باب 4- هجوم على دار أمير المئمنين والسيدة فاطمة الزهراء

1-  ج، ]الإحتجاج[ عن أبي المفضل محمد بن عبد الله الشيباني بإسناده الصحيح عن رجاله ثقة عن ثقة أن النبي ص خرج في مرضه الذي توفي فيه إلى الصلاة متوكيا على الفضل بن العباس و غلام له يقال له ثوبان و هي الصلاة التي أراد التخلف عنها لثقله ثم حمل على نفسه ص و خرج فلما صلى عاد إلى منزله فقال لغلامه اجلس على الباب و لا تحجب أحدا من الأنصار و تجلاه الغشي و جاءت الأنصار فأحدقوا بالباب و قالوا ائذن لنا على رسول الله فقال هو مغشي عليه و عنده نساؤه فجعلوا يبكون فسمع رسول الله ص البكاء فقال من هؤلاء قالوا الأنصار فقال ص من هاهنا من أهل بيتي قالوا علي و العباس فدعاهما و خرج متوكئا عليهما فاستند إلى جذع من أساطين مسجده و كان الجذع جريد نخلة فاجتمع الناس و خطب و قال في كلامه إنه لم يمت نبي قط إلا خلف تركه و قد خلفت فيكم الثقلين كتاب الله و أهل بيتي فمن ضيعهم ضيعه الله ألا و إن الأنصار كرشي التي آوي إليها و إني أوصيكم بتقوى الله و الإحسان إليهم فاقبلوا من محسنهم و تجاوزوا عن مسيئهم ثم دعا أسامة بن زيد فقال سر على بركة الله و النصر و العافية حيث أمرتك بمن أمرتك عليه و كان ص قد أمره على جماعة من المهاجرين و الأنصار فيهم أبو بكر و عمر و جماعة من المهاجرين الأولين و أمره أن يغيروا على مؤتة واد في فلسطين فقال له أسامة بأبي أنت و أمي يا رسول الله أ تأذن لي في المقام أياما حتى يشفيك الله فإني متى خرجت و أنت على هذه الحالة خرجت و في قلبي منك قرحة فقال أنفذ يا أسامة فإن القعود عن الجهاد لا يجب في حال من الأحوال فبلغ رسول الله ص أن الناس طعنوا في عمله فقال رسول الله ص بلغني أنكم طعنتم في عمل أسامة و في عمل أبيه من قبل و ايم الله إنه لخليق بالإمارة و إن أباه كان خليقا بها و إنه من أحب الناس إلي فأوصيكم به خيرا فلئن قلتم في إمارته فقد قال قائلكم في إمارة أبيه ثم دخل رسول الله ص إلى بيته و خرج أسامة من يومه حتى عسكر على رأس فرسخ من المدينة و نادى منادي رسول الله ص أن لا يتخلف عن أسامة أحد ممن أمرته عليه فلحق الناس به و كان أول من سارع إليه أبو بكر و عمر و أبو عبيدة بن الجراح فنزلوا في زقاق واحد مع جملة أهل العسكر قال و ثقل رسول الله ص فجعل الناس ممن لم يكن في بعث أسامة يدخلون عليه أرسالا و سعد بن عبادة شاك فكان لا يدخل أحد من الأنصار على النبي ص إلا انصرف إلى سعد يعوده قال و قبض رسول الله ص وقت الضحى من يوم الإثنين بعد خروج أسامة إلى معسكره بيومين فرجع أهل العسكر و المدينة قد رجفت بأهلها فأقبل أبو بكر على ناقة له حتى وقف على باب المسجد فقال أيها الناس ما لكم تموجون إن كان محمد قد مات فرب محمد ص لم يمت وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً ثم اجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة و جاءوا به إلى سقيفة بني ساعدة فلما سمع بذلك عمر أخبر به أبا بكر و مضيا مسرعين إلى السقيفة و معهما أبو عبيدة بن الجراح و في السقيفة خلق كثير من الأنصار و سعد بن عبادة بينهم مريض فتنازعوا الأمر بينهم فآل الأمر إلى أن قال أبو بكر في آخر كلامه للأنصار إنما أدعوكم إلى أبي عبيدة بن الجراح أو إلى عمر و كلاهما قد رضيت لهذا الأمر و كلاهما أراه له أهلا فقال عمر و أبو عبيدة ما ينبغي لنا أن نتقدمك يا أبا بكر أنت أقدمنا إسلاما و أنت صاحب الغار و ثاني اثنين فأنت أحق بهذا الأمر و أولانا به فقالت الأنصار نحذر أن يغلب على هذا الأمر من ليس منا و لا منكم فنجعل منا أميرا و منكم أميرا و نرضى به على أنه إن هلك اخترنا آخر من الأنصار فقال أبو بكر بعد أن مدح المهاجرين و أنتم معاشر الأنصار ممن لا ينكر فضلهم و لا نعمتهم العظيمة في الإسلام رضيكم الله أنصارا لدينه و لرسوله و

 جعل إليكم مهاجرته و فيكم محل أزواجه فليس أحد من الناس بعد المهاجرين الأولين بمنزلتكم فهم الأمراء و أنتم الوزراء فقام الحباب بن المنذر الأنصاري فقال يا معشر الأنصار أملكوا على أيديكم و إنما الناس في فيئكم و ظلالكم و لن يجترئ مجترئ على خلافكم و لن يصدر الناس إلا عن رأيكم و أثنى على الأنصار ثم قال فإن أبى هؤلاء تأميركم عليهم فلسنا نرضى تأميرهم علينا و لا نقنع بدون أن يكون منا أمير و منهم أمير فقام عمر بن الخطاب فقال هيهات لا يجتمع سيفان في غمد واحد إنه لا ترضى العرب أن تؤمركم و نبيها من غيركم و لكن العرب لا تمتنع أن تولى أمرها من كانت النبوة فيهم و لنا بذلك على من خالفنا الحجة الظاهرة و السلطان البين فما ينازعنا في سلطان محمد ص و نحن أولياؤه و عشيرته إلا مدل بباطل أو متجانف لإثم أو متورط في الهلاكة محب للفتنة فقام الحباب بن المنذر ثانية فقال يا معاشر الأنصار أمسكوا على أيديكم و لا تسمعوا مقالة هذا الجاهل و أصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر و إن أبوا أن يكون منا أمير و منهم أمير فأجلوهم عن بلادكم و تولوا هذا الأمر عليهم فأنتم و الله أحق به منهم فقد دان بأسيافكم قبل هذا الوقت من لم يكن يدين بغيرها و أنا جذيلها المحكك و عذيقها المرجب و الله لئن رد أحد قولي لأحطمن أنفه بالسيف قال عمر بن الخطاب فلما كان الحباب هو الذي يجيبني لم يكن لي معه كلام فإنه جرت بيني و بينه منازعة في حياة رسول الله ص فنهاني رسول الله ص عن مهاترته فحلفت أن لا أكلمه أبدا ثم قال عمر لأبي عبيدة يا أبا عبيدة تكلم فقام أبو عبيدة بن الجراح و تكلم بكلام كثير ذكر فيه فضائل الأنصار فكان بشير بن سعد سيدا من سادات الأنصار لما رأى اجتماع الأنصار على سعد بن عبادة لتأميره حسده و سعى في إفساد الأمر عليه و تكلم في ذلك و رضي بتأمير قريش و حث الناس كلهم لا سيما الأنصار على الرضا بما يفعله المهاجرون فقال أبو بكر هذا عمر و أبو عبيدة شيخا قريش فبايعوا أيهما شئتم فقال عمر و أبو عبيدة ما نتولى هذا الأمر عليك امدد يدك نبايعك فقال بشير بن سعد و أنا ثالثكما و كان سيد الأوس و سعد بن عبادة سيد الخزرج فلما رأت الأوس صنيع بشير و ما دعت إليه الخزرج من تأمير سعد أكبوا على أبي بكر بالبيعة و تكاثروا على ذلك و تزاحموا فجعلوا يطئون سعدا من شدة الزحمة و هو بينهم على فراشه مريض فقال قتلتموني قال عمر اقتلوا سعدا قتله الله فوثب قيس بن سعد فأخذ بلحية عمر و قال و الله يا ابن صهاك الجبان الفرار في الحروب الليث في الملإ و الأمن لو حركت منه شعرة ما رجعت و في وجهك واضحة فقال أبو بكر مهلا يا عمر فإن الرفق أبلغ و أفضل فقال سعد يا ابن صهاك و كانت جده عمر حبشية أما و الله لو أن لي قوة على النهوض لسمعتما مني في سككها زئيرا يزعجك و أصحابك منها و لألحقتكما بقوم كنتم فيهم أذنابا أذلاء تابعين غير متبوعين لقد اجترأتما يا آل الخزرج احملوني من مكان الفتنة فحملوه فأدخلوه منزله فلما كان بعد ذلك بعث إليه أبو بكر أن قد بايع الناس فبايع فقال لا و الله حتى أرميكم بكل سهم في كنانتي و أخضب منكم سنان رمحي و أضربكم بسيفي ما أقلت يدي فأقاتلكم بمن تبعني من أهل بيتي و عشيرتي ثم و ايم الله لو اجتمع

 الجن و الإنس على ما بايعتكما أيها الغاصبان حتى أعرض على ربي و أعلم ما حسابي فلما جاءهم كلامه قال عمر لا بد من بيعته فقال بشير بن سعد إنه قد أبى و لج و ليس بمبايع أو يقتل و ليس بمقتول حتى تقتل معه الخزرج و الأوس فاتركوه و ليس تركه بضائر فقبلوا قوله و تركوا سعدا و كان سعد لا يصلي بصلاتهم و لا يقضي بقضائهم و لو وجد أعوانا لصال بهم و لقاتلهم فلم يزل كذلك في ولاية أبي بكر حتى هلك أبو بكر ثم ولي عمر فكان كذلك فخشي سعد غائلة عمر فخرج إلى الشام فمات بحوران في ولاية عمر و لم يبايع أحدا و كان سبب موته أن رمي بسهم في الليل فقتله و زعم أن الجن رموه و قيل أيضا إن محمد بن مسلمة الأنصاري تولى قتله بجعل جعلت له عليه و روي أنه تولى ذلك المغيرة بن شعبة قال و بايع جماعة من الأنصار و من حضر من غيرهم و علي بن أبي طالب ع مشغول بجهاز رسول الله ص فلما فرغ من ذلك و صلى على النبي ص و الناس يصلون عليه من بايع أبا بكر و من لم يبايع جلس في المسجد فاجتمع إليه بنو هاشم و معه الزبير بن العوام و اجتمعت بنو أمية إلى عثمان بن عفان و بنو زهرة إلى عبد الرحمن بن عوف فكانوا في المسجد مجتمعين إذ أقبل أبو بكر و عمر و أبو عبيدة بن الجراح فقالوا ما لنا نريكم حلقا شتى قوموا فبايعوا أبا بكر فقد بايعه الأنصار و الناس فقام عثمان و عبد الرحمن بن عوف و من معهما فبايعوا و انصرف علي ع و بنو هاشم إلى منزل علي ع و معهم الزبير قال فذهب إليهم عمر في جماعة ممن بايع فيهم أسيد بن حضير و سلمة بن سلامة فألفوهم مجتمعين فقالوا لهم بايعوا أبا بكر فقد بايعه الناس فوثب الزبير إلى سيفه فقال عمر عليكم بالكلب فاكفونا شره فبادر سلمة بن سلامة فانتزع السيف من يده فأخذه عمر فضرب به الأرض فكسره و أحدقوا بمن كان

 هناك من بني هاشم و مضوا بجماعتهم إلى أبي بكر فلما حضروا قالوا بايعوا أبا بكر فقد بايعه الناس و ايم الله لئن أبيتم ذلك لنحاكمنكم بالسيف فلما رأى ذلك بنو هاشم أقبل رجل رجل فجعل يبايع حتى لم يبق ممن حضر إلا علي بن أبي طالب ع فقال له بايع أبا بكر فقال علي أنا أحق بهذا الأمر منه و أنتم أولى بالبيعة لي أخذتم هذا الأمر من الأنصار و احتججتم عليهم بالقرابة من رسول الله و تأخذونه منا أهل البيت غصبا أ لستم زعمتم للأنصار أنكم أولى بهذا الأمر منهم لمكانكم من رسول الله ص فأعطوكم المقادة و سلموا لكم الإمارة و أنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم على الأنصار أنا أولى برسول الله حيا و ميتا و أنا وصيه و وزيره و مستودع سره و علمه و أنا الصديق الأكبر أول من آمن به و صدقه و أحسنكم بلاء في جهاد المشركين و أعرفكم بالكتاب و السنة و أفقهكم في الدين و أعلمكم بعواقب الأمور و أذربكم لسانا و أثبتكم جنانا فعلام تنازعونا هذا الأمر أنصفونا إن كنتم تخافون الله من أنفسكم و اعرفوا لنا من الأمر مثل ما عرفته الأنصار لكم و إلا فبوءوا بالظلم و أنتم تعلمون فقال عمر أ ما لك بأهل بيتك أسوة فقال علي ع سلوهم عن ذلك فابتدر القوم الذين بايعوا من بني هاشم فقالوا ما بيعتنا بحجة على علي ع و معاذ الله أن نقول إنا نوازيه في الهجرة و حسن الجهاد و المحل من رسول الله ص فقال عمر إنك لست متروكا حتى تبايع طوعا أو كرها فقال علي ع احلب حلبا لك شطره اشدد له اليوم ليرد عليك غدا إذا و الله لا أقبل قولك و لا أحفل بمقامك و لا أبايع فقال أبو بكر مهلا يا أبا الحسن ما نشدد عليك و لا نكرهك فقام أبو عبيدة إلى علي فقال يا ابن عم لسنا ندفع قرابتك و لا سابقتك و لا علمك و لا نصرتك و لكنك حدث السن و كان لعلي ع يومئذ ثلاث و ثلاثون سنة و أبو بكر شيخ من مشايخ قومك و هو أحمل لثقل هذا الأمر و قد مضى الأمر بما فيه فسلم له فإن عمرك الله لسلموا هذا الأمر إليك و لا يختلف عليك اثنان بعد هذا إلا و أنت به خليق و له حقيق و لا تبعث الفتنة قبل أوان الفتنة قد عرفت ما في قلوب العرب و غيرهم عليك فقال أمير المؤمنين ع يا معاشر المهاجرين و الأنصار الله الله لا تنسوا عهد نبيكم إليكم في أمري و لا تخرجوا سلطان محمد من داره و قعر بيته إلى دوركم و قعر بيوتكم و تدفعوا أهله عن حقه و مقامه في الناس يا معاشر الجمع إن الله قضى و حكم و نبيه أعلم و أنتم تعلمون إنا أهل البيت أحق بهذا الأمر منكم أ ما كان منا القارئ لكتاب الله الفقيه في دين الله المضطلع بأمر الرعية و الله إنه لفينا لا فيكم فلا تتبعوا الهوى فتزدادوا من الحق بعدا و تفسدوا قديمكم بشر من حديثكم فقال بشير بن سعد الأنصاري الذي وطأ الأمر لأبي بكر و قالت جماعة الأنصار يا أبا الحسن لو كان هذا الكلام سمعته الأنصار منك قبل الانضمام لأبي بكر ما اختلف فيك اثنان فقال علي ع يا هؤلاء أ كنت أدع رسول الله ص مسجى لا أواريه و أخرج أنازع في سلطانه و الله ما خفت أحدا يسمو له و ينازعنا أهل البيت فيه و يستحل ما استحللتموه و لا علمت أن رسول الله ص ترك يوم غدير خم لأحد حجة و لا لقائل مقالا فأنشد الله رجلا سمع النبي ص يوم غدير خم يقول من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه و عاد من عاداه و انصر من نصره و اخذل من خذله إن يشهد بما سمع قال زيد بن أرقم فشهد اثنا عشر رجلا بدريا بذلك و كنت ممن سمع القول من رسول الله ص فكتمت الشهادة يومئذ فذهب بصري قال و كثر الكلام في هذا المعنى و ارتفع الصوت و خشي عمر أن يصغى إلى قول علي ع ففسخ المجلس و قال إن الله تعالى يقلب القلوب و الأبصار و لا يزال يا أبا الحسن ترغب عن قول الجماعة فانصرفوا يومهم ذلك

 بيان قال في القاموس الكرش بالكسر ككتف لكل مجتر بمنزلة المعدة للإنسان مؤنثة و عيال الرجل و صغار ولده و الجماعة و في النهاية فيه الأنصار كرشي و عيبتي أراد أنهم بطانته و موضع سره و أمانته و الذين يعتمد عليهم في أمره و استعار الكرش و العيبة لذلك لأن المجتر يجمع علفه في كرشه و الرجل يضع ثيابه في عيبته و قيل أراد بالكرش الجماعة أي جماعتي و صحابتي يقال عليه كرش من الناس أي جماعة انتهى و في القاموس الرسل محركة القطيع من كل شي‏ء و الجمع أرسال و قال أدلى بحجته أظهرها و تجانف تمايل و في النهاية ما تجانفنا لإثم أي لم نمل فيه لارتكاب الإثم انتهى و التورط الدخول في المهالك و ما تعسر النجاة منه. و قال في النهاية في حديث السقيفة أنا جذيلها المحكك هو تصغير جذل و هو العود الذي ينصب للإبل لتحتك به و هو تصغير تعظيم أي أنا ممن يستشفى برأيه كما تستشفى الإبل الجربي بالاحتكاك بهذا العود و قال في المحكك بعد ذكر هذا المعنى و العود المحكك هو الذي كثر الاحتكاك به و قيل أراد أنه شديد البأس صلب الكسر كالجذل المحكك و قيل معناه أنا دون الأنصار جذل حكاك فبي تقرن الصعبة و قال الرجبة هو أن تعمد النخلة الكريمة ببناء من حجارة أو خشب إذا خيف عليها لطولها أو كثرة حملها أن تقع و رجبتها فهي مرجبة و العذيق تصغير العذق بالفتح و هو تصغير تعظيم و قد يكون ترجيبها بأن يجعل حولها شوك لئلا يرقى إليها و من الترجيب أن تعمد بخشبة ذات شعبتين و قيل أراد بالترجيب التعظيم يقال رجب فلان مولاه أي عظمه انتهى. أقول فعلى الأول التشبيه بالعذيق المخصوص إما لرفعته و كثرة حمله لما ينفع الناس من الآراء المتينة بزعمه أو لأنه يحتاج إلى من يعينه لينتفع به و يقال حطمه أي ضرب أنفه و هاتره سابه بالباطل و الواضحة الأسنان تبدو عند الضحك و يقال زار الأسد زئيرا إذا صاح و غضب و حوران بالفتح موضع بالشام و في القاموس أعطاه مقادته انقاد له و الذرابة حدة اللسان و باء إليه رجع و بذنبه بوءا احتمله و اعترف به و فلان مضطلع على الأمر أي قوي عليه

2-  ج، ]الإحتجاج[ عن أبان بن تغلب قال قلت لأبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق ع جعلت فداك هل كان أحد في أصحاب رسول الله ص أنكر على أبي بكر فعله و جلوسه مجلس رسول الله ص فقال نعم كان الذي أنكر على أبي بكر اثني عشر رجلا من المهاجرين خالد بن سعيد بن العاص و كان من بني أمية و سلمان الفارسي و أبو ذر الغفاري و المقداد بن الأسود و عمار بن ياسر و بريدة الأسلمي و من الأنصار أبو الهيثم بن التيهان و سهل و عثمان ابنا حنيف و خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين و أبي بن كعب و أبو أيوب الأنصاري قال فلما سعد أبو بكر المنبر تشاوروا بينهم فقال بعضهم لبعض و الله لنأتينه و لننزلنه عن منبر رسول الله ص و قال الآخرون منهم و الله لئن فعلتم ذلك إذا لأعنتم على أنفسكم و قد قال عز و جل وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ فانطلقوا بنا إلى أمير المؤمنين ع لنستشيره و نستطلع رأيه فانطلق القوم إلى أمير المؤمنين بأجمعهم فقالوا يا أمير المؤمنين تركت حقا أنت أحق به و أولى منه لأنا سمعنا رسول الله ص يقول علي مع الحق و الحق مع علي يميل مع الحق كيف مال و لقد هممنا أن نصير إليه فننزله عن منبر رسول الله ص فجئناك نستشيرك و نستطلع رأيك فيما تأمرنا فقال أمير المؤمنين ع و ايم الله لو فعلتم ذلك لما كنتم لهم إلا حربا و لكنكم كالملح في الزاد و كالكحل في العين و ايم الله لو فعلتم ذلك لأتيتموني شاهرين أسيافكم مستعدين للحرب و القتال إذا لأتوني فقالوا لي بايع و إلا قتلناك فلا بد من أن أدفع القوم عن نفسي و ذلك أن رسول الله ص أوعز إلي قبل وفاته قال لي يا أبا الحسن إن الأمة ستغدر بك بعدي و تنقض فيك عهدي و إنك مني بمنزلة هارون من موسى و إن الأمة من بعدي بمنزلة هارون و من اتبعه و السامري و من اتبعه فقلت يا رسول الله فما تعهد إلي إذا كان ذلك فقال إن وجدت أعوانا فبادر إليهم و جاهدهم و إن لم تجد أعوانا كف يدك و أحقن دمك حتى تلحق بي مظلوما و لما توفي رسول الله ص اشتغلت بغسله و تكفينه و الفراغ من شأنه ثم آليت يمينا أن لا أرتدي إلا للصلاة حتى أجمع القرآن ففعلت ثم أخذت بيد فاطمة و ابني الحسن و الحسين فدرت على أهل بدر و أهل السابقة فناشدتهم حقي و دعوتهم إلى نصرتي فما أجابني منهم إلا أربعة رهط منهم سلمان و عمار و المقداد و أبو ذر و لقد راودت في ذلك تقييد بينتي فاتقوا الله على السكوت لما علمتم من وغر صدور القوم و بغضهم لله و لرسوله و لأهل بيت نبيه ص فانطلقوا بأجمعكم إلى الرجل فعرفوه ما سمعتم من قول رسولكم ص ليكون ذلك أوكد للحجة و أبلغ للعذر و أبعد لهم من رسول الله ص إذا وردوا عليه فسار القوم حتى أحدقوا بمنبر رسول الله ص و كان يوم الجمعة فلما صعد أبو بكر المنبر قال المهاجرون للأنصار تقدموا فتكلموا و قال الأنصار للمهاجرين بل تكلموا أنتم فإن الله عز و جل أدناكم في كتابه إذ قال الله لقد تاب الله بالنبي على المهاجرين و الأنصار قال أبان فقلت له يا ابن رسول الله إن العامة لا تقرأ كما عندك فقال و كيف تقرأ يا أبان قال قلت إنها تقرأ لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ فقال ويلهم و أي ذنب كان لرسول الله ص حتى تاب الله عليه منه إنما تاب الله به على أمته فأول من تكلم به خالد بن سعيد بن العاص ثم باقي المهاجرين ثم من بعدهم الأنصار و روي أنهم كانوا غيبا عن وفاة رسول الله ص فقدموا و قد تولى أبو بكر و هم يومئذ أعلام مسجد رسول الله ص فقام خالد بن سعيد بن العاص و قال

 اتق الله يا أبا بكر فقد علمت أن رسول الله ص قال و نحن محتوشوه يوم قريظة حين فتح الله له و قد قتل علي يومئذ عدة من صناديد رجالهم و أولي البأس و النجدة منهم يا معاشر المهاجرين و الأنصار إني موصيكم بوصية فاحفظوها و مودعكم أمرا فاحفظوه ألا إن علي بن أبي طالب ع أميركم بعدي و خليفتي فيكم بذلك أوصاني ربي ألا و إنكم إن لم تحفظوا فيه وصيتي و توازروه و تنصروه اختلفتم في أحكامكم و اضطرب عليكم أمر دينكم و وليكم شراركم ألا إن أهل بيتي هم الوارثون لأمري و العالمون بأمر أمتي من بعدي اللهم من أطاعهم من أمتي و حفظ فيهم وصيتي فاحشرهم في زمرتي و اجعل لهم نصيبا من مرافقتي يدركون به نور الآخرة اللهم و من أساء خلافتي في أهل بيتي فاحرمه الجنة التي عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ فقال له عمر بن الخطاب اسكت يا خالد فلست من أهل المشورة و لا ممن يقتدى برأيه فقال خالد اسكت يا ابن الخطاب فإنك تنطق عن لسان غيرك و ايم الله لقد علمت قريش أنك من ألأمها حسبا و أدناها منصبا و أخسها قدرا و أخملها ذكرا و أقلهم غناء عن الله و رسوله و إنك لجبان في الحروب بخيل بالمال لئيم العنصر ما لك في قريش من فخر و لا في الحروب من ذكر و إنك في هذا الأمر بمنزلة الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِي‏ءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَ ذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ فأبلس عمر و جلس خالد بن سعيد

2-  ثم قام سلمان الفارسي و قال كرديد و نكرديد و ندانيد چه كرديد أي فعلتم و لم تفعلوا و ما علمتم ما فعلتم و امتنع من البيعة قبل ذلك حتى وجئ عنقه فقال يا أبا بكر إلى من تسند أمرك إذا نزل بك ما لا تعرفه و إلى من تفزع إذا سئلت عما لا تعلمه و ما عذرك في تقدم من هو أعلم منك و أقرب إلى رسول الله ص و أعلم بتأويل كتاب الله عز و جل و سنة نبيه و من قدمه النبي ص في حياته و أوصاكم به عند وفاته فنبذتم قوله و تناسيتم وصيته و أخلفتم الوعد و نقضتم العهد و حللتم العقد الذي كان عقده عليكم من النفوذ تحت راية أسامة بن زيد حذرا من مثل ما أتيتموه و تنبيها للأمة على عظيم ما اجترحتموه من مخالفة أمره فعن قليل يصفو لك الأمر و قد أثقلك الوزر و نقلت إلى قبرك و حملت معك ما اكتسبت يداك فلو راجعت الحق من قرب و تلافيت نفسك و تبت إلى الله من عظيم ما اجترمت كان ذلك أقرب إلى نجاتك يوم تفرد في حفرتك و يسلمك ذوو نصرتك فقد سمعت كما سمعنا و رأيت كما رأينا فلم يردعك ذلك عما أنت متشبث به من هذا الأمر الذي لا عذر لك في تقلده و لا حظ للدين و المسلمين في قيامك به فالله الله في نفسك فقد أعذر من أنذر و لا تكن كمن أدبر و استكبر

3-  ثم قام أبو ذر فقال يا معاشر قريش أصبتم قباحة و تركتم قرابة و الله لترتدن جماعة من العرب و لتشكن في هذا الدين و لو جعلتم الأمر في أهل بيت نبيكم ما اختلف عليكم سيفان و الله لقد صارت لمن غلب و لتطمحن إليها عين من ليس من أهلها و ليسفكن في طلبها دماء كثيرة فكان كما قال أبو ذر ثم قال لقد علمتم و علم خياركم أن رسول الله ص قال الأمر بعدي لعلي ثم لابني الحسن و الحسين ثم للطاهرين من ذريتي فأطرحتم قول نبيكم و تناسيتم ما عهد به إليكم فأطعتم الدنيا الفانية و بعتم الآخرة الباقية التي لا يهرم شبابها و لا يزول نعيمها و لا يحزن أهلها و لا تموت سكانها بالحقير التافة الفاني الزائل و كذلك الأمم من قبلكم كفرت بعد أنبيائها و نكصت على أعقابها و غيرت و بدلت و اختلفت فساويتموهم حذو النعل بالنعل و القذة بالقذة و عما قليل تذوقون وبال أمركم و تجزون بما قدمت أيديكم و ما الله بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ

4-  ثم قام المقداد بن الأسود و قال ارجع يا أبا بكر عن ظلمك و تب إلى ربك و ألزم بيتك و ابك على خطيئتك و سلم الأمر لصاحبه الذي هو أولى به منك فقد علمت ما عقده رسول الله ص في عنقك من بيعته و ألزمك من النفوذ تحت راية أسامة بن زيد و هو مولاه و نبه على بطلان وجوب هذا الأمر لك و لمن عضدك عليه بضمة لكما إلى علم النفاق و معدن الشنآن و الشقاق عمرو بن العاص الذي أنزل الله تعالى فيه على نبيه ص إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ فلا اختلاف بين أهل العلم أنها نزلت في عمرو و هو كان أميرا عليكما و على سائر المنافقين في الوقت الذي أنفذه رسول الله ص في غزاة ذات السلاسل و أن عمرا قلدكما حرس عسكره فمن الحرس إلى الخلافة اتق الله و بادر الاستقالة قبل فوتها فإن ذلك أسلم لك في حياتك و بعد وفاتك و لا تركن إلى دنياك و لا تغررك قريش و غيرها فعن قليل تضمحل عنك دنياك ثم تصير إلى ربك فيجزيك بعملك و قد علمت و تيقنت أن علي بن أبي طالب ع صاحب هذا الأمر بعد رسول الله ص فسلمه إليه بما جعله الله له فإنه أتم لسترك و أخف لوزرك فقد و الله نصحت لك إن قبلت نصحي وَ إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ

5-  ثم قام بريدة الأسلمي فقال إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ما ذا لقي الحق من الباطل يا أبا بكر أ نسيت أم تناسيت أم خدعتك نفسك سولت لك الأباطيل أو لم تذكر ما أمرنا به رسول الله ص من تسمية علي ع بإمرة المؤمنين و النبي بين أظهرنا و قوله في عدة أوقات هذا أمير المؤمنين و قاتل القاسطين فاتق الله و تدارك نفسك قبل أن لا تدركها و أنقذها مما يهلكها و اردد الأمر إلى من هو أحق به منك و لا تتماد في اغتصابه و راجع و أنت تستطيع أن تراجع فقد محضتك النصح و دللتك على طريق النجاة فلا تكونن ظهيرا للمجرمين

6-  ثم قام عمار بن ياسر فقال يا معاشر قريش يا معاشر المسلمين إن كنتم علمتم و إلا فاعلموا أن أهل بيت نبيكم أولى به و أحق بإرثه و أقوم بأمور الدين و آمن على المؤمنين و أحفظ لملته و أنصح لأمته فمروا صاحبكم فليرد الحق إلى أهله قبل أن يضطرب حبلكم و يضعف أمركم و يظفر عدوكم و يظهر شتاتكم و تعظم الفتنة بكم و تختلفون فيما بينكم و يطمع فيكم عدوكم فقد علمتم أن بني هاشم أولى بهذا الأمر منكم و على من بينهم وليكم بعهد الله و برسوله و فرق ظاهر قد عرفتموه في حال بعد حال عند سد النبي صلى الله عليه و آله أبوابكم التي كانت إلى المسجد فسدها كلها غير بابه و إيثاره إياه بكريمته فاطمة دون سائر من خطبها إليه منكم و قوله ص أنا مدينة العلم و علي بابها فمن أراد الحكمة فليأتها من بابها و أنتم جميعا مصطرخون فيما أشكل عليكم من أمور دينكم إليه و هو مستغن عن كل أحد منكم إلى ما له من السوابق التي ليست لأفضلكم عند نفسه فما بالكم تحيدون عنه و تغيرون على حقه و تؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا أعطوه ما جعله الله له و لا تتولوا عنه مدبرين و لا ترتدوا على أعقابكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ

7-  ثم قام أبي بن كعب فقال يا أبا بكر لا تجحد حقا جعله الله لغيرك و لا تكن أول من عصى رسول الله ص في وصيه و صفيه و صدف عن أمره اردد الحق إلى أهله تسلم و لا تتماد في غيك فتندم و بادر الإنابة يخف وزرك و لا تخصص بهذا الأمر الذي لم يجعله الله لك نفسك فتلقى وبال عملك فعن قليل تفارق ما أنت فيه و تصير إلى ربك فيسألك عما جنيت وَ ما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ

8-  ثم قام خزيمة بن ثابت فقال أيها الناس أ لستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه و آله قبل شهادتي وحدي و لم يرد معي غيري قالوا بلى قال فأشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله يقول أهل بيتي يفرقون بين الحق و الباطل و هم الأئمة الذين يقتدى بهم و قد قلت ما علمت وَ ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ

9-  ثم قام أبو الهيثم بن التيهان فقال و أنا أشهد على نبينا ص أنه أقام عليا عليه السلام يعني في يوم غدير خم فقالت الأنصار ما أقامه إلا للخلافة و قال بعضهم ما أقامه إلا ليعلم الناس أنه مولى من كان رسول الله ص مولاه و أكثروا الخوض في ذلك فبعثنا رجالا منا إلى رسول الله ص فسألوه عن ذلك فقال قولوا لهم علي ع ولي المؤمنين بعدي و أنصح الناس لأمتي و قد شهدت بما حضرني فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً

10-  ثم قام سهل بن حنيف فحمد الله و أثنى عليه و صلى على النبي محمد و آله ثم قال يا معشر قريش اشهدوا علي أني أشهد على رسول الله ص و قد رأيته في هذا المكان يعني الروضة و هو آخذ بيد علي بن أبي طالب ع و هو يقول أيها الناس هذا علي إمامكم من بعدي و وصيي في حياتي و بعد وفاتي و قاضي ديني و منجز وعدي و أول من يصافحني على حوضي فطوبى لمن تبعه و نصره و الويل لمن تخلف عنه و خذله

11-  و قام معه أخوه عثمان بن حنيف فقال سمعنا رسول الله ص يقول أهل بيتي نجوم الأرض فلا تتقدموهم و قدموهم فهم الولاة بعدي فقام إليه رجل فقال يا رسول الله و أي أهل بيتك فقال ص علي و الطاهرون من ولده و قد بين ع فلا تكن يا أبا بكر أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ و لا تَخُونُوا اللَّهَ وَ الرَّسُولَ وَ تَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ

12-  ثم قام أبو أيوب الأنصاري فقال اتقوا الله عباد الله في أهل بيت نبيكم و ردوا إليهم حقهم الذي جعله الله لهم فقد سمعتم مثل ما سمع إخواننا في مقام بعد مقام لنبينا ع و مجلس بعد مجلس يقول أهل بيتي أئمتكم بعدي و يومئ إلى علي ع و يقول هذا أمير البررة و قاتل الكفرة مخذول من خذله منصور من نصره فتوبوا إلى الله من ظلمكم إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ و لا تتولوا عنه مدبرين و لا تتولوا عنه معرضين قال الصادق ع فأفحم أبو بكر على المنبر حتى لم يحر جوابا ثم قال وليتكم و لست بخيركم أقيلوني أقيلوني فقال عمر بن الخطاب انزل عنها يا لكع إذا كنت لا تقوم بحجج قريش لم أقمت نفسك هذا المقام و الله لقد هممت أن أخلعك و أجعلها في سالم مولى أبي حذيفة قال فنزل ثم أخذ بيده و انطلق إلى منزله و بقوا ثلاثة أيام لا يدخلون مسجد رسول الله ص فلما كان في اليوم الرابع جاءهم خالد بن الوليد و معه ألف رجل و قال لهم ما جلوسكم فقد طمع فيها و الله بنو هاشم و جاءهم سالم مولى أبي حذيفة و معه ألف رجل و جاءهم معاذ بن جبل و معه ألف رجل فما زال يجتمع رجل رجل حتى اجتمع أربعة آلاف رجل فخرجوا شاهرين أسيافهم يقدمهم عمر بن الخطاب حتى وقفوا بمسجد النبي ص فقال عمر و الله يا صحابة علي لئن ذهب الرجل منكم يتكلم بالذي تكلم به بالأمس لنأخذن الذي فيه عيناه فقام إليه خالد بن سعيد بن العاص و قال يا ابن صهاك الحبشية أ بأسيافكم تهددونا أم بجمعكم تفزعونا و الله إن أسيافنا أحد من أسيافكم و إنا لأكثر منكم و إن كنا قليلين لأن حجة الله فينا و الله لو لا أني أعلم أن طاعة إمامي أولى بي لشهرت سيفي و لجاهدتكم في الله إلى أن أبلي عذري فقال له أمير المؤمنين اجلس يا خالد فقد عرف الله مقامك و شكر لك سعيك فجلس و قام إليه سلمان الفارسي و قال الله أكبر الله أكبر سمعت رسول الله ص و إلا صمتا يقول بينا أخي و ابن عمي جالس في مسجدي مع نفر من أصحابه إذ يكبسه جماعة من كلاب أهل النار يريدون قتله و قتل من معه و لست أشك إلا و إنكم هم فهم به عمر بن الخطاب فوثب إليه أمير المؤمنين ع و أخذ بمجامع ثوبه ثم جلد به الأرض ثم قال يا ابن صهاك الحبشية لو لا كتاب من الله سبق و عهد من رسول الله ص تقدم لأريتك أينا أَضْعَفُ ناصِراً وَ أَقَلُّ عَدَداً ثم التفت إلى أصحابه فقال انصرفوا رحمكم الله فو الله لا دخلت المسجد إلا كما دخل أخواي موسى و هارون إذ قال له أصحابه فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ و الله لا أدخل إلا لزيارة رسول الله ص أو لقضية أقضيها فإنه لا يجوز لحجة أقامه رسول الله ص أن يترك الناس في حيرة

 بيان أوعز إليه في كذا تقدم قوله ع و لقد راودت في ذلك تقييد بينتي كذا في أكثر النسخ و لعل فيه تصحيفا و على تقديره لعل المعنى أني كنت أعلم أن ذلك لا ينفع و لكن أردت بذلك أن لا تضيع و تضمحل حجتي عليهم و تكون مقيدة محفوظة مر الدهور ليعلموا بذلك أني ما بايعت طوعا أو لضبط حجتي عند الله تعالى و في بعض النسخ و لقد راودت في ذلك نفسي فيكون كناية عن التدبر و التأمل. قوله ع لقد تاب الله بالنبي. أقول قد مر الكلام في هذه الآية و روى الطبرسي تلك القراءة عن الرضا عليه السلام و الصنديد بالكسر السيد الشجاع و النجدة الشجاعة و يقال ما يغني عنك هذا أي ما يجدي عنك و لا ينفعك و الإبلاس الانكسار و الحزن يقال أبلس فلان إذا سكت غما و يقال وجأت عنقه وجاء أي ضربته و يقال تناساه إذا أرى من نفسه أنه نسيه قوله حذارا تعليل للعقد قوله يصفو لك الأمر لعل المعنى يظهر لك الحق صريحا من غير شبهة قوله فالله أي اتق الله و القسم بعيد قوله فقد أعذر أي صار ذا عذر و بين عذره و قوله فكان كما قال كلام الصادق ع و التافة الحقير اليسير قوله فمن الحرس إلى الخلافة هو استفهام إنكار إلى أ تنتهي أو تترقى من حراسة الجند التي هي أخس الأمور إلى الخلافة الكبرى قوله و فرق بالجر عطفا على العهد أو بالرفع بتقدير أي له فرق ظاهر و الاستصراخ الاستغاثة و صدف عنه أعرض و أفحم على بناء المفعول سكت فلم يطق جوابا و يقال ما أحار جوابا أي ما رد و اللكع كصرد اللئيم و الأحمق و من لا يتجه لمنطق و لا غيره و يقال أبلاه عذرا أي أداه إليه فقبله

3-  ج، ]الإحتجاج[ عن عبد الله بن عبد الرحمن قال ثم إن عمر احتزم بإزاره و جعل يطوف بالمدينة و ينادي أن أبا بكر قد بويع له فهلموا إلى البيعة فينثال الناس فيبايعون فعرف أن جماعة في بيوت مستترون فكان يقصدهم في جمع فيكبسهم و يحضرهم في المسجد فيبايعون حتى إذا مضت أيام أقبل في جمع كثير إلى منزل علي بن أبي طالب ع فطالبه بالخروج فأبى فدعا عمر بحطب و نار و قال و الذي نفس عمر بيده ليخرجن أو لأحرقنه على ما فيه فقيل له إن فيه فاطمة بنت رسول الله ص و ولد رسول الله و آثار رسول الله فأنكر الناس ذلك من قوله فلما عرف إنكارهم قال ما بالكم أ تروني فعلت ذلك إنما أردت التهويل فراسلهم على أن ليس إلى خروجي حيلة لأني في جمع كتاب الله الذي قد نبذتموه و ألهتكم الدنيا عنه و قد حلفت أن لا أخرج من بيتي و لا أضع ردائي على عاتقي حتى أجمع القرآن قال و خرجت فاطمة بنت رسول الله ص إليهم فوقفت على الباب ثم قالت لا عهد لي بقوم أسوأ محضرا منكم تركتم رسول الله جنازة بين أيدينا و قطعتم أمركم فيما بينكم فلم تؤمرونا و لم تروا لنا حقنا كأنكم لم تعلموا ما قال يوم غدير خم و الله لقد عقد له يومئذ الولاء ليقطع منكم بذلك منها الرجاء و لكنكم قطعتم الأسباب بينكم و بين نبيكم و الله حسيب بيننا و بينكم في الدنيا و الآخرة

4-  ما، ]الأمالي للشيخ الطوسي[ بإسناد سيأتي في باب أحوال إبليس عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنه قال تمثل إبليس في أربع صور تصور يوم قبض النبي ص في صورة المغيرة بن شعبة فقال أيها الناس لا تجعلوها كسروانية و لا قيصرانية وسعوها تتسع فلا تردوها في بني هاشم فينتظر بها الحبالى

 بيان أي حتى لا يخرجوها منهم بحيث إذا كان منهم حمل في بطن أمه انتظروا خروجه و لم يجوزوا لغيره

5-  ج، ]الإحتجاج[ روي عن الصادق ع أنه قال لما استخرج أمير المؤمنين صلوات الله عليه من منزله خرجت فاطمة ع فما بقيت هاشمية إلا خرجت معها حتى انتهت قريبا من القبر فقالت خلوا عن ابن عمي فو الذي بعث محمدا بالحق لئن لم تخلوا عنه لأنشرن شعري و لأضعن قميص رسول الله ص على رأسي و لأصرخن إلى الله تبارك و تعالى فما ناقة صالح بأكرم على الله مني و لا الفصيل بأكرم على الله من ولدي قال سلمان رضي الله عنه كنت قريبا منها فرأيت و الله أساس حيطان المسجد مسجد رسول الله ص تقلعت من أسفلها حتى لو أراد رجل أن ينفذ من تحتها نفذ فدنوت منها فقلت يا سيدتي و مولاتي إن الله تبارك و تعالى بعث أباك رحمة فلا تكوني نقمة فرجعت و رجعت الحيطان حتى سطعت الغبرة من أسفلها فدخلت في خياشيمنا

6-  ل، ]الخصال[ فيما ذكر أمير المؤمنين ع في جواب الذي سأل عما فيه من خصال الأوصياء قال ع و أما الثانية يا أخا اليهود فإن رسول الله ص أمرني في حياته على جميع أمته و أخذ على جميع من حضره منهم البيعة و السمع و الطاعة لأمري و أمرهم أن يبلغ الشاهد الغائب ذلك فكنت المؤدي إليهم عن رسول الله ص أمره إذا حضرته و الأمير على من حضرني منهم إذا فارقته لا تختلج في نفسي منازعة أحد من الخلق لي في شي‏ء من الأمر في حياة النبي ص و لا بعد وفاته ثم أمر رسول الله ص بتوجيه الجيش الذي وجهه مع أسامة بن زيد عند الذي أحدث الله به من المرض الذي توفاه فيه فلم يدع النبي ص أحدا من أفناء العرب و لا من الأوس و الخزرج و غيرهم من سائر الناس ممن يخاف على نقضه و منازعته و لا أحدا ممن يراني بعين البغضاء ممن قد وترته بقتل أبيه أو أخيه أو حميمه إلا وجهه في ذلك الجيش و لا من المهاجرين و الأنصار و المسلمين و غيرهم و المؤلفة قلوبهم و المنافقين لتصفو قلوب من يبقى معي بحضرته و لئلا يقول قائل شيئا مما أكرهه و لا يدفعني دافع عن الولاية و القيام بأمر رعيته من بعده ثم كان آخر ما تكلم به في شي‏ء من أمر أمته أن يمضي جيش أسامة و لا يتخلف عنه أحد ممن أنهض معه و تقدم في ذلك أشد التقدم و أوعز فيه أبلغ الإيعاز و أكد فيه أكثر التأكيد فلم أشعر بعد أن قبض النبي ص إلا برجال من بعث أسامة بن زيد و أهل عسكره قد تركوا مراكزهم و أخلوا بمواضعهم و خالفوا أمر رسول الله ص فيما أنهضهم له و أمرهم به و تقدم إليهم من ملازمة أميرهم و السير معه تحت لوائه حتى ينفذ لوجهه الذي أنفذه إليه فخلفوا أميرهم مقيما في عسكره و أقبلوا يتبادرون على الخيل ركضا إلى حل عقدة عقدها الله عز و جل و رسوله لي في أعناقهم فحلوها و عهد عاهدوا الله و رسوله فنكثوه و عقدوا لأنفسهم عقدا ضجت به أصواتهم و اختصت به آراؤهم من غير مناظرة لأحد منا بني عبد المطلب أو مشاركة في رأي أو استقالة لما في أعناقهم من بيعتي فعلوا ذلك و أنا برسول الله مشغول و بتجهيزه عن سائر الأشياء مصدود فإنه كان أهمها و أحق ما بدئ به منها فكان هذا يا أخا اليهود أقرح ما ورد على قلبي مع الذي أنا فيه من عظيم الرزية و فاجع المصيبة و فقد من لا خلف منه إلا الله تبارك و تعالى فصبرت عليها إذ أتت بعد أختها على تقاربها و سرعة اتصالها ثم التفت ع إلى أصحابه فقال أ ليس كذلك قالوا بلى يا أمير المؤمنين ع

