سورة يوسف الآية 81-100

ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ: على ما شهدنا من ظاهر الأمر.و قرئ : «سرّق»، أي: نسب إلى السّرقة. 

وَ ما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا: بأن رأينا أنّ الصّواع استخرج من وعائه.

وَ ما كُنَّا لِلْغَيْبِ: لباطن الحال.

حافِظِينَ : فلا ندري أنّه سرق، أو دسّوا الصّاع في رحله. أو ما كنّا للعواقب عالمين، فلم ندر حين أعطيناك الموثق أنّه سيسرق، أو أنّك تصاب به، كما أصبت بيوسف.

وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها، يعنون: مصر، أو قرية بقربها لحقهم المنادي فيها. والمعنى: أرسل إلى أهلها واسألهم عن القصّة.

وَ الْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها: وأصحاب العير الّتي توجّهنا فيهم وكنّا معهم.

وَ إِنَّا لَصادِقُونَ : تأكيد في محلّ القسم.

قالَ بَلْ سَوَّلَتْ، أي: فلمّا رجعوا إلى أبيهم، وقالوا له ما قال لهم أخوهم، قال: بل سوّلت، أي: زيّنت وسهّلت.

لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً: أردتموه، لتعليمكم إيّاه أنّ السّارق يؤخذ بسرقته، وإلّا فما أدرى الملك أنّ السّارق يؤخذ بسرقته.

فَصَبْرٌ جَمِيلٌ، أي: فأمري صبر جميل، أو فصبر جميل أجمل.

في تفسير العيّاشيّ : عن جابر قال: قلت لأبي جعفر- عليه السّلام-: رحمك اللَّه، ما الصّبر الجميل؟

قال: فذلك صبر ليس فيه شكوى إلى النّاس.

و في أمالي شيخ الطّائفة - قدّس سرّه- وبالإسناد في قوله- عزّ وجلّ- في قول يعقوب: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ قال: بلا شكوى.

عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً: بيوسف وبنيامين وأخيهما الّذي توقّف بمصر.

إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ: بحالي وحالهم.

الْحَكِيمُ : في تدبيرها.وَ تَوَلَّى عَنْهُمْ: وأعرض عنهم كراهة لما صادف منهم.

وَ قالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ، أي: يا أسفى تعال فهذا أوانك.

و «و الأسف» أشدّ الحزن والحسرة. و«الألف» بدل من ياء المتكلّم.

و إنّما تأسّف على يوسف دون أخويه والحادث رزؤهما، لأنّ رزأه كان قاعدة المصيبات وكان غضّا آخذا بمجامع قلبه، ولأنّه كان واثقا بحياتهما  دون حياته.

و في الحديث النّبويّ : لم تعطَ أمّة من الأمم إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ عند المصيبة إلّا أمّة محمّد، ألّا ترى إلى يعقوب حين أصابه ما أصابه لم يسترجع، وقال:

يا أسفى.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم : سئل أبو عبد اللَّه- عليه السّلام-: ما بلغ من حزن يعقوب على يوسف؟

قال: حزن سبعين ثكلى على أولادها.

و قال: إنّ يعقوب لم يعرف الاسترجاع، فمن هناك قال: يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ.

و في تفسير العيّاشيّ : عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللَّه- عليه السّلام- مثله.

 

و بهذا الإسناد ، عنه- عليه السّلام- قال: قيل له: كيف يحزن يعقوب على يوسف، وقد أخبره جبرئيل أنّه لم يمت وأنّه سيرجع إليه؟

فقال له: إنّه نسي ذلك.

وَ ابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ: لكثرة بكائه من الحزن، كأنّ العبرة محقت سوادهما [يعني عمت من البكاء سوادها] .

و قيل: ضعف بصره.

و قيل: عمي- عليه السّلام-.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم ، يعني: عميت من البكاء.و قرئ : «من الحزن».

قيل : فيه دلالة على جواز التّأسّف والبكاء عند التّفجّع، ولعلّ أمثال ذلك لا يدخل تحت التّكليف، فإنّه قلّ من يملك نفسه عند الشّدائد.

و لقد بكى رسول اللَّه- صلّى اللَّه عليه وآله- على ولده إبراهيم، وقال: القلب يحزن والعين تدمع ولا نقول ما يسخط الرّبّ، وإنّا عليك يا إبراهيم لمحزونون.

فَهُوَ كَظِيمٌ : مملوء من الغيظ على أولاده، ممسك له في قلبه لا يظهره.

فعيل، بمعنى: مفعول، كقوله- تعالى-: وَهُوَ مَكْظُومٌ . من كظم السّقاء: إذا شدّه على ملئه. أو بمعنى: فاعل، كقوله: وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ. من كظم الغيظ: إذا اجترعه. وأصله: كظم البعير جرّته: إذا ردّها في جوفه.

قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ، أي: لا تفتأ ولا تزال تذكره تفجّعا عليه، فحذف «لا»، كما في قوله:

         فقلت يمين اللَّه أبرح قاعدا

 

 لأنّه لا يلتبس بالاثبات، فإنّ القسم إذا لم يكن معه علامة الإثبات  كان على النّفي.

حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً: مريضا مشفيا على الهلاك.

و قيل : «الحرض» الّذي أذابه همّ أو مرض، وهو في الأصل مصدر ولذلك لا يؤنّث ولا يجمع. والنّعت بالكسر، كدنِف ودنَف، وقد قرئ به، وبضّمتين، كجنب.

أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ : من الميّتين.

في كتاب الخصال : عن أبي جعفر، محمّد بن عليّ الباقر- عليهما السّلام- قال:

كان عليّ بن الحسين- عليهما السّلام- يصلّي في اليوم واللّيلة ألف ركعة.

... إلى أن قال: ولقد بكى على أبيه الحسين- صلوات اللَّه عليه- عشرين سنة، ما وضع بين يديه طعام إلّا بكى، حتّى قال له مولى له: يا ابن رسول اللَّه، أما آن لحزنك أن ينقضي؟فقال له: ويحك، إنّ يعقوب النّبيّ- عليه السّلام- كان له اثنا عشر ابنا، فغيّب اللَّه عنه واحدا منهم، فابيضّت عيناه من كثرة بكائه عليه [و شاب رأسه من الحزن‏]  واحدودب وقوّست ظهره من الغمّ، وكان ابنه حيّا في الدّنيا، وأنا نظرت إلى أبي وأخي وعمّي وسبعة عشر من أهل بيتي مقتولين حولي، فكيف ينقضي حزني؟!

عن محمّد بن سهل البحرانيّ ، يرفعه إلى أبي عبد اللَّه- عليه السّلام- قال:

البكّاؤون خمسة: آدم ويعقوب ويوسف وفاطمة بنت محمّد- صلّى اللَّه عليه وآله- وعليّ بن الحسين- عليهما السّلام-. فأمّا آدم فبكى على الجنّة حتّى صار في خدّيه أمثال الأودية، وأمّا يعقوب فبكى على يوسف حتّى ذهب بصره حتّى قيل له: تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ.

و في كتاب الاحتجاج  للطّبرسيّ- رحمه اللَّه-: عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين  بن عليّ- عليهم السّلام- قال: إنّ يهوديّا من يهود الشّام وأحبارهم قال لأمير المؤمنين- عليه السّلام-: فأمّا يعقوب قد صبر على فراق ولده حتّى كاد يحرض من الحزن.

