشعره الأمر و به أي أعلمه و التواضع التخاشع و التذلل و أخبت الرجل خضع لله و خشع قلبه و السكينة الطمأنينة و الوقار و الرزانة و المهابة و الحاصل عدم انفكاكهم عن الخوف و الخشوع و الذلل بضمتين جمع ذلول ضد الصعب و مجده أثنى عليه و عظمه و الجمع للدلالة على الأنواع و فتح الأبواب كناية عن إلهامها و تسهيلها عليهم لعدم معارضة   شيطان أو نفس أمارة بالسوء بل خلقهم خلقة يلتذون بها كما ورد أن شرابهم التسبيح و طعامهم التقديس و المنار جمع المنارة و هي العلامة و أصله النور و لذا أنثت الواضحة و الأعلام جمع علم بالتحريك و هو الجبل الطويل أو ما يعلم به الشي‏ء و نصب المنار لهم على الأعلام عبارة عن غاية ظهورها لعدم معارضته الشكوك و الشبهات التي تكون للبشر و لوفور الدلائل لهم لقربهم من ساحة عزه و ملكوته و مشاهدتهم ما يخفى علينا من آثار ملكه و جبروته و المؤصرات المثقلات و عدمها لعصمتهم و عدم خلق الشهوات فيهم. و رحل البعير و ارتحله حط عليه الرحل و هو مركب للبعير و في الحديث ارتحلني ابني الحسن أي جعلني كالراحلة و ركب على ظهري و الارتحال أيضا الإزعاج و الإشخاص و العقبة بالضم النوبة و الجمع عقب كغرفة و غرف و العقبة الليل و النهار لأنهما يتعاقبان قيل أي لم يؤثر فيهم ارتحال الليالي و الأيام كما يؤثر ارتحال الإنسان البعير في ظهره حملا على الوجه الأول و على الثاني فالمعنى لم يزعجهم تعاقب الليالي و الأيام و لم يوجب رحيلهم عن دارهم و الغرض تنزيههم عما يعرض للبشر من ضعف القوى أو القرب من الموت بكرور الأزمنة و النوازع في بعض النسخ بالعين المهملة من نزع في القوس إذا جذبها و مدها و نوازع الشكوك الشبهات و قيل أي شهواتها و النازعة المحركة و في بعضها بالغين المعجمة كما في النهاية من نزغ الشيطان بين القوم أي أفسد و يقال نزغه الشيطان أي وسوس إليه و العزيمة ما وكدت رأيك و عزمك عليه و المعترك موضع القتال و الاعتراك الازدحام و الظن يكون بمعنى الاعتقاد الراجح غير الجازم و بمعنى الشك و يطلق على ما يشملهما و لعل الأخير هنا أظهر و معقد الشي‏ء موضع شدة يقال عقدت الحبل و البيع و العهد و يكون مصدرا و الحاصل نفي تطرق الشبه و الشكوك إلى عقائدهم اليقينية.

    و لا قدحت يقال قدح بالزند كمنع أي رام الإيراء به و هو استخراج النار و ربما يحمل على القدح بمعنى الطعن و هو بعيد و الإحن جمع إحنة و هي الحقد و الغضب أي لا يثير الغضب و العداوات الكامنة فتنة فيما بينهم و الحيرة عدم الاهتداء إلى وجه الصواب و لاق الشي‏ء بغيره أي لزق و منه الليقة للصوق المداد بها و الغرض نفي الحيرة عنهم في عقائدهم و يحتمل أن يكون المراد بالحيرة الوله لشدة الحب و كمال المعرفة كما سيأتي و في الصحيفة السجادية و لا يغفلون عن الوله إليك فالمعنى أن شدة ولههم لا توجب نقصا في معرفتهم و غفلة عن ملاحظة العظمة و الجلال كما في البشر و أثناء الشي‏ء تضاعيفه و جاء في أثناء الأمر أي في خلاله جمع ثنى بالكسر. فتقترع في بعض النسخ بالقاف من الاقتراع بمعنى ضرب القرعة و الاختبار فالغرض نفي تناوب الوساوس و تواردها عليهم و في بعضها بالفاء من فرعه أي علاه و الأول أنسب بالطمع و الرين بالنون كما في بعض النسخ الطبع و الدنس و التغطية و ران ذنبه على قلبه رينا أي غلب و في بعضها بالباء الموحدة و الفكرة إعمال النظر في الشي‏ء منهم أي من مطلق الملائكة و الغمام و الغمائم جمع الغمامة و هي السحابة و الدلح جمع الدالح و هو الثقيل من السحاب لكثرة مائه و الدلح أن يمشي البعير بالحمل و قد أثقله و الشامخ من الجبال المرتفع العالي و القترة بالضم بيت الصائد الذي يتستر به عند تصيده من جص و نحوه و يجمع على قتر مثل غرفة و غرف و يطلق على حلقة الدرع و الكوة النافذة و الظلام ذهاب النور و الأيهم الذي لا يهتدى فيه و منه فلاة يهماء قيل هذا النوع من الملائكة خزان المطر و زواجر السحاب و لعله شامل لمشبعي الثلج و البرد و الهابطين مع قطر المطر إذا نزل و إن كان السحاب مكانهم قبل النزول و الموكلون   بالجبال للحفظ و سائر المصالح و الساكنون في الظلمات لهداية الخلق و حفظهم أو غير ذلك. و أقول يحتمل أن يكون المراد تشبيههم في لطافة الجسم بالسحاب و في عظم الخلقة بالجبال و في السواد بالظلمة بل هو عندي أظهر. و تخوم الأرض بضم التاء معالمها و حدودها و هي جمع تخوم بالضم أيضا و قيل واحدها تخم بالضم و الفتح و قيل التخم حد الأرض و الجمع تخوم نحو فلس و فلوس و قال ابن الأعرابي و ابن السكيت الواحد تخوم و الجمع تخم مثل رسول و رسل و في النسخ بالضم و الراية علم الجيش و مخارق المواضع التي تمكنت فيها تلك الرايات بخرق الهواء و الريح الهفافة الطيبة الساكنة و قيل أي ليست بمضطربة فتموج تلك الرايات بل هي ساكنة تحبسها حيث انتهت. و قد استفرغتهم أشغال عبادته أي جعلتهم فارغين عن غيرها و حقائق الإيمان العقائد اليقينية التي تحق أن تسمى إيمانا أو البراهين الموجبة له و في بعض النسخ وسلت بالسين المشددة يقال وسل إلى الله توسيلا و توسل أي عمل عملا تقرب به إليه و قطعهم الإيقان به أي صرفهم عما سوى الوله و وجههم إليه و هو في الأصل التحير من شدة الوجد أو ذهاب العقل و المراد عدم الالتفات إلى غيره سبحانه و الرغبة الإرادة و السؤال و الطلب و الحرص على الشي‏ء و الطمع فيه و المعنى أن رغباتهم و طلباتهم مقصورة على ما عنده سبحانه من قربه و ثوابه و كرامته و لعل الضمائر في تلك الفقرات راجعة إلى مطلق الملائكة كالفقرات الآتية و الباء في قوله ع بالكأس إما للاستعانة أو بمعنى من و ربما يضمن في الشرب معنى الالتذاذ ليتعدى بالياء و الكأس الإناء يشرب فيه أو ما دام الشراب فيه و هي مؤنثة و الروية المروية التي تزيل العطش و سويداء القلب و سوداؤه حبته و الوشيجة في الأصل عرق الشجرة يقال وشجت

    العروق و الأغصان أي اشتبكت و حنيت الشي‏ء أي عطفته و أنفد الشي‏ء أفناه و مادة التضرع ما يدعو إليه و أطلق عن الأسير إذا حل أسره و الربقة بالكسر في الأصل عروة في حبل تجعل في عنق البهيمة أو يدها تمسكها و عدم نفاد مادة التضرع فيهم لعدم تطرق النقص إلى علمهم بعظمة الله و بحاجتهم إليه و عدم الشواغل لهم عن ذلك و عدم انتهاء مراتب العرفان و القرب الداعيين لهم إلى التضرع و العبادة و مع ذلك لا يتطرق الضعف إلى قواهم فبقدر صعودهم في مدارج الطاعة يزاد قربهم و كلما ازداد قربهم تضاعف علمهم بعظمته سبحانه كما سيأتي الإشارة إليه و يقال تولاه أي اتخذه وليا و تولى الأمر أي تقلده و عدم تولي الإعجاب كناية عن عدم الاستيلاء و الإعجاب استعظام ما يعده الإنسان فضيلة لنفسه و يقال أعجب زيد بنفسه على البناء للمفعول إذا ترفع و سر بفضائله و أعجبني حسن زيد إذا عجبت منه و استكثره عده كثيرا و ما سلف منهم طاعاتهم السالفة و الاستكانة الذل و الخضوع و استكانة الإجلال خضوعهم الناشئ عن ملاحظة جلال الله و عظمته و الفترة مرة من الفتور و هو السكون بعد حدة و اللين بعد شدة و دأب في أمره كمنع دءوبا جد و تعب و غاض الماء غيضا و مغاضا قل و نقص و المناجاة المخاطبة سرا و أسلة اللسان طرفه و مستدقه و الهمس الصوت الخفي و الجوار كغراب رفع الصوت بالدعاء و التضرع أي ليست لهم أشغال خارجة عن العبادة فتكون لأجلها أصواتهم المرتفعة خافية ساكنة و في بعض النسخ بهمس الخير و في بعضها بهمس الحنين و توجيههما لا يخلو من تكلف و مقاوم الطاعة صفوف العبادة جمع مقام و عدم اختلاف المناكب عبارة عن عدم تقدم بعضهم على بعض أو عدم انحرافهم و ثنيت الشي‏ء ثنيا عطفته أثناه أي كفه و ثنيته أيضا صرفته إلى حاجته و راحة التقصير الراحة الحاصلة بإقلال العبادة أو تركها بعد التعب و عدا عليه أي قهره و ظلمه و التبلد ضد التجلد و التحير و بلد الرجل بلادة فهو بليد أي غير ذكي و لا فطن و انتضل القوم   و تناضلوا إذا رموا للسبق و الهمة ما هم به من أمر ليفعل و خدائع الشهوات وساوسها الصارفة عن العبادة و انتضالها تواردها و تتابعها و الفاقة الفقر و الحاجة و يوم فاقتهم يوم قبض أرواحهم كما يظهر من بعض الأخبار و لا يبعد أن يكون لهم نوع من الثواب على طاعتهم بازدياد القرب و إفاضة المعارف و ذكره سبحانه لهم و تعظيمه إياهم و غير ذلك فيكون إشارة إلى يوم جزائهم و يمموه أي قصدوه و الانقطاع إلى أحد صرف الوجه عن غيره و التوجه إليه و الضمير في رغبتهم إما راجع إلى الملائكة كضمير فاقتهم أو إلى الخلق أو إليهما على التنازع. و الأمد المنتهى و قد يكون بمعنى امتداد المسافة و يرجع يكون لازما و متعديا تقول رجع زيد و رجعته أنا و اهتر فلان بكذا و استهتر فهو مهتر به و مستهتر على بناء المفعول أي مولع به لا يتحدث بغيره و لا يفعل غيره و المادة الزيادة المتصلة و كل ما أعنت به قوما في حرب أو غيره فهو مادة لهم و لعل المراد هنا بها المعين و المقوي و كلمة من في قوله من قلوبهم ابتدائية أي إلى مواد ناشئة من قلوبهم غير منقطعة و في قوله من رجائه بيانية فالمراد الخوف و الرجاء الباعثان لهم على لزوم الطاعة و يحتمل أن تكون الأولى بيانية أو ابتدائية و الثانية صلة للانقطاع و الغرض إثبات دوام خوفهم و رجائهم الواجبين لعدم انفكاكهم عن الطاعة بل لزيادتها كما يشعر به لفظ المواد و السبب كل ما يتوصل به إلى غيره و الشفقة الخوف و الونى الضعف و الفتور و لم تأسرهم أي لم تجعلهم أسراء و الإيثار الاختيار و الوشيك القريب و السريع و المعنى ليسوا مأمورين في ربقة الطمع حتى يختاروا السعي القريب في تحصيل المطموع في الدنيا الفانية على اجتهادهم الطويل في تحصيل السعادة الباقية كما هو شأن البشر. و استعظام العمل العجب المنهي عنه و نسخ الشي‏ء إزالته و إبطاله و تغييره

    و المراد بالرجاء هنا ما تجاوز الحد المطلوب منه و يعبر عنه بالاغترار و شفقات الوجل تارات الخوف و مراته لم يختلفوا في ربهم أي في الإثبات و النفي أو في التعيين أو في الصفات كالتجرد و التجسم و كيفية العلم و غير ذلك و قيل أي في استحقاق كمال العبادة و يقال استحوذ عليه أي استولى و هو مما جاء على الأصل من غير إعلال و التقاطع التعادي و ترك البر و الإحسان و توليت الأمر أي قمت به و توليت فلانا اتخذته وليا أي محبا و ناصرا و الغل الحقد و الشعبة من كل شي‏ء الطائفة منهم و شعبتهم أي فرقتهم و في بعض النسخ تشعبتهم على التفعل و الأول أظهر و الريب جمع ريبة بالكسر و هو الشك أو هو مع التهمة و مصارفها وجوهها و طرقها من الأمور الباطلة التي تنصرف إليها الأذهان عن الشبه أو وجوه انصراف الأذهان عن الحق بالشبه أو الشكوك و الشبه أنفسها و اقتسموا المال بينهم أي تقاسموه و أخياف الهمم مختلفها و أصله من الخيف بالتحريك و هو زرقة إحدى العينين و سواد الأخرى في الفرس و غيره و منه قيل لإخوة الأم أخياف لأن آباءهم شتى و الهمة بالكسر ما عزمت عليه لتفعله و قيل أول العزم و الغرض نفي الاختلاف بينهم و التعادي و التفرق بعروض الشكوك و اختلاف العزائم أو نفي الاختلاف عنهم و بيان أنهم فرقة واحدة لبراءتهم عن الريبة و اختلاف الهمم. و الزيغ الجور و العدول عن الحق و في التفريع دلالة على أن الصفات السابقة من فروع الإيمان أو لوازمه و الطبق محركة في الأصل الشي‏ء على مقدار الشي‏ء مطبقا له من جميع جوانبه كالغطاء له و منه الحمى المطبقة و الجنون المطبق و السماوات أطباق لأن كل سماء طبق لما تحتها و الإهاب ككتاب الجلد و الحافد المسرع و الخفيف في العمل و يجمع على حفد بالتحريك و يطلق على الخدم لإسراعهم في الخدمة و العزة القوة و الغلبة و العظم كعنب خلاف الصغر مصدر عظم و في بعض النسخ بالضم و هو اسم من تعظم   أي تكبر و دحوها على الماء أي بسطها و كبس الرجل رأسه في قميصه إذا أدخله فيه و كبس البئر و النهر طمهما بالتراب و ملأهما قال بعض شارحي النهج كبس الأرض أي أدخلها الماء بقوة و اعتماد شديد و مور الأمواج أي تحركها و اضطرابها و استفحل الأمر أي تفاقم و اشتد و قيل أمواج مستفحلة أي هائجة هيجان الفحول و قيل أي صائلة و اللجة بالضم معظم الماء و منه بحر لجي و زخر البحر مد و كثر ماؤه و ارتفعت أمواجه و اللطم ضرب الخد بالكف مفتوحة و التطمت الأمواج و تلاطمت ضرب بعضها بعضا و الأذى بالمد و التشديد الموج الشديد و الجمع أواذي و الصفق الضرب يسمع له صوت و الصفق الرد و اصطفقت الأمواج أي ضرب بعضها بعضا و ردها و التقاذف الترامي بقوة و الثبج بتقديم الثاء المثلثة على الباء الموحدة و ثبج البحر بالتحريك معظمه و وسطه و قيل أصله ما بين الكاهل إلى الظهر و المراد أعالي الأمواج و الرغاء بالضم صوت الإبل و الزبد بالتحريك الذي يعلو السيل و قيل زبدا منصوب بمقدر أي ترغو قاذفة زبدا. و أقول الظاهر أن ترغو من الرغوة مثلثة و هي الزبد يعلو الشي‏ء عند غليانه يقال رغى اللبن أي صارت له رغوة ففيه تجريد و لا ينافيه التشبيه بالفحل و الفحل الذكر من كل حيوان و أكثر ما يستعمل في الإبل و هاج الفحل ثار و اشتهى الضراب و خضع أي ذل و جماح الماء غليانه من جمح الفرس إذا غلب فارسه و لم يملكه و هيج الماء ثورانه و فورته و الارتماء الترامي و التقاذف و ارتماء الماء تلاطمه و أصل الوطء الدوس بالقدم و الكلكل الصدر و ذل أي صار ذليلا أو ذلولا ضد الصعب و في بعض النسخ كل أي عرض له الكلال من كل السيف إذا لم يقطع و المستخذي بغير همز كما في النسخ الخاضع و المنقاد و قد يهمز على الأصل و تمعكت مستعار من تمعكت الدابة أي تمرغت في التراب و الكاهل ما بين الكتفين فأصبح بعد اصطخاب أمواجه ساجيا الاصطخاب افتعال من الصخب و هو كثرة الصياح و اضطراب الأصوات و الساجي الساكن و الحكمة محركة

    حديدة في اللجام و تكون على حنك الفرس تمنعه عن مخالفة راكبه. ثم إنه أورد هنا إشكال و هو أن كلامه ع يشعر بأن هيجان الماء و غليانه و موجه سكن بوضع الأرض عليه و هذا خلاف ما نشاهده و يقتضيه العقل لأن الماء الساكن إذا جعل فيه جسم ثقيل اضطرب و تموج و صعد علوا فكيف الماء المتموج يسكن بطرح الجسم الثقيل فيه. و أجيب بأن الماء إذا كان تموجه من قبل ريح هائجة جاز أن يسكن هيجانه بجسم يحول بينه و بين تلك الريح و لذلك إذا جعلنا في الإناء ماء و روحنا بمروحة فإنه يتحرك فإن جعلنا على سطح الماء جسما يملأ حافات الإناء و روحناه بالمروحة فإن الماء لا يتحرك لأن ذلك الجسم قد حال بين الهواء المجتلب بالمروحة و بين سطح الماء فمن الجائز أن يكون الماء في الأول هائجا لأجل ريح محركة له فإذا وضعت الأرض عليه حال بين سطح الماء و بين تلك الريح و سيأتي في كلامه ع ذكر هذه الريح حيث قال اعتقم مهبها إلى آخر ما سيأتي و الأولى أن يقال إن غرضه ع ليس نفي التموج مطلقا بل نفي التموج الشديد الذي كان للماء إذ حمله سبحانه على متن الريح العاصفة و الزعزع القاصفة بقدرته الكاملة و أنشأ ريحا لمخضه مخض السقاء فكانت كرة الماء تندفق من جميع الجوانب و ترد الريح أوله على آخره و ساجيه على مائره كما سيأتي في كلامه ع ثم لما كبس الأرض بحيث لم يحط الماء بجميعها فلا ريب في انقطاع الهبوب و التمويج من ذلك الجانب المماس للأرض من الماء و أيضا لما منعت الأرض سيلان الماء من ذلك الجانب إذ ليست الأرض كالهواء المنفتق المتحرك الذي كان ينتهي إليه ذلك الحد من الماء كان ذلك أيضا من أسباب ضعف التموج و قلة التلاطم و أيضا لما تفرقت كرة الماء في أطراف الأرض و مال الماء بطبعه إلى المواضع المنخفضة من الأرض و صار البحر الواحد المجتمع بحارا متعددة و إن اتصل بعضها ببعض و أحاطت السواحل بأطراف

    البحار بحيث منعت الهبوب إلا من جهة السطح الظاهر سكنت الفورة الشديدة بذلك التفرق و قلة التعمق و انقطاع الهبوب فكل ذلك من أسباب السكون الذي أشار إليه ع. و أقول مما يبين ذلك أنه إذا فرضنا حوضا يكون فرسخا في فرسخ و قدرنا بناء عمارة عظيمة في وسطه فلا ريب في أنه يقل بذلك أمواجه و كلما وصل موج من جانب من الجوانب إليه يرتدع و يرجع ثم إن هذه الوجوه إنما تبدي جريا على قواعد الطبيعيين و خيالاتهم الواهية و إلا فبعد ما ذكره ع لا حاجة لنا إلى إبداء وجه بل يمكن أن يكون لخلق الأرض و كبسها في الماء نوع آخر من التأثير في سكونه لا تحيط به عقولنا الضعيفة. و قال ابن ميثم مقتضى الكلام أن الله تعالى خلق الماء قبل الأرض و سكن بها مستفحل أمواجه و هذا مما شهد به البرهان العقلي فإن الماء لما كان حاويا لأكثر الأرض كان سطحه الباطن المماس لسطحه الظاهر مكانا لها و ظاهر أن للمكان تقدما طبيعيا باعتبار ما على المتمكن فيه و إن كان اللفظ يعطي تقدم خلق الماء على خلق الأرض تقدما زمانيا كما هو المقبول عند السامعين انتهى. و لا يخفى بعد أمثال تلك التأويلات الباردة في تلك العبارات الظاهرة الدلالة على التقدم و الحدوث الزمانيين كما ستعرف إن شاء الله تعالى. و سكنت الأرض مدحوة أي مبسوطة و لا ينافي الكروية و قيل هو من الدحو بمعنى القذف و الرمي و اللجة معظم الماء كما مر و التيار الموج و قيل أعظم الموج و لجته أعمقه و النخوة الافتخار و التعظم و الأنفة و الحمية و البأو الرفعة و التعظم و الكبر و الاعتلاء التيه و الترفع و شمخ بأنفه أي تكبر من شمخ الجبل إذا ارتفع و السمو العلو و غلواء الشباب أوله و شرته و الغرض بيان سكون الأرض في الماء المتلاطم و منعها إياه عن تموجه و هيجانه و كعمت البعير أي شددت فمه إذا هاج بالكعام ككتاب و هو شي‏ء يجعل في فيه و الكظة بالكسر ما يعتري الممتلئ من الطعام و الجرية   بالكسر حالة الجريان أو مصدر و كظة الجرية ما يشاهد من الماء الكثير في جريانه من الثقل و همدت الريح سكنت و همود النار خمودها و نزق الفرس كسمع و نصر و ضرب نزقا و نزوقا نزا و وثب و النزقات دفعاته و نزق الغدير امتلأ إلى رأسه و على هذا فالهمود بمعنى الغور و الأول أظهر و الزيفان بالتحريك التبختر في المشي من زاف البعير يزيف إذا تبختر و في بعض النسخ و لبد بعد زيفان و ثباته يقال لبد بالأرض كنصر إذا لزمها و أقام و منه اللبد ككتف لمن لا يبرح منزله و لا يطلب معاشا و يروى و لبد بعد زفيان بتقديم الفاء على الياء و هو شدة هبوب الريح يقال زفت الريح السحاب إذا طردته و الزفيان بالفتح القوس السريعة الإرسال للسهم و الوثبة الطفرة و هيج الماء ثورانه و فورته و أكنافها أي جوانبها و نواحيها و شواهق الجبال عواليها و الباذخ العالي و الينبوع ما انفجر من الأرض من الماء و لعله اعتبر فيه الجريان بالفعل فيكون من إضافة الخاص إلى العام أو التكرير للمبالغة و قيل الينبوع الجدول الكثير الماء فلا يحتاج إلى تكلف و عرنين الأنف أوله تحت مجتمع الحاجبين و الظاهر أن ضمير أنوفها راجع إلى الأرض كالضمائر السابقة و اللاحقة و استعار لفظ العرنين و الأنف لأعالي رءوس الجبال و إنما خص الجبال بتفجر العيون منها لأن العيون أكثر ما يتفجر من الجبال و الأماكن المرتفعة و أثر القدرة فيها أظهر و نفعها أتم و السهب الفلاة البعيدة الأكناف و الأطراف و البيد بالكسر جمع بيداء و هي الفلاة التي يبيد سالكها أي يهلكه و الأخاديد جمع أخدود و هو الشق في الأرض و المراد بأخاديدها مجاري الأنهار و لعل تعديل الحركات بالراسيات أي الجبال الثابتات جعلها عديلا للحركات بحيث لا تغلبه أسباب الحركة فيستفاد سكونها فالباء صلة لا سببية أو المعنى سوى الحركات في الجهات أي جعل الميول متساوية بالجبال فسكنت لعدم المرجح فالباء سببية و يحتمل أن يكون المراد أنه جعلها بالجبال بحيث قد تتحرك للزلازل و قد لا تتحرك و لم يجعل الحركة

    غالبة على السكون مع احتمال كونها دائما متحركة بحركة ضعيفة غير محسوسة و من ذهب إلى استناد الحركة السريعة إلى الأرض لا يحتاج إلى تكلف و الجلاميد جمع جلمد و جلمود أي الصخور و الشناخيب جمع شنخوب بالضم أي رءوس الجبال العالية و الشم المرتفعة العالية و الصياخيد جمع صيخود و هي الصخرة الشديدة و الميدان بالتحريك التحرك و الاضطراب و رسب في الماء كنصر و كرم رسوبا ذهب سفلا و جبل راسب أي ثابت و القطع كعنب جمع قطعة بالكسر و هي الطائفة من الشي‏ء و يروى بسكون الطاء و هو طنفسة الرحل قيل كأنه جعل الأرض ناقة و جعل لها قطعا و جعل الجبال في ذلك القطع و الأديم الجلد المدبوغ و أديم السماء و الأرض ما ظهر منهما و رسوب الجبال في قطع أديمها دخولها في أعماقها. و التغلغل الدخول و السرب بالتحريك بيت في الأرض لا منفذ له يقال تسرب الوحش و انسرب في جحره أي دخل و الجوبة الحفرة و الفرجة و الخيشوم أقصى الأنف و السهل من الأرض ضد الحزن و جرثومة الشي‏ء بالضم أصله و قيل التراب المجتمع في أصول الشجر و هو أنسب و لعل المراد بجراثيمها المواضع المرتفعة منها و مفاد الكلام أن الأرض كانت متحركة مضطربة قبل خلق الجبال فسكنت بها و ظاهره أن لنفوذ الجبال في أعماق الأرض و ظهورها و ارتفاعها عن الأرض كليهما مدخلا في سكونها و قد مر بعض القول في ذلك في كتاب التوحيد و سيأتي بعضه في الأبواب الآتية إن شاء الله. و فسح له كمنع أي وسع و لعل في الكلام تقدير مضاف أي بين منتهى الجو و بينها أو المراد بالجو منتهاه أعني السطح المقعر للسماء و المتنسم موضع التنسم و هو طلب النسيم و استنشاقه و فائدته ترويح القلب حتى لا يتأذى بغلبة الحرارة و مرافق الدار ما يستعين به أهلها و يحتاج إليه في التعيش و إخراج أهل الأرض على تمام مرافقها إيجادهم و إسكانهم فيها بعد تهيئة ما يصلحهم بمعاشهم و التزود إلى معادهم و الجرز بضمتين الأرض التي لا نبات بها و لا ماء و

    الرابية ما ارتفع من الأرض و كذلك الربوة بالضم و الجدول كجعفر النهر الصغير و الذريعة الوسيلة و ناشئة السحاب أول ما ينشأ منه أي يبتدئ ظهوره و يقال نشأت السحاب إذا ارتفعت و الغمام جمع الغمامة بالفتح فيهما و هي السحابة البيضاء و اللمع كصرد جمع لمعة بالضم و هي في الأصل قطعة من النبت إذا أخذت في اليبس كأنها تلمع و تضي‏ء من بين سائر البقاع و القزع جمع قزعة بالتحريك فيهما و هي القطعة من الغيم و تباين القزع تباعدها و المخض بالفتح تحريك السقاء الذي فيه اللبن ليخرج زبده و تمخضت أي تحركت و اللجة معظم الماء و المزن جمع المزنة بالضم فيهما و هي الغيم و قيل السحابة البيضاء و ضمير فيه راجع إلى المزن أي تحركت فيه اللجة المستودعة فيه و استعدت للنزول و التمع البرق و لمع أي أضاء و كففه حواشيه و جوانبه و طرف كل شي‏ء كفة بالضم و عن الأصمعي كل ما استطال كحاشية الثوب و الرمل فهو كفة بالضم و كل ما استدار ككفة الميزان فهو كفة بالكسر و يجوز فيه الفتح و وميض البرق لمعانه و لم ينم أي لم ينقطع و لم يفتر و الكنهور كسفرجل قطع من السحاب كالجبال و قيل المتراكم منه و الرباب كسحاب الأبيض منه و قيل السحاب الذي تراه كأنه دون السحاب و قد يكون أسود و قد يكون أبيض جمع ربابة و المتراكم و المرتكم المجتمع و قيل الميم بدل من الباء كأنه ركب بعضه بعضا و السح الصب و السيلان من فوق و المتدارك من الدرك بالتحريك و هو اللحاق يقال تدارك القوم إذا لحق آخرهم أولهم و أسف الطائر إذا دنا من الأرض و هيدبه ما تهدب منه أي تدلى كما تتدلى هدب العين و مرى الناقة يمريها أي مسح ضرعها حتى در لبنها   و عدي هاهنا إلى مفعولين و روي تمرى بدون الضمير و الجنوب بالفتح الريح مهبها من مطلع سهيل إلى مطلع الثريا و هي أدر للمطر و الدرر كعنب جمع درة بالكسر أي الصب و الاندفاق و قيل الدرر الدار كقوله تعالى قَيِّماً أي قائما و الهضب المطر و يجمع على أهضاب ثم على أهاضيب كقول و أقوال و أقاويل و الدفعة من المطر بالضم ما انصب مرة و الشآبيب جمع شؤبوب و هو ما ينزل من المطر دفعة بشدة و البرك الصدر و البواني قوائم الناقة و أركان البنية و قال بعض شراح النهج بوانيها بفتح النون تثنية بوان على فعال بكسر الفاء و هي عمود الخيمة و الجمع بون و من روى بوانيها أراد لواصقها من قولهم قوس بانية إذا التصقت بالوتر و الرواية الأولى أصح انتهى و في النسخ القديمة المصححة على صيغة الجمع و في النهاية فسر البواني على أركان البنية و في القاموس بقوائم الناقة و على التقادير الإضافة لأدنى ملابسة و في الكلام تشبيه السحاب بالناقة المحمول عليها و الخيمة التي جر عمودها و البعاع كسحاب ثقل السحاب من المطر و استقلت أي نهضت و ارتفعت و استقلت به حملته و رفعته و العب‏ء الحمل و الثقل بكسر الجميع و الهوامد من الأرض التي لا نبات بها و الزعر بالتحريك قلة الشعر في الرأس يقال رجل أزعر و الأزعر الموضع القليل النبات و الجمع زعر بالضم كأحمر و حمر و المراد هاهنا القليلة النبات من الجبال تشبيها بالرءوس القليلة الشعر و العشب بالضم الكلأ الرطب و بهج كمنع و فرح و سر و قال بعض الشراح من رواه بضم الهاء أراد يحسن و يملح من البهجة أي الحسن و الروضة من العشب الموضع الذي يستنقع فيه الماء و استراض الماء أي استنقع و تزدهي أي تتكبر و تفتخر افتعال من الزهو و هو الكبر و الفخر و الريط جمع ريطة بالفتح فيهما كل ملاءة ليست بلفقين أي قطعتين كلها نسج واحد و قطعة واحدة و قيل كل ثوب رقيق لين و الأزاهير جمع أزهار جمع زهرة بالفتح و هي النبات و نوره و قيل الأصفر

    منه و أصل الزهرة الحسن و البهجة و الحلية بالكسر ما يتزين به من مصوغ الذهب و الفضة و المعدنيات ما سمطت به أي أعلقت على بناء المجهول من التفعيل و في بعض النسخ الصحيحة بالشين المعجمة و الشميط من النبات ما خالط سواده النور الأبيض و أصله الشمط بالتحريك و هو بياض الرأس يخالط سواده و النضارة الحسن و الطراوة و النور بالفتح الزهر أو الأبيض منه و البلاغ بالفتح ما يتبلغ به و يتوسل إلى الشي‏ء المطلوب و الفج الطريق الواسع بين الجبلين و الفجاج جمعه و خرقها خلقها على الهيئة المخصوصة و الآفاق النواحي و المنار جمع منارة و هي العلامة و المراد هاهنا ما يهتدي به السالكون من الجبال و التلال أو النجوم و الأول هنا أظهر و الجادة وسط الطريق و معظمه و مهد الشي‏ء وسعه و بسطه و مهد الأمر سواه و أصلحه و لعل المراد هنا إتمام خلق الأرض على ما تقتضيه المصلحة في نظام أمور ساكنيها و قيل يحتمل أن يراد بتمهيد الأرض جعلها مهادا أي فراشا كما قال جل و علا أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً أو جعلها مهدا أي مستقرا كالمهد للصبي كما قال سبحانه الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً. و إنفاذ الأمر إمضاؤه و إجراؤه و الخيرة كعنبة المختار و الجبلة بكسر الجيم و الباء و تشديد اللام الخلقة و الطبيعة و قيل في قوله تعالى وَ الْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ أي ذوي الجبلة و يحتمل أن يكون من قبيل الخلق بمعنى المخلوق و قيل الجبلة الجماعة من الناس و المراد بأول الجبلة أول شخص من نوع الإنسان ردا على من قال بقدم الأنواع المتوالدة و أرغد الله عيشه أي   جعله واسعا طيبا و الأكل بضمتين الرزق و الحظ قال الله تعالى وَ كُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما و أوعزت إلى فلان في فعل أو ترك أي تقدمت و المراد النهي عن الأكل من الشجرة و خاطر بنفسه و ماله أي أشفاهما على خطر و ألقاهما في مهلكة و الضمير في منزلته راجع إلى آدم و يحتمل رجوعه إليه سبحانه كضمير معصيته على الظاهر. قوله ع موافاة قال ابن أبي الحديد لا يجوز أن ينتصب لأنه مفعول له ليكون عذرا و علة للفعل بل على المصدرية المحضة كأنه قال فوافى بالمعصية موافاة و طابق بها سابق العلم مطابقة فأهبطه بعد التوبة هو صريح في أن الإهباط كان بعد التوبة فما يظهر من كثير من الآيات و الأخبار من عكس ذلك لعله محمول على التوبة الكاملة أو على القبول و يقال بتأخره عن التوبة و قد تقدم تأويل تلك المعصية و أضرابها في المجلد الخامس. مما يؤكد عليهم لعل التعبير بلفظ التأكيد لكون معرفة الرب سبحانه فطرية أو لوضوح آيات الصنع في الدلالة على الخالق جل ذكره أو للأمرين و قال في المغرب تعهد الضيعة و تعاهدها أتاها و أصلحها و حقيقته جدد العهد بها و القرن أهل كل زمان مأخوذ من الاقتران فكأنه المقدار الذي يقترن فيه أهل ذلك الزمان في أعمارهم و أحوالهم فقيل أربعون سنة و قيل ثمانون سنة و قيل مائة و قال الزجاج الذي عندي و الله أعلم أن القرن أهل كل مدة كان فيها نبي أو طبقة من أهل العلم سواء قلت السنون أو كثرت و مقطع الشي‏ء آخره كأنه قطع من هناك و عذر الله ما بين للمكلفين من الأعذار في عقوبته لهم إن عصوه و نذره ما أنذرهم به من الحوادث و من أنذره على لسانه من الرسل كذا قيل و قيل هما مصدران بمعنى الإعذار و الإنذار و المراد ختم الرسالة بنبينا ص. و قدر الأرزاق لما كان المتبادر من القسمة البسط على التساوي بين ما

    أراده بذكر الكثير و القليل ثم لما كان ذلك موهما للجور دفع الوهم بذكر العدل و نبه على وجه الحكمة بذكر الابتلاء و الاختبار و روي فعدل بالتشديد و التعديل التقويم و المآل واحد و الابتلاء الامتحان و الميسور و المعسور مصدران بمعنى العسر و اليسر كالمفتون بمعنى الفتنة و يمتنع عند سيبويه مجي‏ء المصدر على مفعول قال الميسور الزمان الذي يوسر فيه و الاختبار فيه سبحانه صورته و غنيها و فقيرها نشر على ترتيب اللف على الظاهر و الضمير فيهما إلى الأرزاق و في الإضافة توسع و يحتمل عوده إلى الأشخاص المفهوم من المقام أو إلى الدنيا أو إلى الأرض و لعل إحداهما أنسب ببعض الضمائر الآتية. و العقابيل جمع عقبول و عقبولة بالضم و هي قروح صغار تخرج بالشفة غب الحمى و بقايا المرض و في تشبيه الفاقة و هي الفقر و الحاجة و آثارها بالعقابيل من اللطف ما لا يخفى لكونها مما يقبح في المنظر و تخرج في العضو الذي لا يتيسر سترها عن الناس و تشتمل على فوائد خفية و كذلك الفقر و ما يتبعه و أيضا تكون غالبا بعد التلذذ بالنعم و طوارق الآفات متجددات المصائب و ما يأتي منها بغتة من الطروق و هو الإتيان بالليل و الفرج جمع فرجة و هي التفصي من الهم و فرجة الحائط أيضا و الفرح السرور و النشاط و الغصة بالضم ما اعترض في الحلق و النزح بالتحريك الهم و الهلاك و الانقطاع أيضا و الأجل محركة مدة الشي‏ء و غاية الوقت في الموت و حلول الدين و تعليق الإطالة و التقصير على الأول واضح و أما التقديم و التأخير فيمكن أن يكون باعتبار أن لكل مدة غاية و حينئذ يرجع التقديم إلى التقصير و الإطالة إلى التأخير و يكون العطف للتفسير تأكيدا و يحتمل أن يكون المراد بالتقديم جعل بعض الأعمار سابقا على بعض و تقديم بعض الأمم على بعض مثلا فيكون تأسيسا و يمكن أن يراد بتقديم الآجال قطع بعض الأعمار لبعض الأسباب كقطع الرحم مثلا كما ورد في الأخبار و بتأخيرها   مدها لبعض الأسباب فيعود الضمير في قدمها و أخرها إلى الآجال بالمعنى الثاني على وجه الاستخدام أو نوع من التجوز في التعليق كما مر و السبب في الأصل الحبل يتوسل به إلى الماء و نحوه ثم توسعوا فيه و اتصال أسباب الآجال أي أسباب انقضائها أو أسباب نفسها على المعنى الثاني بالموت واضح و يحتمل أن تكون الأسباب عبارة عن الآجال بالمعنى الأول. و خالجا أي جاذبا و الشطن بالتحريك الحبل و أشطان الآجال التي يجذبها الموت هي الأعمار شبهت بالأشطان لطولها و امتدادها و المرائر جمع مرير و مريرة و هي الحبال المفتولة على أكثر من طاق ذكره في النهاية و قيل الحبال الشديدة الفتل و قيل الطول الدقاق منها و الأقران جمع قرن بالتحريك و هو في الأصل حبل يجمع به البعيران و لعل المراد بمرائر أقران الآجال الأعمار التي يرجى امتدادها لقوة المزاج و البنية و نحو ذلك و كلمة من في قوله من ضمائر المضمرين بيانية و الضمائر الصور الذهنية المكنونة في المدارك و النجوى اسم يقام مقام المصدر و هو المسارة و الخواطر ما يخطر في القلب من تدبير أمر و نحو ذلك و رجم الظنون كل ما يسبق إليه الظن من غير برهان أو مسارعته و الحديث المرجم الذي لا يدرى أ حق هو أم باطل و عقدة كل شي‏ء بالضم الموضع الذي عقد منه و أحكم و مسارق العيون النظرات الخفية كأنها تسترق النظر لإخفائها و أومضت المرأة إذا سارقت النظر و أومض البرق إذا لمع خفيفا و لم يعترض في نواحي الغيم و الجفن بالفتح غطاء العين من أعلى و أسفل و جمعه جفون و أجفن و أجفان و المقصود إحاطة علمه سبحانه بكل معلوم جزئي و كلي ردا على من قصر علمه على البعض كالكليات و الأكنان و الأكنة جمع الكن بالكسر و هو اسم لكل ما يستتر فيه الإنسان لدفع الحر و البرد من الأبنية و نحوها و ستر

