النبي يوسف والنبي يعقوب عليهما السلام

النبي يوسف والنبي يعقوب (ع)

 

قبل الدخول في قصة يوسف ينبغي ذكر عدة أمور:

 

1- وبالرغم من أن القصاصين غير الهادفين، أو من لهم أغراض رخيصة سعوا إلى أن يحوّلوا هذه القصة المهذبة إلى قصة عشق يحرك أهل الهوى والشهوة!! وأن يمسخوا الوجه الواقعي ليوسف (ع) بحيث بلغت الحال أن يصوروا (فيلمًا سينمائيًا) وينشروه بصورة مبتذلة... إلا أنّ القرآن- وكل ما فيه أسوة وعبرة – عكس في ثنايا هذه القصة أسمى دروس العفة وضبط النفس والتقوى والإيمان، حتى لو أن إنسانًا قرأها عدة مرات فإنه يتأثر – بدون اختيار- بأسلوبها الجذاب في كل مرة.

 

ولذا فقد عبر القرآن عنها بـ (أحسن القصص) وجعل فيها العبر للمعتبرين(أولي الألباب).

 

بطل العفاف

2- إن التدقيق في هذه القصة يكشف هذه الحقيقة للإنسان، وهي أن القرآن معجز في جميع أبعاده، لأن الأبطال الذين يقدمهم في قصة أبطال حقيقيون لا خياليون، وكل واحد في نفسه منهم منعدم النظير:

فإبراهيم (ع) البطل الذي حطّم الأصنام بروحه العالية التي لا تقبل المساومة مع الطغاة. ونوح (ع) بطل الصبر والإستقامة والشفقة والقلب المحترق في ذلك العمر الطويل المبارك.

 

وموسى (ع) البطل المربي لقومه اللجوجين، والذي وقف بوجه فرعون المتكبر الطاغي.

 

ويوسف (ع) بطل الورع والتقوى والطهارة... أمام امرأة محتالة جميلة عاشقة.

 

بعد هذا كله تتجلى القدرة البيانية للوحي القرآني بصورة تحير الإنسان، لأن هذه القصة- كما نعرف- تنتهي في بعض مواردها إلى مسائل العشق ودون أن يمسخها القرآن أو يتجاوزها يتعرض إلى الأحداث في مسرحها بدقة بحيث لا يحس السامع شيء غير مطلوب فيها. ويذكر القضايا بأجمعها في المتن، ولكن تحفّها أشعة قوية من التقوى والطهارة.

 

يوسف في القرآن والتوراة

3- لا شك أن قصة يوسف كانت مشهورة ومعروفة بين الناس قبل الإسلام، لأنها مذكورة في (14) فصلاً من (سفر التكوين) في التوراة بين (الفصل 37-50) ذكرًا مفصلاً.

 

وبطبيعة الحال فإن المطالعة الدقيقة في هذه الفصول الأربعة عشر تكشف مدى الاختلاف بين ما جاء في التوراة وما جاء في القرآن.

 

وبالمقارنة بين نص التوراة ونص القرآن نجد أن نص القصة في القرآن في غاية الصدق وتخلو من أي خرافة.

 

ويظهر في التوراة أن يعقوب (ع) لما رأى قميص يوسف ملطخًا بالدم قال: هذا قميص ولدي وقد أكله الحيوان المفترس، فيوسف ممزق الأحشاء ثم خرّق يعقوب ثوبه وشد الحزام على ظهره وجلس أيامًا للبكاء والنواح على يوسف، وقد عزاه جميع أبنائه ذكورًا وإناثًا إلا أنه امتنع ؟ أن يقبل تعزيتهم وقال: سأدفن في القبر حزنًا على ولدي.

 

بيد أن القرآن يبيّن: أن يعقوب لم يصدق ما قاله أولاده، ولم يفزع ولم يجزع لمصيبة ولده يوسف، بل أدّى ما عليه من سنّة الأنبياء من الصبر والتوكل على الله، وقال لأبنائه: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ وإن كان قلبه يحترق على فراق ولده وعيناه تدمعان من أجله حتى ابيضتا وعميتا، ولكن- وكما يعبر القرآن- لم يقم بأي عمل من قبيل تخريق الثوب والنواح وشد الحزام على ظهره- والذي كان علامة للمصيبة و(العزاء)- وإنما قال: (صبر جميل) وكتم حزنه (فهو كظيم).

 

وعلى كل حال فإن هذه القصة – بعد الإسلام- تناقلتها أقلام مؤرخي الشرق والغرب... وأحيانًا مع أغصان وأوراق إضافية.

 

أحسن القصص 

ثم يقول سبحانه: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾(1).

 

ولم لا تكون هذه القصة أحسن القصص، مع أنها ترسم في فصولها المثيرة أسمى دروس الحياة!؟

 

فنحن نشاهد حاكمية إرادة الله على كل شيء في هذه القصة، وننظر بأعيننا المصير الأسود الذي انتهى إليه الحُسّاد وما رقموه على الماء من خطط.

 

كما تتجسم من خلال سطورها الذلة والابتذال وعدم العفة، والعظمة في التقوى ومنظر الصبي وهو وحيد في قعر الجب، وفي مشهد آخر نراه يقضي الليالي والأيام دون ذنب في حفرة السجن المظلم، ثم انبثاق نور الأمل من خلف حجب اليأس والظلمات، ثم نشاهد بعد ذلك حكومته العظيمة الواسعة نتيجة دراسته وأمانته. كل هذه المشاهد تتجلّى للقارئ لهذه القصة بشكل رتيب.

 

لحظات وبسبب رؤيا يتحول مصير أمة... إنقاذ أمة ومجتمع بشري من الهلكة على يد قائد إلهي متيقظ ... وعشرات الدروس الأخرى – الكبيرة- التي تلوح في هذه القصة، فلم لا تكون هذه القصة أحسن القصص؟!

 

غاية ما في الأمر أنه لا يكفي أن تكون قصة يوسف وحدها هي أحسن القصص، بل المهم أن تكون فينا الجدارة لأن نفهم هذا الدرس العظيم وأن نعرف مكانه في نفوسنا.

 

فكثير من الناس لا يزال ينظر إلى قصة يوسف (ع) على أنها حادثة عشق طريف، ومثله كمثل الدابة التي يلوح لها البستان النضر المليء بالأزهار، إلا أنها تراه حفنة من (العلف) تسد جوعها.

 

وما يزال الكثير من الناس يضفي على القصة افرازات خيالية كاذبة ليحرّف القصة عن واقعها... وهذا من عدم اللياقة وفقدان الجدارة وعدم قابلية المحل، وإلا فإن أصل القصة جمع كل أنواع القيم الإنسانية العليا في نفسه.

 

وسنرى في المستقبل – بإذن الله – انه لا يمكن تجاوز فصول هذه القصة الجامعة والجميلة وكما يقول الشاعر في هذه القصة:

 

يسكر من عطر الزهور الفتى                حتى يُرى مفتقدًا ثوبه!

 

بارقة الأمل وبداية المشاكل

بدأ القرآن بذكر قصة يوسف من رؤياه العجيبة ذات المعنى الكبير، لأن هذه الرؤيا في الواقع تعد أول فصل من فصول حياة يوسف المتلاطمة.

 

جاء يوسف في أحد الأيام صباحًا إلى أبيه وهو في غاية الشوق ليحدثه عن رؤياه، وليكشف ستارًا عن حادثة جديدة لم تكن ذات أهمية في الظاهر، ولكنها كانت إرهاصًا لبداية فصل جديد من حياته ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾.

 

ولكن كم كان ليوسف من العمر حين رأى رؤياه؟!

هناك من يقول: كان ابن تسع سنوات ومن يقول: ابن سبع، ومنهم من يقولن ابن اثنتي عشرة سنة والقدر المسلم به أنه كان صبيًا.

 

إن هذه الرؤيا المثيرة ذات المغزى تركت يعقوب النبي غارقًا في التفكير ... فما القمر والشمس والكواكب، وأي الكواكب! إنها أحد عشر يسجدون جميعًا لولدي يوسف، كم هي رؤيا ذات مغزى! لا شك أن الشمس والقمر (أنا وأمه أو خالته) والكواكب الأحد عشر إخوته، هكذا يرتفع قدر ولدي حتى تسجد له الشمس والقمر وكواكب السماء.

 

إن ولدي (يوسف) عزيز عند الله إذا رأى هذه الرؤيا المثيرة!

 

لذلك توجه إلى يوسف بلهجة يشوبها الإضطراب والخوف المقرون (بالفرحة) و﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا﴾ وأنا أعرف ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ وهو منتظر الفرصة ليوسوس لهم ويثير نار الفتنة والحسد وليجعل الإخوة يقتتلون فيما بينهم.

 

ولكن هذه الرؤيا لم تكن دليلاً على عظمة يوسف في المستقبل من الوجهة الظاهرية والمادية فحسب، بل تدل على مقام النبوة التي سيصل إليها يوسف في المستقبل.