قال له عليّ- عليه السّلام-: لقد كان كذلك، وقد كان حزن يعقوب حزنا بعده تلاق، ومحمّد- صلّى اللَّه عليه وآله- قبض ولده إبراهيم قرّة عينه في حياته منه، وخصّه بالاختيار ليعظم له الادخار، فقال- صلّى اللَّه عليه وآله-: «تحزن النّفس ويجزع القلب، وإنّا عليك يا إبراهيم لمحزونون، ولا نقول ما يسخط الرّب» في كلّ ذلك يؤثر الرّضا عن اللَّه- عزّ وجلّ- والاستسلام له في جميع الفعال.

لَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي‏

: همّي الّذي لا أقدر الصّبر عليه. من البثّ بمعنى: النّشر.

َى اللَّهِ‏

: لا إلى أحد منكم ومن غيركم، فخلّوني وشكايتي.

أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ‏

: من صنعه ورحمته، فإنّه لا يخيب داعيه ولا يدع الملتجئ إليه. أو من اللَّه بنوع من الإلهام.

 لا تَعْلَمُونَ‏

 : من حياة يوسف.

قيل : رأى ملك الموت في المنام فسأله عنه، فقال: هو حيّ.

و قيل : علم من رؤيا يوسف أنّه لا يموت حتّى يخرّ له إخوته سجّدا.

و سيأتي في الخبر: أنّه نزل عليه ملك الموت فسأله عنه.

و في تفسير العيّاشيّ : الفضيل بن يسار قال: سمعت أبا عبد اللَّه- عليه السّلام- [يقول:نَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ‏

 منصوبة.

عن إسماعيل بن جابر ، عن أبي عبد اللَّه- عليه السّلام-] ، قال: إنّ يعقوب أتى ملكا يسأله الحاجة. فقال له الملك: أنت إبراهيم؟

قال: لا.

قال: وأنت إسحاق بن إبراهيم؟

قال: لا.

قال: فمن أنت؟

قال: يعقوب بن إسحاق.

قال: فما بلغ ما أرى بك مع حداثة السّن؟

قال: الحزن على يوسف.

قال: لقد بلغ بك الحزن، يا يعقوب، كلّ مبلغ.

فقال: إنّا، معاشر الأنبياء أسرع شي‏ء البلاء إلينا، ثمّ الأمثل فالأمثل من النّاس.

فقضى حاجته، فلمّا جاوز صغير بابه هبط إليه جبرئيل فقال: يا يعقوب، ربّك يقرئك السّلام ويقول لك: شكوتني إلى النّاس؟

فعفّر وجهه بالتّراب وقال: يا ربّ، زلّة أقلنيها فلا أعود بعد هذا أبدا.

ثمّ عاد إليه جبرئيل، فقال: يا يعقوب، ارفع رأسك، ربّك يقرئك السّلام ويقول لك: قد أقلتك فلا تعود تشكوني إلى خلقي. فما رئي  ناطقا بكلمة ممّا كان فيه‏حتّى أتاه  بنوه فضرب وجهه إلى الحائط وقال:نَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي‏

 (الآية).

و في حديث آخر  عنه: جاء يعقوب إلى نمرود في حاجة، فلمّا رآه وثب عليه، وكان أشبه النّاس بإبراهيم، فقال له: أنت إبراهيم خليل الرّحمن؟

قال: لا. (الحديث).

و في كتاب معاني الأخبار ، بإسناده إلى ابن معاوية  الأشتر قال: سمعت أبا عبد اللَّه- عليه السّلام- يقول: من شكا إلى مؤمن فقد شكا إلى اللَّه- عزّ وجلّ-.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم : عن رسول اللَّه- صلّى اللَّه عليه وآله-: ومن شكا مصيبة نزلت به فإنّما يشكو ربّه.

و في نهج البلاغة : قال- عليه السّلام-: ومن أصبح يشكو مصيبة نزلت به فقد أصبح  يشكو ربّه.

و في مجمع البيان :نَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ‏

 و

روي عن النّبيّ- صلّى اللَّه عليه وآله-، أنّ جبرئيل أتاه، فقال: يا يعقوب، إنّ اللَّه يقرأ عليك السّلام ويقول:

أبشر وليفرح قلبك، فو عزّتي، لو كانا ميّتين لنشرتهما لك، اصنع طعاما للمساكين فإنّ أحبّ عبادي إليّ المساكين، او تدري لم أذهبت بصرك وقوّست ظهرك؟ لأنّكم ذبحتم شاة وأتاكم فلان  المسكين، وهو صائم، فلم تطعموه شيئا. فكان يعقوب بعد  ذلك إذا أراد الغداء أمر مناديا فنادى: ألا من أراد الغداء من المساكين فليتغدّ مع يعقوب. وإذا كان صائما أمر مناديا ينادي [ألا]  من كان صائما فليفطر مع يعقوب. رواه الحاكم، أبو عبد اللَّه في صحيحه.

و في أصول الكافي : عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن عليّ بن‏

 أسباط، عن عمّه، يعقوب بن سالم، عن إسحاق بن عمّار [عن الكاهلي‏]  قال: سمعت أبا عبد اللَّه- عليه السّلام- يقول: إنّ يعقوب لما ذهب منه بنيامين نادى: يا ربّ، أما ترحمني حتّى أذهبت عيني وأذهبت ابني.

فأوحى اللَّه- عزّ وجلّ-: لو أمتّهما لأحييتهما لك حتّى أجمع بينك وبينهما، ولكن تذكر الشّاة الّتي ذبحتها وشويتها وأكلت وفلان، وفلان إلى جانبك صائم لم تنله منها شيئا.

و في رواية أخرى  قال: فكان بعد ذلك يعقوب إذا أصبح نادى: ألا من أراد الغداء فليأت يعقوب. وإذا أمسى نادى: ألا من أراد العشاء فليأت يعقوب.

و في مصباح الشّريعة : قال الصّادق- عليه السّلام-: «المحزون» غير المتفكّر ، [لأنّ المتفكّر]  متكلّف، والمحزون مطبوع ، والحزن يبدأ من الباطن، والفكر  يبدأ من رؤية المحدثات، وبينهما فرق، قال اللَّه- عزّ وجلّ- في قصّة يعقوب- عليه السّلام-:نَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ‏

.

يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ: فتعرّفوا منهما وتفحّصوا من حالهما.

و «التّحسّس» تطلّب الإحساس.

وَ لا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ: لا تقنطوا من فرجه وتنفيسه.

و قرئ : «من روح اللَّه»، أي: من رحمته الّتي يحيي بها العباد.

إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ : باللّه وصفاته، لأنّ المؤمن من اللَّه على خير يرجوه عند البلاء ويشكره في الرّخاء.

في كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة : وقال الصّادق- عليه السّلام-: إنّ يعقوب- عليه السّلام- قال لملك الموت: أخبرني عن الأرواح تقبضها مجتمعة أو متفرّقة؟

قال: بل متفرّقة.قال: فهل قبضت روح يوسف في جملة ما قبضت من الأرواح؟

فقال: لا.