    كل شي‏ء و وقاؤه كما قال تعالى وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً و قال ابن أبي الحديد و يروى أكنة القلوب و هي غلفها و أغطيتها و قال الله تعالى وَ جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ. و غيابة البئر قعره و أصغى أي استمع و أصغى إليه أي مال بسمعه نحوه و استراق السمع الاستماع في خفية و صاخ و أصاخ له أي استمع و مصائخ الأسماع خروقها التي يستمع بها و الذر صغار النمل و مصايفها المواضع التي تصيف فيها أي تقيم فيها بالصيف و مشاتي الهوام مواضع إقامتها بالشتاء و الهامة كل ذات سم يقتل و ما لا يقتل فهو السامة كالعقرب و قد يقع الهوام على ما يدب من الحيوان كالحشرات و الحنين شدة البكاء و صوت الطرب عن حزن أو فرح و رجعه ترجيعه و ترديده و قيل أصل الحنين ترجيع الناقة صوتها أثر ولدها و المولهات النوق و كل أنثى حيل بينها و بين أولادها و في بعض النسخ الموالهات و أصل الوله زوال العقل و التحير من شدة الوجد و الهمس أخفى ما يكون من صوت القدم أو كل صوت خفي و المنفسح موضع السعة و منفسح الثمرة موضع نموها في الأكمام و يروى متفسخ بالخاء المعجمة و تشديد السين و التاء مصدرا من تفسخت الثمرة إذا انقطعت و الوليجة الدخيلة و البطانة. و قال ابن أبي الحديد الولائج المواضع الساترة و الواحد وليجة و هي كالكهف يستتر فيها المارة من مطر أو غيره و الغلف بضمة و بضمتين جمع غلاف ككتاب و يوجد في النسخ على الوجهين و الكم بالكسر وعاء الطلع و غطاء النور و جمعه أكمام و أكمة و كمام و كلمة من على ما في الأصل بيانية أو تبعيضية و على الرواية صلة أو بيانية و المنقمع على زنة المفعول من باب الانفعال موضع   الاختفاء كما في أكثر النسخ و في بعضها من باب التفعل بمعناه و الغيران جمع غار و هو ما ينحت في الجبل شبه المغارة فإذا اتسع قيل كهف و قيل الغار الجحر يأوي إليه الوحش أو كل مطمئن في الأرض أو المنخفض من الجبل. و البعوض البق و قيل صغارها و الواحدة بهاء و مختبأ البعوض موضع اختفائه و السوق جمع ساق و الألحية جمع اللحاء ككساء و هو قشر الشجر و غرزه في الأرض كضربه أدخله و ثبته و مغرز الأوراق موضع وصلها و الأفنان جمع فنن بالتحريك و هو الغصن و الحط الحدر من علو إلى سفل و الأمشاج قيل مفرد و قيل جمع مشج بالفتح أو بالتحريك أو مشيج على فعيل أي المختلط قيل في قوله تعالى مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ أي أخلاط من الطبائع من الحرارة و البرودة و الرطوبة و اليبوسة و قيل من الأجزاء المختلفة في الاستعداد و قيل أمشاج أي أطوار طورا نطفة و طورا علقة و هكذا و قيل أي أخلاط من ماء الرجل و ماء المرأة و سيأتي الكلام فيه و كلامه ع يؤيد بعض الوجوه الأولة كما لا يخفى. و المسارب المواضع التي ينسرب فيه المني أي يسيل أو ينسرب فيها المني أي يختفي من قولهم انسرب الوحشي إذا دخل في جحره و اختفى أو مجاري المني من السرب بمعنى الطريق و المراد أوعيتها من الأصلاب أو مجاريها و تفسير المسارب بالأخلاط التي يتولد منها المني كما احتمله ابن ميثم بعيد و المراد بمحط الأمشاج مقر النطفة من الرحم أو من الأصلاب على بعض الوجوه في المسارب فتكون كلمة من تبعيضية و لعل الأول أظهر. و الناشئة من السحاب أول ما ينشأ منه و لم يتكامل اجتماعه أو المرتفع منه و متلاحم الغيوم ما التصق منها بعضها ببعض و الدرور السيلان و القطر بالفتح

    المطر و الواحدة قطرة و السحائب جمع سحابة و متراكمها المجتمع المتكاثف منها و في بعض النسخ و تراكمها. و سفت الريح التراب تسفيه أي ذرته و رمت به أو حملته و الأعاصير جمع الإعصار و هو بالكسر الريح التي تهب صاعدا من الأرض نحو السماء كالعمود و قيل التي فيها نار و قيل التي فيها العصار و هو الغبار الشديد و ذيولها أطرافها التي تجرها على الأرض و لطف الاستعارة ظاهر و عفت الريح الأثر إذا طمسته و محته و عفي الأثر إذا انمحى يتعدى و لا يتعدى و العوم السباحة و سير السفينة و الإبل و بنات الأرض بتقديم الباء على ما في أكثر النسخ الحشرات و الهوام التي تكون في الرمال و غيرها كاللحكة و العصابة و غيرهما و حركتها في الرمال لعدم استقرارها تشبه السباحة و في بعض النسخ بتقديم النون فالمراد حركة عروقها في الرمال كأرجل السابحين و أيديهم في الماء و الكثبان بالضم جمع الكثيب و هو التل من الرمل و المستقر موضع الاستقرار و يحتمل المصدر. و ذروة الشي‏ء بالضم و الكسر أعلاه و غرد الطائر كفرح و غرد تغريدا رفع صوته و طرب به و ذوات المنطق من الطيور ما له صوت و غناء كان غيره أبكم لا يقدر على المنطق و الدياجير جمع ديجور و هو الظلام و المظلم و الإضافة على الثاني من إضافة الخاص إلى العام و الوكر بالفتح عش الطائر و ما أوعته الأصداف أي ما حفظته و جمعته من اللآلئ و الحضن بالكسر ما دون الإبط إلى الكشح أو الصدر أو العضدان و ما بينهما و حضن الصبي كنصر جعله في حضنه و ما حضنته الأمواج العنبر و المسك و غيرهما و ما غشيته أي غطته و السدفة بالضم الظلمة و ذرت الشمس أي طلعت و شرقت الشمس و أشرقت أي أضاءت و ما اعتقبت أي تعاقبت و جاءت واحدة بعد أخرى و الأطباق جمع طبق بالتحريك و هو غطاء كل شي‏ء و تارات الظلمة تستر الأشياء كالأغطية و سبحات النور مرآته و سبحات وجه   الله أنواره. و قال ابن أبي الحديد ليس يعني بالسبحات هاهنا ما يعني به في قوله سبحات وجه ربنا لأنه هناك بمعنى الجلالة و هاهنا بمعنى ما يسبح عليه النور أي يجري من سبح الفرس و هو جريه و المتعاقبان النور و الظلمة أي ما تغطيه ظلمة بعد نور و نور بعد ظلمة و يحتمل أن يراد تعاقب أفراد كل منهما و أثر القدم علامته التي تبقى في الأرض و الخطوة المشية و الحس الصوت الخفي و رجع الكلمة ما ترجع به من الكلام إلى نفسك و تردده في فكرك أو جواب الكلمة أو ترديد الصوت و ترجيعه عند التلفظ بالكلمة أو إرجاع النفس للتلفظ بكلمة بعد الوقف على كلمة و الرجع يكون لازما و متعديا و النسمة محركة الإنسان أو كل دابة فيها روح و مستقر النسمة إما الصلب أو الرحم أو القبر أو مكانه في الدنيا أو في الآخرة أو الأعم و مثقال الذرة وزنها لا المثقال المعروف كما قال تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ و الهمهمة الصوت الخفي أو ترديد الصوت في الحلق أو تردد الصوت في الصدر من الهم كل نفس هامة أي ذات همة تعزم على أمر و الوصف للتعميم و ما عليها أي على الأرض بقرينة المقام كقوله تعالى كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ و النطفة ماء الرجل و الماء الصافي قل أو كثر و يطلق على قليل ماء في دلو أو قربة و الأول أظهر في المقام و قرارتها موضعها الذي تستقر فيه و أصل القرارة المطمئن من الأرض يستقر فيه ماء المطر و جمعها القرار و نقاعة كل شي‏ء بالضم الماء الذي ينقع فيه. و قال الشراح النقاعة نقرة يجتمع فيها الدم و المضغة بالضم القطعة من اللحم قدر ما يمضغ و ناشئة الخلق الصورة ينشئها سبحانه في البدن أو الروح التي ينفخها فيه و السلالة بالضم ما استل و استخرج من شي‏ء و في الكلام إشارة إلى قوله سبحانه وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ إلى قوله ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ

    ثم الغرض من ذكره هذه الأشياء التنصيص على عموم علمه سبحانه مع الإشارة إلى أصناف خلقه و أنواع بريته و عجائب ربوبيته فإن الدليل على علمه بها خلقه لها و حفظه و تربيته لكل منها و إظهار بدائع الحكمة في كل صفة من أوصافها و حال من أحوالها كما قال سبحانه أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ. لم يلحقه في ذلك المشار إليه إما العلم بالجزئيات المذكورة و إما خلق الإشارة المذكورة قبل تفصيل المعلومات أو فيها أيضا كما قلنا إن الغرض ليس محض تعلق العلق بها كلفة أي مشقة و لا اعترضته أي منعته و العارضة ما يستقبلك من شي‏ء يمنعك عن مسيرك و لا اعتورته قيل اعتورته أحاطت به و في اللغة اعتوروا الشي‏ء أي تداولوه و تناوبوه و في تنفيذ الأمور أي إجرائها و إمضائها و التدبير النظر في عاقبة الأمر أو الفعل عن روية و المراد هنا إمضاء الأمور على وفق المصلحة و العلم بالعواقب و الملالة السأمة و الضجر و فتر عن العمل انكسر حدته و لان بعد شدته بل نفذ فيهم علمه أي أحاط علمه بظواهرهم و بواطنهم و في بعض النسخ نفذهم على الحذف و الإيصال و العد مصدر عددته و في بعض النسخ عدده و غمرهم أي غطاهم و سترهم و شملهم فضله و كنه الشي‏ء نهايته و حقيقته و الوصف الجميل ذكر الفضائل و التعداد بالفتح مصدر للمبالغة و التكثير و قال الكوفيون أصله التفعيل الذي يفيد المبالغة قلبت ياؤه ألفا و بالكسر شاذ و الأمل ضد اليأس و خير خبر مبتدإ محذوف و كذلك أكرم و البسط النشر و التوسيع و كلمة في إما زائدة أو للظرفية المجازية و المفعول محذوف أي بسطت لي القدرة أو الكلام فيما لا أمدح به غيرك و الغرض شكره سبحانه على فضيلة البلاغة و العلم به سبحانه و مدائحه و التوفيق على قصر المدح على الله جل شأنه و الخيبة الحرمان و المخلوقون هم معادنها لأن عطاياهم قليلة فانية مع أنهم لا يعطون غالبا و هم مواضع الريبة أي التهمة و الشك لعدم الوثوق بإعطائهم و عدم الاعتماد عليهم في رعاية مصلحة في المنع و الله سبحانه لا يمنع إلا لمصلحة   تعود إلى السائل و يدخر مع ذلك له أضعاف ما سأل في الدار الباقية. و المثوبة الثواب و الجزاء المكافأة على الشي‏ء و العارفة الإحسان دليلا على ذخائر الرحمة أي هاديا إلى أسبابها بالتوفيق و التأييد و ذخائر الرحمة عظائم العطايا و أصل الذخيرة المختار من كل شي‏ء أو ما يعده الرجل ليوم حاجته و هذا مقام اسم مكان و يحتمل المصدر و المحمدة بفتح العين و كسرها مصدر حمده كسمعه و الفاقة الفقر و الجبر في الأصل إصلاح العظم المكسور و المسكنة الخضوع و الذلة و قلة المال و سوء الحال و نعشه رفعه و الخلة بالفتح الفقر و الحاجة و ضميرا مسكنتها و خلتها راجعان إلى الفاقة و في الإضافة توسع و المن العطاء و مد الأيدي كناية عن الطلب و إظهار الحاجة و القدير مبالغة في القادر. و إنما بسطنا الكلام بعض البسط في شرح هذه الخطبة لكونها من جلائل الخطب و ذكرنا جميعها لذلك و لكون أكثرها متعلقا بمطالب هذا المجلد و تفريقها على الأبواب كان يوجب تفويت نظام البلاغة و كمالها كما فوت السيد ره كثيرا من فوائد الخطبة باختصارها و اختيارها و أما دلالتها على حدوث السماء و الأرض و الملائكة و غير ذلك فغير خفي على المتأمل فيها

91-  الكافي، عن محمد بن علي بن معمر عن محمد بن علي عن عبد الله بن أيوب الأشعري عن عمرو الأوزاعي عن عمرو بن شمر عن سلمة بن كهيل   عن أبي الهيثم بن التيهان أن أمير المؤمنين ع خطب الناس بالمدينة فقال الحمد لله الذي لا إله إلا هو كان حيا بلا كيف و لم يكن له كان إلى قوله و لا قوي بعد ما كون شيئا و لا كان ضعيفا قبل أن يكون شيئا و لا كان مستوحشا قبل أن يبتدع شيئا و لا يشبه شيئا و لا كان خلوا من الملك قبل إنشائه و لا يكون خلوا منه بعد ذهابه كان إلها حيا بلا حياة و مالكا قبل أن يكون ينشئ شيئا و مالكا بعد إنشائه للكون

 و منه عن محمد بن يحيى عن أحمد بن موسى عن الحسين بن سعيد عن القاسم بن محمد عن علي بن أبي حمزة عن أبي بصير عن أبي جعفر ع مثله التوحيد، عن أحمد بن محمد بن يحيى عن أبيه مثله بيان و لم يكن له كان ظاهره نفي الزمان عنه تعالى و إن احتمل أن يكون كان اسما بمعنى الكون على لغة من يقلب الواو و الياء الساكنين أيضا مع انفتاح ما قبلهما ألفا ثم لا يخفى دلالة سائر الفقرات على حدوث ما سواه سبحانه قوله و لا كان خلوا من الملك قبل إنشائه الملك يكون بمعنى السلطنة و بمعنى المملكة فيحتمل أن يكون المراد عند ذكره أولا و عند إرجاع الضمير إليه ثانيا هو المعنى الأول أو في الأول الأول و في الثاني الثاني على طريقة الاستخدام و يكون الضمير راجعا إلى الله بالإضافة إلى الفاعل و لا يلائم الأخير الفقرة التالية

92-  الكافي، عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن محبوب عن محمد بن   النعمان أو غيره عن أبي عبد الله ع أنه ذكر هذه الخطبة لأمير المؤمنين ع يوم الجمعة الحمد لله أهل الحمد و وليه و منتهى الحمد و محله البدي‏ء البديع إلى قوله الذي كان في أوليته متقادما و في ديموميته متسيطرا خضع الخلائق لوحدانيته و ربوبيته و قديم أزليته و دانوا لدوام أبديته

 بيان المتسيطر المتسلط

93-  الكافي، عن عدة من أصحابه عن أحمد بن محمد بن خالد عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن أبي الحسن الموصلي عن أبي عبد الله ع قال جاء حبر من الأحبار إلى أمير المؤمنين ع فقال يا أمير المؤمنين متى كان ربك فقال له ثكلتك أمك و متى لم يكن حتى يقال متى كان كان ربي قبل القبل بلا قبل و بعد البعد بلا بعد و لا غاية و لا منتهى لغايته انقطعت الغايات عنده فهو منتهى كل غاية

94-  و منه، عن علي بن محمد رفعه عن زرارة قال قلت لأبي جعفر ع كان الله و لا شي‏ء قال نعم كان و لا شي‏ء قلت فأين كان يكون قال و كان متكئا فاستوى جالسا و قال أحلت يا زرارة و سألت عن المكان إذ لا مكان

    بيان أحلت أي تكلمت بالمحال

95-  الكافي، عن محمد بن الحسن عن سهل بن زياد عن محمد بن إسماعيل عن محمد بن زيد قال جئت إلى الرضا ع أسأله عن التوحيد فأملى علي الحمد لله فاطر الأشياء إنشاء و مبتدعها ابتداء بقدرته و حكمته لا من شي‏ء فيبطل الاختراع و لا لعلة فلا يصح الابتداع الخبر

 العلل، عن محمد بن علي ماجيلويه عن محمد بن يحيى العطار عن سهل مثله التوحيد، عن محمد بن الحسن عن الصفار عن سهل مثله

96-  الكافي، عن علي بن إبراهيم عن محمد بن خالد الطيالسي عن صفوان عن ابن مسكان عن أبي بصير قال سمعت أبا عبد الله ع يقول لم يزل الله عز و جل ربنا و العلم ذاته و لا معلوم و السمع ذاته و لا مسموع و البصر ذاته و لا مبصر و القدرة ذاته و لا مقدور فلما أحدث الأشياء وقع العلم منه على المعلوم و السمع على المسموع و البصر على المبصر و القدرة على المقدور قال قلت فلم يزل الله متحركا قال فقال تعالى الله عن ذلك إن الحركة صفة محدثة بالفعل قال قلت فلم يزل الله متكلما قال فقال إن الكلام صفة محدثة ليست بأزلية كان الله عز و جل و لا متكلم

 التوحيد، عن محمد بن علي ماجيلويه عن علي بن إبراهيم مثله

97-  الكافي، عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن ابن أبي عمير عن   هشام بن سالم عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر ع قال سمعته يقول كان الله و لا شي‏ء غيره و لم يزل عالما فعلمه به قبل كونه كعلمه به بعد كونه

98-  و منه، عن محمد بن يحيى عن سعد بن عبد الله عن محمد بن عيسى عن أيوب بن نوح أنه كتب إلى أبي الحسن ع يسأله عن الله عز و جل أ كان يعلم الأشياء قبل أن خلق الأشياء و كونها أو لم يعلم ذلك حتى خلقها و أراد خلقها و تكوينها فعلم ما خلق عند ما خلق و ما كون عند ما كون فوقع بخطه ع لم يزل الله عالما بالأشياء قبل أن يخلق الأشياء كعلمه بالأشياء بعد ما خلق الأشياء

 التوحيد، عن أحمد بن محمد بن يحيى عن أبيه مثله

99-  الكافي، عن علي بن محمد عن سهل بن زياد عن جعفر بن محمد بن حمزة قال كتبت إلى الرجل ع أسأله أن مواليك اختلفوا في العلم فقال بعضهم لم يزل الله عالما قبل فعل الأشياء و قال بعضهم لا نقول لم يزل عالما لأن معنى يعلم يفعل فإن أثبتنا العلم فقد أثبتنا في الأزل معه شيئا فإن رأيت جعلني الله فداك أن تعلمني من ذلك ما أقف عليه و لا أجوزه فكتب ع بخطه لم يزل الله تعالى عالما تبارك و تعالى ذكره

 بيان قد مر شرح هذا الخبر و يدل زائدا على ما سبق في الأخبار على أنه كان معلوما عند الأصحاب أنه لا يجوز أن يكون شي‏ء مع الله في الأزل و لما توهموا   أن العلم يستلزم حصول صورة نفوا العلم في الأزل لئلا يكون معه تعالى غيره قياسا على الشاهد فلم يتعرض ع لإبطال توهمهم و أثبت العلم القديم له تعالى و بالجملة هذه الأخبار صريحة في أن المخلوقات كلها مسبوقة بعدم يعلمها سبحانه في حال عدمها

100-  الكافي، عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن الحسين بن سعيد عن القاسم بن محمد عن عبد الصمد بن بشير عن فضيل سكرة قال قلت لأبي جعفر ع جعلت فداك إن رأيت أن تعلمني هل كان الله جل وجهه يعلم قبل أن يخلق الخلق أنه وحده فقد اختلف مواليك فقال بعضهم قد كان يعلم قبل أن يخلق شيئا من خلقه و قال بعضهم إنما معنى يعلم يفعل فهو اليوم يعلم أنه لا غيره قبل فعل الأشياء فقالوا إن أثبتنا أنه لم يزل عالما بأنه لا غيره فقد أثبتنا معه غيره في أزليته فإن رأيت يا سيدي أن تعلمني ما لا أعدوه إلى غيره فكتب ما زال الله عالما تبارك و تعالى ذكره

 التوحيد، عن أحمد بن محمد بن يحيى العطار عن أبيه مثله

101-  الكافي، عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن الحسين بن سعيد عن النضر بن سويد عن عاصم بن حميد عن أبي عبد الله ع قال قلت لم يزل الله مريدا قال إن المريد لا يكون إلا لمراد معه لم يزل الله عالما قادرا ثم أراد

102-  و منه، عن أحمد بن إدريس عن الحسين بن عبد الله عن محمد بن عبد الله و موسى بن عمرو و الحسن بن علي بن عثمان عن ابن سنان قال سألت أبا الحسن   الرضا ع هل كان الله عز و جل عارفا بنفسه قبل أن يخلق الخلق قال نعم قلت يراها و يسمعها قال ما كان محتاجا إلى ذلك لأنه لم يكن يسألها و لا يطلب منها هو نفسه و نفسه هو قدرته نافذة فليس يحتاج أن يسمي نفسه لكن اختار لنفسه أسماء لغيره يدعوه بها الخبر

 التوحيد، و العيون، و معاني الأخبار، عن أبيه عن أحمد بن إدريس مثله

103-  الكافي، محمد بن يحيى و محمد بن عبد الله جميعا رفعاه إلى أبي عبد الله ع أن أمير المؤمنين ع قام خطيبا فقال الحمد لله الواحد الأحد الصمد المتفرد الذي لا من شي‏ء كان و لا من شي‏ء خلق ما كان إلى قوله و لم يتكأده صنع شي‏ء كان إنما قال لما شاء كن فكان ابتدع ما خلق بلا مثال سبق و لا تعب و لا نصب و كل صانع شي‏ء فمن شي‏ء صنع و الله لا من شي‏ء صنع ما خلق و كل عالم فمن بعد جهل تعلم و الله لم يجهل و لم يتعلم أحاط بالأشياء علما قبل كونها فلم يزدد بكونها علما علمه قبل أن يكونها كعلمه بها بعد تكوينها إلى قوله الواحد الأحد الصمد المبيد للأبد و الوارث للأمد الذي لم يزل و لا يزال وحدانيا أزليا قبل بدء الدهور و بعد صروف الأمور الخبر

 ثم قال الكليني ره هذه الخطبة من مشهورات خطبه ع حتى لقد ابتذلها   العامة و هي كافية لمن طلب علم التوحيد إذا تدبرها و فهم ما فيها إلى أن قال أ لا ترون إلى قوله لا من شي‏ء كان و لا من شي‏ء خلق ما كان فنفى بقوله لا من شي‏ء كان معنى الحدوث و كيف أوقع على ما خلقه صفة الخلق و الاختراع بلا أصل و لا مثال نفيا لقول من قال إن الأشياء كلها محدثة بعضها من بعض و إبطالا لقول الثنوية الذين زعموا أنه لا يحدث شيئا إلا من أصل و لا يدبر إلا باحتذاء المثال فدفع ع بقوله لا من شي‏ء خلق ما كان جميع حجج الثنوية و شبههم لأن أكثر ما تعتمد الثنوية في حدوث العالم أن يقولوا لا يخلو من أن يكون الخالق خلق الأشياء من شي‏ء أو من لا شي‏ء فقولهم من شي‏ء خطأ و قولهم من لا شي‏ء مناقضة و إحالة لأن من يوجب شيئا و لا شي‏ء ينفيه فأخرج أمير المؤمنين ع هذه اللفظة على أبلغ الألفاظ و أصحها و قال ع لا من شي‏ء خلق ما كان فنفى من إذ كانت توجب شيئا و نفى الشي‏ء إذ كان كل شي‏ء مخلوقا محدثا لا من أصل أحدثه الخالق كما قالت الثنوية إنه خلق من أصل قديم فلا يكون تدبير إلا باحتذاء مثال التوحيد، عن علي بن أحمد الدقاق عن محمد الأسدي و أحمد بن يحيى بن زكريا القطان عن بكر بن عبد الله بن حبيب عن تميم بن بهلول عن أبيه عن أبي معاوية عن الحصين بن عبد الرحمن عن أبيه و عن أحمد بن محمد بن الصقر عن محمد بن العباس بن بسام عن سعيد بن محمد البصري عن عمرة بنت أوس عن الحصين بن عبد الرحمن عن أبيه عن الصادق ع عن آبائه ع مثله

104-  الكافي، و عنه عن محمد بن أبي عبد الله رفعه عن أبي عبد الله ع قال قال أمير المؤمنين ع لذعلب إن ربي لطيف اللطافة لا يوصف باللطف قبل كل شي‏ء لا يقال شي‏ء قبله إلى قوله لا تحويه الأماكن و لا تضمنه الأوقات إلى قوله   سبق الأوقات كونه و العدم وجوده و الابتداء أزله إلى قوله ففرق بين قبل و بعد ليعلم أن لا قبل له و لا بعد له و شاهده بغرائزها أن لا غريزة لمغرزها مخبرة بتوقيتها أن لا وقت لموقتها حجب بعضها عن بعض ليعلم أن لا حجاب بينه و بين خلقه كان ربا إذ لا مربوب و إلها إذ لا مألوه و عالما إذ لا معلوم و سميعا إذ لا مسموع

 بيان ظاهر قوله ع ففرق بين قبل و بعد أنه سبحانه ليس بزماني أصلا و يحتمل أن يكون المعنى جعل حدوث كل شي‏ء منوطا بوقت ليعلم أنه لا ابتداء لوجوده أو جعل الأشياء بعضها علة لبعض ليعلم أن لا علة له و هما بعيدان و الأخير أبعد و كذا قوله أن لا وقت لموقتها ظاهره نفي الزمان و إن احتمل الوجه الثاني و كذا قوله أولا لا تضمنه الأوقات يدل على ذلك و إن احتمل أن يراد به لم يكن قبله و بعده زمان فيكون قد تضمنه و قد مر الكلام في قوله سبق الأوقات كونه و دلالة سائر الفقرات على حدوث ما سواه سبحانه ظاهرة

105-  الكافي، عن علي بن محمد عن سهل بن زياد عن شباب الصيرفي عن علي بن سيف بن عميرة عن إسماعيل بن قتيبة عن أبي عبد الله ع قال خطب أمير المؤمنين ع الناس بالكوفة فقال الحمد لله الملهم عباده حمده و فاطرهم على معرفة ربوبيته الدال على وجوده بخلقه و بحدوث خلقه على أزله إلى قوله و لا أمد لكونه و لا غاية لبقائه

106-  قال و رواه محمد بن الحسين عن صالح بن حمزة عن فتح بن عبد الله مولى بني هاشم قال كتبت إلى أبي إبراهيم ع أسأله عن شي‏ء من التوحيد فكتب إلي بخطه الحمد لله الملهم عباده حمده و ذكر مثل ما رواه سهل إلى قوله أول الديانة معرفته و كمال معرفته توحيده و كمال توحيده نفي الصفات عنه بشهادة كل صفة أنها غير الموصوف و شهادة الموصوف أنه غير الصفة و شهادتهما جميعا بالتثنية الممتنع منه الأزل إلى قوله عالم إذ لا معلوم و خالق إذ لا مخلوق   و رب إذ لا مربوب و كذلك يوصف ربنا و فوق ما يصفه الواصفون

 التوحيد، عن علي بن أحمد الدقاق عن محمد بن جعفر الأسدي عن محمد بن إسماعيل البرمكي عن علي بن عباس عن جعفر بن محمد الأشعري عن فتح بن يزيد الجرجاني عن الرضا ع مثله

107-  الكافي، عن عدة من أصحابه عن أحمد بن محمد بن خالد عن أبيه عن أحمد بن النضر و غيره عمن ذكره عن عمرو بن ثابت عن رجل سماه عن أبي إسحاق السبيعي عن الحارث الأعور قال خطب أمير المؤمنين ع فقال الحمد لله الذي لا يموت و لا تنقضي عجائبه لأنه كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ من إحداث بديع لم يكن إلى قوله ليست له في أوليته نهاية و لا لآخريته حد و لا غاية الذي لم يسبقه وقت و لم يتقدمه زمان إلى قوله الأول قبل كل شي‏ء و لا قبل له و الآخر بعد كل شي‏ء و لا بعد له إلى قوله أتقن ما أراد خلقه من الأشباح كلها لا بمثال سبق إليه و لا لغوب دخل عليه في خلق ما خلق لديه ابتدأ ما   أراد ابتداءه و أنشأ ما أراد إنشاءه على ما أراد من الثقلين ليعرفوا بذلك ربوبيته الخطبة

 التوحيد، عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد بن خالد مثله

108-  تفسير الفرات، عن جعفر بن محمد الفزاري بإسناده عن قبيصة الجعفي قال دخلت على الصادق ع و عنده جماعة فسلمت و جلست و قلت أين كنتم قبل أن يخلق الله سماء مبنية و أرضا مدحية أو ظلمة أو نورا قال يا قبيصة كنا أشباح نور حول العرش نسبح الله قبل أن يخلق آدم بخمسة عشر ألف عام الخبر

109-  كتاب تأويل الآيات، نقل من كتاب المعراج للصدوق ره بإسناده عن ابن عباس قال سمعت رسول الله ص يخاطب عليا ع يا علي إن الله تبارك و تعالى كان و لا شي‏ء معه فخلقني و خلقك زوجين من نور جلاله فكنا أمام عرش رب العالمين نسبح الله و نقدسه و نحمده و نهلله و ذلك قبل أن يخلق السماوات و الأرضين الخبر

110-  كتاب المقتضب، عن سلمان الفارسي ره قال قال رسول الله ص يا سلمان خلقني الله من صفاء نوره فدعاني فأطعته فخلق من نوري عليا فدعاه فأطاعه فخلق من نوري و نور علي فاطمة فدعاها فأطاعته فخلق مني و من   علي و من فاطمة الحسن و الحسين فدعاهما فأطاعاه ثم خلق من نور الحسين تسعة أئمة فدعاهم فأطاعوه قبل أن يخلق الله سماء مبنية أو أرضا مدحية أو هواء أو ماء أو ملكا أو بشرا و كنا بعلمه أنوارا نسبحه و نسمع له و نطيع الخبر

 الاختصاص، بإسناده إلى سلمان مثله

111-  كتاب رياض الجنان، لفضل الله الفارسي بإسناده عن أنس قال قال رسول الله ص خلقنا الله نحن حيث لا سماء مبنية و لا أرض مدحية و لا عرش و لا جنة و لا نار كنا نسبحه الخبر

112-  و بإسناده إلى جابر الجعفي عن أبي جعفر ع قال قال يا جابر كان الله و لا شي‏ء غيره و لا معلوم و لا مجهول فأول ما ابتدأ من خلق خلقه أن خلق محمدا ص و خلقنا أهل البيت معه من نور عظمته فأوقفنا أظلة خضراء بين يديه حيث لا سماء و لا أرض و لا مكان و لا ليل و لا نهار و لا شمس و لا قمر يفصل نورنا من نور ربنا كشعاع الشمس من الشمس نسبح الله و نقدسه و نحمده و نعبده حق عبادته ثم بدا لله أن يخلق المكان فخلقه و كتب على المكان لا إله إلا الله محمد رسول الله علي أمير المؤمنين و وصيه به أيدته و نصرته ثم خلق الله العرش فكتب على سرادقات العرش مثل ذلك ثم خلق الله السماوات فكتب على أطرافها مثل ذلك ثم خلق الجنة و النار فكتب عليهما مثل ذلك ثم خلق الملائكة فأسكنهم السماء ثم خلق الهواء فكتب عليه مثل ذلك ثم خلق الجن فأسكنهم الهواء ثم خلق الأرض فكتب على أطرافها مثل ذلك فبذلك يا جابر قامت السماوات بغير عمد و ثبتت الأرض ثم خلق الله آدم من أديم الأرض ثم ساق الحديث الطويل إلى قوله فنحن أول خلق الله و أول خلق عبد الله و سبحه و نحن سبب الخلق و سبب تسبيحهم و عبادتهم من الملائكة و الآدميين تمام الخبر

    -113  و بإسناده عن المفضل أنه سأل الصادق ع ما كنتم قبل أن يخلق الله السماوات و الأرضين قال كنا أنوارا حول العرش نسبح الله و نقدسه حتى خلق الله سبحانه الملائكة الخبر

114-  و عن أحمد بن حنبل عن رسول الله ص أنه قال كنت أنا و علي نورا بين يدي الرحمن قبل أن يخلق عرشه بأربعة عشر ألف عام

115-  و بإسناده إلى الصدوق و بإسناده إلى عبد الله بن المبارك عن جعفر بن محمد عن آبائه ع قال قال أمير المؤمنين ع إن الله خلق نور محمد ص قبل المخلوقات بأربعة عشر ألف سنة و خلق معه اثني عشر حجابا

116-  و بإسناده عن جابر بن عبد الله قال قلت لرسول الله ص أول شي‏ء خلق الله تعالى ما هو فقال نور نبيك يا جابر خلقه الله ثم خلق منه كل خير الخبر بطوله

117-  و عن جابر قال قال رسول الله ص أول ما خلق الله نوري ففتق منه نور علي ثم خلق العرش و اللوح و الشمس و ضوء النهار و نور الأبصار و العقل و المعرفة الخبر

    -118  كتاب الوصية للمسعودي بإسناده عن أمير المؤمنين ع قال خطب فقال الحمد لله الذي توحد بصنع الأشياء و فطر أجناس البرايا على غير أصل و لا مثال سبقه في إنشائها و لا أعانه معين على ابتدائها بل ابتدعها بلطف قدرته فامتثلت بمشيته خاضعة ذليلة مستحدثة لأمره الواحد الأحد الدائم بغير حد و لا أمد و لا زوال و لا نفاد و كذلك لم يزل و لا يزال لا تغيره الأزمنة و لا تحيط به الأمكنة و لا تبلغ صفاته الألسنة و لا يأخذه نوم و لا سنة لم تره العيون فتخبر عنه برؤية و لم تهجم عليه العقول فتوهم كنه صفته و لم تدر كيف هو إلا بما أخبر عن نفسه ليس لقضائه مرد و لا لقوله مكذب ابتدع الأشياء بغير تفكر و لا معين و لا ظهير و لا وزير فطرها بقدرته و صيرها إلى مشيته فصاغ أشباحها و برأ أرواحها و استنبط أجناسها خلقا مبروءا مذروءا في أقطار السماوات و الأرضين لم يأت بشي‏ء على غير ما أراد أن يأتي عليه ليري عباده آيات جلاله و آلائه فسبحانه لا إله إلا هو الواحد القهار و صلى الله على محمد و آله و سلم تسليما اللهم فمن جهل فضل محمد ص فإني مقر بأنك لا سطحت أرضا و لا برأت خلقا حتى أحكمت خلقه من نور سبقت به السلالة و أنشأت له آدم جزما فأدعته منه قرارا مكينا و مستودعا مأمونا إلى آخر الخطبة الطويلة

119-  الكافي، عن عدة من أصحابه عن أحمد بن محمد بن خالد عن أبيه عن ابن أبي عمير عن ابن أذينة عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله ع قال   المشية محدثة

 بيان إذا كانت المشية محدثة و جميع الأشياء موجودة بالمشية فهي أولى بالحدوث

120-  المتهجد، في دعاء يوم الأحد أنت الله الحي الأول الكائن قبل جميع الأمور و المكون لها بقدرتك و العالم بمصادرها كيف تكون أنت الذي سموت بعرشك في الهواء لعلو مكانك و سددت الأبصار عنه بتلألؤ نورك و احتجبت عنهم بعظيم ملكك و توحدت فوق عرشك بقهرك و سلطانك ثم دعوت السماوات إلى طاعة أمرك فأجبن مذعنات إلى دعوتك و استقرت على غير عمد من خيفتك و زينتها للناظرين و أسكنتها العباد المسبحين و فتقت الأرضين فسطحتها لمن فيها مهادا و أرسيتها بالجبال أوتادا فرسخ سخنها في الثرى و علت ذراها في الهواء فاستقرت على الرواسي الشامخات و زينتها بالنبات و خففت عنها بالإحياء و الأموات إلى آخر الدعاء

121-  و في دعاء ليلة الإثنين و علوت بعرشك على العالمين و أعمرت سماواتك بالملائكة المقربين و علمت تسبيحك الأولين و الآخرين و انقادت لك الدنيا و الآخرة بأزمتها و حفظت السماوات و الأرض بمقاليدهما و أذعنت لك بالطاعة و من فوقها و أبت حمل الأمانة من شفقتها و قامت بكلماتك في قرارها و استقام   البحران مكانهما و اختلف الليل و النهار كما أمرتهما و أحصيت كل شي‏ء منهما عددا و أحطت بهما علما خالق الخلق و مصطفيه و مهيمنه و منشئه و بارئه و ذارئه أنت كنت وحدك لا شريك لك إلها واحدا و كان عرشك على الماء من قبل أن تكون أرض و لا سماء و لا شي‏ء مما خلقت فيهما بعزتك كنت تدعى بديعا مبتدعا كينونا كائنا مكونا كما سميت نفسك ابتدأت الخلق بعظمتك و دبرت أمورهم بعلمك إلى آخر الدعاء

122-  و في دعاء ليلة الثلاثاء يجول حول أركان عرشك النور و الوقار من قبل أن تخلق السماوات و الأرض و كان عرشك على الماء و كرسيك يتوقد نورا و سرادقك سرادق النور و العظمة و الإكليل المحيط به هيكل السلطان و العزة و المدحة لا إله إلا أنت رب العرش العظيم إلى آخر الدعاء