  بيان قال الجوهري يقال هو من أفناء الناس إذا لم يعلم ممن هو

7-  ل، ]الخصال[ ابن البرقي عن أبيه عن جده عن النهيكي عن خلف بن سالم عن محمد بن جعفر عن شعبة عن عثمان بن المغيرة عن زيد بن وهب قال كان الذين أنكروا على أبي بكر جلوسه في الخلافة و تقدمه على علي بن أبي طالب ع اثني عشر رجلا من المهاجرين و الأنصار كان من المهاجرين خالد بن سعيد بن العاص و المقداد بن الأسود و أبي بن كعب و عمار بن ياسر و أبو ذر الغفاري و سلمان الفارسي و عبد الله بن مسعود و بريدة الأسلمي و كان من الأنصار خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين و سهل بن حنيف و أبو أيوب الأنصاري و أبو الهيثم بن التيهان و غيرهم فلما صعد المنبر تشاوروا بينهم في أمره فقال بعضهم هلا نأتيه فننزله عن منبر رسول الله ص و قال آخرون إن فعلتم ذلك أعنتم على أنفسكم و قد قال الله عز و جل وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ و لكن امضوا بنا إلى علي بن أبي طالب ع نستثيره و نستطلع أمره فأتوا عليا ع فقالوا يا أمير المؤمنين ضيعت نفسك و تركت حقا أنت أولى به و قد أردنا أن نأتي الرجل فننزله عن منبر رسول الله ص فإن الحق حقك و أنت أولى بالأمر منه فكرهنا أن ننزله من دون مشاورتك فقال لهم علي ع لو فعلتم ذلك ما كنتم إلا حربا لهم و لا كنتم إلا كالكحل في العين أو كالملح في الزاد و قد اتفقت عليه الأمة التاركة لقول نبيها و الكاذبة على ربها و لقد شاورت في ذلك أهل بيتي فأبوا إلا السكوت لما يعلمون من وغر صدور القوم و بغضهم لله عز و جل و لأهل بيت نبيه و أنهم يطالبون بثأرات الجاهلية و الله لو فعلتم ذلك لشهروا سيوفهم مستعدين للحرب و القتال كما فعلوا ذلك حتى قهروني و غلبوني على نفسي و لببوني و قالوا لي بايع و إلا قتلناك فلم أجد حيلة إلا أن أدفع القوم عن نفسي و ذاك أني ذكرت قول رسول الله ص يا علي إن القوم نقضوا أمرك و استبدوا بها دونك و عصوني فيك فعليك بالصبر حتى ينزل الله الأمر و إنهم سيغدرون بك لا محالة فلا تجعل لهم سبيلا إلى إذلالك و سفك دمك فإن الأمة ستغدر بك بعدي كذلك أخبرني جبرئيل ع من ربي تبارك و تعالى و لكن ائتوا الرجل فأخبروه بما سمعتم من نبيكم و لا تدعوه في الشبهة من أمره ليكون ذلك أعظم للحجة عليه و أبلغ في عقوبته إذا أتى ربه و قد عصى نبيه و خالف أمره قال فانطلقوا حتى حفوا بمنبر رسول الله ص يوم جمعة فقالوا للمهاجرين إن الله عز و جل بدأ بكم في القرآن فقال لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ فبكم بدأ

1-  فكان أول من بدأ و قام خالد بن سعيد بن العاص بإدلاله ببني أمية فقال يا أبا بكر اتق الله فقد علمت ما تقدم لعلي من رسول الله ص أ لا تعلم أن رسول الله ص قال لنا و نحن محتوشوه في يوم بني قريظة و قد أقبل على رجال منا ذوي قدر فقال معاشر المهاجرين و الأنصار أوصيكم بوصية فاحفظوها و إني مؤد إليكم أمرا فاقبلوه ألا إن عليا ع أميركم من بعدي و خليفتي فيكم أوصاني بذلك ربي و ربكم و إنكم إن لم تحفظوا وصيتي فيه و تؤووه و تنصروه اختلفتم في أحكامكم و اضطرب عليكم أمر دينكم و ولي عليكم الأمر شراركم ألا و إن أهل بيتي هم الوارثون أمري القائمون بأمر أمتي اللهم فمن حفظ فيهم وصيتي فاحشره في زمرتي و اجعل له من مرافقتي نصيبا يدرك به فوز الآخرة اللهم و من أساء خلافتي في أهل بيتي فأحرمه الجنة التي عَرْضُهَا السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ فقال له عمر بن الخطاب اسكت يا خالد فلست من أهل الشورى و لا ممن يرضى بقوله فقال خالد بل اسكت أنت يا ابن الخطاب فو الله إنك لتعلم أنك لتنطق بغير لسانك و تعتصم بغير أركانك و الله إن قريشا لتعلم أنك ألأمها حسبا و أقلها أدبا و أخملها ذكرا و أقلها غناء عن الله عز و جل و عن رسوله و إنك لجبان عند الحرب بخيل في الجدب لئيم العنصر ما لك في قريش مفخر قال فأسكته خالد فجلس

2-  ثم قام أبو ذر رحمة الله عليه فقال بعد أن حمد الله و أثنى عليه أما بعد يا معاشر المهاجرين و الأنصار لقد علمتم و علم خياركم أن رسول الله ص قال الأمر لعلي ع بعدي ثم للحسن و الحسين ثم في أهل بيتي من ولد الحسين ع فأطرحتم قول نبيكم و تناسيتم ما أوعز إليكم و اتبعتم الدنيا و تركتم نعيم الآخرة الباقية التي لا يهدم بنيانها و لا يزول نعيمها و لا يحزن أهلها و لا يموت سكانها و كذلك الأمم التي كفرت بعد أنبيائها فبدلت و غيرت فحاذيتموها حذو القذة بالقذة و النعل بالنعل فعما قليل تذوقون وبال أمركم و ما الله بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ

3-  ثم قام سلمان الفارسي رضي الله عنه فقال يا أبا بكر إلى من تسند أمرك إذا نزل بك القضاء و إلى من تفزع إذا سئلت عما لا تعلم و في القوم من هو أعلم منك و أكثر في الخير أعلاما و مناقب منك و أقرب من رسول الله ص قرابة و قدمة في حياته و قد أوعز إليكم فتركتم قوله و تناسيتم وصيته فعما قليل يصفو لك الأمر حين تزور القبور و قد أثقلت ظهرك من الأوزار لو حملت إلى قبرك لقدمت على ما قدمت فلو راجعت الحق و أنصفت أهله لكان ذلك نجاة لك يوم تحتاج إلى عملك و تفرد في حفرتك بذنوبك و قد سمعت كما سمعنا و رأيت كما رأينا فلم يردعك ذلك عما أنت له فاعل فالله الله في نفسك فقد أعذر من أنذر

4-  ثم قام المقداد بن الأسود ره فقال يا أبا بكر اربع على نفسك و قس شبرك بفترك و ألزم بيتك و ابك على خطيئتك فإن ذلك أسلم لك في حياتك و مماتك و رد هذا الأمر إلى حيث جعله الله عز و جل و رسوله ص و لا تركن إلى الدنيا و لا يغرنك من قد ترى من أوغادها فعما قليل تضمحل دنياك ثم تصير إلى ربك فيجزيك بعملك و قد علمت أن هذا الأمر لعلي و هو صاحبه بعد رسول الله ص و قد نصحتك إن قبلت نصحي

5-  ثم قام بريدة الأسلمي فقال يا أبا بكر نسيت أم تناسيت أم خادعتك نفسك أ ما تذكر إذ أمرنا رسول الله ص فسلمنا على علي بإمرة المؤمنين و نبينا بين أظهرنا فاتق الله ربك و أدرك نفسك قبل أن لا تدركها و أنقذها من هلكتها و دع هذا الأمر و كله إلى من هو أحق به منك و لا تماد في غيك و ارجع و أنت تستطيع الرجوع و قد منحتك نصحي و بذلت لك ما عندي و إن قبلت وفقت و رشدت

6-  ثم قام عبد الله بن مسعود فقال يا معشر قريش قد علمتم و علم خياركم أن أهل بيت نبيكم أقرب إلى رسول الله ص منكم و إن كنتم إنما تدعون هذا الأمر بقرابة رسول الله ص و تقولون إن السابقة لنا فأهل بيت نبيكم أقرب إلى رسول الله ص منكم و أقدم سابقة منكم و علي بن أبي طالب صاحب هذا الأمر بعد نبيكم فأعطوه ما جعله الله له و لا ترتدوا على أعقابكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ 

7-  ثم قام عمار بن ياسر ره فقال يا أبا بكر لا تجعل لنفسك حقا جعله الله عز و جل لغيرك و لا تكن أول من عصى رسول الله و خالفه في أهل بيته و اردد الحق إلى أهله يخف ظهرك و يقل وزرك و تلقى رسول الله ص و هو عنك راض ثم تصير إلى الرحمن فيحاسبك بعملك و يسألك عما فعلت

8-  ثم قام خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين فقال يا أبا بكر أ لست تعلم أن رسول الله ص قبل شهادتي وحدي و لم يرد معي غيري قال نعم قال فأشهد بالله أني سمعت رسول الله ص يقول أهل بيتي يفرقون بين الحق و الباطل و هم الأئمة الذين يقتدى بهم

9-  ثم قام أبو الهيثم بن التيهان فقال أنا أشهد على النبي أنه أقام عليا فقالت الأنصار ما أقامه إلا للخلافة و قال بعضهم ما أقامه إلا ليعلم الناس أنه ولي من كان رسول الله ص مولاه فقال ع إن أهل بيتي نجوم أهل الأرض فقدموهم و لا تقدموهم

10-  ثم قام سهل بن حنيف فقال أشهد أني سمعت رسول الله ص قال على المنبر إمامكم من بعدي علي بن أبي طالب ع و هو أنصح الناس لأمتي

11-  ثم قام أبو أيوب الأنصاري فقال اتقوا الله في أهل بيت نبيكم و ردوا هذا الأمر إليهم فقد سمعتم كما سمعنا في مقام بعد مقام من نبي الله ص أنهم أولى به منكم ثم جلس

12-  ثم قام زيد بن وهب فتكلم و قام جماعة بعده فتكلموا بنحو هذا فأخبر الثقة من أصحاب رسول الله ص أن أبا بكر جلس في بيته ثلاثة أيام فلما كان اليوم الثالث أتاه عمر بن الخطاب و طلحة و الزبير و عثمان بن عفان و عبد الرحمن بن عوف و سعد بن أبي وقاص و أبو عبيدة بن الجراح مع كل واحد منهم عشرة رجال من عشائرهم شاهرين للسيوف فأخرجوه من منزله و علا المنبر فقال قائل منهم و الله لئن عاد منكم أحد فتكلم بمثل الذي تكلم به لنملأن أسيافنا منه فجلسوا في منازلهم و لم يتكلم أحد بعد ذلك

 8-  شف، ]كشف اليقين[ فيما نذكره عن أحمد بن محمد الطبري المعروف بالخليلي من رواتهم و رجالهم فيما رواه من إنكار اثني عشر نفسا على أبي بكر بصريح مقالهم عقيب ولايته على المسلمين و ما ذكره بعضهم بما عرف من رسول الله ص أن عليا أمير المؤمنين و رواه أيضا محمد بن جرير الطبري صاحب التاريخ في كتاب مناقب أهل البيت ع و يزيد بعضهم على بعض في روايته اعلم أن هذا الحديث روته الشيعة متواترين و لو كانت هذه الرواية برجال الشيعة ما نقلناه لأنهم عند مخالفيهم متهمون و لكن نذكره حيث هو من طريقهم الذي يعتمدون عليه و درك ذلك على من رواه و صنفه في كتاب المشار إليه فقال أحمد بن محمد الطبري ما هذا لفظه خبر الاثني عشر الذين أنكروا على أبي بكر جلوسه في مجلس رسول الله ص حدثنا أبو علي الحسن بن علي بن النحاس الكوفي العدل الأسدي قال حدثنا أحمد بن أبي الحسين العامري قال حدثني عمي أبو معمر شعبة بن خيثم الأسدي قال حدثني عثمان الأعشى عن زيد بن وهب و ذكر مثله إلى آخر الخبر مع تغيير يسير بيان في شف عمرو بن سعيد مكان خالد بن سعيد و هما أخوان من بني أمية أسلما بمكة و هاجرا إلى الحبشة و لعل ما في شف أظهر لأن ابن الأثير و غيره ذكروا أنه كان عند وفاة النبي باليمن عاملا على صدقاته و إن أمكن أن يكون جاء في هذا الوقت. و أيضا في شف لم يذكر عبد الله بن مسعود و عد أبي بن كعب من الأنصار و ذكر في الأنصار عثمان بن حنيف أيضا فعد من كل من المهاجرين و الأنصار ستة و فيه و قال آخرون إنكم إن أتيتموه لتنزلوه عن منبر رسول الله ص أعنتم على أنفسكم و قد قال رسول الله ص لا ينبغي للمؤمنين أن يذل نفسه و لكن امضوا بنا. و فيه و نعلمه أن الحق حقك و أنك أولى بالأمر منه و كرهنا أن نركب أمرا من دون مشاورتك و فيه أهل بيتي و صالح المؤمنين فأبوا و فيه و ايم الله لو فعلتم لكنتم كانا إذ أتوني و قد شهروا سيوفهم مستعدين للحرب و القتال حتى قهروني. و قال الجوهري لببت الرجل تلبيبا إذا جمعت ثيابه عند صدره و نحره في الخصومة ثم جررته و قال هو يدل بفلان أي يثق به و في شف فقالوا يا معاشر المهاجرين إن الله قد قدمكم فقال لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ و قال وَ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ فكان أول من تكلم عمرو بن سعيد بن العاص إلى قوله و نحن محتوشوه يوم بني قريظة إذ فتح الله على رسول الله ص و قد قتل علي ع عشرة من رجالهم و أولي النجدة منهم فقال رسول الله ص يا معشر المهاجرين و يقال احتوش القوم على فلان أي جعلوه وسطهم. و في شف وليكم شراركم و فيه هم الوارثون لأمري القائمون بأمر أمتي من بعدي اللهم فمن أطاعني من أمتي و حفظ و فيه و من أساء خلافتي فيهم و فيه اسكت يا عمرو و فيه فقال له عمرو. قوله تنطق بغير لسانك أي تنطق بما ليس من شأنك التكلم به أو لأجل غيرك و الأول أظهر و كذا الثانية و في شف ألأمها حسبا و أدناها منصبا قوله فأسكته في شف قال فسكت عمر و جعل يقرع سنه بأنامله قوله لا يهدم بنيانها في شف لا يهرم شبابها إلى قوله و لا يموت ساكنها بقليل من الدنيا فان و كذلك الأمم من قبلكم كفرت قوله قرابة و قدمه في شف قرابة منك قد قدمه في حياته و أوعز إليكم عند وفاته فنبذتم قوله إلى قوله و حملت معك إلى قبرك ما قدمت يداك فإن راجعت قوله اربع على نفسك في شف على ظلعك إلى قوله و قد علمت أن عليا ع صاحب هذا الأمر من بعد رسول الله ص فاجعله له فإن ذلك أسلم لك و أحسن لذكرك و أعظم لأجرك و قد نصحت لك إن قبلت نصحي و إلى الله ترجع بخير كان أو بشر و قال الجوهري ربع الرجل يربع إذا

  وقف و تحبس و منه قولهم اربع على نفسك و اربع على ظلعك أي ارفق بنفسك و كف و لا تحمل عليها أكثر مما تطيق و قال الجزري في الحديث فإنه لا يربع على ظلعك من ليس يحزنه أمرك الظلع بالكسر العرج و قد ظلع يظلع ظلعا فهو ظالع و المعنى لا يقيم عليك في حال ضعفك و عرجك إلا من يهتم لأمرك و شأنك و يحزنه أمرك انتهى. و الفتر بالكسر ما بين طرف الإبهام و طرف المسبحة أي كما أن فترك لا يمكن أن يكون بقدر شبرك فكذا مراتب الرجال تختلف بحسب القابلية و لا يمكن للأدنى الترقي إلى درجة الأعلى و الأوغاد جمع وغد و هو الرجل الدني الذي يخدم بطعام بطنه قوله و أدرك نفسك في شف و تدارك نفسك قبل أن لا تداركها و ادفع هذا الأمر إلى من هو أحق به منك و ليس فيه قول عبد الله بن مسعود و عدم كون ابن مسعود بين هؤلاء أظهر و أوفق بسائر ما نقل في أحواله و لنذكر بعد ذلك تتمة رواية السيد للاختلاف الكثير بين الروايتين و هو هكذا.

 ثم قام عمار بن ياسر فقال معاشر قريش هل علمتم أن أهل بيت نبيكم أحق بهذا الأمر منكم فمروا صاحبكم فليرد الحق إلى أهله قبل أن يضطرب حبلكم و يضعف مسلككم و تختلفوا فيما بينكم فقد علمتم أن بني هاشم أولى بهذا الأمر منكم و أقرب إلى رسول الله ص و إن قلتم إن السابقة لنا فأهل بيت نبيكم أقدم منكم سابقة و أعظم غناء من صاحبهم و علي بن أبي طالب صاحب هذا الأمر من بعد نبيكم فأعطوه ما جعله الله له وَ لا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ. ثم قام سهل بن حنيف الأنصاري فقال يا أبا بكر لا تجحد حقا ما جعله الله لك و لا تكن أول من عصى رسول الله ص في أهل بيته و أد الحق إلى أهله يخفف ظهرك و يقل وزرك و تلقى رسول الله راضيا و لا تختص به نفسك فعما قليل ينقضي عنك ما أنت فيه ثم تصير إلى الملك الرحمن فيحاسبك بعملك و يسألك عما جئت له و ما الله بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ. ثم قام خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين فقال يا أبا بكر أ لست تعلم أن رسول الله ص قبل شهادتي وحدي و لم يرد معي غيري قال نعم قال فأشهد بالله أني سمعت رسول الله ص يقول علي إمامكم بعدي. قال و قام أبي بن كعب الأنصاري فقال أشهد أني سمعت رسول الله ص يقول أهل بيتي يفرقون بين الحق و الباطل و هم الأئمة الذين يقتدى بهم و قام أبو الهيثم بن التيهان فقال و أنا أشهد على نبينا محمد ص أنه أقام عليا لنسلم له فقال بعضهم ما أقامه إلا للخلافة و قال بعضهم ما أقامه إلا ليعلم الناس أنه مولى من كان رسول الله ص مولاه فتشاجروا في ذلك فبعثوا إلى رسول الله ص رجلا يسأله عن ذلك فقال رسول الله ص هو وليكم بعدي و أنصح الناس لكم بعد وفاتي و قام عثمان بن حنيف الأنصاري فقال سمعت رسول الله ص يقول أهل بيتي نجوم الأرض و نور الأرض فلا تقدموهم و قدموهم فهم الولاة بعدي فقام إليه رجل فقال يا رسول الله ص و أي أهل بيتك أولى بذلك فقال علي و ولده و قام أبو أيوب الأنصاري فقال اتقوا الله في أهل بيت نبيكم و ردوا إليهم حقهم الذي جعله الله لهم فقد سمعنا مثل ما سمع إخواننا في مقام بعد مقام لنبينا ص و مجلس بعد مجلس يقول أهل بيتي أئمتكم بعدي. قال فجلس أبو بكر في بيته ثلاثة أيام فأتاه عمر و عثمان و طلحة و عبد الرحمن بن عوف و سعد بن أبي وقاص و أبو عبيدة بن الجراح و سعيد بن عمرو بن نفيل فأتاه كل منهم متسلحا في قومه حتى أخرجوه من بيته ثم أصعدوه المنبر و قد سلوا سيوفهم فقال قائل منهم و الله لئن عاد أحد منكم بمثل ما تكلم به رعاع منكم بالأمس لنملأن سيوفنا منه فأحجم و الله القوم و كرهوا الموت.

أقول الرعاع الأحداث الأراذل. و اعلم أن الظاهر من سائر الأخبار عدم دخول الزبير في هؤلاء كما لم يدخل في رواية السيد فإنه كان في أول الأمر مع أمير المؤمنين صلوات الله عليه. ثم اعلم أن في روايته الصدوق اشتباها بينا حيث ذكر في الإجمال أبي بن كعب و لم يذكره في التفصيل و أورد في التفصيل زيد بن وهب و لم يورده في الإجمال مع أنه هو الراوي للخبر و ذكره بهذا الوجه بعيد و لعله وقع اشتباه من النساخ أو من الرواة و إن كان قوله عند الإجمال و غيرهم مما يومي إلى وجه بعيد لتصحيحه فلا تغفل

9-  فس، ]تفسير القمي[ أحمد بن إدريس عن أحمد بن محمد عن علي بن النعمان عن ابن مسكان عن ميسر عن أبي جعفر ع قال قلت ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ قال ذلك و الله يوم قالت الأنصار منا أمير و منكم أمير

10-  ختص، ]الإختصاص[ ير، ]بصائر الدرجات[ أحمد بن محمد عن علي بن الحكم عن ربيع بن محمد عن المسلي عن عبد الله بن سليمان عن أبي عبد الله ع قال لما أخرج بعلي ع ملببا وقف عند قبر النبي ص قال يا ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي قال فخرجت يد من قبر رسول الله ص يعرفون أنها يده و صوت يعرفون أنه صوته نحو أبي بكر يا هذا أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا

 قب، ]المناقب لابن شهرآشوب[ عن عبد الله مثله

11-  ير، ]بصائر الدرجات[ عبد الله محمد يرفعه بإسناد له إلى أبي عبد الله ع قال لما استخلف أبو بكر أقبل عمر على علي ع فقال أ ما علمت أن أبا بكر قد استخلف قال علي ع فمن جعله كذلك قال المسلمون رضوا بذلك فقال علي ع و الله لأسرع ما خالفوا رسول الله ص و نقضوا عهده و لقد سموه بغير اسمه و الله ما استخلفه رسول الله ص فقال عمر كذبت فعل الله بك و فعل فقال علي ع إن شئت أن أريك برهانا على ذلك فعلت فقال له عمر ما تزال تكذب على رسول الله ص في حياته و بعد موته فقال علي ع انطلق بنا لنعلم أينا الكذاب على رسول الله ص في حياته و بعد موته فانطلق معه حتى أتى إلى القبر فإذا كف فيها مكتوب أَ كَفَرْتَ يا عمر بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا فقال له علي ع أ رضيت و الله لقد جحدت الله في حياته و بعد وفاته

 ختص، ]الإختصاص[ ابن عيسى عن علي بن الحكم عن خالد القلانسي و محمد بن حماد عن الطيالسي عن أبيه عن أبي عبد الله ع مثله

12-  شف، ]كشف اليقين[ من أصل عتيق من رواية المخالفين بإسناده قال ثم قام بريدة الأسلمي فقال يا أبا بكر أ تناسيت أم تعاشيت أم خادعتك نفسك أ ما تذكر إذ أمرنا رسول الله فسلمنا على علي بإمرة المؤمنين و هو بين أظهرنا فاتق الله و تدارك نفسك قبل أن لا تدركها و أنقذها من هلكتها و ادفع هذا الأمر إلى من هو أحق به منك من أهله و لا تماد في اغتصابه و ارجع و أنت تستطيع أن ترجع فقد محضت نصيحتك و بذلت لك ما عندي ما إن فعلته وفقت و رشدت

13-  شف، ]كشف اليقين[ من أصل عتيق من رواية المخالفين بإسناده عن يحيى بن عبد الله بن الحسن عن أبيه عن جده عن علي ع قال لما خطب أبو بكر قام أبي بن كعب يوم جمعة و كان أول يوم من شهر رمضان فقال يا معشر المهاجرين الذين هاجروا و اتبعوا مرضاة الرحمن و أثنى الله عليهم في القرآن و يا معشر الأنصار الَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَ الْإِيمانَ و أثنى الله عليهم في القرآن تناسيتم أم نسيتم أم بدلتم أم غيرتم أم خذلتم أم عجزتم أ لستم تعلمون أن رسول الله قام فينا مقاما أقام ص لنا عليا فقال من كنت مولاه فعلي مولاه و من كنت نبيه فهذا أميره أ لستم تعلمون أن رسول الله قال يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى طاعتك واجبة على من بعدي أ و لستم تعلمون أن رسول الله ص قال أوصيكم بأهل بيتي خيرا فقدموهم و لا تتقدموهم و أمروهم و لا تأمروا عليهم أ و لستم تعلمون أن رسول الله قال أهل بيتي الأئمة من بعدي أ و لستم تعلمون أن رسول الله قال أهل بيتي منار الهدى و المدلون على الله أ و لستم تعلمون أن رسول الله قال يا علي أنت الهادي لمن ضل أ و لستم تعلمون أن رسول الله قال علي المحيي لسنتي و معلم أمتي و القائم بحجتي و خير من أخلف بعدي و سيد أهل بيتي و أحب الناس إلي طاعته من بعدي كطاعتي على أمتي أ و لستم تعلمون أن رسول الله لم يول على علي ع أحدا منكم و ولاه في كل غيبة عليكم أ و لستم تعلمون أنهما كانا منزلتهما واحدا و أمرهما واحدا أ و لستم تعلمون أنه قال إذا غبت عنكم و خلفت فيكم عليا فقد خلفت فيكم رجلا كنفسي أ و لستم تعلمون أن رسول الله جمعنا قبل موته في بيت ابنته فاطمة ع فقال لنا إن الله أوحى إلى موسى أن اتخذ أخا من أهلك أجعله نبيا و أجعل أهله لك ولدا و أطهرهم من الآفات و أخلعهم من الذنوب فاتخذ موسى هارون و ولده و كانوا أئمة بني إسرائيل من بعده و الذين يحل لهم في مساجدهم ما يحل لموسى ألا و إن الله تعالى أوحى إلي أن اتخذ عليا أخا كموسى اتخذ هارون أخا و اتخذه ولدا فقد طهرتهم كما طهرت ولد هارون ألا و إني ختمت بك النبيين فلا نبي بعدك فهم الأئمة أ فما تفقهون أ ما تبصرون أ ما تسمعون ضربت عليكم الشبهات فكان مثلكم كمثل رجل في سفر أصابه عطش شديد حتى خشي أن يهلك فلقي رجلا هاديا بالطريق فسأله عن الماء فقال أمامك عينان إحداهما مالحة و الأخرى عذبة فإن أصبت من المالحة ضللت و هلكت و إن أصبت من العذبة هديت و رويت فهذا مثلكم أيتها الأمة المهملة كما زعمتم و ايم الله ما أهملتم لقد نصب لكم علم يحل لكم الحلال و يحرم عليكم الحرام و لو أطعتموه ما اختلفتم و لا تدابرتم و لا تعللتم و لا بري‏ء بعضكم من بعض فو الله إنكم بعده لمختلفون في أحكامكم و إنكم بعده لناقضون عهد رسول الله ص و إنكم على عترته لمختلفون و متباغضون إن سئل هذا عن غير ما علم أفتى برأيه و إن سئل هذا عما يعلم أفتى برأيه فقد تحاريتم و زعمتم أن الاختلاف رحمة هيهات أبى كتاب الله ذلك عليكم يقول الله تبارك و تعالى وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَ اخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ و أخبرنا باختلافهم فقال وَ لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَ لِذلِكَ خَلَقَهُمْ أي للرحمة و هم آل محمد و شيعتهم و سمعت رسول الله ص يقول يا علي أنت و شيعتك على الفطرة و الناس منها براء فهلا قبلتم من نبيكم كيف و هو يخبركم بانتكاصكم و ينهاكم عن خلاف وصيه و أمينه و وزيره و أخيه و وليه أطهركم قلبا و أعلمكم علما و أقدمكم إسلاما و أعظمكم غناء عن رسول الله ص أعطاه تراثه و أوصاه بعداته و استخلفه على أمته و وضع عنده رأسه فهو وليه دونكم أجمعين و أحق به منكم أكتعين سيد الوصيين و أفضل المتقين و أطوع الأمة لرب العالمين و سلم عليه بخلافة المؤمنين في حياة سيد النبيين و خاتم المرسلين قد أعذر من أنذر و أدى النصيحة من وعظ و بصر من عمى و تعاشى و

 ردى فقد سمعتم كما سمعنا و رأيتم كما رأينا و شهدتم كما شهدنا فقال عبد الرحمن بن عوف و أبو عبيدة بن الجراح و معاذ بن جبل فقالوا اقعد يا أبي أصابك خبل أم أصابتك جنة فقال بل الخبل فيكم كنت عند رسول الله ص فألفيته يكلم رجلا و أسمع كلامه و لا أرى وجهه فقال فيما يخاطبه ما أنصحه لك و لأمتك و أعلمه بسنتك فقال رسول الله أ فترى أمتي تنقاد له من بعدي قال يا محمد يتبعه من أمتك أبرارها و يخالف عليه من أمتك فجارها و كذلك أوصياء النبيين من قبلك يا محمد إن موسى بن عمران أوصى إلى يوشع بن نون و كان أعلم بني إسرائيل و أخوفهم لله و أطوعهم له و أمره الله عز و جل أن يتخذه وصيا كما اتخذت عليا وصيا و كما أمرت بذلك فحسده بنو إسرائيل سبط موسى خاصة فلعنوه و شتموه و عنفوه و وضعوا منه فإن أخذت أمتك سنن بني إسرائيل كذبوا وصيك و جحدوا أمره و ابتزوا خلافته و غالطوه في علمه فقلت يا رسول الله من هذا فقال رسول الله ص هذا ملك من ملائكة ربي عز و جل ينبئني أن أمتي تختلف على وصيي علي بن أبي طالب و إني أوصيك يا أبي بوصية إن حفظتها لم تزل بخير يا أبي عليك بعلي فإنه الهادي المهدي الناصح لأمتي المحيي لسنتي و هو إمامكم بعدي فمن رضي بذلك لقيني على ما فارقته عليه يا أبي و من غير أو بدل لقيني ناكثا لبيعتي عاصيا أمري جاحدا لنبوتي لا أشفع له عند ربي و لا أسقيه من حوضي فقامت إليه رجال من الأنصار فقالوا اقعد رحمك الله يا أبي فقد أديت ما سمعت و وفيت بعهدك

 بيان الأعشى هو الذي لا يبصر بالليل يقال تعاشى إذا أرى من نفسه أنه أعشى و النكوص الإحجام و أكتعون و أبتعون و أبصعون أتباع لأجمعين لا يأتي مفردا على المشهور بين أهل اللغة. أقول وجدت الخبر هكذا ناقصا فأوردته كما وجدته

13-  شي، ]تفسير العياشي[ عن ميسر عن أبي جعفر ع في قوله وَ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها قال إن الأرض كانت فاسدة فأصلحه الله بنبيه فقال لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها

14-  شي، ]تفسير العياشي[ عن عمرو بن أبي المقدام عن أبيه عن جده قال ما أتى على علي ع يوم قط أعظم من يومين أتياه فأما أول يوم فيوم قبض رسول الله ص و أما اليوم الثاني فو الله إني لجالس في سقيفة بني ساعدة عن يمين أبي بكر و الناس يبايعونه إذ قال له عمر يا هذا ليس في يديك شي‏ء منه ما لم يبايعك علي فابعث إليه حتى يأتيك فيبايعك فإنما هؤلاء رعاع فبعث إليه قنفذا فقال له اذهب فقل لعلي أجب خليفة رسول الله ص فذهب قنفذ فما لبث أن رجع فقال لأبي بكر قال لك ما خلف رسول الله ص أحدا غيري قال ارجع إليه فقل أجب فإن الناس قد أجمعوا على بيعتهم إياه و هؤلاء المهاجرون و الأنصار يبايعونه و قريش و إنما أنت رجل من المسلمين لك ما لهم و عليك ما عليهم و ذهب إليه قنفذ فما لبث أن رجع فقال قال لك إن رسول الله ص قال لي و أوصاني إذا واريته في حفرته أن لا أخرج من بيتي حتى أؤلف كتاب الله فإنه في جرائد النخل و في أكتاف الإبل قال قال عمر قوموا بنا إليه فقام أبو بكر و عمر و عثمان و خالد بن الوليد و المغيرة بن شعبة و أبو عبيدة بن الجراح و سالم مولى أبي حذيفة و قنفذ و قمت معهم فلما انتهينا إلى الباب فرأتهم فاطمة صلوات الله عليها أغلقت الباب في وجوههم و هي لا تشك أن لا يدخل عليها إلا بإذنها فضرب عمر الباب برجله فكسره و كان من سعف ثم دخلوا فأخرجوا عليا ع ملببا فخرجت فاطمة ع فقالت يا أبا بكر أ تريد أن ترملني من زوجي و الله لئن لم تكف عنه لأنشرن شعري و لأشقن جيبي و لآتين قبر أبي و لأصيحن إلى ربي فأخذت بيد الحسن و الحسين ع و خرجت تريد قبر النبي ص فقال علي ع لسلمان أدرك ابنة محمد فإني أرى جنبتي المدينة تكفئان و الله إن نشرت شعرها و شقت جيبها و أتت قبر أبيها و صاحت إلى ربها لا يناظر بالمدينة أن يخسف بها و بمن فيها فأدركها سلمان رضي الله عنه فقال يا بنت محمد إن الله بعث أباك رحمة فارجعي فقالت يا سلمان يريدون قتل علي ما علي صبر فدعني حتى آتي قبر أبي فأنشر شعري و أشق جيبي و أصيح إلى ربي فقال سلمان إني أخاف أن يخسف بالمدينة و علي بعثني إليك يأمرك أن ترجعي له إلى بيتك و تنصرفي فقالت إذا أرجع و أصبر و أسمع له و أطيع قال فأخرجوه من منزله ملببا و مروا به على قبر النبي ص قال فسمعته يقول يا ابن أم إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي و جلس أبو بكر في سقيفة بني ساعدة و قدم علي ع فقال له عمر بايع فقال له علي ع فإن أنا لم أفعل فمه فقال له عمر إذا أضرب و الله عنقك فقال له علي إذا و الله أكون عبد الله المقتول و أخا رسول الله ص فقال عمر أما عبد الله المقتول فنعم و أما أخو رسول الله ص فلا حتى قالها ثلاثا فبلغ ذلك العباس بن عبد المطلب فأقبل مسرعا يهرول فسمعته يقول ارفقوا بابن أخي و لكم علي أن يبايعكم فأقبل العباس و أخذ بيد علي ع فمسحها على يد أبي بكر ثم خلوه مغضبا فسمعته يقول و رفع رأسه إلى السماء اللهم إنك تعلم أن النبي ص قد قال لي إن تموا عشرين فجاهدهم و هو قولك لي كتابك إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ قال و سمعته يقول اللهم و إنهم لم يتموا عشرين حتى قالها ثلاثا ثم انصرف

15-  ختص، ]الإختصاص[ أخبرني عبيد الله عن أحمد بن علي بن الحسن بن شاذان عن محمد بن علي بن الفضل بن عامر عن الحسين بن محمد بن الفرزدق عن محمد بن علي بن عمرويه الوراق عن أبي محمد الحسن بن موسى عن عمرو بن أبي المقدام مثله و زاد بعد قوله فأخرجوه من منزله ملببا قال و أقبل الزبير مخترطا سيفه و هو يقول يا معشر بني عبد المطلب أ يفعل هذا بعلي ع و أنتم أحياء و شد على عمر ليضربه بالسيف فرماه خالد بن الوليد بصخرة فأصابت قفاه و سقط السيف من يده فأخذه عمر و ضربه على صخرة فانكسر و مر علي على قبر النبي ص فقال يا ابن أم إلى آخر الخبر

 بيان قولها ع أن ترملني ليس فيما عندنا من كتب اللغة أرمل أو رمل متعديا بل قالوا الأرملة المرأة التي ليس لها زوج يقال أرملت و رملت قوله تكفئان بصيغة المجهول من باب الإفعال أو كمنع أو المعلوم من باب التفعل بحذف إحدى التاءين أي تتحركان و تنقلبان و تضطربان يقال كفأت الإناء و أكفأته أي قلبته قوله ع يا ابن أم إنما قال ع ذلك للمواخاة الروحانية التي جددت يوم المؤاخاة فكأنه ابن أمه مع أنه لا يبعد استعارة الأم للطينة المقدسة التي أخذا منها أو لأن فاطمة بنت أسد ربته ص فكانت أما مربية و لذا قال ص حين أخبره أمير المؤمنين بموتها و قال ماتت أمي بل أمي أو أنه ع قرأ الآية إشارة إلى مشابهة الواقعتين و الأوسط أظهر

16-  شي، ]تفسير العياشي[ عن بعض أصحابنا عن أحدهما قال إن الله قضى الاختلاف على خلقه و كان أمرا قد قضاه في علمه كما قضى على الأمم من قبلكم و هي السنن و الأمثال يجري على الناس فجرت علينا كما جرت على الذين من قبلنا و قول الله حق قال الله تبارك و تعالى لمحمد ص سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَ لا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا و قال فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا و قال فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ و قال ع لا تبديل لقول الله و قد قضى الله على موسى ع و هو مع قومه يريهم الآيات و النذر ثم مروا على قوم يعبدون أصناما قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ فاستخلف موسى هارون فنصبوا عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَ إِلهُ مُوسى و تركوا هارون فقال يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَ إِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَ أَطِيعُوا أَمْرِي قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى فضرب لكم أمثالهم و بين لكم كيف صنع بهم و قال إن نبي الله ص لم يقبض حتى أعلم الناس أمر علي ع فقال من كنت مولاه فعلي مولاه و قال إنه مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي و كان صاحب راية رسول الله ص في المواطن كلها و كان معه في المسجد يدخله على كل حال و كان أول الناس إيمانا به فلما قبض نبي الله ص كان الذي كان لما قد قضى من الاختلاف و عمد عمر فبايع أبا بكر و لم يدفن رسول الله ص بعد فلما رأى ذلك علي ع و رأى الناس قد بايعوا أبا بكر خشي أن يفتتن الناس ففرغ إلى كتاب الله و أخذ يجمعه في مصحف فأرسل أبو بكر إليه أن تعال فبايع فقال علي ع لا أخرج حتى أجمع القرآن فأرسل إليه مرة أخرى فقال لا أخرج حتى أفرغ فأرسل إليه الثالثة عمر رجلا يقال له قنفذ فقامت فاطمة بنت رسول الله صلوات الله عليها تحول بينه و بين علي ع فضربها فانطلق قنفذ و ليس معه علي فخشي أن يجمع على الناس فأمر بحطب فجعل حوالي بيته ثم انطلق عمر بنار فأراد أن يحرق على علي بيته و على فاطمة و الحسن و الحسين صلوات الله عليهم فلما رأى ع ذلك خرج فبايع كارها غير طائع

17-  جا، ]المجالس للمفيد[ الجعابي عن العباس بن المغيرة عن أحمد بن منصور عن سعيد بن عفير عن ابن لهيعة عن خالد بن يزيد عن ابن أبي هلال عن مروان بن عثمان قال لما بايع الناس أبا بكر دخل علي ع و الزبير و المقداد بيت فاطمة ع و أبوا أن يخرجوا فقال عمر بن الخطاب أضرموا عليهم البيت نارا فخرج الزبير و معه سيفه فقال أبو بكر عليكم بالكلب فقصدوا نحوه فزلت قدمه و سقط على الأرض و وقع السيف من يده فقال أبو بكر اضربوا به الحجر فضرب به الحجر حتى انكسر و خرج علي بن أبي طالب ع نحو العالية فلقيه ثابت بن قيس بن شماس فقال ما شأنك يا أبا الحسن فقال أرادوا أن يحرقوا علي بيتي و أبو بكر على المنبر يبايع له لا يدفع عن ذلك و لا ينكر فقال له ثابت و لا تفارق كفي يدك أبدا حتى أقتل دونك فانطلقا جميعا حتى عاد إلى المدينة و فاطمة ع واقفة على بابها و قد خلت دارها من أحد من القوم و هي تقول لا عهد لي بقوم أسوأ محضرا منكم تركتم رسول الله ص جنازة بين أيدينا و قطعتم أمركم بينكم لم تستأمرونا و صنعتم بنا ما صنعتم و لم تروا لنا حقا

18-  جا، ]المجالس للمفيد[ الكاتب عن الزعفراني عن الثقفي عن أبي إسماعيل العطار عن ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير قال لما بايع الناس أبا بكر خرجت فاطمة بنت محمد ص فوقفت على بابها و قالت ما رأيت كاليوم قط حضروا أسوأ محضر و تركوا نبيهم ص جنازة بين أظهرنا و استبدوا بالأمر دوننا

19-  قب، ]المناقب لابن شهرآشوب[ فضائل السمعاني و أبي السعادات و تاريخ الخطيب و اللفظ للسمعاني قال أسامة بن زيد جاء الحسن بن علي ع إلى أبي بكر و هو على منبر رسول الله ص فقال انزل عن مجلس أبي قال صدقت إنه مجلس أبيك ثم أجلسه في حجره و بكى فقال علي ع و الله ما كان هذا عن أمري فقال صدقتك و الله ما اتهمتك

 و في رواية الخطيب أنه قال الحسين ع قلت لعمر انزل عن منبر أبي و اذهب إلى منبر أبيك فقال عمر لم يكن لأبي منبر و أخذني و أجلسني معه ثم سألني من علمك هذا فقلت و الله ما علمني أحد

  -20  مأخوذ من مناقب ابن الجوزي، خطبة خطب بها أمير المؤمنين ع بعد وفاة رسول الله ص روى مجاهد عن ابن عباس قال لما دفن رسول الله ص جاء العباس و أبو سفيان بن حرب و نفر من بني هاشم إلى أمير المؤمنين ع فقالوا مد يدك نبايعك و هذا اليوم الذي قال فيه أبو سفيان إن شئت ملأتها خيلا و رجلا و حرضوه فامتنع و قال له العباس أنت و الله بعد أيام عبد العصا فخطب و قال أيها الناس شقوا أمواج الفتن بسفن النجاة و عرجوا عن طريق المنافرة و ضعوا تيجان المفاخرة فقد فاز من نهض بجناح أو استسلم فارتاح ماء آجن و لقمة يغص بها آكلها أجدر بالعاقل من لقمة تخشى بزنبور و من شربة تلذ بها شاربها مع ترك النظر في عواقب الأمور فإن أقل يقولوا حرص على الملك و إن أسكت يقولوا جزع من الموت هيهات هيهات بعد اللتيا و التي و الله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه و من الرجل بأخيه و عمه و لقد اندمجت على علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوي البعيدة و ذكر كلاما كثيرا