 

ولذلك فقد أضاف يعقوب – لولده يوسف- قائلاً ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ﴾ أجل فإن الله على كل شيء قدير ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾(2)

 

المؤامرة

من هنا تبدأ قصة مواجهة إخوة يوسف واشتباكهم معه:

ففي القرآن الكريم إشارة إلى الدروس التربوية الكثيرة التي توحيها القصة، إذ يقول: ﴿لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ﴾.

 

وأي درس أعظم من أن يجتمع عدة أفراد لإهلاك فرد ضعيف ووحيد – في الظاهر – وبخطط أعدها الحسد، ويبذلون أقصى جهودهم لهذا الأمر، ولكن نفس هذا العمل – ودون شعور وإرادة منهم – بات سببًا في تربعه على سرير الملك وصيرورته آمرًا على البلد الكبير (مصر) ثم يأتي إخوته في النهاية ليطأطئوا برؤوسهم إعظامًا له، وهذا يدل على أن الله إذا أراد أمرًا فهو قادر على أن يجريه حتى على أيدي من يخالفون ذلك الأمر، ليتجلى أن الإنسان المؤمن الطاهر ليس وحيدًا في هذا العالم، فلو سعى جميع أفراد هذا العالم إلى إزهاق روحه والله لا يريد ذلك، فإنهم لا يستطيعون أن يسلبوا منه شعرة واحدة.

 

كان ليعقوب أثنا عشر ولدًا، واثنان منهم: يوسف وبنيامين وهما من أم واحدة أسمهات راحيل، وكان يعقوب يولي هذين الولدين محبة خاصة، لا سيما يوسف.

 

لأنهما أولاً: أصغر أولاده، وبالطبع فهما يحتاجان إلى العناية والرعاية والمحبة.

 

وثانيًا: لأن أمهما ارتحلت من الدنيا – طبقًا لبعض الروايات – وبعد هذا كله كانت بوادر النبوغ والذكاء الحاد ترتسم على يوسف، وهذه الأمور أدت إلى أن يولي يعقوب ابنه هذا عناية أكثر.

 

إلا أن الإخوة الحساد – دون أن يلتفتوا إلى هذه الجهات – تألموا من حب أبيهم ليوسف وأخيه، وخاصة بعد اختلافهم في الأم والمنافسة الطبيعية المترتبة على هذا الأمر. لهذا اجتمعوا فيما بينهم وتدارسوا الأمر وصمموا على المؤامرة﴿إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾(3)

 

وحكموا على أبيهم من جانب واحد بقولهم: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾(4) إن نار الحسد والحقد لم تدعهم ليفكروا في جميع جوانب الأمر ليكتشفوا دلائل علاقة الحب التي تربط يعقوب بولديه يوسف وبنيامين، لأن المنافع الخاصة لكل فرد تجعل بينه وبين عقله حجابًا فيقضي من جانب واحد لتكون النتيجة (الضلال عن جادة الحق والعدل) وبالطبع فإن اتهامهم لأبيهم بالضلالة، لم يكن المقصود منها الضلالة الدينية، لأن القرآن يكشف عن اعتقادهم بنبوة أبيهم، وإنما استنكروا طريقة معاشرته فحسب.

 

اقتلوا يوسف

ثم أدّى بهم الحسد إلى أن يخططوا لهذا الأمر، فاجتمعوا وقدموا مقترحين وقالوا: ﴿اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا – أرسلوه إلى منطقة بعيدة -  يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾.

 

ومن الحق أن تشعروا بالذنب والخجل في وجدانكم لأنكم تقدمون على هذه الجناية في حق أخيكم الصغير، ولكن أن تتوبوا وتغسلوا الذنب ﴿وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ ولكن كان من بين الأُخوة من هو أكثر ذكاءً وأرق عاطفة ووجدانًا، لأنه لم يرض بقتل يوسف أو إرساله إلى البقاع البعيدة التي يُخشى عليه من الهلاك فيها...فاقترح عليهم اقتراحًا ثالثاً، وهو أن يلقى في البئر (بشكل ان لا يصيبه مكروه) لتمر قافلة فتأخذه معها، ويغيب عن وجه أبيه ووجوهم، حيث يقول القرآن في هذا الصدد ﴿قَالَ قَآئِلٌ مَّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾(5)

 

المؤامرة المشئومة

بعد أن صوّب إخوة يوسف اقتراح أخيهم في عدم قتل يوسف، وإلقائه في الجب، أخذوا يفكرون في كيفية فصل يوسف عن أبيه لذلك أقدموا على تخطيط آخر، فجاءوا إلى أبيهم بلسان ليّن يدعو إلى الترحم، وفي شكل يتظاهرون به أنهم مخلصون له وحدثوا أباهم ﴿قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾ تعال يا أبانا وارفع اليد عن اتهامنا، فإنه أخونا وما يزال صبيًا وبحاجة إلى اللهو واللعب، وليس من الصحيح حبسه عندك في البيت، فخل سبيله ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾.

 

وإذا كنت تخشى عليه من سوء فنحن نواظب على حمايته ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾(6) وبهذا الأسلوب خططوا لفصل أخيهم عن أبيه بمهارة، ولعلّهم قالوا هذا الكلام أمام يوسف ليطلب من أبيه إرساله معهم.

 

وهذه الخطة تركت الأب – من جانب – أمام طريق مسدود، فإذا لم يرسل يوسف مع إخوته فهو تأكيد على اتهامه إياهم، وحرضت – من جانب آخر – يوسف على أن يطلب من أبيه الذهاب معهم ليتنزه كما يتنزه إخوته، ويستفيد من هذه الفرصة لاستنشاق الهواء الطلق خارج المدينة.

 

ذئاب صحراء كنعان

ولكن يعقوب – دون أن يتهم إخوة يوسف بسوء القصد – أظهر ترددّه في إرسال يوسف لأمرين:

 

الأول: أنه سيبتعد فيحزن عليه، والثاني: ربما يوجد خارج المدينة بعض الذئاب المفترسة فتأكله، فاعتذر إليهم و﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾.

 

وهذه المسألة طبيعية حيث قد يبتعد إخوة يوسف عنه فيغفلون عن أمره، فيأتي إليه الذئب فيأكله.

 

وبديهي أن الإخوة لم يكن لهم جواب بالنسبة للأمر الأول الذي أشار إليه أبوهم يعقوب، لأن الحزن والاغتمام على فراق يوسف لم يكن شيئًا عاديًا حتى يعوض عنه، وربما كان هذا التعبير مثيرًا لنار الحسد في إخوة يوسف أكثر.

 

ومن جهة أخرى فإن هذا الموضوع الذي أشار إليه يعقوب، وهو حزنه على ابتعاد يوسف عنه يمكن ردّه، وهو لا يحتاج إلى بيان، لأن الولد لا بد له من الابتعاد عن أبيه من أجل أن ينمو ويرشد، وإذا أريد له أن يكون كنبات (النورس) بحيث يبقى تحت ظل شجرة (وجود الأب) فإنه سوف يبقى عالة عليه فلا بد من هذا الابتعاد والانفصال حتى يتكامل ولده، فاليوم تنزه وغدًا اجتهاد ومثابرة لتحصيل العلم، وبعد غد عمل وسعي للحياة، وأخيرًا فإن الانفصال لا بد منه.

 

لذلك فإنهم لم يجيبوه عن الشّق الأول من كلامه، بل أجابوه عن الشّق الثاني لأنه كان مهمًا وأساسيًا بالنسبة لهم إذ ﴿قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَّخَاسِرُونَ﴾(7).

 

أي أترانا موتى فلا ندافع عن أخينا، بل نتفرج على الذئب كيف يأكله! ثم إضافة إلى علاقة الأخوة التي تدفعنا للحفاظ على أخينا، ما عسى أن نقول للناس عنّا؟ هل ننتظر ليقال عنا: إن جماعة أقوياء وفتية أشداء جلسوا وتفرجوا على الذئب وهو يفترس أخاهم! فهل نستطيع العيش بعد هذا مع الناس؟!(8)

 

وعلى كل حال فقد استطاع إخوة يوسف بما أوتوا من الحيل، وبتحريك أحاسيس يوسف النقية وترغيبه في التنزه خارج المدينة، وربما كان لأول مرة يتاح ليوسف أن يحصل على مثل هذه الفرصة استطاعوا أن يأخذوا يوسف معهم وأن يستسلم الأب لهذا الأمر فيوافق على طلبهم.

 

يوسف والوداع الحزين

وأخيرًا انتصر إخوة يوسف واقنعوا أباهم أن يرسل معهم أخاهم يوسف، فباتوا ليلتهم مطمئني البال بانتظار الصبح لتنفيذ خطتهم وإزاحة أخاهم الذي يقف عائقًا في طريقهم وكان قلقهم الوحيد أن يندم أبوهم ويسحب كلامه ووعده بإرسال يوسف معهم.