123-  و في دعاء ليلة الخميس خلقت خلقك فكل مشيتك أتتك بلا لغوب و كان عرشك على الماء و الظلمة على الهواء و الملائكة يحملون عرشك عرش النور و الكرامة يسبحون بحمدك إلى قوله كنت قبل جميع خلقك

124-  الإقبال، في دعاء ليلة إحدى و عشرين من شهر رمضان لا إله إلا الله مدبر الأمور و مصرف الدهور و خالق الأشياء جميعا بحكمته دالة على أزليته و قدمه الدعاء

125-  و في وداع شهر رمضان نقلا من كتب الدعوات الحمد لله الذي لا يدرك العلماء علمه إلى قوله خلق خلقه من غير أصل و لا مثال بلا تعب و لا نصب و لا تعليم و رفع السماوات الموطودات بلا أصحاب و لا أعوان و بسط الأرض على الماء بغير   أركان علم بغير تعليم و خلق بلا مثال علمه بخلقه قبل أن يكونهم كعلمه بهم بعد تكوينه لهم إلى قوله الحمد لله الذي كان إذ لم تكن أرض مدحية و لا سماء مبنية و لا جبال مرسية و لا شمس تجري و لا قمر يسري و لا ليل يدجى و لا نهار يضحى إلى آخر الدعاء

126-  و بإسناده عن التلعكبري بإسناده إلى أيامن بن سلمة عن أبيه عن أبي عبد الله ع في دعاء يوم عرفة أنت الكائن قبل كل شي‏ء و المكون لكل شي‏ء إلى قوله الحمد لله الذي كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ حين لا شمس تضي‏ء و لا قمر يسري و لا بحر يجري و لا رياح تذري و لا سماء مبنية و لا أرض مدحية و لا ليل يجن و لا نهار يكن و لا عين تنبع و لا صوت يسمع و لا جبل مرسى و لا سحاب منشأ و لا إنس مبروء و لا جن مذروء و لا ملك كريم و لا شيطان رجيم و لا ظل ممدود و لا شي‏ء معدود

 و في دعاء آخر ليوم عرفة و لك الحمد قبل أن تخلق شيئا من خلقك و على بدء ما خلقت إلى انقضاء خلقك

128-  و في دعاء الأضحى برواية مرسلة و أنت البديع قبل كل شي‏ء

 بيان و لا نهار يكن بضم الياء و كسر الكاف أي يدعو إلى الكن لحرارة الشمس في الصحاح كننت الشي‏ء سترته و صنته من الشمس أو بفتح الكاف أي يستر بظلمة الليل أو بفتح الياء و كسر الكاف أي يستر الناس بضوئه كأنه لباس لهم لإحاطته بهم و الكنة بالكسر البياض أيضا أو بتخفيف النون من الوكن و هو السير الشديد أو من وكن الطائر ببيضه يكنه أي حضنه و لا يخلو أكثرها من بعد

    -129  البلد الأمين، من أدعية الأسبوع للسجاد ع الحمد لله الأول قبل الأشياء و الأحياء

130-  و عن أمير المؤمنين ع الحمد لله الذي لا من شي‏ء كان و لا من شي‏ء كون ما كان مستشهدا بحدوث الأشياء على أزليته و بفطورها على قدمته كفى بإتقان الصنع له آية و بحدوث الفطر عليه قدمة

131-  و في دعاء ليلة السبت الأول الكائن و لم يكن شي‏ء من خلقك أو يعاين شي‏ء من ملكك إلى قوله خلقت السماوات و الأرض فراشا و بناء فسويت السماء منزلا رضيته لجلالك و وقارك و عزتك و سلطانك ثم جعلت فيها كرسيك و عرشك إلى قوله و أنت الله الحي قبل كل شي‏ء و القديم قبل كل قديم

132-  المهج، ]مهج الدعوات[ و البلد، عن الكاظم ع كنت إذ لم تكن شي‏ء و كان عرشك على الماء إذ لا سماء مبنية و لا أرض مدحية و لا شمس تضي‏ء و لا قمر يجري و لا كوكب دري و لا نجم يسري و لا سحابة منشأة و لا دين معلومة و لا آخره مفهومة و تبقى وحدك كما كنت وحدك علمت ما كان قبل أن يكون

133-  الخصال، و معاني الأخبار، بإسناده المتصل إلى سفيان الثوري عن الصادق عن آبائه عن علي ع قال إن الله تبارك و تعالى خلق نور محمد قبل أن يخلق السماوات و الأرض و العرش و الكرسي و اللوح و القلم و الجنة و النار قبل أن يخلق آدم و نوحا و إبراهيم و إسماعيل و إسحاق و يعقوب و موسى و عيسى و داود و سليمان و قبل أن يخلق الأنبياء كلهم بأربعمائة ألف سنة و أربع و عشرين ألف سنة إلى آخر الخبر

134-  العلل، للصدوق بإسناده إلى معاذ بن جبل أن رسول الله ص قال إن الله خلقني و عليا و فاطمة و الحسن و الحسين قبل أن يخلق الدنيا بسبعة   آلاف عام قلت فأين كنتم يا رسول الله قال قدام العرش نسبح الله و نحمده و نقدسه و نمجده قلت على أي مثال قال أشباح نور الخبر

135-  تفسير فرات بن إبراهيم، بإسناده عن أبي ذر ره في خبر طويل في وصف المعراج ساقه إلى أن قال قلت يا ملائكة ربي هل تعرفونا حق معرفتنا فقالوا يا نبي الله و كيف لا نعرفكم و أنتم أول ما خلق الله خلقكم أشباح نور من نوره و جعل لكم مقاعد في ملكوت سلطانه و عرشه على الماء قبل أن تكون السماء مبنية و الأرض مدحية ثم خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثم رفع العرش إلى السماء السابعة فاستوى على عرشه و أنتم أمام عرشه تسبحون و تقدسون و تكبرون ثم خلق الملائكة من بدو ما أراد من أنوار شتى الخبر

136-  النهج، ]نهج البلاغة[ فمن خطبة له ع يذكر فيه ابتداء خلق السماوات و الأرض و خلق آدم ع الحمد لله الذي لا يبلغ مدحته القائلون و لا يحصي نعمه العادون و لا يؤدي حقه المجتهدون الذي لا يدركه بعد الهمم و لا يناله غوص الفتن الذي ليس لصفته حد محدود و لا نعت موجود و لا وقت معدود و لا أجل ممدود فطر الخلائق بقدرته و نشر الرياح برحمته و وتد بالصخور ميدان أرضه أول الدين معرفته و كمال معرفته التصديق به و كمال التصديق به توحيده و كمال توحيده الإخلاص له و كمال الإخلاص له نفي الصفات عنه لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف و شهادة كل موصوف أنه غير الصفة فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه و من قرنه فقد ثناه و من ثناه فقد جزأه و من جزأه فقد جهله و من   أشار إليه فقد حده و من حده فقد عده و من قال فيم فقد ضمنه و من قال علام فقد أخلى منه كائن لا عن حدث موجود لا عن عدم مع كل شي‏ء لا بمقارنة و غير كل شي‏ء لا بمزايلة فاعل لا بمعنى الحركات و الآلة بصير إذ لا منظور إليه من خلقه متوحد إذ لا سكن يستأنس به و لا يستوحش لفقده أنشأ الخلق إنشاء و ابتدأه ابتداء بلا روية أجالها و لا تجربة استفادها و لا حركة أحدثها و لا همامة نفس اضطرب فيها أحال الأشياء لأوقاتها و لاءم بين مختلفاتها و غرز غرائزها و ألزمها أشباحها عالما بها قبل ابتدائها و محيطا بحدودها و انتهائها عارفا بقرائنها و أحنائها ثم أنشأ سبحانه فتق الأجواء و شق الأرجاء و سكائك الهواء فأجرى فيها ماء متلاطما تياره متراكما زخاره حمله على متن الريح العاصفة و الزعزع القاصفة فأمرها برده و سلطها على شده و قرنها على حده الهواء من تحتها فتيق و الماء من فوقها دفيق ثم أنشأ سبحانه ريحا اعتقم مهبها و أدام مربها و أعصف مجراها و أبعد منشأها فأمرها بتصفيق الماء الزخار و إثارة موج البحار فمخضته مخض السقاء و عصفت به عصفها بالفضاء ترد أوله على آخره و ساجيه على مائره حتى عب عبابه و رمى بالزبد ركامه فرفعه في هواء منفتق و جو منفهق فسوى منه سبع سماوات جعل سفلاهن موجا مكفوفا و علياهن سقفا محفوظا و سمكا مرفوعا بغير عمد يدعمها و لا دسار ينتظمها ثم زينها بزينة الكواكب و ضياء الثواقب فأجرى فيها سراجا مستطيرا و قمرا منيرا في فلك دائر و سقف سائر و رقيم مائر ثم فتق ما بين السماوات العلى فملأهن أطوارا من ملائكته منهم سجود لا يركعون و ركوع لا ينتصبون و صافون لا يتزايلون و مسبحون لا يسأمون لا يغشاهم نوم العيون و لا سهو العقول و لا فترة الأبدان و لا غفلة النسيان   و منهم أمناء على وحيه و ألسنة إلى رسله و مختلفون بقضائه و أمره و منهم الحفظة لعباده و السدنة لأبواب جنانه و منهم الثابتة في الأرضين السفلى أقدامهم و المارقة من السماء العليا أعناقهم و الخارجة من الأقطار أركانهم و المناسبة لقوائم العرش أكتافهم ناكسة دونهم أبصارهم متلفعون تحته بأجنحتهم مضروبة بينهم و بين من دونهم حجب العزة و أستار القدرة لا يتوهمون ربهم بالتصوير و لا يجرون عليه صفات المصنوعين و لا يحدونه بالأماكن و لا يشيرون إليه بالنظائر

 مطالب السئول، لابن طلحة مثله بأدنى تغيير إيضاح قد مضى شرح أكثر فقرات هذه الخطبة في كتاب التوحيد و نشير هنا إلى بعض ما يناسب المقام المدحة بالكسر الحالة التي تكون المادح عليها في مدحه و الإضافة للاختصاص الخاص أي المدحة اللائقة بعزة جلاله و لعل المراد عجز جميع القائلين و إن اجتمعوا و الاجتهاد السعي البليغ في العبادة و ظاهر قوله و لا وقت معدود و لا أجل ممدود نفي الزمان مطلقا عنه تعالى كالمكان و يمكن حملهما على الأزمنة المعدودة المتناهية و لعل الأول للماضي و الثاني للمستقبل و الفطر الابتداء و الاختراع و أصله الشق و نشر الرياح بسطها و كل ما جاء في القرآن بلفظ الرياح فهو للرحمة و ما ورد في العذاب فهو بلفظ المفرد و لعله إشارة إلى قلة العذاب و سعة الرحمة و يمكن أن يراد بالرحمة هذا المطر كما قال سبحانه وَ هُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ و قرئ بالباء و النون و قيل زعمت العرب أن السحاب لا تلقح إلا من رياح مختلفة فيمكن أن يكون المراد بالنشر ذلك و قال الفراء النشر من الرياح الطيبة اللينة التي تنشئ السحاب   و التعميم أولى لأن رياح الرحمة كثيرة منها اللواقح و مهيجة السحب الماطرة و الحابسة لها بين السماء و الأرض و العاصرة لها حتى تمطر و المجرية للجواري في البحار و غيرها و وتد الشي‏ء بالتخفيف أي جعله محكما مثبتا بالوتد و الصخور جمع الصخرة و هي الحجر العظيم الصلب و الميدان بالتحريك التحرك و الاضطراب و قد مر تحقيق ذلك و سيأتي بعضه. و كمال الإخلاص له نفي الصفات عنه لعل مناسبة الإخلاص لنفي الصفات أن الإخلاص في العبادة بالنظر إلى عامة الخلق هو أن لا يقصدوا في عبادتهم غيره تعالى من المخلوقين و بالنظر إلى الخواص أن يعرفوا الله بحسب وسعهم و طاقتهم بالوحدانية ثم يعبدونه فمن عبد الله وحده بزعمه و زعم أن له صفات زائدة فلم يعبد إلها واحدا بل آلهة كثيرة بل لم يعبد الله أصلا

 كما مر في الخبر من عبد الاسم دون المعنى فقد كفر و من عبد الاسم و المعنى فقد أشرك و من عبد المعنى بإيقاع الأسماء عليه بصفاته التي وصف بها نفسه فعقد عليه قلبه و نطق به لسانه في سر أمره و علانيته فأولئك أصحاب أمير المؤمنين حقا

و قال ابن ميثم المراد بالمعرفة المعرفة التامة التي هي غاية العارف في مراتب السلوك و أوليتها في العقل لكونها علة غائية و بين الترتيب بأن المعرفة تزاد بالعبادة و تلقي الأوامر بالقبول فيستعد السالك أولا بسببها للتصديق بوجوده يقينا ثم لتوحيده ثم للإخلاص له ثم لنفي ما عداه عنه فيغرق في تيار بحار العظمة و كل مرتبة كمال لما قبلها إلى أن تتم المعرفة المطلوبة له بحسب ما في وسعه و بكمال المعرفة يتم الدين و ينتهي السفر إلى الله تعالى و ما ذكرنا أنسب كما لا يخفى. كائن لا عن حدوث موجود لا عن عدم ظاهره الاختصاص به سبحانه و حدوث ما سواه و كذا قوله ع متوحد إذ لا سكن يستأنس به يدل على حدوث العالم و الإنشاء الخلق و الفرق بينه و بين الابتداء بأن الإنشاء كالخلق أعم   من الابتداء قال تعالى خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ و الابتداء الخلق من غير سبق مادة و مثال و إن لم يفهم هذا الفرق من اللغة لحسن التقابل حينئذ و إن أمكن التأكيد و همامة النفس اهتمامها بالأمور و قصدها إليها و الاضطراب الحركة و الحركة في الهمامة الانتقال من رأي إلى رأي أو من قصد أمر إلى قصد أمر آخر بحصول صورة و في بعض النسخ و لا همة نفس بالكسر. أحال الأشياء لأوقاتها في أكثر النسخ بالحاء المهملة إما من الإحالة بمعنى التحويل أي نقل كلا منها إلى وقتها فاللام بمعنى إلى و التعليل كما قيل بعيد و إما من قولهم حال في متن فرسه أي وثب فعدي بالهمزة أي أقر الأشياء في أوقاتها كمن أحال غيره على فرسه كما قيل و لا يخفى بعده و لعله بمعنى الحوالة المعروفة أظهر و في بعض النسخ الصحيحة بالجيم كأنه سبحانه حرك الأشياء و رددها في العدم حتى حضر وقتها و في الاحتجاج أجل بالجيم المشددة أي أخر و لاءم بين مختلفاتها أي جعلها ملتئمة مؤتلفة كما ألف بين العناصر المتخالفة في الطباع و بين النفوس و الأبدان و غرز غرائزها و ألزمها أسناخها الغريزة الخلق و الطبيعة و السنخ بكسر السين و سكون النون الأصل و في بعض النسخ أشباحها جمع الشبح محركة أي أشخاصها و تغريز الغرائز إيجادها أو تخصيص كل بغريزة خاصة لها أو من تغريز العود في الأرض ليثمر على ما قيل و الضمير المنصوب في ألزمها راجع إلى الأشياء كالسوابق و المعنى جعلها بحيث لا يفارقها أصولها أو جعل الأشخاص لازمة للكليات على النسخة الأخيرة أو راجع إلى الغرائز أي جعل كل ذي غريزة أو كل شخص بحيث لا تفارقه غريزته غالبا أو مطلقا عالما بها قبل ابتدائها العامل في عالما و ما بعدها إما ألزم أو الأفعال   الثلاثة الأخيرة على الترتيب أو الأربعة أو العامل في الجميع قوله أنشأ و ابتدأ بقرينة قوله قبل ابتدائها. محيطا بحدودها و انتهائها لعل المراد بالحدود الأطراف و التشخصات أو الحدود الذهنية و بالانتهاء الانتهاء اللازم للمحدود أو انقطاع الوجود عارفا بقرائنها أي ما يقترن بها على وجه التركيب أو المجاورة أو العروض و أحنائها هي جمع حنو أي الجانب و أحناء الوادي معاطفه و يدل على جواز إطلاق العارف عليه سبحانه و منعه بعضهم ثم أنشأ سبحانه فتق الأجواء و شق الأرجاء و سكائك الهواء الفتق بالفتح الشق و الجو ما بين السماء و الأرض و قيل الفضاء الواسع و الأرجاء جمع الرجا مقصورا و هي الناحية و السكاك و السكاكة بضمهما الهواء الملاقي عنان السماء و قال في النهاية السكاك و السكاكة الجو و هو ما بين السماء و الأرض

 و منه حديث علي ع شق الأرجاء و سكائك الهواء

و سكائك جمع سكاكة كذؤابة و ذوائب و الهواء بالمد ما بين السماء و الأرض و يقال كل خال هواء و منه قوله تعالى وَ أَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ و كلمة ثم هنا إما للترتيب الذكري و التدرج في الكلام يكون لوجوه منها الانتقال من الإجمال إلى التفصيل و منها الاهتمام بتقديم المؤخر أو المقارن لوجه آخر و يستعمل الفاء أيضا كذلك كما مر مرارا و إما بمعنى الواو المفيدة لمطلق الجمع كما قيل في قوله تعالى ثُمَّ اهْتَدى و على التقديرين لا ينافي كون الماء أول المخلوقات كما سيأتي و المراد بفتق الأجواء إيجاد الأجسام في الأمكنة الخالية بناء على وجود المكان بمعنى البعد و جواز الخلاء أو المراد   بالجو البعد الموهوم أو أحد العناصر بناء على تقدم خلق الهواء كما هو الظاهر مما سنورده من تفسير علي بن إبراهيم و هذا الكلام لا تصريح فيه بالصادر الأول و سيأتي الكلام فيه إن شاء الله و قوله و شق الأرجاء كالتفسير لفتق الأجواء أو المراد بالأرجاء الأمكنة و الأفضية و بالأجواء عنصر الهواء و قوله و سكائك الهواء بالنصب كما في كثير من النسخ معطوف على فتق الأجواء أي أنشأ سبحانه سكائك الهواء و الجر كما في بعض النسخ أظهر عطفا على الأجواء أي أنشأ فتق سكائك الهواء قال ابن ميثم فإن قلت إن الأجواء و الأرجاء و سكائك الهواء أمور عدمية فكيف تصح نسبتها إلى الإنشاء عن القدرة قلت إن هذه الأشياء عبارة عن الخلاء و الأحياز و الخلاف في أن الخلاء و الحيز و المكان هل هي أمور وجودية أو عدمية مشهور فإن كانت وجودية كانت نسبتها إلى القدرة ظاهرة و يكون معنى فتقها و شقها شق العدم عنها و إن كانت عدمية كان معنى فتقها و شقها و نسبتها إلى القدرة تقديرها و جعلها أحيازا للماء و مقرا لها لأنه لما كان تميزها عن مطلق الهواء و الخلاء بإيجاد الله فيها الماء صار تعينها بسبب قدرته تعالى فتصح نسبتها إلى إنشائه فكان سبحانه شقها و فتقها بحصول الجسم فيها.

 و روي أن زرارة و هشاما اختلفا في الهواء أ هو مخلوق أم لا فرفع بعض موالي جعفر بن محمد ع إليه ذلك فقال له إني متحير و أرى أصحابنا يختلفون فيه فقال ع ليس هذا بخلاف يؤدي إلى الكفر و الضلال

و اعلم أنه ع إنما أعرض عن بيان ذلك لأن أولياء الله الموكلين بإيضاح سبله و تثبيت خلقه على صراطه المستقيم لا يلتفتون بالذات إلا إلى أحد أمرين أحدهما ما يؤدي إلى الهدى أداء ظاهرا واضحا و الثاني ما يصرف عن الضلال و يرد إلى سواء السبيل. و بيان أن الهواء مخلوق أو غير مخلوق لا يفيد كثير فائدة في أمر المعاد فلا يكون الجهل به مما يضر في ذلك فكان تركه و الاشتغال بما هو أهم منه أولى.   فأجرى فيها ماء متلاطما تياره متراكما زخاره اللطم في الأصل الضرب على الوجه بباطن الراحة و تلاطمت الأمواج ضرب بعضها بعضا كأنه يلطمه و التيار موج البحر و لجته و تراكم الشي‏ء اجتمع و زخر البحر مد و كثر ماؤه و ارتفعت أمواجه أي أنه سبحانه خلق الماء المتلاطم الزخار في الأمواج و خلاه و طبعه أولا فجرى في الهواء ثم أمر الريح برده و شده كما يدل عليه قوله ع بعد ذلك حتى تظهر قدرته. حمله على متن الريح العاصفة و الزعزع القاصفة المتن من كل شي‏ء ما ظهر منه و المتن من الأرض ما ارتفع منه و صلب و عصفت الريح اشتد هبوبها و الزعزعة تحريك الشي‏ء ليقلعه و يزيله و ريح زعزع و زعازع أي يزعزع الأشياء و قصفه كضربه قصفا كسره و قصف الرعد و غيره اشتد صوته أي جعل الريح حال قصفها حاملة له فكان متحركا بحركتها أو جعل الريح التي من شأنها العصف و القصف و هذه الريح غير الهواء المذكور أولا كما سيأتي

 في قول الصادق ع في جواب الزنديق الريح على الهواء و الهواء تمسكه القدرة

فيمكن أن تكون مقدمة في الخلق عليه أو متأخرة عنه أو مقارنة له و يمكن أن يكون المراد بها ما تحرك منه كما هو المشهور. فأمرها برده و سلطها على شده و قرنها إلى حده أي أمر الريح أن تحفظ الماء و ترده بالمنع عن الجري الذي سبقت الإشارة إليه بقوله فأجرى فيها ماء فكان قبل الرد قد خلي و طبعه أي عن الجري الذي يقتضيه طبعه و قواها على ضبطه كالشي‏ء المشدود و جعلها مقرونة إلى انتهائه محيطة به و لعل المراد بالأمر هنا الأمر التكويني كما في قوله كُنْ فَيَكُونُ و قوله كُونُوا قِرَدَةً   قال الكيدري قوله فأمرها مجاز لأن الحكيم لا يأمر الجماد به الهواء من تحتها فتيق و الماء من فوقها دفيق أي الهواء الذي هو محل الريح مفتوق أي مفتوح منبسط من تحت الريح الحاملة للماء و الماء دفيق من فوقها أي مصبوب مندفق و الغرض أنه سبحانه بقدرته ضبط الماء المصبوب بالريح الحاملة له كما ضبط الريح بالهواء المنبسط و هو موضع العجب. ثم أنشأ سبحانه ريحا اعتقم مهبها و أدام مربها الظاهر أن هذه الريح غير ما جعلها الله محلا للماء بل هي مخلوقة من الماء كما سيأتي في الرواية و الاعتقام أن تحفر البئر فإذا قربت من الماء احتفرت بئرا صغيرا بقدر ما تجد طعم الماء فإن كان عذبا حفرت بقيتها و يكون اعتقم بمعنى صار عقيما و منه الرِّيحَ الْعَقِيمَ و في العين الاعتقام الدخول في الأمر و قال ابن ميثم تبعا للكيدري الاعتقام الشد و العقد و لم نجده في كتب اللغة و المهب مصدر بمعنى الهبوب أو اسم مكان و على الأول في الإسناد توسع و رب يأتي بمعنى جمع و زاد و لزم و أقام قيل المعنى أن الله تعالى أرسلها بمقدار مخصوص تقتضيه الحكمة و لم يرسلها مطلقا بل جعل مهبها ضيقا كما يحتفر البئر الصغير في الكبير و قيل المعنى جعلها عقيمة لا تلقح و هذا إنما يصح لو كان الاعتقام بهذا المعنى متعديا أو كان مهبها مرفوعا و في النسخ منصوب و قيل و روي أعقم فيصح و يحتمل أن يكون بمعنى شد مهبها و عقده على ما تقتضيه الحكمة و المصلحة و قيل على تقدير كون اعتقم بالتاء المراد أنه أخلى مهبها من العوائق و أنه أرسلها بحيث لا يعرف مهبها من مربها و هو كما ترى و معنى إدامة مربها جعلها ملازمة لتحريك الماء و إدامة هبوبها و في بعض النسخ مدبها بالدال أي جريها. و أعصف مجراها أي جريانها أو أسند إلى المحل مجازا و أبعد منشأها أي أنشأها من مبدأ بعيد و لعله أدخل في شدتها و المنشأ في بعض النسخ بالهمزة على الأصل و في بعضها بالألف للازدواج فأمرها بتصفيق الماء الزخار الصفق الضرب الذي يسمع له صوت و التصفيق أيضا كذلك لكن مع شدة و إثارة

    موج البحار أي تهييجه فمخضته مخض السقاء المخض تحريك السقاء الذي فيه اللبن ليخرج زبده عصفها بالفضاء أي عصفا شديدا لأن العصف بالفضاء يكون أشد لعدم المانع و الساجي الساكن و المائر المتحرك يقال مار الشي‏ء مورا أي تحرك و جاء و ذهب و به فسر قوله تعالى يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً و قال الضحاك أي تموج موجا و العباب بالضم معظم الماء و كثرته و ارتفاعه و عب عبابه أي ارتفع و عب النبت إذا طال و ركام الماء بالضم ما تراكم منه و اجتمع بعضه فوق بعض. فرفعه في هواء منفتق أي رفع الله ذلك الزبد بأن جعل بعضه دخانا في هواء مفتوق مفتوح بخلق ما خلق سابقا أو برفع ذلك الدخان و في جو منفهق و الانفهاق الاتساع و الانفتاح قال ابن ميثم إن القرآن الكريم نطق بأن السماء تكونت من الدخان و كلامه ع ناطق بأنها تكونت من الزبد و ما ورد في الخبر أن ذلك الزبد هو الذي تكونت منه الأرض فلا بد من بيان وجه الجمع بين هذه الإشارات فنقول وجه الجمع بين كلامه ع و بين لفظ القرآن الكريم ما ذكره الباقر ع و هو قوله فخرج من ذلك الموج و الزبد دخان ساطع من وسطه من غير نار فخلق منه السماء و لا شك أن القرآن الكريم لا يريد بلفظ الدخان حقيقته لأن ذلك إنما يكون عن النار و اتفق المفسرون على أن هذا الدخان لم يكن عن نار بل عن تنفس الماء و تبخيره بسبب تموجه فهو إذا استعارة للبخار الصاعد من الماء و إذا كان كذلك فنقول إن كلامه ع مطابق للفظ القرآن الكريم و ذلك أن الزبد بخار يتصاعد على وجه الماء عن حرارة حركته إلا أنه ما دامت الكثافة غالبة عليه و هو باق على وجه الماء لم ينفصل فإنه يخص باسم الزبد و ما لطف و غلب عليه الأجزاء الهوائية فانفصل خص باسم البخار و إذا كان الزبد بخارا و البخار هو المراد بالدخان في القرآن الكريم كان مقصده   و مقصد القرآن واحدا فكان البخار المنفصل هو الذي تكونت عنه الأرض و هو الزبد و أما وجه المشابهة بين الدخان و البخار الذي صحت لأجله استعارة لفظه له فهو أمران أحدهما حسي و هو الصورة المشاهدة من الدخان و البخار حتى لا يكاد يفرق بينهما في الحس البصري و الثاني معنوي و هو كون البخار أجزاء مائية خالطت الهواء بسبب لطافتها عن حرارة الحركة كما أن الدخان كذلك و لكن عن حرارة النار فإن الدخان أيضا أجزاء مائية انفصلت عن جرم المحترق بسبب لطافتها عن حر النار فكان الاختلاف بينهما ليس إلا بالسبب فلذلك صح استعارة اسم أحدهما للآخر و بالله التوفيق. جعل سفلاهن موجا مكفوفا و علياهن سقفا محفوظا و سمكا مرفوعا الكف المنع و السقف معروف و قال الجوهري و غيره السقف اسم للسماء و المعروف هاهنا أنسب و سمك البيت سقفه و سمك الله السماء سمكا رفعها و المسموكات السماوات أي جعل السماء السفلى موجا ممنوعا من السيلان إما بإمساكه بقدرته أو بأن خلق تحته و حوله جسما جامدا يمنعه عن الانتشار و السيلان أو بأن أجمدها بعد ما كانت سيالة و ظاهر هذا الكلام و غيره من الأخبار اختصاص الحكم بالسماء الدنيا قال الكيدري رحمه الله شبه السماء الدنيا بالموج لصفائها و ارتفاعها أو أراد أنها كانت في الأول موجا ثم عقدها و المكفوف الممنوع من السقوط و قال ابن ميثم شبهها بالموج في الارتفاع و اللون الموهوم و قيل شبهت به لارتعاد الكواكب حسا و لعل المراد بحفظ العليا إمساكها عن النقص و الهدم و السقوط و الخرق إلا بأمره سبحانه و قال أكثر الشارحين أي عن الشياطين و هو لا يناسب العليا بل السفلى و يناسب أن يكون المراد بقوله تعالى وَ جَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً السماء العليا و يخطر بالبال وجه آخر و هو أن يكون المراد أنه تعالى جعل الجهة السفلى من كل من السماوات مواجة متحركة واقعا

    أو في النظر و الجهة العليا منها سقفا محفوظا تستقر عليه الملائكة و لا يمكن للشياطين خرقها فيكون ضمير زينها و سائر الضمائر راجعة إلى المجموع فيناسب الآية المتقدمة و هو قوله سبحانه وَ حِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ و قد يمر بالخاطر وجه آخر يناسب قواعد الهيئة و هو أنه ع شبه السماء الدنيا بالموج المكفوف لكون الحركة الخاصة للقمر أسرع من جميع الكواكب فكأنه دائما في الموج و مع ذلك لا تسقط و وصف العليا بالمحفوظية لأنه أبطأها بالحركة الخاصة فكأنها محفوظة ثابتة و على الطريقة السابقة يمكن أن يكون المراد بالسفلى من كل منها خوارج مراكزها و تداويرها و بالعليا منها ممثلاتها فالأول مواجة لسرعة حركتها و البواقي محفوظة لبطئها لكن هذان الوجهان بعيدان عن لسان الشرع و مقاصد أهله و الوجه الأول مما أبدعنا لا يخلو من قوة و لطافة. بغير عمد يدعمها و لا دسار ينظمها العمد بالتحريك جمع كثرة لعمود البيت و كذا العمد بضمتين و جمع القلة أعمدة و قال الخليل في العين العمد بضمتين جمع عماد و الأعمدة جمع عمود من حديد أو خشب و يظهر من تذكير الفعل أنه من أسماء الجمع و الدعم بالفتح أن يميل الشي‏ء فتدعمه بدعام كما تدعم عروش الكرم و نحوه ليصير له مساكا و الدعامة الخشبة التي يدعم بها و في أكثر النسخ على بناء المجرد مفتوحة العين و هو أظهر و في بعضها يدعمها بتشديد الدال على بناء الافتعال من الادعام بمعنى الاتكاء و الدسار بالكسر المسمار و جمعه دسر و نظم اللؤلؤ جمعه في السلك و في بعض النسخ ينتظمها و هو أيضا جاء متعديا و الضميران المنصوبان راجعان إلى السماوات أو إلى العليا أو إلى السفلى بقرينة قوله ثم زينها بزينة الكواكب حيث إن الظاهر إرجاع الضمير فيه إلى السفلى ليكون أوفق بقوله تعالى إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ لكنه بعيد لفظا و إرجاع الضمير إلى   الجميع أظهر و تزيين البعض تزيين للجميع و هذا مما يقرب الوجه الذي ذكرنا أولا و الزينة إما مصدر أو اسم ما يزان به كالليقة لما يلاق به أي يصلح به المداد قال في الكشاف قوله تعالى بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ يحتملهما فعلى الأول إما من إضافة المصدر إلى الفاعل بأن تكون الكواكب مزينة للأفلاك أو إلى المفعول بأن زين الله الكواكب و حسنها لأنها إنما زينت السماء لحسنها في أنفسها و على الثاني فأضافتها إلى الكواكب بيانية و تنوين الزينة كما قرئت الآية به ليس موجودا في النسخ و زينة الكواكب للسماء إما لضوئها أو للأشكال الحاصلة منها كالثريا و الجوزاء و نحوهما أو باختلاف أوضاعها بحركتها أو لرؤية الناس إياها مضيئة في الليلة الظلماء أو للجميع و قوله تعالى بِمَصابِيحَ في موضع آخر مما يؤيد بعض الوجوه و سيأتي القول في محال الكواكب في محله. و ضياء الثواقب المراد بها إما الكواكب فيكون كالتفسير لزينة الكواكب و الكواكب ثواقب أي مضيئة كأنها تثقب الظلمة بضوئها أو الشهب التي ترمى بها الشياطين فتثقب الهواء بحركتها و الظلمة بنورها فأجرى فيها سراجا مستطيرا و قمرا منيرا و في بعض النسخ و أجرى بالواو و المراد بالسراج الشمس كما قال تعالى سِراجاً وَ قَمَراً مُنِيراً قيل لما كان الليل عبارة عن ظل الأرض و كانت الشمس سببا لزواله كان شبيها بالسراج في ارتفاع الظلمة به و المستطير المنتشر الضوء و استطار تفرق و سطح و أنار الشي‏ء و استنار أي أضاء و قيل ما بالذات من النور ضوء و ما بالعرض نور كما قال سبحانه هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَ الْقَمَرَ نُوراً و قيل لأن النور أضعف من الضوء و الاحتمالات

    في الضمائر السابقة جارية هنا و إن كان الأظهر عند الأكثر رجوعه إلى السفلى. في فلك دائر الظرف إما بدل عن فيها فيفيد حركة السفلى أو العليا أو الجميع على تقادير إرجاع الضمير بالحركة اليومية أو الخاصة أو الأعم و إما في موضع حال عن المنصوبين فيمكن أن يكون المراد بالفلك الدائر الأفلاك الجزئية و الفلك بالتحريك كل شي‏ء دائر و منه فلكة المغزل بالتسكين و يقال فلك ثدي المرأة تفليكا إذا استدار. و سقف سائر و رقيم مائر الرقيم في الأصل الكتاب فعيل بمعنى مفعول قال ابن الأثير منه حديث علي رضي الله عنه في صفة السماء سقف سائر و رقيم مائر يريد به وشي السماء بالنجوم و المائر المتحرك و ليس هذا بالمور الذي قال الله تعالى يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً و هاتان الفقرتان أيضا تدلان على حركة السماء لكن لا تنافي حركة الكواكب بنفسها أيضا كما هو ظاهر الآية. ثم فتق ما بين السماوات العلى فملأهن أطوارا من ملائكته الظاهر أن كلمة ثم للترتيب المعنوي فيكون فتق السماوات بعد خلق الشمس و القمر بل بعد جعلها سبعا و خلق الكواكب فيه و يحتمل أن يكون للترتيب الذكري و الظاهر أن المراد بفتقها فصل بعضها عن بعض فيؤيد بعض محتملات الآية كما أشرنا إليه سابقا و يدل على بطلان ما ذهبت الفلاسفة إليه من تماس الأفلاك و عدم الفصل بينها بهواء و نحوه و الأطوار جمع طور بالفتح و هو في الأصل التارة قال الله تعالى وَ قَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً قيل أي طورا نطفة و طورا علقة و طورا مضغة و قيل أي حالا بعد حال و قيل أي خلقكم مختلفين في الصفات أغنياء و فقراء و زمنى و أصحاء و لعل الأخير هنا أنسب و لو كانت   الملائكة مخلوقة قبل السماوات كما هو ظاهر بعض الأخبار الآتية فقبل فتقها كانوا في مكان آخر يعلمه الله. منهم سجود لا يركعون و ركوع لا ينتصبون و صافون لا يتزايلون و مسبحون لا يسأمون السجود و الركوع هنا جمع ساجد و راكع و فاعل الصفة يجمع على فعول إذا جاء مصدره عليه أيضا و الانتصاب القيام و الصف ترتيب الجمع على خط كالصف في الصلاة و الحرب و قال أبو عبيدة كل شي‏ء بين السماء و الأرض لم يضم قطريه فهو صاف و منه قوله تعالى وَ الطَّيْرُ صَافَّاتٍ أي نشرت أجنحتها و بالوجهين فسر قوله تعالى وَ الصَّافَّاتِ صَفًّا و التزايل التباين و التفارق و السأمة الملالة و الضجر. لا يغشاهم نوم العيون و لا سهو العقول و لا فترة الأبدان و لا غفلة النسيان غشيه كعلمه إذا جاءه أي لا يعرضهم و الفترة الانكسار و الضعف و ظاهر الكلام اختصاص الأوصاف بهذا الصنف و يمكن أن يكون التخصيص بها جميعا أو ببعضها لأمر آخر غير الاختصاص و منهم أمناء على وحيه الوحي في الأصل أن يلقي الإنسان إلى صاحبه شيئا بالاستتار و الإخفاء و يكون بمعنى الكتابة و الإشارة و الرسالة و ألسنة إلى رسله أي رسلا إليهم كما قال تعالى اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا و مختلفون بقضائه أي مقتضياته كما يأتون به في ليلة القدر و غيرها و أمره أي أحكامه أو الأمور المقدرة كما قال تعالى بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ فالأحكام داخلة في السابقتين و يمكن تخصيص الأخير بغير الوحي

    أي يختلفون لتمشية قضائه و أمره و تسبيب أسبابهما. و منهم الحفظة لعباده لعل المراد غير الحافظين عليهم الذين ذكرهم الله في قوله وَ إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ بل من ذكرهم بقوله سبحانه لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ و يمكن أن يكون المراد في كلامه الكاتبين للأعمال بتقدير مضاف و ربما يفهم من بعض الأخبار اتحاد الصنفين و السدنة لأبواب الجنان هم المتولون لأمور الجنان و فتح أبوابها و أغلاقها و أصل السدانة في الكعبة و بيت الأصنام. و منهم الثابتة في الأرضين السفلى أقدامهم و في بعض النسخ في الأرض أقدامهم و هو أظهر و الجمع على الأول إما باعتبار القطعات و البقاع أو لأن كلا من الأرضين السبع موضع قدم بعضهم و الوصف على الأول بالقياس على سائر الطبقات و على الثاني بالقياس إلى السماء و المارقة أي الخارجة يقال مرق السهم من الرمية إذا خرج من الجانب الآخر من السماء العليا أي السابعة أعناقهم و الخارجة من الأقطار أي من جوانب الأرض أو جوانب السماء أركانهم أي جوارحهم فهذا بيان لضخامتهم و عرضهم و المناسبة لقوائم العرش أكتافهم لعل المراد بالمناسبة القرب و الشباهة في العظم و يمكن أن يراد بها التماس فالمراد بهم حملة العرش ناكسة دونه أي دون العرش أبصارهم و الناكس المطأطئ رأسه و في إسناده إلى الأبصار دلالة على عدم التفاتهم في النكس يمينا و شمالا متلفعون تحته بأجنحتهم اللفاع ثوب يجلل به الجسد كله كساء كان أو غيره و تلفع بالثوب إذا اشتمل به و بين من دونهم أي سائر الملائكة أو البشر أو الجن أو الأعم و في بعض النسخ ناكسة و مضروبة و متلفعين بنصب الجميع.   لا يتوهمون ربهم بالتصوير أي بأن يثبتوا لله صورة و الغرض تقديس الملائكة عن إثباتهم لوازم الجسمية و الإمكان له سبحانه و التعريض و التوبيخ للمشبهين من البشر و النظائر جمع نظيرة و هي المثل و الشبه في الأشكال و الأخلاق و الأفعال و النظير المثل في كل شي‏ء و في بعض النسخ بالنواظر أي بالأبصار أي لا يجوزون عليه الرؤية و في بعضها بالمواطن أي الأمكنة