 بيان هذا الكلام أورده السيد رضي الله عنه في نهج البلاغة بأدنى تغيير و قال ابن ميثم رحمه الله سبب هذا الكلام ما روي أنه لما تم في السقيفة أمر البيعة لأبي بكر أراد أبو سفيان أن يوقع الحرب بين المسلمين فمضى إلى العباس فقال له إن هؤلاء ذهبوا بهذا الأمر من بني هاشم و إنه ليحكم فينا غدا هذا الفظ الغليظ من بني عدي فقم بنا إلى علي ع حتى نبايعه بالخلافة و أنت عم رسول الله ص و أنا رجل مقبول القول في قريش فإن دافعونا قاتلناهم و قتلناهم فأتيا أمير المؤمنين ع فأجابهم صلوات الله عليه بهذا الكلام. قوله ع شقوا أي أخرجوا من بين أمواج الفتن بما يوجب النجاة منها من المصالح الواقعية لا بما يورث تكثير الفتنة فشبه الفتن بالأمواج و السفن بما يوجب النجاة منها و قيل أريد بالسفن هنا أهل البيت ع و متابعتهم كما قال ص مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح قوله و عرجوا التعريج على الشي‏ء الإقامة عليه و عن الشي‏ء تركه و المراد بوضع تيجان المفاخرة ترك لبسها كناية عن ترك التعظم و التكبر و التوجه إلى ما هو صلاح الدين و المسلمين قوله فقد فاز في النهج أفلح من نهض بجناح أو استسلم فأراح و قال ابن أبي الحديد استعار النهوض بالجناح للاعتزال أي نفض يديه كطائر ينهض بجناحيه و اعتزل عن الناس و ساح في الأرض أو فارق الدنيا و مات و لو بقي فيهم ترك المنازعة و لا يخفى بعدهما بل الأظهر في الروايتين أن المعنى فاز من قام بطلب الحق إذا تهيأت أسبابه أو انقاد لما يجري عليه مع فقدها. و بعد ذلك في النهج ماء آجن و لقمة يغص بها آكلها و مجتني الثمرة لغير وقت إيناعها كالزارع بغير أرضه فعلى رواية ابن الجوزي الغرض ظاهر أي الصبر على الشدة و المذلة أولا مع حسن العاقبة أحسن من ارتكاب أمر يوجب اشتداد البلية و سوء العاقبة و على الرواية الأخرى الأظهر أنه يعود إلى هذا المعنى أي ما تدعوني إليه و تحملوني عليه ماء آجن أي متغير الطعم و الرائحة و لقمة يغص بفتح الغين أي ينشب في حلق آكلها و لا يمكنه إساغتها. و ذهب شارحوا النهج إلى أن المعنى أن الخلافة و الإمارة مطلقا كالماء و اللقمة تستتبع المتاعب و المشاق في الدنيا أو عاجلا لو كان حقا و عاجلا و آجلا مع بطلانها و قيل إشارة إلى ما انعقد في السقيفة و اجتنى الثمرة قطفها أي من اجتنى ثمرة في غير وقته لا ينتفع بها كزارع أرض لا يقدر على الإقامة فيها أو يخرجه عنها مالكها و لعله ع شبه طلبه في هذا الوقت بمن يجتني ثمرته مع عدم إيناعها و شبه اختيار الملعون الخلافة بمن زرع في غير أرضه فيفيد ما تقدم مع كمال التشبيه في الفقرتين. و اللتيا بفتح اللام و تشديد الياء تصغير التي و جوز الضم أيضا و اللتيا و التي من أسماء الداهية فاللتيا للصغيرة و التي للكبير قيل تزوج رجل امرأة قصيره سيئة الخلق فقاسى منها شدائد ثم طلقها و تزوج طويلة فقاسى منها أضعاف القصيرة فطلقها و قال بعد اللتيا و التي لا أتزوج أبدا فصار مثلا فالمعنى ما أبعد ظن جزع الموت في حقي بد ما ارتكبته من الشدائد و ليس قوله و من الرجل بأخيه و عمه في النهج و الاندماج الانطواء و باح بالشي‏ء أعلنه و أظهره

  و الأرشية جمع الرشاء بالكسر و المد و هو الحبل و الطوي بفتح الطاء و كسر الواو و تشديد الياء البئر المطوية

21-  كش، ]رجال الكشي[ محمد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان عن ابن أبي عمير عن وهب بن حفص عن أبي بصير عن أبي جعفر ع قال جاء المهاجرون و الأنصار و غيرهم بعد ذلك إلى علي ع فقالوا له أنت و الله أمير المؤمنين و أنت و الله أحق الناس و أولاهم بالنبي ص هلم يدك نبايعك فو الله لنموتن قدامك فقال علي ع إن كنتم صادقين فاغدوا علي غدا محلقين فحلق أمير المؤمنين ع و حلق سلمان و حلق مقداد و حلق أبو ذر و لم يحلق غيرهم ثم انصرفوا فجاءوا مرة أخرى بعد ذلك فقالوا له أنت و الله أمير المؤمنين و أنت أحق الناس و أولاهم بالنبي ص هلم يدك نبايعك و حلفوا فقال إن كنتم صادقين فاغدوا علي محلقين فما حلق إلا هؤلاء الثلاثة قلت فما كان فيهم عمار فقال لا قلت فعمار من أهل الردة فقال إن عمارا قد قاتل مع علي ع بعد

 قب، ]المناقب لابن شهرآشوب[ أبو بصير عنه ع مثله

22-  كش، ]رجال الكشي[ أبو الحسن و أبو إسحاق حمدويه و إبراهيم ابنا نصير قالا حدثنا محمد بن عثمان عن حنان بن سدير عن أبيه عن أبي جعفر ع قال كان الناس أهل ردة بعد النبي ص إلا ثلاثة فقلت و من الثلاثة فقال المقداد بن الأسود و أبو ذر الغفاري و سلمان الفارسي ثم عرف الناس بعد يسير و قال هؤلاء الذين دارت عليهم الرحى و أبوا أن يبايعوا حتى جاءوا بأمير المؤمنين ع مكرها فبايع و ذلك قول الله عز و جل وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ الآية

 كا، ]الكافي[ علي عن أبيه عن حنان مثله بيان قوله ع بعد يسير يمكن أن يقرأ بعد بالفتح و الضم و يسير بالرفع و الجر فلا تغفل و دوران الرحى كناية عن قرار الإيمان و الإسلام و فائدة نصب الإمام أو بقاء النظام و عدم نزول العذاب عليهم

23-  كش، ]رجال الكشي[ علي بن محمد عن القتيبي عن جعفر بن محمد الرازي عن عمرو بن عثمان عن رجل عن أبي حمزة قال سمعت أبا جعفر ع يقول لما مروا بأمير المؤمنين ع و في رقبته حبل إلى زريق ضرب أبو ذر بيده على الأخرى فقال ليت السيوف قد عادت بأيدينا ثانية و قال مقداد لو شاء لدعا عليه ربه عز و جل و قال سلمان مولاي أعلم بما هو فيه

 بيان لعله عبر عن ]الأول[ بزريق تشبيها له بطائر يسمى بذلك في بعض أخلاقه الردية أو لأن الزرقة مما يتشاءم به العرب أو من الزرق بمعنى العمى و في القرآن يَوْمَئِذٍ زُرْقاً. و في بعض النسخ آل زريق بإضافة الحبل إليه و بنو زريق خلق من الأنصار و هذا و إن كان هنا أوفق لكن التعبير عن أحد الملعونين بهذه الكناية كثير في الأخبار كما مر و سيأتي

  -24  كش، ]رجال الكشي[ محمد بن مسعود عن علي بن فضال عن العباس بن عامر و جعفر بن محمد بن حكيم عن أبان بن عثمان عن الحارث بن المغيرة قال سمعت عبد الملك بن أعين يسأل أبا عبد الله ع فلم يزل يسأله حتى قال له فهلك الناس إذا قال إي و الله يا ابن أعين هلك الناس أجمعون قلت من في الشرق و من في الغرب قال فقال إنها فتحت على الضلال إي و الله هلكوا إلا ثلاثة ثم لحق أبو ساسان و عمار و شتيرة و أبو عمرة فصاروا سبعة

25-  كش، ]رجال الكشي[ محمد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان عن ابن أبي عمير عن إبراهيم بن عبد الحميد عن أبي بصير قال قلت لأبي عبد الله ع ارتد الناس إلا ثلاثة أبو ذر و سلمان و المقداد قال فقال أبو عبد الله ع فأين أبو ساسان و أبو عمرة الأنصاري

 بيان أي هذان لم يستمرا على الردة أو لم يصدر منهما غير الشك

  -26  كش، ]رجال الكشي[ علي بن الحكم عن ابن عميرة عن أبي بكر الحضرمي قال قال أبو جعفر ع ارتد الناس إلا ثلاثة نفر سلمان و أبو ذر و المقداد قال قلت فعمار قال قد كان حاص حيصة ثم رجع قال إن أردت الذي لم يشك و لم يدخله شي‏ء فالمقداد فأما سلمان فإنه عرض في قلبه عارض أن عند أمير المؤمنين ع اسم الله الأعظم و لو تكلم به لأخذتهم الأرض و هو هكذا فلبب و وجأت عنقه حتى تركت كالسلعة فمر به أمير المؤمنين ع فقال له يا أبا عبد الله هذا من ذلك بايع فبايع و أما أبو ذر فأمره أمير المؤمنين ع بالسكوت و لم يكن يأخذه في الله لومة لائم فأبى إلا أن يتكلم فمر به عثمان فأمر به ثم أناب الناس بعد و كان أول من أناب أبو ساسان الأنصاري و أبو عمرة و شتيرة و كانوا سبعة فلم يكن يعرف حق أمير المؤمنين ع إلا هؤلاء السبعة

 بيان قوله حاص في أكثر النسخ بالمهملتين يقال حاص عنه يحيص حيصا و حيصة أي عدل و حاد و في بعض النسخ بالجيم و الصاد المهملة بهذا المعنى و في بعضها بالمعجمتين بهذا المعنى أيضا و قال الفيروزآبادي السلعة بالكسر كالغدة في الجسد و يفتح و يحرك و كعنبة أو خراج في العنق أو غدة فيها قوله فمر به عثمان فأمر به أي فتكلم أو هو يتكلم في شأنه فأمر به فأخرج من المدينة. ثم اعلم أنه رواه في الإختصاص عن علي بن الحسين بن يوسف عن ابن الوليد عن الصفار عن محمد بن إسماعيل عن علي بن الحكم مثله و فيه أن عند ذا يعني أمير المؤمنين ع و فيه فمر به من عثمان ما مر به و فيه و أبو عمرة و فلان حتى عقد سبعة

27-  كا، ]الكافي[ في الروضة، محمد بن علي بن معمر عن محمد بن علي عن عبد الله بن أيوب الأشعري عن أبي عمرو الأوزاعي عن عمرو بن شمر عن سلمة بن كهيل عن أبي الهيثم بن التيهان أن أمير المؤمنين ع خطب الناس بالمدينة فقال الحمد لله الذي لا إله إلا هو كان حيا بلا كيف و لم يكن له كان و لا كان لكانه كيف و لا كان له أين و لا كان في شي‏ء و لا كان على شي‏ء و لا ابتدع لكانه مكانا و لا قوي بعد ما كون شيئا و لا كان ضعيفا قبل أن يكون شيئا و لا كان مستوحشا قبل أن يبتدع شيئا و لا يشبه شيئا و لا كان خلوا من الملك قبل إنشائه و لا يكون خلوا منه بعد ذهابه كان إلها حيا بلا حياة و مالكا قبل أن ينشأ شيئا و مالكا بعد إنشائه للكون و ليس يكون لله كيف و لا أين و لا حد يعرف و لا شي‏ء يشبهه و لا يهرم لطول بقائه و لا يضعف لذعرة و لا يخاف كما يخاف خليقته من شي‏ء و لكن سميع بغير سمع و بصير بغير بصر و قوي بغير قوة من خلقه لا تدركه حدق الناظرين و لا يحيط بسمعه سمع السامعين إذا أراد شيئا كان بلا مشورة و لا مظاهرة و لا مخابرة و لا يسأل أحدا عن شي‏ء من خلقه أراده لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمدا عبده و رسوله أرسله بِالْهُدى وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ فبلغ الرسالة و أنهج الدلالة ص أيها الأمة التي خدعت فانخدعت و عرفت خديعة من خدعها فأصرت على ما عرفت و اتبعت أهواءها و ضربت في عشواء غوائها و قد استبان لها الحق فصدعت عنه و الطريق الواضح فتنكبته أما و الذي فلق الحبة و برأ النسمة لو اقتبستم العلم من معدنه و شربتم الماء بعذوبته و ادخرتم الخير من موضعه و أخذتم من الطريق واضحه و سلكتم من الحق نهجه لنهجت بكم السبل و بدت لكم الأعلام و أضاء لكم الإسلام فأكلتم رغدا و ما عال فيكم عائل و لا ظلم منكم مسلم و لا معاهد و لكن سلكتم سبيل الظلام فأظلمت عليكم دنياكم برحبها و سدت عليكم أبواب العلم فقلتم بأهوائكم و اختلفتم في دينكم فأفتيتم في دين الله بغير علم و اتبعتم الغواة فأغوتكم و تركتم الأئمة فتركوكم فأصبحتم تحكمون بأهوائكم إذا ذكر الأمر سألتم أهل الذكر فإذا أفتوكم قلتم هو العلم بعينه فكيف و قد تركتموه و نبذتموه و خالفتموه رويدا عما قليل تحصدون جميع ما زرعتم و تجدون وخيم ما اجترمتم و ما اجتلبتم و الذي فلق الحبة و برأ النسمة لقد علمتم أني صاحبكم و الذي به أمرتم و إني عالمكم و الذي بعلمه نجاتكم و وصي نبيكم ص و خيرة ربكم و لسان نوركم و العالم بما يصلحكم فعن قليل رويدا ينزل بكم ما وعدتم و ما نزل بالأمم قبلكم و سيسألكم الله عز و جل عن أئمتكم معهم تحشرون و إلى الله عز و جل غدا تصيرون أما و الله لو كان لي عدة أصحاب طالوت أو عدة أهل بدر و هم أعداؤكم لضربتكم بالسيف حتى تئولوا إلى الحق و تنيبوا للصدق فكان أرتق للفتق و آخذ بالرفق اللهم فاحكم بيننا بالحق و أنت خير الحاكمين قال ثم خرج من المسجد فمر بصيرة فيها نحو من ثلاثين شاة فقال و الله لو أن لي رجالا ينصحون لله عز و جل و لرسول الله ص بعدد هذه الشياه لأزلت ابن آكلة الذبان عن ملكه قال فلما أمسى بايعه ثلاثمائة و ستون رجلا على الموت فقال أمير المؤمنين ع اغدوا بنا إلى أحجار الزيت محلقين و حلق أمير المؤمنين ع فما وافى من القوم محلقا إلا أبو ذر و المقداد و حذيفة بن اليمان و عمار بن ياسر و جاء سلمان في آخر القوم فرفع يديه إلى السماء فقال اللهم إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي كما استضعف بنو إسرائيل هارون اللهم ف إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَ ما نُعْلِنُ و ما يخفى عليك شي‏ء في الأرض و لا في السماء تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَ أَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ

 أما و البيت و المفضي إلى البيت و في النسخة و المزدلفة و الخفاف إلى التجمير لو لا عهد عهده إلي النبي ص لأوردت المخالفين خليج المنية و لأرسلت عليهم شآبيب صواعق الموت و عن قليل سيعلمون

تبيين

كان حيا بلا كيف أي بلا حياة زائدة يتكيف بها و لا كيفية من الكيفيات التي تتبع الحياة في المخلوقين بل حياته علمه و قدرته و هما غير زائدتين على ذاته و لم يكن له كان الظاهر أن كان اسم لم يكن فنفى ع ما يوهمه لفظ كان من الزمانية أو الحدوث و لا كان لكانه كيف يحتمل أن يكون المراد لكونه و يكون القلب على لغة بني الحارث بن كعب حيث جوز قلب الواو و الياء الساكنين أيضا مع انفتاح ما قبلهما ألفا أي ليس له وجود زائد يتكيف به الذات أو ليس وجوده كوجود الممكنات مقرونا بالكيفيات و قد مر في رواية أخرى لمكانه مكانا و يحتمل أن يكون من الأفعال الناقصة أي ليس بزماني أو ليس وجوده مقرونا بالكيفيات المتغيرة الزائدة و إدخال اللام و الإضافة بتأويل الجملة مفردا أي هذا اللفظ كقولك لزيد قائم معنى و لا كان له أين أي مكان و لا كان في شي‏ء أي لا كون الجزئي في الكلي و لا كون الجزء في الكل و لا كون الحال في المحل و لا كون المتمكن في المكان و لا كان على شي‏ء هو نفي المكان العرفي كالسرير مثلا و لا ابتدع لكانه في الرواية المتقدمة لمكانه و لا كان خلوا من الملك قبل إنشائه الملك بالضم و الكسر يكون بمعنى السلطنة و المالكية و العظمة و بمعنى ما يملك و الضم في الأول أشهر فيحتمل أن يكون المراد عند ذكره و عند إرجاع الضمير إليه معا هو الأول و يمكن إرادة الأول عند الذكر و الثاني عند الإرجاع على الاستخدام و يمكن إرجاع الضمير إليه تعالى لتكون الإضافة إلى الفاعل لكنه لا يلائم ما بعدها و الحاصل على التقادير أن سلطنته تعالى ليس بخلق الأشياء لغناه عنها بل بقدرته على خلقها و خلق أضعافها و هي لا تنفك عنه تعالى و فيه رد على القائلين بالقدم و دلالة هذه الفقرات على الحدوث ظاهرة بلا حياة أي زائدة بل بذاته و لا حد أي من الحدود الجسمية يوصف و يعرف بها أو من الحدود العقلية المركبة من الجنس و الفصل ليعرف به إذ كنه الأشياء يعرف بحدودها كما هو المشهور ففيه استدلال على عدم إمكان معرفة كنهه تعالى و الأول أظهر. و لا يضعف و في بعض النسخ و لا يصعق قال الجوهري صعق الرجل أي غشي عليه و الذعر بالضم الخوف و بالتحريك الدهش بغير قوة من خلقه أي بأن يتقوى بمخلوقاته كما يتقوى الملوك بجيوشهم و خزائنهم و بغير قوة زائدة قائمة به و هذه القوة تكون مخلوقة له فيكون محتاجا إلى مخلوق ممكن و هو ينافي وجوب الوجود حدق الناظرين قال الجوهري حدقة العين سوادها الأعظم و الجمع حدق و حداق و لا يحيط بسمعه كأنه مصدر مضاف إلى المفعول و المعنى أنه تعالى ليس من المسموعات كما أن الفقرة السابقة دلت على أنه ليس من المبصرات و يمكن أن يراد أنه لا يحيط سمع جميع السامعين بمسموعاته و لا مظاهرة أي معاونة و لا مخابرة المخابرة في اللغة المزارعة على النصف و لعل المراد نفي المشاركة أي لم يشاركه أحد في الخلق و يحتمل أن يكون مشتقا من الخبر بمعنى العلم أو الاختبار. أرسله بِالْهُدى أي بالحجج و البينات و الدلائل و البراهين وَ دِينِ الْحَقِّ و هو الإسلام و ما تضمنه من الشرائع لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ الضمير في ليظهره للدين الحق أي ليعلي دين الإسلام على جميع الأديان بالحجة و الغلبة و القهر

 لها و للرسول أي يجعله غالبا على جميع أهل الأديان و قد مر في الأخبار الكثيرة أنه يكون تمام هذا الوعد عند قيام القائم ع و أنهج الدلالة أي أوضحها و ضربت في عشواء غوائها و في بعض النسخ غوايتها و هو أصوب و الضرب في الأرض السير فيها و العشواء بالفتح ممدود الظلمة و الناقة التي لا تبصر أمامها فهي تخبط بيديها كل شي‏ء و ركب فلان العشواء إذا خبط في أمره و يقال أيضا خبط خبط عشواء و ظاهر أن المراد هنا الظلمة أي صارت الأمة في ظلمة غوايتها و ضلالتها و إن كان بالمعنى الثاني فيحتمل أن يكون في بمعنى على أي سارت راكبة على عشواء غوايتها فصدعت في بعض النسخ فصدت و الصد المنع و يقال صدع عنه أي صرفه فلق الحبة أي شقها و أخرج منها أنواع النبات و برأ النسمة أي خلق ذوات الأرواح و التخصيص بهذين لأنهما عمدة المخلوقات المحسوسة المشاهدة و يظهر آثار الصنع فيهما أكثر منها في غيرهما. لو اقتبستم العلم من معدنه يقال اقتبست النار و العلم أي استفدته و شربتم الماء بعذوبته شبه العلم و الإيمان بالماء لكونهما سببين للحياة المعنوية و عذوبته كناية عن خلوصه عن التحريفات و البدع و الجهالات و سلكتم من الحق نهجه قال الفيروزآبادي النهج الطريق الواضح كالنهج و المنهاج و أنهج وضح و أوضح و نهج كمنع وضح و أوضح و الطريق سلكه و استنهج الطريق صار نهجا كأنهج و في بعض النسخ لنهجت بكم السبل أي وضحت بكم أو بسببكم أي كنتم هداة للخلق و في بعضها لتنهجت و هو قريب مما سبق أي اتضحت و في بعضها لابتهجت و الابتهاج السرور أي كانت سبل الحق راضية عنكم مسرورة بكم حيث سلكتموها حق سلوكها و أضاء يتعدى و لا يتعدى و كلاهما مناسب. فأكلتم رغدا قال الجوهري عيشة رغد أي واسعة طيبة و ما عال يقال عال يعيل عيلة و عيولا إذا افتقر و لا معاهد بفتح الهاء أي من هو في عهد و أمان كأهل الذمة دنياكم برحبها دنياكم فاعل أظلمت و الرحب بالضم السعة أي مع سعتها فكيف و قد تركتموه أي كيف ينفعكم هذا الإقرار و الإذعان و قد تركتم متابعة قائله أو كيف تقولون هذا مع أنه مخالف لأفعالكم و الضمائر إما راجعة إلى الإمام أو إلى علمه رويدا أي مهلا عما قليل أي بعد زمان قليل و ما زائدة لتوكيد معنى القلة أو نكرة موصوفة وخيم ما اجترمتم قال في النهاية يقال هذا الأمر وخيم العاقبة أي ثقيل ردئ و الاجترام اكتساب الجرم و الذنب و الاجتلاب جلب الشي‏ء إلى النفس و في بعض النسخ اجتنيتم من اجتناء الثمرة أو بمعنى كسب الجرم و الجناية و الأخير أنسب لكنه لم يرد في اللغة صاحبكم أي إمامكم و الذي به أمرتم أي بمتابعته و خيرة ربكم بكسر الخاء و فتح الياء و سكونها أي مختاره من بين سائر الخلق بعد النبي ص و لسان نوركم المراد بالنور إما الرسول أو الهداية و العلم أو نور الأنوار تعالى شأنه. عدة أصحاب طالوت أي الذين لم يشربوا الماء و حضروا لجهاد جالوت و قد مر مرويا عن الصادق ع أنهم كانوا ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا عدة أهل بدر فكلمة أو بمعنى الواو أو للتفسير و هم أعداؤكم أي لم يكونوا مثلكم منافقين بل كانوا ناصرين للحق محبين له معاندين لكم لكفركم و في بعض النسخ و هم أعدادكم و لم أعرف له معنى و لعله كان أعدادهم أي أصحاب بدر كانوا بعدد أصحاب طالوت و إنما كررت للتوضيح فصحف حتى تئولوا أي ترجعوا و لتنيبوا من الإنابة و هي الرجوع و في بعض النسخ و تنبئوا على البناء للمفعول أي تخبروا بالصدق و تذعنوا به فكان أرتق للفتق الفتق الشق و الرتق ضده أي كان يسد الخلال و الفرج التي حدثت في الدين و كان الأخذ بالرفق و اللطف للناس أكثر فمر بصيرة الصيرة بالكسر حظيرة الغنم لأزلت ابن آكلة الذباب و في بعض النسخ الذبان بكسر الذال و تشديد الباء جمع الذباب و المراد به أبو بكر و لعله إشارة إلى واقعة كان اشتهر بها و يحتمل أن يكون كناية عن دناءة أصله و رداءة نسبه و حسبه على الموت أي على أن يلتزموا الموت و يقتلوا في نصره و قال الفيروزآبادي أحجار الزيت موضع بالمدينة.

 أما و البيت و المفضي إلى البيت قال الجوهري الفضاء الساحة و ما اتسع من الأرض يقال أفضيت إذا خرجت إلى الفضاء و أفضيت إلى فلان سري و أفضى الرجل إلى امرأته باشرها و أفضى بيده إلى الأرض إذا مسها بباطن راحته في سجوده انتهى. فيحتمل أن يكون المراد القسم بمن يدخل في الفضاء أي الصحراء متوجها إلى البيت أي الحاج و المعتمر أو من يفضي أسراره إلى البيت أي إلى ربه و يدعو الله عند البيت أو من يفضي الناس إلى البيت و يوصلهم إلى الله و هو الله تعالى أو على صيغة المفعول أي الحاج الواصلين إلى البيت أو من الإفضاء على بناء الفاعل بمعنى مس الأرض بالراحة أي المستلمين بأحجار البيت أو من يفضي إلى الأرض بالسجود في أطراف الأرض متوجها إلى البيت و قال في النهاية في حديث دعائه للنابغة لا يفضي الله فاك و معناه أن لا يجعله فضاء لا سن فيه و الفضاء الخالي الفارغ الواسع من الأرض انتهى. فيحتمل أن يكون المراد من جعل من أربعة جوانب فضاء غير معمور إلى البيت ليشق على الناس قطعها فيكثر ثوابهم و هو الله تعالى و الخفاف إلى التجمير التجمير رمي الجمار و الخفاف إما جمع الخف أي خف الإنسان إذ خف البعير لا يجمع على الخفاف بل على أخفاف و المراد أثر الخفاف و أثر أقدام الماشين إلى التجمير أو جمع الخفيف أي السائرين بخفة و شوق إلى التجمير و فيه دلالة على جواز الحلف بشعائر الله و حرماته و سيأتي الكلام فيه في كتاب الإيمان إن شاء الله تعالى. لو لا عهد عهده هو ما ورد في الأخبار المتواترة أن النبي ص أوصى إليه ع أنك إن لم تجد ناصرا فوادعهم و صالحهم حتى تجد أعوانا و أيضا نزل كتاب من السماء مختوم بخواتيم بعده الأئمة كان يعمل كل منهم بما يخصه خليج المنية الخليج شعبة من البحر و النهر و المنية الموت و الشآبيب جمع شؤبوب بالضم مهموزا و هو الدفعة من المطر و غيره

28-  فر، ]تفسير فرات بن إبراهيم[ الحسين بن علي بن بزيع بإسناده عن أبي رجاء العطاردي قال لما بايع الناس لأبي بكر دخل أبو ذر الغفاري رضي الله عنه المسجد فقال أيها الناس إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ فأهل بيت نبيكم هم الآل من إبراهيم و الصفوة و السلالة من إسماعيل و العترة الهادية من محمد ص فبمحمد شرف شريفهم فاستوجبوا حقهم و نالوا الفضيلة من ربهم كالسماء المبنية و الأرض المدحية و الجبال المنصوبة و الكعبة المستورة و الشمس الضاحية و النجوم الهادية و الشجرة النبوية أضاء زيتها و بورك ما حولها فمحمد ص وصي آدم و وارث علمه و إمام المتقين و قائد الغر المحجلين و تأويل القرآن العظيم و علي بن أبي طالب ع الصديق الأكبر و الفاروق الأعظم و وصي محمد ص و وارث علمه و أخوه فما بالكم أيتها الأمة المتحيرة بعد نبيها لو قدمتم من قدم الله و خلفتم الولاية لمن خلفها له النبي و الله لما عال ولي الله و لا اختلف اثنان في حكم الله و لا سقط سهم من فرائض الله و لا تنازعت هذه الأمة في شي‏ء من أمر دينها إلا وجدتم علم ذلك عند أهل بيت نبيكم لأن الله تعالى يقول في كتابه العزيز الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ فذوقوا وبال ما فرطتم وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ

29-  ما، ]الأمالي للشيخ الطوسي[ جا، ]المجالس للمفيد[ عن أبي المفضل عن أحمد بن علي بن مهدي إملاء من كتابه عن أبيه عن أبي الحسن الرضا ع عن آبائه ع قال لما أتى أبو بكر و عمر إلى منزل أمير المؤمنين ع و خاطباه في أمر البيعة و خرجا من عنده خرج أمير المؤمنين ع إلى المسجد فحمد الله و أثنى عليه بما اصطنع عندهم أهل البيت إذ بعث فيهم رسولا منهم و أذهب عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا ثم قال إن فلانا و فلانا أتياني و طالباني بالبيعة لمن سبيله أن يبايعني أنا ابن عم النبي و أبو بنيه و الصديق الأكبر و أخو رسول الله ص لا يقولها أحد غيري إلا كاذب و أسلمت و صليت قبل كل أحد و أنا وصيه و زوج ابنته سيدة نساء العالمين فاطمة بنت محمد و أبو حسن و حسين سبطي رسول الله ص و نحن أهل بيت الرحمة بنا هداكم الله و بنا استنقذكم من الضلالة و أنا صاحب يوم الدوح و في نزلت سورة من القرآن و أنا الوصي على الأموات من أهل بيته ص و أنا بقيته على الأحياء من أمته فاتقوا الله يُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ و يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ ثم رجع إلى بيته

30-  كا، ]الكافي[ محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن محمد بن إسماعيل عن صالح بن عقبة عن عبد الله بن محمد الجعفي عن أبي جعفر و أبي عبد الله ع قالا إن فاطمة ع لما كان من أمرهم ما كان أخذت بتلابيب عمر فجذبته إليها ثم قالت أما و الله يا ابن الخطاب لو لا أني أكره أن يصيب البلاء من لا ذنب له لعلمت سأقسم على الله ثم أجده سريع الإجابة

 بيان اللبب المنحر و التلبيب ما في موضع اللبب من الثياب

31-  كا، ]الكافي[ محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن علي بن النعمان عن ابن مسكان عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر ع في قوله عز و جل ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ قال ذاك و الله حين قالت الأنصار منا أمير و منكم أمير

32-  كا، ]الكافي[ محمد بن يحيى عن محمد بن علي عن ابن مسكان عن ميسر عن أبي جعفر ع قال قلت قول الله عز و جل وَ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها قال فقال يا ميسر إن الأرض كانت فاسدة فأصلحها الله بنبيه ص فقال وَ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها

  -33  كا، ]الكافي[ محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن الحسين بن سعيد عن علي بن النعمان عن ابن مسكان عن سدير قال كنا عند أبي جعفر ع فذكرنا ما أحدث الناس بعد نبيهم ص و استذلالهم أمير المؤمنين ع فقال رجل من القوم أصلحك الله فأين كان عز بني هاشم و ما كانوا فيه من العدد فقال أبو جعفر ع و من كان بقي من بني هاشم إنما كان جعفر و حمزة فمضيا و بقي معه رجلان ضعيفان ذليلان حديثا عهد بالإسلام عباس و عقيل و كانا من الطلقاء أما و الله لو أن حمزة و جعفرا كانا بحضرتهما ما وصلا إليه و لو كانا شاهديهما لأتلفا نفسيهما

 بيان الضمير في نفسيهما راجع إلى حمزة و جعفر و إرجاعه إلى أبي بكر و عمر بعيد

34-  كا، ]الكافي[ محمد بن يحيى عن ابن عيسى عن الحسين بن سعيد عن محمد بن الحصين عن خالد بن يزيد القمي عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله ع في قول الله عز و جل وَ حَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ قال حيث كان النبي ص بين أظهرهم فَعَمُوا وَ صَمُّوا حيث قبض رسول الله ص ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حيث قام أمير المؤمنين ع قال ثُمَّ عَمُوا وَ صَمُّوا إلى الساعة

  -35  كا، ]الكافي[ الحسين بن محمد عن المعلى عن الوشاء عن أبان عن أبي هاشم قال لما أخرج لعلي ع خرجت فاطمة ع واضعة قميص رسول الله ص على رأسها آخذة بيدي ابنيها فقالت ما لي و لك يا أبا بكر تريد أن تؤتم ابني و ترملني من زوجي و الله لو لا أن يكون سيئة لنشرت شعري و لصرخت إلى ربي فقال رجل من القوم ما تريد إلى هذا ثم أخذت بيده فانطلقت به

 و بالإسناد عن أبان عن علي بن عبد العزيز عن عبد الحميد الطائي عن أبي جعفر ع قال و الله لو نشرت شعرها ماتوا طرا

 بيان المشهور في كتب اللغة أن الأيتام ينسب إلى المرأة يقال أيتمت المرأة أي صار أولادها يتامى و التيتيم جعله يتيما و الأرملة المرأة التي لا زوج لها و قولها ع أن تكون سيئة أي مكافاة السيئة بالسيئة و ليست من عادة الكرام فيكون إطلاق السيئة عليها مجازا أو أريد بها مطلق الإضرار و يمكن أن يراد بها المعصية أي نهيت عن ذلك و لا يجوز لي فعله قوله ما تريد إلى هذا لعل فيه تضمين معنى القصد أي قال مخاطبا لأبي بكر أو عمر ما تريد بقصدك إلى هذا الفعل أ تريد أن تنزل العذاب على هذه الأمة و يحتمل أن يكون إلى هذا استفهاما آخر أي أ تنتهي إلى هذا الحد من الشدة و الفضيحة قوله ع طرا أي جميعا و هو منصوب على المصدر أو الحال

36-  كا، ]الكافي[ محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد و العدة عن سهل جميعا عن ابن محبوب عن عمرو بن أبي المقدام عن أبيه قال قلت لأبي جعفر ع إن العامة يزعمون أن بيعة أبي بكر حيث اجتمع الناس كانت رضا لله عز ذكره و ما كان الله ليفتن أمة محمد ص من بعده فقال أبو جعفر ع أ و ما يقرءون كتاب الله أ و ليس الله يقول وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ قال فقلت له إنهم يفسرون على وجه آخر فقال أ و ليس قد أخبر الله عز و جل عن الذين من قبلهم من الأمم أنهم قد اختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات حيث قال وَ آتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَ أَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَ لكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَ مِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَ لكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ و في هذا ما يستدل به على أن أصحاب محمد ص قد اختلفوا من بعده فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَ مِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ

 بيان قوله ليفتن أي يمتحن و يضل قوله إنهم يفسرون على وجه آخر أي يقولون إن هذا كلام على وجه الاستفهام و لا يدل على وقوع ذلك و كان غرضه ع أنه تعالى عرض للقوم بما صدر عنهم بعده ص بهذا الكلام و هذا لا ينافي الاستفهام بل التهديد بالعقوبة و بيان أن ارتدادهم لا يضره تعالى ظاهر في أنه تعالى إنما وبخهم بما علم صدوره منهم و لما غفل السائل عن هذه الوجوه و لم يكن نصا في الاحتجاج على الخصم أعرض ع عن ذلك و استدل عليه بآية أخرى و هي قوله تعالى تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَ رَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَ آتَيْنا الآية. و يمكن الاستدلال بها من وجوه الأول أن ضمير الجمع في قوله تعالى مِنْ بَعْدِهِمْ راجع إلى الرسل فيدل بعمومه على أن جميع الرسل يقع الاختلاف بعدهم فيكون فيهم كافر و مؤمن و نبينا ص منهم فيلزم صدور ذلك من أمته. الثاني أن الآية تدل على وقوع الاختلاف و الارتداد بعد عيسى و كثير من الأنبياء ع في أممهم و قد قال تعالى وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا و قال النبي ص في ذلك ما قال كما مر فيلزم صدور مثل ذلك عن هذه الأمة أيضا. الثالث أن يكون الغرض رفع الاستبعاد الذي بنى القائل كلامه عليه بأنه إذا جاز وقوع ذلك بعد كثير من الأنبياء ع فلم لم يجز وقوعه بعد نبينا ص فيكون سندا لمنع المقدمة التي أوردها بقوله و ما كان الله ليفتن أمة محمد و لعل هذا بعد الثاني أظهر

37-  كا، ]الكافي[ حميد بن زياد عن الحسن بن محمد الكندي عن غير واحد عن أبان بن عثمان عن أبي جعفر الأحول و الفضيل بن يسار عن زكريا النقاض عن أبي جعفر ع قال سمعته يقول الناس صاروا بعد رسول الله ص بمنزلة من اتبع هارون ع و من اتبع العجل و إن أبا بكر دعا فأبى علي ع إلا القرآن و إن عمر دعا فأبى علي ع إلا القرآن و إن عثمان دعا فأبى علي ع إلا القرآن و إنه ليس من أحد يدعو إلى أن يخرج الدجال إلا سيجد من يبايعه و من رفع راية ضلال فصاحبها طاغوت

 بيان قوله و إن أبا بكر دعا أي عليا ع إلى موافقته أو جميع الناس إلى بيعته و موافقته فلم يعمل أمير المؤمنين ع في زمانه إلا بالقرآن و لم يوافقه في بدعه

38-  كا، ]الكافي[ بهذا الإسناد عن أبان عن الفضيل عن زرارة عن أبي جعفر ع قال إن الناس لما صنعوا ما صنعوا إذ بايعوا أبا بكر لم يمنع أمير المؤمنين ع من أن يدعو إلى نفسه إلا نظرا للناس و تخوفا عليهم أن يرتدوا عن الإسلام فيعبدوا الأوثان و لا يشهدوا أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله و كان الأحب إليه أن يقرهم على ما صنعوا من أن يرتدوا عن الإسلام و إنما هلك الذين ركبوا ما ركبوا فأما من لم يصنع ذلك و دخل فيما دخل فيه الناس على غير علم و لا عداوة لأمير المؤمنين ع فإن ذلك لا يكفره و لا يخرجه من الإسلام فلذلك كتم علي ع أمره و بايع مكرها حيث لم يجد أعوانا

 بيان قوله ع من أن يرتدوا عن الإسلام أي عن ظاهره و التكلم بالشهادتين فإبقاؤهم على ظاهر الإسلام كان صلاحا للأمة ليكون لهم و لأولادهم طريق إلى قبول الحق و إلى الدخول في الإيمان في كرور الأزمان و هذا لا ينافي ما مر و سيأتي أن الناس ارتدوا إلا ثلاثة لأن المراد فيها ارتدادهم عن الدين واقعا و هذا محمول على بقائهم على صورة الإسلام و ظاهره و إن كانوا في أكثر الأحكام الواقعية في حكم الكفار و خص ع هذا بمن لم يسمع النص على أمير المؤمنين ع و لم يبغضه و لم يعاده فإن من فعل شيئا من ذلك فقد أنكر قول النبي ص و كفر ظاهرا أيضا و لم يبق له شي‏ء من أحكام الإسلام و وجب قتله

39-  كا، ]الكافي[ محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسين بن سعيد عن علي بن النعمان عن عبد الله بن مسكان عن عبد الرحيم القصير قال قلت لأبي جعفر ع إن الناس يفزعون إذا قلنا إن الناس ارتدوا فقال يا عبد الرحيم إن الناس عادوا بعد ما قبض رسول الله ص أهل جاهلية إن الأنصار اعتزلت فلم تعتزل بخير جعلوا يبايعون سعدا و هم يرتجزون ارتجاز الجاهلية

يا سعد أنت المرجى و شعرك المرجل‏و فحلك المرجم

 بيان قوله فلم تعتزل بخير أي لم يكن اعتزالهم لاختيار الحق أو لترك الباطل بل اختاروا باطلا مكان باطل آخر للحمية و العصبية فقال الفيروزآبادي الرجز بالتحريك ضرب من الشعر وزنه مستفعل ست مرات سمي به لتقارب أجزائه و قلة حروفه و زعم الخليل أنه ليس بشعر و إنما هو أنصاف أبيات و أثلاث قوله

و فحلك المرجم

 أي خصمك مرجوم مطرود و قد مر بوجه آخر

40-  كا، ]الكافي[ محمد بن يحيى عن أحمد بن سليمان عن عبد الله بن محمد اليماني عن منيع بن الحجاج عن صباح الحذاء عن صباح المزني عن جابر عن أبي جعفر ع قال لما أخذ رسول الله ص بيد علي ع يوم الغدير صرخ إبليس في جنوده صرخة فلم يبق منهم أحد في بر و لا بحر إلا أتاه فقالوا يا سيدهم و مولاهم ما ذا دهاك فما سمعنا لك صرخة أوحش من صرختك هذه فقال لهم فعل هذا النبي فعلا إن تم لم يعص الله أبدا فقالوا يا سيدهم أنت كنت لآدم فلما قال المنافقون إنه ينطق عن الهوى و قال أحدهما لصاحبه أ ما ترى عينيه تدوران في رأسه كأنه مجنون يعنون رسول الله ص صرخ إبليس صرخة يطرب فجمع أولياءه فقال أ ما علمتم أني كنت لآدم من قبل قالوا نعم قال آدم نقض العهد و لم يكفر بالرب و هؤلاء نقضوا العهد و كفروا بالرسول ص فلما قبض رسول الله ص و أقام الناس غير علي لبس إبليس تاج الملك و نصب منبرا و قعد في الزينة و جمع خيله و رجله ثم قال لهم اطربوا لا يطاع الله حتى يقوم إمام و تلا أبو جعفر ع وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قال أبو جعفر ع كان تأويل هذه الآية لما قبض رسول الله ص و الظن من إبليس حين قالوا لرسول الله ص إنه ينطق عن الهوى فظن بهم إبليس ظنا فصدقوا ظنه

 توضيح قوله يا سيدهم أي قالوا يا سيدنا و مولانا و إنما غيره لئلا يوهم انصرافه إليه و هذا شائع في كلام البلغاء في نقل أمر لا يرضى القائل لنفسه كقوله تعالى أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ قوله ما ذا دهاك يقال دهاه إذا أصابته داهية قوله أحدهما لصاحبه يعني أبا بكر و عمر قوله في الزينة في بعض النسخ الوثبة أي الوسادة

41-  كا، ]الكافي[ محمد بن يحيى عن ابن عيسى عن علي بن حديد عن جميل بن دراج عن زرارة عن أحدهما ع قال أصبح رسول الله ص يوما كئيبا حزينا فقال له علي ع ما لي أراك يا رسول الله كئيبا حزينا فقال و كيف لا أكون كذلك و قد رأيت في ليلتي هذه أن بني تيم و بني عدي و بني أمية يصعدون منبري هذا يردون الناس عن الإسلام القهقرى فقلت يا رب في حياتي أو بعد موتي فقال بعد موتك

  -42  ختص، ]الإختصاص[ عدة من أصحابنا عن ابن الوليد عن الصفار عن محمد بن الحسين عن موسى بن سعدان عن عبد الله بن القاسم الحضرمي عن عمرو بن ثابت قال سمعت أبا عبد الله ع يقول إن النبي ص لما قبض ارتد الناس على أعقابهم كفارا إلا ثلاثة سلمان و المقداد و أبو ذر الغفاري إنه لما قبض رسول الله ص جاء أربعون رجلا إلى علي بن أبي طالب ع فقالوا لا و الله لا نعطي أحدا طاعة بعدك أبدا قال و لم قالوا إنا سمعنا من رسول الله ص فيك يوم غدير قال و تفعلون قالوا نعم قال فأتوني غدا محلقين قال فما أتاه إلا هؤلاء الثلاثة قال و جاءه عمار بن ياسر بعد الظهر فضرب يده على صدره ثم قال له ما آن لك أن تستيقظ من نومة الغفلة ارجعوا فلا حاجة لي فيكم أنتم لم تطيعوني في حلق الرأس فكيف تطيعوني في قتال جبال الحديد ارجعوا فلا حاجة لي فيكم

43-  ختص، ]الإختصاص[ جعفر بن الحسين المؤمن عن ابن الوليد عن الصفار عن ابن عيسى يرفعه عن أبي عبد الله ع قال إن سلمان كان منه إلى ارتفاع النهار فعاقبه الله أن وجئ في عنقه حتى صيرت كهيئة السلعة حمراء و أبو ذر كان منه إلى وقت الظهر فعاقبه الله إلى أن سلط عليه عثمان حتى حمله على قتب و أكل لحم أليتيه و طرده عن جوار رسول الله ص فأما الذي لم يتغير منذ قبض رسول الله ص حتى فارق الدنيا طرفة عين فالمقداد بن الأسود لم يزل قائما قابضا على قائم السيف عيناه في عيني أمير المؤمنين ع ينتظر متى يأمره فيمضي

44-  ختص، ]الإختصاص[ جعفر بن الحسين عن ابن الوليد عن الصفار عن البرقي عن أبيه عن محمد بن عمرو عن كرام عن إسماعيل بن جابر عن مفضل بن عمر قال قال أبو عبد الله ع لما بايع الناس أبا بكر أتي بأمير المؤمنين ع ملببا ليبايع قال سلمان أ يصنع ذا بهذا و الله لو أقسم على الله لانطبقت ذه على ذه قال و قال أبو ذر و قال المقداد و الله هكذا أراد الله أن يكون فقال أبو عبد الله ع كان المقداد أعظم الناس إيمانا تلك الساعة