فعند ذلك قال لبنيه: يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ.

و في كتاب علل الشّرائع ، بإسناده إلى حنان بن سدير: عن أبيه قال: قلت لأبي جعفر- عليه السّلام-: أخبرني عن يعقوب حين قال لولده: اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ أ كان علم أنّه حيّ وقد فارقه منذ عشرين سنة وذهبت عيناه من الحزن؟

قال: نعم، علم أنّه حيّ.

قلت: وكيف علم؟

قال: إنّه دعا في السّحر أن يهبط عليه ملك الموت، فهبط عليه تريال وهو ملك الموت.

فقال له تريال: ما حاجتك، يا يعقوب؟

قال: أخبرني عن الأرواح تقبضها مجتمعة أو متفرّقة؟

فقال: بل متفرّقة، روحا روحا.

قال: فمرّ بك روح يوسف؟

قال: لا.

فعند ذلك علم أنّه حيّ فقال لولده: اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ.

و في روضة الكافي : ابن محبوب، عن حنان بن سدير، عن أبي جعفر- عليه السّلام- مثله، إلّا أنّ فيها «بريال» بالباء الموحّدة نقطا مكان «تريال» بالمثنّاة من فوق.

و في تفسير العيّاشيّ : عن حنان بن سدير، عن أبيه، عن أبي جعفر- عليه السّلام- مثله أيضا، إلّا أنّ فيه: «قوبال». وفيه وفي خبر آخر: تبرابل، وهو ملك الموت. وذكر نحوه.

و في الخرائج والجرائح : وعن الصّادق- عليه السّلام-: أنّ أعرابيّا اشترى من يوسف طعاما، فقال له: إذا مررت بوادي كذا فناد: يا يعقوب، فإنّه يخرج إليك شيخ‏وسيم، فقل له: إنّي رأيت بمصر رجلا يقرئك السّلام ويقول: إنّ وديعتك عند اللَّه محفوظة لن تضيع.

فلمّا بلّغه الأعرابيّ خرّ يعقوب مغشيّاً عليه، فلمّا أفاق قال: هل لك من حاجة؟

قال: لي ابنة عمّ، وهي زوجتي، لم تلد.

فدعا له، فرزق منها أربعة أبطن، في كل بطن اثنان.

و في نهج البلاغة : قال- عليه السّلام-: ولا تيأسنّ لشرّ هذه الأمّة من روح اللَّه لقوله- تعالى-: إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ [إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ‏]  [و لا تؤمنّهم مكر اللَّه‏] .

و في من لا يحضره الفقيه ، في باب معرفة الكبائر الّتي وعد اللَّه- عزّ وجلّ- عليها النّار: عن أبي عبد اللَّه- عليه السّلام- حديث طويل يذكر فيه الكبائر، يقول فيه- عليه السّلام- بعد أن ذكر الشّرك باللّه: وبعده اليأس من روح اللَّه، لأنّ اللَّه- عزّ وجلّ- يقول:

إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ.

فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ: بعد ما رجعوا إلى مصر رجعة ثانية.

مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ: شدّة الجوع.

وَ جِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ: رديئة، أو قليلة تردّ وتدفع رغبة عنها. من أزجيته:

إذا دفعته. ومنه: تزجية الزّمان.

قيل : كانت دراهم زيوفا.

و قيل : صوفا وسمنا .

و قيل : الصّنوبر، والحبّة الخضراء.

و قيل : الأقط ، وسويق المقل .و في تفسير العيّاشيّ : عن أحمد بن محمّد، عن أبي الحسن الرّضا- عليه السّلام- قال: سألته عن قوله: وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ.

قال: كانت المقل، وكانت بلادهم بلاد المقل، وهي البضاعة.

فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ: فأتمّ لنا الكيل.

وَ تَصَدَّقْ عَلَيْنا: بردّ أخينا. أو بالمسامحة وقبول المزجاة، أو بالزّيادة على ما يساويها.

إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ : أحسن الجزاء.

و «التّصدّق» التّفضّل مطلقا. ومنه قوله- عليه السّلام- في القصر: هذه صدقة تصدّق اللَّه عليكم بها.

فرقّ لهم يوسف، ولم يتمالك أن عرّفهم نفسه.

قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ، أي: هل علمتم قبحه، فتبتم عنه؟

و فعلهم بأخيه إفراده عن يوسف وإذلاله، حتّى كان لا يستطيع أن يكلّمهم إلّا بعجز وذلّة.

إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ : قبحه، فلذلك أقدمتم عليه. أو عاقبته.

و إنّما قال ذلك تنصيحا لهم وتحريضا على التّوبة، وشفقة عليهم لمّا رأى من عجزهم وتمسكنهم، لا معاتبة وتثريبا.

و قيل : أعطوه كتاب يعقوب في تخليص بنيامين، وذكروا له ما هو فيه من الحزن على فقد يوسف وأخيه فقال لهم ذلك.

و إنّما جهّلهم لأنّ فعلهم كان فعل الجهّال، أو لأنّهم كانوا حينئذ صبيانا طيّاشين.

و في مجمع البيان : روي عن أبي عبد اللَّه- عليه السّلام- أنّه قال: كلّ ذنب عمله العبد، وإن كان عالما، فهو جاهل حين خاطر بنفسه معصية ربّه، فقد حكى اللَّه- سبحانه- قول يوسف لإخوته: هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ.

 

فنسبهم إلى الجهل لمخاطرتهم بأنفسهم في معصية اللَّه.قالُوا أَ إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ: استفهام تقرير، ولذلك حقّق «بأنّ» ودخول اللّام عليه.

و قرأه  ابن كثير على الإيجاب .

قيل : عرفوه بروائه وشمائله حين كلّمهم.

و قيل : تبسّم فعرفوه بثناياه.

و قيل : رفع التّاج عن رأسه فرأوا علامة بقرنه تشبه الشّامة البيضاء، وكانت لسارة ويعقوب مثلها.

قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي: من أبي وأمّي. ذكره تعريفا لنفسه به، وتفخيما لشأنه، وإدخالا له في قوله: قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا، أي: بالسّلامة والكرامة.

إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ، أي: يتّق اللَّه.

وَ يَصْبِرْ: على البليّات. أو على الطّاعات. أو عن المعاصي.

فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ : وضع المحسنين موضع الضّمير، للتّنبيه على أنّ المحسن من جمع بين التّقوى والصّبر.

قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا: اختارك علينا بحسن الصّورة وكمال السّيرة.

وَ إِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ : والحال أنّ شأننا أنّا كنّا مذنبين بما فعلنا معك.

قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ: لا تأنيب عليكم. تفعيل، من الثّرب: وهو الشّحم الّذي يغشي الكرش، للإزالة، كالتّجليد، فاستعير للتّقريع الّذي يمزّق العرض ويذهب ماء الوجه.

الْيَوْمَ: متعلّق بالتّثريب. أو بالمقدّر للجارّ الواقع خبرا «للا تثريب» والمعنى:

لا أثر بكم اليوم الّذي هو مظنّته، فما ظنّكم بسائر الأيّام. أو بقوله: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ، لأنّه صفح عن جريمتهم حين اعترفوا بها.