137-  النهج، ]نهج البلاغة[ في وصية أمير المؤمنين ع للحسن ع قال و لكنه إله واحد كما وصف نفسه و لا يضاده في ملكه أحد و لا يزول أبدا و لم يزل أولا قبل الأشياء بلا أولية و آخرا بعد الأشياء بلا نهاية

138-  تأويل الآيات الظاهرة، نقلا من كتاب الواحدة عن الحسن بن عبد الله الكوفي عن جعفر بن محمد البجلي عن أحمد بن حميد عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر ع قال قال أمير المؤمنين ع إن الله تبارك و تعالى أحد واحد تفرد في وحدانيته ثم تكلم بكلمة فصارت نورا ثم خلق بذلك النور محمدا ص و خلقني و ذريتي ثم تكلم بكلمة فصارت روحا فأسكنه الله في ذلك النور و أسكنه في أبداننا فنحن روح الله و كلماته و بنا احتجب عن خلقه فما زلنا في ظلة خضراء حيث لا شمس و لا قمر و لا ليل و لا نهار و لا عين تطرف نعبده و نقدسه و نمجده و نسبحه قبل أن يخلق الخلق الخبر

139-  مصباح الأنوار، بإسناده عن أنس عن النبي ص قال إن الله خلقني و خلق عليا و فاطمة و الحسن و الحسين قبل أن يخلق آدم حين لا سماء مبنية و لا أرض مدحية و لا ظلمة و لا نور و لا شمس و لا قمر و لا نار فقال العباس   فكيف كان بدء خلقكم يا رسول الله فقال يا عم لما أراد الله أن يخلقنا تكلم بكلمة فخلق منها نورا ثم تكلم بكلمة أخرى فخلق منها روحا ثم خلط النور بالروح فخلقني و خلق عليا و فاطمة و الحسن و الحسين فكنا نسبحه حين لا تسبيح و نقدسه حين لا تقديس فلما أراد الله تعالى أن ينشئ خلقه فتق نوري فخلق منه العرش فالعرش من نوري و نوري من نور الله و نوري أفضل من العرش ثم فتق نور أخي علي فخلق منه الملائكة فالملائكة من نور علي و نور علي من نور الله و علي أفضل من الملائكة ثم فتق نور ابنتي فخلق منه السماوات و الأرض فالسماوات و الأرض من نور ابنتي فاطمة و نور ابنتي فاطمة من نور الله و ابنتي فاطمة أفضل من السماوات و الأرض ثم فتق نور ولدي الحسن و خلق منه الشمس و القمر فالشمس و القمر من نور ولدي الحسن و نور الحسن من نور الله و الحسن أفضل من الشمس و القمر ثم فتق نور ولدي الحسين فخلق منه الجنة و الحور العين فالجنة و الحور العين من نور ولدي الحسين و نور ولدي الحسين من نور الله و ولدي الحسين أفضل من نور الجنة و الحور العين الخبر

140-  الكافي، عن أحمد بن إدريس عن حسين بن عبيد الله عن محمد بن عيسى و محمد بن عبد الله عن علي بن حديد عن مرازم عن أبي عبد الله ع قال قال الله تبارك الله و تعالى يا محمد إني خلقتك و عليا نورا يعني روحا بلا بدن قبل أن أخلق سماواتي و أرضي و عرشي و بحري فلم تزل تهللني و تمجدني ثم   جمعت روحيكما فجعلتهما واحدة فكانت تمجدني و تقدسني و تهللني ثم قسمتها ثنتين و قسمت الثنتين ثنتين فصارت أربعة محمد واحد و علي واحد و الحسن و الحسين ثنتان ثم خلق الله فاطمة من نور ابتدأها روحا بلا بدن ثم مسحنا بيمينه فأفضى نوره فينا

 بيان بلا بدن أي أصلا أو بلا بدن عنصري بل بدن مثالي و ظاهره تجسم الروح و ربما يؤول الخلق هنا بالتقدير قبل أن أخلق بحسب الزمان الموهوم و قيل بحسب الرتبة تهللني بلسان الجسد المثالي أو بلسان الحال ثم جمعت روحيكما كأن المراد جعل مادة بدنهما في صلب آدم ع فكانت تمجدني أي بنفسها أو بتوسط الطينات المقدسات ثم قسمتها ثنتين أي في عبد المطلب إلى عبد الله و أبي طالب ثم قسم الثنتين بعد انتقالها إلى علي و فاطمة ثنتين أي في الحسنين كما تدل عليه أخبار كثيرة و قال بعض المحدثين من الأمور المعلومة أن جعل المجردين واحدا ممتنع و كذلك قسمة المجرد فينبغي حمل الروح هنا على آلة جسمانية نورانية منزهة عن الكثافة البدنية و قال بعض الأفاضل المراد بخلق الروحين بلا بدن خلقهما مجردين و بجمعهما و جعلهما واحدة جمعهما في بدن مثالي نوراني لاهوتي و بتقسيمهما تفريقهما و جعل كل واحد منهما في بدن شهودي جسماني و استحالة تعلق الروحين ببدن   واحد إنما هي في الأبدان الشهودية لا في الأبدان المثالية اللاهوتية انتهى. و إطلاق المسح و اليمين هنا على الاستعارة إذ مريد اللطف بغيره يمسحه بيمينه أو اليمين كناية عن الرحمة كما حققنا في قولهم ع و الخير في يديك أنه يمكن أن يكون المعنى أن النفع و الضر الصادرين منك كليهما حكمة و مصلحة و رحمة فالنفع منسوب إلى اليمين و الضر إلى الشمال فأفضى نوره فينا أي أوصله إلينا أو وصل إلينا و قيل اتسع فينا قال في المصباح الفضاء بالمد المكان الواسع و فضا المكان فضوا من باب قعد اتسع فهو فضاء و أفضى الرجل بيده إلى الأرض مسها بباطن راحته قال ابن فارس و غيره و أفضى إلى امرأة باشرها و جامعها و أفضيت إلى الشي‏ء وصلت إليه و السر أعلمته به انتهى و النور العلم و سائر الكمالات

141-  الكافي، عن الحسين بن محمد عن المعلى عن عبد الله بن إدريس عن محمد بن سنان قال كنت عند أبي جعفر الثاني ع فأجريت اختلاف الشيعة فقال يا محمد إن الله تبارك و تعالى لم يزل متفردا بوحدانيته ثم خلق محمدا و عليا و فاطمة فمكثوا ألف دهر ثم خلق جميع الأشياء فأشهدهم خلقها و أجرى طاعتهم عليها   و فوض أمورها إليهم فهم يحلون ما يشاءون و يحرمون ما يشاءون و لن يشاءوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ تبارك و تعالى ثم قال يا محمد هذه الديانة التي من تقدمها مرق و من تخلف عنها محق و من لزمها لحق خذها إليك يا محمد

142-  و منه، عن علي بن محمد عن سهل بن زياد عن محمد بن علي بن إبراهيم عن علي بن حماد عن المفضل قال قلت لأبي عبد الله ع كيف كنتم حيث كنتم في الأظلة فقال يا مفضل كنا عند ربنا ليس عنده أحد غيرنا في ظلة خضراء نسبحه و نقدسه و نهلله و نمجده و لا من ملك مقرب و لا ذي روح غيرنا حتى بدا له في خلق الأشياء فخلق ما شاء كيف شاء من الملائكة و غيرهم ثم أنهى علم ذلك إلينا

 بيان في الأظلة أي في عالم الأرواح أو المثال أو الذر كنا عند ربنا أي مقربين لديه سبحانه بالقرب المعنوي أو كنا في علمه و ملحوظين بعنايته في ظلة خضراء الظلة بالضم ما يستظل به و شي‏ء كالصفة يستتر به من الحر و البرد ذكره الفيروزآبادي و كأن المراد ظلال العرش قبل خلق السماوات و الأرض و قيل أي في نور أخضر و المراد تعلقهم بذلك العالم لا كونهم فيه و يحتمل أن يكون كناية عن معرفة الرب سبحانه كما سيأتي في باب العرش إن شاء الله أي كانوا مغمورين في أنوار معرفته تعالى مشعوفين به إذ لم يكن موجود غيره و غيرهم حتى بدا له في خلق الأشياء أي أراد خلقه ثم أنهى أي أبلغ و أوصل علم ذلك أي حقائق تلك المخلوقات و أحكامها إلينا

143-  الكافي، عن أحمد بن إدريس عن الحسين بن عبد الله الصغير عن محمد   بن إبراهيم الجعفري عن أحمد بن علي بن محمد بن عبد الله بن عمر بن علي بن أبي طالب عن أبي عبد الله ع قال إن الله كان إذ لا كان فخلق الكان و المكان و خلق نور الأنوار الذي نورت منه الأنوار و أجرى فيه من نوره الذي نورت منه الأنوار و هو النور الذي خلق منه محمدا و عليا فلم يزالا نورين أولين إذ لا شي‏ء كون قبلهما فلم يزالا يجريان طاهرين مطهرين في الأصلاب الطاهرة حتى افترقا في أطهر طاهرين في عبد الله و أبي طالب

 بيان إذ لا كان يعني لم يكن شي‏ء من الممكنات و كأنه مصدر بمعنى الكائن كالقيل و القال و لعل المراد بنور الأنوار أولا نور النبي ص إذ هو منور أرواح الخلائق بالعلوم و الكمالات و الهدايات و المعارف بل سبب لوجود الموجودات و علة غائية لها و أجرى فيه أي في نور الأنوار من نوره الذي نورت منه الأنوار أي نور ذاته سبحانه من إفاضاته و هداياته التي نورت منها الأنوار كلها حتى نور الأنوار المذكور أولا و هو النور أي نور الأنوار المذكور أولا إذ لا شي‏ء كون قبلهما أي قبل نورهما الذي خلقا منه أو سوى ذلك النور أولا شي‏ء من ذوات الأرواح أطهر طاهرين أي في زمانهما

144-  الكافي، عن أحمد بن إدريس عن الحسين بن عبد الله عن محمد بن عبد الله عن محمد بن سنان عن المفضل عن جابر بن يزيد قال قال لي أبو جعفر ع يا جابر إن الله أول ما خلق خلق محمدا   و عترته الهداة المهتدين فكانوا أشباح نور بين يدي الله قلت و ما الأشباح قال ظل النور أبدان نورانية بلا أرواح و كان مؤيدا بنور واحد و هي روح القدس فبه كان يعبد الله و عترته و لذلك خلقهم حلماء علماء بررة أصفياء يعبدون الله بالصلاة و الصوم و السجود و التسبيح و التهليل و يصلون الصلوات و يحجون و يصومون

 أقول قد مضى شرح تلك الأخبار و ما يضاهيها في المجلد السادس و السابع و التاسع و الأخبار الدالة على أن أول الموجودات أرواحهم ع كثيرة و يمكن الاستدلال بها على حدوث الجميع بانضمام ما سيأتي من الأخبار الدالة على أن الفاصلة بين خلق الأرواح و الأجساد بزمان متناه إذ الزائد على المتناهي بزمان متناه يكون لا محالة متناهيا

145-  و قال أبو الحسن البكري أستاذ الشهيد الثاني ره في كتاب الأنوار روي عن أمير المؤمنين أنه قال كان الله و لا شي‏ء معه فأول ما خلق نور حبيبه محمد ص قبل خلق الماء و العرش و الكرسي و السماوات و الأرض و اللوح و القلم و الجنة و النار و الملائكة و آدم و حواء بأربعة و عشرين و أربعمائة ألف عام فلما خلق   الله تعالى نور نبينا محمد ص بقي ألف عام بين يدي الله عز و جل واقفا يسبحه و يحمده و الحق تبارك و تعالى ينظر إليه و يقول يا عبدي أنت المراد و المريد و أنت خيرتي من خلقي و عزتي و جلالي لولاك ما خلقت الأفلاك من أحبك أحببته و من أبغضك أبغضته فتلألأ نوره و ارتفع شعاعه فخلق الله منه اثني عشر حجابا أولها حجاب القدرة ثم حجاب العظمة ثم حجاب العزة ثم حجاب الهيبة ثم حجاب الجبروت ثم حجاب الرحمة ثم حجاب النبوة ثم حجاب الكبرياء ثم حجاب المنزلة ثم حجاب الرفعة ثم حجاب السعادة ثم حجاب الشفاعة ثم إن الله تعالى أمر نور رسول الله ص أن يدخل في حجاب القدرة فدخل و هو يقول سبحان العلي الأعلى و بقي على ذلك اثني عشر ألف عام ثم أمره أن يدخل في حجاب العظمة فدخل و هو يقول سبحان عالم السر و أخفى أحد عشر ألف عام ثم دخل في حجاب العزة و هو يقول سبحان الملك المنان عشرة آلاف عام ثم دخل في حجاب الهيبة و هو يقول سبحان من هو غني لا يفتقر تسعة آلاف عام ثم دخل في حجاب الجبروت و هو يقول سبحان الكريم الأكرم ثمانية آلاف عام ثم دخل في حجاب الرحمة و هو يقول سبحان رب العرش العظيم سبعة آلاف عام ثم دخل في حجاب النبوة و هو يقول سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ستة آلاف عام ثم دخل في حجاب الكبرياء و هو يقول سبحان العظيم الأعظم خمسة آلاف عام ثم دخل في حجاب المنزلة و هو يقول سبحان العليم الكريم أربعة آلاف عام ثم دخل في حجاب الرفعة و هو يقول سبحان ذي الملك و الملكوت ثلاثة آلاف عام ثم دخل في حجاب السعادة و هو يقول سبحان من يزيل الأشياء و لا يزول ألفي عام ثم دخل في حجاب الشفاعة و هو يقول سبحان الله و بحمده سبحان الله العظيم ألف عام قال الإمام علي بن أبي طالب ع ثم إن الله تعالى خلق من نور محمد ص عشرين بحرا من نور في كل بحر علوم لا يعلمها إلا الله تعالى

   ثم قال لنور محمد ص انزل في بحر العز فنزل ثم في بحر الصبر ثم في بحر الخشوع ثم في بحر التواضع ثم في بحر الرضا ثم في بحر الوفاء ثم في بحر الحلم ثم في بحر التقى ثم في بحر الخشية ثم في بحر الإنابة ثم في بحر العمل ثم في بحر المزيد ثم في بحر الهدى ثم في بحر الصيانة ثم في بحر الحياء حتى تقلب في عشرين بحرا فلما خرج من آخر الأبحر قال الله تعالى يا حبيبي و يا سيد رسلي و يا أول مخلوقاتي و يا آخر رسلي أنت الشفيع يوم المحشر فخر النور ساجدا ثم قال فقطرت منه قطرات كان عددها مائة ألف و أربعة و عشرين ألف قطرة فخلق الله تعالى من كل قطرة من نوره نبيا من الأنبياء فلما تكاملت الأنوار صارت تطوف حول نور محمد ص كما تطوف الحجاج حول بيت الله الحرام و هم يسبحون الله و يحمدونه و يقولون سبحان من هو عالم لا يجهل سبحان من هو عليم لا يعجل سبحان من هو غني لا يفتقر فناداهم الله تعالى تعرفون من أنا فسبق نور محمد ص قبل الأنوار و نادى أنت الله الذي لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك رب الأرباب و ملك الملوك فإذا بالنداء من قبل الحق أنت صفيي و أنت حبيبي و أنت خير خلقي أمتك خير أمة أخرجت للناس ثم خلق من نور محمد ص جوهرة و قسمها قسمين فنظر إلى القسم الأول بعين الهيبة فصار ماء عذبا و نظر إلى القسم الثاني بعين الشفقة فخلق منه العرش فاستوى على وجه الماء فخلق الكرسي من نور العرش و خلق من نور الكرسي اللوح و خلق من نور اللوح القلم و قال له اكتب توحيدي فبقي القلم ألف عام سكران من كلام الله تعالى فلما أفاق قال اكتب قال يا رب و ما أكتب قال اكتب لا إله إلا الله محمد رسول الله فلما سمع القلم اسم محمد ص خر ساجدا و قال سبحان الواحد القهار سبحان العظيم الأعظم ثم رفع رأسه من السجود   و كتب لا إله إلا الله محمد رسول الله ثم قال يا رب و من محمد الذي قرنت اسمه باسمك و ذكره بذكرك قال الله تعالى له يا قلم فلولاه ما خلقتك و لا خلقت خلقي إلا لأجله فهو بشير و نذير و سراج منير و شفيع و حبيب فعند ذلك انشق القلم من حلاوة ذكر محمد ثم قال القلم السلام عليك يا رسول الله فقال الله تعالى و عليك السلام مني و رحمة الله و بركاته فلأجل هذا صار السلام سنة و الرد فريضة ثم قال الله تعالى اكتب قضائي و قدري و ما أنا خالقه إلى يوم القيامة ثم خلق الله ملائكة يصلون على محمد و آل محمد و يستغفرون لأمته إلى يوم القيامة ثم خلق الله تعالى من نور محمد ص الجنة و زينها بأربعة أشياء التعظيم و الجلالة و السخاء و الأمانة و جعلها لأوليائه و أهل طاعته ثم نظر إلى باقي الجوهرة بعين الهيبة فذابت فخلق من دخانها السماوات و من زبدها الأرضين فلما خلق الله تبارك و تعالى الأرض صارت تموج بأهلها كالسفينة فخلق الله الجبال فأرساها بها ثم خلق ملكا من أعظم ما يكون في القوة فدخل تحت الأرض ثم لم يكن لقدمي الملك قرار فخلق الله صخرة عظيمة و جعلها تحت قدمي الملك ثم لم يكن للصخرة قرار فخلق لها ثورا عظيما لم يقدر أحد ينظر إليه لعظم خلقته و بريق عيونه حتى لو وضعت البحار كلها في إحدى منخريه ما كانت إلا كخردلة ملقاة في أرض فلاة فدخل الثور تحت الصخرة و حملها على ظهره و قرونه و اسم ذلك الثور لهوتا ثم لم يكن لذلك الثور قرار فخلق الله له حوتا عظيما و اسم ذلك الحوت بهموت فدخل الحوت تحت قدمي الثور فاستقر الثور على ظهر الحوت فالأرض كلها على كاهل الملك و الملك على الصخرة و الصخرة على الثور و الثور على الحوت و الحوت على الماء و الماء على الهواء و الهواء على الظلمة ثم انقطع علم الخلائق عما تحت الظلمة ثم خلق الله تعالى العرش من ضياءين أحدهما الفضل و الثاني العدل ثم أمر الضياءين فانتفسا بنفسين فخلق منهما أربعة أشياء العقل و الحلم و العلم و السخاء

   ثم خلق من العقل الخوف و خلق من العلم الرضا و من الحلم المودة و من السخاء المحبة ثم عجن هذه الأشياء في طينة محمد ص ثم خلق من بعدهم أرواح المؤمنين من أمة محمد ص ثم خلق الشمس و القمر و النجوم و الليل و النهار و الضياء و الظلام و سائر الملائكة من نور محمد ص فلما تكاملت الأنوار سكن نور محمد ص تحت العرش ثلاثة و سبعين ألف عام ثم انتقل نوره إلى الجنة فبقي سبعين ألف عام ثم انتقل إلى سدرة المنتهى فبقي سبعين ألف عام ثم انتقل نوره إلى السماء السابعة ثم إلى السماء السادسة ثم إلى السماء الخامسة ثم إلى السماء الرابعة ثم إلى السماء الثالثة ثم إلى السماء الثانية ثم إلى السماء الدنيا فبقي نوره في السماء الدنيا إلى أن أراد الله أن يخلق آدم ع إلى آخر ما مر في المجلد السادس

146-  كتاب أبي سعيد عباد العصفري، عن عمرو بن أبي المقدام عن أبي حمزة قال سمعت علي بن الحسين ع يقول إن الله خلق محمدا و عليا و أحد عشر من ولده من نور عظمته فأقامهم أشباحا في ضياء نوره يعبدونه قبل خلق الخلق يسبحون الله و يقدسونه و هم الأئمة من ولد رسول الله ص

147-  و منه، عن عمرو عن أبيه عن أبي جعفر ع قال خلق الله أرض كربلاء قبل أن يخلق أرض الكعبة بأربعة و عشرين ألف عام و قدسها و بارك عليها فما زالت قبل خلق الله الخلق مقدسة مباركة و لا تزال كذلك حتى يجعلها الله   أفضل أرض في الجنة و أفضل منزل و مسكن يسكن الله فيه أولياءه في الجنة

 و منه عن رجل عن أبي الجارود عن علي بن الحسين ع مثله

148-  الكافي، عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن محمد بن سنان عن محمد بن عمران العجلي قال قلت لأبي عبد الله ع أي شي‏ء كان موضع البيت حيث كان الماء في قول الله عز و جل وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ قال كانت مهاة بيضاء يعني درة

 بيان قال الجوهري المهاة بالفتح البلور

149-  الكافي، عن علي بن محمد عن سهل بن زياد عن منصور بن العباس عن صالح اللفائفي عن أبي عبد الله ع قال إن الله عز و جل دحا الأرض من تحت الكعبة إلى منى ثم دحاها من منى إلى عرفات ثم دحاها من عرفات إلى منى فالأرض من عرفات و عرفات من منى و منى من الكعبة

 بيان قوله ثم دحاها من عرفات إلى منى أي دحا السطح الظاهر من الأرض من عرفات إلى منتهاها ثم ردها من تحت الأرض لحصول الكروية إلى منى و لم يذكر ع كيفية إتمامه لظهوره أو المعنى أنه ردها من جهة التحت إلى الجانب الآخر ثم إلى الكعبة ثم تمم أطراف الكرة من جهة الفوق إلى منى ليتم كلها و أما ما تكلف بعض أفاضل المعاصرين حيث قرأ منى أخيرا بفتح الميم بمعنى قدر أي إلى آخر ما قدره الله من منتهى الأرض فلا يخفى عليك بعده

    -150  الكافي، عن عدة من أصحابه عن أحمد بن محمد عن علي بن الحكم عن سيف بن عميرة عن أبي زرارة التميمي عن أبي حسان عن أبي جعفر ع قال لما أراد الله عز و جل أن يخلق الأرض أمر الرياح فضربن وجه الماء حتى صار موجا ثم أزبد فصار زبدا واحدا فجمعه في موضع البيت ثم جعله جبلا من زبد ثم دحا الأرض من تحته و هو قول الله عز و جل إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً

 و رواه أيضا عن سيف بن عميرة عن أبي بكر الحضرمي عن أبي عبد الله ع مثله

151-  الدر المنثور، للسيوطي بأسانيد عن مجاهد قال خلق الله الأرض قبل السماء فلما خلق الأرض ثار منها دخان فذلك قوله ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ يقول خلق سبع سماوات بعضهن فوق بعض و سبع أرضين بعضهن تحت بعض

152-  و منه، أيضا بعده طرق عن ابن عباس و ابن مسعود و ناس من أصحاب رسول الله ص في قوله تعالى هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ قال إن الله كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ و لم يخلق شيئا قبل الماء فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانا فارتفع فوق الماء فسمى عليه فسماه سماء ثم أيبس الماء فجعله أرضا واحدة ثم فتقها فجعلها سبع أرضين في يومين في الأحد و الإثنين فجعل الأرض على الحوت   و هو الذي ذكره في قوله ن وَ الْقَلَمِ و الحوت في الماء على صفاة و الصفاة على ملك و الملك على صخرة و الصخرة على الريح و هي الصخرة التي ذكرها لقمان ليست في السماء و لا في الأرض فتحرك الحوت فاضطرب فتزلزلت الأرض فأرسى عليها الجبال فقرت فذلك قوله وَ جَعَلَ لَها رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ و خلق الجبال فيها و أقوات أهلها و شجرها و ما ينبغي لها في يومين في الثلاثاء و الأربعاء و ذلك قوله أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ إلى قوله وَ بارَكَ فِيها يقول أنبت فيها شجرها وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها و أهلها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ يقول من سأل فهكذا الأمر ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ فكان ذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس فجعلها سماء واحدة ثم فتقها فجعلها سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ في الخميس و الجمعة لأنه جمع فيه خلق السماوات و الأرض وَ أَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها قال خلق في كل سماء خلقها من الملائكة و الخلق الذي فيها من البحار و الجبال البرد ما لا يعلم ثم زين السماء الدنيا بالكواكب فجعلها زينة و حفظا من الشياطين فلما فرغ من خلق ما أحب اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ

153-  و عن ابن عباس في قوله تعالى ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ يعني صعد أمره إلى السماء فَسَوَّاهُنَّ يعني خلق سَبْعَ سَماواتٍ قال أجرى النار على الماء فبخر البحر فصعد في الهواء فجعل السماوات منه

    -154  و عن عبد الله بن عمرو قال لما أراد الله أن يخلق الأشياء إذ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ و إذ لا أرض و لا سماء خلق الريح فسلطها على الماء حتى اضطربت أمواجه و أثار ركامه فأخرج من الماء دخانا و طينا و زبدا فأمر الدخان فعلا و سما و نما فخلق منه السماوات و خلق من الطين الأرضين و خلق من الزبد الجبال

155-  و عن أبي هريرة قال أخذ النبي ص بيدي فقال خلق الله التربة يوم السبت و خلق فيها الجبال يوم الأحد و خلق الشجر يوم الإثنين و خلق المكروه يوم الثلاثاء و خلق النور يوم الأربعاء و بث فيها الدواب يوم الخميس و خلق آدم يوم الجمعة بعد العصر

156-  و عن النبي ص قال دحيت الأرض من مكة و كانت الملائكة تطوف بالبيت و هي أول من طاف به و هي الأرض التي قال الله إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً

157-  و عن ابن عباس قال وضع البيت على الماء على أربعة أركان قبل أن يخلق الدنيا بألفي عام ثم دحيت الأرض من تحت البيت

158-  و عن مجاهد قال خلق الله موضع البيت الحرام من قبل أن يخلق شيئا من الأرض بألفي سنة و أركانه في الأرض السابعة

159-  و عن كعب الأحبار قال كانت الكعبة غثاء على الماء قبل أن يخلق   الله السماوات و الأرض بأربعين سنة و منها دحيت الأرض

160-  و عن ابن عباس قال لما كان العرش على الماء قبل أن يخلق الله السماوات و الأرض بعث الله ريحا هفافة فصفقت الريح الماء فأبرزت عن خشفة في موضع البيت كأنها قبة فدحا الله الأرض من تحتها فمادت ثم مادت فأوتدها الله بالجبال فكان أول جبل وضع فيها أبو قبيس فلذلك سميت أم القرى

161-  و عن مجاهد قال بدأ الله بخلق العرش و الماء و الهواء و خلقت الأرض من الماء و كان بدء الخلق يوم الأحد و جمع الخلق يوم الجمعة و تهودت اليهود يوم السبت و يوم من الستة أيام كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ

162-  و عن عكرمة قال إن الله بدأ خلق السماوات و الأرض و ما بينهما يوم الأحد ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يوم الجمعة في ثلاث ساعات فخلق في ساعة منها الشموس كي يرغب الناس إلى ربهم في الدعاء و المسألة

163-  و كتب يزيد بن مسلم إلى جابر بن يزيد يسأله عن بدء الخلق قال العرش و الماء و القلم و الله أعلم

164-  و عن عمران بن الحصين عن النبي ص قال كان الله قبل كل شي‏ء وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ و كتب في اللوح المحفوظ ذكر كل شي‏ء الخبر

165-  و عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله ص إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات و الأرضين بخمسين ألف سنة و عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ

    -166  و عن ابن عباس أنه سئل عن قوله تعالى وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ على أي شي‏ء كان الماء قال على متن الريح

167-  و عن مجاهد في قوله وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ قبل أن يخلق شيئا

168-  و عن الربيع بن أنس قال كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ فلما خلق السماوات و الأرض قسم ذلك الماء قسمين فجعل نصفا تحت العرش و هو البحر المسجور فلا تقطر منه قطرة حتى ينفخ في الصور فينزل

169-  و عن عكرمة قال سئل ابن عباس عن الليل كان قبل أم النهار قال الليل ثم قرأ أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما فهل تعلمون كان بينهما إلا ظلمة

170-  و عن النبي ص في قوله وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْ‏ءٍ حَيٍّ قال كل شي‏ء خلق من الماء

171-  و عن وهب قال قال عزير رب أمرت الماء فجمد في وسط الهواء فجعلت منه سبعا و سميته السماوات ثم أمرت الماء ينفتق عن التراب و أمرت التراب أن يتميز من الماء فكان كذلك فسميت جميع ذلك الأرضين و جميع الماء البحار ثم خلقت من الماء أعمى أعين بصرته و منها أصم آذان أسمعته و منها ميت أنفس أحييته خلقت ذلك بكلمة واحدة منها ما عيشه الماء و منها ما لا صبر له على الماء خلقا مختلفا في الأجسام و الألوان جنسته أجناسا و زوجته أزواجا و خلقت أصنافا و ألهمته الذي خلقته ثم خلقت من التراب و الماء دواب الأرض و ماشيتها و سباعها فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ و منهم العظيم و الصغير ثم زرعت في   أرضك كل نبات فيها بكلمة واحدة و تراب واحد و تسقى بماء واحد فجاء على مشيئتك مختلفا أكله و لونه و ريحه و طعمه منه الحلو و منه الحامض و المر و الطيب ريحه و المنتن و القبيح و الحسن و قال عزير يا رب إنما نحن خلقك و عمل يدك خلقت أجسادنا في أرحام أمهاتنا و صورتنا كيف تشاء بقدرتك جعلت لنا أركانا و جعلت فيها عظاما و شققت لنا أسماعا و أبصارا ثم جعلت لها في تلك الظلمة نورا و في ذلك الضيق سعة و في ذلك الغم روحا ثم هيأت لها من فضلك رزقا يقويه على مشيئتك ثم وعظته بكتابك و حكمتك ثم قضيت عليه الموت لا محالة ثم أنت تعيده كما بدأته قال عزير اللهم بكلمتك خلقت جميع خلقك فأتى على مشيتك لم تأن في ذلك مئونة و لم تنصب فيه نصبا كان عرشك على الماء و الظلمة على الهواء و الملائكة يحملون عرشك و يسبحون بحمدك و الخلق مطيع لك خاشع من خوفك لا يرى فيه نور إلا نورك و لا يسمع فيه صوت إلا سمعك ثم فتحت خزانة النور و طريق الظلمة فكانا ليلا و نهارا يختلفان بأمرك

172-  و عن ابن عباس أن اليهود أتت النبي ص فسألته عن خلق السماوات و الأرض فقال خلق الله الأرض يوم الأحد و الإثنين و خلق الجبال و ما فيهن من منافع يوم الثلاثاء و خلق يوم الأربعاء الشجر و الماء و المدائن و العمران و الخراب فهذه أربعة فقال تعالى قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ إلى قوله فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ و خلق يوم الخميس السماء و خلق يوم الجمعة النجوم و الشمس و القمر و الملائكة إلى ثلاث ساعات بقين منه   فخلق في أول ساعة من هذه الثلاث الآجال حين يموت من مات و في الثانية ألقى الآفة على كل شي‏ء مما ينتفع به و في الثالثة خلق آدم و أسكنه الجنة و أمر إبليس بالسجود له و أخرجه منها في آخر ساعة قالت اليهود ثم ما ذا يا محمد قال ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ قالوا قد أصبت لو أتممت قالوا ثم استراح فغضب النبي ص غضبا شديدا فنزل وَ لَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَ ما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ

173-  و عن ابن جريح في قوله وَ بارَكَ فِيها قال كل شي‏ء فيه منفعة لابن آدم فهو مبارك

174-  و عن ابن عباس في قوله وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها قال شق الأنهار و غرس الأشجار و وضع الجبال و أجرى البحار و جعل في هذه ما ليس في هذه و في هذه ما ليس في هذه

175-  و عن عكرمة في قوله تعالى وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها قال قدر في كل أرض شيئا لا يصلح في غيرها

176-  و عن ابن جبير قال معاشها

177-  و عن الحسن قال أرزاقها

178-  و عن ابن عباس قال خلق الله السماوات من دخان ثم ابتدأ خلق الأرض يوم الأحد و يوم الإثنين و ذلك قوله أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ثم قدر فيها أقواتها في يوم الثلاثاء و يوم الأربعاء فذلك قوله وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ فسمكها و زينها بالنجوم و الشمس و القمر و أجراهما في فلكهما و خلق فيها ما شاء من   خلقه و ملائكته في يوم الخميس و يوم الجمعة و خلق الجنة في يوم الجمعة و خلق آدم يوم الجمعة فذلك قول الله خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ و سبت كل شي‏ء يوم السبت فعظمت اليهود يوم السبت لأنه سبت فيه كل شي‏ء و عظمت النصارى يوم الأحد لأنه ابتدأ فيه خلق كل شي‏ء و عظم المسلمون يوم الجمعة لأن الله فرغ فيه من خلقه و خلق في الجنة رحمته و خلق فيه آدم و فيه هبط من الجنة إلى الأرض و فيه قبلت في الأرض توبته و هو أعظمها

179-  و عن عبد الله بن سلام قال إن الله ابتدأ الخلق و خلق الأرضين يوم الأحد و الإثنين و خلق الأقوات و الرواسي في يوم الثلاثاء و الأربعاء و خلق السماوات في الخميس و الجمعة إلى صلاة العصر و خلق فيها آدم في تلك الساعة التي لا يوافقها عبد في صلاة يدعو ربه إلا استجاب له فهي ما بين صلاة العصر إلى أن تغيب الشمس

180-  و عن عكرمة أن اليهود قالوا للنبي ص ما يوم الأحد قال فيه خلق الله الأرض و كبسها قالوا الإثنين قال خلق فيه و في الثلاثاء الجبال و الماء و كذا و كذا و ما شاء الله قالوا فيوم الأربعاء قال الأقوات قالوا فيوم الخميس قال فيه خلق الله السماوات قالوا يوم الجمعة قال خلق في ساعتين الملائكة و في ساعتين الجنة و النار و في ساعتين الشمس و القمر و الكواكب و في ساعتين الليل و النهار قالوا السبت و ذكروا الراحة فقال سبحان الله فأنزل الله وَ لَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَ ما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ

 و عن ابن عباس أيضا نحوه

    -181  و عن ابن عمر عن النبي ص قال إن الله تعالى فرغ من خلقه في ستة أيام أولهن يوم الأحد و الإثنين و الثلاثاء و الأربعاء و الخميس و الجمعة

182-  و عن ابن عباس في قوله تعالى فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قال قال للسماء أخرجى شمسك و قمرك و نجومك و للأرض شققي أنهارك و أخرجى ثمارك فقالتا أتينا طائعين

183-  و عن ابن عباس أن رجلا قال له آيتان في كتاب الله تخالف إحداهما الأخرى فقال إنما أتيت من قبل رأيك اقرأ قال قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ حتى بلغ ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ و قوله وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها قال خلق الله الأرض قبل أن يخلق السماء ثم خلق السماء ثم دحا الأرض بعد ما خلق السماء و إنما قوله دَحاها بسطها

 بيان في النهاية فيه كانت الكعبة خشعة على الماء فدحيت منها الأرض الخشعة أكمة لاطئة بالأرض و الجمع خشع قيل هو ما غلبت عليه السهولة أي ليس بحجر و لا طين و يروى خشفة بالخاء و الفاء و قال الخطابي الخشفة واحدة الخشف و هي الحجارة تنبت في الأرض نباتا

184-  مروج الذهب، للمسعودي عن أبي عبد الله جعفر بن محمد عن آبائه عن أمير المؤمنين ع قال إن الله حين شاء تقدير الخليقة و ذرء البرية و إبداع المبدعات نصب الخلق في صور كالهباء قبل دحو الأرض و رفع السماء و هو في   انفراد ملكوته و توحد جبروته فأتاح نورا من نوره فلمع و قبسا من ضيائه فسطع ثم اجتمع النور في وسط تلك الصور الخفية فوافق ذلك صورة نبينا محمد ص فقال الله عز من قائل أنت المختار المنتخب و عندك أستودع نوري و كنوز هدايتي و من أجلك أسطح البطحاء و أرفع السماء و أمزج الماء و أجعل الثواب و العذاب و الجنة و النار و أنصب أهل بيتك بالهداية و أوتيهم من مكنون علمي ما لا يخفى عليهم دقيق و لا يغيبهم خفي و أجعلهم حجة على بريتي و المنبهين على علمي و وحدانيتي ثم أخذ الله سبحانه الشهادة للربوبية و الإخلاص للوحدانية فبعد أخذ ما أخذ من ذلك شاء ببصائر الخلق انتخاب محمد و أراهم أن الهداية معه و النور له و الإمامة في أهله تقديما لسنة العدل و ليكون الإعذار متقدما ثم أخفى الله الخليقة في غيبه و غيبها في مكنون علمه ثم نصب العوالم و بسط الزمان و مرج الماء و أثار الزبد و أهاج الدخان فطفا عرشه على الماء و سطح الأرض على ظهر الماء ثم استجابهما إلى الطاعة فأذعنتا بالاستجابة ثم أنشأ الملائكة من أنوار نبوة قد ابتدعها و أنوار اخترعها و قرن بتوحيده نبوة نبيه محمد ص فشهرت نبوته في السماء قبل بعثته   في الأرض فلما خلق الله آدم أبان له فضله للملائكة و أراهم ما خصه به من سابق العلم من حيث عرفهم عند استنبائه إياه أسماء الأشياء فجعل الله آدم محرابا و كعبة و قبلة أسجد إليها الأنوار و الروحانيين و الأبرار ثم نبه آدم على مستودعه و كشف له خطر ما ائتمنه على أن سماه إماما عند الملائكة فكان حظ آدم من الخبر إنباءه و نطقه بمستودع نورنا و لم يزل الله تعالى يخبأ النور تحت الزمان إلى أن فصل محمدا ص في طاهر القنوات فدعا الناس ظاهرا و باطنا و ندبهم سرا و إعلانا و استدعى التنبيه على العهد الذي قدمه إلى الذر قبل النسل و من وافقه قبس من مصباح النور المتقدم اهتدى إلى سره و استبان واضح أمره و من ألبسته الغفلة استحق السخطة لم يهتد إلى ذلك ثم انتقل النور إلى غرائزنا و لمع مع أئمتنا فنحن أنوار السماء و أنوار الأرض فينا النجاة و منا مكنون العلم و إلينا مصير الأمور و بنا تقطع الحجج و منا خاتم الأئمة و منقذ الأمة و غاية النور و مصدر الأمور فنحن أفضل المخلوقين و أكمل الموجودين و حجج رب العالمين فلتهنأ النعمة من تمسك بولايتنا و قبض عروتنا