45-  أقول وجدت في كتاب سليم بن قيس الهلالي، برواية أبان بن أبي عياش عنه موافقا لما رواه الطبرسي ره عنه في الإحتجاج سليم بن قيس قال سمعت سلمان الفارسي ره قال لما أن قبض النبي ص و صنع الناس ما صنعوا جاء أبو بكر و عمر و أبو عبيدة بن الجراح فخاصموا الأنصار فخصموهم بحجة علي فقالوا يا معشر الأنصار قريش أحق بالأمر منكم لأن رسول الله ص من قريش و المهاجرون خير منكم لأن الله بدأ بهم في كتابه و فضلهم قال رسول الله ص الأئمة من قريش و قال سلمان فأتيت عليا و هو يغسل رسول الله ص و قد كان رسول الله ص أوصى عليا ع أن لا يلي غسله غيره فقال يا رسول الله ص من يعينني على ذلك فقال جبرئيل فكان علي ع لا يريد عضوا إلا قلب له فلما غسله و حنطه و كفنه أدخلني و أدخل أبا ذر و المقداد و فاطمة و الحسن و الحسين ع فتقدم و صففنا خلفه و صلى عليه و العائشة في الحجرة لا تعلم قد أخذ الله ببصرها ثم أدخل عشرة من المهاجرين و عشرة من الأنصار فكانوا يدخلون و يدعون و يخرجون حتى لم يبق أحد شهد من المهاجرين و الأنصار إلا صلى عليه قال سلمان الفارسي فأخبرت عليا ع و هو يغسل رسول الله ص بما صنع القوم و قلت إن أبا بكر الساعة لعلى منبر رسول الله ص ما يرضون أن يبايعوا له بيد واحدة و إنهم ليبايعونه بيديه جميعا بيمينه و شماله فقال علي ع يا سلمان و هل تدري من أول من بايعه على منبر رسول الله قلت لا إلا أني رأيته في ظلة بني ساعدة حين خصمت الأنصار و كان أول من بايعه المغيرة بن شعبة ثم بشير بن سعد ثم أبو عبيدة بن الجراح ثم عمر بن الخطاب ثم سالم مولى أبي حذيفة و معاذ بن جبل قال لست أسألك عن هؤلاء و لكن تدري من أول من بايعه حين صعد المنبر قلت لا و لكن رأيت شيخا كبيرا يتوكأ على عصاه بين عينيه سجادة شديد التشمير صعد المنبر أول من صعد و خر و هو يبكي و يقول الحمد لله الذي لم يمتني حتى رأيتك في هذا المكان ابسط يدك فبسط يده فبايعه ثم قال يوم كيوم آدم ثم نزل فخرج من المسجد فقال علي ع يا سلمان أ تدري من هو قلت لا و لقد ساءتني مقالته كأنه شامت بموت رسول الله ص قال علي ع فإن ذلك إبليس لعنه الله أخبرني رسول الله ص أن إبليس و رؤساء أصحابه شهدوا نصب رسول الله ص إياي يوم غدير خم بما أمره الله فأخبرهم بأني أولى بهم من أنفسهم و أمرهم أن يبلغ الشاهد الغائب فأقبل إلى إبليس أبالسته و مردة أصحابه فقالوا إن هذه الأمة أمة مرحومة معصومة فما لك و لا لنا عليهم سبيل و قد أعلموا مفزعهم و إمامهم بعد نبيهم فانطلق إبليس كئيبا حزينا و قال أمير المؤمنين ع فأخبرني رسول الله ص أن لو قبض أن الناس سيبايعون أبا بكر في ظلة بني ساعدة بعد تخاصمهم بحقنا و حجتنا ثم يأتون المسجد فيكون أول من يبايعه على منبري إبليس في صورة شيخ كبير مشمر يقول كذا و كذا ثم يخرج فيجمع شياطينه و أبالسته فيخرون سجدا و يقولون يا سيدهم و يا كبيرهم أنت الذي أخرجت آدم من الجنة فيقول أي أمة لم تضل بعد نبيها كلا زعمتم أن ليس لي عليهم سبيل فكيف رأيتموني صنعت بهم حين تركوا ما أمرهم الله به من طاعته و أمرهم رسول الله ص و ذلك قوله تعالى وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ

 قال سلمان فلما أن كان الليل حمل علي ع فاطمة ع على حمار و أخذ بيد ابنيه الحسن و الحسين ع فلم يدع أحدا من أهل بدر من المهاجرين و لا من الأنصار إلا أتاه في منزله فذكرهم حقه و دعاهم إلى نصرته فما استجاب له منهم إلا أربعة و أربعون رجلا فأمرهم أن يصبحوا بكرة محلقين رءوسهم معهم سلاحهم ليبايعوه على الموت فأصبحوا فلم يواف منهم أحد إلا أربعة فقلت لسلمان من الأربعة فقال أنا و أبو ذر و المقداد و الزبير بن العوام ثم أتاهم علي ع من الليلة المقبلة فناشدهم فقالوا نصبحك بكرة فما منهم أحد أتاه غيرنا ثم أتاهم الليلة الثالثة فما أتاه غيرنا فلما رأى علي ع غدرهم و قلة وفائهم له لزم بيته و أقبل على القرآن يؤلفه و يجمعه فلم يخرج من بيته حتى جمعه و كان في الصحف و الشظاظ و الأكتاف و الرقاع فلما جمعه كله و كتبه بيده تنزيله و تأويله و الناسخ منه و المنسوخ بعث إليه أبو بكر اخرج فبايع فبعث إليه علي ع أني مشغول و قد آليت على نفسي يمينا أن لا أرتدي برداء إلا للصلاة حتى أؤلف القرآن و أجمعه فسكتوا عنه أياما فجمعه في ثوب واحد و ختمه ثم خرج إلى الناس و هم مجتمعون مع أبي بكر في مسجد رسول الله ص فنادى علي ع بأعلا صوته أيها الناس أني لم أزل منذ قبض رسول الله ص مشغولا بغسله ثم بالقرآن حتى جمعته كله في هذا الثوب الواحد فلم ينزل الله على رسوله آية منه إلا و قد جمعتها و ليست منه آية إلا و قد أقرأنيها رسول الله ص و علمني تأويلها ثم قال علي ع لئلا تقولوا غدا إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ ثم قال لهم علي ع لا تقولوا يوم القيامة إني لم أدعكم إلى نصرتي و لم أذكركم حقي و لم أدعكم إلى كتاب الله من فاتحته إلى خاتمته فقال له عمر ما أغنانا بما معنا من القرآن عما تدعونا إليه ثم دخل علي ع بيته و قال عمر لأبي بكر أرسل إلى علي فليبايع فإنا لسنا في شي‏ء حتى يبايع و لو قد بايع أمناه فأرسل إليه أبو بكر أجب خليفة رسول الله ص فأتاه الرسول فقال له ذلك فقال له علي ع سبحان الله ما أسرع ما كذبتم على رسول الله ص إنه ليعلم و يعلم الذين حوله أن الله و رسوله لم يستخلفا غيري و ذهب الرسول فأخبره بما قال له فقال اذهب فقل له أجب أمير المؤمنين أبا بكر فأتاه فأخبره بما قال فقال علي ع سبحان الله ما و الله طال العهد فينسى و الله إنه ليعلم أن هذا الاسم لا يصلح إلا لي و لقد أمره رسول الله ص و هو سابع سبعة فسلموا علي بإمرة المؤمنين فاستفهم هو و صاحبه من بين السبعة فقالا أمر من الله و رسوله فقال لهم رسول الله ص نعم حقا من الله و رسوله إنه أمير المؤمنين و سيد المسلمين و صاحب لواء الغر المحجلين يقعده الله عز و جل يوم القيامة على الصراط فيدخل أولياءه الجنة و أعداءه النار فانطلق الرسول فأخبره بما قال فسكتوا عنه يومهم ذلك قال فلما كان الليل حمل علي ع فاطمة ع على حمار و أخذ بيد ابنيه الحسن و الحسين ع فلم يدع أحدا من أصحاب رسول الله ص إلا أتاه في منزله فناشدهم الله حقه و دعاهم إلى نصرته فما استجاب منهم رجل غيرنا أربعة فإنا

 حلقنا رءوسنا و بذلنا له نصرتنا و كان الزبير أشدنا بصيرة في نصرته فلما أن رأى علي ع خذلان الناس إياه و تركهم نصرته و اجتماع كلمتهم مع أبي بكر و تعظيمهم إياه لزم بيته فقال عمر لأبي بكر ما يمنعك أن تبعث إليه فيبايع فإنه لم يبق أحد إلا و قد بايع غيره و غير هؤلاء الأربعة و كان أبو بكر أرق الرجلين و أرفقهما و أدهاهما و أبعدهما غورا و الآخر أفظهما و أغلظهما و أجفاهما فقال له أبو بكر من نرسل إليه فقال عمر نرسل إليه قنفذا فهو رجل فظ غليظ جاف من الطلقاء أحد بني عدي بن كعب فأرسله و أرسل معه أعوانا و انطلق فاستأذن على علي ع فأبى أن يأذن لهم فرجع أصحاب قنفذ إلى أبي بكر و عمر و هما جالسان في المسجد و الناس حولهما فقالوا لم يؤذن لنا فقال عمر اذهبوا فإن أذن لكم و إلا فادخلوا بغير إذن فانطلقوا فاستأذنوا فقالت فاطمة ع أحرج عليكم أن تدخلوا على بيتي بغير إذن فرجعوا و ثبت قنفذ الملعون فقالوا إن فاطمة قالت كذا و كذا فتحرجنا أن ندخل بيتها بغير إذن فغضب عمر و قال ما لنا و للنساء ثم أمر أناسا حوله بتحصيل الحطب و حملوا الحطب و حمل معهم عمر فجعلوه حول منزل علي ع و فيه علي و فاطمة و ابناهما ع ثم نادى عمر حتى أسمع عليا و فاطمة و الله لتخرجن يا علي و لتبايعن خليفة رسول الله و إلا أضرمت عليك النار فقامت فاطمة ع فقالت يا عمر ما لنا و لك فقال افتحي الباب و إلا أحرقنا عليكم بيتكم فقالت يا عمر أ ما تتقي الله تدخل على بيتي فأبى أن ينصرف و دعا عمر بالنار فأضرمها في الباب ثم دفعه فدخل فاستقبلته فاطمة ع و صاحت يا أبتاه يا رسول الله فرفع عمر السيف و هو في غمده فوجأ به جنبها فصرخت يا أبتاه فرفع السوط فضرب به ذراعها فنادت يا رسول الله لبئس ما خلفك أبو بكر و عمر فوثب علي ع فأخذ بتلابيه فصرعه و وجأ أنفه و رقبته و هم بقتله فذكر قول رسول الله ص و ما أوصاه به فقال و الذي كرم محمدا ص بالنبوة يا ابن صهاك لو لا كتاب من الله سبق و عهد عهد إلي رسول الله ص لعلمت أنك لا تدخل بيتي فأرسل عمر يستغيث فأقبل الناس حتى دخلوا الدار و ثار علي ع إلى سيفه فرجع قنفذ إلى أبي بكر و هو يتخوف أن يخرج علي ع بسيفه لما قد عرف من بأسه و شدته فقال أبو بكر لقنفذ ارجع فإن خرج فاقتحم عليه بيته فإن امتنع فأضرم عليهم بيتهم النار فانطلق قنفذ الملعون فاقتحم هو و أصحابه بغير إذن

 و ثار علي ع إلى سيفه فسبقوه إليه و كاثروه فتناول بعض سيوفهم فكاثروه فألقوا في عنقه حبلا و حالت بينهم و بينه فاطمة ع عند باب البيت فضربها قنفذ الملعون بالسوط فماتت حين ماتت و إن في عضدها مثل الدملج من ضربته لعنه الله ثم انطلقوا بعلي ع يتل حتى انتهى به إلى أبي بكر و عمر قائم بالسيف على رأسه و خالد بن الوليد و أبو عبيدة بن الجراح و سالم مولى أبي حذيفة و معاذ بن جبل و المغيرة بن شعبة و أسيد بن حضير و بشير بن سعد و سائر الناس حول أبي بكر عليهم السلاح قال قلت لسلمان أ دخلوا على فاطمة بغير إذن قال إي و الله و ما عليها خمار فنادت يا أبتاه يا رسول الله فلبئس ما خلفك أبو بكر و عمر و عيناك لم تتفقأ في قبرك تنادي بأعلى صوتها فلقد رأيت أبا بكر و من حوله يبكون ما فيهم إلا باك غير عمر و خالد بن الوليد و المغيرة بن شعبة و عمر يقول إنا لسنا من النساء و رأيهن في شي‏ء قال فانتهوا بعلي ع إلى أبي بكر و هو يقول أما و الله لو وقع سيفي في يدي لعلمتم أنكم لم تصلوا إلى هذا أبدا أما و الله ما ألوم نفسي في جهادكم و لو كنت أستمسك من أربعين رجلا لفرقت جماعتكم و لكن لعن الله أقواما بايعوني ثم خذلوني و لما أن بصر به أبو بكر صاح خلوا سبيله فقال علي ع يا أبا بكر ما أسرع ما توثبتم على رسول الله ص بأي حق و بأي منزلة دعوت الناس إلى بيعتك أ لم تبايعني بالأمس بأمر الله و أمر رسول الله و قد كان قنفذ لعنه الله ضرب فاطمة ع بالسوط حين حالت بينه و بين زوجها و أرسل إليه عمر أن حالت بينك و بينه فاطمة فاضربها فألجأها قنفذ إلى عضادة بيتها و دفعها فكسر ضلعا من جنبها فألقت جنينا من بطنها فلم تزل صاحبة فراش حتى ماتت صلى الله عليها من ذلك شهيدة قال و لما انتهى بعلي ع إلى أبي بكر انتهره عمر و قال له بايع و دع عنك هذه الأباطيل فقال له علي ع فإن لم أفعل فما أنتم صانعون قالوا نقتلك ذلا و صغارا فقال إذا تقتلون عبد الله و أخا رسول الله ص قال أبو بكر أما عبد الله فنعم و أما أخو رسول الله ص فما نقر لك بهذا قال أ تجحدون أن رسول الله ص آخى بيني و بينه قال نعم فأعاد ذلك عليه ثلاث مرات ثم أقبل عليهم علي ع فقال يا معشر المسلمين و المهاجرين و الأنصار أنشدكم الله أ سمعتم رسول الله ص يقول يوم غدير خم كذا و كذا و في غزوة تبوك كذا و كذا فلم يدع علي ع شيئا قاله فيه رسول الله ص علانية للعامة إلا

 ذكرهم إياه فقالوا اللهم نعم فلما تخوف أبو بكر أن ينصره الناس و أن يمنعوه بادرهم فقال كلما قلت حق قد سمعناه بآذاننا و وعته قلوبنا و لكن قد سمعت رسول الله ص يقول بعد هذا إنا أهل بيت اصطفانا الله و أكرمنا و اختار لنا الآخرة على الدنيا و إن الله لم يكن ليجمع لنا أهل البيت النبوة و الخلافة فقال علي ع هل أحد من أصحاب رسول الله ص شهد هذا معك فقال عمر صدق خليفة رسول الله قد سمعنا هذا منه كما قال و قال أبو عبيدة و سالم مولى أبي حذيفة و معاذ بن جبل قد سمعنا ذلك من رسول الله ص فقال علي ع لقد وفيتم بصحيفتكم الملعونة التي قد تعاقدتم عليها في الكعبة إن قتل الله محمدا أو مات لتزون هذا الأمر عنا أهل البيت فقال أبو بكر فما علمك بذلك ما أطلعناك عليها فقال علي ع أنت يا زبير و أنت يا سلمان و أنت يا أبا ذر و أنت يا مقداد أسألكم بالله و بالإسلام أ ما سمعتم رسول الله ص يقول ذلك و أنتم تسمعون أن فلانا و فلانا حتى عد هؤلاء الخمسة قد كتبوا بينهم كتابا و تعاهدوا فيه و تعاقدوا على ما صنعوا فقالوا اللهم نعم قد سمعنا رسول الله ص يقول ذلك لك إنهم قد تعاهدوا و تعاقدوا على ما صنعوا و كتبوا بينهم كتابا إن قتلت أو مت أن يزووا عنك هذا يا علي فقلت بأبي أنت يا رسول الله فما تأمرني إذا كان ذلك أن أفعل فقال لك إن وجدت عليهم أعوانا فجاهدهم و نابذهم و إن لم تجد أعوانا فبايعهم و أحقن دمك فقال علي ع أما و الله لو أن أولئك الأربعين رجلا الذين بايعوني وفوا لي لجاهدتكم في الله و لكن أما و الله لا ينالها أحد من عقبكما إلى يوم القيامة و فيما يكذب قولكم على رسول الله ص قول الله أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ آتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً فالكتاب النبوة و الحكمة السنة و الملك الخلافة و نحن آل إبراهيم فقام المقداد فقال يا علي بما تأمر و الله إن أمرتني لأضربن بسيفي و إن أمرتني كففت فقال علي ع كف يا مقداد و اذكر عهد رسول الله ص و ما أوصاك به ثم قمت و قلت و الذي نفسي بيده لو إني أعلم أني أدفع ضيما و أعز لله دينا لوضعت سيفي على عنقي ثم ضربت به قدما أ تثبون على أخي رسول الله ص و وصيه و خليفته في أمته و أبي ولده فأبشروا بالبلاء و اقنطوا من الرخاء و قام أبو ذر فقال أيتها الأمة المتحيرة بعد نبيها المخذولة بعصيانها إن الله يقول إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ و آل محمد ص الأخلاف من نوح و آل إبراهيم من إبراهيم و الصفوة و السلالة من إسماعيل و عترة النبي ص محمد أهل بيت النبوة و موضع الرسالة و مختلف الملائكة و هم كالسماء المرفوعة و الجبال المنصوبة و الكعبة المستورة و العين الصافية و النجوم الهادية و الشجرة المباركة أضاء نورها و بورك زيتها محمد خاتم الأنبياء و سيد ولد آدم و علي وصي الأوصياء و إمام المتقين و قائد الغر المحجلين و هو الصديق الأكبر و الفاروق الأعظم و وصي محمد ص و وارث علمه و أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم كما قال الله تعالى النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ أَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ

فقدموا من قدم الله و أخروا من أخر الله و اجعلوا الولاية و الوزارة لمن جعل الله فقام عمر فقال لأبي بكر و هو جالس فوق المنبر ما يجلسك فوق المنبر و هذا جالس محارب لا يقوم فيبايعك أ و تأمر به فنضرب عنقه و الحسن و الحسين ع قائمان فلما سمعا مقالة عمر بكيا فضمهما إلى صدره فقال لا تبكيا فو الله ما يقدران على قتل أبيكما و أقبلت أم أيمن حاضنة رسول الله ص فقال يا أبا بكر ما أسرع ما أبديتم حسدكم و نفاقكم فأمر بها عمر فأخرجت من المسجد و قال ما لنا و للنساء و قام بريدة الأسلمي و قال يا عمر أ تثب على أخي رسول الله و أبي ولده و أنت الذي نعرفك في قريش بما نعرفك أ لستما اللذين قال لكما رسول الله ص انطلقا إلى علي ع و سلما عليه بإمرة المؤمنين فقلتما أ عن أمر الله و أمر رسوله فقال نعم فقال أبو بكر قد كان ذلك و لكن رسول الله ص قال بعد ذلك لا يجتمع لأهل بيتي الخلافة و النبوة فقال و الله ما قال هذا رسول الله ص و الله لا سكنت في بلدة أنت فيها أمير فأمر به عمر فضرب و طرد ثم قال قم يا ابن أبي طالب فبايع فقال ع فإن لم أفعل قال إذا و الله نضرب عنقك فاحتج عليهم ثلاث مرات ثم مد يده من غير أن يفتح كفه فضرب عليها أبو بكر و رضي بذلك منه فنادى علي ع قبل أن يبايع و الحبل في عنقه يا ابن أم إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي و قيل للزبير بايع فأبى فوثب عمر و خالد و المغيرة بن شعبة في أناس فانتزعوا سيفه فضربوا به الأرض حتى كسروه ثم لببوه فقال الزبير و عمر على صدره يا ابن صهاك أما و الله لو أن سيفي في يدي لحدت عني فبايع قال سلمان ثم أخذوني فوجئوا عنقي حتى تركوها كالسلعة ثم أخذوا يدي و فتلوها فبايعت مكرها ثم بايع أبو ذر و المقداد مكرهين و ما بايع أحد من الأمة مكرها غير علي و أربعتنا و لم يكن منا أحد أشد قولا من الزبير فإنه لما بايع قال يا ابن صهاك أما و الله لو لا هؤلاء الطغاة الذين أعانوك لما كنت تقدم علي و معي سيفي لما أعرف من جبنك و لؤمك و لكن وجدت طغاة تقوى بهم و تصول فغضب عمر و قال أ تذكر صهاكا فقال و من صهاك و ما يمنعني من ذكرها و قد كانت صهاك زانية أ و تنكر ذلك أ و ليس قد كانت أمة حبشية لجدي عبد المطلب فزنا بها جدك نفيل فولدت أباك الخطاب فوهبها عبد المطلب له بعد ما زني بها فولدته و إنه لعبد جدي ولد زنا فأصلح بينهما أبو بكر و كف كل واحد منهما عن صاحبه قال سليم فقلت لسلمان فبايعت أبا بكر يا سلمان و لم تقل شيئا قال قد قلت بعد ما بايعت تبا لكم سائر الدهر أ و تدرون ما صنعتم بأنفسكم أصبتم و أخطأتم أصبتم سنة من كان قبلكم من الفرقة و الاختلاف و أخطأتم سنة نبيكم ص حتى أخرجتموها من معدنها و أهلها فقال عمر يا سلمان أما إذ بايع صاحبك و بايعت فقل ما شئت و افعل ما بدا لك و ليقل صاحبك ما بدا له قال سلمان فقلت إني سمعت رسول الله ص يقول إن عليك و على صاحبك الذي بايعته مثل ذنوب أمته إلى يوم القيامة و مثل عذابهم جميعا فقال قل ما شئت أ ليس قد بايعت و لم يقر الله عينك بأن يليها صاحبك فقلت أشهد أني قد قرأت في بعض كتب الله المنزلة أنه باسمك و نسبك و صفتك باب من أبواب جهنم فقال لي قل ما شئت أ ليس قد أزالها الله عن أهل البيت الذين اتخذتموهم أربابا من دون الله فقلت له أشهد أني سمعت رسول الله ص يقول و سألته عن هذه الآية فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ وَ لا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ فأخبرني أنك

 أنت هو فقال لي عمر اسكت أسكت الله نامتك أيها العبد ابن اللخناء فقال لي علي ع أقسمت عليك يا سلمان لما سكت فقال سلمان و الله لو لم يأمرني علي ع بالسكوت لخبرته بكل شي‏ء نزل فيه و كل شي‏ء سمعته من رسول الله فيه و في صاحبه فلما رآني عمر قد سكت قال إنك له لمطيع مسلم فلما أن بايع أبو ذر و المقداد و لم يقولا شيئا قال عمر يا سلمان أ لا تكف كما كف صاحباك و الله ما أنت بأشد حبا لأهل هذا البيت منهما و لا أشد تعظيما لحقهم منهما و قد كفا كما ترى و بايعا قال أبو ذر أ فتعيرنا يا عمر بحب آل محمد ص و تعظيمهم لعن الله و قد فعل من أبغضهم و افترى عليهم و ظلمهم حقهم و حمل الناس على رقابهم و رد هذه الأمة القهقرى على أدبارها فقال عمر آمين لعن الله من ظلمهم حقوقهم لا و الله ما لهم فيها حق و ما هم فيها و عرض الناس إلا سواء قال أبو ذر فلم خاصمتم الأنصار بحقهم و حجتهم فقال علي ع لعمر يا ابن صهاك فليس لنا فيها حق و هي لك و لابن آكلة الذبان قال عمر كف الآن يا أبا الحسن إذ بايعت فإن العامة رضوا بصاحبي و لم يرضوا بك فما ذنبي قال علي ع و لكن الله و رسوله لم يرضيا إلا بي فأبشر أنت و صاحبك و من اتبعكما و وازركما بسخط من الله و عذابه و خزيه ويلك يا ابن الخطاب لو تدري مما خرجت و فيما دخلت و ما ذا جنيت على نفسك و على صاحبك فقال أبو بكر يا عمر أما إذ قد بايعنا و أمنا شره و فتكه و غائلته فدعه يقول ما شاء فقال علي ع لست بقائل غير شي‏ء واحد أذكركم الله أيها الأربعة قال لسلمان و أبي ذر و الزبير و المقداد أ سمعتم رسول الله ص يقول إن في النار لتابوتا من نار أرى فيه اثني عشر رجلا ستة من الأولين و ستة من الآخرين في جب في قعر جهنم في تابوت مقفل على ذلك الجب صخرة فإذا أراد الله أن يسعر جهنم كشف تلك الصخرة عن ذلك الجب فاستعرت جهنم من وهج ذلك الجب و من حره قال علي ع فسألت رسول الله ص عنهم و أنتم شهود فقال ص أما الأولون فابن آدم الذي قتل أخاه و فرعون الفراعنة و الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ و رجلان من بني إسرائيل بدلا كتابهم و غيرا سنتهم أما أحدهما فهود اليهود و الآخر نصر النصارى و إبليس سادسهم و الدجال في الآخرين و هؤلاء الخمسة أصحاب الصحيفة الذين تعاهدوا و تعاقدوا على عداوتك يا أخي و تظاهروا عليك بعدي هذا و هذا حتى سماهم و عدهم لنا قال سلمان فقلنا صدقت نشهد أنا سمعنا ذلك من رسول الله ص فقال عثمان يا أبا الحسن أ ما عند أصحابك هؤلاء حديث في فقال له علي ع بلى سمعت رسول الله ص يلعنك ثم لم يستغفر الله لك بعد ما لعنك فغضب عثمان ثم قال ما لي و ما لك لا تدعني على حالي على عهد النبي ص و لا بعده فقال الزبير نعم فأرغم الله أنفك فقال عثمان فو الله لقد سمعت رسول الله ص يقول إن الزبير يقتل مرتدا عن الإسلام قال سلمان فقال لي علي ع فيما بيني و بينه صدق عثمان و ذلك أن الزبير يبايعني بعد قتل عثمان فينكث بيعتي فيقتل مرتدا قال سليم ثم أقبل على سلمان فقال إن الناس كلهم ارتدوا بعد رسول الله ص غير أربعة إن الناس صاروا بعد رسول الله ص بمنزلة هارون و من تبعه و منزلة العجل و من تبعه فعلي في سنة هارون و عتيق في سنة العجل و عمر في سنة السامري و سمعت رسول الله ص يقول لتجي‏ء قوم من أصحابي من أهل العلية و المكانة مني ليمروا على الصراط فإذا رأيتهم و رأوني و عرفتهم و عرفوني اختلجوا دوني فأقول يا رب أصحابي أصحابي فيقال لا تدري ما أحدثوا بعدك إنهم ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ حيث فارقتهم فأقول بعدا و سحقا و سمعت رسول الله ص يقول لتركبن أمتي سنة بني إسرائيل حذو النعل بالنعل و حذو القذة بالقذة شبرا بشبر و ذراعا بذراع و باعا بباع إذ التوراة و القرآن كتبه يد واحدة في رق بقلم واحد و جرت الأمثال و السنن سواء

 بيان روى الكليني صدر الخبر عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن حماد بن عيسى عن إبراهيم بن عمر اليماني عن سليم بن قيس إلى قولهم ثم يخرج فيجمع شياطينه و أبالسته فينخر و يكسع و يقول كلا زعمتم أن ليس لي عليهم سبيل فكيف رأيتم ما صنعت بهم حتى تركوا أمر الله عز ذكره و طاعته و ما أمرهم به رسول الله ص. و قال الجوهري الظلة بالضم كهيئة الصفة و قال السجادة أثر السجود في الجبهة و قال شمر إزاره تشميرا رفعه يقال شمر عن ساقه و شمر في أمره أي خف أقول أريد هنا أنه كان يرى من ظاهر حاله الاهتمام بالعبادة قوله ثم قال يوم كيوم آدم هذه الفقرة لم يذكرها في الإحتجاج و الكافي و المراد بها أن ما فعلت في هذا اليوم شبيه بما فعلت بآدم و أخرجته من الجنة في الغرابة و حسن التدبير و النخير صوت الأنف و كسعه كمنعه ضرب دبره بيده أو بصدر قدمه و الشظاظ بالكسر العود الذي يدخل في عروة الجوالق. و في الإحتجاج فلم يخرج حتى جمعه كله فكتبه على تنزيله و الناسخ و المنسوخ فبعث إلي قوله فقد آليت بيمين إلى قوله و أعلمني تأويلها ثم دخل بيته فقال عمر إلى قوله فقال عمر أرسل إليه قنفذا و كان رجلا فظا غليظا جافيا من الطلقاء أحد بني تيم إلى قوله ثم أمر أناسا حوله فحملوا حطبا و حمل معهم عمر و جعلوه حول منزله و فيه علي و فاطمة و ابناهما ع ثم نادى عمر حتى أسمع عليا ع و الله لتخرجن و لتبايعن خليفة رسول الله أو لأضرمن عليك بيتك نارا ثم رجع قنفذ إلى أبي بكر و هو يخاف أن يخرج علي ع بسيفه لما عرف من بأسه و شدته ثم قال لقنفذ إن خرج و إلا فاقتحم عليه فإن امتنع فأضرم عليهم بيتهم نارا فانطلق قنفذ فاقتحم هو و أصحابه بغير إذن و ثار علي إلى سيفه فسبقوه إليه فتناول بعض سيوفهم فكثروا عليه فضبطوه و ألقوا في عنقه حبلا و حالت فاطمة ع بين زوجها و بينهم عند باب البيت فضربها قنفذ بالسوط على عضدها و إن بعضدها مثل الدملوج من ضرب قنفذ إياها فأرسل أبو بكر إلى قنفذ اضربها فألجأها إلى عضادة باب بيتها فدفعها فكسر ضلعا من جنبها و ألقت جنينا من بطنها فلم تزل صاحبة فراش حتى ماتت من ذلك شهيدة صلوات الله عليها ثم انطلقوا بعلي ع ملببا يتل. إلى قوله و سائر الناس قعود حول أبي بكر عليهم السلاح و دخل علي ع و هو يقول أما و الله لو وقع سيفي بيدي لعلمتم أنكم لم تصلوا إلى هذا مني و بالله ما ألوم نفسي في جهد و لو كنت في أربعين رجلا لفرقت جماعتكم فلعن الله قوما بايعوني ثم خذلوني فانتهره عمر فقال بايع. و قال في القاموس كاثروهم فكثروهم غالبوهم في الكثرة فغلبوهم قال الدملج كجندب في لغتيه و زنبور المعضد و قال تله صرعه أو ألقاه على عنقه و خده و التلتلة التحريك و الإقلاق و الزعزعة و الزلزلة و السير الشديد و السوق العنيف و أتله ارتبطه و اقتاده. قوله ع من عقبكما في الإحتجاج من عقبكم إلى يوم القيامة ثم نادى قبل أن يبايع يا ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي إلى قوله أصبتم و أخطأتم أصبتم سنة الأولين و أخطأتم سنة نبيكم. قوله أسكت الله نامتك قال الجوهري النامة بالتسكين الصوت يقال أسكت الله نامته أي نغمته و صوته و يقال أيضا نامته بتشديد الميم فيجعل من المضاعف و قال سعرت النار هيجتها و ألهبتها و استعرت النار و تسعرت أي توقدت. قوله و إبليس سادسهم أقول هكذا في الإحتجاج و في كتاب سليم هكذا و عاقر الناقة و قاتل يحيى بن زكريا و في الآخرين الدجال و هؤلاء الخمسة أصحاب الصحيفة و الكتاب و جبتهم و طاغوتهم الذي تعاهدوا عليه و تعاقدوا على عداوتك و لا يستقيم إلا بتكلف تام. قوله قال سليم في الإحتجاج هكذا ثم أقبل على سلمان فقال إن القوم ارتدوا بعد وفاة رسول الله ص إلا من عصمه الله بآل محمد إن الناس بعد رسول الله ص بمنزلة هارون إلى قوله في سنة السامري و سمعت رسول الله ص يقول لتركبن إلى قوله و باعا بباع

46-  و أيضا وجدت في كتاب سليم بن قيس الهلالي، أنه قال سمعت البراء بن عازب يقول كنت أحب بني هاشم حبا شديدا في حياة رسول الله ص و بعد وفاته فلما قبض رسول الله ص أوصى عليا ع أن لا يلي غسله غيره و أنه لا ينبغي لأحد أن يرى عورته غيره و أنه ليس أحد يرى عورة رسول الله ص إلا ذهب بصره فقال علي ع يا رسول الله فمن يعينني على غسلك قال جبرئيل ع في جنود من الملائكة فكان علي ع يغسله و الفضل بن العباس مربوط العينين يصب الماء و الملائكة يقلبونه له كيف شاء و لقد أراد علي ع أن ينزع قميص رسول الله ص فصاح به صائح لا تنزع قميص نبيك يا علي فأدخل يده تحت القميص فغسله ثم حنطه و كفنه ثم نزع القميص عند تكفينه و تحنيطه قال البراء بن عازب فلما قبض رسول الله ص تخوفت أن يتظاهر قريش على إخراج هذا الأمر من بني هاشم فلما صنع الناس ما صنعوا من بيعة أبي بكر أخذني ما يأخذ الواله الثكول مع ما بي من الحزن لوفاة رسول الله ص فجعلت أتردد و أرمق وجوه الناس و قد خلا الهاشميون برسول الله ص لغسله و تحنيطه و قد بلغني الذي كان من قول سعد بن عبادة و من اتبعه من جملة أصحابه فلم أحفل بهم و علمت أنه لا يئول إلى شي‏ء فجعلت أتردد بينهم و بين المسجد و أتفقد وجوه قريش و كأني لكذلك إذ فقدت أبا بكر و عمر ثم لم ألبث حتى إذا أنا بأبي بكر و عمر و أبي عبيدة قد أقبلوا في أهل السقيفة و هم محتجزون بالأزر الصنعانية لا يمر بهم أحد إلا خبطوه فإذا عرفوه مدوا يده على يد أبي بكر شاء ذلك أم أبى فأنكرت عند ذلك عقلي جزعا منه مع المصيبة برسول الله ص فخرجت مسرعا حتى أتيت المسجد ثم أتيت بني هاشم و الباب مغلق دونهم فضربت الباب ضربا عنيفا و قلت يا أهل البيت فخرج إلي الفضل بن العباس فقلت قد بايع الناس أبا بكر فقال العباس قد تربت أيديكم منها آخر الدهر أما إني قد أمرتكم فعصيتموني فمكثت أكابد ما في نفسي فلما كان الليل خرجت إلى المسجد فلما صرت فيه تذكرت أني كنت أسمع همهمة رسول الله ص بالقرآن فانبعثت من مكاني فخرجت نحو الفضاء فوجدت نفرا يتناجون فلما دنوت منهم سكتوا فانصرفت عنهم فعرفوني و ما عرفتهم فدعوني فأتيتهم و إذا المقداد و أبو ذر و سلمان و عمار بن ياسر و عبادة بن الصامت و حذيفة بن اليمان و الزبير بن العوام و حذيفة يقول و الله ليفعلن ما أخبرتكم به فو الله ما كذبت و لا كذبت و إذا القوم يريدون أن يعيدوا الأمر شورى بين المهاجرين و الأنصار فقال حذيفة انطلقوا بنا إلى أبي بن كعب فقد علم مثل ما علمت فانطلقوا إلى أبي بن كعب و ضربنا عليه بابه فأتى حتى صار خلف الباب ثم قال من أنتم فكلمه المقداد فقال ما جاء بك فقال افتح فإن الأمر الذي جئنا فيه أعظم من أن يجري وراء الباب فقال ما أنا بفاتح بابي و قد علمت ما جئتم له و ما أنا بفاتح بابي كأنكم أردتم النظر في هذا العقد فقلنا نعم فقال أ فيكم حذيفة فقلنا نعم فقال القول ما قال حذيفة فأما أنا فلا أفتح بابي حتى يجري على ما هو جار عليه و ما يكون بعدها شر منها و إلى الله جل ثناؤه المشتكى قال فرجعوا ثم دخل أبي بن كعب بيته قال و بلغ أبا بكر و عمر الخبر فأرسلا إلى أبي عبيدة بن الجراح و المغيرة بن شعبة فسألاهما الرأي فقال المغيرة بن شعبة أرى أن تلقوا العباس بن عبد المطلب فتطمعوه في أن يكون له في هذا الأمر نصيب يكون له و لعقبه من بعده فتقطعوه بذلك عن ابن أخيه علي بن أبي طالب فإن العباس لو صار معكم كانت الحجة

 على الناس و هان عليكم أمر علي بن أبي طالب وحده قال فانطلق أبو بكر و عمر و أبو عبيدة بن الجراح و المغيرة بن شعبة حتى دخلوا على العباس في الليلة الثانية من وفاة رسول الله ص قال فتكلم أبو بكر فحمد الله جل و عز و أثنى عليه ثم قال إن الله ابتعث محمدا ص نبيا و للمؤمنين وليا فمن الله عليهم بكونه بين ظهرانيهم حتى اختار له ما عنده و ترك للناس أمرهم ليختاروا لأنفسهم مصلحتهم متفقين لا مختلفين فاختاروني عليهم واليا و لأمورهم راعيا فتولوني ذلك و ما أخاف بعون الله وهنا و لا حيرة و لا جبنا وَ ما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ غير أني لا أنفك من طاعن يبلغني فيقول بخلاف قول العامة فيتخذكم لجأ فتكونون حصنه المنيع و خطبه البديع فإما دخلتم مع الناس فيما اجتمعوا عليه أو صرفتموهم عما مالوا إليه فقد جئناك و نحن نريد أن نجعل لك في هذا الأمر نصيبا يكون لك و لعقبك من بعدك إذ كنت عم رسول الله ص و إن كان الناس قد رأوا مكانك و مكان صاحبك فعدلوا بهذا الأمر عنكما فقال عمر إي و الله و أخرى يا بني هاشم على رسلكم فإن رسول الله ص منا و منكم و لم نأتك حاجة منا إليكم و لكن كرهنا أن يكون الطعن فيما اجتمع عليه المسلمون فيتفاقم الخطب بكم و بهم فانظروا لأنفسكم و للعامة فتكلم العباس فقال إن الله ابتعث محمدا ص نبيا و للمؤمنين وليا فإن كنت برسول الله ص طلبت هذا الأمر فحقنا أخذت و إن كنت بالمؤمنين طلبت فنحن منهم ما تقدم رأينا في أمرك و لا شورنا و لا نحب لك ذلك إذ كنا من المؤمنين و كنا لك كارهين و أما قولك أن تجعل لي في هذا الأمر نصيبا فإن كان هذا الأمر لك خاصة فأمسك عليك فلسنا محتاجين إليك و إن كان حق المؤمنين فليس لك أن تحكم في حقهم و إن كان حقنا فإنا لا نرضى ببعضه دون بعض و أما قولك يا عمر إن رسول الله ص منا و منكم فإن رسول الله ص شجرة نحن أغصانها و أنتم جيرانها فنحن أولى به منكم و أما قولك إني نخاف تفاقم الخطب بكم فهذا الذي فعلتموه أوائل ذلك وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ فخرجوا من عنده و أنشأ العباس يقول

ما كنت أحسب هذا الأمر منحرفا عن هاشم ثم منها عن أبي حسن‏أ ليس أول من صلى لقبلتكم و أعلم الناس بالآثار و السنن‏و أقرب الناس عهدا بالنبي و من جبريل عون له بالغسل و الكفن‏من فيه ما في جميع الناس كلهم و ليس في الناس ما فيه من الحسن‏من ذا الذي ردكم عنه فنعرفه ها إن بيعتكم من أول الفتن

 بيان روى ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة هذا الخبر عن البراء بن عازب أنه قال لم أزل لبني هاشم محبا فلما قبض رسول الله ص خفت أن تتمالى قريش على إخراج هذا الأمر من بني هاشم فأخذني ما يأخذ الواله العجول و ساق الحديث إلى قوله و إن كان المسلمون قد رأوا مكانك من رسول الله ص و مكان أهلك ثم عدلوا بهذا الأمر عنكم و على رسلكم بني هاشم فإن رسول الله ص منا و منكم فاعترض كلامه عمر و خرج إلى مذهبه في الخشونة و الوعيد و إتيان الأمر من أصعب جهاته فقال إي و الله و أخرى أنا لم نأتكم حاجة إليكم و لكن كرهنا أن يكون الطعن فيما اجتمع عليه المسلمون منكم و ساق الحديث إلى قوله و إن كنت بالمؤمنين طلبت فنحن منهم ما تقدمنا في أمركم فرطا و لا حللنا منكم وسطا و لا برحنا شحطا فإن كان هذا الأمر يجب لك بالمؤمنين فما وجب إذ كنا كارهين و ما أبعد قولك إنهم طعنوا عليك من قولك إنهم مالوا إليك و أما ما بذلت لنا فإن يكن حقك أعطيتناه فأمسكه عليك إلى قوله وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ. قال الفيروزآبادي ترب كفرح خسر و افتقر و يداه لا أصاب خيرا و قال خبطه يخبطه ضربه شديدا و القوم بسيفه جلدهم و الشيطان فلانا مسه و قال الجزري الرسل بالكسر التؤدة و التأني يقال افعل كذا و كذا على رسلك بالكسر أي اتئد فيه قوله ما تقدمنا في أمركم فرطا أي لم نختر لكم رأيا و أمرا كالفرط الذي يتقدم القوم يرتاد لهم المكان و لا حللنا وسط مجالسكم عند المشاورة و المحاورة و لا برحنا شحطا أي ما زلنا كنا مبعدين عنكم و عن رأيكم من شحط كمنع و فرح أي بعد و في بعض النسخ و لا نزحنا بالنون و الزاي المعجمة فهو إما من نزح بمعنى بعد و الشحط بمعنى السبق أي لم نتكلم معكم حتى نسبقكم في الرأي و نبعد عنكم فيه أو من الشحط بمعنى البعد أيضا أي لم نكن منكم في مكان بعيد يكون ذلك عذرا لكم في ترك مشورتنا أو من نزح البئر و الشحط بمعنى الدلو المملو من قولهم شحط الإناء أي ملأه أي لم نعمل في أمركم رأيا مصيبا و في بعضها بالتاء و الراء المهملة أي لم نحزن و لم نهتم لمفارقتكم عنا و تباعدكم منا و على هذا يحتمل أن يكون سخطا بالسين المهملة و الخاء المعجمة و لعل النسخة الأولى أصوب

47-  و وجدت أيضا في كتاب سليم، في موضع آخر قال أبان بن أبي عياش قال لي أبو جعفر ع ما لقينا أهل البيت من ظلم قريش و تظاهرهم علينا و قتلهم إيانا و ما لقيت شيعتنا و محبونا من الناس إن رسول الله ص قبض و قد قام بحقنا و أمر بطاعتنا و فرض ولايتنا و مودتنا و أخبرهم بأنا أولى بهم من أنفسهم و أمر أن يبلغ الشاهد الغائب فتظاهروا على علي ع فاحتج عليهم بما قال رسول الله ص فيه و ما سمعت العامة فقالوا صدقت قد قال رسول الله ص و لكن قد نسخه فقال إنا أهل بيت أكرمنا الله عز و جل و اصطفانا و لم يرض لنا بالدنيا و إن الله لا يجمع لنا النبوة و الخلافة فشهد له بذلك أربعة نفر عمر و أبو عبيدة و معاذ بن جبل و سالم مولى أبي حذيفة فشبهوا على العامة و صدقوهم و ردوهم على أدبارهم و أخرجوها من معدنها حيث جعلها الله و احتجوا على الأنصار بحقنا فعقدوها لأبي بكر ثم ردها أبو بكر إلى عمر يكافيه بها ثم جعلها عمر شورى بين ستة ثم جعلها ابن عوف لعثمان على أن يردها عليه فغدر به عثمان و أظهر ابن عوف كفره و جهله و طعن في حياته و زعم أن عثمان سمه فمات ثم قام طلحة و الزبير فبايعا عليا ع طائعين غير مكرهين ثم نكثا و غدرا و ذهبا بعائشة معهما إلى البصرة ثم دعا معاوية طغاة أهل الشام إلى الطلب بدم عثمان و نصب لنا الحرب ثم خالفه أهل حروراء على أن يحكم كتاب الله و سنة نبيه ص فلو كانا حكما بما شرط عليهما لحكما أن عليا أمير المؤمنين ع في كتاب الله و على لسان نبيه ص و في سنته فخالفه أهل النهروان و قاتلوه