وَ هُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ : فإنّه يغفر الصّغائر والكبائر ويتفضّل على التّائب.قيل : ومن كرم يوسف- عليه السّلام- أنّهم لمّا عرفوه أرسلوا إليه وقالوا: إنّك تدعونا بالبكرة والعشيّ إلى الطّعام، ونحن نستحيي منك لما فرط منّا فيك، فقال: أما إنّ أهل مصر كانوا ينظرون إليّ بالعين الأولى، ويقولون: سبحان من بلغ عبدا بيع بعشرين درهما ما بلغ. ولقد شرفت بكم وعظمت في عيونهم حيث علموا أنكم  إخوتي وأنّي من حفدة إبراهيم- عليه السّلام-.

و في تفسير العيّاشيّ : عن أبي بصير، عن أبي جعفر- عليه السّلام- عاد إلى الحديث الأوّل قال: واشتدّ حزنه، يعني: يعقوب، حتّى تقوّس ظهره وأدبرت الدّنيا عن يعقوب وولده حتّى احتاجوا حاجة شديدة وفنيت ميرتهم، فعند ذلك قال يعقوب لولده:

اذْهَبُوا (الآية). فخرج منهم نفر، وبعث معهم  ببضاعة يسيرة، وكتب معهم كتابا إلى عزيز مصر يتعطّفه على نفسه وولده، وأوصى لولده أن يبدءوا بدفع كتابه قبل البضاعة، فكتب:

 «بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم» إلى عزيز مصر ومظهر العدل وموفي الكيل، من يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل اللَّه صاحب النّمرود، الّذي جمع لإبراهيم الحطّب والنّار ليحرقه بها فجعلها اللَّه عليه بردا وسلاما وأنجاه منها.

أخبرك، أيّها العزيز، أنّا أهل بيت قديم لم يزل البلاء إلينا سريعا من اللَّه ليبلونا بذلك عند السّرّاء والضّرّاء، وأنّ مصائبي  تتابعت عليّ منذ عشرين سنة، أوّلها أنّه كان لي ابن سمّيته: يوسف، وكان سروري من بين ولدي وقرّة عيني وثمرة فؤادي، وأنّ إخوته من غير أمّه سألوني أن أبعثه معهم يرتع ويلعب، فبعثته  معهم بكرة وجاؤوني عشاء يبكون وجاؤوني على قميصه بدم كذب، فزعموا أنّ الذّئب أكله، فاشتدّ لفقده حزني وكثر على فراقه بكائي حتّى ابيضّت عيناي من الحزن، وأنّه كان له أخ من خالته، وكنت له معجبا وعليه رفيقا وكان لي أنيسا، وكنت إذا ذكرت يوسف ضممته إلى صدري فيسكن بعض ما أجد في صدري، وأنّ إخوته ذكروا لي أنّك، أيّها العزيز، سألتهم عنه وأمرتهم أن يأتوك به وإن لم يأتوك به منعتهم الميرة لنا من القمح من مصر، فبعثته معهم ليمتاروا لنا قمحا،فرجعوا إليّ وليس هو معهم، وذكروا أنّه سرق مكيال الملك ونحن أهل بيت لا نسرق، وقد حبسته عنّي وفجعتني به، وقد اشتدّ لفراقه حزني حتّى تقوّس لذلك ظهري وعظمت به مصيبتي مع مصائب متتابعات عليّ، فمنّ عليّ بتخلية سبيله وإطلاقه من محبسك ، وطيّب لنا القمح واسمح لنا في السّعر [و أوف لنا الكيل‏]  وعجّل بسراح آل يعقوب.

فلمّا مضى ولد يعقوب من عنده نحو مصر بكتابه، نزل جبرئيل- عليه السّلام- على يعقوب، فقال له: يا يعقوب، إنّ ربّك يقول لك: من ابتلاك بمصائبك الّتي كتبت بها إلى عزيز مصر؟

قال يعقوب: أنت بلوتني بها، عقوبة منك وأدبا لي.

قال اللَّه: فهل كان يقدر على صرفها عنك أحد غيري؟

قال يعقوب: اللّهمّ، لا.

قال: فما استحييت منّي حين شكوت مصائبك إلى غيري، ولم تستغث بي وتشكو ما بك إليّ؟

فقال يعقوب: استغفرك، يا إلهي، وأتوب إليك وأشكو بثّي وحزني إليك.

فقال اللَّه- تبارك وتعالى-: قد بلغت بك، وبولدك الخاطئين الغاية في أدبي، ولو كنت، يا يعقوب، شكوت مصائبك إليّ عند نزولها بك واستغفرت وتبت إليّ من ذنبك لصرفتها عنك بعد تقديري إيّاها عليك، ولكنّ الشّيطان أنساك ذكري فصرت إلى القنوط من رحمتي، وأنا اللَّه الجواد الكريم أحبّ عبادي المستغفرين التّائبين الرّاغبين إليّ فيما عندي، يا يعقوب، أنا رادّ إليك يوسف وأخاه ومعيد إليك ما ذهب من مالك ولحمك ودمك ورادّ إليك بصرك ومقوّم لك ظهرك وطب نفسا وقرّ عينا، وأنّ الّذي فعلته بك كان أدبا منّي لك، فاقبل أدبي.

قال: ومضى ولد يعقوب بكتابه نحو مصر حتّى دخلوا على يوسف في دار المملكة، فقالوا: يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا بأخينا ابن يامين، وهذا كتاب أبينا يعقوب إليك في أمره يسألك تخلية سبيله، وأن تمنّ به عليه.

قال: فأخذ يوسف كتاب يعقوب، فقبّله ووضعه على عينيه، وبكى وانتحب‏حتّى بلّت دموعه القميص الّذي عليه، ثمّ أقبل عليهم فقال: هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ من قبل وَأَخِيهِ من بعد قالُوا أَ إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ، قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا فلا تفضحنا ولا تعاقبنا اليوم واغفر لنا قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ.

و في رواية أخرى : عن أبي بصير، عن أبي جعفر- عليه السّلام- نحوه.

و في مجمع البيان : وفي «كتاب النّبوّة» بالإسناد، عن الحسن بن محبوب، عن [أبي‏]  إسماعيل الفرّاء، عن طربال عن أبي عبد اللَّه- عليه السّلام- في خبر طويل: أنّ يعقوب كتب إلى يوسف:

 «بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم» إلى عزيز مصر ومظهر العدل وموفي الكيل، من يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرّحمن صاحب نمرود، الّذي جمع له النّار ليحرقه بها فجعلها اللَّه عليه بردا وسلاما وأنجاه منها.