 بيان أمزج الماء أي أخلطه بغيره فأخلق منه المركبات و يمكن أن يكون بالراء المهملة كقوله تعالى مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ أي حلاهما ببصائر الخلق أي لأن   يجعلهم ذوي بصائر أو ملتبسا ببصائرهم و علمهم و القنوات جمع قناة و قال الجوهري قناة الظهر التي تنتظم الفقار انتهى و الإبلاس بمعنى الحيرة أو اليأس لازم و استعمل هنا متعديا و الظاهر أن فيه تصحيفا كما في كثير من الفقرات الأخر

185-  الكافي، عن عدة من أصحابه عن سهل بن زياد عن محمد بن إسماعيل عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله ع قال إن الله تبارك و تعالى خلق الدنيا في ستة أيام ثم اختزلها عن أيام السنة فالسنة ثلاثمائة و أربع و خمسون يوما شعبان لا يتم أبدا و رمضان لا ينقص و الله أبدا و لا تكون فريضة ناقصة إن الله عز و جل يقول وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ و شوال تسعة و عشرون يوما و ذو القعدة ثلاثون يوما لقول الله عز و جل وَ واعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَ أَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً و ذو الحجة تسعة و عشرون يوما و المحرم ثلاثون يوما ثم الشهور بعد ذلك شهر تام و شهر ناقص الخبر

186-  الفقيه، بإسناده عن محمد بن يعقوب بن شعيب عن أبيه عن الصادق ع قال قلت له إن الناس يروون أن رسول الله ص ما صام من شهر رمضان تسعة و عشرين يوما أكثر مما صام ثلاثين قال كذبوا ما صام رسول الله ص إلا تاما و لا تكون الفرائض ناقصة إن الله خلق السنة ثلاثمائة و ستين يوما و خلق السماوات و الأرض في ستة أيام فحجزها من ثلاثمائة و ستين يوما فالسنة ثلاثمائة و أربعة و خمسون يوما و شهر رمضان ثلاثون يوما لقول الله عز و جل وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ و الكامل تام و شوال تسعة و عشرون يوما و ذو القعدة ثلاثون يوما لقول الله عز و جل وَ واعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً فالشهر هكذا ثم هكذا أي   شهر تام و شهر ناقص و شهر رمضان لا ينقص أبدا و شعبان لا يتم أبدا

 تبيين قال بعض المحققين في علة تخصيص الستة أيام بخلق العالم ما حاصله أن أفعاله سبحانه مبنية على الحكم و المصالح و أن حكمته اقتضت أن تكون أفعاله بالنسبة إلى مخلوقاته على قسمين قسم يصدر عنه في كل آن إرادة دفعية بدون توقفه على مادة أو مدة و قسم لا يصدر عنه إلا بعد مدة أجرى عادته بحصول استعداد مادته له في تلك المدة على سبيل التدريج و أن خلق الماء الذي جعله مادة لسائر الأجسام و الجسمانيات و ما يشبهه من القسم الأول و خلق السماوات و الأرضين و ما في حكمهما من القسم الثاني و هذا حكم أطبق عليه جميع المليين و كثير من قدماء الفلاسفة فما ذكره المفسرون من أن معنى خلق السماوات و الأرض إبداعهما لا من شي‏ء ليس بشي‏ء و يدل عليه خطب أمير المؤمنين ع و غيرها ثم إن القسم الثاني يستدعي بالنسبة إلى كل مخلوق قدرا معينا من الزمان كما يرشد إليه تتبع الأزمنة المعينة التي جرت عادته تعالى أن يخلق فيها أصناف النباتات من موادها العنصرية و أنواع الحيوانات من مواد نطفها في أرحام أمهاتها فعلى ذلك خلق السماوات و الأرض من مادتها التي هي الماء بعد خصوص القدر المذكور من الزمان إنما هو من هذا القبيل و أما خصوص الحكمة الداعية إلى إجراء عادته بخلق تلك الأمور من موادها على التدريج ثم تقدير قدر خاص و زمان محدود لكل منها فلا مطمع في معرفته فإنه من أسرار القضاء و القدر التي لا يمكن أن يحيط بها عقل البشر و لذلك كتم عنا بل عن بعض المقربين و المرسلين بل سد علينا و عليهم باب الفحص و التفتيش بالنهي الصريح الدال عليه كثير من القرآن و الخبر. ثم إن اليوم عبارة عن زمان تمام دورة للشمس بحركتها السريعة العادية الموسومة باليومية فكيف يتصور أن يكون خلق السماوات الحاملة للشمس و غيرها من الكواكب في عدة من الزمان المذكور و هل لا يكون تكون الدائر في زمان   دورته مستلزما للدور المستحيل بالضرورة فقد ذكر ابن العربي فيما سماه بالفتوحات إن اليوم و زمان دورة للفلك الأطلس فلا يكون منوطا بالشمس و لا بالسماوات السبع إنما المنوط بها الليل و النهار و هما غير اليوم و فيه أنه اصطلاح مبني على أصول الفلسفة تأبى عنه اللغة و العرف المبني عليهما لسان الشريعة و لظهور ذلك أطبق المفسرون على تأويله إما بحمل تلك الأيام على زمان مساو لقدر زمانها و إما بحملها على أوقات أو مرات متعددة بعدتها حتى يكون معنى خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ مثلا خلقها في مرتين مرة خلق أصلها و مرة تمييز بعض أجزائها عن بعض و كذلك في السماوات و غيرها و لا يخفى أن شيئا من التأويلين و لا سيما الثاني لا يلائم تعيين خصوص يوم من أيام الأسبوع لخلق كل منها في الروايات و ذلك ظاهر جدا و أيضا يستبعد العقل جدا أن لا يمكن خلق الإنسان مثلا من نطفته عادة في أقل من ستة أشهر و يكون خلق السماوات و الأرض و ما بينهما في ستة أيام مع أن الحال كما قال تعالى لَخَلْقُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ و أيضا إخباره تعالى بخصوص قدر زمان لا بد له من نكتة أقل ما في الباب أن يكون من جهة قلته أو كثرته دخيلا في المطلوب و لا يناسب شي‏ء منهما هاهنا إذ لو كان لأجل معرفة العباد أنه تعالى قادر على خلق مثل السماوات و الأرض في هذه المدة القليلة فمعلوم أن ذلك ليس له

    وقع في هذا المطلوب بعد الإخبار بأمثال أن أمره إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ و لو كان للامتنان عليهم بأن خلقه في تلك المدة المديدة كان لأجل تدبير ما يحتاجون إليه في أمور معاشهم و معادهم فظاهر أن قدر ستة أيام لا يصلح لهذا المقصود فالوجه أن يفسر اليوم هاهنا و العلم عند الله و أهله بما فسره الله تعالى تارة بقوله وَ إِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ و تارة بقوله فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ و أخرى بقوله فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ فإن القرآن يفسر بعضه بعضا و قد يعبر عن الأول باليوم الرباني و عن الثاني بيوم الله فعلى كل تقدير يكون ملائما لما نسب من خلق كل منها إلى يوم من الأسبوع في الروايات و يتم ما يقصر عنه عند حمله على اليوم الدنيوي من معنى الامتنان المقصود له تعالى في كثير من أمثال تلك الآيات و لعل حمله على الأول فيما نحن فيه أنسب و أقرب فتصويره على ذلك أن كل امتداد سواء كان قار الذات كالجسم أو غير قار الذات كالزمان ينبغي أن يقدر له أجزاء و لكل جزء منه أجزاء و هكذا إلى ما يحتاج التعبير عن قدر معين منها للتفهيم بدون كلفة و ذلك كتقدير الفلك بالبروج و المنازل و الدرجات و تقدير الزمان بالسنين و الشهور و الأيام و الساعات و على هذا لا بعد في أن الحكمة الإلهية كانت اقتضت أن يقدر للزمان المتقدم على زمان الدنيا بل للزمان المتأخر عن زمانها أيضا بأمثال ما قدره لزمانها من السنين إلى الساعات لكن مع رعاية نوع مناسبة لهذه الأجزاء إلى المقدر بها فكما أن المناسب لزمان الدنيا أن يكون كل يوم منه بقدر دورة للشمس يجوز أن يكون المناسب للزمان المتقدم أن يكون كل يوم منه بقدر ألف سنة من زمان الدنيا و للزمان المتأخر أن يكون مساويا لخمسين ألف سنة منه فيكون ما أخبرنا به في الآيتين الأوليين حال الزمان المتقدم و في   الثالثة حال الزمان المتأخر فلا بعد فيما يلوح من بعض الإشارات المأثورة من أنه تعالى كان قدر للزمان المتقدم أسابيع و سمى الأول من أيامها بالأحد و الثاني بالإثنين و هكذا إلى السبت و كذلك قدر له شهورا تامة كل منها ثلاثون يوما سمى أولها بالمحرم أو رمضان على اختلاف الروايات في أول شهور السنة و ثانيها بصفر أو شوال و هكذا إلى ذي الحجة أو شعبان و على كل تقدير كان المجموع سنة كاملة موافقة لثلاثمائة و ستين يوما ثم جعل أيام أسابيعنا و شهورنا موافقة لأيام تلك الأسابيع و الشهور في المبدإ و العدة و التسمية و قد يساعد عليه ما في سورة التوبة من قوله تعالى إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ فتستقيم بذلك أمثال ما روي أنه تعالى خلق الأرض و السماء في يوم الأحد أو خلق الملائكة في يوم الجمعة فلا يتوجه إشكال وجوب تأخر أصل اليوم فضلا عن خصوص الأحد عن خلق السماوات و الأرض و لا إشكال لزوم خلق الملائكة فيما تأخر عن المتأخر عنه من السماوات و الأرض على ما مر في حديث الرضا ع و تستقيم به أيضا أمثال ما روي أن دحو الأرض كان في ليلة خمس و عشرين من ذي القعدة بدون استبعاد و انقباض للعقل من جهة أن تقدم امتياز تلك الشهور بعضها عن بعض و انضباطها بتلك الأسامي على دحو الأرض و ما يتبعه من خلق الإنس بل الجن أيضا خلاف العادة. ثم إنه يلوح مما ذكره صاحب الملل و النحل بقوله قد اجتمعت اليهود على أن الله تعالى لما فرغ من خلق الأرض استوى على عرشه مستلقيا على قفاه واضعا إحدى رجليه على الأخرى فقالت فرقة منهم إن الستة الأيام هي الستة آلاف سنة ف إِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ و بالسير القمري و ذلك ما مضى من لدن آدم ع إلى يومنا هذا و به يتم الخلق ثم إذا بلغ الخلق إلى النهاية ابتدأ الأمر و من ابتداء الأمر يكون الاستواء على العرش و الفراغ من

    الخلق و ليس ذلك أمرا كان و مضى بل هو في المستقبل إذا عددنا الأيام بالألوف انتهى إن بعضا من الكتب السماوية كالتوراة كان متضمنا للإشارة إلى أن المراد بالأيام المخلوقة فيها السماوات و الأرض هو الأيام الربانية و لكن اليهود لم يتفطنوا بكونها سابقة على زمان الدنيا و تعمدوا في تحريفها عن موضعها بتطبيقها على بعض أزمنة الدنيا تصحيحا لما سولته لهم أنفسهم من أن شريعة موسى ع هي أول أوامره و شروعه في التكليف حتى لا يلزمهم الإقرار بنسخ شريعة سابقة مستلزم لإمكان وقوع مثله على شريعتهم أيضا فافهم و يظهر مما ذكره محمد بن جرير الطبري في أول تاريخه أن حمل تلك الأيام على الأيام الربانية أمر مقرر بين أهل الإسلام أيضا من قديم الأيام فإذا تأملت في مدارج ما صورناه و بيناه يظهر لك أن السماوات و الأرض و ما بينهما المعبر عنها بالدنيا بمنزلة شخص مخلوق من نطفة هي الماء على طبق حصول استعداداته بالتدريج كما جرت به عادته تعالى في مدة مديدة هي على حسابنا ستة آلاف سنة قمرية موافقة لستة أيام من الأيام الربانية فبعد تمام هذه المدة التي هي بمنزلة زمان الحمل لها تولدت كاملة بطالع السرطان و الكواكب في شرفها و حينئذ أخذت الشمس و القمر في حركتهما المقدرة لهما المنوطة بهما الليل و النهار و ذلك كان في يوم الجمعة كما مر وجهه و كان أيضا سادس شهر محرم الحرام أو رمضان المبارك عند ما مضت ثلاث ساعات و اثنتا عشرة دقيقة من نهاره و لا ينافي ذلك ما ورد في حديث الرضا ع أنه كانت الشمس عند كينونتها في وسط السماء لأنه ع في صدد تصوير وضع نهار أيام الدنيا حينئذ لا الأيام الربانية و ما نحن فيه مبني عليها فلا يلزم الموافقة هذا هو مبدأ عمر الدنيا و أما مبدأ خلقها من نطفتها فمقدم عليه بقدر ما عرفت من زمان حملها فكان مبدأ أول يوم الأحد من تلك الأيام غرة أحد الشهرين و لا شك بما نصب لنا من الدلالات اليقينية أن لها أمدا ممدودا و أجلا محدودا و يقرب احتمال أنه تعالى كان قدر لجملة زمانها من مبدإ خلقها إلى حلول أجلها سنة كاملة من السنين الربانية فجعل ستة أيام منها بإزاء خلقها و الباقية   و هي ثلاثمائة و أربعة و خمسون يوما بإزاء عمرها و إنها كما مر مساوية لثلاثمائة و أربعة و خمسين ألف سنة من السنين القمرية الدنيوية يلوح ذلك من جملة روايات و عدة إشارات من الصادقين ع. منها ما روي عن رسول الله ص في فضل الجهاد و توابعه أن رباط يوم في سبيل الله خير من عبادة الرجل في أهله سنة ثلاثمائة و ستين يوما كل يوم ألف سنة فإن الذكي يتفطن من الخصوصية المذكورة فيها لكل من السنة و اليوم بأن المراد بهما غير السنة و اليوم الدنيويين إذ لا سنة في الدنيا بهذا العدد من الأيام فإنه لا يوافق شيئا من الشمسية و القمرية المعتبرتين فيها و لا يوم من أيام الدنيا موافقا لذلك الامتداد من الزمان فيظن أن هذا التعبير كناية عن نهاية ما يتصور للرجل من العبادة و هو تمام زمان الدنيا. و منها ما رواه الصدوق في الفقيه و الكليني في الكافي ثم أورد الروايتين فقال وجه دلالة الحديثين على ما ذكرنا أن السنة الأولى فيه و هي المختزلة عنها الأيام الستة يجب أن تحمل على السنة الربانية لأن شيئا من السنة الشمسية و القمرية الدنيويتين لم يخلق ثلاثمائة و ستين يوما كما تقرر في موضعه و لأنه لو حملت على الدنيوية فإما أن تحمل الأيام الستة أيضا على الأيام الدنيوية فغاية ما يلزم من اختزالها عنها أن تكون السنة الأولى من سني عمر الدنيا ثلاثمائة و أربعة و خمسين يوما فلا يلزم هذا النقصان في جميع السنين و إما أن تحمل على الأيام الربانية فلا يتصور الاختزال المذكور حينئذ فإن يوما من تلك الأيام كألف سنة من تلك السنين فتحقق أن المراد بتلك السنة السنة الربانية على وفق ما بينا أن المراد بالأيام الستة الأيام الربانية و أما السنة الثانية في الحديثين فيجب أن تحمل على السنة الدنيوية المستتبعة لنقصان بعض شهورها و هو ظاهر فعلى هذا ما يفهم منه من تفرع النقصان في تلك السنة و شهورها على الاختزال المذكور يدل على أنه لو لم يختزل الأيام الستة المذكورة عن رأس السنة الربانية المذكورة بل وقع خلق الدنيا في زمان خارج عن تلك السنة متصل بها لكانت أيام السنة الدنيوية

    ثلاثمائة و ستين و كذا يدل على أن الأيام المختزلة لو كانت عشرة مثلا لكانت أيام السنة الدنيوية ثلاثمائة و خمسين و على هذا القياس فيظهر بذلك أنه مبني على أن الحكمة الإلهية اقتضت مساواة الأيام الباقية بعد الاختزال من السنة الربانية مع أيام كل سنة من السنين الدنيوية فيتفطن الذكي من لزوم تلك السماوات بين هاتين الأيامين أنهما منسوبتان إلى شي‏ء واحد فكما أن أيام السنة الدنيوية منسوبة إلى الدنيا و محسوبة من عمرها كذلك الأيام الباقية المذكورة منسوبة إليها لأجل عمرها و يؤيده انتساب الأيام السنة المختزلة أيضا إليها لأجل خلقها فتبين من مدارج ما قررنا سر هذا الاختزال و كونه على النحو المذكور أيضا فإنه لو لم يقع أو وقع لا على النحو المذكور لكان يزيد ألف سنة من سني الدنيا على يوم من الأيام الربانية أو ينقص عنها و هو خلاف ما أخبرنا الله تعالى به من مساواتهما المبنية على حكمته و مصلحته بلا شبهة. ثم ليعلم أن كون السنة الدنيوية القمرية ثلاثمائة و أربعة و خمسين يوما مبني على ما تعارف من إسقاط الكسر الناقص عن النصف في الحساب مساهلة فلا ينافي كونها في الحقيقة زائدة عليه بثماني ساعات مستوية و ثمان و أربعين دقيقة على ما هو المضبوط بالأرصاد فعلى ذلك تكون بقية السنة الربانية التي بإزاء عمر الدنيا أيضا زائدة بمثل تلك الساعات و الدقائق بحكم المساواة المذكورة فيلزم من هذه الجهة أن يكون أيام الستة المختزلة لخلق الدنيا ناقصة عنها أيضا بالقدر المذكور لئلا يلزم زيادة مجموعهما على ثلاثمائة و ستين و قد أشرنا في تصوير زمان حمل الدنيا إلى هذه الدقيقة فتذكر. انتهى كلامه رفع الله مقامه و لقد أحسن و أجاد و حقق و أفاد في إبداء هذا الوجه الوجيه مع تأيده بما ذكر و بغيره من الأخبار المتقدمة عن مجاهد و غيره و بما رواه الصدوق ره في الفقيه و غيره في علة الصلوات الخمس

 عن النبي ص حيث قال و أما صلاة المغرب فهي الساعة التي تاب الله عز و جل فيها   على آدم و كان بين ما أكل من الشجرة و بين ما تاب الله عز و جل عليه ثلاثمائة سنة من أيام الدنيا و في أيام الآخرة يوم كألف سنة ما بين العصر إلى العشاء

و قد أوردت مثله بأسانيد في المجلد الخامس و بما رواه السيوطي في الدر المنثور عن عكرمة قال سأل رجل ابن عباس ما هؤلاء الآيات فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ و يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ و يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَ لَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَ إِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ قال يوم القيامة حساب خمسين ألف سنة و خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ كل يوم ألف سنة و يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ و ذلك مقدار السير. و عن عكرمة فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ قال هي الدنيا أولها إلى آخرها يوم مقداره خمسون ألف سنة لكن فيما زيف به بعض الوجوه الأخر نظر إذ بناء تحقيقه على تحقق الزمان الموهوم قبل خلق العالم و إن كان تقديره و قسمته بالأيام و الساعات فيمكن أن يقال بعد خلق الكواكب و حركاتها و تعيين الليالي و الأيام و الشهور و الأسابيع يمكن الرجوع القهقرى و تعيين جميع ذلك في الأزمنة الماضية تقديرا و تكلف التقدير مشترك بين الوجهين مع أن هذا الوجه أوفق بظواهر أكثر الآيات و الأخبار و أما أن الستة الأيام لا يكون مبالغة في جانب القلة إذا حملت على أيام الدنيا فليس كذلك بل في خلق السماوات و الأرض مع وفور عظمتهما و اشتمالهما على أنواع الحكم الدقيقة و المصالح الأنيقة مما يدل على غاية القدرة و العلم و الحكمة و أما أنه كان يمكن خلقهما في أقل من ذلك الزمان فبين الرضا ع الحكمة في ذلك فلعله سبحانه جمع بين الأمرين أي عدم الخلق دفعة و قلة الزمان رعاية للأمرين معا و سائر ما ذكره قدس سره إما محض   استبعاد أو مقايسة بعض المخلوقات ببعض و كلاهما مما لا وقع له في هذا المقام. و أما الاختزال فيمكن أن يكون غرضه ع الإشارة إلى علة شيوع هذا الاصطلاح أي إطلاق السنة في عرف الشرع و العرف العام على ثلاثمائة و ستين مع أنها لا توافق السنة الشمسية و لا القمرية بأنها مطابقة للسنة الأولى من خلق العالم إذا حسبت من ابتداء الخلق و أما السنة القمرية فهي مبنية على حركة القمر بعد وجوده و الستة المتقدمة المصروفة في خلق العالم مختزلة منها و سيأتي لذلك مزيد تحقيق في محله إن شاء الله تعالى. ثم اعلم أنه قد تكلم كثير من الناس من الفرق المتشتتة في قدر زمان عمر الدنيا فأكثر اليهود بل سائر أهل الكتاب مالوا إلى تقليله بأمور خطابية لا ترتضيها العقول السليمة و جمهور الهنود بالغوا في تكثيره بخيالات حسابية تتنفر عنها الطبائع المستقيمة و أما مشاهير قدماء الحكماء و جماهير عظماء الأحكاميين فقد توسطوا في ذلك و لكن تفرقوا إلى أقوال شتى و حكى أبو معشر البلخي في كتابه المسمى بسر الأسرار عن بعض أهل هند أن الدور الأصغر ثلاثمائة و ستون سنة و الأوسط ثلاثة آلاف و ستمائة سنة و الأكبر ثلاثمائة و ستون ألف سنة و لعل المراد بالدور الأكبر زمان عمر الدنيا و بالسنة السنة الشمسية فيطابق ما اعتمد عليه جمع من أعلام المنجمين من قول حكماء فارس و بابل أن سني عمر العالم ثلاثمائة و ستون ألف سنة شمسية كل سنة ثلاثمائة و خمسة و ستون يوما و خمس عشرة دقيقة و اثنتان و ثلاثون ثانية و أربع و عشرون ثالثة و مستندهم في ذلك على نقل أبو معشر من أهل فارس أن الكواكب السبعة في أول خلق الدنيا كانت مجتمعة في أول الحمل و يكون اجتماعها في آخر زمان بقاءها في آخر الحوت و زمان ما بينهما ثلاثمائة و ستون ألف سنة من تلك السنين و أما مستندهم في الاجتماع المذكور على نحو ما تصوروه في المقامين فغير معلوم. ثم اعلم أن هذه الخيالات و الروايات و إن لم يكن مبتنية على أصل متين

    لكنها مما يرفع استبعادات الأوهام عن الأخبار الواردة في الرجعة و طول امتداداتها فإنها أيضا داخلة في زمان عمر الدنيا فإذا حسبت تلك الأزمان مع ما ورد في بعض الأخبار من أزمنة كون غير آدم و أولاده في الأرض يصير قريبا مما ذكر بعض هؤلاء الجماعة و بالجملة كل من الأمرين مما يصلح أن يصير سببا لرفع الاستبعاد عن الآخر ثم إن بعض المتصدين لحل هذا الخبر سلك مسلكا أوحش و أغرب حيث قال السنة في العرف تطلق على الشمسية التي هي عبارة عن عود الشمس بحركتها الخاصة لها إلى الوضع الذي فرض أولا كأول الحمل مثلا الذي يتساوى عند حلولها فيه زمان الليل و النهار تقريبا بعد أن كان الليل أطول في معظم المعمورة و على القمرية التي هي عبارة عن عود القمر إلى وضعه المفروض أولا مع الشمس في سمت الحركة اثنتا عشرة مرة كل مرة تسمى شهرا و قد علم بالتجربة و الرصد أن زمان الأولى يكون ثلاثمائة و خمسة و ستين يوما و كسرا من يوم و زمان الثانية ثلاثمائة و أربعة و خمسين يوما و كسرا و لو فرض فارض كون الشمس أسرع حركة بحيث تتم دورتها في ثلاثمائة و ستين بلا زيادة و نقصان و القمر بحاله يكون مقدار السنة القمرية أيضا ثلاثمائة و ستين يوما كل شهر ثلاثون يوما كما لا يخفى على المحاسب و حينئذ لم يكن اختلاف بين السنة القمرية و الشمسية لكن قد جعل الله سبحانه زمان الشمسية أكثر من ذلك بقريب من ستة أيام و زمان القمرية انقص بنحو ذلك لمصالح تعود إلى مخلوقاته في السماوات و الأرضين ينتظم بها النظام الأكمل الذي لا يعلم كنهه إلا هو فلعل هذا هو المراد من جعل السنة ثلاثمائة و ستين و حجز الستة الأيام عنها بل لا ينقبض العقل من أن يكون المراد بخلق السماوات و الأرض في ستة أيام ذلك أعني على اختلاف نظام لحركة السماويات خصوصا النيرين اللذين قدرت بهما الشهور و الأعوام و الليالي و الأيام و غير ذلك من مصالح الأنام قدر ذلك الاختلاف ستة أيام في كل سنة فليتفكر جدا في ذلك انتهى.   و أورد عليه بوجوه الأول أن كون سرعة الشمس على الوجه المذكور مستلزمة لكون السنة القمرية أيضا ثلاثمائة و ستين يوما إنما يكون حقا إذا كان زيادة أيام الشمسية على ثلاثمائة و ستين موافقة لنقصان أيام القمرية عنه حقيقة و ليس كذلك فإن الأول لا يزيد على خمسة أيام و ربع يوم في شي‏ء من الأرصاد المتداولة و الثاني يزيد على خمسة أيام و خمسة أثمان يوم بالاتفاق فأقل ما به التفاوت يزيد على تسع ساعات فالصواب أن تفرض سرعتها بقدر نصف التفاوت بين زماني السنتين حتى يتساويا و يرتفع التفاوت عما بينهما بالكلية كما هو المقصور و ما يلزم حينئذ من عدم بلوغ شي‏ء منهما إلى السنتين حقيقة بل يكون أقل منه بنحو خمس ساعات فالأمر فيه سهل فإنه لا ينافي إطلاق الستين عليه عرفا. الثاني أن كون السنة ثلاثمائة و ستين يوما في الحديث إخبار عن الواقع سواء حمل الخلق على معنى الإيجاد أو التقدير و على ما ذكره أمر فرضي لا وقوع له أصلا. الثالث أن المراد بالأيام المختزلة عن أيام السنة إذا كان هذه الأيام فكيف يتصور أن يكون بعضها لأجل الأرض و بعضها لأجل السماء كما يظهر من بعض الآيات بل غاية ما يتصور أن يكون لها مدخل في النظام المقصود بالنسبة إلى الجميع. الرابع أن هذا المعنى لهذه الأيام لا يوافق شيئا من الروايات الدالة على تعيين يوم من أيام الأسبوع لخلق كل من المخلوقات المذكورة

187-  مجمع البيان، نقلا من تفسير العياشي بإسناده عن الأشعث بن حاتم قال كنت بخراسان حيث اجتمع الرضا ع و الفضل بن سهل و المأمون في الإيوان الحيري بمرو فوضعت المائدة فقال الرضا ع إن رجلا من بني إسرائيل سألني بالمدينة فقال النهار خلق قبل أم الليل فما عندكم قال فأداروا الكلام و لم يكن عندهم في ذلك شي‏ء فقال الفضل للرضا ع أخبرنا بها أصلحك الله قال نعم من القرآن أم من الحساب قال له الفضل من جهة   الحساب فقال قد علمت يا فضل إن طالع الدنيا السرطان و الكواكب في مواضع شرفها فزحل في الميزان و المشتري في السرطان و الشمس في الحمل و القمر في الثور و ذلك يدل على كينونة الشمس في الحمل من العاشر من الطالع في وسط السماء فالنهار خلق قبل الليل و أما في القرآن فهو في قوله تعالى لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَ لَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ أي قد سبقه النهار

 كتاب النجوم، للسيد بن طاوس بأسانيده عن محمد بن إبراهيم النعماني عن محمد بن همام عن محمد بن موسى بن عبيد عن إبراهيم بن أحمد اليقطيني عن ابن ذي العلمين مثله و بأسانيده إلى كتاب الواحدة لابن جمهور العمي بإسناده مثله تحقيق و توضيح اعلم أنه أورد على هذا الخبر إشكالات الأول أن الظلمة التي تحصل منها الليل عدم النور الذي يحصل منه النهار و عدم الحادث مقدم على وجوده. و الجواب أن الظلمة ليست عدما مطلقا بل عدم ملكة إذ هي عدم النور عما من شأنه أن يكون نيرا و مثله يمكن أن يكون مقدما و مؤخرا و الحاصل هنا أن أول خلق العالم هل كان نهارا أم ليلا. الثاني أن عند خلق الشمس لا بد أن يكون في بعض الأرض ليلا و في بعضها نهارا فلا تقدم لأحدهما على الآخر. و الجواب أن السؤال عن معظم المعمورة هل كان الزمان فيها ليلا أم نهارا فلا ينافي وجود الليل فيما يقاطرها. الثالث ما المراد بطالع الدنيا فإن كل نقطة من نقاط الأرض لها طالع و   كل نقطة من نقاط منطقة البروج طالع أفق من الآفاق. و الجواب أنه يمكن أن يكون المراد بطالع الدنيا طالع قبة الأرض أي موضع من الربع المسكون في وسط خط الإستواء يكون طوله من جانب المغرب على المشهور أو المشرق على رأي أهل الهند تسعين درجة و قد تطلق على موضع من الأرض يكون طوله نصف طول المعمورة منها أعني تسعين درجة و عرضه نصف أرض المعمورة منها أي ثلاثا و ثلاثين درجة تخمينا و من خواص القبة أنه إذا وصلت الشمس فيها إلى نصف النهار كانت طالعة على جميع بقاع الربع المسكون نهارا فظهرت النكتة في التخصيص و يمكن أن يكون الطالع هنا بالقياس إلى الكعبة لأنها وسط الأرض خلقا و شرعا و شرفا. الرابع كون الكواكب في مواضع شرفها لا يستقيم على قواعد المنجمين و اصطلاحاتهم إذ عطارد شرفه عندهم في السنبلة و شرف الشمس في الحمل و لا يبعد عطارد عن الشمس بهذا المقدار و لقد خبط الطبري و غيره في ذلك فحكموا بكون عطارد أيضا حينئذ في الدرجة الخامسة عشر من السنبلة نقلا من جماهير الحكماء. و الجواب أنه ع يمكن أن يكون بنى ذلك على ما هو المقرر عنده لا ما زعمه المنجمون في شرف عطارد أو يقال إن عطارد مستثنى من ذلك و أحال ذلك على ما هو المعلوم عندهم أو يقال المراد بالكواكب الأربعة المفصلة اعتمادا على ذكرها بعده. الخامس أن المقرر في كتب الأحكام في بحث القرانات أن السبعة كانت مجتمعة في أول الحمل و لو فرض أنهم أخطئوا في ذلك كان على الفضل و سائر الحضار المتدربين في صنعة النجوم أن يسألوا عن ذلك و يراجعوا فيه و لم ينقل منهم ذلك. و الجواب أنهم ليسوا متفقين في ذلك كما يظهر من الطبري و غيره فلعل   الفضل و غيره ممن حضر المجلس كان يسلك هذا المسلك و ربما يقال لعل الراوي سها أو خبط في فهم كلامه ع و كان ما قاله ع هو أن الكواكب كانت مع الشمس في شرفها و الضمير في شرفها كان للشمس لا للكواكب فاشتبه عليه و زعم أن الضمير للكواكب ففصل كما ترى. و أقول على ما ذكرنا لا حاجة إلى تحريف الحديث و نسبة السهو إلى الراوي و ما ذكروه ليس مستندا إلى حجة و أكثر أقاويلهم في أمثال ذلك مستندة إلى أوهام فاسدة و خيالات واهية كما لا يخفى على من تتبع زبرهم. قال أبو ريحان فيما عندنا من تاريخه في سياق ذكر ذلك و بكل واحد من الأدوار تجتمع الكواكب في أول الحمل بدءا و عودا و لكنه في أوقات مختلفة فلو حكم على أن الكواكب مخلوقة في أول الحمل في ذلك الوقت أو على أن اجتماعها فيه هو أول العالم أو آخره لتعرف دعواه تلك عن البينة و إن كان داخلا في الإمكان و لكن مثل هذه القضايا لا تقبل إلا بحجة واضحة أو مخبر عن الأوائل و المبادي موثوق بقوله متقرر في النفس صحة اتصال الوحي و التأييد به فإن

    من الممكن أن تكون هذه الأجسام متفرقة غير مجتمعة وقت إبداع المبدع لها و إحداثه إياها و لها هذه الحركات التي أوجب الحساب اجتماعها في نقطة واحدة في تلك المدة انتهى. السادس أن الاستدلال بالآية لا يتم إذ يمكن أن يحمل قوله تعالى وَ لَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ على أن الليل لا يأتي قبل وقته المقرر و زمانه المقدر كما أن الشمس لا تطلع قبل أوانها و كل من الليل و النهار لا يأتي أحدهما قبل تمام الآخر كما سيأتي بيانه في تفسير الآية. و الجواب أنه ع بنى الاستدلال على ما علم من مراده تعالى في الآية و كان ع عندهم مأمونا مصدقا في ذلك. السابع أن ما تقدم نقلا من السيوطي عن ابن عباس ينافي ذلك حيث حكم بتقدم الليل على النهار و ما ينقل عن التوراة موافقا لذلك أيضا ينافيه. و الجواب أن حديث ابن عباس لا يعارض به كلام الإمام ع المنقول من الأصول المعتبرة و كذا نقل التوراة لم يثبت و لو ثبت فأكثرها محرفة لا يعتمد عليها و ربما يجاب بأن حدوث النور إنما هو بعد الظلمة فالظلمة مقدمة على النور لكن طالع خلق الدنيا يعني طالع دحو الأرض كان هو السرطان و الشمس حينئذ في الحمل في العاشر على ما ذكره الإمام ع فأول الأوقات في دحو الأرض هو الظهر و لذا سميت صلاة الظهر بالصلاة الأولى كما سميت بالوسطى أيضا عند كثير من العلماء و إنما فسر طالع الدنيا بطالع دحو الأرض لأن خلق الأرض مقدم على خلق السماء لكن دحوها مؤخر جمعا بين الآيات انتهى. و أقول يمكن حمله على ابتداء خلق الكواكب فإن حصول النهار إنما هو عنده و الحاصل أنه تم خلق أجزاء الدنيا حين كون السرطان على الأفق الشرقي بالنسبة إلى قبة الأرض فإذا رجعت على توالي البروج و عددت ستة من تحت الأرض و ثلاثة من فوقها كان العاشر و هو الحمل على سمت الرأس فإذا كانت الشمس فيه يكون

    بالنسبة إلى أكثر المعمورة نهارا كما عرفت فالنهار في أول الخلق بالنسبة إلى المعمورة التي هي مسكن أشرف الخلق مقدم على الليل ثم إنه يحتمل أن يكون ذكر هذه المصطلحات التي لم تجر عادتهم ع بذكرها و إجراء الكلام على قواعد النجوم التي نفوها و زيفوها كما ستعلم إن شاء الله إلزاما على الفضل المشهور في تلك الصناعة و إظهارا لعلمهم ع بجميع العلوم و الاصطلاحات و قد يقال إن تلك الكواكب لما كانت في ابتداء خلق العالم في مواضع مخصوصة مضبوطة عند أهل العلم أخذا عن الأنبياء و الحجج ع فبعد ما أخذ المنجمون بعض ذلك عنهم زعموا أنها لتلك الخصوصية كانت أحسن مواضع تلك الكواكب فسموها شرفا لها ثم سموا المواضع التي تقابلها هبوطا لها توهما منهم أنها عند كونها فيها هابطة من تلك المنزلة و الشرف جدا و أما ما فات منهم أخذه عن أهل العلم كموضع عطارد مثلا عينوه من عند أنفسهم بخيالات شعرية مذكورة في كتبهم. ثم إن بعض الناس توهموا أن هذا الحديث مؤيد لكون اليوم من الزوال إلى مثله كما اعتبره المنجمون لسهولة الحساب و لا يخفى وهنه على أولي الألباب و بعد اللتيا و التي فدلالة الحديث على حدوث أكثر ما يزعمه الحكماء قديما من أجزاء العالم بين لا يحتاج إلى البيان

188-  كتاب المحتضر، للحسن بن سليمان مما رواه من كتاب الخطب لعبد العزيز بن يحيى الجلودي قال خطب أمير المؤمنين ع فقال سلوني فإني لا أسأل عن شي‏ء دون العرش إلا أجبت فيه لا يقولها بعدي إلا جاهل مدع أو كذاب مفتر فقام رجل من جانب مسجده في عنقه كتاب كأنه مصحف و هو رجل آدم ضرب طوال جعد الشعر كأنه من مهودة العرب فقال رافعا صوته لعلي أيها المدعي ما لا يعلم و المقلد ما لا يفهم أنا السائل فأجب فوثب به أصحاب علي و شيعته من كل ناحية فهموا به فنهرهم علي ع فقال لهم دعوه و لا تعجلوه فإن الطيش   لا تقوم به حجج الله و لا به تظهر براهين الله ثم التفت إلى الرجل و قال له سل بكل لسانك و ما في جوانحك فإني أجيبك إن الله تعالى لا تعتلج عليه الشكوك و لا يهيجه وسن فقال الرجل كم بين المغرب و المشرق قال علي ع مسافة الهواء قال و ما مسافة الهواء قال علي ع دوران الفلك قال الرجل و ما قدر دوران الفلك قال مسيرة يوم للشمس قال الرجل صدقت قال فمتى القيامة قال على قدر قصور المنية و بلوغ الأجل قال الرجل صدقت فكم عمر الدنيا قال علي يقال سبعة آلاف ثم لا تحديد قال الرجل صدقت فأين بكة من مكة قال علي مكة من أكناف الحرم و بكة موضع البيت قال فلم سميت مكة مكة قال لأن الله مك الأرض من تحتها قال فلم سميت بكة قال لأنها بكت رقاب الجبارين و عيون المذنبين قال صدقت و أين كان الله قبل أن يخلق عرشه قال علي سبحان من لا تدرك كنه صفته حملة العرش على قرب زمراتهم من كراسي كرامته و لا الملائكة المقربون من أنوار سبحات جلاله ويحك لا يقال أين و لا ثم و لا فيم و لا لم و لا أنى و لا حيث و لا كيف قال الرجل صدقت فكم مقدار ما لبث الله عرشه على الماء من قبل أن يخلق الأرض و السماء قال أ تحسن أن تحسب قال نعم قال لعلك لا تحسن قال بلى إني لأحسن أن أحسب قال علي أ فرأيت لو كان صب خردل في الأرض حتى سد الهواء و ما بين الأرض و السماء ثم أذن لمثلك على ضعفك أن تنقله حبة حبة من مقدار المشرق إلى المغرب ثم مد في عمرك و أعطيت القوة على ذلك حتى تنقله و أحصيته لكان ذلك أيسر من إحصاء عدد أعوام ما لبث عرشه على الماء من قبل أن يخلق الأرض و السماء و إنما وصفت لك ببعض عشر عشير العشير من جزء مائة ألف جزء و أستغفر الله من القليل في التحديد قال فحرك الرجل رأسه و شهد أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله

 بيان و الضرب بسكون الراء الرجل الخفيف اللحم على مسافة   الهواء هذه التبهيمات في الأجوبة للتنبيه على عدم تكلف ما لم يؤمر الناس بعلمه و أنه لا فائدة للإنسان في علم حقائق الموجودات و مقاديرها كما تضيع الفلاسفة فيها أعمارهم على قرب زمراتهم أي جماعاتهم.