 أقول سيأتي تمامه في باب ما وقع من الظلم على أهل البيت ع في كتاب الإمامة

48-  أقول وجدت أيضا في كتاب سليم بن قيس، برواية ابن أبي عياش عنه قال كنت عند عبد الله بن عباس في بيته و معنا جماعة من شيعة علي ع فحدثنا فكان فيما حدثنا أن قال يا إخوتي توفي رسول الله ص يوم توفي فلم يوضع في حفرته حتى نكث الناس و ارتدوا و أجمعوا على الخلاف و اشتغل علي بن أبي طالب ع برسول الله ص حتى فرغ من غسله و تكفينه و تحنيطه و وضعه في حفرته ثم أقبل على تأليف القرآن و شغل عنهم بوصية رسول الله ص و لم يكن همته الملك لما كان رسول الله ص أخبره عن القوم فافتتن الناس بالذي افتتنوا به من الرجلين فلم يبق إلا علي ع و بنو هاشم و أبو ذر و المقداد و سلمان في أناس معهم يسير فقال عمر لأبي بكر يا هذا إن الناس أجمعين قد بايعوك ما خلا هذا الرجل و أهل بيته و هؤلاء النفر فابعث إليه فبعث إليه ابن عم لعمر يقال له قنفذ فقال له يا قنفذ انطلق إلى علي فقل له أجب خليفة رسول الله فانطلق فأبلغه فقال علي ع ما أسرع ما كذبتم على رسول الله ص و ارتددتم و الله ما استخلف رسول الله ص غيري فارجع يا قنفذ فإنما أنت رسول فقل له قال لك علي ع و الله ما استخلفك رسول الله ص و إنك لتعلم من خليفة رسول الله فأقبل قنفذ إلى أبي بكر فبلغه الرسالة فقال أبو بكر صدق علي ما استخلفني رسول الله ص فغضب عمر و وثب و قام فقال أبو بكر اجلس ثم قال لقنفذ اذهب إليه فقل له أجب أمير المؤمنين أبا بكر فأقبل قنفذ حتى دخل على علي ع فأبلغه الرسالة فقال كذب و الله انطلق إليه فقل له لقد تسميت باسم ليس لك فقد علمت أن أمير المؤمنين غيرك فرجع قنفذ فأخبرهما فوثب عمر غضبان فقال و الله إني لعارف بسخفه و ضعف رأيه و إنه لا يستقيم لنا أمر حتى نقتله فخلني آتيك برأسه فقال أبو بكر اجلس فأبى فأقسم عليه فجلس ثم قال يا قنفذ انطلق فقل له أجب أبا بكر فأقبل قنفذ فقال يا علي أجب أبا بكر فقال علي ع إني لفي شغل عنه و ما كنت بالذي أترك وصية خليلي و أخي و انطلق إلى أبي بكر و ما اجتمعتم عليه من الجور فانطلق قنفذ فأخبر أبا بكر فوثب عمر غضبان فنادى خالد بن الوليد و قنفذا فأمرهما أن يحملا حطبا و نارا ثم أقبل حتى انتهى إلى باب علي و فاطمة ع قاعدة خلف الباب قد عصبت رأسها و نحل جسمها في وفاة رسول الله ص فأقبل عمر حتى ضرب الباب ثم نادى يا ابن أبي طالب افتح الباب فقالت فاطمة ع يا عمر ما لنا و لك لا تدعنا و ما نحن فيه قال افتحي الباب و إلا أحرقنا عليكم فقالت يا عمر أ ما تتقي الله عز و جل تدخل على بيتي و تهجم على داري فأبى أن ينصرف ثم عاد عمر بالنار فأضرمها في الباب فأحرق الباب ثم دفعه عمر فاستقبلته فاطمة ع و صاحت يا أبتاه يا رسول الله فرفع السيف و هو في غمده فوجئ به جنبها فصرخت فرفع السوط فضرب به ذراعها فصاحت يا أبتاه فوثب علي بن أبي طالب ع فأخذ بتلابيب عمر ثم هزه فصرعه و وجأ أنفه و رقبته و هم بقتله فذكر قول رسول الله ص و ما أوصى به من الصبر و الطاعة فقال و الذي كرم محمدا ص بالنبوة يا ابن صهاك لو لا كتاب من الله سبق لعلمت أنك لا تدخل بيتي فأرسل عمر يستغيث فأقبل الناس حتى دخلوا الدار و سل خالد بن الوليد السيف ليضرب به عليا ع فحمل علي عليه بسيفه فأقسم على علي فكف و أقبل المقداد و سلمان و أبو ذر و عمار و بريدة الأسلمي حتى دخلوا الدار أعوانا لعلي ع حتى كادت تقع فتنة فأخرج علي ع و تبعه الناس و اتبعه سلمان و أبو ذر و المقداد و عمار و بريدة و هم يقولون ما أسرع ما خنتم رسول الله ص و أخرجتم الضغائن التي في

 صدوركم و قال بريدة بن الحصيب الأسلمي يا عمر أتيت على أخي رسول الله ص و وصيه و على ابنته فتضربها و أنت الذي تعرفك قريش بما تعرفك به فرفع خالد بن الوليد السيف ليضرب بريدة و هو في غمده فتعلق به عمر و منعه من ذلك فانتهوا بعلي ع إلى أبي بكر ملببا فلما نظر به أبو بكر صاح خلوا سبيله فقال ما أسرع ما توثبتم على أهل بيت نبيكم يا أبا بكر بأي حق و بأي ميراث و بأي سابقة تحث الناس إلى بيعتك أ لم تبايعني بالأمس بأمر رسول الله فقال عمر دع هذا عنك يا علي فو الله إن لم تبايع لنقتلنك فقال علي ع إذا و الله أكون عبد الله و أخا رسوله المقتول فقال عمر أما عبد الله المقتول فنعم و أما أخو رسول الله فلا فقال علي ع أما و الله لو لا قضاء من الله سبق و عهد عهده إلي خليلي لست أجوزه لعلمت أينا أضعف ناصرا و أقل عددا و أبو بكر ساكت لا يتكلم فقام بريدة فقال يا عمر أ لستما اللذين قال لكما رسول الله ص انطلقا إلى علي ع فسلما عليه بإمرة المؤمنين فقلتما أ عن أمر الله و أمر رسوله فقال نعم فقال أبو بكر قد كان ذلك يا بريدة و لكنك غبت و شهدنا و الأمر يحدث بعده الأمر فقال عمر ما أنت و هذا يا بريدة و ما يدخلك في هذا قال بريدة و الله لا سكنت في بلدة أنتم فيها أمراء فأمر به عمر فضرب و أخرج ثم قام سلمان فقال يا أبا بكر اتق الله و قم عن هذا المجلس و دعه لأهله يأكلوا به رغدا إلى يوم القيامة لا يختلف على هذه الأمة سيفان فلم يجبه أبو بكر فأعاد سلمان فقال مثلها فانتهره عمر و قال ما لك و هذا الأمر و ما يدخلك فيما هاهنا فقال مهلا يا عمر قم يا أبا بكر عن هذا المجلس و دعه لأهله يأكلوا به و الله خضرا إلى يوم القيامة و إن أبيتم لتحلبن به دما و ليطمعن فيها الطلقاء و الطرداء و المنافقون و الله إني لو أعلم أني أدفع ضيما أو أعز لله دينا لوضعت سيفي على عنقي ثم ضربت به قدما أ تثبون على وصي رسول الله فأبشروا بالبلاء و اقنطوا من الرخاء ثم قام أبو ذر و المقداد و عمار فقالوا لعلي ع ما تأمر و الله إن أمرتنا لنضربن بالسيف حتى نقتل فقال علي ع كفوا رحمكم الله و اذكروا عهد رسول الله ص و ما أوصاكم به فكفوا فقال عمر لأبي بكر و هو جالس فوق المنبر ما يجلسك فوق المنبر و هذا جالس محارب لا يقوم فيبايعك أ و تأمر به فنضرب عنقه و الحسن و الحسين ع قائمان على رأس علي ع فلما سمعا مقالة عمر بكيا و رفعا أصواتهما يا جداه يا رسول الله فضمهما علي ع إلى صدره و قال لا تبكيا فو الله لا يقدران على قتل أبيكما هما أذل و أدخر من ذلك و أقبلت أم أيمن النوبية حاضنة رسول الله ص و أم سلمة فقالتا يا عتيق ما أسرع ما أبديتم حسدكم لآل محمد فأمر بهما عمر أن تخرجا من المسجد و قال ما لنا و للنساء ثم قال يا علي قم بايع فقال علي ع إن لم أفعل قال إذا و الله نضرب عنقك قال كذبت و الله يا ابن صهاك لا تقدر على ذلك أنت ألأم و أضعف من ذلك فوثب خالد بن الوليد و اخترط سيفه و قال و الله لئن لم تفعل لأقتلنك فقام إليه علي ع و أخذ بمجامع ثوبه ثم دفعه حتى ألقاه على قفاه و وقع السيف من يده فقال عمر قم يا علي بن أبي طالب فبايع قال فإن لم أفعل قال إذن و الله نقتلك و احتج عليهم علي ع ثلاث مرات ثم مد يده من غير أن يفتح كفه فضرب عليها أبو بكر و رضي بذلك ثم توجه إلى منزله و تبعه الناس

 قال ثم إن فاطمة ع بلغها أن أبا بكر قبض فدكا فخرجت في نساء بني هاشم حتى دخلت على أبي بكر فقالت يا أبا بكر تريد أن تأخذ مني أرضا جعلها لي رسول الله ص و تصدق بها علي من الوجيف الذي لم يوجف المسلمون عليه بخيل و لا ركاب أ ما كان قال رسول الله ص المرء يحفظ في ولده و قد علمت أنه ص لم يترك لولده شيئا غيرها فلما سمع أبو بكر مقالتها و النسوة معها دعا بدواة ليكتب به لها فدخل عمر فقال يا خليفة رسول الله ص لا تكتب لها حتى تقيم البينة بما تدعي فقالت فاطمة ع نعم أقيم البينة قال من قالت علي و أم أيمن فقال عمر و لا تقبل شهادة امرأة أعجمية لا تفصح و أما علي فيجر النار إلى قرصته فرجعت فاطمة ع و قد دخلها من الغيظ ما لا يوصف فمرضت و كان علي ع يصلي في المسجد الصلوات الخمس فلما صلى قال له أبو بكر و عمر كيف بنت رسول الله إلى أن ثقلت فسألا عنها و قالا قد كان بيننا و بينها ما قد علمت فإن رأيت أن تأذن لنا لنعتذر إليها من ذنبنا قال ذلك إليكما فقاما فجلسا بالباب و دخل علي ع على فاطمة ع فقال لها أيتها الحرة فلان و فلان بالباب يريدان أن يسلما عليك فما ترين قالت البيت بيتك و الحرة زوجتك افعل ما تشاء فقال سدي قناعك فسدت قناعها و حولت وجهها إلى الحائط فدخلا و سلما و قالا ارضي عنا رضي الله عنك فقالت ما دعاكما إلى هذا فقالا اعترفنا بالإساءة و رجونا أن تعفي عنا و تخرجي سخيمتك فقالت إن كنتما صادقين فأخبراني عما أسألكما عنه فإني لا أسألكما عن أمر إلا أنا عارفة بأنكما تعلمانه فإن صدقتما علمت أنكما صادقان في مجيئكما قالا سلي عما بدا لك قالت نشدتكما بالله هل سمعتما رسول الله ص يقول فاطمة بضعة مني فمن آذاها فقد آذاني قالا نعم فرفعت يدها إلى السماء فقالت اللهم إنهما قد آذياني فأنا أشكوهما إليك و إلى رسولك لا و الله لا أرضى عنكما أبدا حتى ألقى أبي رسول الله ص فأخبره بما صنعتما فيكون هو الحاكم فيكما قال فعند ذلك دعا أبو بكر بالويل و الثبور و جزع جزعا شديدا فقال عمر تجزع يا خليفة رسول الله من قول امرأة قال فبقيت فاطمة ع بعد وفاة أبيها رسول الله أربعين ليلة فلما اشتد بها الأمر دعت عليا ع و قالت يا ابن عم ما أراني إلا لما بي و أنا أوصيك أن تتزوج أمامة بنت أختي زينب تكون لولدي مثلي و اتخذ لي نعشا فإني رأيت الملائكة يصفونه لي و أن لا تشهد أحدا من أعداء الله جنازتي و لا دفني و لا الصلاة علي قال ابن عباس و هو قول أمير المؤمنين ع أشياء لم أجد إلى تركهن سبيلا لأن القرآن بها أنزل على قلب محمد ص قتال الناكثين و القاسطين و المارقين الذي أوصاني و عهد إلي خليلي رسول الله ص بقتالهم و تزويج أمامة بنت زينب أوصتني بها فاطمة ع قال ابن عباس فقبضت فاطمة ع من يومها فارتجت المدينة بالبكاء من الرجال و النساء و دهش الناس كيوم قبض فيه رسول الله ص فأقبل أبو بكر و عمر يعزيان عليا ع و يقولان له يا أبا الحسن لا تسبقنا بالصلاة على ابنة رسول الله فلما كان في الليل دعا علي العباس و الفضل و المقداد و سلمان و أبا ذر و عمارا فقدم العباس فصلى عليها و دفنوها فلما أصبح الناس أقبل أبو بكر و عمر و الناس يريدون الصلاة على فاطمة ع فقال المقداد قد دفنا فاطمة البارحة

 فالتفت عمر إلى أبي بكر فقال لم أقل لك إنهم سيفعلون قال العباس إنها أوصت أن لا تصليا عليها فقال عمر لا تتركون يا بني هاشم حسدكم القديم لنا أبدا إن هذه الضغائن التي في صدوركم لن تذهب و الله لقد هممت أن أنبشها فأصلي عليها فقال علي ع و الله لو رمت ذاك يا ابن صهاك لا رجعت إليك يمينك لئن سللت سيفي لا غمدته دون إزهاق نفسك فرم ذلك فانكسر عمر و سكت و علم أن عليا ع إذا حلف صدق ثم قال علي ع يا عمر أ لست الذي هم بك رسول الله ص و أرسل إلي فجئت متقلدا بسيفي ثم أقبلت نحوك لأقتلك فأنزل الله عز و جل فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا قال ابن عباس ثم إنهم توامروا و تذاكروا فقالوا لا يستقيم لنا أمر ما دام هذا الرجل حيا فقال أبو بكر من لنا بقتله فقال عمر خالد بن الوليد فأرسلا إليه فقالا يا خالد ما رأيك في أمر نحملك عليه قال احملاني على ما شئتما فو الله إن حملتماني على قتل ابن أبي طالب لفعلت فقالا و الله ما نريد غيره قال فإني له فقال أبو بكر إذا قمتما في الصلاة صلاة الفجر فقم إلى جانبه و معك السيف فإذا سلمت فاضرب عنقه قال نعم فافترقوا على ذلك ثم إن أبا بكر تفكر فيما أمر به من قتل علي ع و عرف إن فعل ذلك وقعت حروب شديدة و بلاء طويل فندم على ما أمر به فلم ينم ليلته تلك حتى أتى المسجد و قد أقيمت الصلاة فتقدم و صلى بالناس مفكرا لا يدري ما يقول و أقبل خالد بن الوليد متقلدا بالسيف حتى قام إلى جانب علي ع و قد فطن علي ع ببعض ذلك فلما فرغ أبو بكر من تشهده صاح قبل أن يسلم يا خالد لا تفعل ما أمرتك فإن فعلت قتلتك ثم سلم عن يمينه و شماله فوثب علي ع فأخذ بتلابيب خالد و انتزع السيف من يده ثم صرعه و جلس على صدره و أخذ سيفه ليقتله و اجتمع عليه أهل المسجد ليخلصوا خالدا فما قدروا عليه فقال العباس حلفوه بحق القبر لما كففت فحلفوه بالقبر فتركوه فتركه و قام فانطلق إلى منزله و جاء الزبير و العباس و أبو ذر و المقداد و بنو هاشم و اخترطوا السيوف و قالوا و الله لا ينتهون حتى يتكلم و يفعل و اختلف الناس و ماجوا و اضطربوا و خرجت نسوة بني هاشم فصرخن و قلن يا أعداء الله ما أسرع ما أبديتم العداوة لرسول الله و أهل بيته و لطال ما أردتم هذا من رسول الله فلم تقدروا عليه فقتلتم ابنته بالأمس ثم تريدون اليوم أن تقتلوا أخاه و ابن عمه و وصيه و أبا ولده كذبتم و رب الكعبة و ما كنتم تصلون إلى قتله حتى تخوف الناس أن تقع فتنة عظيمة

 بيان حلب الدم كناية عن فعل ما يورث الندم و جلب ما يضر جالبه و جر النار إلى القرصة عن جلب النفع أي هو يجر النفع بشهادته فلا تسمع

49-  فس، ]تفسير القمي[ أبي عن محمد بن الفضيل عن أبي الحسن صلوات الله عليه قال جاء العباس إلى أمير المؤمنين ع فقال انطلق نبايع لك الناس فقال أمير المؤمنين ع أ تراهم فاعلين قال نعم قال فأين قول الله تعالى الم أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ وَ لَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ

 بيان التنزيل، لابن شهرآشوب عن العياشي بإسناده عن أبي الحسن ع مثله

50-  أقول قال علي بن الحسين المسعودي في كتاب الوصية، قام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ع بأمر الله جل و علا و عمره خمس و ثلاثون سنة و اتبعه المؤمنون و قعد عنه المنافقون و نصبوا للملك و أمر الدنيا رجلا اختاروه لأنفسهم دون من اختاره الله عز و جل و رسول الله ص. فروي أن العباس رضي الله عنه صار إلى أمير المؤمنين ع و قد قبض رسول الله ص فقال له امدد يدك أبايعك فقال و من يطلب هذا الأمر و من يصلح له غيرنا و صار إليه ناس من المسلمين منهم الزبير و أبو سفيان صخر بن حرب فأبى و اختلف المهاجرون و الأنصار فقالت الأنصار منا أمير و منكم أمير فقال قوم من المهاجرين سمعنا رسول الله ص يقول الخلافة في قريش فسلمت الأنصار لقريش بعد أن داسوا سعد بن عبادة و وطئوا بطنه و بايع عمر بن الخطاب أبا بكر و صفق على يديه ثم بايعه قومه ممن قدم المدينة ذلك الوقت من الأعراب و المؤلفة قلوبهم و تابعهم على ذلك غيرهم. و اتصل الخبر بأمير المؤمنين ع بعد فراغه من غسل رسول الله ص و تحنيطه و تكفينه و تجهيزه و دفنه بعد الصلاة عليه مع من حضر من بني هاشم و قوم من صحابته مثل سلمان و أبي ذر و المقداد و عمار و حذيفة و أبي بن كعب و جماعة نحو أربعين رجلا فقام خطيبا فحمد الله و أثنى عليه ثم قال إن كانت الإمامة في قريش فأنا أحق قريش بها و إن لا تكن في قريش فالأنصار على دعواهم ثم اعتزلهم و دخل بيته فأقام فيهم و من اتبعه من المسلمين و قال إن لي في خمسة من النبيين أسوة نوح إذ قال أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ و إبراهيم إذ قال وَ أَعْتَزِلُكُمْ وَ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ و لوط إذ قال لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ و موسى إذ قال فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ و هارون إذ قال إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي ثم ألف ع القرآن و خرج إلى الناس و قد حمله في إزار معه و هو يئط من تحته فقال لهم هذا كتاب الله قد ألفته كما أمرني و أوصاني رسول الله ص كما أنزل فقال له بعضهم اتركه و امض فقال لهم إن رسول الله قال لكم إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله و عترتي لن يفترقا حتى يردا علي الحوض فإن قبلتموه فاقبلوني معه أحكم بينكم بما فيه من أحكام الله فقالوا لا حاجة لنا فيه و لا فيك فانصرف به معك لا تفارقه فانصرف عنهم. فأقام أمير المؤمنين ع و من معه من شيعته في منازلهم بما عهده إليه رسول الله ص فوجهوا إلى منزله فهجموا عليه و أحرقوا بابه و استخرجوه منه كرها و ضغطوا سيدة النساء بالباب حتى أسقطت محسنا و أخذوه

 بالبيعة فامتنع و قال لا أفعل فقالوا نقتلك فقال إن تقتلوني فإني عبد الله و أخو رسوله و بسطوا يده فقبضها و عسر عليهم فتحها فمسحوا عليه و هي مضمومة. ثم لقي أمير المؤمنين بعد هذا الفعل بأيام أحد القوم فناشده الله و ذكره بأيام الله و قال له هل لك أن أجمع بينك و بين رسول الله حتى يأمرك و ينهاك فقال له نعم فخرجا إلى مسجد قباء فأراه رسول الله ص قاعدا فيه فقال له يا فلان على هذا عاهدتموني في تسليم الأمر إلى علي و هو أمير المؤمنين فرجع و قد هم بتسليم الأمر إليه فمنعه صاحبه من ذلك فقال هذا سحر مبين معروف من سحر بني هاشم أ و ما تذكر يوم كنا مع ابن أبي كبشة فأمر شجرتين فالتقتا فقضى حاجته خلفهما ثم أمرهما فتفرقتا و عادتا إلى حالهما فقال له أما إن ذكرتني هذا فقد كنت معه في الكهف فمسح يده على وجهي ثم أهوى برجله فأراني البحر ثم أراني جعفرا و أصحابه في سفينة تعوم في البحر. فرجع عما كان عزم عليه و هموا بقتل أمير المؤمنين و تواصوا و تواعدوا بذلك و أن يتولى قتله خالد بن الوليد فبعثت أسماء بنت عميس إلى أمير المؤمنين بجارية لها فأخذت بعضادتي الباب و نادت إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ فخرج ع مشتملا بسيفه و كان الوعد في قتله أن يسلم إمامهم فيقوم خالد إليه بسيفه فأحسوا بأسه فقال الإمام قبل أن يسلم لا تفعلن خالد ما أمرت به. ثم كان من أقاصيصهم ما رواه الناس. و في سنتين و شهرين و سبعة أيام من إمامة أمير المؤمنين مات ابن أبي قحافة و هو عتيق بن عثمان و أوصى بالأمر بعده إلى عمر بن الخطاب لعهد كان بينهما و اعتزله أمير المؤمنين ع كاعتزاله لصاحبه قبله إلا بما لم يجد منه بدا و لا ينهى إلا عما لم يجد من النهي عنه بدا و هم في خلال ذلك يسألونه و يستفتونه في حلالهم و حرامهم و في تأويل الكتاب و فصل الخطاب.

 بيان قال الجوهري الأطيط صوت الرحل و الإبل من ثقل أحمالها

 51-  و قال ابن أبي الحديد عند شرح قول أمير المؤمنين ع فنظرت فإذا ليس لي معين إلا أهل بيتي فضننت بهم عن الموت فأغضيت على القذى و شربت على الشجا و صبرت على أخذ الكظم و على أمر من طعم العلقم

ما هذا لفظه اختلفت الروايات في قصة السقيفة فالذي تقوله الشيعة و قد قال قوم من المحدثين بعضه و رووا كثيرا منه أن عليا امتنع من البيعة حتى أخرج كرها و أن الزبير بن العوام امتنع من البيعة و قال لا أبايع إلا عليا و كذلك أبو سفيان بن حرب و خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس و العباس بن عبد المطلب و بنوه و أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب و جميع بني هاشم و قالوا إن الزبير شهر سيفه فلما جاء عمر و معه جماعة من الأنصار و غيرهم قال في جملة ما قال خذوا سيف هذا فاضربوا به الحجر و يقال أنه أخذ السيف من يد الزبير فضرب به حجرا فكسره و ساقهم كلهم بين يديه إلى أبي بكر فحملهم على بيعته و لم يتخلف إلا علي وحده فإنه اعتصم ببيت فاطمة ع فتحاموا إخراجه منه قسرا فقامت فاطمة ع إلى باب البيت فأسمعت من جاء يطلبه فتفرقوا و علموا أنه بمفرده لا يضر شيئا فتركوه و قيل إنهم أخرجوه فيمن أخرج و حمل إلى أبي بكر فبايعه و قد روى أبو جعفر محمد بن جرير الطبري كثيرا من هذا فأما حديث التحريق و ما جرى مجراه من الأمور الفظيعة و قول من قال أنهم أخذوا عليا ع يقاد بعمامته و الناس حوله فأمر بعيد و الشيعة تنفرد به على أن جماعة من أهل الحديث قد رووا نحوه و سنذكر ذلك. و قال أبو جعفر إن الأنصار لما فاتها ما طلبت من الخلافة قالت أو قال بعضها لا نبايع إلا عليا. و ذكر نحو هذا علي بن عبد الكريم المعروف بابن الأثير الموصلي في تاريخه فأما قوله لم يكن لي معين إلا أهل بيتي فضننت بهم عن الموت فنقول ما زال علي ع يقوله و لقد قاله عقيب وفاة رسول الله ص قال لو وجدت أربعين ذوي عزم ذكر ذلك نصر بن مزاحم في كتاب صفين و ذكره كثير من أرباب السيرة و أما الذي يقوله جمهور المحدثين و أعيانهم فإنه ع امتنع من البيعة ستة أشهر و لزم بيته فلم يبايع حتى ماتت فاطمة ع فلما ماتت بايع طوعا.

 و في صحيحي مسلم و البخاري كانت وجوه الناس إليه و فاطمة لم تمت بعد فلما ماتت فاطمة ع انصرفت وجوه الناس عنه و خرجوا من بيته فبايع أبا بكر و كانت مدة بقائها بعد أبيها عليه الصلاة و السلام ستة أشهر.

  قال أيضا روى أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال لما بويع لأبي بكر كان الزبير و المقداد يختلفان في جماعة من الناس إلى علي ع و هو في بيت فاطمة فيتشاورون و يتراجعون أمورهم فخرج عمر حتى دخل على فاطمة ع و قال يا بنت رسول الله ص ما من أحد من الخلق أحب إلينا من أبيك و ما من أحد أحب إلينا منك بعد أبيك و ايم الله ما ذاك بمانعي إن اجتمع هؤلاء النفر عندك أن آمر بتحريق البيت عليهم فلما خرج عمر جاءوها فقالت تعلمون أن عمر جاءني و حلف لي بالله إن عدتم ليحرقن عليكم البيت و ايم الله ليمضين لما حلف له فانصرفوا عنا راشدين فلم يرجعوا إلى بيتها و ذهبوا فبايعوا لأبي بكر.

ثم قال و من كلام معاوية المشهور إلى علي ع و أعهدك أمس تحمل قعيدة بيتك ليلا على حمار و يداك في يدي ابنيك حسن و حسين يوم بويع أبو بكر فلم تدع أحدا من أهل بدر و السوابق إلا دعوتهم إلى نفسك و مشيت إليهم بامرأتك و أدليت إليهم بابنيك و استنصرتهم على صاحب رسول الله ص فلم يجبك منهم إلا أربعة أو خمسة و لعمري لو كنت محقا لأجابوك و لكنك ادعيت باطلا و قلت ما لا يعرف و رمت ما لا يدرك و مهما نسيت فلا أنسى قولك لأبي سفيان لما حركك و هيجك لو وجدت أربعين ذوي عزم منهم لناهضت القوم فما يوم المسلمين منك بواحد. و

 روي أيضا من كتاب الجوهري عن جرير بن المغيرة أن سلمان و الزبير و الأنصار كان هواهم أن يبايعوا عليا ع بعد النبي ص فلما بويع أبو بكر قال سلمان أصبتم الخيرة و أخطأتم المعدن.

 و عن حبيب بن أبي ثابت قال قال سلمان يومئذ أصبتم ذا السن منكم و أخطأتم أهل بيت نبيكم لو جعلتموها فيهم ما اختلف عليكم اثنان و لأكلتموها رغدا. و روي أيضا عن غسان بن عبد الحميد قال لما أكثر في تخلف علي ع عن بيعة أبي بكر و اشتد أبو بكر و عمر عليه في ذلك خرجت أم مسطح بن أثاثة فوقفت عند القبر و قالت

كانت أمور و أنباء و هنبثة. لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب.

 إلى آخر الأبيات المعروفة. و روي أيضا منه عن أبي الأسود قال غضب رجال من المهاجرين في بيعة أبي بكر بغير مشورة و غضب علي ع و الزبير فدخلا بيت فاطمة ع معهما السلاح فجاء عمر في عصابة منهم أسيد بن حضير و سلمة بن سلامة بن وقش و هما من بني عبد الأشهل فصاحت فاطمة ع و ناشدتهم الله فأخذوا سيفي علي و الزبير فضربوا بهما الجدار حتى كسروهما ثم أخرجهما عمر يسوقهما حتى بايعا ثم قام أبو بكر فخطب الناس و اعتذر إليهم و قال إن بيعتي كانت فلتة وقى الله شرها و خشيت الفتنة و ايم الله ما حرصت عليها يوما قط و لقد قلدت أمرا عظيما ما لي به طاقة و لا يدان و لوددت أن أقوى الناس عليه مكاني و جعل يعتذر إليهم فقبل المهاجرون عذره إلى آخر ما رواه. و قد روي بإسناد آخر ذكره أن ثابت بن قيس بن شماس كان مع الجماعة الذين حضروا مع عمر في بيت فاطمة ع قال و روى سعد بن إبراهيم أن عبد الرحمن بن عوف كان مع عمر ذلك اليوم و أن محمد بن مسلمة كان معهم و أنه هو الذي كسر سيف الزبير

 و روي أيضا من الكتاب المذكور بإسناده إلى سلمة بن عبد الرحمن قال لما جلس أبو بكر على المنبر كان علي ع و الزبير و أناس من بني هاشم في بيت فاطمة ع فجاء عمر إليهم فقال و الذي نفسي بيده لتخرجن إلى البيعة أو لأحرقن البيت عليكم فخرج الزبير مصلتا سيفه فاعتنقه رجل من الأنصار و زياد بن لبيد فدق به فندر السيف فصاح به أبو بكر و هو على المنبر اضرب به الحجر قال أبو عمرو بن حماس فلقد رأيت الحجر فيه تلك الضربة و يقال هذه ضربة سيف الزبير ثم قال أبو بكر دعوهم فسيأتي الله بهم قال فخرجوا إليه بعد ذلك فبايعوه.

 قال الجوهري و قد روي في رواية أخرى أن سعد بن أبي وقاص كان معهم في بيت فاطمة ع و المقداد بن الأسود أيضا و أنهم اجتمعوا على أن يبايعوا عليا ع فأتاهم عمر ليحرق عليهم البيت فخرج إليه الزبير بالسيف و خرجت فاطمة ع تبكي و تصيح فنهنهت من الناس و قالوا ليس عندنا معصية و لا خلاف في خير اجتمع عليه الناس و إنما اجتمعنا لنؤلف القرآن في مصحف واحد فبايعوا أبا بكر فاستمر الأمر و اطمأن الناس.

 و روى الجوهري أيضا عن داود بن المبارك قال أتينا عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ع و نحن راجعون من الحج في جماعة فسألناه عن مسائل و كنت أحد من سأل فسألته عن أبي بكر و عمر فقال أجيبك بما أجاب به عبد الله بن الحسن فإنه سئل عنهما فقال كانت أمنا فاطمة ع صديقة ابنة نبي مرسل و ماتت و هي غضبى على قوم فنحن غضاب لغضبها.

 و روي أيضا بإسناده عن جعفر بن محمد عن أبيه ع عن ابن عباس قال قال لي عمر أما و الله إن كان صاحبك أولى الناس بالأمر بعد وفاة رسول الله ص إلا أنا خفناه على اثنتين فقلت ما هما قال خشيناه على حداثة سنه و حبه بني عبد المطلب.

 ثم قال ابن أبي الحديد فأما امتناع علي ع من البيعة حتى أخرج على الوجه الذي أخرج عليه فقد ذكره المحدثون و رواه السير و قد ذكرنا ما قاله الجوهري في هذا الباب من رجال الحديث و من الثقات المأمونين و قد ذكر غيره من هذا النحو ما لا يحصى كثرة. فأما الأمور الشنيعة المستهجنة التي يذكرها الشيعة من إرسال قنفذ إلى بيت فاطمة ع و أنه ضربها بالسوط فصار في عضدها كالدملج و بقي أثره إلى أن ماتت و أن عمر أضغطها بين الباب و الجدار فصاحت وا أبتاه يا رسول الله ص و ألقت جنينا ميتا و جعل في عنق علي ع حبلا يقاد به و هو يعتل و فاطمة خلفه تصرخ و تنادي بالويل و الثبور و ابناه حسن و حسين ع معهما يبكيان و إن عليا ع لما أحضر سألوه البيعة فامتنع فهدد بالقتل فقال إذا تقتلون عبد الله و أخا رسول الله فقالوا أما عبد الله فنعم و أما أخو رسول الله فلا و أنه طعن فيهم في أوجههم بالنفاق و سطر صحيفة الغدر التي اجتمعوا عليها و بأنهم أرادوا أن ينفروا ناقة رسول الله ليلة العقبة فكله لا أصل له عند أصحابنا و لا يثبته أحد منهم و إنما هو شي‏ء تنفرد الشيعة بنقله. أقول عدم ثبوت تلك الأخبار عند متعصبي أصحابه لا يدل على بطلانها مع نقل محدثيهم الذين يعتمدون على نقلهم موافقا لروايات الإمامية كما اعترف به مع أن فيما ذكره من الأخبار التي صححها لنا كفاية و ما رواه مخالفا لروايتنا فمما تفردوا بنقله و لا يتم الاحتجاج إلا بالمتفق عليه بين الفريقين

 52-  و روى ابن أبي الحديد أيضا في الكتاب المذكور من كتاب السقيفة للجوهري قال حدثني أبو زيد عمر بن شبة عن رجاله قال جاء عمر إلى بيت فاطمة في رجال من الأنصار و نفر قليل من المهاجرين فقال و الذي نفسي بيده لتخرجن إلى البيعة أو لأحرقن البيت عليكم فخرج الزبير مصلتا بالسيف فاعتنقه زياد بن لبيد الأنصاري و رجل آخر فندر السيف من يده فضرب به عمر الحجر فكسره ثم أخرجهم بتلابيبهم يساقون سوقا عنيفا حتى بايعوا أبا بكر

 قال أبو زيد روى النضر بن شميل قال حمل سيف الزبير لما ندر من يده إلى أبي بكر و هو على المنبر يخطب فقال اضربوا به الحجر و قال أبو عمرو بن حماس و لقد رأيت الحجر و فيه تلك الضربة و الناس يقولون هذا أثر ضربة سيف الزبير

 و روي أيضا عن الجوهري عن أبي بكر الباهلي عن إسماعيل بن مجالد عن الشعبي قال قال أبو بكر يا عمر أين خالد بن الوليد قال هو هذا فقال انطلقا إليهما يعني عليا ع و الزبير فأتياني بهما فدخل عمر و وقف خالد على الباب من خارج فقال عمر للزبير ما هذا السيف قال أعددته لأبايع عليا قال و كان في البيت ناس كثير منهم المقداد بن الأسود و جمهور الهاشميين فاخترط عمر السيف فضرب به صخرة في البيت فكسره ثم أخذ بيد الزبير فأقامه ثم دفعه فأخرجه و قال يا خالد دونك هذا فأمسكه خالد و كان في الخارج مع خالد جمع كثير من الناس أرسلهم أبو بكر ردءا لهما ثم دخل عمر فقال لعلي ع قم فبايع فتلكأ و احتبس فأخذ بيده فقال قم فأبى أن يقوم فحمله و دفعه كما دفع الزبير ثم أمسكهما خالد و ساقهما عمر و من معه سوقا عنيفا و اجتمع الناس ينظرون و امتلأت شوارع المدينة بالرجال و رأت فاطمة ع ما صنع عمر فصرخت و ولولت و اجتمعت معها نسوة كثيرة من الهاشميات و غيرهن فخرجت إلى باب حجرتها و نادت يا أبا بكر ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت رسول الله و الله لا أكلم عمر حتى ألقى الله قال فلما بايع علي ع و الزبير و هدأت تلك الفورة مشى إليها أبو بكر بعد ذلك فشفع لعمر و طلب إليها فرضيت عنه

 قال ابن أبي الحديد بعد إيراد تلك الأخبار و الصحيح عندي أنها ماتت و هي واجدة على أبي بكر و عمر و أنها أوصت أن لا يصليا عليها و ذلك عند أصحابنا من الصغائر المغفورة لهما و كان الأولى بهما إكرامها و احترام منزلتها لكنهما خافا الفرقة و أشفقا الفتنة ففعلا ما هو الأصلح بحسب ظنهما و كانا من الدين و قوة اليقين بمكان مكين و مثل هذا لو ثبت كونه خطأ لم تكن كبيرة بل كان من باب الصغائر التي لا يقتضي التبري و لا يوجب التولي

 53-  و قال في موضع آخر من الكتاب المذكور بعد ذكر قصة هبار بن الأسود و أن رسول الله ص أباح دمه يوم فتح مكة لأنه روع زينب بنت رسول الله ص بالرمح و هي في الهودج و كانت حاملا فرأت دما و طرحت ذا بطنها قال قرأت هذا الخبر على النقيب أبي جعفر فقال إذا كان رسول الله ص أباح دم هبار لأنه روع زينب فألقت ذا بطنها فظاهر الحال أنه لو كان حيا لأباح دم من روع فاطمة ع حتى ألقت ذا بطنها فقلت أروي عنك ما يقوله قوم إن فاطمة ع روعت فألقت المحسن فقال لا تروه عني و لا ترو عني بطلانه فإني متوقف في هذا الموضع لتعارض الأخبار عندي فيه  -54  و روى في موضع آخر عن محمد بن جرير الطبري أن رسول الله ص لما قبض اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة و أخرجوا سعد بن عبادة ليولوه الخلافة و كان مريضا فخطبهم و دعاهم إلى إعطائه الرئاسة و الخلافة فأجابوه ثم ترادوا الكلام فقالوا فإن أبى المهاجرون و قالوا نحن أولياؤه و عترته فقال قوم من الأنصار نقول منا أمير و منكم أمير فقال سعد فهذا أول الوهن و سمع عمر الخبر فأتى منزل رسول الله ص و فيه أبو بكر فأرسل إليه أن اخرج إلي فأرسل أني مشغول فأرسل عمر إليه أن اخرج فقد حدث أمر لا بد أن تحضره فخرج فأعلمه الخبر فمضيا مسرعين نحوهم و معهما أبو عبيدة فتكلم أبو بكر فذكر قرب المهاجرين من رسول الله ص و أنهم أولياؤه و عترته ثم قال نحن الأمراء و أنتم الوزراء لا نفتات عليكم بمشورة و لا نقضي دونكم الأمور فقام الحباب بن المنذر بن الجموح فقال يا معشر الأنصار املكوا عليكم أمركم فإن الناس في ظلكم و لن يجترئ مجترئ على خلافكم و لا يصدر أحد إلا عن رأيكم أنتم أهل العزة و المنعة و أولو العدد و الكثرة و ذوو البأس و النجدة و إنما ينظر الناس ما تصنعون فلا تختلفوا فتفسد عليكم أموركم فإن أبى هؤلاء إلا ما سمعتم فمنا أمير و منهم أمير فقال عمر هيهات لا يجتمع سيفان في غمد و الله لا ترضى العرب أن تؤمركم و نبيها من غيركم و لا تمنع العرب أن تولى أمرها من كانت النبوة منهم من ينازعنا سلطان محمد و نحن أولياؤه و عشيرته فقال الحباب بن المنذر يا معشر الأنصار املكوا أيديكم و لا تسمعوا مقالة هذا و أصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر فإن أبوا عليكم فأجلوهم من هذه البلاد فأنتم أحق بهذا الأمر منهم فإنه بأسيافكم دان الناس بهذا الدين أنا جذيلها المحكك و عذيقها المرجب أنا أبو شبل في عريسة الأسد و الله إن شئتم لنعيدها جذعة فقال عمر إذن يقتلك الله فقال بل إياك يقتل فقال أبو عبيدة يا معشر الأنصار إنكم أول من نصر فلا تكونوا أول من بدل أو غير فقام بشير بن سعد والد النعمان بن بشير فقال يا معشر الأنصار ألا إن محمدا من قريش و قومه أولى به و ايم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر فقال أبو بكر هذا عمر و أبو عبيدة بايعوا أيهما شئتم فقالا و الله لا نتولى هذا الأمر عليك و أنت أفضل المهاجرين و خليفة رسول الله ص في الصلاة و هي أفضل الدين ابسط يدك فلما بسط يده ليبايعاه سبقهما إليه بشير بن سعد فبايعه فناداه الحباب بن المنذر يا بشير

  عقتك عقاق أ نفست على ابن عمك الإمارة فقال أسيد بن حضير رئيس الأوس لأصحابه و الله لئن لم تبايعوا ليكونن للخزرج عليكم الفضيلة أبدا فقاموا فبايعوا أبا بكر فانكسر على سعد بن عبادة و الخزرج ما اجتمعوا عليه و أقبل الناس يبايعون أبا بكر من كل جانب ثم حمل سعد بن عبادة إلى داره فبقي أياما فأرسل إليه أبو بكر ليبايع فقال لا و الله حتى أرميكم بما في كنانتي و أخضب سنان رمحي و أضرب بسيفي ما أطاعني و أقاتلكم بأهل بيتي و من تبعني و لو اجتمع معكم الجن و الإنس ما بايعتكم حتى أعرض على ربي فقال عمر لا تدعه حتى يبايع فقال بشير بن سعد إنه قد لج و ليس بمبايع لكم حتى يقتل و ليس بمقتول حتى يقتل معه أهله و طائفة من عشيرته و لا يضركم تركه إنما هو رجل واحد فتركوه و جاءت أسلم فبايعت فقويت بهم جانب أبي بكر و بايعه الناس

 ثم قال و روى أبو بكر أحمد بن عبد العزيز عن أحمد بن إسحاق بن صالح عن عبد الله بن عمر عن حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد قال لما توفي النبي ص اجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة فأتاهم أبو بكر و عمر و أبو عبيدة فقال الحباب بن المنذر منا أمير و منكم أمير أنا و الله لا ننفس هذا الأمر عليكم أيها الرهط و لكنا نخاف أن يليه بعدكم من قتلنا أبناءهم و آباءهم و إخوانهم فقال عمر بن الخطاب إذا كان ذلك فمت إن استطعت فتكلم أبو بكر فقال نحن الأمراء و أنتم الوزراء و الأمر بيننا نصفان كقد الأبلمة فبويع و كان أول من بايعه بشير بن سعد والد النعمان بن بشير فلما اجتمع الناس على أبي بكر قسم قسما بين نساء المهاجرين و الأنصار فبعث إلى امرأة من بني عدي بن النجار قسمها مع زيد بن ثابت فقالت ما هذا قال قسم قسمه أبو بكر للنساء قالت أ تراشوني عن ديني و الله لا أقبل منه شيئا فردته عليه ثم قال ابن أبي الحديد قرأت هذا الخبر على أبي جعفر يحيى بن محمد العلوي قال لقد صدقت فراسة الحباب بن المنذر فإن الذي خافه وقع يوم الحرة و أخذ من الأنصار ثأر المشركين يوم بدر ثم قال لي رحمه الله و من هذا خاف أيضا رسول الله ص على ذريته و أهله فإنه كان ع قد وتر الناس و علم أنه إن مات و ترك ابنته و ولدها سوقة و رعية تحت أيدي الولاة كانوا بعرض خطر عظيم فما زال يقرر لابن عمه قاعدة الأمر بعده حفظا لدمه و دماء أهل بيته فإنهم إذا كانوا ولاة الأمر كانت دماؤهم أقرب إلى الصيانة و العصمة مما إذا كانوا سوقة تحت يد وال من غيرهم فلم يساعده القضاء و القدر و كان من الأمر ما كان ثم أفضى أمر ذريته فيما بعد إلى ما قد علمت

 قال و روى أحمد بن عمر بن عبد العزيز عن عمر بن شبة عن محمد بن منصور عن جعفر بن سليمان عن مالك بن دينار قال كان النبي ص قد بعث أبا سفيان ساعيا فرجع من سعايته و قد مات رسول الله ص فلقيه قوم فسألهم فقالوا مات رسول الله ص فقال من ولى بعده قيل أبو بكر قال أبو الفصيل قالوا نعم قال فما فعل المستضعفان علي و العباس أما و الذي نفسي بيده لأرفعن لهما من أعضادهما قال أبو بكر أحمد بن عبد العزيز و ذكر جعفر بن سليمان أن أبا سفيان قال شيئا آخر لم تحفظه الرواة فلما قدم المدينة قال إني لأرى عجاجة لا يطفيها إلا الدم قال فكلم عمر أبا بكر فقال إن أبا سفيان قد قدم و إنا لا نأمن من شره فدع له ما في يده فتركه فرضي

 55-  و قال ابن أبي الحديد في موضع آخر لما قبض رسول الله ص و اشتغل علي ع بغسله و دفنه و بويع أبو بكر خلا الزبير و أبو سفيان و جماعة من المهاجرين بعلي ع و العباس لإجالة الرأي و تكلموا بكلام يقتضي الاستنهاض و التهييج فقال العباس رضي الله عنه قد سمعنا قولكم فلا لقلة نستعين بكم و لا لظنه نترك آراءكم فأمهلونا نراجع الفكر فإن يكن لنا من الإثم مخرج يصر بنا و بهم الحق صرير الجدجد و نبسط إلى المجد أكفا لا نقبضها أو نبلغ المدى و إن تكن الأخرى فلا لقلة في العدد و لا لوهن في الأيد و الله لو لا أن الإسلام قيد الفتك لتدكدكت جنادل صخر يسمع اصطكاكها من المحل العلي فحل علي ع حبوته و قال الصبر حلم و التقوى دين و الحجة محجة و الطريق الصراط أيها الناس شقوا أمواج الفتن إلى آخر ما نقلنا سابقا ثم نهض فدخل إلى منزله و افترق القوم

 و قال أيضا في شرح هذا الكلام منه ع لما اجتمع المهاجرون على بيعة أبي بكر أقبل أبو سفيان و هو يقول أما و الله إني لأرى عجاجة لا يطفيها إلا الدم يا لعبد مناف فيم أبو بكر من أمركم أين المستضعفان أين الأذلان يعني عليا ع و العباس ما بال هذا الأمر في أقل حي من قريش ثم قال لعلي ع ابسط يدك أبايعك فو الله إن شئت لأملأنها على أبي فصيل... خيلا و رجلا فامتنع عليه علي ع فلما يئس منه قام عنه و هو ينشد شعر المتلمس