أخبرك، أيّها العزيز، أنّا أهل بيت لم يزل البلاء إلينا سريعا من اللَّه ليبلونا عند السّرّاء والضّرّاء، وأنّ مصائب تتابعت عليّ منذ عشرين سنة، أوّلها أنّه كان لي ابن سمّيته: يوسف، وكان سروري من بين ولدي وقرّة عيني وثمرة فؤادي، وأنّ إخوته من غير أمّه سألوني أن أبعثه معهم يرتع ويلعب، فبعثته معهم بكرة فجاءوني عشاء يبكون، وجاؤوا على قميصه بدم كذب، وزعموا أنّ الذّئب أكله، فاشتدّ لفقده حزني وكثر على فراقه بكائي حتّى ابيضّت عيناي من الحزن، وأنّه كان له أخ، وكنت به معجبا وكان لي أنيسا، وكنت إذا ذكرت يوسف ضممته إلى صدري فيسكن بعض ما أجد في صدري، وأنّ إخوته ذكروا أنّك سألتهم عنه وأمرتهم أن يأتوك به، فإن لم يأتوك به منعتهم الميرة، فبعثته معهم ليمتاروا لنا قمحا، فرجعوا إليّ وليس هو معهم، وذكروا أنّه سرق مكيال الملك ونحن أهل بيت لا نسرق، وقد حبسته عنّي وفجعتني به، وقد اشتدّ لفراقه حزني حتّى تقوّس لذلك ظهري وعظمت به مصيبتي مع مصائب تتابعت عليّ، فمنّ عليّ بتخلية سبيله وإطلاقه من حبسك، وطيّب لنا القمح واسمح لنا في السّعر وأوف لنا الكيل، وعجّل بسراح آل إبراهيم.

قال: فمضوا بكتابه حتّى دخلوا على يوسف في دار الملك وقالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا (إلى آخر الآية)، وتصدّق علينا بأخينا ابن يامين، وهذا كتاب أبينا يعقوب أرسله إليك في أمره يسألك تخلية سبيله، فمنّ به علينا فأخذ يوسف كتاب يعقوب، وقبّله ووضعه على عينيه، وبكى وانتحب حتّى بلّت دموعه القميص الّذي عليه، ثمّ أقبل عليهم وقال: هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ من قبل.

و في كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة ، بإسناده إلى سدير قال: سمعت أبا عبد اللَّه- عليه السّلام- يقول: إنّ في القائم- عليه السّلام- شبه  من يوسف- عليه السّلام-.

قلت: كأنّك تذكر خبره أو غيبته؟

فقال: لي. ما تنكر من ذلك هذه الأمّة أشباه الخنازير؟ إنّ إخوة يوسف كانوا أسباطا أولاد أنبياء، تاجروا؟؟؟ بيوسف وبايعوه، وهم إخوته وهو أخوهم، فلم يعرفوه حتّى قال لهم: أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي فما تنكر هذه الأمّة أن يكون اللَّه- عزّ وجلّ- في وقت من الأوقات يريد أن يستر  حجّته [عنهم‏] ؟ لقد كان يوسف- عليه السّلام- [يوما]  ملك مصر، وكان بينه وبين والده مسيرة ثمانية عشر يوما، فلو أراد اللَّه أن يعرّفه [مكانه‏]  لقدر على ذلك، واللَّه، لقد سار يعقوب وولده عند البشارة مسيرة  تسعة أيّام من بدوهم  إلى مصر، فما تنكر هذه [الأمة]  أن يكون اللَّه- عزّ وجلّ- يفعل [بحجّته‏]  ما فعل بيوسف، أن يسير فيما بينهم ويمشي في أسواقهم ويطأ بسطهم  وهم لا يعرفونه حتّى يأذن اللَّه- عزّ وجلّ- له أن يعرّفهم نفسه، كما أذن ليوسف حين  قال لهم: هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ، قالُوا أَ إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا (الآية).

و في أصول الكافي : عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن الحسين، عن ابن أبي نجران،

 عن فضالة بن أيّوب، عن سدير الصّيرفيّ قال: سمعت أبا عبد اللَّه- عليه السّلام- يقول: إنّ في صاحب هذا [الأمر]  شبها من يوسف. وذكر كما نقلنا عن كمال الدّين بتغيير يسير.

و في تفسير العيّاشيّ : عن المفضّل بن عمر، عن أبي عبد اللَّه- عليه السّلام- قال:

 [ليس‏]  رجل من ولد فاطمة لا  يموت ولا يخرج من الدّنيا حتّى يقرّ للإمام بإمامته، كما أقرّ ولد يعقوب ليوسف [حين‏]  قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا.

و في الكافي : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن أبي عبد اللَّه- عليه السّلام- قال: لمّا قدم رسول اللَّه- صلّى اللَّه عليه وآله- مكة ، يوم افتتحها، فتح باب الكعبة، فأمر بصور في الكعبة فطمست ، فأخذ بعضادتي الباب فقال: لا إله إلّا اللَّه وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ما ذا تقولون وما ذا تظنّون؟

قالوا: نظنّ خيرا [و نقول خيرا] ، أخ كريم وابن أخ كريم وقد قدرت.

فقال: فإنّي أقول، كما قال أخي يوسف: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في تفسير العيّاشيّ : عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا رفعه قال: كتب يعقوب النّبيّ إلى يوسف:

عن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرّحمن، إلى عزيز مصر: أمّا بعد، فإنّا أهل بيت لم يزل البلاء سريعا إلينا، أبتلي جدّي، إبراهيم فالقي في النّار، ثمّ ابتلي أبي إسحاق الذّبيح، وكان لي ابن وكان قرّة عيني وكنت أسرّ به فابتليت بأن أكله الذّئب فذهب بصري حزنا عليه من البكاء، وكان له أخ وكنت أسرّ إليه بعده فأخذته في سرق، فإن رأيت أن تمنّ عليّ به فعلت.قال: فلمّا أوتي يوسف بالكتاب فتحه وقرأه فصاح، ثمّ قام فدخل منزله فقرأه وبكى، ثمّ غسّل وجهه، ثمّ خرج إلى إخوته، ثمّ عاد فقرأه فصاح وبكى، ثمّ قام فدخل منزله فقرأه وبكى، ثمّ غسّل وجهه وعاد إلى إخوته، فقال هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ وأعطاهم قميصه، وهو قميص إبراهيم، وكان يعقوب بالرّملة .

اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً، أي: ذا بصر.

وَ أْتُونِي: أنتم وأبي.

بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ  بنسائكم وذراريّكم ومواليكم.

و في أمالي شيخ الطّائفة - قدّس سرّه- بإسناده إلى أبي جعفر، محمّد بن عليّ الباقر قال: فلمّا كان من أمر إخوة يوسف ما كان كتب يعقوب إلى يوسف- عليه السّلام- وهو لا يعلم أنّه يوسف:

 «بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم» من يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل اللَّه- عزّ وجلّ- إلى عزيز آل فرعون سلام عليك، فإنّي أحمد إليك اللَّه أنّه لا إله إلّا هو: أمّا بعد، فإنّا أهل بيت مولع بنا أسباب البلاء، كان جدّي إبراهيم القي في النّار في طاعة ربّك فجعلها اللَّه- عزّ وجلّ- بردا وسلاما، وأمر اللَّه جدّي أن يذبح أبي ففداه بما فداه، وكان لي ابن فكان من أعزّ النّاس عليّ فقدته فأذهب حزني عليه نور بصري، وكان له أخ من أمّه فكنت إذا ذكرت المفقود ضممت أخاه هذا إلى صدري فأذهب عنّي بعض وجدي، وهو محبوس عندك في السّرقة، فإنّي أشهدك أنّي لم أسرق ولم ألد سارقا.