تفهيم و تتميم نفعه عميم بعون الله الواهب الكريم.

اعلم أن المقصود الأصلي من هذا الباب أعني حدوث العالم لما كان من أعظم الأصول الإسلامية لا سيما الفرقة الناجية الإمامية و كان في قديم الزمان لا ينسب القول بالقدم إلا إلى الدهرية و الملاحدة و الفلاسفة المنكرين لجميع الأديان و لذا لم يورد الكليني ره و بعض المحدثين لذلك بابا مفردا في كتبهم بل أوردوا في باب حدوث العالم أخبار إثبات الصانع تعالى اتكالا على أن بعد الإقرار بالحق جل و علا لا مجال للقول بالقدم لاتفاق أرباب الملل عليه.   و في قريب من عصرنا لما ولع الناس بمطالعة كتب المتفلسفين و رغبوا عن الخوض في الكتاب و السنة و أخبار أئمة الدين و صار بعد العهد عن أعصارهم ع سببا لهجر آثارهم و طمس أنوارهم و اختلطت الحقائق الشرعية بالمصطلحات الفلسفية صارت هذه المسألة معترك الآراء و مصطدم الأهواء فمال كثير من المتسمين بالعلم المنتحلين للدين إلى شبهات المضلين و روجوها بين المسلمين فضلوا و أضلوا و طعنوا على اتباع الشريعة حتى ملوا و قلوا. حتى أن بعض المعاصرين منهم يمضغون بألسنتهم و يسودون الأوراق بأقلامهم أن ليس في الحدوث إلا خبر واحد هو كان الله و لم يكن معه شي‏ء ثم يؤولونه بما يوافق آراءهم الفاسدة فلذا أوردت في هذا الباب أكثر الآيات و الأخبار المزيحة للشك و الارتياب و قفيتها بمقاصد أنيقة و مباحث دقيقة تأتي بنيان شبههم من قواعدها و تهزم جنود شكوكهم من مراصدها تشييدا لقواعد الدين و تجنبا من مساخط رب العالمين كما روي

 عن سيد المرسلين ص إذا ظهرت البدع في أمتي فليظهر العالم علمه و إلا فعليه لَعْنَةُ اللَّهِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ

المقصد الأول في بيان معاني الحدوث و القدم

المشهور أن للحدوث معنيين الذاتي و الزماني و المستفاد من كلام الشيخ أن معنى الحدوث هو المسبوقية بالعدم إما بالذات لا بالزمان و هو الحدوث الذاتي و إما بالزمان و هو الحدوث الزماني و هو المتبادر من لفظ الحدوث   إذ المتبادر منه أنه لم يكن موجودا فوجد. و أورد عليه أن تقدم العدم على الوجود بالذات لا معنى له إذ التقدم بالذات مخصوص عندهم بالتقدم بالعلية فتقدم العدم بالعلية على الوجود يستلزم اجتماع النقيضين.   و قال المحقق الطوسي ره الحدوث هو المسبوقية بالغير و ذلك الغير إن كان هو العلة فهو الحدوث الذاتي و إن كان عدما فهو الحدوث الزماني. و يرد عليه أيضا ما يرد على الأول لأن ذات المعلول يصدق عليها أنها ليست بموجودة في مرتبة ذات العلة ثم وجد المعلول بعد ذلك السلب لوجوب تقدم وجود العلة على وجود المعلول و لا يتصور في تقدم سلب وجود المعلول على وجوده إلا التقدم الذاتي المنحصر في التقدم بالعلية فيعود الإشكال و للقوم في هذا المقام اعتراضات و أجوبة لا يناسب مقصودنا من هذا الكتاب إيرادها و أكثرها مذكورة في حواشي المحقق الدواني و غيره على الشرح الجديد للتجريد و بالجملة إطلاق الحدوث عليه محض اصطلاح لهم لا يساعده لغة و لا عرف و إنما مرجعه الأحقية أو إلى ترتب وجود المعلول على وجود العلة إذ العقل يحكم بأنه وجد فوجد. و أثبت السيد الداماد ره قسما ثالثا و هو الحدوث الدهري حيث قال إن أنحاء العدم للممكن ثلاثة الأول العدم الذي هو الليس المطلق في مرتبة الذات و هو لكل ممكن موجود حين وجوده الثاني العدم المتكمم و هو لكل حادث زماني قبل زمان وجوده الثالث العدم الصريح الدهري قبل الوجود قبلية غير متكممة و ليس شي‏ء من العدمين الأولين هو العدم المقابل للوجود أما الأول فلأنه يجامع الوجود في الواقع و يسبقه بحسب الذات سبقا ذاتيا و أما الثاني فلأنه ممايز لزمان الوجود و من شرائط التناقض في الزمانيات وحدة الزمان فإذا إنما المقابل للوجود العدم الصريح الذي لا يتصور فيه حد و حد و لن يتميز فيه حال و حال ثم حقق في ذلك تحقيقا طويلا و حاصل كلامه أن أثبت للموجودات وعاءين آخرين سوى الزمان و هو الدهر و السرمد و قال نسبة المتغير إلى المتغير ظرفها الزمان و نسبة الثابت إلى المتغير ظرفها الدهر و نسبة الثابت إلى الثابت ظرفها السرمد. و نقل على ذلك شواهد كثيرة من الحكماء فمن ذلك قول الشيخ في التعليقات حيث قال

   تعليق العقل يدرك ثلاثة أكوان أحدها الكون في الزمان و هو متى الأشياء المتغيرة التي يكون لها مبدأ و منتهى و يكون مبدؤه غير منتهاه بل يكون مقتضيا و يكون دائما في السيلان و في تقضي حال و تجدد حال الثاني كون مع الزمان و يسمى الدهر و هذا الكون محيط بالزمان و هو كون الفلك مع الزمان و الزمان في ذلك الكون لأنه ينشأ من حركة الفلك و هو نسبة الثابت إلى المتغير إلا أن الوهم لا يمكنه إدراكه لأنه رأى كل شي‏ء في زمان و رأى كل شي‏ء يدخله كان و يكون و الماضي و الحاضر و المستقبل و رأى لكل شي‏ء متى إما ماضيا أو حاضرا أو مستقبلا الثالث كون الثابت مع الثابت و يسمى السرمد و هو محيط بالدهر. تعليق الوهم يثبت لكل شي‏ء متى و محال أن يكون للزمان نفسه متى. تعليق ما يكون في الشي‏ء فإنه يكون محاطا بذلك الشي‏ء فهو يتغير بتغير ذلك الشي‏ء فالشي‏ء الذي يكون في الزمان يتغير بتغير الزمان و يلحقه جميع أعراض الزمان و يتغير عليه أوقاته فيكون هذا الوقت الذي يكون مثلا مبدأ كونه أو مبدأ فعله غير ذلك الوقت الذي هو آخره لأن زمانه يفوت و يلحق و ما يكون مع الشي‏ء فلا يتغير بتغيره و لا تتناوله أعراضه تعليق الدهر وعاء الزمان لأنه محيط به. و بين في الشفاء أيضا هذا المعنى ثم قال و لا يتوهم في الدهر و لا في السرمد امتداد و إلا لكان مقدارا للحركة ثم الزمان كمعلول الدهر و الدهر كمعلول السرمد و قال أيضا في الشفاء إنه لا يكون في الزمان إلا الحركات و المتحركات أما الحركة فذلك لها من تلقاء جوهرها و أما المتحرك فمن تلقاء الحركة و أما سائر الأمور فإنها ليست في زمان و إن كانت مع الزمان فإن العالم مع الخردلة و ليست في الخردلة إلى آخر ما قال و استحسن ذلك المحقق الطوسي ره و السيد الشريف و غيرهما. و اعلم أن ما نحن بصدد إثباته لا يتوقف على تحقيق هذه الأمور فإن الذي   ثبت بإجماع أهل الملل و النصوص المتواترة هو أن جميع ما سوى الحق تعالى أزمنة وجوده في جانب الأزل متناهية و في وجوده ابتداء و الأزلية و عدم انتهاء الوجود مخصوص بالرب سبحانه سواء كان قبل الحوادث زمان موهوم أو دهر كما ستعرف إن شاء الله تعالى.

المقصد الثاني في تحقيق الأقوال في ذلك

اعلم أنه لا خلاف بين المسلمين بل جميع أرباب الملل في أن ما سوى الرب سبحانه و صفاته الكمالية كله حادث بالمعنى الذي ذكرنا و لوجوده ابتداء بل عد من ضروريات الدين قال السيد الداماد في القبسات عليه إجماع جميع الأنبياء و الأوصياء. و قال صاحب الملل و النحل في كتاب نهاية الأقدام و صححه المحقق الطوسي ره مذهب أهل الحق من الملل كلها أن العالم محدث مخلوق له أول أحدثه البارئ تعالى و أبدعه بعد أن لم يكن و كان الله و لم يكن معه شي‏ء   و وافقهم على ذلك جمع من أساطين الحكمة و قدماء الفلاسفة مثل ثاليس و انكساغورس و انكسيمايس من أهل ملطية و مثل فيثاغورس و أنباذقلس و سقراط و أفلاطون من أهل آثينية و يونان و جماعة من الشعراء و الأوائل و النساك و إنما القول بقدم العالم و أزلية الحركات بعد إثبات الصانع و القول بالعلة الأولى إنما ظهر بعد أرسطاطاليس لأنه خالف القدماء صريحا و أبدع هذه المقالة على قياسات ظنها حجة و برهانا و صرح القول فيه من كان من تلامذته مثل الإسكندر الأفروديسي و ثامسطيوس و فرفوريوس و صنف برقلس المنتسب إلى أفلاطون في هذه المسألة كتابا أورد فيه هذه الشبه. و قال السيد الداماد ره من النقل الذائع الصحيح المتواتر أن أفلاطون و الستة الباقين من الأساطين و غيرهم من القدماء على حدوث عالمي الأمر و الخلق بجميع أجزائه و أرسطو و تلامذته على قدمه انتهى لكن الظاهر أنه كان مذهب أفلاطون حدوث الزمانيات فقط لاشتهار القول بقدم النفوس و البعد المجرد عنه و قال السيد ره في القبسات القول بقدم العالم نوع شرك و قال في   موضع آخر منه أنه إلحاد. و قال الصدوق ره في كتاب التوحيد الدليل على أن الله عز و جل عالم قادر حي لنفسه لا بعلم و قدرة و حياة هو غيره أنه لو كان عالما بعلم لم يخل علمه من أحد أمرين إما أن يكون قديما أو حادثا فإن كان حادثا فهو جل ثناؤه قبل حدوث العلم غير عالم و هذا من صفات النقص و كل منقوص محدث بما قدمناه و إن كان قديما يجب أن يكون غير الله عز و جل قديما و هذا كفر بالإجماع و قال ره في سياق إبطال مذاهب الثنوية فأما ما ذهب إليه ماني و ابن ديصان من خرافاتهما في الامتزاج و دانت به المجوس من حماقاتها في أهرمن ففاسد بما به يفسد قدم الأجسام و قد عقد في هذا الكتاب بابا لإثبات الحدوث و أورد فيه الدلائل المشهورة التي سنشير إلى بعضها و لم نوردها مخافة الإطناب و التكرار و قال فيما قال لأن المحدث هو ما كان بعد أن لم يكن و القديم هو الموجود لم يزل و قال في آخر الكلام هذه أدلة التوحيد الموافقة للكتاب و الآثار الصحيحة عن النبي و الأئمة ع. و قال السيد المرتضى نقلا عن شيخه المفيد رفع الله شأنهما في الرد على أبي هاشم في القول بالحال فقال في أثناء كلامه و كره أن يثبت الحال شيئا فتكون موجودة أو معدومة و متى كانت موجودة لزمه على أصله و أصولنا جميعا أنها لا تخلو من القدم أو الحدوث و ليس يمكنه الإخبار عنها بالقدم ليخرج بذلك عن التوحيد و يصير بذلك أسوأ حالا من أصحاب الصفات و ساق الكلام إلى أن قال و القول بالهيولى و قدم الطينة أعذر من هؤلاء القوم إن كان لهم عذر و لا عذر للجميع فيما

   ارتكبوا من الضلال لأنهم يقولون إن الهيولى هو أصل العالم و إنه لم يزل قديما و الله تعالى محدث كما يحدث الصائغ من السبيكة خاتما و الناسج من الغزل ثوبا و النجار من الشجر لوحا إلى آخر ما رد عليهم. و نقل العلامة ره في المختلف عن الشيخ المفيد كلاما يدل على أن القول بالقدم ليس من مذاهب المليين حيث قال و أما الصابئون فمنفردون بمذاهبهم ممن عددناه لأن جمهورهم توحد الصانع في الأزل و منهم من يجعل معه هيولى في القدم صنع منها العالم فكانت عندهم الأصل و يعتقدون في الفلك و ما فيه الحياة و النطق و أنه المدبر لما في هذا العالم و الدال عليه و عظموا الكواكب و عبدوها من دون الله عز و جل و سماها بعضهم ملائكة و جعلها بعضهم آلهة و بنوا لها بيوتا للعبادات و هؤلاء على طريق القياس إلى مشركي العرب و عباد الأوثان أقرب من المجوس إلى آخر ما قال مما يؤيد ما ذكرنا. و شيخ الطائفة قدس الله لطيفه عقد في كتاب الاقتصاد فصلا في أن الله تعالى واحد لا ثاني له في القدم و أقام الدلائل على ذلك إلى أن قال فإذا ثبت ذلك بطل إثبات قديمين و إذا بطل وجود قديمين بطل قول الثنوية القائلين بالنور و الظلمة و بطل قول المجوس القائلين بالله و الشيطان و بطل قول النصارى القائلين بالتثليث على أن قول الثنوية يبطل من حيث دللنا على حدوث الأجسام و أثبت حدوث   الأجسام بالدلائل المشهورة عند المتكلمين. و السيد المرتضى ره في كتاب الغرر أورد دلائل على إبطال القول بالهيولى القديمة. و قال الشيخ المحقق أبو الفتح الكراجكي تلميذ السيد المرتضى قدس الله نفسهما في كتاب كنز الفوائد اعلم أيدك الله أن من الملاحدة فريقا يثبتون الحوادث و محدثها و يقولون إنه لا أول لوجودها و لا ابتداء لها و يزعمون أن الله سبحانه لم يزل يفعل و لا يزال كذلك و أن أفعاله لا أول لها و لا آخر فقد خالفونا في قولهم إن الأفعال لا أول لها إذ كنا نعتقد أن الله تعالى ابتدأها و أنه موجود قبلها و وافقونا بقولهم إنه لا آخر لها لأنهم و إن ذهبوا في ذلك إلى بقاء الدنيا على ما هي عليه و استمرار الأفعال فيها و إنه لا آخر لها فإنا نذهب في دوام الأفعال إلى وجه آخر و هو تقضي أمر الدنيا و انتقال الحكم إلى الآخرة و استمرار الأفعال فيها من نعيم أهل الجنة الذي لا ينقطع عن

   أهلها و عذاب النار الذي لا ينقضي عن المخلدين فيها فأفعال الله عز و جل من هذا الوجه لا آخر لها و هؤلاء أيدك الله هم الدهرية القائلون بأن الدهر سرمدي لا أول له و لا آخر و أن كل حركة تحرك بها الفلك فقد تحرك قبلها بحركة قبلها حركة من غير نهاية و سيتحرك بعدها بحركة بعدها حركة لا إلى غاية و أنه لا يوم إلا و قد كان قبله ليلة و لا ليلة إلا و قد كان قبلها يوم و لا إنسان تكون إلا من نطفة و لا نطفة تكونت إلا من إنسان و لا طائر إلا من بيضة و لا بيضة إلا من طائر و لا شجرة إلا من حبة و لا حبة إلا من شجرة و أن هذه الحوادث لم تزل تتعاقب و لا تزال كذلك ليس للماضي منها بداية و لا للمستقبل منها نهاية و هي مع ذلك صنعة لصانع لم يتقدمها و حكمة من حكيم لم يوجد قبلها و أن الصنعة و الصانع قديمان لم يزالا تعالى الله الذي لا قديم سواه و له الحمد على ما أسداه من معرفة الحق و أولاه و أنا بعون الله أورد لك طرفا من الأدلة على بطلان ما ادعاه الملحدون و فساد ما انتحله الدهريون. أقول ثم أورد رحمه الله أدلة شافية و أجوبة وافية و تحقيقات متينة و إلزامات رزينة سيأتي بعضها في محله و لم نوردها هنا لأنا سنذكرها بوجه أخصر ثم ذكر مناظرته مع بعض القائلين بالقدم و أنه كتب ذلك إلى الشريف المرتضى ره و ذكر الجواب الذي أورده السيد في ذلك فمن أراد الاطلاع على جميع ذلك فليرجع إلى ذلك الكتاب. و قال السيد المرتضى ره في جواب سؤال ورد عليه في آية التطهير قال السائل و إذا كانت أشباحهم قديمة و هم في الأصل طاهرون فأي رجس أذهب عنهم فقال السيد في تضاعيف جوابه و أما القول بأن أشباحهم ع قديمة فهو منكر لا يطلق و القديم في الحقيقة هو الله تعالى الواحد الذي لم يزل و كل ما سواه محدث مصنوع مبتدأ له أول إلى آخر ما قال ره. ثم قال مسألة اعترض فلسفي فقال إذا قلتم إن الله وحده لا شي‏ء كان معه فالأشياء المحدثة من أي شي‏ء كانت فقلنا لهم مبتدعة لا من شي‏ء فقال أحدثها معا أو في   زمان بعد زمان فقال فإن قلتم معا فأوجدناكم أنها لم تكن معا و أنها أحدثت شيئا بعد شي‏ء و إن قلتم أحدثها في زمان بعد زمان فقد صار له شريك. و الجواب عن ذلك أن الله تعالى لم يزل واحدا لا شي‏ء معه و لا ثاني له و ابتدأ ما أحدثه من غير زمان و ليس يجب إذا أحدث بعد الأول حوادث أن يحدثها في زمان و لو جعل لها زمانا لما وجب بذلك قدم الزمان إذ الزمان حركات الفلك و ما يقوم مقامها مما هو مقدارها في التوقيت فمن أين يجب عند هذا الفيلسوف أن يكون الزمان قديما إذا لم يوجد الأشياء ضربة واحدة لو لا أنه لا يعقل معنى الزمان إلى آخر ما أفاد في هذا المقام. و قال المحقق الطوسي طيب الله روحه القدوسي في التجريد و لا قديم سوى الله تعالى و قال فيه وجود العالم بعد عدمه ينفي الإيجاب و قال ره   في كتاب الفصول أصل قد ثبت أن وجود الممكن من غيره فحال إيجاده لا يكون موجودا لاستحالة إيجاد الموجود فيكون معدوما فوجود الممكن مسبوق بعدمه و هذا الوجود يسمى حدوثا و الموجود محدثا فكل ما سوى الواجب من الموجودات محدث و استحالة الحوادث لا إلى أول كما يقوله الفلسفي لا يحتاج إلى بيان طائل

   بعد ثبوت إمكانها المقتضي لحدوثها. ثم قال مقدمة كل مؤثر إما أن يكون أثره تابعا للقدرة و الداعي أو لا يكون بل يكون مقتضى ذاته و الأول يسمى قادرا و الثاني موجبا و أثر القادر مسبوق بالعدم لأن الداعي لا يدعو إلا إلى المعدوم و أثر الموجب يقارنه في الزمان إذ لو تأخر عنه لكان وجوده في زمان دون آخر فإن لم يتوقف على أمر غير ما فرض مؤثرا تاما كان ترجيحا من غير مرجح و إن توقف لم يكن المؤثر تاما و قد فرض تاما و هذا خلف ثم قال نتيجة الواجب المؤثر في الممكنات قادر إذ لو كان موجبا لكانت الممكنات قديمة و اللازم باطل لما تقدم فالملزوم مثله. و سئل السيد مهنان بن سنان العلامة الحلي ره في جملة مسائله ما يقول سيدنا في المثبتين الذين قالوا إن الجواهر و الأعراض ليست بفعل الفاعل و إن   الجوهر جوهر في العدم كما هو جوهر في الوجود فهل يكون هذا الاعتقاد الفاسد موجبا لتكفيرهم و عدم قبول إيمانهم و أفعالهم الصالحة و قبول شهادتهم و مناكحتهم أم لا يكون موجبا لشي‏ء من ذلك و أي شي‏ء يكون حكمهم في الدنيا فأجاب ره بأنه لا شك في رداءة هذه المقالة و بطلان كلها لكن لا توجب تكفيرهم و لا عدم قبول إيمانهم و أفعالهم الصالحة و لا رد شهادتهم و لا تحريم مناكحتهم و حكمهم في الدنيا و الآخرة حكم المؤمنين لأن الموجب للتكفير هو اعتقاد قدم الجوهر و هم لا يقولون بذلك لأن القديم يشترط فيه الوجود و هم لا يقولون بوجوده في الأزل لكن حصلت لهم شبهة في الفرق بين الوجود و الثبوت و جعلوا الثبوت أعم من الوجود و أكثر مشايخ المتكلمين من المعتزلة و الأشاعرة مثبتون فكيف يجوز تكفيرهم. ثم قال السيد ره ما يقول سيدنا فيمن يعتقد التوحيد و العدل و لكنه يقول بقدم العالم ما يكون حكمه في الدنيا و الآخرة فأجاب ره من اعتقد قدم العالم فهو كافر بلا خلاف لأن الفارق بين المسلم و الكافر ذلك و حكمه في الآخرة حكم باقي الكفار بالإجماع و الشيخ الجليل أبو الصلاح الحلبي صرح في تقريب المعارف بالحدوث و أقام الدلائل عليه و كذا السيد الكبير ابن زهرة في كتاب غنية النزوع أورد الدلائل على ذلك و قال النوبختي ره في كتاب الياقوت الأجسام حادثة لأنها إذا اختصت بجهة فهي إما للنفس و يلزم منه عدم الانتقال أو لغيره و هو إما موجب أو مختار و المختار قولنا و الموجب يبطل ببطلان التسلسل و لأنها لا تخلو من

   الأعراض الحادثة لعدمها المعلوم و القديم لا يعدم لأنه واجب الوجود إذ لو كان وجوده جائزا لكان إما بالمختار و قد فرضناه قديما أو بالموجب و يلزم منه استمرار الوجود فالمقصود أيضا حاصل. و قال العلامة ره في شرحه هذه المسألة من أعظم المسائل في هذا العلم و مدار مسائله كلها عليها و هي المعركة العظيمة بين المسلمين و خصومهم و اعلم أن الناس اختلفوا في ذلك اختلافا عظيما و ضبط أقوالهم أن العالم إما محدث الذات و الصفات و هو قول المسلمين كافة و النصارى و اليهود و المجوس و إما أن يكون قديم الذات و الصفات و هو قول أرسطو و ثاوفرطيس و ثاميطوس و أبي نصر و أبي علي بن سينا فإنهم جعلوا السماوات قديمة بذاتها و صفاتها إلا الحركات و الأوضاع فإنها قديمة بنوعها بمعنى أن كل حادث مسبوق بمثله إلى ما لا يتناهى و إما أن يكون قديم الذات محدث الصفات و هو مذهب انكساغورس و فيثاغورس و سقراط و الثنوية و لهم اختلافات كثيرة لا تليق بهذا المختصر و إما أن يكون محدث الذات قديم الصفات و ذلك مما لم يقل به أحد لاستحالته و توقف جالينوس في الجميع. أقول ثم ساق ره الكلام في الدلائل المذكورة في المتن و قال ره في شرح التجريد مثل ذلك و نسب القول بالحدوث إلى جميع أرباب الملل و قال ره في كتاب نهاية المرام في علم الكلام قد اتفق المسلمون كافة على نفي قديم غير الله تعالى و غير صفاته و ذهبت الإمامية إلى أن القديم هو الله تعالى لا غير و قال فيه أيضا القسمة العقلية منحصرة في أقسام أربعة. الأول أن يكون العالم محدث الذات و الصفات و هو مذهب المسلمين و غيرهم من أرباب الملل و بعض قدماء الحكماء. الثاني أن يكون قديم الذات و الصفات و هو قول أرسطو و جماعة من القدماء و من المتأخرين قول أبي نصر الفارابي و الرئيس قالوا السماوات قديمة بذواتها و صفاتها إلا الحركات و الأوضاع فإنها قديمة بنوعها لا بشخصها و العناصر الهيولى   منها قديمة بشخصها و صورها الجسمية قديمة بنوعها لا بشخصها و الصور النوعية قديمة بجنسها لا بنوعها و لا بشخصها. الثالث أن يكون قديم الذات محدثة الصفات و هو قول من تقدم أرسطو بالزمان كثاليس الملطي و انكساغورس و فيثاغورس و سقراط و جميع الثنوية كالمانوية و الديصانية و المرقوبية و الماهانية ثم هؤلاء افترقوا فرقتين فذهب بعضهم إلى أن تلك الذات القديمة كانت جسما ثم اختلف هؤلاء فزعم ثاليس أنه الماء لأنه قابل لكل الصور و زعم أنه إذا انجمد صار أرضا و إذا لطف صار هواء و من صفق الماء تكونت النار و من النار تكون الدخان و من الدخان تكونت السماء و يقال أنه أخذه من التوراة لأنه جاء في السفر الأول منه أن الله تعالى خلق جوهرا فنظر نظر الهيبة فذابت أجزاؤه فصارت ماء ثم ارتفع بخار كالدخان فخلق منه السماوات و ظهر على وجه الماء زبد فخلق منه الأرض ثم أرساها بالجبال. و أما انكسيمايس فإنه زعم أن ذلك الجسم هو الهواء و النار تكونت من لطافته و الماء و الأرض من كثافته و تكونت الأشياء عنها بالتلطيف و قال آخرون إنه البخار و تكون الهواء و النار عنه بالتلطيف و الماء و الأرض بالتكثيف و ذهب أنوفليطيس أنه النار و كونت الأشياء عنها بالتكاثف و حكي أيضا أنه زعم أن الأشياء إنما انتظمت بالبخت و جوهر البخت هو نظر عقلي ينفذ في الجوهر الكلي و أما انكساغورس فإنه قال ذلك الجسم هو الخليط الذي لا نهاية له و هو أجسام غير متناهية و فيه من كل نوع أجزاء صغيرة مثلا فيه أجزاء على طبيعة الخبز و أجزاء على طبيعة اللحم فإذا اجتمع من تلك الأجزاء شي‏ء كثير فصار بحيث يحس و يرى ظن أنه حدث و هذا القائل بنى مذهبه على إنكار المزاج و الاستحالة و قال بالكمون و الظهور و زعم بعض هؤلاء أن ذلك الخليط كان ساكنا في الأزل ثم إن الله تعالى حركه فتكون منه هذا العالم. و ذهب ذيمقراطيس إلى أن أصل العالم أجزاء كثيرة كرية الشكل قابلة للقسمة الوهمية دون

   القسمة الانفكاكية متحركة لذاتها حركات دائمة ثم اتفق في تلك الأجزاء أن تصادمت على وجه خاص فحصل من تصادمها على ذلك الوجه هذا العالم على هذا الشكل فحدثت السماوات و العناصر ثم حدثت من الحركات السماوية امتزاجات هذه العناصر و منها هذه المركبات و نقل الشيخ في الشفاء عنه أنه قال إن هذه الأجزاء إنما تتخالف بالشكل و إن جوهرها جوهر واحد بالطبع و إنما تصدر عنها أفعال مختلفة لأجل الأشكال المختلفة و قالت الثنوية أصل العالم هو النور و الظلمة و الفرقة الثانية الذين قالوا أصل العالم ليس بجسم و هم فريقان. الأول الجرمانية و هم الذين أثبتوا القدماء الخمسة البارئ تعالى و النفس و الهيولى و الدهر و الخلاء قالوا البارئ تعالى في غاية التمام في العلم و الحكمة لا يعرض له سهو و لا غفلة و يفيض عنه العقل كفيض النور عن القرص و هو يعلم الأشياء علما تاما و أما النفس فإنه يفيض عنه الحياة فيض النور عن القرص لكنها جاهلة لا تعلم الأشياء ما لم تمارسها و كان البارئ تعالى عالما بأن النفس تستميل إلى التعلق بالهيولى و تعشقها و تطلب اللذة الجسمية و تكره مفارقة الأجساد و تنسى نفسها و لما كان من شأن البارئ تعالى الحكمة التامة عمد إلى الهيولى بعد تعلق النفس بها فركبها ضروبا من التركيب مثل السماوات و العناصر و ركب أجسام الحيوانات على الوجه الأكمل و الذي بقي فيها من الفساد غير ممكن الزوال. ثم إن الله تعالى أفاض على النفس عقلا و إدراكا و صار ذلك سببا لتذكرها عالمها و سببا لعلمها بأنها لا تنفك عن الآلام ما دامت في العالم الهيولاني و إذا عرفت النفس هذا و عرفت أن لها في عالمها اللذات الخالية عن الألم اشتاقت إلى ذلك العالم و عرجت بعد المفارقة و بقيت هناك أبد الآباد في نهاية البهجة و السعادة قالوا و بهذا الطريق زالت الشبهات الدائرة بين الفلاسفة القائلين بالقدم و بين المتكلمين القائلين بالحدث. الفريق الثاني أصحاب فيثاغورس و هم الذين قالوا المبادئ هي الأعداد المتولدة من الوحدات لأن قوام المركبات بالبسائط و هي أمور كل واحد منها واحد في نفسه ثم تلك الأمور إما أن تكون لها جهات وراء كونها وحدات أو لا   يكون فإن كان الأول كانت مركبة لأن هناك تلك الماهية مع تلك الوحدة و كلامنا ليس في المركبات بل في مبادئها و إن كان الثاني كان مجرد وحدات و هي لا بد و أن تكون مستقلة بأنفسها و إلا لكانت مفتقرة إلى الغير فيكون ذلك الغير أقدم منها و كلامنا في المبادئ المطلقة و هذا خلف فإذن الوحدات أمور قائمة بأنفسها فإن عرض الوضع للوحدة صارت نقطة و إن اجتمعت نقطتان حصل الخط فإن اجتمع خطان حصل السطح فإن اجتمع سطحان حصل الجسم فظهر أن مبدأ الأجسام الوحدات و نقل أيضا عنه أن الوحدة تنقسم إلى وحدة بالذات غير مستفادة من الغير و هو الذي لا تقابلها الكثرة و هو المبدأ الأول و إلى وحدة مستفادة من الغير و هي مبدأ الكثرة و ليست بداخلة فيها بل يقابلها الكثرة ثم يتألف منها الأعداد و هي مبادئ الموجودات و إنما اختلف الموجودات في طبائعها لاختلاف الأعداد بخواصها. الرابع أن يكون العالم قديم الصفات محدث الذات و هو محال لم يقل به أحد لقضاء الضرورة ببطلانه و أما جالينوس فإنه كان متوقفا في الكل انتهى. و إنما أوردنا هذه المذاهب السخيفة ليعلم أن أساطين الحكماء تمسكوا بهذه الخرافات و تفوهوا بها و يتبعهم أصحابهم و يعظمونهم و إذا سمعوا من أصحاب الشريعة شيئا مما أخذوه من كتاب الله و كلام سيد المرسلين و الأئمة الراشدين ع ينكرون و يستهزءون قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ.

   و قال المحقق الدواني في أنموذجه و قد خالف في الحدوث الفلاسفة أهل الملل الثلاث فإن أهلها مجمعون على حدوثه بل لم يشذ من الحكم بحدوثه من أهل الملل مطلقا إلا بعض المجوس و أما الفلاسفة فالمشهور أنهم مجمعون على قدمه على التفصيل الآتي و نقل عن أفلاطون القول بحدوثه و قد أوله بعضهم بالحدوث الذاتي ثم قال فنقول ذهب أهل الملل الثلاث إلى أن العالم ما سوى الله تعالى و صفاته من الجواهر و الأعراض حادث أي كائن بعد أن لم يكن بعدية حقيقة لا بالذات فقط بمعنى أنها في حد ذاتها لا تستحق الوجود فوجودها متأخر عن عدمها بحسب الذات كما تقوله الفلاسفة و يسمونه الحدوث الذاتي على ما في تقرير هذا الحدوث على وجه يظهر به تأخر الوجود عن العدم من بحث دقيق أوردناه في حاشية شرح التجريد. و ذهب جمهور الفلاسفة إلى أن العقول و الأجرام الفلكية و نفوسها قديمة و مطلق حركاتها و أوضاعها و تخيلاتها أيضا قديمة فإنها لم تخل قط عن حركة و وضع و تخيل لجزئيات الحركة و بعضهم يثبتون لها بسبب استخراج الأوضاع الممكنة من القوة إلى الفعل و حدوث مناسبة لها بمبدئها الكامل من جميع الوجوه كمالات تفيض على نفوسها من المبادئ لكن محققيهم على ما ذكره أبو نصر و أبو علي في تعليقاتهما نقلا عن أرسطاطاليس ذهبوا إلى أن المطلوب لها نفس الحركة و بها يتم التشبه بمبادئها فإنها بالفعل من حيث الذات و سائر الصفات إلا ما يتعلق بالحركة من الأوضاع الجزئية فإنها لا تحتمل الثبات بالشخص فاستحفظ نوعها تتميما للتشبه بالمبادئ التي هي بالفعل من جميع الوجوه و لما كان التشبه لازما للحركة جعلها الغاية المطلوبة باعتبار اللازم   و العنصريات بموادها و مطلق صورها الجسمية و النوعية و مطلق أعراضها قديمة عندهم لأن مذهبهم أنه بالفك تنعدم الصورة الواحدة و تحدث الاثنتان و باتصال المنفصل تنعدم الاثنتان و تحدث واحدة نعم الإشراقيون منهم على بقاء الصورة الجسمية مع طريان الانفصال و الاتصال و أما النفوس الناطقة الإنسانية فبعضهم قائل بقدمها و ربما ينقل عن أفلاطون و هذا مخالف لما ينقل عنه من حدوث العالم و المشاءون منهم و معظم من عداهم على حدوثها و قال نحوا من ذلك في كتاب شرح العقائد العضدية و قال فيه المتبادر من الحدوث الوجود بعد أن لم يكن بعدية زمانية و الحدوث الذاتي مجرد اصطلاح من الفلاسفة و قال و المخالف في هذا الحكم الفلاسفة فإن أرسطاطاليس و أتباعه ذهبوا إلى قدم العقول و النفوس الفلكية و الأجسام الفلكية بموادها و صورها الجسمية و النوعية و أشكالها و أضوائها و العنصريات بموادها و مطلق صورها الجسمية لا أشخاصها و صورها النوعية قيل بجنسها فإن صور خصوصيات أنواعها لا يجب أن تكون قديمة و الظاهر من كلامهم قدمها بأنواعها ثم قال و نقل عن جالينوس التوقف و لذلك لم يعد من الفلاسفة لتوقفه فيما هو من أصول الحكمة عندهم انتهى. و لنكتف بما أوردنا من كلام القوم في ذلك و إيراد جميعها أو أكثرها يوجب تطويلا بلا طائل و يستنبط مما أوردنا أحد الدلائل على الحدوث فإنه ثبت بنقل المخالف و المؤالف اتفاق جميع أرباب الملل مع تباين أهوائهم و تضاد آرائهم على هذا الأمر و كلهم يدعون وصول ذلك عن صاحب الشرع إليهم و هذا مما يورث العلم العادي بكون ذلك صادرا عن صاحب الشريعة مأخوذا عنه و ليس هذا مثل سائر الإجماعات المنقولة التي لا يعلم المراد منها و تنتهي إلى واحد و تبعه الآخرون و لا يخفى الفرق بينهما على ذي مسكة من العقل و الإنصاف

   المقصد الثالث في كيفية الاستدلال بما تقدم من النصوص

فأقول إذا أمعنت النظر فيما قدمناه و سلكت مسلك الإنصاف و نزلت عن مطية التعنت و الاعتساف حصل لك القطع من الآيات المتظافرة و الأخبار المتواترة الواردة بأساليب مختلفة و عبارات متفننة من اشتمالها على بيانات شافية و أدلة وافية بالحدوث بالمعنى الذي أسلفناه و من تتبع كلام العرب و موارد استعمالاتهم و كتب اللغة يعلم أن الإيجاد و الإحداث و الخلق و الفطر و الإبداع و الاختراع و الصنع و الإبداء لا تطلق إلا على الإيجاد بعد العدم. قال المحقق الطوسي ره في شرح الإشارات إن أهل اللغة فسروا الفعل بإحداث شي‏ء و قال أيضا الصنع إيجاد شي‏ء مسبوق بالعدم و في اللغة الإبداع الإحداث و منه البدعة لمحدثات الأمور و فسروا الخلق بإبداع شي‏ء بلا مثال سابق و قال ابن سينا في رسالة الحدود الإبداع اسم مشترك لمفهومين أحدهما تأييس شي‏ء لا عن شي‏ء و لا بواسطة شي‏ء و المفهوم الثاني أن يكون للشي‏ء وجود مطلق عن سبب بلا متوسط و له في ذاته أن يكون موجودا و قد أفقد الذي في ذاته إفقادا تاما. و نقل في الملل و النحل عن ثاليس الملطي أنه قال الإبداع هو تأييس ما ليس بأيس فإذا كان مؤيس الأيسات فالتأييس لا من شي‏ء متقادم انتهى. و من تتبع الآيات و الأخبار لا يبقى له ريب في ذلك كقوله لا من شي‏ء فيبطل الاختراع و لا لعلة فلا يصح الابتداع مع أنه قد وقع التصريح بالحدوث بالمعنى المعهود في أكثر النصوص المتقدمة بحيث لا يقبل التأويل و بانضمام الجميع بعضها مع بعض يحصل القطع بالمراد و لذا ورد أكثر المطالب الأصولية الاعتقادية كالمعاد الجسماني و إمامة أمير المؤمنين ع و أمثالهما في كلام صاحب الشريعة بعبارات مختلفة و أساليب شتى ليحصل الجزم بالمراد من جميعها مع أنها   اشتملت على أدلة مجملة من تأمل فيها يحصل له القطع بالمقصود أ لا ترى إلى قولهم ع في مواضع لو كان الكلام قديما لكان إلها ثانيا و قولهم و كيف يكون خالقا لمن لم يزل معه إشارة إلى أن الجعل لا يتصور للقديم لأن تأثير العلة إما إفاضة أصل الوجود و إما إفادة بقاء الوجود و استمرار الجعل الأول و الأول هي العلة الموجدة و الثاني هي المبقية و الموجود الدائمي محال أن تكون له علة موجدة كما تحكم به الفطرة السليمة سواء كان بالاختيار أو بالإيجاب لكن الأول أوضح و أظهر. و مما ينبه عليه أن في الحوادث المشاهدة في الآن الأول تأثير العلة هو إفاضة أصل الوجود و في كل آن بعده من آنات زمان الوجود تأثير العلة هو إبقاء الوجود و استمرار الجعل الأول و لو كان ممكن دائمي الوجود فكل آن يفرض من آنات زمان وجوده الغير المتناهي في طرف الماضي فهو آن البقاء و استمرار الوجود و لا يتحقق آن إفاضة أصل الوجود فجميع زمان الوجود هو زمان البقاء و لا يتحقق آن و لا زمان للإيجاد و أصل الوجود قطعا. فنقول في توجيه الملازمة في الخبر الأول لو كان الكلام الذي هو فعله تعالى قديما دائمي الوجود لزم أن لا يحتاج إلى علة أصلا أما الموجدة فلما مر و أما المبقية فلأنها فرع الموجدة فلو انتفى الأول انتفى الثاني بطريق أولى و المستغني عن العلة أصلا هو الواجب الوجود فيكون إلها ثانيا و هو خلاف المفروض أيضا لأن المفروض أنه كلام الواجب و فعله سبحانه و مثله يجري في الخبر الثاني.