و لا يقيم على ضيم يراد به إلا الأذلان عير الحي و الوتدهذا على الخسف مربوط برمته و ذا يشج فلا يرثي له أحد

  و قيل لأبي قحافة يوم ولي الأمر ابنه قد ولي ابنك الخلافة فقرأ قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَ تَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ ثم قال لم ولوه قالوا لسنه قال فأنا أسن منه

 و قال أيضا عند ما ذكر تنفيذ جيش أسامة كما سنذكره حيث قال فلما ركب يعني أسامة جاءه رسول أم أيمن فقال إن رسول الله ص يموت فأقبل و معه أبو بكر و عمر و أبو عبيدة فانتهوا إلى رسول الله ص حين زالت الشمس من يوم الإثنين و قد مات و اللواء مع بريدة بن الخصيب فدخل باللواء فركزه عند باب رسول الله ص و هو مغلق و علي ع و بعض بني هاشم مشتغلون بإعداد جهازه و غسله فقال العباس لعلي ع و هما في الدار امدد يدك أبايعك فيقول الناس عم رسول الله ص بايع ابن عم رسول الله فلا يختلف عليك اثنان فقال له أ و يطمع يا عم فيها طامع غيري قال ستعلم فلم يلبثا أن جاءتهما الأخبار بأن الأنصار أقعدت سعدا لتبايعه و أن عمر جاء بأبي بكر فبايعه و سبق الأنصار بالبيعة فندم علي ع على تفريطه في أمر البيعة و تقاعده عنها و أنشده العباس قول دريد

أمرتهم أمري بمنعرج اللوى فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد

  -56  و روى الشيخ قدس سره في تلخيص الشافي، عن هشام بن محمد عن أبي مخنف عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري أن النبي ص لما قبض اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة فقالوا نولي هذا الأمر من بعد محمد ص سعد بن عبادة و أخرجوا سعدا إليهم و هو مريض قال فلما اجتمعوا قال لابنه أو لبعض بني عمه إني لا أقدر لشكواي أن أسمع القوم كلهم كلامي و لكن تلق مني قولي فأسمعهم فكان يتكلم و يحفظ الرجل قوله فيرفع به صوته و يسمع به أصحابه فقال بعد أن حمد الله و أثنى عليه يا معشر الأنصار إن لكم سابقة في الدين و فضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب إن محمدا ص لبث بضع عشر سنة في قومه يدعوهم إلى عبادة الرحمن و خلع الأوثان فما آمن به من قومه إلا رجال قليل و الله ما كانوا يقدرون على أن يمنعوا رسوله و لا أن يعزوا دينه و لا أن يدفعوا عن أنفسهم ضيما عموا به حتى إذا أراد بكم ربكم الفضيلة و ساق إليكم الكرامة و خصكم بالنعمة و رزقكم الإيمان به و برسوله و المنع له و لأصحابه و الإعزاز له و لدينه و الجهاد لأعدائه و كنتم أشد الناس على عدوه منهم و أثقله على عدوه من غيركم حتى استقامت العرب لأمر الله طوعا و كرها و أعطى البعيد المقادة صاغرا داخرا و حتى أثخن الله لرسوله بكم الأرض و دانت بأسيافكم له العرب و توفاه الله إليه و هو عنكم راض و بكم قرير عين استبدوا بهذا الأمر دون الناس فإنه لكم دون الناس فأجابوه بأجمعهم بأن قد وفقت في الرأي و أصبت في القول و لن نعدو ما رأيت نوليك هذا الأمر فإنك فينا متبع و لصالح المؤمنين رضا ثم إنهم ترادوا الكلام فقالوا فإن أبت مهاجرة قريش فقالوا نحن المهاجرون و صحابة رسول الله الأولون و نحن عشيرته و أولياؤه فعلام تنازعوننا الأمر من بعده فقالت طائفة منهم فإنا نقول إذا منا أمير و منكم أمير و لن نرضى بدون هذا أبدا فقال سعد بن عبادة حين سمعها هذا أول الوهن و أتى عمر الخبر فأقبل إلى منزل النبي ص فأرسل إلى أبي بكر و أبو بكر في الدار و علي بن أبي طالب ع دائب في جهاز النبي ص فأرسل إلى أبي بكر أن اخرج إلي فأرسل إليه أني مشتغل فأرسل إليه أنه قد حدث أمر لا بد لك من حضوره فخرج إليه فقال أ ما علمت أن الأنصار قد اجتمعت في سقيفة بني ساعدة يريدون أن يولوا هذا الأمر سعد بن عبادة و أحسنهم مقالة من يقول منا أمير و من قريش أمير فمضيا مسرعين نحوهم فلقيا أبا عبيدة فتماشوا إليهم فلقيهم عاصم بن عدي و عويم بن ساعدة فقالا لهم ارجعوا فإنه لا يكون إلا ما تحبون فقالوا لا تفعل فجاءهم و هم مجتمعون فقال عمر بن الخطاب أتيناهم و قد كنت زورت كلاما أردت أن أقوم به فيهم فلما اندفعت إليهم ذهبت لأبتدئ المنطق فقال لي أبو بكر رويدا حتى أتكلم ثم انطق بعد ما أحببت فنطق فقال عمر فما شي‏ء كنت أريد أن أقول به إلا و قد أتى به أو زاد عليه قال عبد الله بن عبد الرحمن فبدأ أبو بكر فحمد الله و أثنى عليه ثم قال إن الله بعث محمدا ص رسولا إلى خلقه و شهيدا على أمته ليعبدوا الله و يوحدوه و هم يعبدون من دونه آلهة شتى يزعمون أنها لمن عبدها شافعة و لهم نافعة و إنما هي من حجر منحوت و خشب منجور ثم قرأ وَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَ لا يَنْفَعُهُمْ وَ يَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ و قالوا ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى

فعظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم فخص الله المهاجرين الأولين من قومه بتصديقه و الإيمان به و المواساة له و الصبر معه على شدة أذى قومهم لهم و تكذيبهم إياه و كل الناس لهم مخالف و عليهم زار فلم يستوحشوا لقلة عددهم و تشذب الناس عنهم و إجماع قومهم عليهم فهم أول من عبد الله في الأرض و آمن بالله و بالرسول و هم أولياؤه و عشيرته و أحق الناس بهذا الأمر من بعده و لا ينازعهم في ذلك إلا ظالم و أنتم يا معشر الأنصار من لا ينكر فضلهم في الدين و لا سابقتهم العظيمة في الإسلام رضيكم الله أنصارا لدينه و رسوله و جعل إليكم هجرته و فيكم جلة أزواجه و أصحابه و ليس بعد المهاجرين الأولين عندنا بمنزلتكم فنحن الأمراء و أنتم الوزراء لا تفتاتون بمشورة و لا يقضى دونكم الأمور فقام المنذر بن الحباب بن الجموح هكذا روى الطبري و الذي رواه غيره أنه الحباب بن المنذر فقال يا معشر الأنصار املكوا على أيديكم و ساق الحديث نحوا مما رواه ابن أبي الحديد عن الطبري إلى قوله فقاموا إليه فبايعوه فانكسر على سعد بن عبادة و على الخزرج ما كانوا اجتمعوا له من أمرهم ثم قال قال هشام قال أبو مخنف و حدثني أبو بكر بن محمد الخزاعي أن أسلم أقبلت بجماعتها حتى تضايقت بهم السكك ليبايعوا أبا بكر فكان عمر يقول ما هو إلا أن رأيت أسلم فأيقنت بالنصر قال هشام عن أبي مخنف قال قال عبد الله بن عبد الرحمن فأقبل الناس من كل جانب يبايعون أبا بكر و كادوا يطئون سعد بن عبادة فقال ناس من أصحاب سعد اتقوا سعدا لا تطئوه فقال عمر اقتلوه قتله الله ثم قام على رأسه فقال لقد هممت أن أطأك حتى تندر عضدك فأخذ قيس بن سعد بلحية عمر ثم قال و الله لئن حصحصت منه شعرة ما رجعت و في فيك واضحة فقال أبو بكر مهلا يا عمر الرفق هاهنا أبلغ فأعرض عنه و قال سعد أما و الله لو أرى من قوة ما أقوى على النهوض لسمعتم مني بأقطارها و سككها زئيرا يحجرك و أصحابك أما و الله إذا لألحقنك بقوم كنت فيهم تابعا غير متبوع احملوني من هذا المكان فحملوه فأدخلوه داره و ترك أياما ثم بعث إليه أن أقبل فبايع فقد بايع الناس و بايع قومك فقال أما و الله حتى أرميكم بما في كنانتي من نبل و أخضب منكم سنان رمحي و أضربكم بسيفي ما ملكته يدي و أقاتلكم بأهل بيتي و من أطاعني من قومي و لا أفعل و ايم الله لو أن الجن اجتمعت لكم مع الإنس ما بايعتكم حتى أعرض على ربي و أعلم ما حسابي فلما أتي أبو بكر بذلك قال له عمر لا تدعه حتى يبايع فقال له بشير بن سعد إنه قد لج و أبا فليس يبايعكم حتى يقتل و ليس بمقتول حتى يقتل معه ولده و أهل بيته و طائفة من عشيرته فليس تركه بضاركم إنما هو رجل واحد فتركوه و قبلوا مشورة بشير بن سعد و استنصحوه لما بدا لهم منه و كان سعد لا يصلي بصلاتهم و لا يجمع معهم و يحج و لا يحج معهم و يفيض فلا يفيض معهم بإفاضتهم فلم يزل كذلك حتى هلك أبو بكر

 57-  أقول قال السيد رضي الله عنه بعد إيراد هذا الخبر فهذا الخبر يتضمن من شرح أمر السقيفة ما فيه للناظرين معتبر و يستفيد الواقف عليه أشياء منها خلوه من احتجاج قريش على الأنصار بجعل النبي ص الإمامة فيهم لأنه تضمن من احتجاجهم عليهم ما يخالف ذلك و أنهم إنما ادعوا كونهم أحق بالأمر من حيث كانت النبوة فيهم و من حيث كانوا أقرب إلى النبي ص نسبا و أولهم له اتباعا و منها أن الأمر إنما بني في السقيفة على المغالبة و المخالسة و أن كلا منهم كان يجذبه بما اتفق له و عن حق و باطل و قوي و ضعيف و منها أن سبب ضعف الأنصار و قوة المهاجرين عليهم انحياز بشير بن سعد حسدا لسعد بن عبادة و انحياز الأوس بانحيازه عن الأنصار و منها أن خلاف سعد و أهله و قومه كان باقيا لم يرجعوا عنه و إنما أقعدهم عن الخلاف فيه بالسيف قلة الناصر انتهى كلامه رفع الله مقامه

 58-  و قال ابن الأثير في الكامل، لما توفي رسول الله ص اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة ليبايعوا سعد بن عبادة فبلغ ذلك أبا بكر فأتاهم و معه عمر و أبو عبيدة بن الجراح فقال ما هذا فقالوا منا أمير و منكم أمير فقال أبو بكر منا الأمراء و منكم الوزراء ثم قال أبو بكر قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين عمر و أبو عبيدة أمين هذه الأمة فقال عمر أيكم يطيب نفسه أن يخلف قدمين قدمهما النبي ص فبايعه عمر و بايعه الناس فقالت الأنصار أو بعضهم لا نبايع إلا عليا قال و تخلف علي و بنو هاشم و الزبير و طلحة عن البيعة قال الزبير لا أغمد سيفي حتى يبايع علي فقال عمر خذوا سيفه و اضربوا به الحجر ثم أتاهم عمر فأخذهم للبيعة ثم ذكر ما مر من قصة أبي سفيان و العباس

 ثم روي عن ابن عباس عن عبد الرحمن بن عوف حديثا طويلا و ساقه إلى أن قال لما رجع عمر من الحج إلى المدينة جلس على المنبر و قال بلغني أن قائلا منكم يقول لو مات أمير المؤمنين بايعت فلانا فلا يغرن امرأ أن يقول إن بيعة أبي بكر كانت فلتة فقد كانت كذلك و لكن الله وقى شرها و ليس منكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر و أنه كان حريا حين توفي رسول الله ص و أن عليا ع و الزبير و من معهما تخلفوا عنا في بيت فاطمة ع و تخلف عنا الأنصار و اجتمع المهاجرون إلى أبي بكر و ساق قصة السقيفة نحوا مما مر

 ثم روي عن أبي عمرة الأنصاري مثل ما أخرجناه من تلخيص الشافي و ساق الكلام إلى أن قال و قال الزهري بقي علي ع و بنو هاشم و الزبير ستة أشهر لم يبايعوا أبا بكر حتى ماتت فاطمة ع فبايعوه فلما كان الغد من بيعة أبي بكر جلس على المنبر و بايعه الناس بيعة عامة انتهى

59-  و قال العلامة قدس سره في كتاب كشف الحق، روى الطبري في تاريخه قال أتى عمر بن الخطاب منزل علي ع فقال و الله لأحرقن عليكم أو لتخرجن للبيعة

 و روى الواقدي أن عمر بن الخطاب جاء إلى علي ع في عصابة فيهم أسيد بن حضير و سلمة بن أسلم فقال اخرجوا أو لنحرقنها عليكم

 و روى ابن خنزابة في غرره قال زيد بن أسلم كنت ممن حمل الحطب مع عمر إلى باب فاطمة ع حين امتنع علي ع و أصحابه عن البيعة فقال عمر لفاطمة أخرجي من في البيت أو لأحرقنه و من فيه قال و في البيت علي و فاطمة و الحسن و الحسين ع و جماعة من أصحاب النبي ص فقالت فاطمة ع أ تحرق عليا و ولدي قال إي و الله أو ليخرجن و ليبايعن

 و قال ابن عبد ربه و هو من أعيانهم فأما علي ع و العباس فقعدا في بيت فاطمة ع و قال أبو بكر لعمر بن الخطاب إن أبيا فقاتلهما فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهما النار فلقيته فاطمة ع فقالت يا ابن الخطاب أ جئت لتحرق دارنا قال نعم

  و نحوه روى مصنف كتاب المحاسن و أنفاس الجواهر انتهى ما رواه العلامة رحمه الله تعالى

60-  و روى ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة في أول المجلد السادس من كتاب السقيفة لأحمد بن عبد العزيز الجوهري عن أحمد بن إسحاق عن أحمد بن سيار عن سعيد بن كثير الأنصاري أن النبي ص لما قبض اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة فقالوا إن رسول الله ص قد قبض فقال سعد بن عبادة لابنه قيس أو لبعض بنيه إني لا أستطيع أن أسمع الناس كلامي لمرضي و لكن تلق مني قولي فأسمعهم فكان سعد يتكلم و يسمع ابنه يرفع به صوته ليسمع قومه فكان من قوله بعد حمد الله و الثناء عليه أن قال. إن لكم سابقة إلى الدين و فضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب إن رسول الله ص لبث في قومه بضع عشرة سنة يدعوهم إلى عبادة الرحمن و خلع الأوثان فما آمن به من قومه إلا قليل و الله ما كانوا يقدرون أن يمنعوا رسول الله ص و لا يعزوا دينه و لا يدفعوا عنه عداه حتى أراد الله بكم خير الفضيلة و ساق إليكم الكرامة و خصكم بدينه و رزقكم الإيمان به و برسوله و الإعزاز لدينه و الجهاد لأعدائه فكنتم أشد الناس على من تخلف عنه منكم و أثقلهم على عدوه من غيركم حتى استقاموا لأمر الله طوعا و كرها و أعطى البعيد المقادة بأسيافكم صاغرا داحضا حتى أنجز الله لنبيكم الوعد و دانت لأسيافكم العرب ثم توفاه الله إليه و هو عنكم راض و بكم قرير العين فشدوا أيديكم بهذا الأمر فإنكم أحق الناس و أولاهم به. فأجابوا جميعا إن وفقت في الرأي و أصبت في القول و لن نعدو ما أمرت نوليك هذا الأمر فأنت لنا مقنع و لصالح المؤمنين رضى. ثم إنهم ترادوا الكلام بينهم فقالوا إن أبت مهاجرو قريش فقالوا نحن المهاجرون و أصحاب رسول الله ص الأولون و نحن عشيرته و أولياؤه فعلام تنازعونا هذا الأمر من بعده. فقالت طائفة منهم إذا نقول منا أمير و منكم أمير لن نرضى بدون هذا أبدا لنا في الإيواء و النصرة ما لهم في الهجرة و لنا في كتاب الله ما لهم فليسوا يعدون شيئا إلا و نعد مثله و ليس من رأينا الاستيثار عليهم فمنا أمير و منهم أمير. فقال سعد بن عبادة هذا أول الوهن. و أتى الخبر عمر فأتى منزل رسول الله ص فوجد أبا بكر في الدار و عليا في جهاز رسول الله ص و كان الذي أتاه بالخبر معن بن عدي فأخذ بيد عمر و قال قم فقال عمر إني عنك مشغول فقال إنه لا بد من قيام فقام معه فقال له إن هذا الحي من الأنصار قد اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة معهم سعد بن عبادة يدورون حوله أنت المرجى و نجلك المرجى و ثم أناس من أشرافهم و قد خشيت الفتنة فانظر يا عمر ما ذا ترى و اذكر لإخوتك و احتالوا لأنفسكم فإني أنظر إلى باب فتنة قد فتح الساعة إلا أن يغلقه الله. ففزع عمر أشد الفزع حتى أتى أبا بكر فأخذ بيده فقال قم فقال أبو بكر إني عنك مشغول فقال عمر لا بد من قيام و سنرجع إن شاء الله فقام أبو بكر مع عمر فحدثه الحديث ففزع أبو بكر أشد الفزع و خرجا مسرعين إلى سقيفة بني ساعدة و فيها رجال من أشراف الأنصار و معهم سعد بن عبادة و هو مريض بين أظهرهم فأراد عمر أن يتكلم و يمهد لأبي بكر و قال خشيت أن يقصر أبو بكر عن بعض الكلام فلما ابتدأ عمر كفه أبو بكر و قال على رسلك فتلق الكلام ثم تكلم بعد كلامي بما بدا لك. فتشهد أبو بكر ثم قال إن الله جل ثناؤه بعث محمدا بالهدى و دين الحق فدعا إلى الإسلام فأخذ الله بقلوبنا و نواصينا إلى ما دعانا إليه و كنا معاشر المهاجرين أول الناس إسلاما و الناس لنا في ذلك تبع و نحن عشيرة رسول الله ص و أوسط العرب أنسابا ليس من قبائل العرب قبيلة إلا و لقريش فيها ولادة و أنتم أنصار الله و أنتم نصرتم رسول الله ص ثم أنتم وزراء رسول الله ص و إخواننا في كتاب الله و شركاؤنا في الدين و فيما كنا فيه من خير فأنتم أحب الناس إلينا و أكرمهم علينا و أحق الناس بالرضا بقضاء الله و التسليم لما ساق الله إلى إخوانكم من المهاجرين و أحق الناس أن لا تحسدوهم فأنتم المؤثرون على أنفسهم حين الخصاصة و أحق الناس أن لا يكون

 انتقاض هذا الأمر و اختلاطه على أيديكم و أنا أدعوكم إلى أبي عبيدة و عمر فكلاهما قد رضيت لهذا الأمر و كلاهما أراه له أهلا. فقال عمر و أبو عبيدة ما ينبغي لأحد من الناس أن يكون فوقك أنت صاحب الغار ثاني اثنين و أمرك رسول الله ص بالصلاة فأنت أحق الناس بهذا الأمر فقال الأنصار و الله ما نحسدكم على خير ساقه الله إليكم و لا أحد أحب إلينا و لا أرضى عندنا منكم و لكنا نشفق مما بعد هذا اليوم و نحذر أن يغلب على هذا الأمر من ليس منا و لا منكم فلو جعلتم اليوم رجلا منكم بايعنا و رضينا على أنه إذا هلك اخترنا واحدا من الأنصار فإذا هلك كان آخر من المهاجرين أبدا ما بقيت هذه الأمة كان ذلك أجدر أن يعدل في أمة محمد ص فيشفق الأنصاري أن يزيغ فيقبض عليه القرشي و يشفق القرشي أن يزيغ فيقبض عليه الأنصاري فقام أبو بكر فقال إن رسول الله ص لما بعث عظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم فخالفوه و شاقوه و خص الله المهاجرين الأولين بتصديقه و الإيمان به و المواساة له و الصبر معه على شدة أذى قومه و لم يستوحشوا لكثرة عدوهم فهم أول من عبد الله في الأرض و هم أول من آمن برسول الله و هم أولياؤه و عترته و أحق الناس بالأمر بعده لا ينازعهم فيه إلا ظالم و ليس أحد بعد المهاجرين يعد فضلا و قدما في الإسلام مثلكم فنحن الأمراء و أنتم الوزراء لا نفتات دونكم بمشورة و لا نقضي دونكم الأمور. فقام الحباب بن المنذر بن الجموح فقال يا معشر الأنصار املكوا عليكم أيديكم إنما الناس في فيئكم و ظلكم و لن يجترئ مجترئ على خلافكم و لا يصدر الناس إلا عن أمركم أنتم أهل الإيواء و النصرة و إليكم كانت الهجرة و أنتم أصحاب الدار و الإيمان و الله ما عبد الله علانية إلا عندكم و في بلادكم و لا جمعت الصلاة إلا في مساجدكم و لا عرف الإيمان إلا من أسيافكم فاملكوا عليكم أمركم فإن أبى هؤلاء إلا ما سمعتم فمنا أمير و منهم أمير. فقال عمر هيهات لا يجتمع سيفان في غمد إن العرب لا ترضى أن تؤمركم و نبيها من غيركم و ليس تمتنع العرب أن تولى أمرها من كانت النبوة فيهم و أول الأمر منهم لنا بذلك الحجة الظاهرة على من خالفنا و السلطان المبين على من نازعنا من ذا يخاصمنا في سلطان محمد و ميراثه و نحن أولياؤه و عشيرته إلا مدل بباطل أو متجانف لإثم أو متورط في هلكة. فقام الحباب و قال يا معاشر الأنصار لا تسمعوا مقالة هذا و أصحابه فيذهبوا بنصيبكم من الأمر فإن أبوا عليكم ما أعطيتموهم فأجلوهم عن بلادكم و تولوا هذا الأمر عليهم فأنتم أولى الناس بهذا الأمر إنه دان لهذا الأمر بأسيافكم من لم يكن يدين له أنا جذيلها المحكك و عذيقها المرجب أن شئتم لنعيدنها جذعة و الله لا يرد أحد على ما أقول إلا حطمت أنفه بالسيف. قال فلما رأى بشير بن سعد الخزرجي ما اجتمعت عليه الأنصار من أمر سعد بن عبادة و كان حاسدا له و كان من سادة الخزرج قام فقال أيها الأنصار إنا و إن كنا ذوي سابقة فإنا لم نرد بجهادنا و إسلامنا إلا رضى ربنا و طاعة نبينا و لا ينبغي لنا أن نستظهر بذلك على الناس و لا نبتغي به عوضا من الدنيا إن محمدا رجل من قريش و قومه أحق بميراث أمره و ايم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر فاتقوا الله و لا تنازعوهم و لا تخالفوهم. فقام أبو بكر و قال هذا عمر و أبو عبيدة بايعوا أيهما شئتم فقالا و الله لا نتولى هذا الأمر عليك و أنت أفضل المهاجرين و ثاني اثنين و خليفة رسول الله ص على الصلاة و الصلاة أفضل الدين ابسط يدك نبايعك

 فلما بسط يده و ذهبا يبايعانه سبقهما إليه بشير بن سعد فبايعه. فناداه الحباب بن المنذر يا بشير عقتك عقاق و الله ما اضطرك إلى هذا إلا الحسد لابن عمك فلما رأت الأوس أن رئيسا من رؤساء الخزرج قد بايع قام أسيد بن حضير و هو رئيس الأوس فبايع حسدا لسعد أيضا و منافسة له أن يلي الأمر فبايعت الأوس كلها لما بايع أسيد. و حمل سعد بن عبادة و هو مريض فأدخل إلى منزله فامتنع من البيعة في ذلك اليوم و فيما بعده و أراد عمر أن يكرهه عليها فأشير عليه أن لا يفعل و أنه لا يبايع حتى يقتل و أنه لا يقتل حتى يقتل أهله و لا يقتل أهله حتى يقتل الخزرج كلها و إن حوربت الخزرج كانت الأوس معها و فسد الأمر فتركوه فكان لا يصلي بصلاتهم و لا يجمع بجماعتهم و لا يقضي بقضائهم و لو وجد أعوانا لضاربهم و لم يزل كذلك حتى مات أبو بكر ثم لقي عمر في خلافته و هو على فرس و عمر على بعير فقال له عمر هيهات يا سعد فقال سعد هيهات يا عمر فقال أنت صاحب من أنت صاحبه قال نعم أنا ذاك ثم قال لعمر و الله ما جاورني أحد هو أبغض إلي جوارا منك قال عمر فإنه من كره جوار رجل انتقل عنه فقال سعد إني لأرجو أن أخليها لك عاجلا إلى جوار من هو أحب إلي جوارا منك و من أصحابك فلم يلبث سعد بعد ذلك إلا قليلا حتى خرج إلى الشام فمات فيها و لم يبايع لأحد لا لأبي بكر و لا لعمر و لا لغيرهما. قال و كثر الناس على أبي بكر فبايعه معظم المسلمين في ذلك اليوم و اجتمعت بنو هاشم إلى بيت علي بن أبي طالب ع و معهم الزبير و كان يعد نفسه رجلا من بني هاشم كان علي يقول ما زال الزبير منا أهل البيت حتى نشأ بنوه فصرفوه عنا و اجتمعت بنو أمية إلى عثمان بن عفان و اجتمعت بنو زهرة إلى سعد و عبد الرحمن فأقبل عمر و أبو عبيدة فقال ما لي أراكم حلقا قوموا فبايعوا أبا بكر فقد بايع له الناس و بايعه الأنصار فقام عثمان و من معه و قام سعد و عبد الرحمن و من معهما فبايعوا أبا بكر و ذهب عمر و معه عصابة إلى بيت فاطمة ع معهم أسيد بن حضير و سلمة بن أسلم فقال لهم انطلقوا فبايعوا فأبوا عليه و خرج الزبير بسيفه فقال عمر عليكم الكلب فوثب عليه سلمة بن أسلم فأخذ السيف من يده فضرب به الجدار ثم انطلقوا به و بعلي و معهما بنو هاشم و علي ع يقول أنا عبد الله و أخو رسول الله ص حتى انتهوا به إلى أبي بكر فقيل له بايع فقال أنا أحق بهذا الأمر منكم لا أبايعكم و أنتم أولى بالبيعة لي أخذتم هذا الأمر من الأنصار و احتججتم عليهم بالقرابة من رسول الله ص فأعطوكم المقادة و سلموا إليكم الإمارة و أنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار فأنصفونا إن كنتم تخافون الله من أنفسكم و اعرفوا لنا من الأمر مثل ما عرفت الأنصار لكم و إلا فبوءوا بالظلم و أنتم تعلمون. فقال عمر إنك لست متروكا حتى تبايع فقال له علي ع احلب يا عمر حلبا لك شطره اشدد له اليوم أمره ليرد عليك غدا لا و الله لا أقبل قولك و لا أبايعه فقال له أبو بكر فإن لم تبايعني لم أكرهك فقال له أبو عبيدة يا أبا الحسن إنك حدث السن و هؤلاء مشيخة قريش قومك ليس لك مثل تجربتهم و معرفتهم بالأمور و لا أرى أبا بكر إلا أقوى على هذا الأمر منك و أشد احتمالا له و اضطلاعا به فسلم له هذا الأمر و ارض به فإنك إن تعش و يطل عمرك فأنت لهذا الأمر خليق و به حقيق في فضلك و قرابتك و سابقتك و جهادك. فقال علي ع يا معشر المهاجرين الله الله لا تخرجوا سلطان محمد عن

 داره و بيته إلى بيوتكم و دوركم و لا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس و حقه فو الله يا معشر المهاجرين لنحن أهل البيت أحق بهذا الأمر منكم أ ما كان منا القاري لكتاب الله الفقيه في دين الله العالم بالسنة المضطلع بأمر الرعية و الله إنه لفينا فلا تتبعوا الهوى فتزدادوا من الحق بعدا. فقال بشير بن سعد لو كان هذا الكلام سمعته منك الأنصار يا علي قبل بيعتهم لأبي بكر ما اختلف عليك اثنان و لكنهم قد بايعوا و انصرف علي ع إلى منزله و لم يبايع و لزم بيته حتى ماتت فاطمة ع فبايع.

 ثم قال ابن أبي الحديد هذا الحديث يدل على أن الخبر المروي في أبي بكر في صحيحي البخاري و مسلم غير صحيح و هو

 ما روي من قوله ع لعائشة في مرضه ادعي لي أباك و أخاك حتى أكتب لأبي بكر كتابا فإني أخاف أن يقول قائل أو يتمنى متمن و يأبى الله و المؤمنون إلا أبا بكر.

 ثم روي من كتاب السقيفة لأحمد بن عبد العزيز الجوهري عن أحمد بن إسحاق عن ابن عفير عن عبد الله بن عبد الرحمن عن أبي جعفر محمد بن علي ع أن عليا ع حمل فاطمة صلوات الله عليها على حمار و سار بها ليلا إلى بيوت الأنصار يسألهم النصرة و تسألهم فاطمة ع الانتصار له فكانوا يقولون يا بنت رسول الله قد مضت بيعتنا لهذا الرجل لو كان ابن عمك سبق إلينا أبا بكر ما عدلناه به فقال علي ع أ كنت أترك رسول الله ميتا في بيته لا أجهزه و أخرج إلى الناس أنازعهم في سلطانه و قالت فاطمة ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له و صنعوا هم ما الله حسيبهم عليه.

 و روي أيضا من الكتاب المذكور عن عمر بن شبة عن أبي قبيصة قال لما توفي النبي ص و جرى في السقيفة ما جرى تمثل علي

و أصبح أقوام يقولون ما اشتهوا. و يطغون لما غال زيدا غوائله.

 و قال و روى الزبير بن بكار عن محمد بن إسحاق أن أبا بكر لما بويع افتخرت تيم بن مرة قال و كان عامة المهاجرين و جل الأنصار لا يشكون أن عليا ع هو صاحب الأمر بعد رسول الله ص فقال الفضل بن عباس يا معشر قريش و خصوصا يا بني تيم إنكم إنما أخذتم الخلافة بالنبوة و نحن أهلها دونكم و لو طلبنا هذا الأمر الذي نحن أهله لكانت كراهة الناس لنا أعظم من كراهتهم لغيرنا حسدا منهم لنا و حقدا علينا و إنا لنعلم أن عند صاحبنا عهدا هو ينتهي إليه.

و قال بعض ولد أبي لهب بن عبد المطلب شعرا

ما كنت أحسب أن الأمر منصرف. عن هاشم ثم منها عن أبي حسن.أ ليس أول من صلى لقبلتكم. و أعلم الناس بالقرآن و السنن.و أقرب الناس عهدا بالنبي و من. جبريل عون له في الغسل و الكفن.من فيه ما فيهم لا يمترون به. و ليس في القوم ما فيه من الحسن.

 ما ذا الذي ردهم عنه فنعلمه. ها إن ذا غبن من أعظم الغبن.

 قال الزبير فبعث إليه علي ع و نهاه و أمره أن لا يعود و قال سلامة الدين أحب إلينا من غيره.

 ثم قال ابن أبي الحديد و روى البخاري و مسلم في الصحيحين بإسنادهما إلى عائشة أن فاطمة و العباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من النبي ص و هما يطلبان أرضه من فدك و سهمه من خيبر فقال لهما أبو بكر إني سمعت رسول الله ص يقول إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة إنما يأكل آل محمد من هذا المال و إني و الله لا أدع أمرا رأيت رسول الله ص يصنعه إلا صنعته فهجرته فاطمة و لم تكلمه في ذلك حتى ماتت فدفنها علي ع ليلا و لم يؤذن بها أبا بكر و كان لعلي وجه من الناس حياة فاطمة فلما توفيت فاطمة ع انصرفت وجوه الناس عن علي ع فمكثت فاطمة ع ستة أشهر ثم توفيت فقال رجل للزهري و هو الراوي لهذا الخبر عن عائشة فلم يبايعه إلى ستة أشهر قال و لا أحد من بني هاشم حتى بايعه علي فلما رأى ذلك ضرع إلى مبايعة أبي بكر فأرسل إلى أبي بكر أن ائتنا و لا يأتنا معك أحد و كره أن يأتيه عمر لما عرف من شدته فقال عمر لا تأتهم وحدك فقال أبو بكر و الله لآتينهم وحدي و ما عسى أن يصنعوا بي فانطلق حتى دخل على علي ع و قد جمع بني هاشم عنده فقام علي فحمد الله و أثنى عليه بما هو أهله ثم قال أما بعد فإنا لم يمنعنا أن نبايعك يا أبا بكر إنكار لفضلك و لا نفاسة لخير ساقه الله إليك و لكنا كنا نرى أن لنا في هذا الأمر حقا فاستبددتم به علينا و ذكر قرابته من رسول الله ص و حقه فلم يزل يذكر ذلك حتى بكى أبو بكر. فلما صمت علي ع تشهد أبو بكر فحمد الله و أثنى عليه بما هو أهله ثم قال أما بعد فقرابة رسول الله ص أحب إلي أن أصلها من قرابتي و إني و الله ما آلوكم من هذه الأموال التي كانت بيني و بينكم إلا الخير و لكني سمعت رسول الله ص يقول لا نورث ما تركناه صدقة و إنما يأكل آل محمد ص في هذا المال و إني و الله لا أترك أمرا صنعه رسول الله ص إلا صنعته إن شاء الله قال علي ع موعدك العشية للبيعة فلما صلى أبو بكر الظهر أقبل على الناس ثم عذر عليا ببعض ما اعتذر به ثم قام علي ع فعظم من حق أبي بكر و ذكر فضله و سابقته ثم مضى إلى أبي بكر فبايعه فأقبل الناس إلى علي فقالوا أصبت و أحسنت

69-  أقول روى أبو محمد بن مسلم بن قتيبة من أعاظم علماء المخالفين و مؤرخهم في تاريخه المشهور عن أبي عفير عن أبي عون عن عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري قصة السقيفة بطولها نحوا مما رواه ابن أبي الحديد من كتاب السقيفة إلا أنه قال مكان بشير بن سعد قيس بن سعد فساق الكلام إلى قوله فلما ذهبا أي أبو عبيدة و عمر يبايعانه سبقهما إليه قيس بن سعد فبايعه فنادى الحباب بن المنذر يا قيس بن سعد عاقك عائق ما اضطرك إلى ما صنعت حسدت ابن عمك على الإمارة قال لا و لكني كرهت أن أنازع قوما حقا هو لهم فلما رأت الأوس ما صنع قيس و هو سيد الخزرج و ما دعوا إليه من قريش و ما يطلب الخزرج من تأمير سعد قال بعضهم لبعض و فيهم أسيد بن حضير و الله لئن وليتموها سعدا عليكم مرة واحدة لا زالت لهم بذلك عليكم الفضيلة و لا جعلوا لكم فيها نصيبا أبدا فقوموا فبايعوا أبا بكر فقاموا إليه فبايعوه فقام الحباب إلى سيفه فأخذه فبادروا إليه فأخذوا سيفه و جعل يضرب بثوبه وجوههم حتى فرغوا من البيعة فقال فعلتموها يا معشر الأنصار أما و الله لكأني بأبنائكم على أبواب أبنائهم قد وقفوا يسألونهم بأكفهم لا يسقونهم الماء. و ساق الحديث إلى قوله فقال سعد بن عبادة أما لو أن لي ما أقوى به على النهوض لسمعتم في أقطارها و سككها زئيرا يخرجك و أصحابك و لألحقتك بقوم كنت فيهم تابعا غير متبوع خاملا غير عزيز. ثم ذكر أن سعدا لم يبايع و كان لا يصلي بصلاتهم و لا يجمع بجمعهم و لا يفيض بإفاضتهم و لو يجد عليهم أعوانا لصال بهم و لو تابعه أحد على قتالهم لقاتلهم فلم يزل كذلك حتى هلك أبو بكر و ولي عمر فخرج إلى الشام و مات بها و لم يبايع لأحد ره. ثم ذكر امتناع بني هاشم من البيعة و اجتماعهم إلى أمير المؤمنين ع و أنه ذهب عمر مع جماعة إليهم و خرج عليهم الزبير بسيفه و ساق ما مر في رواية الجوهري إلى أن قال. ثم إن عليا أتي به أبا بكر و هو يقول أنا عبد الله و أخو رسوله فقيل له بايع أبا بكر فقال أنا أحق بهذا الأمر منكم لا أبايعكم و أنتم أولى بالبيعة لي أخذتم هذا الأمر من الأنصار و احتججتم عليهم بالقرابة من النبي ص و تأخذونه منا أهل البيت غصبا. ثم ذكر ما احتج ع به نحوا مما مر مع زيادات تركناها إلى أن قال و خرج علي ع يحمل فاطمة بنت رسول الله ص على دابة ليلا يدور في مجالس الأنصار تسألهم النصرة فكانوا يقولون يا بنت رسول الله ص قد مضت بيعتنا لهذا الرجل و لو أن زوجك و ابن عمك سبق إلينا أبا بكر ما عدلنا به فيقول علي ع أ فكنت أدع رسول الله ص في بيته لم أدفنه و أخرج أنازع الناس سلطانه فقالت فاطمة ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له و قد صنعوا ما الله حسيبهم و طالبهم.

 ثم قال و إن أبا بكر أخبر بقوم تخلفوا عن بيعته عند علي ع فبعث إليهم عمر بن الخطاب فجاء فناداهم و هم في دار علي ع فأبوا أن يخرجوا فدعا عمر بالحطب فقال و الذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقنها عليكم على من فيها فقيل له يا أبا حفص إن فيها فاطمة فقال و إن. فخرجوا فبايعوا إلا علي فإنه زعم أنه قال حلفت أن لا أخرج و لا أضع ثوبي على عاتقي حتى أجمع القرآن فوقفت فاطمة ع على بابها فقالت لا عهد لي بقوم حضروا أسوأ محضر منكم تركتم جنازة رسول الله ص بين أيدينا و قطعتم أمركم بينكم لم تشاورونا و لم تروا لنا حقا فأتى عمر أبا بكر فقال له أ لا تأخذ هذا المتخلف عنك بالبيعة فقال أبو بكر يا قنفذ و هو مولى له اذهب فادع عليا قال فذهب قنفذ إلى علي ع فقال ما حاجتك قال يدعوك خليفة رسول الله ص قال علي ع لسريع ما كذبتم على رسول الله فرجع قنفذ فأبلغ الرسالة قال فبكى أبو بكر طويلا فقال عمر الثانية أ لا تضم هذا المتخلف عنك بالبيعة فقال أبو بكر لقنفذ عد إليه فقل أمير المؤمنين يدعوك لتبايع فجاءه قنفذ فأدى ما أمر به فرفع علي صوته فقال سبحان الله لقد ادعى ما ليس له فرجع قنفذ فأبلغ الرسالة قال فبكى أبو بكر طويلا. ثم قام عمر فمشى معه جماعة حتى أتوا باب فاطمة ع فدقوا الباب فلما سمعت أصواتهم نادت بأعلى صوتها باكية يا رسول الله ما ذا لقينا بعدك من ابن الخطاب و ابن أبي قحافة فلما سمع القوم صوتها و بكاءها انصرفوا باكين فكادت قلوبهم تتصدع و أكبادهم تتفطر و بقي عمر و معه قوم فأخرجوا عليا و مضوا به إلى أبي بكر فقالوا بايع فقال إن أنا لم أفعل فمه قالوا إذا و الله الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك قال إذا تقتلون عبد الله و أخا رسوله فقال عمر أما عبد الله فنعم و أما أخا رسوله فلا و أبو بكر ساكت لا يتكلم. فقال له عمر أ لا تأمر فيه بأمرك فقال لا أكرهه على شي‏ء ما كانت فاطمة إلى جنبه فلحق علي بقبر رسول الله ص يصيح و يبكي و ينادي يا ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي. فقال عمر لأبي بكر انطلق بنا إلى فاطمة فإنا قد أغضبناها فانطلقا جميعا فاستأذنا على فاطمة فلم تأذن لهما فأتيا عليا فكلماه فأدخلهما عليها فلما قعدا عندها حولت وجهها إلى الحائط فسلما عليها فلم ترد عليهما السلام فتكلم أبو بكر فقال يا حبيبة رسول الله و الله إن قرابة رسول الله أحب إلي أن أصل من قرابتي و إنك لأحب إلي من عائشة ابنتي و لوددت يوم مات أبوك أني مت و لا أبقى بعده أ فتراني أعرفك و أعرف فضلك و شرفك و أمنعك حقك و ميراثك من رسول الله إلا أني سمعت رسول الله ص يقول نحن معاشر الأنبياء لا نورث و ما تركناه فهو صدقة فقالت أ رأيتكما إن حدثتكما حديثا من رسول الله ص أ تعرفانه و تعقلانه قالا نعم فقالت نشدتكما بالله أ لم تسمعا من رسول الله ص يقول رضا فاطمة من رضاي و سخط فاطمة من سخطي و من أحب فاطمة ابنتي فقد أحبني و من أرضى فاطمة فقد أرضاني و من أسخط فاطمة فقد أسخطني قالا نعم سمعناه من رسول الله ص قالت فإني أشهد الله و ملائكته أنكما أسخطتماني و ما أرضيتماني و لئن لقيت النبي ص لأشكونكما إليه قال أبو بكر عائذا بالله من سخطه و سخطك يا فاطمة ثم انتحب أبو بكر باكيا يكاد نفسه أن تزهق و هي تقول و الله

 لأدعون الله عليك في كل صلاة أصليها. ثم خرج باكيا فاجتمع إليه الناس فقال لهم أ يبيت كل رجل منكم معانقا لحليلته مسرورا بأهله و تركتموني و ما أنا فيه لا حاجة لي في بيعتكم أقيلوني بيعتي فقالوا يا خليفة رسول الله إن هذا الأمر لا يستقيم و أنت أعلمنا بذلك أنه إن كان هذا لا يقم لله دين فقال و الله لو لا ذلك و ما أخاف من رخاء هذه العروة ما بت ليلة و لي في عنق مسلم بيعة بعد ما سمعت و رأيت من فاطمة قال فلم يبايع علي حتى ماتت فاطمة و لم تمكث بعد أبيها إلا خمسا و سبعين ليلة. و لنوضح بعض ما ربما يشتبه على الناظر فيما أوردنا من الأخبار السالفة قال الجزري القعيد الذي يصاحبك في قعودك فعيل بمعنى فاعل و قال الفيروزآبادي أدلى فلان برحمة توسل و بحجته أحضرها و إليه ماله دفعه و قال نهنهه عن الأمر فتنهنه زجره فكف و قال تلكأ عليه اعتل و عنه أبطأ و قال الجزري في النهاية يقال تفوت فلان على فلان في كذا و افتات عليه إذا انفرد برأيه دونه في التصرف فيه و لما ضمن معنى التغليب عدي بعلي و منه حديث عبد الرحمن بن أبي بكر أ مثلي يفتات عليه في بناته هو افتعل من الفوت السبق يقال لكل من أحدث شيئا في أمرك دونك قد افتات عليه فيه.

و الشبل بالكسر ولد الأسد و العريس و العريسة بكسر العين و تشديد الراء فيهما مأوى الأسد قوله لنعيدها جذعة أي نعيد المحاربة التي كانت في بدو الأمر مستأنفة جديدة قال الجوهري قولهم فلان في هذا الأمر جذع إذا كان أخذ فيه حديثا قوله عفتك عفاة لعله دعاء له أي أتتك الأضياف دائما و عليه أي محا أثرك المصائب التي تذهب بالديار و الآثار قال الجوهري عفت الريح المنزل درسته و قال أيضا العفاة طلاب المعروف و فلان تعفوه الأضياف و هو كثير العفاة و في أكثر النسخ غفتك غفاف بالغين المعجمة و لم أجد له معنى مناسبا و في أكثر الكتب عقتك عقاق أي كما عققت الرحم و قطعتها عقتك أرحامك العاقة و في رواية ابن قتيبة عافك عائق. و قال الجزري في حديث السقيفة الأمر بيننا و بينكم كقد الأبلمة الأبلمة بضم الهمزة و فتحها و كسرها خوصة المقلة و همزتها زائدة يقول نحن و إياكم في الحكم سواء لا فضل لأمير على مأمور كالخوصة إذا شقت باثنتين متساويتين انتهى. و كانوا يكنون بأبي الفصيل عن أبي بكر لقرب معنى البكر و الفصيل و العجاجة بالفتح الغبار و قال الجوهري الجدجد بالضم صرار الليل و هو قفاز و فيه شبه من الجراد و قال الفتك أن يأتي الرجل صاحبه و هو غار غافل حتى يشد عليه فيقتله و في الحديث قيد الإيمان الفتك لا يفتك مؤمن. و قال تدكدكت الجبال أي صارت دكاوات و هي رواب من طين و الدكداك من الرمل ما التبد منه بالأرض و لم يرتفع و قال الجندل الحجارة و الصراط بالكسر السبيل الواضح و العير الحمار الوحشي و الأهلي أيضا و الخسف الذل و المشقة و شج الوتد كناية عن دقه و يقال رثا له أي رق له و منعرج الوادي منعطفه يمنة و يسرة و اللوى كإلى ما التوى من الرمل أي اعوج أو مستدقه و استبان أي أوضح أو وضح لازم و متعد أي لم يعرفوا أني ناصح إلا ضحى الغد و قد جرى ما جرى في اليوم فلم تنفعهم معرفتهم و البيت من قصيدة في الحماسة و قصته مذكورة في مواضعها. و النجر نحت الخشب و يقال زرى عليه زريا عابه و عاتبه و التشذب التفرق و يقال ندر الشي‏ء ندورا سقط و الحص حلق الشعر و الزئير صوت الأسد من صدره و في بعض النسخ بالباء الموحدة و هو كأمير الداهية و في النهاية ما تجانفنا فيه الإثم أي لم نمل فيه لارتكاب الإثم قوله فقال أنت صاحب من أنت صاحبه الظاهر أن القول لسعد أيضا و المعنى أنك خليفة من جعلته خليفة.