 

فجاءوا صباحًا إلى أبيهم فأمرهم بالمحافظة على يوسف، كرر توصياته في شأنه، فأظهر الأبناء طاعتهم لأبيهم وأبدوا احترامهم الفائق ومحبتهم العميقة، وتحركوا إلى خارج المدينة.

 

يقال: إن أباهم ودعهم إلى بوابة المدينة ثم أخذ منهم يوسف وضمّه إلى صدره ودمعت عيناه، ثم أودع يوسف عندهم وفارقهم، ولكن يعقوب كان يودعهم بنظراته، وكان إخوة يوسف لا يقصرون عن مداراة أخيهم، وإظهار عنايتهم به ومحبتهم له طالما كانت تلاحظهم عينا أبيهم، ولكن ما أن غاب عنهم أبوهم واطمأنوا إلى أنه لا يراهم، حتى انفجرت عقدتهم وصبوا (جام غضبهم) وحقدهم وحسدهم المتراكم لعدة سنوات على رأس يوسف، فالتفوا حوله يضربونه بأيديهم ويلتجئ من واحد لآخر ويستجير بهم فلا يجيره أحد منهم.

 

يوسف بين البكاء والضحك

إن يوسف كان يبكي تحت اللكمات والضربات القاسية، ولكن حين أرادوا أن يلقوه في الجب شرع بالضحك فجأة... فتعجب إخوته كثيرًا وحسبوا إن أخاهم يظن الأمر لا يعدو كونه مزاحًا... ولكنه رفع الستار عن ضحكه وعلمهم درسًا كبيرًا إذ قال - لا أنسى أنني – نظرت – أيها الإخوة – إلى عضلات أيديكم القوية وقواكم الجسدية الخارقة، فسررت وقلت في نفسي: ما عسى أن يخشى ويخاف من الحوادث والملمات من كان عنده مثل هؤلاء الإخوة، فاعتمدت عليكم وربطت قلبي بقواكم، والآن قد أصبحت أسيرًا بين أيديكم وأستجير بكم من واحد للآخر فلا أُجار، وقد سلطكم الله عليّ لأتعلم هذا الدرس، وهو أنه لا أعتمد وأتوكل على أحدٍ سواه... حتى ولو كانوا إخوتي.

 

وعلى كل حال فالقرآن الكريم يقول في هذا الصدد: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ﴾ ثم تبين الآية أن الله قد أوحى إلى يوسف وهدأ روعه وألهمه ألا يحزن فالعاقبة له، إذ تقول: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾(9).

 

ذلك اليوم الذي تجلس فيه على العرش وأنتع القوي الأمين، فيأتي إخوتك ليمدّوا أيدي الحاجة إليك، ويكونوا كالظامئين إلى النبع العذب في الصحراء اللاهبة ويسرعون إليك في منتهى التواضع، ولكنك في حال من العظمة بحيث لا يصدّقون أنك أخوهم، وستقول لهم في ذلك اليوم: ألستم الذين فعلتم مع أخيكم الصغير يوسف كذا وكذا... وكم سيكونون خجلين من فعلهم هذه في ذلك اليوم(10)!

 

جملة (وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب) تدل على أنهم لم يرموه في البئر، بل أنزلوه على مكان يشبه الرصيف لمن يريد النزول إلى سطح الماء، وقد شدوه بحبل حتى إذا نزل ووصل إلى غيابة الجب تركوه وحده.

 

يوسف عار في البئر

حين رمى يوسف إخوته في الجب خلعوا عنه قميصه وتركوه عاريًا، فنادى: اتركوا لي قميصي – على الأقل – لأغطي به بدني إذا بقيت حيًا، ويكون كفني إذا مت. فقال له إخوته: اطلبه من الشمس والقمر والكواكب الأحد عشر الذين رأيتهم في منامك، ليكونوا مؤنسيك في هذه البئر، ويكسوك ويُلبسوك ثوبًا على بدنك...

 

لقد نفذ إخوة يوسف خطتهم كما أرادوا، ولكن ينبغي أن يفكروا عند العودة ماذا كيف كي يصدق أبوهم أن يوسف انتهى بصورة طبيعية لا عن مكيدة ليضمنوا عواطف أبيهم نحوهم.

 

وكانت الفكرة التي أوصلتهم إلى هذا الهدف هي ما تخوّف أبوهم منه فأقنعوه – ظاهرًا – عن هذا الطريق مدّعين بأن الذئب قد أكل يوسف وجاءوا إليه بدلائل مزيفّة!!

 

كذب مفضوح

يقول القرآن الكريم: ﴿وَجَاؤُواْ أَبَاهُمْ عِشَاء يَبْكُونَ﴾ بكاءً كاذبًا، وهذا يدل على أن البكاء الكاذب ممكن.. ولا يمكن أن يخدع ببكاء العين وحدها.

 

أما الأب الذي كان ينتظر مجيء ولده (يوسف) بفارغ الصبر، فقد اهتز وارتجف حين رأى الجمع وليس بينهم يوسف، وسأل عنه مستفسرًا، فأجابوه: ﴿قَالُواْ يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا﴾ لصغر سنه ولأنه لا يعرف التسابق، وانشغلنا عنه ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾.

 

لأنك أخبرتنا من قبل بهذا الاحتمال، وستظن أن ادعاءنا مجرد احتيال.

 

لقد كان كلام إخوة يوسف مدروسًا بشكل دقيق، وذلك – أولاً – لأنهم خاطبوا أباهم يبكون لتمرير خطتهم، وقالوا له: ﴿وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾.

 

ومن أجل أن يبرهنوا على صحة كلامهم فقد ﴿وَجَآؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ إذ لطخوا الثوب بدم الغزال أو الخروف أو التيس...

 

ولكن حيث أن الكاذب لا يمتلك حافظة قوية، وحيث أن أية حقيقة فيها علائق مختلفة وكيفيات ومسائل يقل أن تجتمع منظمّة في الكذب، فقد غفل إخوة يوسف عن هذه المسألة الدقيقة... وهي – على الأقل – أن يخرقوا قميص يوسف الملطخ بالدم ليدل على هجوم الذئب... فقد قدموا القميص سالمًا غير مخرق فأحس الأب بمؤامرتهم، فما إن وقعت عيناه على القميص حتى فهم كل شيء و ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا﴾(11).

 

يا له من ذئب رحيم

إن يعقوب أخذ قميص يوسف وهو يقلبه ويقول: (ما أرى ناب ولا ظفر إن هذا السبع رحيم) وفي رواية إنه أخذ القميص وألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص، وقال: تالله ما رأيت كاليوم ذئبًا أحلم من هذا أكل ابني ولم يمزق على قميصه، وجاء أنه بكى وصاح وخرّ مغشيًا عليه فأفاضوا عليه الماء فلم يتحرك ونادوه فلم يجب ووضع يهوذا يده على مخارج نفسه فلم يحس بنفس ولا تحرك له عرق، فقال: ويل لنا من ديان يوم الدين ضيعنا أخانا وقتلنا أبانا فلم يفق إلا ببرد السحر.

 

وبالرغم من احتراق قلبه ولهيب روحه لم يجر على لسانه ما يدل على عدم الشكر أو اليأس أو الفزع أو الجزع، بل قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ ثم قال: ﴿وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾(12) وأسأله أن يبدل مرارة الصبر في فمي إلى (حلاوة) ويرزقني القوة والقدرة على التحمل أكثر أمام هذا الطوفان العظيم، لئلا أفقد زمامي ويجري على لساني كلام غير لائق.

 

ولم يقل: أسأله أن يعطيني الصبر على موت يوسف، لأنه كان يعلم أن يوسف لم يُقتل... بل قال: أطلب الصبر على مفارقتي ولدي يوسف... وعلى ما تصفون.

 

حول الترك (الأولى)

ينقل أبو حمزة الثمالي عن الإمام السجاد فيقول: كنت يوم الجمعة في المدينة وصليت الغداة مع الإمام السجاد (ع) فلما فرغ من صلاته وتسبيحه نهض إلى منزله وأنا معه، فدعى مولاة له تسمى سكينة فقال لها: (لا يعبر على بابي سائل إلا أطعمتموه فإن اليوم يوم الجمعة).

 

يقول أبو حمزة: فقلت له: ليس كل من يطلب العون مستحقًا له، فقال يا أبا ثابت، أخاف أن يكون بعض من يسألنا محقًّا فلا نطعمه ونرده فينزل بنا – أهل البيت – ما نزل بيعقوب وآله.

 

أطعموهم إن يعقوب كان يذبح كل يوم كبشًا فيتصدق منه ويأكل هو وعياله منه، وإن سائلاً مؤمنًا صوّامًا محقًا له عند الله منزلة، وكان مجتازًا غريبًا اعترَّ على باب يعقوب عشية جمعة عند أوان إفطاره يهتف على بابه مرارًا وهم يسمعونه، قد جهلوا حقه ولم يصدقوا قوله: فلما آيس أن يطعموه وغشيه الليل استرجع واستعبر وشكا جوعه إلى الله بات جائعًا وطاويًا، وأصبح صائمًا جائعًا صابرًا حامدًا لله، وبات آل يعقوب شباعًا بطانًا وأصبحوا وعندهم من فضل طعامهم.