 و يؤيده ما روي في الكافي و غيره في حديث الفرجة عن الصادق ع حيث قال للزنديق ثم يلزمك إن ادعيت اثنين فرجة ما بينهما حتى يكونا اثنين فصارت الفرجة ثالثا بينهما قديما معهما فيلزمك ثلاثة الخبر

حيث حكم على الفرجة   من جهة القدم بكونه إلها ثالثا واجب الوجود. إذا تقرر هذا فاعلم أن علة الحاجة إلى المؤثر حينئذ يمكن أن تكون هي الإمكان لأن مصداق مفهوم الإمكان حينئذ منحصر في الحوادث و الفرد المفروض أنه قديم لا يصدق عليه الإمكان في نفس الأمر بل من أفراد الممتنع لاستلزامه التسلسل المستحيل مطلقا كما سيجي‏ء و الممتنع بالذات قد يكون مركبا كالمجموع المركب من الضدين و النقيضين و يمكن أن تكون علة الحاجة إلى المؤثر هي الحدوث أو الإمكان بشرط الحدوث و قد ذهب إلى كل منها جماعة و أحد الأخيرين هو الظاهر من أكثر الأخبار كما أومأنا إليه في بعضها و منها حديث الرضا ع في علة خلق السماوات و الأرض في ستة أيام. و يدل عليه

 ما روي عن الرضا ع أنه دخل عليه رجل فقال يا ابن رسول الله ما الدليل على حدوث العالم قال إنك لم تكن ثم كنت و قد علمت أنك لم تكون نفسك و لا كونك من هو مثلك

فإن الظاهر أن مراد السائل من حدوث العالم إثبات الصانع بناء على التلازم بينهما بقرينة الجواب و استدل ع بوجود المخاطب بعد عدمه أي حدوثه الزماني على الصانع تعالى. و من الدلائل على الحدوث ما يدل على أوليته تعالى فإن الأولية   مفسرة بأنه سبحانه قبل كل شي‏ء. و منها الآيات و الأخبار الدالة على فناء جميع الموجودات و قد مر بعضها هنا و بعضها في المجلد الثالث و ذلك بضم مقدمة مسلمة عند القائلين بالقدم و هي أن ما ثبت قدمه امتنع عدمه.

 و قد روي في الاحتجاج في حديث الزنديق الذي سأل الصادق ع عن مسائل أنه قال فيتلاشى الروح بعد خروجه عن قالبه أم هو باق قال ع بل باق إلى وقت ينفخ في الصور فعند ذلك تبطل الأشياء و تفنى فلا حس يبقى و لا محسوس ثم أعيدت الأشياء كما بدأها يدبرها و ذلك أربعمائة سنة يثبت فيها الخلق و ذلك بين النفختين

و يدل على حدوث السماوات الآيات و الأخبار الدالة على انشقاقها و انفطارها و طيها و انتشار الكواكب منها بما مر من التقريب و قد مضى جميع ذلك في المجلد الثالث. و منها الآيات و الأخبار الدالة على خلق السماوات و الأرض في ستة أيام   لأن الحادث في اليوم الأخير مسبوق بخمسة أيام فيكون منقطع الوجود في الماضي و الموجود في اليوم الأول زمان وجوده أزيد على زمان الأخير بقدر متناه فالجميع متناهي الوجود حادث فيكون الزمان الموجود الذي يثبتونه أيضا متناهيا لأنه عندهم مقدار حركة الفلك و قد مر تأويل الأيام و كيفية تقديرها في تفسير الآيات. و إذا أحطت خبرا بما نقلنا من الآيات و الأخبار المتواترة الصريحة فهل يجترئ عاقل استشم رائحة من الدين أن يعرض عن جميع ذلك و ينبذها وراء ظهره تقليدا للفلاسفة و اتكالا على شبهاتهم الكاسدة و مذاهبهم الفاسدة و ستعرف أنها أوهن من بيت العنكبوت بفضل الحي الذي لا يموت. قال المحقق الدواني في أنموذجه بعد ما تكلم في شبهاتهم لا يذهب عليك أنه إذا ظهر الخلل في دلائل قدم العالم و ثبت بالتواتر و إخبار الأنبياء الذين هم أصول البرايا و إجماع أهل الملل على ذلك و قد نطق به الوحي الإلهي على وجه لا يقبل التأويل إلا بوجه بعيد تتنفر عنه الطبائع السليمة و الأذهان المستقيمة فلا محيص عن اتباع الأنبياء في ذلك و الأخذ بقولهم كيف و أساطين الفلاسفة ينسبون أنفسهم إليهم و ينسبون أصول مقالاتهم على ما يزعمون أنها مأخوذة منهم فإذن تقليد هؤلاء الأعاظم الذين اصطفاهم الله تعالى و بعثهم لتكميل العباد و الإرشاد إلى صلاح المعاش و المعاد و قد أذعن لكلامهم الفلاسفة أولى و أحرى من تقليد الفلاسفة الذين هم معترفون برجحان الأنبياء ع عليهم و يتبركون بالانتساب إليهم و من العجب العجاب أن بعض المتفلسفة يتمادون في غيهم و يقولون إن كلام الأنبياء مؤول و لم يريدوا به ظاهره مع أنا نعلم أنه قد نطق القرآن المجيد في أكثر المطالب

   الاعتقادية بوجه لا يقبل التأويل أصلا كما قال الإمام الرازي لا يمكن الجمع بين الإيمان بما جاء به النبي ص و إنكار الحشر الجسماني فإنه قد ورد من القرآن المجيد التصريح به بحيث لا يقبل التأويل أصلا. و أقول لا يمكن الجمع بين قدم العالم و الحشر الجسماني أيضا لأن النفوس الناطقة لو كانت غير متناهية على ما هو مقتضى القول بقدم العالم امتنع الحشر الجسماني عليهم لأنه لا بد في حشرهم جميعا من أبدان غير متناهية و أمكنة غير متناهية و قد ثبت أن الأبعاد متناهية ثم التأويلات التي يتمحلونها في كلام الأنبياء عسى أن يتأتى مثلها في كلام الفلاسفة بل أكثر تلك التأويلات من قبيل المكابرات للسوفسطائية فإنا نعلم قطعا أن المراد من هذه الألفاظ الواردة في الكتاب و السنة هي معانيها المتعارفة عند أهل اللسان فإنا كما لا نشك في أن من يخاطبنا بالاستفسار عن مسألة الجزء الذي لا يتجزأ لا يريد بذلك الاستفسار عن حال زيد مثلا في قيامه و قعوده كذلك لا نشك في أن المراد بقوله تعالى قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ هو هذه المعاني الظاهرة لا معنى آخر من أحوال المعاد الروحاني الذي يقول به الفلاسفة و بالجملة فنصوص الكتاب يجب الحمل على ظاهرها و التجاوز عن هذا النهج غي و ضلال و التزامه طريق أهل الكمال انتهى. و لقد أحسن و أجاد لكن ما يظهر من كلامه من أن النصوص الواردة في الحدوث قابلة للتأويل البعيد ليس كذلك بل إن كان بعضها قابلا فالمجموع يفيد القطع بالمقصود و لعله إنما قال ذلك لعدم اطلاعه على نصوص أئمة الهدى ع أو لعدم اعتقاده بها كما هو ظاهر حاله و إن أشعر بالتدين بالحق في بعض المواضع. و أما منافاة القول بالقدم مع الحشر الجسماني فإنما يتم لو ذهبوا إلى عدم تناهي   عدد النفوس و وجوب تعلق كل واحدة بالأبدان لا على سبيل التناسخ كما ذهب إليه أرسطو و من تأخر عنه أما لو قيل بقدمها و حدوث تعلقها بالأبدان كما ذهب إليه أفلاطون و من تبعه فإنه ذهب إلى قدم النفس وحدها و حدوث سائر العالم و تناهي الأبدان أو قيل بجواز تعلق نفس واحدة بأبدان كثيرة غير متناهية على سبيل التناسخ و أن في المعاد يرجع النفس مع بدن واحد فلا يتم أصلا. نعم القول بقدم النفوس البشرية بالنوع و حدوثها بحدوث الأبدان على سبيل التعاقب و عدم تناهيها كما ذهب إليه المشاءون على ما نقل عنهم المتأخرون مما لا يجتمع مع التصديق بما جاء به النبي ص بل الأنبياء ع من وجوه أخر أيضا. الأول التصديق بوجود آدم و حواء على ما نطق به القرآن و السنة المتواترة مشروحا. الثاني أنهم ذهبوا إلى قدم هيولى العناصر بالشخص و تعاقب صور غير متناهية عليها فلا بد لهم من القول بتكون أبدان غير متناهية من حصص تلك الهيولى و تعلق صور نفوس غير متناهية بكل حصة منها و عندهم أيضا أنه لا يمكن اجتماع صورتين في حصة من تلك الهيولى دفعة فيلزمهم اجتماع نفوس غير متناهية في بدن واحد إن اعترفوا بالمعاد الجسماني إلى غير ذلك من المفاسد تركناها روما للاختصار.

المقصد الرابع في ذكر نبذ من الدلائل العقلية على هذا المقصد و إن كان خارجا عن مقصود الكتاب تشييدا لهذا المقصد من كل باب و إن أفضى إلى بعض الإطناب

و هو مشتمل على مطالب. المطلب الأول في إبطال التسلسل مطلقا و هو مفتقر إلى تمهيد مقدمات.   الأولى ما ذكره السيد ره في القبسات و هو أن الحكم المستوعب الشمول لكل واحد إذا صح على جميع تقادير الوجود لكل من الآحاد منفردا كان عن غيره أو ملحوظا على الاجتماع كان سحب ذيله على المجموع الجملي أيضا من غير امتراء و إن اختص بكل واحد واحد بشرط الانفراد كان حكم الجملة غير حكم الآحاد. فإنه إذا كان سلسلة فرد منها أبيض فالجملة أيضا أبيض و إذا كان لكل جزء مقدار فللكل أيضا كذلك إلى غير ذلك من الأمثلة المنبهة على المطلب و إذا كان فرد متناهيا لم يلزم أن يكون المجموع متناهيا و إذا كان كل جزء من الأجزاء لا يتجزأ غير منقسم لا يكون الكل غير منقسم و إذا كان كل فرد من أفراد السلسلة واجبا بالذات لا يلزم أن تكون الجملة واجبا بالذات لأن في تلك للانفراد مدخلا و تأثيرا. الثانية ما أشار إليه المحقق الدواني و غيره و هي أن العقل قد يحكم على الإجمال حكما كليا بالبديهة أو الحدس على كل فرد و على كل جملة سواء كانت متناهية أو غير متناهية و إن كان لو لاحظ التفصيل ابتداء توقف في بعض الأفراد و الجمل كما يحكم العقل مجملا بأن كل موجد يجب أن يتقدم على الموجد من غير تفصيل بين موجد نفسه و موجد غيره ثم يثبت به أن الماهية لا يجوز أن تكون علة لوجودها و هذا جار في جميع كبريات الشكل الأول بالنسبة إلى الأصغر انتهى. و بهذا يمكن تتميم البرهان السلمي بأن كل بعد من الأبعاد المفروضة فيه يجب أن يوجد فيما فوقه فكذا الكل الغير المتناهي. الثالثة اعلم أن من النسب و الإضافات ما هي فرع اعتبار العقل و انتزاعه   حتى لو لم يعتبرها العقل لم يتحقق في نفس الأمر أصلا و ذلك إنما يكون إذا كان الموصوف أو الاتصاف و النسبة و الإضافة اعتباريا محضا يتوقف تحققه على اعتبار العقل و فرضه و منه العدد إذا كان معروضه غير موجود فإن العدد عرض لا يتحقق إلا بتحقق معروضه و هو المعدود و منه وجود الوجود و لزوم اللزوم و هكذا لأن الموصوف و المنتزع عنه فيهما لا يتحقق إلا بعد الانتزاع و توجه العقل إليه قصدا و بالذات فإن الموصوف لا يتحقق إلا بهذا و منه النسب الاعتبارية المحضة و الانطباقات الحاصلة بين آحاد السلسلتين إذا كانت باعتبار هذه الوجوه كانت اعتبارية محضة تنقطع بانقطاع الاعتبار و من الاتصافات و النسب ما ليست كذلك و لا يتوقف على اعتبار و فرض بل هي متحققة في الواقع بدون فرض فارض مثل لوازم الماهية و الاتصافات الخارجية و النفس الأمرية فإنا نجزم بديهة أن العدد موصوف بالزوجية أو الفردية و السماء موصوفة بالفوقية بالنسبة إلى الأرض و الأب بالأبوة و الابن بالبنوة و إن لم يفرض العقل بل انتزاع العقل تابع لما هو متحقق في الواقع و إلا صح انتزاع كل أمر من كل شي‏ء و المنبهات عليه كثيرة لا تخفى فظهر أن انتزاع العقل و صحة حكمه تابع و فرع للواقع و ليس لفرض العقل مدخل في صحة هذه الأمور و تحققها و هذا القدر كاف في دفع الاعتراضات الواردة على البراهين الآتية و لنشرع في إيراد البراهين على وجه الاختصار و إن كانت مذكورة في كتب القوم. الأول برهان التطبيق و هو أم البراهين و له تقريرات. الأول لو تسلسلت أمور مترتبة إلى غير نهاية بأي وجه من وجوه الترتيب

   اتفق كالترتيب الوضعي و الطبعي أو بالعلية أو بالزمان و سواء كانت عددا أو زمانا أو كما قارا أو معدودا أو حركة أو حوادث متعاقبة فنفرض من حد معين منها على سبيل التصاعد مثلا سلسلة غير متناهية و من الذي من فوق الأخير أيضا سلسلة أخرى و لا شك في أنه يتحقق هناك جملتان إحداهما جزء للأخرى و لا في أن الأول من إحداهما منطبق على الأول من الأخرى و الثاني على الثاني في نفس الأمر و هكذا حتى يستغرق التطبيق كل فرد فرد بحيث لا يشذ فرد فإن كان في الواقع بإزاء كل واحد من الناقصة واحد من الزائدة لزم تساوي الكل و الجزء و هو محال أو لا يكون فقد وجد في الزائدة جزء لا يكون بإزائه من الناقصة شي‏ء فتتناهى الناقصة أولا و يلزم تناهي الزائدة أيضا لأن زيادتها بقدر متناه هو ما بين المبدأين و قد فرضناهما غير متناهيين و هذا خلف. و اعلم أنه لا حاجة في التطبيق إلى جذب السلسلة الناقصة أو رفع التامة و تحريكهما عن موضعهما حتى تحصل نسبة المحاذاة بين آحاد أجزاء السلسلتين و يحصل التطبيق باعتبار هذه النسبة بل النسب الكثيرة في الواقع متحققة بين كل واحد من آحاد إحدى السلسلتين مع آحاد السلسلة الأخرى بلا تعمل من العقل فإنه للأول من السلسلة التامة نسبة إلى الأول من الناقصة و هو الخامس من السلسلة الأولى بعد إسقاط أربعة من أولها و للثاني من الأولى إلى السادس من الثانية و للثالث من الأولى إلى السابع من الثانية تلك النسبة بعينها و هكذا في جميع آحاد السلسلتين على التوالي حتى يستغرق و كذا الأول من السلسلتين موصوف بالأولية و الثاني بالثانوية و الثالث بالثالثية و هكذا و باعتبار كل من تلك النسب و المعاني تنطبق السلسلتان في الواقع كل جزء على نظيره على التوالي و لما كان أول الناقصة منطبقا على أول الزائدة و تاليها على تاليها و هكذا على التوالي كل على نظيره حتى يستغرق الكل و لا يمكن فوات جزء من البين لترتب الجملتين و اتساقهما فلا بد أن يتحقق في الزائدة جزء لا يوجد في الناقصة نظيره و إلا لتساوى الجزء و الكل   فيلزم انقطاع الناقصة و زيادة الزائدة بقدر متناه. و اعترض على هذا الدليل بالنقض بمراتب العدد و كل متناه بمعنى لا يقف كأجزاء الجسم و مثل اللزوم و لزوم اللزوم و هكذا و الإمكان و نظائرهما فإن الدليل يجري فيها. و الجواب أن غير المتناهي اللايقفي يستحيل وجود جميع أفراده بالفعل لاستحالة وجود غير المتناهي بل لأن حقيقة اللايقفية تقتضي ذلك فإنه لو خرج جميع أفرادها إلى الفعل و لو كانت غير متناهية يقف ما فرضنا أنه لا يقف و يلزم في أجزاء الجسم الجزء الذي لا يتجزأ و في المراتب العددية أن لا يتصور فوقه عدد آخر و هو خلاف البديهة بل مفهوم الجميع و مفهوم اللايقف متنافيان كما قرروه في موضعه. إذا تقرر هذا فنقول لعله يكون وجود جميع الأفراد خارجا و ذهنا مستحيلا نعم يمكن ملاحظتها إجمالا في ضمن الوصف العنواني فلا يجري فيه البرهان و إنما يتم النقض لو ثبت أن جميع مراتب الأعداد المستحيلة الخروج إلى الفعل موجودة مفصلا مرتبا في الواقع. و إن أورد النقض بتحققها في علمه سبحانه فالجواب أن علمه سبحانه مجهول الكيفية لا تمكن الإحاطة به و أنه مخالف بالنوع لعلومنا و إنما يتم النقض لو ثبت تحقق جميع شرائط البرهان في علمه تعالى و في المعلومات باعتبار تحققه في هذا النحو من العلم و هو ممنوع و في خبر سليمان المروزي في البداء إيماء إلى حل هذه الشبهة لمن فهمه و قد مر في المجلد الثاني و الرابع. الثاني لو كانت الأمور الغير المتناهية ممكنة لأمكن وقوع كل واحد من إحدى السلسلتين بإزاء واحد من الأخرى على سبيل الاستغراق إلى آخر الدليل و هذا التقرير جار في غير المرتبة أيضا لكنه في المرتبة المتسقة أظهر و منع الإمكان الذاتي مكابرة و كيف يتوقف الذكي في أن القادر الذي أوجده أولا مرتبا يمكنه أن يوجده مرة أخرى مرتبا منطبقا و أن يرتب الغير المرتبة

   و إنكاره تحكم و منعه مكابرة. الثالث ما قرره المحقق الطوسي و هذبه الفاضل الدواني و لا يرد عليه الشي‏ء من الإيرادات المشهورة و يكون الانطباق فيه انطباقا برهانيا لا مجال لتشكيك الوهم فيه و تقع فيه الزيادة و النقصان في الجهة التي فرض فيها عدم التناهي و هو أن يقال تلك السلسلة المرتبة علل و معلولات بلا نهاية في جانب التصاعد مثلا و ما خلا المعلول الأخير علل غير متناهية باعتبار و معلولات غير متناهية باعتبار فالمعلول الأخير مبدأ لسلسلة المعلولية و الذي فوقه مبدأ لسلسلة العلية فإذا فرضنا تطبيقهما بحيث ينطبق كل معلول على علته وجب أن تزيد سلسلة المعلولية على سلسلة العلية بواحد من جانب التصاعد ضرورة أن كل علة فرضت لها معلولية و هي بهذا الاعتبار داخلة في سلسلة المعلول و المعلول الأخير داخل في جانب المبدإ في سلسلة المعلول دون العلة فلما لم تكن تلك الزائدة بعد التطبيق من جانب المبدإ كانت في الجانب الآخر لا محالة لامتناع كونها في الوسط لاتساق النظام فيلزم الانقطاع و أن يوجد معلول بدون علة سابقة عليه تأمل فإنه دقيق و يجري هذا الدليل في غير سلسلة العلل و المعلولية من الجمل المترتبة فإن كل جملة فإن آحادها موصوفة في الواقع بالسابقية و المسبوقية بأي نوع كان من السبق و بغيرها من النسب الواقعية المتضايفة البرهان الثاني برهان التضايف و تقريره لو تسلسلت العلل إلى غير نهاية لزم زيادة عدد المعلولية على عدد العلية و التالي باطل بيان الملازمة أن آحاد السلسلة ما عدا المعلول الأخير لها عليه و معلولية فيتكافى عددهما و يتساوى فيما سواه و بقيت معلولية المعلول الأخير زائدا فيزيد عدد المعلوليات الحاصلة في السلسلة على عدد العليات الواقعة فيها بواحد و هذا الدليل يجري في كل سلسلة يتحقق فيها الإضافة في كل فرد منها في الواقع لا بحسب اختراع العقل و جريانه في المقادير المتصلة مشكل فإن إثبات إضافة في كل حد من الحدود المفروضة فيها في الواقع   مشكل اللهم إلا أن يقال كل جزء من أجزاء المقدار المتصل متصف في الواقع لا بمجرد الفرض بصفات حقيقية يتصف باعتبارها بالتقدم و التأخر بحسب الوضع و هما متضايفان حقيقيان و يؤيد ذلك أنهم قد صرحوا بأن أجزاء الأجسام موجودة في الواقع بوجود الكل و ليست القسمة إيجاد للجزءين من كتم العدم بل تمييز و تعيين حد بين الجزءين الموجودين فيه و فيه أنه يلزم انتهاء أجزاء الجسم و يلزم الجزء الذي لا يتجزأ ثم اعلم أن هذا البرهان في التسلسل في أحد الجانبين فقط ظاهر و أما في التسلسل في الجانبين فقد يتوهم عدم جريانه فيه و دفعه أنا إذا أخذنا معلولا معينا ثم تصاعدنا أو تسافلنا يجب أن يكون المتضايفان الواقعان في تلك السلسلة متساويين و يتم الدليل ضرورة أن مضايف العلية الواقعة في تلك القطعة هو المعلولية الواقعة فيها لا ما يقع فيما تحت القطعة من الأفراد مثلا إذا كان زيد علة لعمرو و عمرو لبكر فمضايف معلولية عمرو هو علية زيد لا غير بل الاثنان منها على التوالي متضايفان تتحقق بينهما إضافة شخصية لا تتحقق في غيرهما فالمضايف للمعلول الأخير المأخوذ في تلك القطعة هي علية القرينة التي فوقها لا غير فافهم و الاعتراضات الواردة على هذا الدليل من اعتبارية المتضايفين و غيرها مدفوعة بما مهدنا من المقدمات بعد التأمل فلا نطيل الكلام بالتعرض لدفعها. البرهان الثالث ما أبداه بعض الأزكياء من المعاصرين و سماه برهان العدد و المعدود و هو عندي متين و تقريره أنه لو تحققت أمور غير متناهية سواء كانت مجتمعة في الوجود أو لا و سواء كانت مترتبة أم لا تحقق لها عدد لأن حقيقة العدد هي مجموع الوحدات و لا ريب في تحقق الوحدات و تحقق مجموعها في السلسلة فتعرض العدد للجملة لا محالة إذ لا حقيقة للعدد إلا مبلغ تكرار الوحدات و يظهر من التأمل في المقدمات ذلك المطلوب أيضا كما لا يخفى و كل مرتبة يمكن فرضها من مراتب الأعداد على سبيل الاستغراق الشمولي فهي متناهية لأنه يمكن فرض مرتبة أخرى فوقها و إلا لزم أن تقف مراتب العدد و هو خلاف

   البديهة بل هي محصورة بين حاصرين أحدهما الوحدة و الآخر تلك المرتبة المفروضة أخيرا فالمعدود أيضا و هو مجموع السلسلة الغير المتناهية أيضا متناهية لأنه لا يمكن أن يعرض للمجموع بحيث لا يشذ منه فرد إلا مرتبة واحدة من مراتب العدد من جهة واحدة و كل مرتبة يمكن فرضها فهي متناهية كما مر نعم لو أمكن فرض جميع المراتب اللايقفية للعدد و أمكن تصور خروج جميع المراتب اللايقفية إلى الفعل و أمكن عروض أكثر من مرتبة واحدة للعدد للجملة الواحدة من جهة واحدة أمكن عروض العدد الغير المتناهي لهذه الجملة لكنه محال لأنه لا يمكن أخذ المجموع من الأمور اللايقفية و لا يتصور خروج الجميع إلى الفعل و لو على سبيل التعاقب و إلا لزم أن يقف و هذا خلف و قد التزمه النظام في أجزاء الجسم بل نقول مفهوم اللايقفية و مفهوم المجموع متنافيان كما قرر في محله. و هذا البرهان واضح المقدمات يجري في المجتمعة و المتعاقبة و المترتبة و غير المترتبة بلا تأمل و كذا جريان برهاني التطبيق و التضايف ظاهر بعد الرجوع في المقدمات الممهدة و النظر الجميل في التقريرات السابقة و ذهب المحقق الطوسي ره في التجريد إلى جريان التطبيق و التضايف فيها و قال في نقد المحصل بعد تزييف أدلة المتكلمين على إبطال التسلسل في المتعاقبة فهذا حاصل كلامهم في هذا الموضع و أنا أقول إن كل حادث موصوف بكونه سابقا على ما بعده و لاحقا بما قبله و الاعتباران مختلفان فإذا اعتبرنا الحوادث الماضية المبتدئة من الآن تارة من حيث كل واحد منهما سابق و تارة من حيث هو بعينه لاحق كانت السوابق و اللواحق المتباينتان بالاعتبار متطابقتين في الوجود لا نحتاج في تطابقهما إلى توهم تطبيق و مع ذلك يجب كون السوابق أكثر من اللواحق في الجانب الذي وقع النزاع فيه فإذن اللواحق متناهية في الماضي لوجوب انقطاعها قبل انقطاع السوابق و السوابق زائدة عليها بمقدار متناه فتكون متناهية أيضا انتهى. و اعترض عليه بأن في التطبيق لا بد من وجود الآحاد على نحو التعدد و الامتياز أما في الخارج فليس و أما في الذهن فكذلك لعجز الذهن عن ذلك و   كذا لا يمكن للعقل تحصيل الامتياز و وجود كل واحد في الأوقات السابقة على زمان التطبيق لا يفيد لأنه يرجع إلى تطبيق المعدوم فإن الوجود ضروري عند التطبيق و أيضا لا بد في الانطباق من وجود مجموع الآحاد و ذلك المجموع لا يمكن وجودها لأن ذلك المجموع لم يكن موجودا قبل الحادث الأخير و بعده لم يبق شي‏ء منه موجودا و القول بوجودها في مجموع الأوقات على سبيل التدريج كالحركة القطعية يدفعه أن وجود الكل في جميع الأوقات على هذا النحو يستلزم وجود الكل بدون شي‏ء من أجزائه و فيه بحث إذ يكفي لوجود هذا الكل وجود أجزائه في أجزاء زمان الكل انتهى. و التحقيق أن الموجود قد يوجد في ظرف الزمان و هو الدفعيات و قد يوجد في نفس الزمان و هو التدريجيات و الأمر التدريجي مجموعها موجودة في مجموع زمان وجودها على سبيل الانطباق و ليس المجموع موجودا في أبعاض الزمان و لا في آن من الآنات فإن سئل الحركة في اليوم هل هي موجودة في آن من آنات اليوم المفروض أو شي‏ء من ساعاته فالجواب أنها ليست بموجودة أصلا بل في مجموع اليومين و قد بين ذلك بوجه شاف في مظانه و انطباق الحوادث المتعاقبة الزمانية بعضها على بعض من قبيل الثاني فالتطبيق موجود في كل زمان لا في آن فان و الانطباق حكمه حكم المنطبقين كانطباق الحركة على الزمان و انطباق الحركة على المسافة و هذا ظاهر أ لا ترى أن الكرة المدحرجة على سطح مستو تنطبق دائرة من محيط الكرة على المسافة جزما و انطباقها لا يمكن أن يكون في آن لأنه لا يمكن التماس بين المستدير و المستوي إلا بنقطة فظهر أن انطباقهما تدريجي في كل الزمان أ و لا تعلم أن الحركة و الزمان متطابقان تدريجا في كل زمان الحركة و لو لم ينطبق الزمان على الحركة لم يكن مقدارا لها سواء كانا موجودين في الخارج أو لا.

   و يمكن الجواب أيضا على القول بعدم وجود الزمانيات بأنه لا شك أن الآحاد المتعاقبة من إحدى السلسلتين منطبقة في الواقع على آحاد السلسلة الأخرى اللتين كانتا هما معا في الوجود في أزمنة وجودهما و إن لم يكونا موجودين حال حكمنا و وجودهما حال الحكم غير لازم في جريان البرهان بل وجودهما حين الانطباق و ليس من قبيل تطبيق المعدوم على المعدوم بل من قبيل الحكم بانطباق المعدوم في حال الحكم على المعدوم الموجودين معا في حال الانطباق و ذلك مثل سائر الأحكام الصادقة على الأمور الماضية. و قيل أيضا إن التطبيق يتوقف على الترتيب و هو يتوقف على تحقق أوصاف و نسب و إضافات يسلكها في سلك الترتيب و في المتعاقبة لا يوجد ذلك فإن فيما عدا الحادث الأخير لا يوجد شي‏ء من طرفي النسبة و في الحادث الأخير لا يوجد إلا طرف واحد فلا يتحقق النسبة أيضا ضرورة أنها فرع المنتسبين. فإن قلت لعل الاتصاف في الذهن كما قالوا في اتصاف أجزاء الزمان بالتقدم و التأخر. قلت لما كانت الحوادث لا نهاية لها فلا يمكن التفصيل في الأذهان و المبادئ العالية و الوجود الإجمالي غير كاف لعدم الامتياز فيه انتهى. و الجواب أنه يجزم العقل بأن حوادث زمان الطوفان في الخارج قبل حوادث زمان البعثة و قبل الحادث اليومي بلا ريب و لا يتفرع على اعتبار العقل كيف و هم معترفون بأن الحادث المتقدم علة معدة للحادث المتأخر بالعلية و المعلولية الخارجية فإن العلة ما لم توجد في الخارج من حيث إنها علة لم يوجد المعلول في الخارج و هما متضايفان فظهر أن النسبة بالعلية و المعلولية متحققة بين المعلول و العلة المعدة و وجودها السابق و عدمها علة فتحققت النسبة بين   المعدوم و الموجود و الحق أن طرفي النسبة لا يمكن أن يكونا معدومين بالعدم المطلق و إذا تحققا نوع تحقق لم يجتمعا في الوجود فإن العقل يجوز تحقق النسبة بينهما و لم ينقبض عنه و من تصور حقيقة وجود الأعراض التدريجية تصور كيفية النسبة بين أجزائها المتعاقبة و قل استبعاده و أذعن بها. ثم إن النسبة بالتقدم و التأخر بين أجزاء الزمان في الواقع من غير فرعية و لا اعتبار العقل و تصوره و اتصافها بالصفات الثبوتية و الحكم بالأحكام النفس الأمرية بل الخارجية المستلزمة لثبوت المثبت له في الواقع مما لا يشك فيه أحد و ليس من الأحكام المتفرعة على اعتبار العقل الحاصلة بعد فرضه و ليس بحاصل بالفعل إلا بعد الفرض فإنه لو كان كذلك لكان حكم العقل بأن هذا الجزء متقدم و ذاك متأخر في الخارج من الأحكام الكاذبة لأنه في الخارج ليس كذلك في الحقيقة أ لا ترى أنه يصح الحكم على الدورات الغير المتناهية من الحركة و الزمان بالتقدم و التأخر و القسمة و الانتزاع الإجمالي غير كاف لاتصاف كل جزء جزء بالتقدم و التأخر و التفصيل يعجز عنه العقل عندهم فكيف تكون هذه الاتصافات بعد فرض الأجزاء كما ذهبوا إليه. و قد ذهب بعض المحققين في جواب شك من قال لم اتصف هذا الجزء من الزمان بالتأخر و ذاك بالتقدم إلى أن هذه الاتصافات مستندة إلى هويات   الأجزاء و تشخصاتها الحاصلة لها فكما أنه لا يصح السؤال بأن زيدا لم صار زيدا و عمرا عمرا لا يصح السؤال بأنه لم صار أمس أمس و اليوم اليوم و ذهبوا أيضا إلى أن اختلاف أجزاء الفلك بالقطب و المنطقة مستند إلى هوية الأجزاء ليس بفرض فارض بل موجودة فيه حقيقة لكن الأجزاء و هوياتها موجودة بوجود الكل بوجود واحد و كما أن أجزاء الجسم و تشخصاتها موجودة بوجود الجسم و بوجود قار كذلك أجزاء الزمان و الحركة موجودة بوجود الكل بوجود تدريجي بلا تفاوت و المناقشة في هذه ناشئة من عدم تصور الوجود التدريجي كما ينبغي فلا ينافي اتصال الزمان و الحركة إذا كانت موجودة بوجود واحد فإن هذا النوع من الاختلاف لا يستلزم القسمة بالفعل و الانفصال بعد الاتحاد بوجود الكل. ثم إنهم قاطبة صرحوا بأن الصفة لا يجب تحققها في ظرف الاتصاف و المحكوم به لا يجب وجوده في الحكم مع أنه نسبة و ذهبوا أيضا إلى تساوي نسبة الممكن إلى طرفي الوجود و العدم و إلى صحة الاتصاف بنحو العمى من الأمور العدمية في الخارج إلى غير ذلك من النظائر و لا يخفى أنه يمكن إجراء جميع

   ما ذكرنا في جريان هذا الدليل في المتعاقبة في جريان سائر البراهين فيها فلا نطيل الكلام بالتعرض لخصوص كل منها. البرهان الرابع ما أورده الشيخ الكراجكي في الكنز بعد ما أورد برهان التطبيق بوجه مختصر أنيق قال دليل آخر على تناهي ما مضى و هو أنه قد مضت أيام و ليالي وقفنا اليوم عند آخرها فلا يخلو أن تكون الأيام أكثر عددا من الليالي أو الليالي من الأيام أو يكونا في العدد سواء فإن كانت الأيام أكثر من الليالي تناهى الليالي لأنها أقل منها و اقتضى ذلك تناهي الأيام أيضا لبطلان اتصالها قبل الليالي بغير ليالي بينها فوجب على هذا الوجه تناهيهما معا و إن كانت الليالي أكثر من الأيام كان الحكم فيهما نظير ما قدمنا من تناهي الأول فتتناهى الأيام لزيادة الليالي عليها و يقتضي ذلك تناهي الليالي أيضا لما مر فيلزم تناهيهما معا و إن كانت الأيام و الليالي في العدد سواء كانا بمجموعهما أكثر عددا من أحدهما بانفراده و هذا يشهد بتناهيهما إذ لو كان كل واحد منهما في نفسه غير متناه ما تصورت العقول عددا أكثر منه و قد علمنا أن الأيام مع الليالي جميعا أكثر عددا من أحدهما و هذا موضح عن تناهيهما و بهذا الدليل نعلم أيضا تناهي جميع ما مضى من الحركات و السكنات و من الاجتماعات و الافتراقات و من الطيور و البيض و الشجر و الحب و ما يجري مجرى ذلك انتهى ثم اعلم أنه يمكن إبطال ما ادعوه من التسلسل في الأمور المتعاقبة بل في غير المرتبة أيضا بوجوه أخرى نذكر بعضها. الأول أنهم قالوا بالحوادث الغير المتناهية التي كل سابق منها علة معدة للاحق على سبيل الاستغراق و أن إيجاد الواجب تعالى لكل منها مشروط بالسابق تحقيقا للإعداد و تصحيحا لارتباط الحادث بالقديم و أنه تعالى ليس بموجب تام لواحد منها إذا تقرر هذا فنقول لو تسلسلت المعدات على ما ذهبوا إليه لا إلى نهاية لزم أن يكون وجوب كل واحد منها وجوبا شرطيا بمعنى أنه يجب كل   منها بشرط وجوب سابقة و لا ينتهي إلى الوجوب القطعي البت الذي يكون تعالى موجبا له لذاته بدون شرط لأنه عندهم أنه تعالى ليس بموجب تام لكل واحد من المعدات بل الحوادث مطلقا و تأثيره تعالى في كل منها موقوف على تأثيره في معد سابق عليه لا إلى نهاية فوجوب كل منها وجوب شرطي لا يجب حتى يجب سابقه و الوجوب الشرطي غير كاف لتحقق واحد منها فإنه بمنزلة قضايا شرطية غير متناهية مقدم كل لاحق تال لسابقه فإنه ما لم ينته إلى وضع مقدم لم ينتج شيئا و لو توقف تأثير الواجب في كل حادث و إيجاده إياه على إيجاد حادث آخر و لم تجب لذاتها تلك الإيجادات لكان يجوز للواجب ترك إيجاد الحوادث بالكلية و ما لم يمتنع هذا الاحتمال في نفس الأمر لم يجب واحد منها في الواقع لأن وجوب كل حادث إنما هو بشرط إيجاد حادث آخر و هكذا الكلام في ترك الإيجاد رأسا و ما لم يمتنع جميع أنحاء ارتفاعاته و عدماته في الواقع لم يجب وجوده. و توهم بعضهم أنه لا يمكن ارتفاعه ارتفاع جميع الحوادث لاستلزامه ارتفاع الطبيعة القديمة المستندة بلا شرط إلى الواجب تعالى شأنه و هو مردود بأنه لا يعقل استناد

   الطبيعة بلا شرط إلى الواجب جل شأنه لأن الطبيعة عندهم إذا كانت ذاتية لما تحتها فإنما هي مجعولة بجعل ما هي ذاتية له جعلا واحدا و لا يمكن تعلق جعل على حدة بالطبيعة الكلية قطعا و جعل كل فرد من أفراد الطبيعة عندهم إنما هو بشرط سبق معد نعم لو تحقق تأثير منفرد في الطبيعة وراء التأثير في الأفراد لوجب أن يكون التأثير من الواجب فيها إما ابتداء أو بواسطة قديمة و تأثير الواجب في القديم بلا واسطة و شرط أو بواسطة قديمة إنما هو منشأ استحالة انعدام القديم عندهم فظهر أن سلسلة الحوادث يجب أن تنتهي إلى حادث يجب وجوده عن الواجب بلا شرط معد فتنقطع سلسلة الحوادث به لأنه لا يجوز تقدم شرط أو معد من الحوادث عليه و كذا يمكن إجراء كثير من براهين إثبات الواجب التي لا يتوقف على إبطال الدور و التسلسل هنا بأدنى تصرف لا يخفى على الفطن اللبيب فإن تأثير الواجب تعالى عندهم في كل حادث يتوقف على معد و وجود الواجب مع عدم المعد في حكم قوة فرض عدمه تعالى و العياذ بالله في عدم التأثير و العلة التامة عندهم هو الواجب مع المعد و مجموع المركب من الواجب و الممكن ممكن فالعلل التامة لجميع الحوادث الغير المتناهية ممكنات فكما لا ينفع التزام التسلسل في مسألة إثبات الواجب لا ينفع التزامه هنا أيضا إذ الأدلة الدالة على إثبات الواجب بدون التمسك بإبطال التسلسل يجري هنا أيضا بأدنى تفاوت. الثاني أن نقول على تقدير تسلسل الحوادث على سبيل التعاقب يلزم أن يتقدم على كل حادث من الحوادث على سبيل الاستغراق عدم أزلي لحادث حادث و الحادث الأول و الثاني يجتمعان في العدم إذ يوجد في الواقع مرتبة من المراتب   كانا معدومين فيها و اجتمع معهما عدم الحادث الثالث ضرورة أن عدم كل حادث أزلي و أن عدم الحادث المتأخر و إن كان أطول امتدادا من الحادث المتقدم إلا أن الكل متحقق في ظرف الزمان إذ طبيعة الزمان أزلية عندهم و الأعدام كلها أزلية فلا بد من اجتماعها قطعا في زمان ما و يجتمع مع هذه الأعدام الثلاث عدم الحادث الرابع و هكذا على ترتيب الآحاد على التوالي فإما أن يستغرق هذا الاجتماع إعدام جميع الآحاد فيكون جميع الحوادث معدوما في مرتبة ما من المراتب الواقعية فتأخر جميع الحوادث عن تلك المرتبة الواقعية و يكون الجميع معدوما في تلك المرتبة فيكون لها مبدأ و انقطاع و هو المطلوب و إن لم يستغرق فينتهي إلى حادث معين لا يجتمع عدمه مع عدم ما قبله من الحوادث إما لأن هذا الحادث لا يسبقه عدمه فيكون قديما بالشخص و إما لأن الحادث الذي قبله لا يسبقه عدم أزلي فيكون ذلك قديما ضرورة أنه لو تقدمهما عدم أزلي يجب اجتماعهما مع ما تأخر عنهما فتنقطع سلسلة الحوادث على أي تقدير. لا يقال كل جملة متناهية يجتمع في العدم و يتحقق عدم سابق على الجميع و أما جملة الحوادث الغير المتناهية فلا. لأنا نقول قد بينا أن هذا الحكم مستغرق لجميع الآحاد على التوالي و قد مر في المقدمات الممهدة أن أمثال هذه الأحكام على كل فرد تسري إلى الجملة فلا مجال لهذا التوهم.