تنبيه

اعلم أيها الطالب للحق و اليقين بعد ما أحطت خبرا بما أوردنا في قصة السقيفة من أخبارنا و آثار المخالفين أن الإجماع الذي ادعوه على خلافة أبي بكر هذا حاله و لهذا انجر إلى خراب الدين مآله و قد ذكر جل علماء الأصول من المخالفين أن الإجماع عبارة عن اتفاق جميع أهل الحل و العقد أي المجتهدين و علماء المسلمين على أمر من الأمور في وقت واحد و الجمهور أنفسهم تكلموا على تحقق الإجماع و شرائطه حسبما ذكر في شرح المختصر العضدي و غيره بأن الإجماع أمر ممكن أو محال و على تقدير إمكانه هل له تحقق أم لا و على التقادير كلها هل هو حجة و دليل على شي‏ء أم لا و على تقدير كونه حجة و دليلا هل هو كذلك ما لم يصل ثبوته إلى حد التواتر أو لا و في كل ذلك وقع بين علمائهم التشاجر و التنازع فلا بد لهم من إثبات ذلك كله حتى تثبت إمامة أبي بكر. و ليت شعري أن من لم يقل منهم بذلك كله كيف يدعي حقية إمامة أبي بكر و يتصدى لإثباتها ثم بعد ذلك خلاف آخر و هو أنه هل يشترط في حقيقة الإجماع أن لا يتخلف و لا يخالف أحد من المجمعين إلى أن يموت الكل أم لا و أيضا قد اختلفوا في أن الإجماع وحده حجة أم لا بد له من سند هو الحجة حقيقة و السند الذي قد ذكر في دعوى خلافة أبي بكر هو قياس فقهي حيث قاسوا رئاسة الدين و الدنيا بإمامة الصلاة في مرضه ص على ما ادعوه و قد عرفت حقيقته و لا يخفى فساده على من له أدنى معرفة بالأصول لأن إثبات حجية القياس في غاية الإشكال و علماء أهل البيت ع و الظاهرية من أهل السنة و جمهور المعتزلة ينفون حجيته و يقيمون على مذهبهم حججا عقلية و نقلية و لغيرهم أيضا في أقسامه و شرائطه اختلاف كثير. و على تقدير ثبوت جميع ذلك إنما يكون القياس فيما إذا كان هناك علة في الأصل و يكون الفرع مساويا للأصل في تلك العلة و هاهنا العلة مفقودة بل الفرق ظاهر لأن الصلاة خلف كل بر و فاجر جائز عندهم بخلاف الخلافة إذ شرطوا فيها العدالة و الشجاعة و القرشية و غيرها و أيضا أمر إمامة الجماعة أمر واحد لا يعتبر فيه العلم الكثير و لا الشجاعة و التدبير و غيرها مما يشترط عندهم في الخلافة فإنها لما كانت سلطنة و حكومة في جميع أمور الدين و الدنيا تحتاج إلى علوم و شرائط كثيرة لم يكن شي‏ء منها موجودا في أبي بكر و أخويه فلا يصح قياس هذا بذاك. و قول بعضهم إن الصلاة من أمور الدين و الخلافة من أمور الدنيا غلط ظاهر لأن المحققين منهم كالشارح الجديد للتجريد عرفوا الإمامة بالحكومة العامة في الدين و الدنيا و ظاهر أنه كذلك مع أن الأصل ليس بثابت لأن الشيعة ينكرون ذلك أشد الإنكار كما عرفت مما مضى من الأخبار و سيأتي بعضها.

 و قال بعضهم إن النبي ص أمر الناس في مرضه بالصلاة و لم يعين أحدا

 فقالت عائشة بنت أبي بكر لبلال إنه ص أمر أن يؤم أبو بكر في الصلاة فلما اطلع النبي على تلك الحال وضع إحدى يديه على منكب علي ع و الأخرى على منكب الفضل بن العباس و خرج إلى المسجد و نحى أبا بكر عن المحراب فصلى بالناس حتى لا تصير إمامته موجبا للخلل في الدين

و يعضده ما رواه البخاري بإسناده عن عروة فوجد رسول الله ص من نفسه خفة فخرج إلى المحراب فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله ص و الناس يصلون بصلاة أبي بكر أي بتكبيره انتهى.

و أيضا لو كان خبر تقديم أبي بكر في الصلاة صحيحا كما زعموا و كان مع صحته دالا على إمامته لكان ذلك نصا من النبي ص بالإمامة و متى حصل النص لا يحتاج معه إلى غيره فكيف لم يجعل أبو بكر و أصحاب السقيفة ذلك دليلا على إمامة أبي بكر و كيف لم يحتجوا به على الأنصار فعلم أن ذلك ليس فيه حجة أصلا. و أيضا ظاهر أن الإمامة من الأصول فلا يصح إثباته بالقياس على تقدير تحقق القياس الصحيح فإنه على تقدير تسليم حجيته إنما يجري في الفروع و لو كان ظن المجتهد كافيا في مسألة الإمامة كما في الفروع الفقهية لزم عدم جواز تخطئة المجتهد الذي ظن أن أبا بكر لم يكن إماما و كان تقليد ذلك المجتهد جائزا مع أنهم لا يقولون به. و أيضا الاستخلاف لا يقتضي الدوام إذ الفعل لا دلالة له على التكرار و الدوام إن ثبت خلافته بالفعل و إن ثبت بالقول فكذلك كيف و قد جرت العادة بالتبعية مدة غيبته المستخلفة و الانعزال بعد حضوره. و أيضا ذلك معارض بأنه ص استخلف عليا ع في غزوة تبوك في المدينة و لم يعزله و إذا كان خليفة على المدينة كان خليفة في سائر وظائف الأمة لأنه لا قائل بالفصل و الترجيح معنا لأن استخلافه ع على المدينة أقرب إلى الإمامة الكبرى لأنه متضمن لأمور الدين و الدنيا بخلاف الاستخلاف في الصلاة كما مر. و بعد تسليم ذلك كله نقول إن إجماع الأمة بأجمعهم على إمامة أبي بكر لم يتحقق في وقت واحد و هذا واضح مع قطع النظر عن عدم حضور أهل البيت ع و سعد بن عبادة سيد الأنصار و أولاده و أصحابه و لذا قال صاحب المواقف و شارحه السيد الشريف و إذا ثبت حصول الإمامة بالاختيار و البيعة فاعلم أن ذلك الحصول لا يفتقر إلى الإجماع من جميع أهل الحل و العقد إذ لم يقم عليه دليل من العقل و السمع بل الواحد و الاثنان من أهل الحل و العقد كاف في ثبوت الإمامة و وجوب اتباع الإمام على أهل الإسلام و ذلك لعلمنا بأن الصحابة مع صلابتهم في الدين اكتفوا في عقد الإمامة بذلك كعقد عمر لأبي بكر و عقد عبد الرحمن بن عوف لعثمان و لم يشترطوا في عقدها اجتماع من في المدينة من أهل الحل و العقد فضلا عن إجماع الأمة من علماء الأمصار هذا و لم ينكر عليهم أحد و عليه أي على الاكتفاء بالواحد و الاثنين في عقد الإمامة انطوت

 الأعصار بعدهم إلى وقتنا هذا انتهى. و قال التفتازاني في شرح المقاصد محتجا على إمامة أبي بكر لنا وجوه الأول و هو العمدة إجماع أهل الحل و العقد على ذلك و إن كان من البعض بعد تردد و توقف على ما روي أن الأنصار قالوا منا أمير و منكم أمير و إن أبا سفيان قال أ رضيتم يا بني عبد مناف أن يلي عليكم تيم و الله لأملأن الوادي خيلا و رجلا و ذكر في صحيح البخاري و غيره من كتب الأصحاب أن بيعة علي كانت بعد توقف و في إرسال أبي بكر و عمر أبا عبيدة بن الجراح إلى علي ع رسالة لطيفة روتها الثقات بإسناد صحيح يشتمل على كلام كثير من الجانبين و قليل غلظة من عمر و علي أن عليا ع جاء إليهما و دخل فيما دخلت فيه الجماعة و قال حين قام من المجلس بارك الله فيما ساءني و سركم فما روي أنه لما بويع لأبي بكر و تخلف علي ع و الزبير و مقداد و سلمان و أبو ذر أرسل أبو بكر من الغد إلى علي ع فأتاه مع أصحابه فبايعه و سائر المتخلفين محل نظر انتهى. و قال في موضع آخر من الكتاب المذكور و تنعقد الإمامة بطرق أحدها بيعة أهل الحل و العقد من العلماء و الرؤساء و وجوه الناس من غير اشتراط عدد و لا اتفاق الكل من سائر البلاد بل لو بايع واحد مطاع كفت بيعته ثم قال فيه طريق ثبوت الإمامة عندنا و عند المعتزلة و الخوارج و الصالحية خلافا للشيعة اختيار أهل الحل و العقد و بيعتهم من غير أن يشترط إجماعهم على ذلك و لا عدد محدود بل ينعقد بعقد واحد منهم و لهذا لم يتوقف أبو بكر إلى انتشار الأخبار في الأقطار و لم ينكر عليه أحد و قال عمر لأبي عبيدة ابسط يدك لأبايعك فقال أ تقول هذا و أبو بكر حاضر فبايع أبا بكر و هذا مذهب الأشعري إلا أنه يشترط أن يكون ذلك العقد بمشهد من الشهود لئلا يدعي الآخر عقدا سرا متقدما على هذا العقد انتهى. و اعترف إمامهم الرازي في كتاب نهاية العقول بأنه لم ينعقد الإجماع على خلافة أبي بكر في زمانه بل إنما تم انعقاده بموت سعد بن عبادة و كان ذلك في خلافة عمر. فعلى أحكام هؤلاء السفهاء المدعين للانخراط في سلك العلماء فليضحك الضاحكون و في وقاحتهم و قلة حيائهم فليتحير المتحيرون أخزاهم الله ما ذا يصنعون بعهد الله و كيف يلعبون بدين الله و هل يذعن عاقل بأنه يكفي لرئاسة الدين و الدنيا و التصرف في نفوس جميع الأمة و أموالهم و أعراضهم بيعة واحد أو اثنين من آحاد الأمة ممن لا يجري حكمه على نفسه و لم يثبت عصمته و لا تقبل شهادته في درهم و لا في نصف درهم. فإن قيل إن لم يتحقق الإجماع على خلافة أبي بكر في يوم السقيفة لكنه بعد ذلك إلى ستة أشهر قد تحقق اتفاق الكل على خلافته و رضوا بإمامته فتم

 الإجماع قلنا ذلك أيضا ممنوع لما عرفت من عدم بيعة علي ع و أصحابه له بعد ستة أشهر أيضا و لو سلم أنه صفق على يده كما يفعله أهل البيعة فلا ريب في أن سعد بن عبادة و أولاده لم يتفقوا على ذلك و لم يبايعوا أبا بكر و لا عمر كما قال ابن عبد البر في الإستيعاب في ترجمة أبي بكر إنه بويع له بالخلافة في اليوم الذي قبض فيه رسول الله ص في سقيفة بني ساعدة ثم بويع البيعة العامة يوم الثلاثاء من غد ذلك اليوم و تخلف عن بيعته سعد بن عبادة و طائفة من الخزرج و فرقة من قريش. و روى أيضا ابن عبد البر في الكتاب المذكور و ابن حجر العسقلاني في الإصابة أن سعدا لم يبايع أحدا من أبي بكر و عمر و لم يقدروا على إلزامه كإلزامهم لغيره لكثرة أقوامه من الخزرج فاحترزوا عن فتنتهم و لما وصل حكومة أهل الإسلام إلى عمر مر ذات يوم سعد على سوق المدينة فوقع عليه نظر عمر و قال له ادخل يا سعد في بيعتنا أو اخرج من هذا البلد فقال سعد حرام علي أن أكون في بلد أنت أميره ثم خرج من المدينة إلى الشام و كانت له قبيلة كثيرة في نواحي دمشق كان يعيش في كل أسبوع عند طائفة منهم ففي تلك الأيام كان يذهب يوما من قرية إلى أخرى فرموه من وراء بستان كان على طريقه بسهم فقتل. و قال صاحب روضة الصفا ما معناه إن سعدا لم يبايع أبا بكر و خرج إلى الشام و قتل بعد مدة فيها بتحريك بعض العظماء. و قال البلاذري في تاريخه إن عمر بن الخطاب أشار إلى خالد بن الوليد و محمد مسلمة الأنصاري بقتل سعد فرماه كل منهما بسهم فقتل ثم أوقعوا في أوهام الناس أن الجن قتلوه و وضعوا هذا الشعر على لسانهم.

قد قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة. فرميناه بسهمين فلم نخط فؤاده.

و لو سلم فنقول قد اعتبر في تعريف الإجماع اتفاق أهله على أمر واحد في وقت واحد إذ لو لم يقع ذلك في وقت واحد احتمل رجوع المتقدم قبل موافقة المتأخر فلا معنى لحصول الإجماع على خلافة أبي بكر تدريجا و الحاصل أنهم أرادوا بوقوع الإجماع على خلافته حصول الاتفاق على ذلك بعد النبي ص بلا فصل أو في زمان قليل فهو معلوم البطلان و إن أرادوا تحققه بعد تطاول المدة فمع تسليمه مخالف لما اعتبر في حقيقة الإجماع من اتحاد الوقت و أيضا لا يقوم حجة إلا إذا دخل الباقون طوعا أما إذا استظهر الأكثر و خاف الأقل و دخلوا فيما دخل فيه الأكثر خوفا و كرها فلا. و لا أظنك تستريب بعد الاطلاع على ما أوردنا سابقا من روايات الخاصة و العامة أن الحال كانت كذلك و أن بني هاشم لم يبايعوا أولا ثم قهروا و بايعوا بعد ستة أشهر حتى أن معاوية كتب إلى علي ع يؤنبه بذلك حيث يقول إنك كنت تقاد كما يقاد الجمل المخشوش و كتب ع في جوابه و قلت إني كنت أقاد كما يقاد الجمل المخشوش حتى أبايع و لعمر الله لقد أردت أن تذم فمدحت و أن تفضح فافتضحت و ما على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوما ما لم يكن شاكا في دينه أو مرتابا في يقينه و هذه حجتي عليك و على غيرك و سيأتي في باب شكواه عن المتقدمين المتغلبين ما فيه كفاية للمعتبرين. و من الغرائب أنهم اتفقوا جميعا على صحة الحديث

 عن النبي ص أنه قال علي مع الحق و الحق مع علي يدور معه حيث ما دار

و قد اعترف ابن أبي الحديد بصحته و قال الغزالي مع شدة تعصبه في كتاب الإحياء لم يذهب ذو بصيرة ما إلى تخطئة علي ع قط و من المتفق على روايته في صحاحهم و أصولهم كان علي ديان هذه الأمة بعد نبيها. و قال الزمخشري و ابن الأثير عند ذكر الرواية الديان القهار و قيل القاضي و الحاكم و قد نقلنا ما أوردوه في صحاحهم من أخبار السفينة و المنزلة و الثقلين و غيرها في أبواب النصوص عليه ع و أبواب فضائله و مع ذلك لا يبالون بمخالفته في إمامة خلفائهم بلى مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ

 تتميم

أحببت أن أورد هاهنا فصلا من كتاب تلخيص الشافي يتضمن كثيرا مما أجاب به السيد رضي الله عنه في الشافي عن شبه المخالفين و أخبارا جمة مأخوذة من كتبهم يؤيد ما أسلفناه من الأخبار حيث قال في الكلام في خلافة أبي بكر. و الطريقة الثانية بنوها على الإجماع و ادعوا أن الأمة أجمعت على إمامته و اختياره و لهم في ترتيب الإجماع طرق. منها أن يقولوا انتهى الأمر في إمامته إلى أن لم يكن في الزمان إلا راض بإمامته و كاف عن النكير فلو لم يكن حقا لم يصح ذلك و لا فرق بين أن نبين ذلك في أول الأمر أو في بعض الأوقات و إنما يذكرون ذلك لادعائهم من أن ما ظهر من العباس و الزبير و أبي سفيان و وقع من تأخر أمير المؤمنين ع عن بيعته و من غيره زال كل ذلك. و الآخر أن يقول إن كل من يدعي عليه الخلاف قد ثبت عنه فعلا و قولا الرضا و البيعة ممن يعتمد عليه و يذكرون أن سعد بن عبادة لم يبق على الخلاف أو لا يعتد بخلافه. و الثالث أن يقولوا إن إجماعهم على فرع لأصل يتضمن تثبيت الأصل و قد استقر الإجماع في أيام عمر على إمامته و هي فرع لإمامة أبي بكر فيجب بصحتها صحة ذلك أو نبين أن أحدا لم يقل بصحة إمامة أحدهما دون الآخر ففي ثبوت أحدهما ثبوت الآخر من جهة الإجماع الثاني. قالوا و الكلام في هذا أوضح لأن أيام عمر امتدت و ظهر للناس الطاعة له و القبول من قبله و حضور مجلسه و المعاضدة له في الأمور لأن سعد بن عبادة مات في أوائل أيام عمر فاستقر الإجماع بعده بغير شبهة. و لنا في الكلام على إبطال هذه الطريقة وجهان من الكلام. أحدهما أن نبين أن ترك المنازعة و الإمساك عن النكير اللذين توصلوا بهما إلى الرضا و الإجماع لم يكونا في وقت من الأوقات. و الثاني أن نسلم أن الخلاف في إمامته بعد ظهوره انقطع غير أنه لم ينقطع على وجه يوجب الرضا و إن السخط ممن كان مظهرا للنكير ثم كف عنه باق في المستقبل و إن كف عن معاذير يذكرها. فأما الكلام في الوجه الأول فبان الخلاف ظهر في أول الأمر ظهورا لا يمكن دفعه من أمير المؤمنين ع و العباس رضي الله عنه و جماعة بني هاشم ثم من الزبير حتى روي عنه أنه خرج شاهرا سيفه و استلب من يده فضرب به الصفا ثم من سلمان و خالد بن سعيد و أبي سفيان صخر بن حرب فكل هؤلاء قد ظهر من خلافهم ما شهرته تغني عن ذكره و خلاف سعد و ولده و أهله أيضا معروف و كل هذا كان ظاهرا في ابتداء الأمر. ثم إن الخلاف من بعض من ذكرنا بقي و استمر و إن لم يكن ظاهرا منه في المستقبل على حد ظهوره في الماضي إلا أنه منقول معروف فمن أين للمخالف أن الخلاف انقطع و إن الإجماع وقع في حال من الأحوال فما نراه عول في ذلك إلا على الدعوى. فإن قال أما الخلاف في الابتداء فقد عرفته و أقررت به و ما تدعونه من استمراره باطل لأنه غير منقول و لا معروف فعلى من ادعى استمرار الخلاف أن يبين ذلك فإني أنكره. قيل له لا معتبر بإنكارك ما نذكره في هذا الباب لأنك بين أمرين إما أن تكون منكرا لكونه مرويا في الجملة و تدعي أن أحدا لم يرو استمرار الخلاف على وجه من الوجوه أو تعترف بأن قوما رووه غير ثقات عندك و لم يظهر ظهور الخلاف و لم ينقله كل من نقل ذلك. فإن أردت ما ذكرناه ثانيا فقد سبقناك إلى الاعتراف به لأنا لم ندع في الاستمرار ما حصل في الابتداء من الظهور و لا ندفع أنك لا توثق أيضا كل من

 روى ذلك إلا أن أقل ما في هذا الباب أن يمنعك هذا من القطع على أن النكير زال و ارتفع و الرضا حصل و ثبت و إن أردت ما ذكرناه أولا فهو يجري مجرى المشاهدات لأن وجودها في الرواية أظهر من أن يدفع و لم يزل أمير المؤمنين ع متظلما متألما منذ قبض الرسول ص إلى أن توفاه الله إلى جنته و لم يزل أهله و شيعته يتظلمون له من دفعه عن حقه و كان ذلك منه ع و منهم يخفى و يظهر و يترتب في الخفاء و الظهور ترتب الأوقات في شدتها و سهولتها فكان ع يظهر من كلامه في هذا الباب في أيام أبي بكر ما لم يكن ظاهرا في أيام عمر ثم قوى كلامه و صرح بكثير مما في نفسه في أيام عثمان ثم ازداد قوة في أيام تسليم الأمر إليه و من عنى بقراءة الآثار علم أن الأمر جرى على ما ذكرناه.

 روى أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد الثقفي عن عثمان بن أبي شيبة العبسي عن خالد المدائني عن خالد الحذاء عن عبد الرحمن بن أبي بكرة قال سمعت عليا ع على المنبر يقول قبض رسول الله ص و ما من الناس أحد أولى بهذا الأمر مني

 و روى إبراهيم الثقفي قال أخبرنا عثمان بن أبي شيبة و أبو نعيم الفضل بن دكين عن فطر بن خليفة عن جعفر بن عمرو بن حريث عن أبيه قال سمعت عليا ع يقول ما زلت مظلوما منذ قبض الله نبيه ص إلى يوم الناس هذا

 و روى إبراهيم عن يحيى بن عبد الحميد الحماني و عباد بن يعقوب الأسدي عن عمرو بن ثابت عن سلمة بن كهيل عن مسيب بن نجبة قال بينما علي ع يخطب و أعرابي يقول وا مظلمتاه فقال علي ع ادن فدنا فقال لقد ظلمت عدد المدر و الوبر

 و في حديث عبادة قال جاء أعرابي يتخطى فنادى يا أمير المؤمنين مظلوم قال علي ع ويحك و أنا مظلوم ظلمت عدد المدر و الوبر

 و روى أبو نعيم الفضل بن دكين عن عمر بن أبي مسلم قال كنا جلوسا عند جعفر بن عمرو بن حريث قال حدثني والدي أن عليا ع لم يقم مرة على المنبر إلا قال في آخر كلامه قبل أن ينزل ما زلت مظلوما منذ قبض الله نبيه ص

 و روى إبراهيم عن القناد عن علي بن هاشم عن أبي الجحاف عن معاوية بن ثعلبة قال جاء رجل إلى أبي ذر رحمة الله عليه و هو جالس في المسجد و علي ع يصلي أمامه فقال يا أبا ذر أ لا تحدثني بأحب الناس إليك فو الله لقد علمت أن أحبهم إليك أحبهم إلى رسول الله ص قال أجل و الذي نفسي بيده إن أحبهم إلي لأحبهم إلى رسول الله ص و هو هذا الشيخ المظلوم المضطهد حقه

 و قد روي من طرق كثيرة أنه ع كان يقول أنا أول من يحشر للخصومة بين يدي الله يوم القيامة و قوله ع يا عجبا بينما يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته مشهور

 و روى إبراهيم عن إسماعيل عن عثمان بن سعيد عن علي بن عائش عن أبي الجحاف عن معاوية بن ثعلبة أنه قال أ لا أحدثك حديثا لا يختلط قلت بلى قال مرض أبو ذر مرضا شديدا فأوصى إلى علي ع فقال له بعض من يدخل عليه لو أوصيت إلى أمير المؤمنين كان أجمل من وصيتك إلى علي ع قال و الله قد أوصيت إلى أمير المؤمنين حقا

 و روى عبد الله بن جبلة الكناني عن ذريح المحاربي عن أبي حمزة الثمالي عن جعفر بن محمد ع أن بريدة كان غائبا بالشام فقدم و قد بايع الناس أبا بكر فأتاه في مجلسه فقال يا أبا بكر هل نسيت تسليمنا على علي ع بإمرة المؤمنين واجبة من الله و رسوله قال يا بريدة إنك غبت و شهدنا و إن الله تعالى يحدث الأمر بعد الأمر و لم يكن الله ليجمع لأهل هذا البيت النبوة و الملك

و قد روي خطاب بريدة لأبي بكر بهذا المعنى في ألفاظ مختلفة من طرق كثيرة. و قد روي أيضا من طرق مختلفة و بألفاظ متقاربة المعاني خطاب سلمان الفارسي رضي الله عنه للقوم و إنكاره ما فعلوه و قوله أصبتم و أخطأتم أصبتم سنة الأولين و أخطأتم أهل بيت نبيكم ص و قوله ما أدري أ نسيتم أم تناسيتم أو جهلتم أم تجاهلتم و قوله و الله لو أعلم أني أعز لله دينا أو أمنع لله ضيما لضربت بسيفي قدما قدما. و لم نذكر أسانيد هذه الأخبار و طرقها بألفاظها لئلا يطول به الكتاب و من أراده أخذه من مظانه و هذا الخلاف من سلمان و بريدة لا ينفع فيه أن يقال رضي سلمان بعده و تولى الولايات و أمسك بريدة و سلم و بايع لأن تصريحهم بسبب الخلاف يقتضي أن الرضا لا يقع منهما أبدا و أنهما و إن كفا في المستقبل عن الإنكار لفقد النصار و الخوف عن النفس فإن قلوبهم منكرة و لكن ليس لمضطر اختيار.

 و روى إبراهيم الثقفي عن يحيى بن عبد الحميد الحماني عن عمرو بن حريث عن حبيب بن أبي ثابت عن ثعلبة بن يزيد الحماني عن علي ع قال سمعته يقول كان فيما عهد إلي النبي الأمي أن الأمة ستغدر بك

 و روى إبراهيم عن إسماعيل بن عمرو البجلي قال حدثنا هشيم بن بشير الواسطي عن إسماعيل بن سالم الأسدي عن أبي إدريس الأودي عن علي ع قال لأن أخر من السماء إلى الأرض فتخطفني الطير أحب إلي من أن أقول سمعت رسول الله ص و لم أسمعه قال لي يا علي ستغدر بك الأمة بعدي

 و روى زيد بن علي بن الحسين قال كان علي ع يقول بايع الناس و الله أبا بكر و أنا أولى بهم مني بقميصي هذا فكظمت غيظي و انتظرت أمري و ألزقت كلكلي بالأرض ثم إن أبا بكر هلك و استخلف عمر و قد و الله أعلم أني أولى بالناس مني بقميصي هذا فكظمت غيظي و انتظرت أمري ثم إن عمر هلك و جعلها شورى و جعلني فيهم سادس ستة كسهم الجدة فقال اقتلوا الأقل فكظمت غيظي و انتظرت أمري و ألزقت كلكلي بالأرض حتى ما وجدت إلا القتال أو الكفر بالله

و قوله ع ما وجدت إلا القتال أو الكفر بالله منبها بذلك على سبب قتاله لطلحة و الزبير و معاوية و كفه عمن تقدم لأنه لما وجد الأعوان و الأنصار لزمه الأمر و تعين عليه فرض القتال و الدفاع حتى لم يجد إلا القتال أو الخلاف لله و في الحال الأولى كان معذورا لفقد النصار و الأعوان. و روى جميع أهل السير أن أمير المؤمنين ع و العباس لما تنازعا في الميراث و تخاصما إلى عمر قال عمر من يعذرني من هذين ولي أبو بكر فقالا عق و ظلم و الله يعلم أنه كان برا تقيا ثم وليت فقالا عق و ظلم و هذا الكلام من أصح دليل على أن تظلمه ع عن القوم كان ظاهرا و غير خاف عليهم و إنما كانوا يجاملونه و يجاملهم.

 و روى الواقدي في كتاب الجمل بإسناده أن أمير المؤمنين ع حين بويع خطب فحمد الله و أثنى عليه ثم قال حق و باطل و لكل أهل و لئن أمر الباطل لقديما فعل و لئن قل الحق لربما و لعل و لقلما أدبر شي‏ء فأقبل و إني لأخشى أن تكونوا في فترة و ما علي إلا الاجتهاد و قد كانت أمور مضت فملتم فيها ميلة كانت عليكم ما كنتم فيها عندي بمحمودين أما إني لو أشاء لقلت عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ سبق الرجلان و قام الثالث كالغراب همته بطنه يا ويله لو قص جناحاه و قطع رأسه لكان خيرا له في كلام طويل بعدها

و قد رويت هذه الخطبة عن الواقدي من طرق مختلفة ثم روى الخطبة الشقشقية ثم قال و الذي ذكرناه قليل من كثير و لو تقصينا جميع ما روي في هذا الباب عنه ع و عن أهله و ولده و شيعته لم يتسع جميع حجم كتابنا له و في بعض ما ذكرناه أوضح دلالة على أن الخلاف ما زال و أنه كان مستمرا و أن الرضا لم يحصل في حال من الأحوال. فإن قيل جميع ما رويتموه أخبار آحاد لا توجب علما و لا يرجع بمثلها عن المعلوم و المعلوم أن الخلاف لم يظهر على حد ظهوره في الأول و لم يروها أيضا إلا متعصب غير موثوق بأمانته. قلنا أما هذه الأخبار و إن كانت على التفصيل أخبار آحاد فمعناها متواتر لأنه قد رواه عدد كثير و جم غفير و إن كان اللفظ في التفصيل آحادا ثم لو سلمنا على اقتراحكم أنها آحاد ليس يجب أن يكون مانعة من القطع على ارتفاع النكير و ادعاء العلم بأن الخلاف قد زال و ارتفع لأنه لا يمكن مع هذه الأخبار و هي توجب الظن إن لم توجب العلم أن يدعى العلم بزوال الخلاف. فأما قول السائل إنا لا نرجع بها عن المعلوم فأي معلوم هاهنا رجعنا بهذه الأخبار عنه فإن أراد الإجماع و زوال الخلاف فكل ذلك لا يثبت إلا مع فقد ما هو أضعف من هذه الأخبار و زوال الخلاف لا يكون معلوما مع وجداننا رواية واردة به و إنما يتوصل إلى الرضا و الإجماع بالكف عن النكير و زوال الخلاف و إذا كان الخلاف و النكير مرويين من جهة ضعيفة أو قوية كيف يقطع على ارتفاعهما أو زوالهما و أما القدح في الرواة فأول ما فيه أن أكثر ما رويناه هاهنا وارد من طرق العامة و مسند إلى من لا يتهمونه و لا يجرحونه و من تأمل ذلك علمه ثم ليس يقنع في جرح الرواة بمحض الدعوى دون أن يشار إلى أمور معروفة و أسباب ظاهرة و إذا روى الخبر من ظاهره العدالة و التدين لم يقدح فيه ما جرى هذا المجرى من القدح. فإن قيل هذا يؤدي إلى الشك في ارتفاع كل خلاف. قلنا إن كان الطريق فيما تشيرون إليه يجري مجرى ما نتكلم عليه في هذا الباب فلا سبيل إلى القطع على انتفائه فكيف يقطع على انتفاء أمر و هو مروي منقول و إنما نقطع على ذلك في الموضع الذي لا يوجد فيه نقل بخلاف و لا رواية لنكير. فإن قيل الشي‏ء إذا كان مما يجب ظهوره إذا كان فإنا نستدل بانتفاء ظهوره على انتفائه و لا نحتاج إلى أكثر من ذلك و لهذا نقول لو كان القرآن عورض لوجب أن تظهر معارضته على حد ظهور القرآن فإذا لم نجدها ظاهرة قطعنا على انتفائها و لو روى لنا راو من طريق الآحاد أن معارضته وقعت لم نلتفت إلى روايته و هذه سبيل ما تدعونه من النكير الذي لم يثبت و لم يظهر. قلنا قد شرطت شرطا كان ينبغي أن تراعيه و توجدناه فيما اختلفنا فيه لأنك قلت إن كل أمر لو كان وجب ظهوره و متى لم يظهر يجب القطع على انتفائه و هذا صحيح و به تبطل معارضة القرآن على ما ذكرت لأن الأمر في أنها لو كانت لوجب ظهورها واضح و عليه بني الكلام و ليس هذا موجودا في النكير على أصحاب الاختيار لأنك لا تقدر على أن تدل على أن نكيرهم يجب ظهوره لو كان و أن الداعي إليه داع إلى إظهاره بل الأمر بخلاف ذلك لأن الإنكار على مالك الحل و العقد و

 الأمر و النهي و النفع و الضر الذي قد مال إليه أكثر المسلمين و رضي بإمامته أكثر الأنصار و المهاجرين يجب طيه و ستره و لا يجوز إذاعته و نشره و الدواعي كلها متوفرة إلى إخفائه و ترك إعلانه فأين هذا من المعارضة. و لو جوزنا في المعارضة أو غيرها من الأمور أن يكون و لا تدعو الدواعي إلى إظهاره بل إلى طيه و نشره لم يجب القطع على انتفائه من حيث لم يظهر للكل و لم ينقله الجميع و لكنا متى وجدنا أيسر رواية في ذلك نمنع لأجلها من القطع على انتفاء ذلك الأمر و على أنه لم يكن و سنشبع الكلام في السبب المانع من إظهار الخلاف و إعلان النكير فيما يأتي بمشية الله. فأما قولهم إن كل من يدعي عليه الخلاف فإنه ثبت عنه قولا و فعلا الرضا بالبيعة و قد بينا و سنبين أن الأمر بخلافه و أن الذي اعتمدوه من الكف عن النزاع ليس بدلالة على الرضا لأنه وقع عن أسباب ملجئة و كذلك سائر ما يدعى من ولاية من تولى من قبل القوم ممن كان مقيما على خلافهم و منكرا لأمرهم. و أما بناؤهم العقد الأول على الثاني و أنه لما ظهر في الثاني من الرضا و الانقياد لطول الأيام و تماديها ما لم يظهر في الأول جاز أن يجعل أصلا له فالكلام على العقد الأول الذي ذكرناه مستمر في الثاني بعينه لأن خلاف من حكينا خلافه و روينا عنه ما روينا هو خلاف في العقدين جميعا. ثم لو سلمنا ارتفاع الخلاف على ما يقترحونه لكان ذلك لا يدل على الرضا إذا بينا ما أحوج إليه و ألجأ إلى استعماله. فأما قولهم إن سعدا لا يعتد بخلافه من حيث طلب الإمامة لنفسه و كان مبطلا في ذلك و استمر على هذه الطريقة فلا اعتبار بخلافه فليس بشي‏ء يعول عليه لأن أول ما في ذلك أن الذي ادعوه من أن الأئمة من قريش ليس بمقطوع به و لا رواه أحد من أهل السير و خلاف سعد في الإمامة و الأنصار خلاف واحد و نحن نبين ما ذكره أهل السير من خبر السقيفة ليعلم أن ما ادعوه لا أصل له. ثم روى ما روينا منه سابقا من أخبار السقيفة فقال و قد روى الطبري و غيره خبر السقيفة من طرق مختلفة خالية كلها من ذكر الاحتجاج بالخبر المروي أن الأئمة من قريش و يدل على ضعفه ما روي عن أبي بكر من قوله عند موته ليتني كنت سألت رسول الله ص عن ثلاثة أشياء ذكر من جملتها ليتني كنت سألته هل للأنصار في هذا الأمر حق فكيف يقول هذا القول من يروي عنه ع أن الأئمة من قريش و أن هذا الأمر لا يصلح إلا لهذا الحي من قريش و يدل على ضعفه أيضا ما روي أن عمر قال عند موته لو كان سالم حيا ما تخالجني فيه الشكوك بعد أن ذكر أهل الشورى و طعن على واحد واحد و سالم لم يكن من قريش فكيف يجوز أن يقول هذا و قد سمع أبا بكر روى هذا الخبر.

 و روى الطبري في تاريخه عن شيوخه من طرق مختلفة أن عمر بن الخطاب لما طعن قيل له يا أمير المؤمنين لو استخلفت قال من أستخلف لو كان أبو عبيدة بن الجراح حيا لاستخلفته فإن سألني ربي قلت سمعت نبيك ص يقول إنه أمين هذه الأمة و لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا استخلفته فإن سألني ربي قلت سمعت نبيك يقول إن سالما شديد الحب لله فقال له رجل أ دلك عليه عبد الله بن عمر فقال قاتلك الله و الله ما أردت الله بهذا ويحك كيف أستخلف رجلا عجز عن طلاق امرأته.

 و روى البلاذري في كتابه المعروف بتاريخ الأشراف عن عفان بن مسلم عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي رافع أن عمر بن الخطاب كان مستندا إلى ابن عباس و عنده ابن عمر و سعيد بن زيد فقال اعلموا أني لم أقل في الكلالة شيئا و لم أستخلف بعدي أحدا و أنه من أدرك وفاتي من سبي العرب فهو حر من مال الله قال سعيد بن زيد أما إنك لو أشرت برجل من المسلمين ائتمنك الناس فقال عمر لقد رأيت من أصحابي حرصا سيئا و أنا جاعل هذا الأمر إلى النفر الستة الذين مات رسول الله ص و هو عنهم راض ثم قال لو أدركني أحد رجلين لجعلت هذا الأمر إليه و لوثقت به سالم مولى أبي حذيفة و أبو عبيدة بن الجراح. فقال له رجل يا أمير المؤمنين فأين أنت عن عبد الله بن عمر فقال له قاتلك الله و الله ما أردت الله بهذا أستخلف رجلا لم يحسن أن يطلق امرأته قال عفان يعني بالرجل الذي أشار إليه بعبد الله بن عمر المغيرة بن شعبة.

و هذا كما ترى تصريح بأن تمني سالم إنما كان لأن يستخلفه كما أنه تمنى أبا عبيدة لذلك فأي تأويل يبقى مع هذا الشرح. و العجب من أن يكون بحضرته مثل أمير المؤمنين و منزلته في خلال الفضل منزلته و باقي أهل الشورى الذين كانوا في الفضل الظاهر على أعلى طبقاته ثم يتمنى مع ذلك حضور سالم تمني من لا يجد منه عوضا و إن ذلك لدليل قوي على سوء رأيه في الجماعة و لو كان تمنيه للرأي و المشورة كان يكون أيضا الخطب جليلا لأنا نعلم أنه لم يكن في هذه الجماعة التي ذكرناها إلا من مولاه يساوي سالما إن لم يفضله في الرأي و جودة التحصيل فكيف يرغب عنهم في الرأي و اختيار من لا يصلح للأمر و يتلهف على حضور من لا يدانيهم في علم و لا رأي و كل هذه الأخبار إذا سلمت و أحسنا الظن بعمر دلت على أن الخبر الذي رووه بأن الأئمة من قريش لا أصل له. فإن قيل كيف تدفعون هذا الخبر و أنتم تقولون بمثل ذلك. قلنا نحن لا نرجع في ثبوت إمامة من نقول بإمامته إلى أمثال هذه الأخبار بل لنا على ذلك أدلة واضحة و حجج بينة و إنما أوردنا خبر السقيفة ليعلم أن خلاف سعد و ذويه كان قادحا. ثم لو سلمنا أنه كان مبطلا في طلب الإمامة لنفسه على ما يقترحونه لم لا يعتد بخلافه و هو خالف في أمرين أحدهما أنه اعتقد أن الإمامة تجوز للأنصار و الآخر أنه لم يرض بإمامة أبي بكر و لا بايعه و هذان خلافان ليس كونه مبطلا في أحدهما يقتضي أن يكون مبطلا في الآخر و ليس أحدهما مبنيا على صاحبه فيكون في إبطال الأصل إبطال الفرع لأن من ذهب إلى جواز الإمامة في غير قريش لا يمنع من جوازها في قريش فكيف يجعل امتناعه من بيعة قريش مبنيا على أصله في أن الإمامة تجوز في غير قريش دليلا على أنه مبطل في امتناعه من بيعة إنسان بعينه. و ليس لأحد أن يقول إن سعدا وحده لا يكون محقا و لا يكون خروجه عما عليه الأمة مؤثرا في الإجماع و ذلك أن هذا استبعاد لا وجه له لأن سعدا مثل غيره من الصحابة الذين إذا خالفوا في شي‏ء أثر خلافهم في الإجماع و لا يعد إجماعا. فإن قيل إن خلاف واحد و اثنين لا يعتد به لأنه لا يكون سبيلا للمؤمنين و قول الجماعة يصح ذلك فيه. قيل أول ما فيه أنه كان لسعد من الأولاد من يجوز أن يتناوله الكناية عن الجماعة لأن أقل من يتناوله اللفظ ثلاثة فصاعدا و بعد فإذا كان لفظ المؤمنين يفيد الاستغراق على وجه الحقيقة فمن حمله على جماعة دون الاستغراق كان مجازا و إذا جاز حمله على هذا الضرب من المجاز جاز أن يحمل على الواحد لأنه قد يعبر عن الواحد بلفظ الجماعة مجازا على أنا قد بينا فيما تقدم أن هذه الآيات لا دلالة فيها على صحة التعلق بالإجماع و في ذلك إسقاط هذا السؤال. و أما الطريقة الثانية فهي أن نسلم لهم ترك النكير و إظهار البيعة و

 نقول ما الذي يدل على أنهم كانوا راضين بها و الرضا من أفعال القلوب لا يعلمه إلا الله تعالى ثم يقال لهم قد علمنا أن أمير المؤمنين ع تأخر عن البيعة و امتنع منها علما لا يتخالجنا فيه الشك و اختلف الناس في مدة تأخرها فمنهم من قال ستة أشهر و منهم من قال أربعين يوما و منهم من قال أقل و أكثر و ذلك يدل على إنكاره للبيعة و تسخطه لها فمن ادعى أنه بايع بعد ذلك مختارا راضيا بالبيعة فعليه الدلالة. فإن قيل لو لم يكن راضيا بها لأنكر لأنه كان يتعين عليه الإنكار من حيث إن ما ارتكبوه قبيح و من حيث إنه دفع عن مقامه و استحقاقه فلما لم ينكر دل على أنه كان راضيا. قيل و لم زعمتم أنه لا وجه لترك النكير إلا الرضا دون غيره لأنه إذا كان ترك النكير قد يقع و يكون الداعي إليه غير الرضا كما قد يدعو إليه الرضا فليس لأحد أن يجعل فقده دليل الرضا و النكير قد يرتفع لأمور منها التقية و الخوف على النفس و ما جرى مجراها و منها العلم أو الظن بأنه يعقب من النكير ما هو أعظم من المنكر الذي يراد إنكاره و منها الاستغناء منه بنكير تقدم و أمور ظهرت ترفع اللبس و الإبهام في الرضا بمثله و منها أن يكون للرضا و إذا كان ترك النكير منقسما لم يكن لأحد أن يخصه بوجه واحد و إنما يكون ترك النكير دلالة على الرضا في الموضع الذي لا يكون له وجه سوى الرضا فمن أين لهم أنه لا وجه لترك النكير هاهنا إلا الرضا. فإن قيل ليس الرضا أكثر من ترك النكير فمتى علمنا ارتفاع النكير علمنا الرضا. قلنا هذا مما قد بينا فساده و بينا أن ترك النكير ينقسم إلى الرضا و غيره و بعد فما الفرق بين من قال هذا و بين من قال و ليس السخط أكثر من ارتفاع الرضا فمتى لم أعلم الرضا و أتحققه قطعت على السخط فيجب على من ادعى أن أمير المؤمنين ع كان راضيا أن ينقل ما يوجب كونه كذلك و لا يعتمد في أنه كان راضيا على أن نكيره ارتفع فإن للمقابل أن يقابل ذلك بما قدمنا ذكره و يجعل دليل كونه ساخطا ارتفاع رضاه. فإن قال ليس يجب علينا أن ننقل ما يدل على رضاه أكثر من بيعته و ترك نكيره لأن الظاهر من ذلك يقتضي ما ذكرناه و على من ادعى خلافه و أنه كان مبطنا لخلاف الرضا أن يدل على ذلك فإنه خلاف الظاهر. قيل له ليس الأمر على ما قدرته لأن سخط أمير المؤمنين ع هو الأصل لأنه لا خلاف بين الأمة في أنه ع سخط الأمر و أباه و نازع فيه و تأخر عن البيعة ثم لا خلاف أنه في المستقبل أظهر البيعة و لم يقم على ما كان عليه من إظهار الخلاف و النكير فنقلنا عن أحد الأصلين اللذين كان عليهما من الامتناع عن البيعة و إظهار الخلاف أمر معلوم و لم ينقلنا عن الأصل الآخر الذي هو السخط و الكراهة شي‏ء فيجب على من ادعى تغير الحال أن يدل على تغيرها و يذكر أمرا معلوما يقتضي ذلك و لا يرجع علينا فيلزمنا أن ندل على ما ذكرنا لأنا على ما بيناه متمسكون بالأصل المعلوم و إنما تجب الدلالة على من ادعى تغيير الحال. و ليس له أن يجعل البيعة و ترك النكير دلالة الرضا لأنا قد بينا أن ذلك منقسم و لا ينقل من المعلوم المتحقق بأمر محتمل. فإن قيل هذه الطريقة التي سلكتموها توجب الشك في كل إجماع و تمنع

 من أن نقطع على رضا أحد بشي‏ء من الأشياء لأنا إنما نعلم الرضا في كل موضع نثبته فيه بمثل هذه الطريقة و بما هو أضعف منها. قيل له إن كان لا طريق إلى معرفة الإجماع و رضى الناس بالأمر إلا ما أدعيته فلا طريق إذا إليه لكن الطريق إلى ذلك واضح و هو أن يعلم أن النكير لم يرتفع إلا للرضا و أنه لا وجه هناك سواه و هذا قد يعلم ضرورة من شاهد الحال و قد يعلم من غاب عنها بالنقل و غيره حتى لا يرتاب بأن الرضا هو الداعي إلى ترك النكير أ لا ترى أنا نعلم كلنا علما لا يعترضه شك أن بيعة عمر و أبي عبيدة و سالم لأبي بكر كانت عن رضى و موافقة و مبايعة في الظاهر و الباطن و أنه لا وجه لما أظهروه من البيعة و الموافقة إلا الرضا و لا نعلم ذلك في أمير المؤمنين ع و من جرى مجراه فلو كان الطريق واحدا لعلمنا الأمرين على سواء. و هذا أحد ما يمكن الاعتماد عليه في هذا الموضع فيقال لو كان أمير المؤمنين ع راضيا و ظاهره كباطنه في الكف عن النكير لوجب أن نعلم ذلك من حاله كما علمناه من حال عمر و أبي عبيدة فلما لم يكن ذلك معلوما دل على اختلاف الحال فيه. و كيف يشكل على منصف أن بيعة أمير المؤمنين ع لم تكن عن رضا و الأخبار متظاهرة من كل من روى السير بما يقتضي ذلك حتى أن من تأمل ما روي في هذا الباب لم يبق عليه شك في أنه ع ألجئ إلى البيعة و صار إليها بعد المدافعة و المحاجزة لأمور اقتضت ذلك ليس من جملتها الرضا.