فلمّا قرأ يوسف الكتاب بكى وصاح وقال: اذْهَبُوا بِقَمِيصِي- إلى قوله-:

أَجْمَعِينَ.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

وَ لَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ: من مصر، وخرجت من عمرانها.

قالَ أَبُوهُمْ: لمن حضره.

إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ:

قيل : أوجده اللَّه ريح ما عبق بقميصه من ريحه حين أقبل به إليه يهودا من ثمانين‏فرسخا.

لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ : تنسبوني إلى الفند، وهو نقصان عقل يحدث من هرم، ولذلك لا يقال: عجوز مفنّدة، لأنّ نقصان عقلها ذاتيّ.

و جواب «لو لا» محذوف، وتقديره: لصدقتموني. أو لقلت: إنّه قريب.

قالُوا، أي: الحاضرون.

تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ : لفي ذهابك عن الصّواب قدما بالإفراط في محبّة يوسف، وإكثار ذكره، والتّوقّع للقائه.

فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ:

في كمال الدّين : عن الصّادق- عليه السّلام-: هو يهودا.

نقل : أنّه قال: كما احزنته بحمل قميصه الملطّخ بالدّم إليه، فأفرحه بحمل هذا إليه.

أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ: طرح البشير القميص على وجه يعقوب، أو يعقوب نفسه.

فَارْتَدَّ بَصِيراً: عاد بصيرا لما انتعش فيه من القوّة .

قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ : من حياة يوسف وإنزال الفرج.

و قيل : إِنِّي أَعْلَمُ كلام مبتدأ، والمقول وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ، أو «إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ».

و في تفسير العيّاشيّ : عن صفوان ، عن أبي عبد اللَّه- عليه السّلام- قال: كتب عزيز مصر إلى يعقوب:

أمّا بعد، فهذا ابنك، يوسف اشتريته بثمن بخس دراهم معدودة واتّخذته عبدا، وهذا ابنك، ابن يامين [أخذته‏]  قد سرق واتّخذته  عبدا.قال: فما ورد على يعقوب شي‏ء أشدّ عليه من ذلك الكتاب، فقال للرّسول: قف مكانك حتّى أجيبه. فكتب إليه يعقوب:

أما بعد، فقد فهمت كتابك بأنّك أخذت ابني بثمن بخس واتّخذته عبدا، وأنّك اتخذت ابني، ابن يامين وقد سرق واتّخذته عبدا، فإنّا أهل بيت لا نسرق ولكنّا  أهل بيت نبتلى، وقد ابتلي أبونا بالنّار فوقاه اللَّه، وابتلي أبونا إسحاق بالذّبح فوقاه اللَّه، وإنّي قد ابتليت بذهاب بصري وذهاب ابني، وعسى اللَّه أن يأتيني بهم جميعا.

قال: فلمّا ولّى الرّسول عنه رفع يده إلى السّماء، ثمّ قال: يا حسن الصّحبة، يا كريم المعونة، يا خير كلمة ، ائتني بروح [منك‏]  وفرج من عندك.

قال: فهبط عليه جبرئيل، فقال: يا يعقوب، ألّا أعلّمك دعوات يردّ اللَّه عليك بها بصرك ويردّ عليك ابنيك؟

فقال له: بلى.

فقال: قل: يا من لا يعلم أحد كيف هو وحيث هو وقدرته إلّا هو، يا من سدّ الهواء بالسّماء وكبس الأرض على الماء واختار لنفسه أحسن الأسماء، ائتني بروح منك وفرج من عندك. فما انفجر عمود الصّبح حتّى اتي بالقميص وطرح على وجهه، فردّ اللَّه عليه بصره، وردّ عليه ولده.

عن أبي بصير ، عن أبي جعفر- عليه السّلام- قال: اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا الّذي بلّته دموع عيني فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يرتدّ بَصِيراً لو قد شمّ ريحي وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ، وردّهم إلى يعقوب في ذلك اليوم وجهّزهم بجميع ما يحتاجون إليه فلما فصلت عيرهم عن مصر وجد يعقوب ريح يوسف، فقال لمن بحضرته من ولده:

إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ.

قال: وأقبل ولده يحثّون السّير بالقميص فرحا وسرورا بما رأوا من حال يوسف، والملك الّذي أعطاه اللَّه، والعزّ الّذي صاروا إليه في سلطان يوسف. وكان مسيرهم من مصر إلى بدو يعقوب تسعة أيّام، فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ ألقى القميص عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً

 . وقال لهم: ما فعل ابن يامين؟

قالوا: خلّفناه عند أخيه صالحا.

قال: فحمد اللَّه يعقوب عند ذلك، وسجد لربّه سجدات الشّكر، ورجع إليه بصره، وتقوّم له ظهره، وقال لولده: تحمّلوا إلى يوسف في يومكم هذا بأجمعكم. فساروا إلى يوسف ومعهم يعقوب وخالة يوسف، ياميل، فأحثّوا السّير فرحا وسرورا، فساروا تسعة أيّام إلى مصر.

عن أخي  رزّام ، عن أبي عبد اللَّه- عليه السّلام- قال: وجد يعقوب ريح قميص إبراهيم، حين فصلت العير من مصر، وهو بفلسطين.

و في كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة ، بإسناده إلى مفضّل بن عمر: عن أبي عبد اللَّه- عليه السّلام- قال: سمعته يقول: أ تدري ما كان قميص يوسف- عليه السّلام-؟

قال: قلت: لا.

قال: إنّ إبراهيم- عليه السّلام- لمّا أوقدت له النّار نزل إليه جبرئيل- عليه السّلام- بالقميص وألبسه إيّاه، فلم يضّرّ معه حرّ ولا برد. فلمّا حضرته الوفاة جعله في تميمة وعلّقه على إسحاق- عليه السّلام-، وعلّقه إسحاق- عليه السّلام- على يعقوب- عليه السّلام-. فلمّا ولد له يوسف- عليه السّلام- علّقه عليه، وكان في عضده حتّى كان من أمره ما كان. فلمّا أخرجه يوسف- عليه السّلام- بمصر من تميمته وجد يعقوب- عليه السّلام- ريحه، وهو قوله- عزّ وجلّ- حكاية عنه: «إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ». فهو ذلك القميص الّذي انزل من الجنّة.

قلت: جعلت فداك، فإلى من صار هذا القميص؟

قال: إلى أهله [ثمّ يكون مع قائمنا- صلوات اللَّه عليه- إذا خرج‏] .

ثمّ قال: كلّ نبيّ ورث علما أو غيره فقد انتهى إلى محمّد وآله- صلّى اللَّه عليه وآله-.و في الكافي ، مثله سواء.

 

و في تفسير عليّ بن إبراهيم ، بعد المساواة فيما ذكر: وكان يعقوب بفلسطين، وفصلت العير من مصر، فوجد يعقوب ريحه وهو من ذلك القميص الّذي نزل من الجنّة، ونحن ورثته.

و في تفسير العيّاشيّ : عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع ، رفعه بإسناده له قال:

إنّ يعقوب وجد ريح قميص يوسف من مسيرة عشرة ليال ، وكان يعقوب ببيت المقدس ويوسف بمصر، وهو القميص الّذي نزل إلى إبراهيم من الجنّة، فدفعه إبراهيم إلى إسحاق، وإسحاق إلى يعقوب، ودفعه يعقوب إلى يوسف- عليه السّلام-.