   و لك أن تقول هاهنا سلسلتان إحداهما سلسلة وجودات الحوادث و الأخرى سلسلة عدماتها فإذا أخذنا مجموع الوجودات بحيث لا يشذ عنها فرد و كذا العدمات فلا شك أن جملة العدمات بحيث لا يشذ فرد متقدمة على جملة الوجودات لتقدم كل فرد منها على نظيره و عديله و مثل هذا الحكم يسري من الآحاد إلى الجملة و لأن جملة العدمات لما كان كل فرد منها أزليا و جملة الحوادث حادثة و تقدم الأزلي على الحادث ضرورية و لا شبهة في إمكان أخذ المجموع بحيث لا يشذ فإنه ليس من قبيل الجملة اللايقفية التي لا يمكن فيها أخذ المجموع بحيث لا يشذ و قد أخذوا جملة الممكنات في دليل إثبات الواجب فيكون ممكنا فلا يكون في تلك المرتبة شي‏ء من الحوادث و هو الانقطاع. و لنا أيضا أن نقول يتقدم على كل حادث عدم أزلي هو عدم لهذا الحادث و ينعدم معه جميع ما بعده من الحوادث التي هو معد لها و سبق هذا العدم يستوعب جميع آحاد سلسلة الحوادث و حكم الآحاد يسري إلى الجملة فيلزم عدم مجموع الحوادث رأسا و انقطاعها أو نقول مجموع الحوادث واحد شخصي لأن كل جزء منه واحد شخصي و حادث أيضا لأن جميع أجزائه حادث فيلزم الانقطاع و نقول أيضا السلسلة المذكورة معدات عندهم و المعد يعتبر وجوده و عدمه في المعلول المتأخر و كلاهما سابق عليه فنأخذ سلسلة العدمات اللاحقة السابقة على وجود المعلولات و نقول إما أن يستغرق سبق كل فرد من العدمات لكل فرد من وجودات الحوادث النظير على النظير فيلزم تقدم جملة سلسلة العدمات إذا أخذنا بحيث لا يشذ منها شي‏ء على سلسلة وجودات الحوادث و هو يستلزم الانقطاع و تقدم عدم اللاحق على الموجود و هذا خلف و إن لم يستغرق فينتهي إلى فرد لا يسبقه عدم المعد فتنقطع سلسلة المعدات. و على هذه التقريرات لا يتوجه ما قيل إن الأزل ليس وقتا محدودا تجتمع فيه العدمات و غيرها بل مرجعه إلى أن قبل كل حادث حادث إلى غير نهاية   و هكذا عدم الحوادث و لا محذور فيه لأن اجتماع العدم الأزلي الغير المتناهي في الماضي في زمان مع عدم تناهي الزمان عندهم مع مثله بالغا ما بلغ سواء كانت الأعدام متناهية أم لا بديهي و لا يلزمنا تعيين زمان معين للأزل و كذا ما قيل و إن تحقق في الأزل عدم الحوادث لكنه عدم كل حادث مقرون بوجود حادث تقدم على ذلك الحادث أبدا فلا يتحقق وقت ينتهي فيه جميع الموجودات و يبقى صرف العدم و هذا مع أنه مدفوع بما قررنا لو تم فهو فساد آخر نشأ من عدم تناهي الحوادث إذ جميع المفاسد التي ذكرنا إنما نشأت من الحوادث إلى غير نهاية. و يمكن أن يقال أيضا إن الحادث اليومي مسبوق بعدم معده و بعدم معد معده و هكذا إلى غير نهاية و عدم المعد البعيد بواسطة أطول امتدادا من عدم المعد القريب و المعد البعيد بواسطتين أطول منهما و المعد الأبعد بثلاث وسائط أطول من الثلاثة و كلما تمتد سلسلة المعدات تتزايد امتداد الأعدام اللاحقة للمعدات فلو ذهبت السلسلة إلى غير نهاية لزم أن يمتد العدم اللاحق لا إلى نهاية مع أنه عدم لاحق مسبوق بوجود المعد و استحالته ظاهرة و هذا برهان لطيف قوي لا يرد عليه ما يرد على برهان السلم لأن جميع الأعدام الغير المتناهية جزء للعلة التامة للحادث اليومي مجتمعة و وجودات المعدات متحققة في الواقع متمايزة بخلاف برهان السلم لأن ازدياد الانفراج هنا على سبيل اللايقف و موقوف على فرض النقاط في الساقين. الثالث قال بعض المحققين إن الأمور الغير المتناهية مطلقا يستلزم الأمور الغير المتناهية المترتبة و يلزم منه تناهي النفوس و حدوثها على بعض الوجوه كما سلف بيانه أن المجموع متوقف على المجموع إذا أسقط منه واحد و ذلك المجموع على مجموع أقل منه بواحد و هكذا إلى غير نهاية فيجري التطبيق و التضايف بين المجموعات الغير المتناهية إذ هي أمور موجودة مترتبة.

   المقصد الخامس في دفع بعض شبه الفلاسفة الدائرة على ألسنة المنافقين و المشككين القاطعين لطريق الطالبين للحق و اليقين

و فيه مراصد. المرصد الأول قالوا إذا لاحظنا الواجب تعالى شأنه في طرف و جميع ما عداه بحيث لا يشذ منها شي‏ء في طرف آخر فحينئذ إما أن يكون الواجب سبحانه علة تامة لشي‏ء ما أو لا و بعبارة أخرى جميع ما لا بد منه في وجود شي‏ء ما سواء كان ذلك الشي‏ء الإرادة الزائدة أو غيرها إما ذاته تعالى أو لا و على الأول يكون ذلك الشي‏ء معه دائما في الأزل لاستحالة تخلف المعلول عن العلة التامة و على الثاني يستحيل وجود شي‏ء ما أبدا لاستحالة التغير في ذاته تعالى و بعبارة أخرى و بوجه أبسط و هو أن يقال ذات الواجب تعالى إما أن يستجمع جميع شرائط التأثير في الأزل أو لا و على الأول يلزم قدم الأول بالضرورة لامتناع التخلف عن الموجب التام و على الثاني توقف وجود الأثر و هو العالم على شرط حادث و ننقل الكلام إليه حتى يلزم التسلسل. أما على سبيل الاجتماع و هو باطل بما مر و أيضا نقول إذا أخذنا مجموع تلك الشروط بحيث لا يشذ عنها شرط فإما أن يتوقف وجودها على شرط آخر غير ذات الواجب تعالى خارج عن مجموع الشروط فلم يكن ما فرضناه جميعا جميعا و هذا خلف أو لا يتوقف فيكون الذات وحده مستقلا بإيجاد ذلك المجموع فأما أن يكون اجتماعها في آن حدوث الأثر فيلزم إما حدوث الواجب بالذات و إما تخلف الشروط عن موجبها التام و كلاهما محالان أو يكون اجتماعها في الأزل فيلزم قدم أشخاص غير متناهية من العالم هي الشروط بل و المشروط وجوده بها أيضا و إلا لزم تخلف المشروط عن موجبه التام و هو الواجب مع جميعها إذ المفروض عدم شرط خارج عن المجموع أو على سبيل تعاقب تلك الشروط إما في الحدوث   مع اجتماعها في البقاء فتجتمع في آن الحدوث أمور غير متناهية مترتبة موجودة و تجري فيها براهين إبطال التسلسل بالاتفاق على أنه يلزم حينئذ قدم نوع الفعل و طبيعته و هو مطلوب في الجملة و إما على سبيل تعاقبها حدوثا و بقاء بأن لا يجتمع اثنان منها في الوجود في زمان و لا في آن فتكون طبيعة العالم قديمة محفوظة بتعاقب تلك الأفراد الغير المتناهية و تلك الأمور إنما يكون تعاقبها على مادة قديمة فيلزم أيضا قدم شخص هو المادة و لكونها لا تنفك عن الصورة يكون الجسم قديما أيضا أو يقال لا يجوز وجود الشرائط على التعاقب أيضا فإن الفاعل لما توقف تأثيره في كل من الشرائط على شرط آخر فهو في حد ذاته متساوي النسبة إلى طرفي الإيجاد و تركه فيتساوى فرض وجوده بحيث لا يوجد منه شي‏ء من تلك الشروط أصلا و فرض وجوده موجدا له فلا يترجح أحد الطرفين على الآخر إلا لأمر خارج و ننقل الكلام إليه حتى يظهر أنه يجب أن يكون بين البارئ تعالى و الحوادث توسط أمر واحد ذاتا تتكثر إضافاته و نسبه فيكون قديما بالذات و حادثا بالإضافة و هو الحركة فأوجبوا وجود حركة قديمة بل وجود جسم قديم هو المتحرك بتلك الحركة و ادعوا أنها حركة الفلك الأعظم فيكون قديما و كذا ما في جوفه لامتناع الخلاء و لأن الحركة الواحدة البسيطة كما لا تختلف ذاتها لا تختلف إعداداتها للمادة الواحدة لتشابه أجزائها في الحقيقة و أثبتوا حركات مختلفة و أفلاكا كثيرة يحصل من اجتماعها و اختلافها سرعة و بطء و جهة و أوضاع مختلفة من المقارنات و المقابلات و التربيعات و التسديسات و التثليثات و غير ذلك فتنتظم بها سلسلة الحوادث عندهم. و هذه الشبهة بتلك التقريرات أقوى شكوكهم و للتفصي عنها طرق الطريق الأول ما هو المشهور بين المتكلمين و هو أن يقال إنهم يقولون بقدم العالم لزعمهم لزوم توسط أمر ذي جهتي استمرار و تجدد بين الحادث اليومي و القديم لئلا يلزم التخلف عن العلة التامة و نحن نقول إنه الزمان و لا يلزم القدم لكونه أمرا اعتباريا انتزاعيا و أدلة وجوده مدخولة و لا نقول بانتزاعه من

   موجود ممكن حتى يلزم القدم أيضا بل هو منتزع من بقائه تعالى فكما أنهم يصححون ربط الحادث بالقديم بالحركة و الزمان كذلك نصححه أيضا بالزمان و كون الزمان مقدار حركة الفلك ممنوع بل نعلم بديهة أنه إذا لم يتحرك الفلك مثلا يتوهم هذا الامتداد المسمى بالزمان و القول بأنه لعله من بديهة الوهم لا يصغى إليه. ثم إن الزمان و إن كان وهميا فمعلوم أنه ليس وهميا اختراعيا بل وهميا نفس أمري و مثل هذا الوهمي يصح أن يكون منشأ للأمور الموجودة في الخارج لا بأن يكون فاعلا لها بل دخيلا فيها مع أن محققي الفلاسفة وافقونا على كون الزمان الممتد المتصل أمرا انتزاعيا مرتسما في الخيال و خالفونا فيما هو منشأ لانتزاعه فقالوا بوجود أمر قديم سرمدي في الخارج لا امتداد له و لا تقدر و اعتقدوا أن له جهتي استمرار و تنقل كالحركة التوسطية و سموه بالآن السيال و زعموا أن ذلك الأمر يفعل باستمراره و سيلانه في الخيال أمرا ممتدا متصلا غير قار الأجزاء في الوجود   الفرضي الخارجي أو في حدوث الارتسام كالحركة بمعنى القطع و سموه بالزمان بمعنى القطع كل ذلك من غير ضرورة و لا برهان يدل على ذلك الأمر البسيط في الخارج فإن الشيخ لم يزد في الشفاء على تحرير الدعوى و إعادته بعبارات متكررة في فصول شتى و لا نقل عن السابقين عليه دليل في هذا الباب و اقتفى المقلدون أثرهم بحسن الظن بهم و ليت شعري إذا قنعوا بالتقليد فلم لم يقلدوا من قلدهم الله تقليده و تصديقه على أن العقل المستقيم ينقبض عن وجود ذلك الأمر في الخارج بل يمكن إبطاله أيضا بوجوه ليس هذا مقام إيرادها مع أنه على هذا القول يرد عليهم ما يرد علينا. و ما قيل من أن الزمان الموهوم لا تمايز بين أجزائه و طلب الترجيح فيما بينها غير معقول مدفوع بما مر من أنه و إن لم يكن موجودا لكنه من الأمور الواقعية التي يحكم العقل عليها بتلك الأحكام حكما واقعيا مع أنه لو كان وهميا محضا لا يترتب عليه حكم لا يتحقق التخلف أيضا إذا لم يتخلل زمان بين العلة و أول المعلولات أصلا حتى يسأل عن الترجيح بين أجزائه فيلزم الترجيح بلا مرجح و الامتداد المتوهم محض اختراع الوهم حينئذ. و حاصل الجواب حينئذ أنا نختار أنه ليس في الأزل مستجمعا لشرائط التأثير قوله توقف على شرط حادث قلنا هو تمام قطعة من الزمان يتوقف عليها وجود العالم و يرتبط به الحادث بالقديم على نحو ما التزمه الفلاسفة في الحركة إلا أن توسيط الحركة يستدعي قدم الحركة التوسطية السرمدية بل قدم المتحرك بها بل سائر الأجسام على ما عرفت و في هذا المسلك لا يلزم شي‏ء من ذلك لأن الزمان و إن كان من الأمور المتحققة في نفس الأمر لكنه ليس من الموجودات الخارجية و لا مما ينتزع من حركة أو جسم حتى يلزم من تحققه في الأزل قدمه أو قدم منشإ انتزاعه بل إنما ينتزع من ذات الأول تعالى و ما قيل من أن حقيقة الزمان هي التقضي و الاستمرار الممتد فلو كان انتزاعيا لكان منتزعا مما يناسبه و يشابه مهيته كالحركة القطعية التي هي أمر تدريجي متصل غير قار   و وجود الواجب سبحانه أمر ثابت لا يتصور فيه شائبة تدريج و انقسام فأي مناسبة بينه و بين ما ينتزع منه فجوابه أن ما ادعيت من لزوم تحقق المناسبة بين كل انتزاعي و منشإ انتزاعه حكم غير بين و لا مبين و لئن سلمنا لزومه فهو لا ينحصر فيما نفهمه من الزمان من معنى التجدد و الاتصال و لعله تتحقق مناسبة ما بينهما من جهة أخرى خفية عن إدراكنا و عدم الوجدان لا يعطي العدم أ لا ترى أن أكثر الانتزاعيات كالزوجية و الفردية و الفوقية و التحتية و غيرها ينتزع من محالها و لا يحكم وجداننا بتحقق مناسبات تفصيلية بين كل منتزع و ما ينتزع منه و ذلك إما لعدم لزوم تحققها في الواقع أو لعدم اطلاعنا على تفاصيلها و أيا ما كان فليكن الأمر فيما نحن بصدده كذلك على أنه يرد مثل ذلك على الفلاسفة أيضا إذ الزمان و الحركة بمعنى القطع منتزعان عندهم من الآن السيال و الحركة التوسطية مع مباينتهما فيما ذكره المورد من الأوصاف.

   و كذا ما قيل من أن اتصافه تعالى بالبقاء يتوقف على تحقق زمان إذ المفهوم منه وجود أمر في آن مسبوق بوجود ذلك الأمر في آن آخر يتقدمه فلو كان الزمان منتزعا من الذات المتصفة بالبقاء لزم الدور مدفوع بأن هذه العبارة صدرت منهم مسامحة و اتكالا على وضوح الأمر بل المنشأ لانتزاع الزمان هو وجوده سبحانه الذي يمتنع عليه طريان العدم بمدخلية هذا الوصف و ظاهر أن هذا الوصف ثابت له سبحانه في ذاته من غير توقف على اعتبار بقاء أو زمان أو غير ذلك لأن هذا الوصف من لوازم الوجود الذاتي الذي هو عين ذاته أو أمر لا يحتاج ثبوته للذات إلى أمر سوى الذات و مجرد الاستلزام بين الوصف المذكور و البقاء غير كاف فيما المعترض بصدده كما لا يخفى فإن انتزاع البقاء بالمعنى المذكور عن الذات متأخر عن ثبوت هذا الوصف بل عن انتزاع الزمان أيضا. و أورد عليه أيضا أنه لو كان منتزعا منه سبحانه لكان صفة له كما هو شأن سائر ما ينتزع منه كالعلم و الإرادة و القدرة و الخلق و غير ذلك من المعاني المصدرية و التالي باطل لأنه سبحانه لا يتصف بالزمان لا بالحمل مواطاة و هو ظاهر و لا اشتقاقا لأنه ليس بزماني كما أنه ليس بمكاني كما تشهد به العقول السليمة و النصوص الواردة عن الصادقين ع. و أجيب عنه أولا بأنا لا نسلم أن كل ما ينتزع من شي‏ء يجب أن يكون صفة له لأن مناط كون شي‏ء صفة لشي‏ء هو وجود العلاقة الناعتية بينهما و كون انتزاع شي‏ء من شي‏ء مطلقا مستلزما لوجود تلك العلاقة غير بين و لا مبين و من تصدى له فعليه البيان و أما ثانيا فلأنا لو سلمنا ذلك نقول ما ورد من النصوص من أنه ليس بزماني و لا مكاني معناه أنه كما لا يحيط به مكان حتى يكون ظرفا له مشتملا عليه كذلك لا يحيط به زمان حتى يتقدم عليه جزء من ذلك الزمان أو يتأخر عنه جزء آخر منه فيكون وجوده مقارنا لحد خاص من الزمان مسبوقا بحد آخر منه خال عن وجوده فيكون ذلك الحد ماضيا بالنسبة إلى وجوده الحق   و سابقا على حد آخر كذلك حتى يكون مستقبلا بالقياس إليه و أما مقارنة الحق القديم للزمان و تحققه معه في نفس الأمر من الأزل إلى الأبد فلا شك في صحته و وقوعه و يكفي في اتصافه تعالى بالزماني تحقق المعنى الثاني و ليس لمفهوم لفظ الزماني لغة و لا اصطلاحا اختصاص بما يقارنه الزمان على النحو الأول و أما اتصافه سبحانه بالمكاني فإنه إنما منع لأنه لم يتحقق المقارنة بين ذاته تعالى و بين المكان بشي‏ء من المعنيين لا بمعنى إحاطة المكان به و لا بمعنى مقارنة وجوده لوجوده أزلا و أبدا و لا شك أن اتصافه سبحانه بالزماني بهذا المعنى مما لا ينكره العقل و لا النقل بل ما ورد في النصوص من توصيفه بالباقي و الدائم و السرمدي و الأزلي و الأبدي مما يشهد بصدقة و يؤذن بأن النصوص الدالة على نفي اتصافه بالزماني إنما المراد بها نفي إحاطة الزمان بوجوده الحق على ما هو شأنه مع المتغيرات الحادثة في حد منه دون حد أو أنه لا يتقدر وجوده سبحانه بالليل و النهار و الشهور و السنين. الطريق الثاني بناء الجواب على عدم كونه سبحانه زمانيا كما أومأنا إليه سابقا و عليه شواهد كثيرة من الأخبار أشرنا إلى بعضها في مواضعها و قد مر كثير منها في كتاب التوحيد نحو ما رواه الصدوق

 عن الصادق ع قال إن الله تبارك و تعالى لا يوصف بزمان و لا مكان و لا حركة و لا انتقال و لا سكون بل هو خالق الزمان و المكان و الحركة و السكون تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا

 و ما رواه عن أبي إبراهيم ع أنه قال إن الله تبارك و تعالى لم يزل بلا زمان و لا مكان و هو   الآن كما كان الخبر

 و في خبر آخر عنه إن الله لا يوصف بمكان و لا يجري عليه زمان

و في الكافي و غيره في أخبار كثيرة و الله لا يوصف بخلقه.

 و روي عن سيد الشهداء ع في بعض خطبه ليس عن الدهر قدمه

إذ الظاهر أن المراد أن قدمه سبحانه ليس قدما زمانيا ينشأ من مقارنة الزمان أبدا و قد مر قول أمير المؤمنين ع الذي ليس له وقت محدود و لا أجل ممدود و لا نعت محدود و في النهج لم يسبق له حال حالا فيكون أولا قبل أن يكون آخرا و يكون ظاهرا قبل أن يكون باطنا و قد مر

 قوله ع لا تصحبه الأوقات و قوله ع ما اختلف عليه دهر فيختلف منه الحال و قوله ع ليس لصفته حد محدود و لا نعت موجود و لا وقت معدود و لا أجل ممدود

 و في التوحيد عن الكاظم ع أن الله لا يوصف بزمان و لا مكان

 و عن أمير المؤمنين ع لم يختلف عليه حقب الليالي و الأيام

 و عنه ع لا يزال وحدانيا أزليا قبل بدو الدهور و بعد صرف الأمور

 و قد مر أيضا قوله ع أنه يعود بعد فناء الدنيا وحده لا شي‏ء معه كما كان قبل ابتدائها كذلك يكون بعد فنائها بلا وقت و لا مكان و لا حين و لا زمان

 و قد مر أيضا في حديث ذعلب لا تضمنه الأوقات إلى قوله مخبرة بتوقيتها أن لا وقت لموقتها و في خطبة أخرى سبق الأوقات كونه و الابتداء أزله إلى قوله كيف يجري عليه ما هو أجراه و في خطبة أخرى لا يقال له متى و لا يضرب له أمد بحتى

 و قد مر في خطبة الرضا ع لا تصحبه الأوقات إلى قوله ففرق بها بين قبل و بعد ليعلم أن لا قبل له و لا بعد إلى قوله مخبرة بتوقيتها أن لا وقت لموقتها إلى قوله و لا توقته متى و لا تشمله حين و لا تقارنه مع إلى قوله فكل ما في الخلق لا يوجد في خالقه و كل ما يمكن فيه يمتنع من صانعه و لا تجري عليه الحركة و السكون و كيف يجري عليه ما هو أجراه و يعود فيه ما هو ابتداه

 و عن الباقر ع لم يكن له كان

و أمثال هذه كثيرة قد مر أكثرها و ظاهر الجميع بل صريح بعضها نفي كونه سبحانه زمانيا و كذا يدل   على ذلك ما ينفي عنه سبحانه المقادير فإن الظاهر أن الزمان أيضا من المقادير و كذا ما يدل على استحالة التغير و تجدد الحال عليه تعالى فما يدل على خلاف ذلك مثل قوله تعالى كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ و قوله خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ و أمثال ذلك مما مر بعضها فيمكن حملها على ضيق العبارة فإن أهل اللغة لا يفهمون التجرد من الزمان و وضعوا الألفاظ للمعاني المتعارفة بينهم و إما لتفهيم عامة الناس فإن تصور التجرد عن الزمان صعب يحتاج إلى لطف قريحة و إما أن يكون من قبيل قوله تعالى هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ و يكون المعية مع الزمان كالمعية مع المكان بل المكانيات و إما أن يقال المنفي عنه تعالى هو الزمان بالذات و المثبت هو الزمان بالعرض كما يفهم من كلام السيد الشريف في معنى السرمد و إما أن يكون من قبيل نفي الزمان و إثبات الثمرة كما في سائر الصفات فإن الآلة منتفية و ثمرة السمع و البصر و غيرهما ثابتة و كذا مبدأ اشتقاق الرحمة و الغضب و اللطف و غيرها منتفية و ثمراتها ثابتة فالزمان منفي عنه تعالى و ثمرته ثابتة من توصيف أفعاله سبحانه بأوصاف الزمانيات من التعاقب و الترتيب و وقوعه في اليوم دون أمس إلى غير ذلك إما في الأفعال في أنفسها أو بالنسبة إلينا بلا تغير في ذاته تعالى و تجدد و تصرم بالنسبة إليه سبحانه و كون بعضها بالفعل و بعضها بالقوة له تعالى و لا استبعاد فيه فإن جميع الأمور الإلهية غريبة عجيبة لا تدركها الأبصار و لا يخطر ببال أولي الرويات خاطرة من تقدير جلاله و لا يصل إليه ألباب البشر بالتفكير بل ترجع خاسئة حسيرة و نهاية علم الراسخين   في العلم الاعتراف بالعجز عن إدراك حقيقتها و كيفيتها فليس لدوامه سبحانه امتداد و طول يمكن انطباقه على الزمان حقيقة كبقاء الممكنات المنطبقة على قطعة من الزمان بل الله تعالى فوق ما يصفه الواصفون و لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ. و يؤيد بعض هذه الوجوه

 ما رواه الكليني و الصدوق في الكافي و المجالس بإسنادهما عن أمير المؤمنين ع أنه قال في خطبة الوسيلة إن قيل كان فعلى تأويل أزلية الوجود و إن قيل لم يزل فعلى تأويل نفي العدم

 و في الكافي في خطبة له ع أزله نهيه لمجاول الأفكار و دوامه ردع لطامحات العقول قد حسر كنهه نوافذ الأبصار و قمع وجوده جوائل الأوهام

و النهية بضم النون و سكون الهاء اسم من نهاه ضد أمره و المجاول جمع مجول بفتح الميم و هو مكان الجولان أو زمانه و الجوائل جمع جائلة من الجولان. و اعلم أن عقل العقلاء في هذه المسألة متحير فكثير من المحققين أثبتوا له سبحانه زمانا و قالوا إنه موهوم انتزاعي نفس أمري ينتزع من بقائه سبحانه كما عرفت و أكثر الحكماء و المحققين ذهبوا إلى استحالة عروض الزمان و متى للواجب تعالى و للعقول المجردة في الذات و الفعل التي كمالاتها بالفعل على زعم الحكماء و قال أرسطو في أثولوجيا الشي‏ء الزمان لا يكون إلا في الزمان الذي وافق أن يكون فيه فأما الفاعل الأول فقد كان لأنه ليس هناك زمان فإن الشي‏ء الملاقي في الزمان المستقبل قائم هناك فلا محالة أنه هناك يكون موجودا قائما كما سيكون في المستقبل فالأشياء إذن عند البارئ جل ذكره كاملة تامة زمانية كانت أو غير زمانية و هي عنده دائما و كذلك كانت عنده أولا كما تكون عنده أخيرا و قال الأشياء هناك دائم لا يتغير بل على حال واحد.   و قال أيضا لا ينبغي لسامع قول الفيلسوف يعني شيخه أفلاطون أن ينظر إلى لفظه فيتوهم عليه أنه قال إن البارئ خلق الخلق في زمان فإنه إنما اضطر الأولون إلى ذكر زمان في بدء الخلق لأنهم أرادوا وصف كون الأشياء فاضطروا أن يدخلوا الزمان في وصفهم الكون و في وصف الخليقة التي لم تكن في زمان البتة لأن المرء إذا أراد أن يبين العلة اضطر إلى ذكر الزمان لأنه لا بد للعلة أن تكون قبل المعلول فيتوهم المتوهم أن القبلية هي الزمان و ليس ذلك كذلك انتهى. و قيل و لعله لهذا الوجه وقعت الألفاظ الموهمة للزمان في كلام الشارع. أقول و كذلك صرح الشيخ بأنه تعالى ليس بزماني في تعليقاته و الشفاء كما مر بعض كلماته و الفارابي في الفصوص و التعليقات و شيخ الإشراق و العلامة الشيرازي و شارح التلويحات و فخر الدين الرازي و المحقق الدواني. و قال المحقق الطوسي ره في نقد المحصل و أما البارئ تعالى و كل ما هو علة الزمان أو شرط وجوده فلا يكون في الزمان و لا معه إلا في التوهم حيث يقيسها الوهم إلى الزمانيات و العقل كما يأبى عن إطلاق التقدم المكاني كذلك يأبى عن إطلاق التقدم الزماني بل ينبغي أن يقال إن للبارئ تعالى تقدما خارجا عن القسمين و إن كان الوهم عاجزا عن فهمه و قال أيضا في جواب الأسئلة القونوية لما نفوا عنه الكون في المكان جعلوا نسبة جميع الأماكن إليه نسبة واحدة متساوية و لما نفوا عنه الكون في الزمان جعلوا نسبة جميع الأزمنة حالها و ماضيها و مستقبلها إليه نسبة واحدة متساوية. و قال ره في شرح رسالة العلم أزليته تعالى إثبات سابقية له على غيره و نفي المسبوقية عنه و من تعرض للزمان أو الدهر أو السرمد في بيان الأزلية فقد ساوق معه غيره في الوجود انتهى و اعلم أن تسليم الحكماء لهذا الأصل بل تجويز العقل على

   سبيل الاحتمال كاف لحل بعض شبهاتهم على الحدوث و قيل و مما يدل من جهة العقل على استحالة عروض الزمان له تعالى أن الزمان حقيقته تجدد شي‏ء و تقضي شي‏ء و تصرمه و هذا ظاهر عند العقل و مبين مشروحا في الكتب و تجدد شي‏ء و انقضاء شي‏ء آخر محال على الله تعالى كما يدل عليه العقل و النقل انتهى. و إذا تمهد هذا مع ما نقلنا سالفا من تحقيق الدهر و السرمد نقول في دفع شبههم على تقدير الحدوث لا نسلم لزوم التخلف عن العلة التامة و إنما يتصور التخلف لو كانت العلة زمانية و وجدت العلة في زمان و لم يوجد المعلول معه في ذلك الزمان و هنا لعل العلة أو العلة و المعلول كليهما لم يكونا زمانيين أما العلة فقد مر و أما المعلول فالكلام في الصادر الأول و هناك لم يوجد زمان و زماني أصلا و لا شي‏ء إلا الواحد القهار و بالجملة إذا كانت العلة و المعلول كلاهما زمانيين يجب أن يجمعهما آن أو زمان و إلا فلا و نظيره التخلف المكاني فإنه لو كانا مكانيين يتصور الاجتماع و الافتراق و المماسة و اللامماسة و أما إذا لم يكن أحدهما أو كلاهما مكانيين لم يتصور أمثال هذه الأمور و كذا إنما يتصور الترجيح بلا مرجح إذا كان تحقق زمان وقع أمر في جزء منه دون جزء و صدر المعلول من العلة مرة و لم يصدر مرة أخرى و قبل خالق العالم الزمان و الزمانيات معدومة مطلقا و نفي صرف لا يجري فيه أمثال هذه الأوهام الكاذبة المخترعة الناشئة من الألفة بالزمان و المكان و لعله يذهب بعض الأوهام إلى أن العالم لم وجد في المكان الذي فيه الآن و لم يوجد فوقه أو تحته أو غيرهما من الجهات إلى غير ذلك من الأوهام و الخيالات الواهية و الواجب جل شأنه مقدس عن أمثال هذه الأمور و لا يبلغ إلى كنه عظمته و جلاله عقل عاقل و ذهن ذاهن و لا يحوم حول كبريائه فكر مخلوق و ما قيل إنا نجزم بأن بعض الأمور مقدم على بعض و أن بعضها مع بعض و لو لم يكن الامتداد كذلك بل و لو لم يكن فلك و لا حركة و لا ليل و لا نهار فممنوع و مثل هذا ما يقال في الامتداد المكاني إنا نجزم بتقدم بعض الحدود على البعض بالتقدم و التأخر الوضعي و الرتبي و لو لم يكن جسم و متمكن و به يثبتون البعد الموهوم الغير المتناهي الذي هو الخلاء و لعل توهم هذين الامتدادين مما يحكم به الوهم

   على الإلف و العادة و لا أصل لهما أصلا فصاحب هذا المسلك يقول بأن الزمان و الحركات و سلسلة الحوادث كلها متناهية في طرف الماضي و أن جميع الممكنات ينتهي في جهة الماضي في الخارج إلى عدم مطلق و لا شي‏ء بحت لا امتداد فيه و لا تكمم و لا تدريج و لا قارية و لا سيلان و قبل ابتداء الموجودات لا شي‏ء إلا الواحد القهار و قوله ينتهي الموجودات إلى عدم مطلق و كذا قوله قبل ابتداء الموجودات لا شي‏ء محض من ضيق العبارة و لا تتصور القبلية و الانتهاء إلى العدم حقيقة و نظير تناهي الزمان و الامتداد الغير القار تناهي المكان و الأبعاد القارة فإن الأبعاد القارة و الأمكنة تنتهي إلى العدم المطلق للأبعاد و الجسمانيات و لا يتصور وراء آخر الأجسام بعد و لا فضاء لا بعد موجود و لا موهوم حتى أنه لو مد أحد يده فيه لا يتحرك يده و لا يلج فيه لا لوجود جسم لا يمكن خرقه و لا لمصادم يمنعها بل للعدم المطلق للبعد و الفضاء

 و قد روي عن الصادق ع أنه قال بعد عد أجسام العالم و لا وراء ذلك سعة و لا ضيق و لا شي‏ء يتوهم

فكذا الحال في انقطاع الزمان و جميع الموجودات الممكنة في جهة الماضي لا يتصور فيه امتداد أصلا لا موجود كما زعم الحكماء و لا موهوم كما توهمه المتكلمون فلا يمكن فيه حركات كما استدل به الحكماء على عدم تناهي الزمان بل لا شي‏ء مطلق و عدم صرف و لما ألف الناس بالأبعاد القارة و جسم خلف جسم تعسر تصور عدمه على بعض المتكلمين و ذهب إلى الأبعاد الموهومة الغير المتناهية و قال بالخلاء و كذا لما شاهدوا موجودا قبل موجود و زمانا قبل زمان صعب عليهم تصور اللاشي‏ء المحض فذهب طائفة من الحكماء إلى لا تناهي الزمان الموجود و طائفة من المتكلمين إلى لا تناهي الزمان الموهوم و لكن تصور اللازمان المطلق أصعب من تصور اللامكان و يحتاج إلى زيادة دقة و لطف قريحة. و أقول و هذا الجواب في غاية المتانة و اختاره السيد المرتضى و الشيخ الكراجكي و غيرهما قال السيد في جواب شبهة القائل بالقدم في تضاعيف كلامه غير أن الصانع القديم يجب أن تتقدم صنعته بما إذا قدرناه أوقاتا و أزمانا كانت   غير متناهية و لا محصورة فدل على أنه لا يقول بقدم الزمان بل يقدره و يفرضه و قد مضى تصريحه رضي الله عنه بحدوث الزمان و أنه سبحانه ابتدأ ما أحدثه من غير زمان و أن الزمان مقدار حركة الفلك في المقصد الثاني. و قال الكراجكي اعلم أن الملحدة لما لم تجد حيلة تدفع بها وجوب تقدم الصانع على الصنعة قالت إنه متقدم عليها تقدم رتبة لا تقدم زمان فيجب أن نطالبهم بمعنى تقدم الرتبة و قد سمعنا قوما منهم يقولون إن