 فقد روى أبو الحسن أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري و حاله في الثقة عند العامة و البعد عن مقاربة الشيعة و الضبط لما يرويه معروفة قال حدثني بكر بن الهيثم عن عبد الرزاق عن معمر عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال بعث أبو بكر عمر بن الخطاب إلى علي ع حين قعد عن بيعته و قال ائتني به بأعنف العنف فلما أتاه جرى بينهما كلام فقال له احلب حلبا لك شطره و الله ما حرصك على إمارته اليوم إلا ليؤمرك غدا و ما ننفس على أبي بكر هذا الأمر و لكنا أنكرنا ترككم مشاورتنا و قلنا إن لنا حقا لا تجهلونه ثم أتاه فبايعه.

و هذا الخبر يتضمن ما جرت عليه الحال و ما تقوله الشيعة بعينه و قد أنطق الله به رواتهم.

 و قد روى البلاذري عن المدائني عن مسلمة بن محارب عن سليمان التيمي عن ابن عون أن أبا بكر أرسل عمر إلى علي ع يريده إلى البيعة فلم يبايع فجاء عمر و معه قبس فتلقته فاطمة ع على الباب فقالت يا ابن الخطاب أ تراك محرقا علي بابي قال نعم و ذلك أقوى فيما جاء به أبوك و جاء علي ع فبايع.

و هذا الخبر قد روته الشيعة من طرق كثيرة و إنما الطريف أن يرويه شيوخ محدثي العامة لكنهم كانوا يروون ما سمعوا بالسلامة و ربما تنبهوا على ما في بعض ما يروونه عليهم فكفوا عنه و أي اختيار لمن يحرق عليه بابه حتى يبايع.

 و روى إبراهيم بن سعيد الثقفي عن أحمد بن عمرو البجلي عن أحمد بن حبيب العامري عن حمران بن أعين عن أبي عبد الله جعفر بن محمد ع قال و الله ما بايع علي حتى رأى الدخان قد دخل بيته.

 و روى المدائني عن عبد الله بن جعفر عن أبي عون قال لما ارتدت العرب مشى عثمان إلى علي ع فقال يا ابن عم إنه لا يخرج أحد إلى قتال هذا العدو و أنت لم تبايع و لم يزل به حتى مشى إلى أبي بكر فسر المسلمون بذلك و جد الناس في القتال.

 و روى البلاذري عن المدائني عن أبي جزي عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت لم يبايع علي أبا بكر حتى ماتت فاطمة ع بعد ستة أشهر فلما ماتت ضرع إلى صلح أبي بكر فأرسل إليه أن يأتيه فقال له عمر لا تأته وحدك قال فما ذا يصنعون بي فأتاه أبو بكر فقال له علي ع و الله ما نفسنا عليك ما ساق الله إليك من فضل و خير و لكنا كنا نرى أن لنا في هذا الأمر نصيبا استبد به علينا فقال أبو بكر و الله لقرابة رسول الله ص أحب إلي من قرابتي فلم يزل علي يذكر حقه و قرابته حتى بكى أبو بكر فقال ميعادك العشية فلما صلى أبو بكر الظهر خطب فذكر عليا ع و بيعته فقال علي ع إني لم يحبسني عن بيعة أبي بكر ألا أكون عارفا بحقه لكنا كنا نرى أن لنا في هذا الأمر نصيبا استبد به علينا ثم بايع أبا بكر فقال المسلمون أصبت و أحسنت.

 و من تأمل هذه الأخبار علم كيف وقعت هذه البيعة و ما الداعي إليها و لو كانت الحال سليمة و النيات صافية و التهمة مرتفعة لما منع عمر أبا بكر من أن يصير إلى أمير المؤمنين ع وحده.

 و روى إبراهيم الثقفي عن محمد بن أبي عمر عن أبيه عن صالح بن أبي الأسود عن عقبة بن سنان عن الزهري قال ما بايع علي ع إلا بعد ستة أشهر و ما اجترئ عليه إلا بعد موت فاطمة ع.

 و روى الثقفي عن محمد بن علي عن عاصم بن عامر البجلي عن نوح بن دراج عن محمد بن إسحاق عن سفيان بن فروة عن أبيه قال جاء بريدة حتى ركز رأيته في وسط أسلم ثم قال لا أبايع حتى يبايع علي بن أبي طالب ع فقال علي ع يا بريدة ادخل فيما دخل فيه الناس فإن اجتماعهم أحب إلي من اختلافهم اليوم.

 و روى إبراهيم عن محمد بن أبي عمر عن محمد بن إسحاق عن موسى بن عبد الله بن الحسن أن عليا ع قال لهم بايعوا فإن هؤلاء خيروني أن يأخذوا ما ليس لهم أو أقاتلهم و أفرق أمر المسلمين.

 و روى إبراهيم عن يحيى بن الحسن بن الفرات عن قليب بن حماد عن موسى بن عبد الله بن الحسن قال أبت أسلم أن تبايع فقالوا ما كنا نبايع حتى يبايع بريدة لقول النبي ص لبريدة علي وليكم من بعدي قال فقال علي ع يا هؤلاء إن هؤلاء خيرونا أن يظلموني حقي و أبايعهم فارتد الناس حتى بلغت الردة أحدا فاخترت إن أظلم حقي و إن فعلوا ما فعلوا

 و روى إبراهيم عن يحيى بن الحسن عن عاصم بن عامر عن نوح بن دراج عن داود بن يزيد الأودي عن أبيه عن عدي بن حاتم قال ما رحمت أحدا رحمتي عليا حين أتي به ملببا فقيل له بايع قال فإن لم أفعل قالوا إذا نقتلك قال إذا تقتلون عبد الله و أخا رسول الله ثم بايع كذا و ضم يده اليمنى.

 و روى إبراهيم عن عثمان بن أبي شيبة عن خالد بن مخلد البجلي عن داود بن يزيد الأودي عن أبيه عن عدي بن حاتم قال إني لجالس عند أبي بكر إذ جي‏ء بعلي ع فقال له أبو بكر بايع فقال له علي ع فإن أنا لم أبايع قال أضرب الذي فيه عيناك فرفع رأسه إلى السماء ثم قال اللهم اشهد ثم مد يده فبايعه.

و قد روي هذا المعنى من طرق مختلفة و بألفاظ متقاربة المعنى و إن اختلف لفظها و أنه ع كان يقول في ذلك اليوم لما أكره على البيعة و حذر من التقاعد عنها يا ابن أم إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَ لا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ و يردد ذلك و يكرره و ذكر أكثر ما روي في هذا المعنى يطول فضلا عن ذكر جميعه و فيما أشرنا إليه كفاية و دلالة على أن البيعة لم تكن عن رضا و اختيار. فإن قيل كل ما رويتموه في هذا المعنى أخبار آحاد لا توجب علما. قلنا كل خبر مما ذكرناه و إن كان واردا من طريق الآحاد فإن معناه الذي تضمنه متواتر و المعول على المعنى دون اللفظ و من استقرى الأخبار وجد معنى إكراهه ع على البيعة و أنه دخل فيها مستدفعا للشر و خوفا من تفرق كلمة المسلمين و قد وردت به أخبار كثيرة من طرق مختلفة تخرج عن حد الآحاد إلى التواتر و بعد فأدون منزلة هذه الأخبار إذا كانت آحادا أن تقتضي الظن و تمنع من القطع على أنه لم يكن هناك خوف و لا إكراه و إذا كنا لا نعلم أن البيعة وقعت عن رضا و اختيار مع التجويز لأن يكون هناك أسباب إكراه فأولى أن لا نقطع على الرضا و الاختيار مع الظن لأسباب الإكراه و الخوف فإن قيل التقية لا تكون إلا عن خوف شديد و لا بد له من أسباب و أمارات تظهر فمتى لم تظهر أسبابه لم يسغ تجويزه و إذا كان غير جائز فلا تقية قلنا و أي أسباب و أمارات هي أظهر مما ذكرناه و رويناه هذا إن أردتم بالظهور النقل و الرواية على الجملة و إن أردتم بالظهور أن ينقله جميع الأمة و يعلموه و لا يرتابوا به فذاك اقتراح منكم لا ترجعون فيه إلى حجة و لنا أن نقول لكم من أين أوجبتم ذلك و ما المانع من أن ينقل أسباب التقية قوم و يعرض عن نقلها آخرون لأغراض لهم و صوارف تصرفهم عن النقل و لا خفاء بما في هذه الدعوى و أمثالها. على أن الأمر في ظهور أسباب التقية أوضح من أن يحتاج فيه إلى رواية خبر و نقل لفظ مخصوص لأنكم تعلمون أن أمير المؤمنين ع تأخر عن البيعة تأخرا علم و ارتفع الخلاف فيه ثم بايع بعد زمان متراخ و إن اختلف في مدته و لم تكن بيعته و إمساكه عن النكير الذي كان وقع منه إلا بعد أن استقر الأمر لمن عقد له و بايعه الأنصار و المهاجرون و أجمع عليه في الظاهر المسلمون و شاع بينهم أن بيعته انعقدت بالإجماع و الاتفاق و أن من خالف عليه كان شاقا لعصا المسلمين مبتدعا في الدين رادا على الله و على رسوله و بهذا بعينه احتجوا على من قعد عن البيعة و تأخر عنها فأي سبب للخوف أظهر مما ذكرناه. و كيف يراد سبب له و لا شي‏ء يذكر في هذا الباب إلا و هو أضعف مما أشرنا إليه و كيف يمكن أمير المؤمنين ع المقام على خلاف من بايعه جميع المسلمين و أظهروا الرضا به و السكون إليه و أن مخالفه مبتدع خارج عن الملة. و إنما يصح أن يقال إن الخوف لا بد له من أمارة و أسباب تظهر و إن نفيه

 واجب عند ارتفاع أسبابه و لو كان أمير المؤمنين ع بايع في الابتداء من الأمر مبتدئا بالبيعة طالبا لها راغبا فيها من غير تقاعد و من غير أن تأخذه الألسن باللوم و العذل فيقول واحد حسدت الرجل و يقول آخر أردت الفرقة و وقوع الاختلاف بين المسلمين و يقول آخر متى أقمت على هذا لم يقاتل أحد أهل الردة و يطمع المرتدون في المسلمين و من غير أن يتلوم أو يتربص حتى يجتمع المتفرقون و يدخل الخارجون و لا يبقى إلا راض أو متظاهر بالرضا فأما و الأمر جرى على خلاف ذلك فالظاهر الذي لا إشكال فيه أنه ع بايع مستدفعا للشر و فرارا من الفتنة و بعد أن لم يبق عنده بقية و لا عذر في المحاجزة و المدافعة. هذا إذا عولنا في إمساكه عن النكير على الخوف المقتضي للتقية و قد يجوز أن يكون سبب إمساكه عن النكير غير الخوف إما منفردا أو مضموما إليه و ذلك أنه لا خلاف بيننا و بين من خالفنا في هذه المسألة أن المنكر إنما يجب إنكاره بشرائط منها أن لا يغلب في الظن أنه يؤدي إلى منكر هو أعظم منه و أنه متى غلب في الظن ما ذكرناه لم يجز إنكاره و لعل هذه كانت حال أمير المؤمنين في ترك النكير. و الشيعة لا تقتصر في هذا الباب على التجويز بل تروي روايات كثيرة أن النبي ص عهد إلى أمير المؤمنين ع بذلك و أنذره بأن القوم يدفعونه عن الأمر و يغلبونه عليه و أنه متى نازعهم فيه أدى ذلك إلى الردة و رجوع الحرب جذعة و أمره بالإغضاء و الإمساك إلى أن يتمكن من القيام بالأمر و التجويز في هذا الباب لما ذكرنا كاف. فإن قيل هذا يؤدي إلى أن يجوز في كل من ترك إنكار منكر هذا الوجه بعينه فلا نذمه على ترك نكيره و لا نقطع على رضاه به. قلنا لا شك في أن من رأيناه كافا عن نكير منكر و نحن نجوز أن يكون إنما كف عن نكيره لظنه أنه يعقب ما هو أعظم منه فإنا لا نذمه و لا نرميه أيضا بالرضا به و إنما نفعل ذلك عند علمنا بارتفاع سائر الأعذار و حصول شرائط جميع إنكار المنكر و ما نعلم بيننا و بينكم خلافا في هذا الذي ذكرناه على الجملة و إنما يقع التناسي للأصول إذا بلغ الكلام إلى الإمامة. و ليس لأحد أن يقول إن غلبة الظن بأن إنكار المنكر يؤدي إلى ما هو أعظم منه لا بد فيه من أمارات تظهر و تنقل و في فقد علمنا بذلك دلالة على أنه لم يكن و ذلك أن الأمارات إنما يجب أن تكون ظاهرة لمن شاهد الحال و غلب في ظنه ما ذكرناه دون من لم تكن هذه حاله و نحن خارجون عن ذلك و الأمارات الظاهرة في تلك الحال لمن غلب في ظنه ما يقتضيه ليست مما ينقل و يروي و إنما يعرف بشاهد الحال و ربما ظهرت أيضا لبعض الحاضرين دون بعض. على أن كل هذا الكلام إنما نتكلفه متى لم نبن كلامنا على صحة النص على أمير المؤمنين ع و متى بيننا الكلام في أسباب ترك النكير على ما قدمناه من صحة النص ظهر الأمر ظهورا يرفع الشبهة لأنه إذا كان هو ع المنصوص عليه بالإمامة و المشار إليه من بينهم بالخلافة ثم رآهم بعد وفاة الرسول ص تنازعوا الأمر بينهم تنازع من لم يسمعوا فيه نصا و لا أعطوا فيه عهدا و صاروا إلى إحدى الجهتين بطريقة الاختيار و صمموا على أن ذلك هو الواجب الذي لا معدل عنه و لا حق سواه علم صلى الله عليه أن ذلك مويس من نزوعهم و رجوعهم و مخيف من ناحيتهم و أنهم إذا استجازوا إطراح عهد الرسول و اتباع الشبهة فيه فهم بأن يطرحوا إنكار غيره و يعرضوا عن وعظه و تذكيره أولى و أحرى. و لا شبهة على عاقل في أن النص إن كان حقا على ما نقوله و دفع ذلك الدفع فإن النكير هناك لا ينجع و لا ينفع و إنه مؤد إلى غاية مكروه فاعليه. فإن قالوا إنما تأخر ع استيحاشا من استبدادهم بالأمر دون مشاورته و مطالعته أو لاشتغاله بتجهيز الرسول ص ثم بأمر

 فاطمة ع. قيل هذا لا يصح على مذهبكم لأن مشاورته لا تجب عليهم و عقد الإمامة يتم بمن عقدها و لا يفتقر في صحته و تمامه إلى حضوره ع و ما تدعونه من خوف الفتنة فهو ع كان أعلم به و أخوف له فكيف يتأخر ع عما يجب عليه من أجل أنهم لم يفعلوا ما لا يجب عليهم و كيف يستوحش ممن عدل عن مشاورته و هي غير واجبة عندهم في حال السلم و الأمن و هل هذا إلا سوء ثناء على أمير المؤمنين ع و نسبة له إلى ما يتنزه قدره و دينه عنه. فإن قيل إن هذا يجري مجرى امرأة لها إخوة كبار و صغار فتولى أمرها الصغار في التزويج فإنه لا بد أن يستوحش الكبار من ذلك. قيل له إن الكبير متى كان دينا خائفا من الله تعالى فإن استيحاشه و ثقل ما يجري على طبعه لا يجوز أن يبلغ به إلى إظهار الكراهة للعقد و الخلاف فيه و إيهام أنه غير ممضى و لا صواب و كل هذا جرى من أمير المؤمنين ع فيكف يضاف إليه مع المعلوم من خشونة أمير المؤمنين في الدين و غضبه له الاستيحاش من الحق و الغضب مما يورد إليه تحرزا عن الفتنة و تلافيا للفرقة. و أما الاشتغال بالنبي ص فإنه كان ساعة من نهار و التأخر كان شهورا و المقلل قال أياما و تلك الساعة أيضا كان يمكن فيها إظهار الرضا و المراسلة به بدلا من إظهار السخط و الخلاف. و أما فاطمة ع فإنها توفيت بعد أشهر فكيف يشتغل بوفاتها عن البيعة المتقدمة مع تراخيها و عندهم أيضا أنه تأخر عن البيعة أياما يسيرة و مكثرهم يقول أربعين يوما فكيف يشتغل ما يكون بعد أشهر عما كان قبلها و من أدل دليل على أن كفه عن النكير و إظهار الرضا لم يكن اختيارا و إيثارا بل كان لبعض ما ذكرناه أنه لا وجه لمبايعته بعد الإباء إلا ما ذكرناه بعينه فإن إباءه المتقدم لا يخلو من وجوه إما أن يكون لاشتغاله بالنبي و ابنته صلوات الله و سلامه عليهما أو استيحاشا من ترك مشاورته و قد أبطلنا ذلك بما لا زيادة عليه أو لأنه كان ناظرا في الأمر و مرتئيا في صحة العقد إما بأن يكون ناظرا في صلاح المعقود له الإمامة أو في تكامل شرائط عقد إمامته و وقوعه على وجه المصلحة فكل ذلك لا يجوز أن يخفى على أمير المؤمنين ع و لا ملتبسا بل كان به أعلم و إليه أسبق و لو جاز أن يخفى عليه مثله وقتا و وقتين لما جاز أن يستمر عليه الأوقات و يتراخى المدد في خفائه. و كيف يشكل عليه صلاح أبي بكر للإمامة و عندهم أن ذلك كان معلوما ضرورة لكل أحد و كذلك عندهم صفات العاقدين و عددهم و شروط العقد الصحيح مما نص النبي ص عليه و أعلم الجماعة به على سبيل التفصيل فلم يبق شي‏ء يرتئي فيه مثل أمير المؤمنين ع و ينظر في إصابته النظر الطويل و لم يبق وجه يحمل عليه إباؤه و امتناعه من البيعة في الأول إلا ما نذكره من أنها وقعت في غير حقها و لغير مستحقها و ذلك يقتضي أن رجوعه إليها لم يكن إلا لضرب من التدبير. فإن استدلوا على رضاه بما ادعوه من إظهار المعاونة و المعاضدة و إشارته عليه بقتال أهل الردة فكل ذلك قد مضى الجواب عنه و قد بينا أن ذلك دعوى لا يعلم منه ع معاضدة و لا مشورة و أن الفتيا يجب عليه من حيث لا يجوز للعالم إذا استفتي عن شي‏ء أن لا يجيب عنه و ما يروى من دفاعه عن المدينة فإنما فعل لوجوب ذلك عليه و على كل مسلم لا لمكانهم و أمرهم بل لأنه دفع عن حريمه و حرم النبي ص و ليس لهم أن يقولوا إنه لو ادعى الحق لوجد أنصارا كالعباس و الزبير و أبي سفيان و خالد بن سعيد لأنه لا نصرة فيمن ذكر و لا في أضعافهم إذا كان الجمهور على خلافه و هذا أظهر من أن يخفى. و ليس لأحد أن يقول كيف يجوز مع شجاعته و ما خصه الله به من القوة الخارقة للعادة أن يخاف منهم و لا يقدم على قتالهم لو لا أنهم كانوا محقين و ذلك

 أن شجاعته و إن كانت على ما ذكرت و أفضل فلا تبلغ إلى أن يغلب جميع الخلق و يحارب سائر الناس و هو مع الشجاعة بشر يقوى و يضعف و يخاف و يأمن و التقية جائزة على البشر الذين يضعفون عن دفع المكروه عنهم. فإن قيل أ ليس الحسين ع أظهر النكير على بني أمية من يزيد و غيره و كان يجب أن لا ينقص نكيره عن نكيره و لم يكن فزعه من أبي بكر إلا دون فزعه من يزيد. قيل هذا بعيد من الصواب لأنا قد بينا الأسباب المانعة من النكير و ليس الخوف في تلك الحال كالخوف من يزيد و بني أمية و كيف يكون الخوف من مظهر للفسوق و الخلاعة و المجانة متهتك لا مسكة عنده و لا شبهة في أن إمامته ملك و غلبة و أنه لا شرط من شرائط الإمامة فيه كالخوف من مقدم معظم جميل الظاهر يرى أكثر الأمة أن الإمامة له دونه و أنها أدنى منازله و ما الجامع بين الأمرين إلا كالجامع بين الضدين. على أن القوم الذين امتنعوا من بيعة يزيد قد عرف ما جرى عليهم من القتل و المكروه فيه. على أن الحسين ع أظهر الخلاف لما وجد بعض الأعوان عليه و طمع في معاونة من خذله و قعد عنه ثم إن حاله آلت مع اجتهاده ع و اجتهاد من اجتهد معه في نصرته إلى ما آلت إليه. و ليس لأحد أن يقول إنه كان بعيدا من التقية لما انتهت الإمامة إليه و حين ناضل أهل البصرة و صفين كان واجد الأنصار فكان يجب أن يظهر النكير و ذلك أن كثيرا من التقية و إن كان زال في أيامه فقد بقي كثير منها لأن أكثر من كان معه كان يعتقد إمامة المتقدمين عليه و أن إمامته ثبتت كما ثبتت إمامة من تقدم بالاختيار فلأجل ذلك لم يتمكن من إظهار جميع ما في نفسه و لم ينقض أحكام القوم و أمر قضاته على أن يحكموا بما كانوا يحكمون و قد بينا ذلك فيما تقدم على وجه لا يخفى على من أمعن النظر و أنصف من نفسه فإن قيل لو جاز التقية مع فقد أسباب التقية لم نأمن في أكثر ما ظهر من النبي ص أن يكون على سبيل التقية. قيل هذا باطل لأنا قد بينا أن أسباب التقية كانت ظاهرة لم تكن مفقودة فأما الرسول ص فإنما لم تجز التقية عليه لأن الشريعة لا تعرف إلا من جهته و لا يوصل إليها إلا بقوله فمتى جازت التقية عليه لم يكن لنا إلى العلم بما كلفناه طريق و ليس العلم بأن الإمام منصوص عليه موقوفا على قول الإمام و لا يعلم إلا من جهته حتى يكون تقيته دافعة لطريق العلم فبان الفرق بين الأمرين. ثم يقال له و قد كان فيمن أنكر و امتنع من البيعة مثل خالد بن سعيد بن العاص و سلمان و قوله كرديد و نكرديد و مثل أبي ذر و عمار و المقداد

 و غيرهم و أقوالهم في ذلك معروفة. فإن قالوا كل هؤلاء بايعوا و تولوا الأمور من قبله و من قبل غيره فلم يبق منهم خلاف. قيل نحن نسلم أنهم بايعوا فمن أين أنهم رضوا به لأنا قد بينا في ذلك ما فيه مقنع و إذا كان أمير المؤمنين ع مع عظم قدره و علو منزلته قد ألجأته الحال إلى البيعة فأولى أن تلجئ غيره ممن لا يدانيه في أفعاله. فإن قيل المروي عن سلمان أنه قال كرديد و نكرديد و ليس بمقطوع به. قلنا إن كان خبر السقيفة و شرح ما جرى فيها من الأقوال و الأفعال مقطوعا به فقول سلمان مقطوع به لأن كل من روى السقيفة رواه و ليس هذا مما يختص الشيعة بنقله فيتهمونهم فيه و ليس لهم أن يقولوا كيف خاطبهم بالفارسية و هم عرب و إن كان فيهم من فهم الفارسية لا يكون إلا آحادا لا يجب قبول قولهم و ذلك أن سلمان و إن تكلم بالفارسية فقد فسره بقوله أصبتم و أخطأتم أصبتم سنة الأولين و أخطأتم أهل بيت رسول الله ص و قوله أما و الله لو وضعتموها حيث وضعها الله لأكلتم من فوق رءوسكم و تحت أرجلكم رغدا أما و الله حيث عدلتم بها عن أهل بيت نبيكم ليطمعن فيها الطلقاء و أبناء الطلقاء حتى روي عن ابن عمر أنه قال ما أبغضت أحدا كبغضي سلمان يوم قال هذا القول و إني قلت يريد شق عصا المسلمين و وقوع الخلاف بينهم و لا أحببت أحدا كحبي له يوم رأيت مروان بن الحكم على منبر رسول الله ص فقلت رحم الله سلمان لقد طمع فيه الطلقاء و أبناء الطلقاء و غير ذلك من الألفاظ المنقولة عنه. و قد يجوز أن يجمع في إنكاره بين الفارسية و العربية ليفهم إنكاره أهل اللغتين معا فلم يخاطب على هذا العرب بالفارسية فأما قول السائل إن راويه واحد من حيث لا يجوز أن يرويه إلا من فهم الفارسية فطريف لأن الشي‏ء قد يرويه من لا يعرف معناه فلعل الناقلين لهذا الكلام كانوا جميعا أو كان أكثرهم لا يفهم معناه غير أنهم نقلوا ما سمعوا و فهم معناه من عرف اللغة أو أخبره عنه من يعرفها. فإن قالوا قوله كرديد و نكرديد فيه تثبيت لإمامته قيل هذا باطل لأنه أراد بقوله كرديد فعلتم و بقوله نكرديد لم تفعلوا و المعنى أنكم عقدتم لمن لا يصلح للأمر و لا يستحقه و عدلتم عن المستحق و هذه عادة الناس في إنكار ما يجري على غير وجهه لأنهم يقولون فعل فلان و لم يفعل و المراد ما ذكرناه و قد صرح سلمان ره بذلك في قوله أصبتم سنة الأولين و أخطأتم أهل بيت نبيكم و قد فسر بالعربية معنى كلامه. فإن قالوا أراد أصبتم الحق و أخطأتم المعدن لأن عادة الفرس أن لا يزيل الملك عن أهل بيت الملك. قيل الذي يبطل هذا الكلام تفسير سلمان لكلام نفسه فهو أعرف بمعناه على أن سلمان رحمة الله عليه كان أتقى لله و أعرف به من أن يريد من المسلمين أن يسلكوا سنن الأكاسرة و الجبابرة و يعدلوا عما شرعه لهم نبيهم ص فإن قيل فقد تولى سلمان لعمر المدائن فلو لا أنه كان راضيا بذلك لم يتول ذلك. قيل ذلك أيضا محمول على التقية و ما اقتضى إظهار البيعة و الرضا يقتضيه و ليس لهم أن يقولوا و أي تقية في الولايات لأنه غير ممتنع أن يعرض عليه هذه الولايات ليمتحن بها و يغلب في ظنه أنه إن عدل عنها و أباها نسب إلى الخلاف و اعتقدت فيه العداوة و لم يأمن المكروه و هذه حال توجب عليه أن يتولى ما عرض عليه و كذلك الكلام في تولي عمار رحمة الله عليه الكوفة و نفوذ المقداد في بعوث القوم. على أنه يجوز عندنا تولي الأمر من قبل من لا يستحقه إذا ظن أنه يقوم بما أمر الله تعالى و يضع الأشياء في مواضعها من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و لعل القوم علموا ذلك أو ظنوه.

 و أما أقوال أبي ذر تصريحا و تلويحا فمعروفة مذكورة و ليس لهم أن يقولوا إنه روي عنه تعظيم القوم و مدحهم و ذلك أن ذلك يمكن إذا سلم حمله على التقية و الخوف كما قلناه فيما رووه عن أمير المؤمنين ع. ثم يقال للمعتزلة ما اعتبرتموه من الإجماع في إمامة أبي بكر يلزم عليه القول بإمامة معاوية لأن الناس بعد صلح الحسن ع بين نفسين مظهر للرضا ببيعته و بين كاف عن النكير فيجب أن يكون ذلك دلالة على إمامته و هم لا يقولون بها فإما أن يقولوا بذلك أو يتركوا الاعتماد على هذا الضرب من الاستدلال. فإن قالوا إن معاوية لم يصلح للإمامة لما ظهر منه من الفسق نحو استلحاقه زيادا و قتله حجرا و شقه العصا في أيام أمير المؤمنين ع و مقاتلته إياه إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة فلا يصح و الحال هذه أن يدعى الإجماع لأن الإجماع إنما يدعى فيما يصح فأما ما لا يصح فلا يدعى فيه الإجماع و لو ثبت الإجماع على ما قالوه لعلمنا أنه على سبيل القهر كما يقع من الملوك على أنه قد صح و اشتهر الخلاف في ذلك بل ربما كانوا يظهرون الخلاف بحضرته فلا ينكره و قد كان الحسن و الحسين ع و محمد بن علي و ابن عباس و إخوته و غيرهم من قريش يظهرون ذمه و الوقيعة فيه فكيف يدعى الإجماع في ذلك مع علمنا ضرورة من حال من ذكرناه أنه كان لا يقول بإمامته و لا يدين بها. قيل هذا تعليل للنقض لأنه إذا كان لا يصلح للإمامة و قد وجدنا في الاتفاق عليه و الكف عن منازعته و مخالفته ما وجدناه فيمن تقدم فيجب إما أن يكون إماما أو أن تكون هذه الطريقة ليست مرضية في تصحيح الإجماع و كل شي‏ء يبين به أنه لا يصلح للإمامة يؤكد الإلزام و يؤيده. و قول السائل إن الإجماع إنما يدل على ثبوت ما يصح صحيح إلا أنه كان يجب أن يبين أن الإجماع لم يقع هاهنا باعتبار يقتضي أن شروطه لم تتكامل و لا يرجع في أنه لم يقع مع تكامل شروطه و أسبابه إلى أن المجمع عليه لا يصلح للإمامة لأن ذلك مناقضة و إن رضوا بهذا القول فالشيعة أيضا يقولون إن من تقدم على أمير المؤمنين ع لا يصلح للإمامة و الإجماع يجب أن يقع على ما يصح دون ما لا يصح مثل ما قلتموه فأما ادعاء القهر و الغلبة فمما لا يقول لهم المخالف لهم في إمامة معاوية بمثل ما قالوه لنا فيما تقدم من أن القهر و الغلبة لا بد لهما من أسباب تظهر و تنقل و تعلم فلو كانت هناك غلبة لعلمها الناس كلهم على سواء و متى ادعوا شيئا مما نقل في هذا المعنى لم يلتفت إليه مخالفهم و قال لهم لو كان ذلك صحيحا لنقل إلي و علمته كما علمتموه و قابلهم في هذا الموضع بمثل ما يقابلنا السائل في إمامة من تقدم حذو النعل بالنعل و لهذا يقول من ينسب إلى السنة منهم إن إبطال إمامة معاوية و الوقيعة فيه طريق مهيع لأهل الرفض إلى القدح في إمامة من تقدمه و قولهم إن معاوية كالحلقة للباب يريدون بذلك أن قرع الباب طريق إلى الولوج و سبب للدخول. فأما ما ادعوه من اشتهار الخلاف من الحسن و الحسين ع و فلان و فلان و أنهم كانوا يظهرون ذمه و الوقيعة فيه فيقال لهم من أين علمتم هذا الذي ادعيتموه أ بضرورة أم باستدلال فإن كان بالضرورة قلنا و ما بال علم الضرورة يخصك دون مخالفك و هم أكثر عددا منك و آنس بالأخبار و نقلة الآثار و ليس جاز لك أن تدعي على مخالفك في هذا الباب علم الضرورة مع علمك بكثرة عددهم و تدين أكثرهم إلا و تجوزون للشيعة التي تخالفك في إمامة من تقدم أن تدعي الضرورة عليك في العلم بإنكار أمير المؤمنين ع و أهله و شيعته ظاهرا و باطنا على المتقدمين عليه و أنه كان يتظلم و يتألم من سلب حقه و الدفع له عن مقامه و هيهات أن يقع بين الأمرين فصل و إن قال أعلم ذلك باستدلال. قلنا اذكر أي طريق شئت في تصحيح ما أدعيته من إنكار من سميته و وصفته حتى نبين بمثله صحة ما رويناه من الإنكار على من تقدم فإنك لا تقدر إلا أن تروي أخبارا نقلتها أنت و من وافقك و يدفعها مخالفك و يدعي أنها من رواية

 أهل الرفض و دسيس من قصده الطعن في السلف و يقول فيمن يروي هذه الأخبار و يقبلها أكثر مما تقول أنت و أصحابك فيمن يروي ما ذكرناه من الأخبار. على أن الظاهر الذي لا يمكن دفعه من القوم الذين أشاروا إليهم أنهم كانوا يفتخرون عليه بالنسب و ما جرى مجراه و كانت تجري بينهم مفاضلة و مفاخرة لا ذكر للإمامة فيها و ما كان يكون ذلك إلا بتعرض من معاوية فإنه كان رجلا عريضا يريد أن يتحدث عنه بالحلم و كان دأبه أن يتحكك بمن يعلم أنه لا يحتمله حتى يصدر منه من الكلام ما يغضي عليه و يعرض عنه فيكون ذلك داعيا إلى وصفه بالحلم و ما كان في جميع من ذكره ممن كان يقابله بغليظ الكلام و شديد إلا من يخاطبه بإمرة المؤمنين في الحال و يأخذ عطاءه و يتعرض لجوائزه و نوافله فأي إنكار كان مع ما ذكرناه. و مما يعارض جميع من خالفنا إجماعهم على قتل عثمان لأن الناس كانوا بين فريقين أحدهما المؤلب عليه و المتولي لمغالبته و مطالبته بالخلع حتى أدى ذلك إلى قتله و الآخر ممسك عنهم غير منكر عليهم و ذلك دال عندهم على الإجماع. فإن قالوا كيف يدعى الإجماع في هذا الباب و قد حصل هناك أمران يمنعان من النكير أحدهما أنه كان غلبة و الثاني ما كان من منع عثمان من القتال فكيف يقابل ما قلناه و قد ثبت أيضا بالنقل ما كان من أمير المؤمنين ع من الإنكار حتى بعث الحسن و الحسين ع و قنبرا على ما روي في ذلك و كيف يدعى في ذلك الإجماع و عثمان نفسه مع شيعته و أقاربه خارجون منه. قيل ليس الغلبة أكثر من استيلاء الجمع الكثير الذين يخشى سطوتهم و يخاف بادرتهم و هذه كانت حال من عقد الإمامة لأبي بكر لأن أكثر الأمة تولاها و مال إليها و اعتقد أنها السنة و ما يخالفها البدعة فأي غلبة أوضح مما ذكرناه

 و كيف يدعى الغلبة في قتل عثمان و عندهم أن الذين تولوا قتله و باشروا حربه نفر من أهل مصر التف إليهم قوم من أوباش المدينة ممن يريد الفتنة و يكره الجماعة و أن أكابر المسلمين و وجوه الصحابة و المهاجرين و هم أكثر أهل المدينة و عليهم مدار أمرها و بهم يتم الحل و العقد فيها كانوا لذلك كارهين و على من أتاه منكرين فأي غلبة يكون من القليل على الكثير و الصغير على الكبير لو لا أن أصحابنا يدفعون الكلام في الإمامة بما يسنح و يعرض من غير نكير في عواقبه و نتائجه فأما منع عثمان من القتال فعجيب و أي عذر في منع عثمان لمن قعد عن نصرته و خلا بينه و بين الباغين عليه و النهي عن المنكر واجب و كيف لم يمتنع من القتال لأجل منع عثمان منه من كان معه في الدار من أقاربه و عبيده و هم له أطوع و بأن ينتهوا إلى أمره أولى و كيف لم يطعه في المنع من المنكر و الصبر على إيقاع الفتنة إلا المهاجرون و الأنصار دون أهله و عبيده. و أما ذكره إنكار أمير المؤمنين لذلك و بعثه الحسن و الحسين للنصرة و المعاونة فالمعروف أن أمير المؤمنين ع كان ينكر قتله و يبرأ من ذلك في أقوال محفوظة معروفة لأن قتله منكر لا شك فيه و لم يكن لمن تولاه أن يقوم به فأما حصره و مطالبته بخلع نفسه و تسليم من كان سبب الفتنة ممن كان في جهته فما يحفظ عن أمير المؤمنين في ذلك إنكار بل الظاهر أنه كان بذلك راضيا و بخلافه ساخطا و كيف لا يكون كذلك و هو الذي قام بأمره في الدفعة الأولى و توسط حتى جرى الأمر على إرادته بعد أن كاد يخرج الأمر إلى ما خرج إليه في المرة الثانية و ضمن عنه لخصومه الإعتاب الجميل فكان ذلك سببا لتهمته له ع و مشافهته بأنه لا يتهم سواه فمضى ع من فوره و جلس في بيته و أغلق بابه. فأما بعث الحسن و الحسين فلا نعرفه في جملة ما يدعى و الذي كان يدعى أنه بعث الحسن ع و في ذلك نظر و لو سلم لكان إما بعثه للمنع من الانتهاء بالرجل إلى القتل أو لأنهم كانوا حصروه و منعوه الطعام و الشراب و في داره حرم و أطفال و من لا تعلق له بهذا الأمر و هذا منكر يجب على مثل أمير المؤمنين ع دفعه و لو كان أمير المؤمنين و طلحة و الزبير و فلان و فلان كارهين لكل ما جرى لما وقع شي‏ء منه و لكانوا متمكنين من دفعه باليد و اللسان و السيف. فأما قول السائل و كيف يدعى الإجماع و عثمان و شيعته و أقاربه خارجون منه فطريف لأنه إن لم يكن في هذا الإجماع إلا خروج عثمان عنه فبإزائه خروج سعد بن عبادة و ولده و أهله من الإجماع على إمامة أبي بكر ممن يقول خصومنا أنا لا نعتد بهم إذا كان في مقابلته جميع الأمة فأما من كان معه في الدار فلم يكن معه من أهله إلا ظاهر الفسق عدو لله تعالى كمروان بن الحكم و ذويه ممن لا يعتبر بخروجه عن الإجماع لارتفاع الشبهة في أمره أو عبيد أوباش طغام لا يفرقون بين الحق و الباطل و لا يكون خلاف مثلهم قادحا في الإجماع و إذا بلغنا في هذا الباب إلى أن لا نجد منكرا من جميع الأمة إلا عبيد عثمان و النفر من أقاربه الذين حصروا في الدار فقد سهلت القضية و لم يبق فيها شبهة. و ليس لأحد أن يقول إن هذا طريق إلى إبطال الإجماع في كل موضع و ذلك أنا قد بينا أن الأمر على خلاف ما ظنوه و أن الإجماع يثبت و يصح بطرق صحيحة ليست موجودة فيما ادعوه و لا طائل في إعادة ما مضى. انتهى ملخص تلخيصه قدس سره و كلام أصحابنا في هذا الباب كثير لا يناسب ذكره في هذا الكتاب و فيما أوردنا كفاية لأولي الألباب. تكملة إذا عرفت أن ما ادعوه من الإجماع الذي هو عمدة الدليل على إمامة إمامهم لم يثبت بما أوردوه في ذلك من الأخبار نرجع و نقول نثبت بتلك الأخبار التي أوردوها لإثبات ذلك عدم استحقاقهم للإمامة بل كفرهم و نفاقهم و وجوب لعنهم إذ تبين بالمتفق عليه من أخبارهم و أخبارنا أن عمر هم بإحراق بيت فاطمة ع بأمر أبي بكر أو برضاه و قد كان فيه أمير المؤمنين و فاطمة و الحسنان صلوات الله عليهم و

 هددهم و آذاهم مع أن رفعة شأنهم عند الله و عند رسوله ص مما لا ينكره إلا من خرج عن الإسلام و قد استفاض في رواياتنا بل في رواياتهم أيضا أنه روع فاطمة حتى ألقت ما في بطنها و قد سبق في الروايات المتواترة و سيأتي أن إيذاءها صلوات الله عليها إيذاء للرسول ص و آذيا عليا ع و

 قد تواتر في روايات الفريقين قول النبي ص من آذى عليا فقد آذاني

و قد قال الله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً و هل يجوز عاقل خلافة من كان هذا حاله و ماله. و أجاب عن ذلك قاضي القضاة بأنا لا نصدق ذلك و لا نجوزه و لو صح لم يكن طعنا على عمر لأن له أن يهدد من امتنع من المبايعة إرادة للخلاف على المسلمين لكنه غير ثابت لأن أمير المؤمنين ع قد بايع و كذلك الزبير و المقداد و الجماعة و قد بينا أن التمسك بما تواتر به الخبر من بيعتهم أولى من هذه الروايات الشاذة. و رد عليه السيد رضي الله عنه في الشافي أولا بأن خبر الإحراق قد رواه غير الشيعة ممن لا يتهم على القوم و أن دفع الروايات من غير حجة لا يجدي شيئا فروى البلاذري و حاله في الثقة عند العامة و البعد عن مقاربة الشيعة و الضبط لما يرويه معروفة عن المدائني عن سلمة بن محارب عن سليمان التيمي عن ابن عون أن أبا بكر أرسل إلى علي ع يريده على البيعة فلم يبايع فجاء عمر و معه قبس فلقيته فاطمة ع على الباب فقالت يا ابن الخطاب أ تراك محرقا علي داري قال نعم و ذلك أقوى فيما جاء به أبوك و جاء علي ع فبايع. و هذا الخبر قد روته الشيعة من طرق كثيرة و إنما الطريف أن يرويه شيوخ محدثي العامة.

 و روى إبراهيم بن سعيد الثقفي بإسناده عن جعفر بن محمد ع قال و الله ما بايع علي ع حتى رأى الدخان قد دخل بيته

و ثانيا بأن ما اعتذر به من حديث الإحراق إذا صح طريف و أي عذر لمن أراد أن يحرق على أمير المؤمنين و فاطمة ع منزلهما و هل يكون في ذلك علة تصغى إليه و إنما يكون مخالفا للمسلمين و خارقا لإجماعهم إذا كان الإجماع قد تقرر و ثبت و إنما يصح لهم الإجماع متى كان أمير المؤمنين و من قعد عن البيعة ممن انحاز إلى بيت فاطمة ع داخلا فيه و غير خارج عنه و أي إجماع يصح مع خلاف أمير المؤمنين ع وحده فضلا عن أن يتابعه غيره و هذه زلته من صاحب المغني و ممن حكي احتجاجه. و بعد فلا فرق بين أن يهدد بالإحراق للعلة التي ذكرها و بين ضرب فاطمة ع لمثل هذه العلة فإن إحراق المنازل أعظم من ضربها و ما يحسن الكبير بمن أراد الخلاف على المسلمين أولى بأن يحسن الصغير فلا وجه لامتعاض صاحب الكتاب من ضربها بالسوط و تكذيب ناقله و اعتذاره في غيره بمثل هذا الاعتذار