و في كتاب علل الشّرائع ، بإسناده إلى إبراهيم بن أبي البلاد: عمّن ذكره، عن أبي عبد اللَّه- عليه السّلام- قال: كان القميص الّذي نزل على إبراهيم من الجنّة في قصبة من فضّة، وكان إذا لبس كان واسعا كبيرا. فلمّا فصلوا، ويعقوب بالرّملة ويوسف بمصر، قال يعقوب: إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ، يعني: ريح الجنّة حين فصلوا بالقميص، لأنّه كان من الجنّة.

و في كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة : وروي أنّ القائم- عليه السّلام-: إذا خرج يكون عليه قميص يوسف، ومعه عصا موسى وخاتم سليمان.

و في تفسير العيّاشيّ : عن نشيط بن صالح البجليّ قال: قلت لأبي عبد اللَّه- عليه السّلام-: أ كان إخوة يوسف- صلوات اللَّه عليه- أنبياء؟

قال: لا، ولا بررة أتقياء، كيف وهم يقولون لأبيهم: تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ؟

عن نشيط ، عن رجل، عن أبي عبد اللَّه- عليه السّلام- مثله.

 

عن سليمان بن عبد اللَّه الطّلحيّ  قال: قلت لأبي عبد اللَّه- عليه السّلام-: ماحال بني يعقوب، هل خرجوا من الإيمان؟

فقال: نعم.

قلت: فما تقول في آدم؟

قال: دع آدم.

قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ : ومن حقّ المعترف بذنبه أن يصفح عنه، ويسأل له المغفرة.

قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ : أخّره إلى السّحر.

و في كتاب علل الشّرائع ، بإسناده إلى إسماعيل بن الفضل الهاشميّ قال:

قلت لجعفر بن محمّد- عليه السّلام-: أخبرني عن يعقوب- عليه السّلام- لمّا قال له بنوه:

يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ، قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي فأخّر الاستغفار لهم، ويوسف- عليه السّلام- لمّا قالوا له تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ، قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.

قال: لأنّ قلب الشّابّ أرقّ من قلب الشّيخ، وكان جناية ولد يعقوب على يوسف وجنايتهم على يعقوب إنّما كانت بجنايتهم على يوسف، فبادر يوسف إلى العفو عن حقّه، وأخّر يعقوب العفو لأنّ عفوه إنّما كان عن حقّ غيره، فأخّرهم إلى السّحر ليلة الجمعة.

و في أصول الكافي : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن خالد، عن شريف بن سابق، عن المفضّل بن أبي قرّة، عن أبي عبد اللَّه- عليه السّلام- قال: قال رسول اللَّه- صلّى اللَّه عليه وآله-: خير وقت دعوتم اللَّه فيه الأسحار. وتلا هذه الآية في قول يعقوب- عليه السّلام-: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي وقال: أخّرهم إلى السّحر.

و فيمن لا يحضره الفقيه : وروى محمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللَّه- عليه السّلام- في قوله: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي، فقال: أخّرهم إلى السّحر، قال: يا ربّ، إنّماذنبهم فيما بيني وبينهم.

فأوحى اللَّه: إنّي قد غفرت لهم.

و في روضة الكافي : عن حنان، عن أبيه، عن أبي جعفر- عليه السّلام- قال:

قلت له: ما كان أولاد يعقوب أنبياء؟

قال: لا، ولكنّهم كانوا أسباطا أولاد الأنبياء، ولم يكن يفارقوا  الدّنيا إلّا سعداء، تابوا وتذكّروا ما صنعوا، وأنّ الشّيخين فارقا الدّنيا ولم يكن  يتوبا ولم يذكرا  ما صنعا بأمير المؤمنين- عليه السّلام- فعليهما لعنة اللَّه والملائكة والنّاس أجمعين.

فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ:

نقل : أنّه وجّه إليه رواحل وأموالا ليتجهّز إليه بمن معه، واستقبله يوسف والملك بأهل مصر، وكان أولاده الّذين دخلوا معه مصر اثنين وسبعين رجلا وامرأة، وكانوا حين خرجوا مع موسى- عليه الصّلاة والسّلام- ستّمائة ألف وخمسمائة وبضعة وسبعين رجلا سوى الذّرّيّة والهرمى.

آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ: ضمّ إليه أباه وأمّه راحيل، كما مضى عن الباقر- عليه السّلام- في تأويل رؤياه.

أو أباه وخالته ياميل، لما سبق في رواية العيّاشيّ ، أنّها هي الّتي صارت معهم إلى مصر، ولما يأتي في روايته: أنّه رفع أباه وخالته على سرير الملك. فإن صحّت هذه الرّواية فلعلّه نزّلها منزلة الأمّ تنزيل العمّ منزلة الأب في قوله- تعالى-: وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ . أو لأنّ يعقوب- عليه السّلام- تزوّجها بعد أمّه وربّته، والرّابّة تدعى:

أمّا.

وَ قالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ : من القحط وأصناف المكاره، والمشيئة متعلّقة بالدّخول المكيّف بالأمن، والدّخول الأوّل كان في موضع خارج البلد حين استقبلهم.و في أصول الكافي : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن مروك  بن عبيد، عمّن حدّثه، عن أبي عبد اللَّه- عليه السّلام- قال: إنّ يوسف لمّا قدم عليه الشّيخ يعقوب- عليه السّلام- دخله عزّ الملك، فلم ينزل إليه، فهبط جبرئيل- عليه السّلام- فقال: يا يوسف، ابسط راحتك. فخرج منها نور ساطع، فصار في جوّ السّماء.

فقال يوسف- عليه السّلام-: يا جبرئيل، ما هذا النّور الّذي خرج من راحتي؟

فقال: نزعت النّبوّة من عقبك عقوبة لمّا لم تنزل إلى الشّيخ يعقوب، فلا يكون من عقبك نبيّ.

و في كتاب علل الشّرائع ، بإسناده إلى يعقوب بن يزيد: عن غير واحد رفعوه إلى أبي عبد اللَّه- عليه السّلام- قال: لمّا تلقّى يوسف يعقوب ترجّل له يعقوب ولم يترجّل له يوسف، فلم ينفصلا من العناق حتّى أتاه جبرئيل فقال له: يا يوسف، ترجّل لك الصّدّيق ولم تترجّل له ابسط يدك. فبسطها، فخرج نور من راحته.

فقال له يوسف: ما هذا؟

قال: [هذا آية]  لا يخرج من عقبك نبيّ عقوبة.

و بإسناده إلى هشام بن سالم : عن أبي عبد اللَّه- عليه السّلام- قال: لمّا أقبل يعقوب إلى مصر خرج يوسف- عليه السّلام- ليستقبله. فلمّا رآه يوسف همّ بأن يترجّل ليعقوب، ثمّ نظر إلى ما هو فيه من الملك، فلم يفعل. فلمّا سلّم على يعقوب نزل عليه جبرئيل- عليه السّلام- فقال له: يا يوسف، إنّ اللَّه- تبارك وتعالى- يقول لك: ما منعك أن تنزل إلى عبدي الصّالح إلّا ما أنت فيه، ابسط يدك. فبسطها فخرج من بين أصابعه نور.