 

قال: فأوحى الله عز وجل إلى يعقوب في صبيحة تلك الليلة: لقد أذللت – يا يعقوب – عبدي ذلة استجررت بها غضبي، واستوجبت بها أدبي، ونزول عقوبتي وبلواي عليك وعلى ولدك يا يعقوب، إن أحب أنبيائي إليَّ وأكرمهم عليَّ من رحم مساكين عبادي وقربهم إليه وأطعمهم وكان لهم مأوى وملجأ يا يعقوب ما رحمت (ذميال) عبدي المجتهد في عبادته، القانع باليسير من ظاهر الدنيا عشاء أمس لمّا عبر ببابك عند أوان إفطاره ويهتف بكم: أطعموا السائل الغريب المجتاز القانع، فلم تطعموه شيئًا. فاسترجع واستعبر وشكا ما به إليَّ وبات جائعًا وطاويًا حامدًا، أصبح لي صائمًا، وأنت – يا يعقوب – وولدك شباع، وأصبحت وعندكم فضل من طعامكم.

 

أو علمت – يا يعقوب – أن العقوبة والبلوى إلى أوليائي أسرع منها إلى أعدائي الخ...

 

ومن الطريف أن أبا حمزة يقول: سألت الإمام زين العابدين (ع) متى رأى يوسف رؤياه؟

 

فقال الإمام: في تلك الليلة.

 

يستفاد من هذا الحديث أن زلة بسيطة أو بعبارة أدق: (ترك الأولى) وهو لا يعد خطيئة أو إثمًا، (لأن يعقوب لم يتضح له حال السائل) هذا الترك من قبل الأنبياء والأولياء يكون سببًا لأن يبتليهم الله ببلاءً شديدًا... وما ذلك إلا لمقامهم الكبير الذي يوجب عليهم أن يراقبوا كل حركاتهم وسكناتهم، لأن (حسنات الأبرار سيئات المقربين).

 

نحو أرض مصر

قضى يوسف في ظلمة الجب الموحشة والوحدة القاتلة ساعات مرّة، ولكنه بإيمانه بالله وسكينته المنبثقة عن الإيمان شع في قلبه نور الأمل، وألهمه الله تعالى القوة والقدرة على تحمّل الوحدة والوحشة، وأن ينجح في هذا الامتحان.

 

ولكن... الله أعلم كم يومًا قضى يوسف في هذه الحالة؟

 

قال بعض: قضى ثلاثة أيام، وقال آخرون: يومين.

 

وعلى كل حال تبلج النور ﴿وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ﴾.

 

وانتخبت منزلها على مقربة من الجب وطبيعي أن أول ما تفكر القافلة فيه – في منزلها الجديد – هو تأمين الماء وسد حاجتها منه ﴿فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾.

 

فانتبه يوسف إلى صوت وحركة من أعلى البئر، ثم رأى الحبل والدلو يسرعان إلى النزول، فانتهز الفرصة وانتفع من هذا العطاء الإلهي وتعلق بالحبل بوثوق.

 

فأحس المأمور بالإتيان بالماء أن الدلو قد ثقل أكثر مما ينبغي، فلما سحبه بقوة إلى الأعلى فوجئ نظره بغلام كأنه فلقة قمر، فصرخ وقال: ﴿يَا بُشْرَى هَذَا غُلاَمٌ﴾.

 

وشيئًا فشيئًا سرى خبر يوسف بين جماعة من أهل القافلة، ولكن من أجل أن لا يذاع هذا الخبر وينتشر، ولكي يمكن بيع هذا الغلام الجميل في مصر، أخفوه ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾(13).

 

وشروه بثمن بخس

﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾(14)

 

وبالرغم من الاختلاف في من هم الذين شروا يوسف بثمن بخس(15) وقول بعضهم: هم إخوة يوسف، ولكن ظاهر القرآن الكريم هو من كان في القافلة.

 

ثم إن هناك اختلافًا آخر في الثمن الذي بيع به يوسف، وكيف قسِّم بينهم؟ فقال البعض: عشرون درهمًا، وقالت طائفة: اثنان وعشرون، ومع ملاحظة أن الباعة كانوا عشرين يتضح سهم كل منهم، وكم هو زهيد!

 

في قصر عزيز مصر

انتهت حكاية يوسف مع إخوته الذين ألقوه في غيابة الجبة وبدأ فصل جديد من حياة هذا الغلام الحدث في مصر فقد جيء بيوسف إلى مصر وعرض للبيع، ولما كان تحفة نفيسة فقد صار من نصيب (عزيز مصر) الذي كان وزيرًا لفرعون أو رئيسًا لوزرائه، لأنه كان يستطيع أن يدفع قيمة أعلى لغلام ممتاز من جميع الجهات، والآن لنر ما الذي حدث له في بيت عزيز مصر، يقول القرآن الكريم في شأن يوسف ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ فلا ينبغي أن تنظري إليه كما ينظر إلى العبيد.

 

يستفاد من هذه الجملة أن عزيز مصر لم يرزق ولدًا وكان في غاية الشوق للولد، وحين وقعت عيناه على هذا الصبي الجميل والسعيد تعلق قلبه به ليكون مكان ولده.

 

ثم يضيف القرآن الكريم ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ﴾(16)

 

تفسير الأحلام جزاء العفاف

الملاحظة التي تثير السؤال هنا، هي: ما علاقة الإطلاع على تفسير الأحلام وتأويل الأحاديث بمجيء يوسف إلى قصر عزيز مصر؟!

 

لكن مع الالتفات إلى أن هذه النقطة يمكن أن تكون جوابًا للسؤال الآنف الذكر، وهي أن كثيرًا من المواهب العلمية يهبها الله قبال التقوى من الذنوب ومقاومة الأهواء والميول النفسية، أو بتعبي آخر: إن هذه المواهب التي هي ثمرة البصيرة القلبية الثاقبة، هي جائزة إلهية يهبها الله لمثل هؤلاء الأشخاص.

 

تقرأ في حالات ابن سيرين مفسر الأحلام المشهور أنه كان رجلاً بزازًا وكان جميلاً للغاية فعشقته امرأة وتعلق قلبها به، واستدرجته إلى بيتها بأساليب وحيل خاصة، ثم غلقت الأبواب عليه (لينال منها الحرام) لكنه لم يستسلم لهوى تلك المرأة وأخذ ينصحها ويذكر مفاسد هذا الذنب العظيم، ولكن نار الهوى كانت متأججة في قلبها بحيث لم يطفئها ماء الموعظة، ففكر ابن سيرين في الخلاص من قبضتها، فلوث جسده بما كان في بيتها من أقذار تنفر الرائي، فلما رأته المرأة نفرت منه وأخرجته من البيت.

 

يقال أن ابن سيرين أصبح ذكيًا بعد هذه الحادثة ورزق موهبة عظيمة في تفسير الأحلام، وذكروا قصصًا عجيبة عنه في الكتب التي تتناول تفسير الأحلام تدل على عمق اطلاعه في هذا المجال!

 

فعلى هذا يمكن أن يكون يوسف (ع) قد نال هذه الموهبة الخاصة (العلم بتأويل الأحاديث) لتسلطه على نفسه قبال إثارة امرأة العزيز لهوى النفس!

 

لقد واجه يوسف في هذا المحيط الجديد، الذي يعد واحدًا من المراكز السياسية المهمة في مصر مسائل مستحدثة فمن جهة كان يرى قصور الطغاة المدهشة وثرواتهم ومن جهة أخرى كانت تتجسد في ذهنه صورة أسواق النخاسين وبيع المماليك والعبيد... ومن خلال هذه الموازنة بين هاتين الصورتين كان يفكر في كيفية القضاء على هموم المستضعفين من الناس لو أصبح مقتدرًا على ذلك!

 

أجل، لقد تعلم الكثير من هذه الأشياء في هذا المحيط المفعم بالضوضاء، وكان قلبه يفيض همًا لأن الظروف لم تتهيأ له بعد. فاشتغل بتهذيب نفسه وبنائها، يقول القرآن الكريم في هذا الصدد: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾(17).

 

العشق الملتهب

لم يأسر جمال يوسف الملكوتي عزيز مصر فحسب، بل أسر قلب امرأة العزيز كذلك وأصبح متيّمًا بجماله!.

 

وامتدت مخالب العشق إلى أعماق قلبها، وبمرور الزمن كان هذا العشق يتجذّر يومًا بعد يوم ويزداد اشتعالاً لكن يوسف هذا الشاب الطاهر التقي، لم يفكر بغير الله، ولم يتعلق قلبه بغير عشق الله سبحانه.