فقال له: ما هذا، يا جبرئيل؟

فقال: هذا آية  لا يخرج من صلبك نبيّ أبدا، عقوبة لك بما صنعت بيعقوب إذ لم تنزل إليه.

و في تفسير العيّاشيّ : عن الحسن بن أسباط قال: سألت أبا الحسن- عليه السّلام-: في كم دخل يعقوب من ولده على يوسف؟

قال: في أحد عشر ابنا.

فقيل له: أسباط؟

قال: نعم.

و سألته عن يوسف وأخيه: أ كان أخاه لأمّه أم ابن خالته؟

فقال: ابن خالته.

وَ رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً:

قيل : تحية وتكرمة له، فإنّ السّجود كان عندهم يجري مجراها. والحقّ أنّ معناه:

خرّوا لأجله سجّدا، للّه شكرا.

و قيل : الضّمير للّه، والواو لأبويه وإخوته. والرّفع مؤخّر عن الخرور، وإن قدّم لفظا للاهتمام بذكره  بتعظيمه لهما.

و في تفسير العيّاشيّ : عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللَّه- عليه السّلام- في قول اللَّه: وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ قال: العرش السّرير.

و في قوله: خَرُّوا لَهُ سُجَّداً قال: كان سجودهم ذلك عبادة للّه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم : وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- عليه السّلام- قال: لمّا دخلوا عليه سجدوا شكرا للّه وحده حين نظروا إليه، وكان ذلك السّجود للّه.

و عن الهادي - عليه السّلام- وقد سئل عن سجود يعقوب وولده ليوسف، وهم أنبياء: أمّا سجود يعقوب وولده فإنّه لم يكن ليوسف، وإنّما كان من يعقوب وولده طاعة للّه وتحيّة ليوسف، كما كان السّجود من الملائكة لآدم وإنّما كان ذلك منهم طاعة للّه وتحيّة لآدم، فسجد يعقوب وولده ويوسف معهم شكرا للّه لاجتماع شملهم، ألم تر أنّه يقول في شكره ذلك الوقت: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ (الآية)؟و في الجوامع : عن الصّادق- عليه السّلام- أنّه قرأ: «و خرّوا للّه ساجدين».

وَ قالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ: رأيتها أيّام الصّبا.

قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا: صدقا.

في تفسير العيّاشيّ : وعن أبي بصير، عن أبي جعفر- عليه السّلام- قال: فلمّا دخلوا على يوسف في دار الملك اعتنق أباه [فقبله‏]  وبكى، [و رفعه‏]  ورفع خالته على سرير الملك، ثمّ دخل منزله فادّهن واكتحل ولبس ثياب العزّ والملك، ثمّ خرج إليهم. فلمّا رأوه سجدوا [جميعا]  له، إعظاما له، وشكرا للّه. فعند ذلك قال: يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ.

قال: ولم يكن يوسف في تلك العشرين [سنة]  يدّهن، ولا يكتحل، ولا يتطيّب، ولا يضحك، ولا يمسّ النّساء حتّى جمع اللَّه ليعقوب شمله، وجمع بينه وبين يعقوب وإخوته.

و في مجمع البيان : عنه- عليه السّلام- مثله.

 

و لعلّ المراد بنفي مسّه النّساء: عدم مسهنّ للالتذاذ والشّهوة، فلا ينافي ما سبق أنّه كان له ابن يلعب برمّانة بين يديه حين خاصم أخوه في أخيه، فلعلّه إنّما مسهنّ لتثقيل الأرض بتسبيح الولد، كما مضى في اعتذار أخيه في مثله.

وَ قَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ: لعلّه لم يذكر الجبّ لئلّا يكون تثريبا عليهم.

وَ جاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ: من البادية، لأنّهم كانوا أصحاب المواشي وأهل البدو.

مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي: أفسد بيننا وحرّش. من نزغ الرّائض الدّابّة: إذا نخسها وحملها على الجري.

إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ: لطيف التّدبير له، إذ ما من صعب إلّا وتنفذ فيه مشيئته ويتسهّل دونها.

إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ: بوجوه المصالح والتّدبير.الْحَكِيمُ : الّذي يفعل كلّ شي‏ء في وقته، وعلى وجه تقتضيه الحكمة.

نقل : أنّ يوسف- عليه السّلام- طاف بأبيه في خزائنه، فلمّا أدخله خزينة القراطيس  قال: يا بنيّ، ما أعقّك، عندك هذه القراطيس وما كتبت إليّ على ثمان مراحل! قال: أمرني جبرئيل- عليه السّلام-.

فقال: أو ما تسأله؟

قال: أنت أبسط منّي إليه، فاسأله.

قال جبرئيل- عليه السّلام-: إنّ اللَّه أمرني بذلك، لقولك: وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ قال- تعالى-: فهلّا خفتني.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم : حدّثني محمّد بن عيسى، أنّ يحيى بن أكثم سأل موسى بن محمّد بن عليّ بن موسى مسائل، فعرضها على أبي الحسن- عليه السّلام-.

و أجابها- عليه السّلام- أنّه قال: فنزل عليه جبرئيل- عليه السّلام- فقال له:

يا يوسف، اخرج يدك. فأخرجها، فخرج من بين أصابعه نور.

فقال يوسف: ما هذا، يا جبرئيل؟

فقال: هذه النّبوّة أخرجها اللَّه من صلبك، لأنّك لم تقم إلى أبيك.

فحطّ اللَّه نوره، ومحى النّبوّة من صلبه وجعلها في ولد لاوي، أخي يوسف، وذلك لأنّهم لمّا أرادوا قتل يوسف قال: لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ فشكره اللَّه على ذلك، ولمّا أرادوا أن يرجعوا إلى أبيهم من مصر، وقد حبس يوسف أخاه، قال:

فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ فشكر اللَّه له ذلك. فكان أنبياء بني إسرائيل من ولد لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم- [عليه السّلام-، وكان موسى من ولد لاوي ، وهو موسى بن عمران بن يهصر بن واهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم- عليه‏]  السّلام-.فقال يعقوب لابنه: يا بني، أخبرني ما فعل بك إخوتك حين أخرجوك من عندي؟

قال: يا أبت، أعفني من ذلك.

قال: فأخبرني ببعضه.

قال: إنّهم لمّا أدنوني من الجبّ، قالوا: انزع القميص .

فقلت لهم: يا إخوتي، اتّقوا اللَّه ولا تجرّدوني.

فسلّوا عليّ السّكين، وقالوا: لئن لم تنزع لنذبحنّك. فنزعت القميص وألقوني في الجبّ عريانا.

قال: فشهق يعقوب شهقة واغمي عليه، فلمّا أفاق قال: يا بنيّ، حدثني.

قال: يا أبت، أسألك بإله إبراهيم وإسحاق ويعقوب إلّا أعفيتني، فأعفاه.

و الحديث طويل يذكر تتمّته.

و في مجمع البيان : عن الصّادق- عليه السّلام- وفي تفسير العيّاشيّ : عن الباقر- عليه السّلام- ما في معناه.

 

و في مجمع البيان : وروي أنّ يوسف قال ليعقوب: لا تسألني عن صنيع إخوتي، واسأل عن صنيع اللَّه بي.