 

وهناك أمور أخرى زادت من عشق امرأة العزيز ليوسف فمن جهة لم تُرزق الولد، ومن جهة انغمارها في حياة مترفة مفعمة بالبذخ ومن جهة ثالثة عدم ابتلائها بأي نوع من البلاء كما هي حال المتنعمين، وعدم الرقابة الشديدة على هذا القصر من قبل العزيز من جهة رابعة... كل ذلك ترك امرأة العزيز – الفارغة من الإيمان والتقوى – تهوي في وساوسها الشيطانية إلى الحضيض، بحيث أفضت ليوسف أخيرًا عما في قلبها وراودته عن نفسه.

 

واتبعت جميع الأساليب والطرق للوصول إلى هدفها، وسعت لكي تلقي في قلبه أثرًا من هواها وترغيبها وطلبها، كما يقول عن ذلك القرآن الكريم: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾.

 

إن امرأة العزيز طلبت من يوسف أن ينال منها بطريق المسالمة والمساومة – كما يصطلح عليه – وبدون أي تهديد، وبدأت محبتها القصوى له بمنتهى اللين.

 

وأخيرًا فكرت في أن تخلو به وتوفر له جميع ما يثير غريزته، من ثياب فضفاضة، وعطور عبقة شذية، وتجميلات مرغبة، حتى تستولي على يوسف وتأسره.

 

يقول القرآن الكريم ﴿وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾(18).

 

وغلقت الأبواب

إنها أحكمت غلق الأبواب، وهذا يعني أنها سحبت يوسف إلى مكان من القصر المتشكل من غرف متداخلة.. وكما ورد في بعض الروايات كانت سبعة أبواب، فغلقتها عليه جميعًا.. لئلا يجد يوسف أي طريق للفرار.. إضافة إلى ذلك أرادت أن تشعر يوسف أن لا يقلق لانتشار الخبر فإنه سوف لا يفتضح، حيث لا يستطيع أحد أن ينفذ إلى داخل القصر أبدًا.

 

وفي هذه الحال، حين رأى يوسف أن هذه الأمور تجري نحو الإثم، ولم ير طريقًا لخلاصه منها، توجه يوسف إلى زليخا و ﴿قَالَ مَعَاذَ اللّهِ﴾ وبهذا الكلام رفض يوسف طلب امرأة العزيز غير المشروع.. وأعلمها أنه لن يستسلم لإرادتها، وأفهمها ضمنًا – كما أفهم كل إنسان – أنه في مثل هذه الظروف الصعبة لا سبيل إلى النجاة من وساوس الشيطان وإغراءاته إلا بالالتجاء إلى الله.. الله الذي لا فرق عنده بين السر والعلن، بين الخلوة والاجتماع، فهو مطلع ومهيمن على كل شيء، ولا شيء إلا وهو طوع أمره وإرادته!

 

وبهذه الجملة اعترف يوسف بوحدانية الله تعالى من الناحية النظرية، وكذلك من الناحية العملية أيضًا، ثم أضاف ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾.. أليس التجاوز ظلمًا وخيانة واضحة ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُون﴾(19).

 

عاصفة في قلب يوسف

وهنا يبلغ أمر يوسف وامرأة العزيز إلى أدّق مرحلة وأخطرها، حيث يعبر القرآن عنه تعبيرًا ذا مغزى كبير ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّه﴾.

 

إنه كان في قصر امرأة عزيز مصر صنم تعبده، وفجأة وقعت عيناها عليه، فكأنها أحست بأن الصنم ينظر إلى حركاتها الخيانية بغضب، فنهضت وألقت عليه سترًا، فاهتز يوسف لهذا المنظر، وقال: أنت تستحين من صنم لا يملك عقلاً ولا شعورًا ولا إحساسًا، فكيف لا أستحيي من ربي الخبير بكل شيء. والذي لا تخفى عليه خافية؟.

 

فهذا الإحساس منح يوسف قوة جديدة، وأعانه على الصراع الشديد في أعماق نفسه بين الغريزة والعقل، ليتمكن من التغلب على أمواج الغريزة في نفسه(20).

 

يقول القرآن المجيد: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾.

 

وهي إشارة إلى أن هذا الإمداد الغيبي والإعانة المعنوية لإنقاذ يوسف من السوء والفحشاء من قبل الله لم يكن إعتباطًا، فقد كان عبدًا عارفًا مؤمنًا ورعًا ذا عمل صالح طهر قلبه من الشرك وظلماته، فكان جديرًا بهذا الإمداد الإلهي(21).

 

فضيحة امرأة العزيز

المقاومة الشديدة التي أبداها يوسف جعلت امرأة العزيز آيسة منه تقريبًا.. ولكن يوسف الذي انتصر في هذا الدور على تلك المرأة المعاندة أحس أن بقاءه في بيتها – في هذا المزلق الخطر – غير صالح، وينبغي أن يبتعد عنه، ولذلك أسرع نحو باب القصر ليفتحه ويخرج، ولم تقف امرأة العزيز مكتوفة الأيدي، بل أسرعت خلفه لتمنعه من الخروج، وسحبت قميصه من خلفه فقدته ﴿وَاسُتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ﴾.

 

وعلى كل حال فقد أوصل يوسف نفسه نحو الباب وفتحه فرأيا (يوسف وامرأة العزيز) عزيز مصر خلف الباب فجأة يقول القرآن الكريم: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾.

 

في هذه اللحظة التي رأت امرأة العزيز نفسها على أبواب الفضيحة من جهة، وشعلة الانتقام تتأجج في داخلها من جهة أخرى، كان أول شيء توجهت إليه أن تخاطب زوجها متظاهرة بمظهر الحق متهمة يوسف إذ ﴿قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.

 

من الطريف هنا أن هذه المرأة الخائنة نسيت نفسها إنها امرأة العزيز حينما كانت لوحدها مع يوسف، ولكن عندما وجدت نفسها مشرفة على الافتضاح، عبرت عن نفسها بأنها أهله لتثير فيه إحساس الغيرة! فهي خاصة به ولا ينبغي لأحد أن يلقي عليها نظرات الطمع!!

 

والأمر الآخر أن امرأة العزيز لم تقل إن يوسف كان يريد السوء بي بل تحدثت عن ما يستحقه من الجزاء مع عزيز مصر، فكان أصل المسألة مسلم به!! والكلام عن كيفية الجزاء.

 

وهذا التعبير المدروس الذي كان في لحظة اضطراب ومفاجأة للمرأة يدل على شدة احتيالها.

 

ثم إن التعبير عن السجن أولاً، ثم عدم قناعته بالسجن وحده، إذ تتجاوز هذا الحكم إلى العذاب الأليم أو (الإعدام) مثلاً.

 

ولكن يوسف أدرك أن السكوت هنا غير جائز.. فأماط اللثام عن عشق امرأة العزيز ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي﴾(22).

 

وطبيعي أن مثل هذا الحادث من العسير تصديقه في البداية، أي إن شابًا يافعًا غير متزوج لا يعد آثمًا، ولكن امرأة متزوجة ذات مكانة اجتماعية – ظاهرًا – آثمة! فلذلك كانت أصابع الاتهام تشير إلى يوسف أكثر من امرأة العزيز.

 

وشهد شاهد من أهلها

حيث أن الله حامي الصالحين والمخلصين فلا يرضى أن يحترق هذا الشاب المجاهد بشعلة الاتهام، لذلك يقول القرآن في هذا الصدد: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ﴾.

 

وأي دليل أقوى من هذا الدليل، لأن طلب المعصية إن كان من طرف امرأة العزيز فقد ركضت خلف يوسف وقدّت قميصه من دُبر، لأنه كان يريد الفرار فأمسكت بثوبه فقدته، وإذا كان يوسف هو الذي هجم عليها وهي تريد الفرار أو وقفت أمامه للمواجهة والدفاع، فمن المسلّم أن يُقد قميص يوسف من قُبل!

 

وأي شيء أعجب من أن تكون هذه المسألة البسيطة (خرق الثوب) مؤشرًا على تغيير مسير حياة بريء وسندًا على طهارته ودليلاً على افتضاح المجرم!.

 

أما عزيز مصر فقد قبل هذا الحكم الدقيق، وتحيّر في قميص يوسف ذاهلاً: ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾.

 

في هذه الحال، ولخوف عزيز مصر من انتشار خبر هذا الحادث المؤسف على الملأ، فتسقط منزلته وكرامته في مصر رأى أن من الصلاح كتمان القضية، فالتفت إلى يوسف وقال: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ أي اكتم هذا الأمر ولا تخبر به أحدًا.. ثم التفت إلى امرأته وقال: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾(23).

 

من كان الشاهد؟

هناك أقوال في الشاهد الذي ختم (ملف يوسف وامرأة العزيز) بسرعة، وأوضح البريء من المسيء من هو؟

 

قال بعضهم: هو أحد أقارب امرأة العزيز، وكلمة من (أهلها) دليل على ذلك.. وعلى القاعدة فهو رجل حكيم وعارف ذكي بحيث استطاع أن يستنبط الحكم من قدّ الثوب دون أن يكون لديه شاهد أو بيّنة. بل اكتشف حقيقة الحال.. ويقال: إن هذا الرجل كان من مشاوري عزيز مصر وكان معه.

 

الرأي الآخر: إنّ الشاهد كان طفلاً رضيعًا من أقارب امرأة العزيز وكان على مقربة من الحادث، وكان يوسف قد طلب من عزيز مصر أن يحتكم إلى هذا الطفل، فتعجب عزيز مصر من هذا الطلب.. تُرى هل يمكن هذا؟! لكن (الطفل) حين تكلم – كما تكلم المسيح (ع) في المهد – وأعطى هذا المعيار لمعرفة البريء من المسيء، التفت عزيز مصر إلى أن يوسف ليس غلامًا (عاديًا) بل هو نبي أو متنبي(24).

 

مؤامرة أخرى

بالرغم من أن عشق امرأة العزيز المذكور آنفًا كان – مسألة خصوصية – بحيث أكد حتى العزيز على كتمانها، ولكن حيث أن هذه الأسرار لا تبقى خافية، ولا سيما في قصور الملوك وأصحاب المال والقوة – التي في حيطانها آذان صاغية – فسوف تتسرب إلى خارج القصر كما يقول القرآن في هذا الشأن: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ ثم لمنها وعنفْنها بهذه الجملة ﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾(25).

 

وواضح أن هذا المتحدث بمثل هذا الكلام كن نساء أشراف مصر حيث كان أخبار القصور المفعمة بفساد الفراعنة والمستكبرين مثيرة لهن وكن يستقصينها دائمًا.

 

لم يكن فساد هؤلاء النسوة بأقل من امرأة العزيز ولكن أيديهنّ لم تصل إلى يوسف، وكما يقول المثل – (العين بصيرة واليد قصيرة) فكن يرين امرأة العزيز بسبب هذا العشق في ضلال مبين.

 

ويقول البعض: إن إذاعة هذا السر من قبل هذه المجموعة من نساء مصر، كانت خطة لتحريك امرأة العزيز حتى تدعوهن إلى قصرها لتكشف لهن عن براءتها وتريهن يوسف وجماله!

 

ولعلهن كن يتصورن أن يوسف إذا رآهن بهره جمالهن، وربما رآهن أجمل من امرأة العزيز، ولأن يوسف كان يحترم امرأة العزيز احترام الوالد لوالدته – أم مربيته – فهو لا يطمع فيها، ولهذا السبب يكون احتمال نفوذهن إلى قلبه أقوى من نفوذ امرأة العزيز إليه!.

 

هناك مسألة جديرة بالالتفات وهي: من الذي أذاع هذا السر؟ هل كان من امرأة العزيز التي لم ترغب في هذه الفضيحة أبدًا! أو من قبل العزيز نفسه! وكان يؤكد على كتمان السر، أو القاضي الحكيم الذي حكم في الأمر، ويُستبعد منه هذا العمل؟!

 

وعلى كل حال فإن مثل هذه المسائل في هذه القصور المفعمة بالفساد لا تبقى طي الكتمان، وأخيرًا فإنها تنتقل على ألسنة الذين يظهرون الحرص على شرف القصر وتنتشر، ومن الطبيعي أن يضيف عليها آخرون أوراقًا وأغصانًا.

 

دخول يوسف على نساء مصر

أما امرأة العزيز فقد وصلها ما دار بين النسوة من افتضاحها ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا﴾.

 

هذا العمل دليل على أن امرأة العزيز لم تكن تكترث بزوجها، ولم تأخذ الدرس من فضيحتها، ثم أمرت يوسف أن يتخطّى في المجلس ﴿وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ وتعبير (اخرج عليهن) بدلاً من (ادخُل) يشير إلى أنها كانت أخفت يوسف داخل البيت، أو جعلته مشغولاً في إحدى الغرف التي يوضع فيها الغذاء عادة حتى يكون دخوله إلى المجلس مفاجأة للجميع.

 

قطعن أيديهن

نساء مصر – وطبقًا لبعض الروايات التي تقول: كن عشرًا.. أو أكثر – فوجئن بظهور يوسف كأنه البدر أو الشمس الطالعة، فتحيرن من جماله ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ ﴾وفقدن أنفسهن ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ مكان الفاكهة، وحين وجدن الحياء والعفة تشرقان من عينيه وقد احمرّ وجهه خجلاً صحن جميعًا و ﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾(26) (27).

 

لماذا اللوم على عشق يوسف؟

وفي هذه الحال التي كانت الدماء تسيل من أيدي النسوة وقد لاحظن ملامح يوسف كلها وصرن أمامه (كالخشب المسندة) كشفن عن أنهن لسن بأقل من امرأة العزيز عشقًا ليوسف، فاستغلت امرأة العزيز هذه الفرصة فـ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾.

 

فكأن امرأة العزيز أرادت أن تقول لهن: لقد رأيتن يوسف مرة واحدة فحدث ما حدث وفقدتن صوابكن وقطعتن أيديكن من جماله وعشقه، فكيف أُلام وأنا أراه وأسكن معه ليل نهار؟!

 

وهكذا أحست امرأة العزيز بالغرور لأنها وُفِقْت في ما ألقته من فكرة وأعطت لنفسها العذر، واعترفت بكل صراحة بكل ما فعلت وقالت: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ﴾.

 

وبدلاً من أن تظهر الندم على كلامها أو تتحفّظ على الأقل أمام ضيوفها، أردفت القول بكل جد يحكي عن إرادتها القطّعية: ﴿وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ﴾... ولا أكتفي بسجنه، بل ﴿وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ﴾(28).

 

ومن الطبيعي أنه إذا اكتفى عزيز مصر إزاء خيانة امرأته بالقول: (استغفري لذنبك) فينبغي أن تجر امرأته الفضيحة إلى هذه المرحلة.. وأساسًا فإن مثل هذه الأمور والمسائل في قصور الفراعنة والملوك ليست أمور مهمة.

 

استسلم يا يوسف

إن بعضًا من نسوة مصر أعطين الحق لامرأة العزيز ودرن حول يوسف ليرغبنه بأن يستسلم لحبها وكل واحدة تكلمت بكلام!

 

فقالت واحدة: أيها الشاب ما هذا الصبر والدلال، ولِمَ لا ترحم هذه العاشقة الواهبة قلبها لك، ألا ترى هذا الجمال الآسر؟ أليس عندك قلب؟ ألست شابًا، ألا تستلذ بالعشق والجمال، فهل أنت حجارة أو خشب؟!

 

وقالت الثانية: إذا كنت لا تعرف عن الجمال والعشق شيئًا.. لكن ألا تدري أن امرأة العزيز ذات نفوذ وقدرة.. ألا تفكر لو ملكت قلبها فستنال كل شيء وتبلغ أي مقام شئت...

 

وقالت الثالثة: إذا كنت لاى ترغب في جمالها المثير ولا تحتاج إلى مقامها ومالها، ولكن ألا تعرف أنها ستنتقم لنفسها بما أوتيت من وسائل الانتقام الخطرة، ألا تخاف من السجن ووحشته ومن الغربة المضاعفة فيه؟!

 

رب السجن أحب إليّ

تهديد امرأة العزيز من جانبها بالسجن والإذلال من جهة، ووساوس النسوة الملوثات اللاتي خططن ليوسف كما يخطط الدّلال من جهة أخرى، أوقعا يوسف في أزمة شديدة، وأحاط به طوفان المشاكل، ولكن حيث أن يوسف كان قد صنع نفسه، وقد أوجد نور الإيمان والعفة والتقوى في قلبه هدوءًا وسكينة خاصة، فقد صمّم بعزم وشجاعة والتفت نحو السماء ليناجي ربه وهو في هذه الشدة ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾.

 

وحيث كان يدري أن لا مهرب له إلا الله في جميع الأحوال ولا سيما في الساعات الحرجة، فقد أودع نفسه عند الله بهذا الكلام ﴿وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ﴾.

 

رباه... إنني أتقبل السجن الموحش رعاية لأمرك وحفظًا لطهارة نفسي... هذا السجن تتحرر فيه روحي وتطهر نفسي، وأنا أرفض هذه الحرية الظاهرية التي تأسر روحي في سجن (الشهوة) وتلوث نفسي.

 

رباه.. أعنّي، وهب لي القوة، وزدني قدرةً وعقلاً وإيمانًا وتقوى، حتى انتصر على هذه الوساوس!

 

وحيث أن وعد الله حق، وأنه يعين المجاهد (لنفسه أو لعدوه) فإنه لم يترك يوسف سُدىً وتلقفته رحمته ولطفه كا يقول القرآن الكريم: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَليمُ﴾(29).

 

فهو يسمع نجوى عبيده، وهو مطلع على أسرارهم ويعرف طريق الحل لهم.

 

السجن بسبب البراءة

انتهى المجلس العجيب لنسوة مصر مع يوسف في قصر العزيز في تلك الغوغاء والهياج، ولكن خبره – بالطبع – وصل إلى سمع العزيز.. ومن مجموع هذه المجريات اتضح أن يوسف لم يكن شابًا عاديًا، بل كان طاهرًا لدرجة لا يمكن لأي قوة أن تجره إلى الانحراف والتلوث، واتضحت علامات هذه الظاهرة من جهات مختلفة، فتمزق قميصه من دبر، ومقاومته أمام وساوس نسوة مصر، واستعداده لدخول السجن وعدم الاستسلام لتهديدات امرأة العزيز بالسجن والعذاب الأليم، كل هذه الأمور أدلة على طهارته لا يمكن لأحد أن يسدل عليها الستار أو ينكرها!.

 

ولازم هذه الأدلة إثبات عدم طهارة امرأة العزيز وانكشاف جريمتها، وعلى أثر ثبوت هذه الجريمة، فإن الخوف من فضيحة جنسية في أسرة العزيز كان يزداد يومًا بعد يوم.

 

فكان الرأي بعد تبادل المشورة بين العزيز ومستشاريه هو إبعاد يوسف عن الأنظار لينسى الناس اسمه وشخصه، وأحسن السبل لذلك إيداعه قعر السجن المظلم أولاً، وليشيع بين الناس أن المذنب الأصلي هو يوسف ثانيًا، لذلك يقول القرآن الكريم في هذا الصدد: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾(30).

 

إن مثل هذا التصميم في حق يوسف لم يكن من قبل . ويحتمل أن تكون هذه الفكرة اقترحتها امرأة العزيز لأول مرة.. وبهذا دخل يوسف النزيه – بسبب طهارة ثوبه – السجن، وليست هذه أول مرة ولا آخرها أن يدخل الإنسان النزيه (بجريرة نزاهته) السجن!!

 

أحداث السجن

ومن جملة السجناء الداخلين مع يوسف فتيان ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ﴾.

 

وحيث أن من الظروف لم تكن تسمح للإنسان أن يحصل فيها على الأخبار بطريق عادي، فإنه يأنس لأحاسيس الآخرين ليبحث عن مسير الحوادث ويتوقع ما سيكون، حتى أن الرؤيا وتعبيرها عنده يكون مطلبًا مهمًا.

 

ومن هذا المنطلق جاء ليوسف يومًا هذان الفتيان اللذان يقال: إن أحدهما كان ساقيًا في بيت الملك، والآخر كان مأمورًا للطعام والمطبخ، وبسبب وشاية الأعداء وسعايتهم بهما دخلا السجن بتهمة التصميم لسم الملك، وتحدث كل منهما عن رؤيا رآها الليلة الفائتة وكانت بالنسبة له أمرًا عجيبًا.

 

﴿قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ﴾ ثم أضافا ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (31).

 

معتقل أو معقل تربية

اغتنم يوسف مراجعة السجينين له لتعبير الرؤيا – وكان لا يدع فرصة لإرشاد السجناء ونصحهم – وبحجة التعبير كان يبين حقائق مهمة تفتح لهم السبل ولجميع الناس أيضًا.

 

في البداية، ومن أجل أن يستلفت اهتمامهما واعتمادهما على معرفته بتأويل الأحلام الذي كان مثار اهتمامهما وتوجههما ﴿قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا﴾.

 

وبهذا فقد طمأنهما أنهما سيجدان ضالتهما قبل وصول الطعام إليهما.

 

﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ ولئلا يتصور أن الله يمنح مثل هذه الأمور دون حساب، قال ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾.

 

والمقصود بهذه الملّة أو الجماعة هم عبدة الأصنام بمصر أو عبدة الأصنام بكنعان.

 

وينبغي لي أن أترك مثل هذه العقائد لأنها على خلاف الفطرة الإنسانية النقية، ثم إني تربيت في أسرة الوحي والنبوة ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ﴾(32).

 

ولعل هذه هي أول مرة يعرّف يوسف نفسه للسجناء بهذا التعريف، ليعلموا أنه سليل الوحي والنبوة وقد دخل السجن بريئًا.. كبقية السجناء الأبرياء في حكومة الطواغيت.

 

تعبير رؤيا السجناء

وبعد أن أرشد يوسف صاحبي سجنه ودلهما ودعاهما إلى حقيقة التوحيد، بدأ بتعبير الرؤيا لهما، وقال: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ﴾.

 

وبالرغم من تناسب كل رؤيا مع ما عبّره يوسف، فكان معلومًا إجمالاً من الذي يطلق من السجينين؟ ومن الذي يصلب منهما؟ إلا أن يوسف لم يرغب في أن يبيّن التعبير بصراحة أكثر من هذا.. خاصة وأن فيه خبرًا غير مريح، لذلك جعل التعبير تحت عنوان (أحدكما).

 

ثم أضاف مؤكدًا ﴿قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾(33) وهو إشارة إلى أن هذا التعبير ليس تعبيرًا ساذجًا، بل هو من أنباء الغيب التي تعلمها من الله، فلا مجال للترديد والكلام بعد هذا.

 

السجين الثاني الذي سمع بالخبر المزعج أخذ يكذّب رؤياه ويقول: كنت أمزح معكن ظانًا أن مصيره سيتبدل بهذا التكذيب، فعقّب عليه يوسف بالجملة المتقدمة!

 

اذكرني عند ربك

وحين أحس يوسف أن السجينين سينفصلان عنه عاجلاً، ومن أجل أن يجد يومًا يُطلق فيه ويُبرّأ من هذه التهمة، أوصى أحد السجينين الذي كان يعلم أنه سيطلق أن يذكره عند الملك ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾ لكن هذا الغلام (الناسي) مثله مثل الأفراد قليلي الاستيعاب، ما أن يبلغوا نعمة حتى ينسوا صاحبها، وهكذا نسي يوسف تمامًا، ولكن القرآن عبّر عن ذلك بقوله: ﴿فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ وهكذا أصبح يوسف منسيًا ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾(34) (35).

 

في حديث عن النبي (ص) أنه قال: (عجيب من أخي يوسف كيف استغاث بالمخلوق دون الخالق؟) وروي أنه قال: (لولا كلمته ما لبث في السجن طول ما لبث) يعني بقوله (اذكرني عند ربك).

 

وروي عن أبي عبد الله الصادق (ع) قال: (جاء جبرئيل (ع) فقال: يا يوسف من جعلك أحسن الناس؟ قال: ربي، قال: فمن حبّبك إلى أبيك دون إخوانك؟ قال: ربي، قال: فمن ساق إليك السيارة؟ قال: ربي، قال: فمن صرف عنك الحجارة؟ قال: ربي، قال: فمن أنقذك من الجب؟ قال: ربي، قال: فمن صرف عنك كيد النسوة؟ قال: ربي، قال: فإن ربك يقول: ما دعاك إلى أن تنزل حاجتك بمخلوق دوني، البث بالسجن بما قلت بضع سنين).

 

رؤيا ملك مصر وما جرى له

بقي يوسف في السجن المظلم كأي إنسان منسي، ولم يكن لديه من عمل إلا بناء شخصيته، وإرشاد السجناء وعيادة مرضاهم وتسلية الموجعين منهم.

 

حتى غيّرت (حظه وطالعه) حادثة صغيرة بحسب الظاهر.. ولم تغيّر هذه (الظاهرة) حظه فحسب، بل حظ أُمّة مصر وما حولها.

 

لقد رأى ملك مصر الذي يقال أن اسمه هو (الوليد بن الرّيان) وكان (عزيز مصر وزيره)رأى هذا الملك رؤيا مهولة، فأحضر عند الصباح المعبّرين للرؤيا ومن حوله فقصّ عليهم رؤياه ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾ ثم التفت إليهم طالبًا منهم تعبير رؤياه فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾.

 

ولكن حاشية السلطان وجوا إزاء هذه الرؤيا و ﴿قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ﴾(36).

 

هنا يرد سؤال، وهو: كيف تجرّأ هؤلاء أمام السلطان، بقولهم جوابًا لسؤاله عن رؤياه إنها (أضغاث أحلام) في حين أن المعروف عند حاشية السلطان أن تفلسف كل حركة منه ول كانت بغير معنى يفسرونها تفسيرًا مقبولاً.

 

من الممكن أنهم رأوا الملك مهمومًا من هذه الرؤيا، وكان من حقه ذلك لأنه رأى (سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات).

 

ألا يدل ذلك على أن من الممكن أن أفرادًا ضعافًا يتسلمون السلطة من يده على حين غرّة!؟!

 

لذلك قالواله: (أضغاث أحلام) ليرفعوا الكدورة عن خاطره، أي: لا تتأثر فما هنا لك أمر مهم، وهذه الأحلام لا يمكن أن تكون دليلاً على أي شيء.

 

ساقي الملك يتذكر يوسف

وهنا تذكر ساقي الملك ما حدث له ولصاحبه في السجن مع يوسف، ونجا من السجن كما بشّره ةيوسف ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾.

 

أجل في زاوية السجن يعيش رجل حي الضمير طاهر القلب مؤمن وقلبه مرآة للحوادث المستقبلية، إنه الذي يستطيع أن يكشف الحجاب عن هذه الرؤيا المغلقة ويعبّرها.

 

جملة (فأرسلون) تشير إلى أن من الممكن أن يكون يوسف ممنوع من المواجهة، وكان الساقي يريد أن يأذن الملك ومن حوله بمواجهته لهذا الشأن.

 

وهكذا حرّك كلام الساقي المجلس وشخصت الأبصار نحوه، وطلبوا منه الإسراع بالذهاب إليه والإتيان بالخبر.

 

مضى الساقي إلى السجن ليرى صديقه القديم... ذلك الصديق الذي لم يفِ بوعده له، لكنّه ربما كان يعرف أن شخصية يوسف الكريمة تمنعه من فتح (باب العتاب).

 

فالتف إليه وقال: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُون﴾َ.

 

إن يوسف دون أن يطلب شرطًا أو قيدًا أو أجرًا لتعبيره، عبّر الرؤيا فورًا تعبيرًا دقيقًا لا غموض فيه ولا حجاب مقرونًا بما ينبغي عمله في المستقبل و ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ﴾.

 

ثم إنه يحل بكم القحط لسبع سنين متوالية فلا أمطار ولا زراعة كافية، فعليكم بالاستفادة مما جمعتم في سنّي الرخاء ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾.

 

ولكن عليكم أن تحذروا من استهلاك الطعام ﴿إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ﴾ وإذا واظبتمم على هذه الخطة فحينئذٍ لا خطر يهددكم لأنه ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾.. و(يغاث الناس) أي يدركهم الغيث فتكثر خيراتهم، وليس هذا فحسب بل ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾(37) المحاصيل لاستخراج الدهن والفاكهة لشراب عصيرها..الخ.

 

سجين مصر أو قائد مخطط

كم كان تعبير يوسف لهذه الرؤيا دقيقًا ومحسوبًا، حيث كانت البقرة في الأساطير القديمة مظهر (السنة).. وكون البقرات سمانًا دليل على كثرة النعمة، وكونها عجافًا دليل على الجفاف والقحط، وهجوم السبع العجاف على السبع السمان كان دليلاً على أن يُستفاد من ذخائر السنوات السابقة.

 

وسبع سنبلات خضر وقد أحاطت بها سبع سنبلات يابسات تأكيد آخر على هاتين الفترتين فترة النعمة وفترة الشدّة.

 

إضافةً إلى أنه أكد له على هذه المسألة الدقيقة، وهي خزن المحاصيل في سنابلها لئلا تفسد بسرعة وليكون حفظها إلى سبع سنوات ممكنًا.

 

وكون عدد البقرات العجاف والسنابل اليابسات لم يتجاوز السبع لكل منهما دليل آخر على انتهاء الجفاف والشدّة مع انتهاء تلك السنوات السبع.. وبالطبع فإن سنةً سيأتي بعد هذه السنوات سنة مليئة بالخيرات والأمطار، فلا بد من التفكير للبذر في تلك السنة وأن يحتفظوا بشيء مما يخزن لها.

 

في الحقيقة لم يكن يوسف مفسّرًا بسيطًا للأحلام، بل كان قائدًا يخطط من زاوية السجن لمستقبل البلاد، وقد قدّم مقترحًا من عدة مواد لخمسة عشر عامًا على الأقل، وكما سنرى فإن هذا التعبير المقرون بالمقترح للمستقبل حرّك الملك وحاشيته وكان سببًا لإنقاذ أهل مصر من القحط القاتل من جهة، وأن ينجو يوسف من سجنه وتخرج الحكومة من أيدي الطغاة من جهة أخرى.

 

تبرئة يوسف من كل اتهام

لقد كان تعبير يوسف لرؤيا الملك دقيقًا ومدروسًا ومنطقيًا إلى درجة أنه جذب الملك وحاشيته إليه، إذ كان يرى أن سجينًا مجهولاً عبّر رؤياه بأحسن تعبير وتحليل، دون أن ينتظر أي أجر أو يتوقع أمرًا ما.. كما أنه أعطى للمستقبل خطة مدروسة أيضًا.

 

لقد فهم الملك إجمالاً أن يوسف لم يكن رجلاً يستحق السجن، بل هو شخص أسمى مقامًا من الإنسان العادي، دخل السجن نتيجة حادث خفي، لذلك تشوّق لرؤيته، ولكن لا ينبغي للملك أن ينسى غروره ويسرع إلى زيارته، بل أمر أن يُؤتى به إليه كما يقول القرآن: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءهُ الرَّسُولُ﴾ لم يوافق يوسف على الخروج من السجن دون أن يثبت براءته، فالتفت إلى رسول الملك و ﴿قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ إذن... فيوسف لم يرغب أن يكون كأي مجرم، أو على الأقل كأي متهم يعيش مشمولاً بـ (عفو الملك).. لقد كان يرغب أولاً أن يحقق في سبب حبسه، وأن تثبت براءته وطهارة ذيله، ويخرج من السجن مرفوع الرأس، كما يثبت ضمنًا تلّوث النظام الحكومي وما يجري في قصر وزيره!.

 

أجل لقد اهتّم بكرامة شخصيته وشرفه قبل خروجه من السجن، وهذا هو نهج الأحرار.

 

الطريف هنا أن يوسف في عبارته هذه أبدى سموًا في شخصيته إلى درجة إنه لم يكن مستعدًّا لأن يصرّح باسم امرأة العزيز التي كانت السبب المباشر في اتهامه وحبسه، بل اكتفى بالإشارة إلى جماعة النسوة اللاتي لهن علاقة بهذا الموضوع فحسب.

 

ثم يضيف يوسف: إذا لم يعلم سبب سجني شعب مصر ولا جهازه الحكومي وبأي سبب وصلت السجن، فالله مطلِّع على ذلك ﴿إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾.

 

عاد المبعوث من قبل الملك إلى يوسف مرة ثانية إلى الملك، وأخبره بما طلبه يوسف مع ما كان من إبائه وعلوّ همّته، لذا عظم يوسف في نفس الملك وبادر مسرعًا إلى إحضار النسوة اللاتي شاركن في الحادثة، والتفت إليهنّ ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ﴾ يجب أن تقلن الحق ... هل ارتكب يوسف خطيئةً أو ذنبًا؟

 

فتيّقظ فجأةً الوجدان النائم في نفوسهن، وأجبنه جميعًا بكلام واحد – متفق على طهارته و ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ﴾(38).

 

اعتراف زليخا

أمّا امرأة العزيز التي كانت حاضرة أيضًا، وكانت تصغي بدقّة إلى حديث الملك ونسوة مصر، فلم تجد في نفسها القدرة على السكوت، ودون أن تُسأل أحسّت بأنّ الوقت قد حان لأن تنّزه يوسف وأن تعوّض عن تبكيت وجدانها وحيائها وذنبها بشهادتها القاطعة في حقّه، وخاصّة أنها رأت كرم يوسف المنقطع النظير من خلال رسالته إلى الملك، إذ لم يعرّض فيها بالطعن في شخصيتها وكان كلامه عامًّا ومغلقًا تحت عنوان (نسوة مصر).

 

فكأنما حدث انفجار في داخلها فجأة وصرخت و ﴿قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾.

 

ثم واصلت امرأة العزيز كلامها ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ لأني عرفت بعد هذه المدّة الطويلة وما عندي من التجارب ﴿وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾.

 

في الحقيقة(39) فإنها ومن أجل اعترافها الصريح بنزاهة يوسف وما أخطأته في حقه، تقيم دليلين:

 

الأول: إن وجدانها، ويحتمل بقايا علاقتها بيوسف، لا تسمح لها أن تستر الحق أكثر من هذا، وأن تخون الشاب الطاهر في غيابه.

 

الثاني: إن من مشاهدة الدروس المليئة بالعبر على مرور الزمن تجلّت لها هذه الحقيقة، وهي أن الله يرعى الصالحين ولا يوفّق الخائنين في مرادهم أبدًا.

 

وبهذا بدأت الحجب تنقشع عن عينيها قليلاً.. وتلمس حقيقة الحياة ولا سيما في هزيمة عشقها الذي صنع غرورها وشخصيتها الخيالية، وانفتحت عيناها على الواقع أكثر، فلا عجب أن تعترف هذا الاعتراف الصريح.

 

وتواصل امرأة العزيز القول: ﴿وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ﴾ وبحفظه وإعانته نبقى مصونين، وأنا أرجو أن يغفر لي ربي هذا الذنب ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(40).

 

يوسف أمينًا على خزائن الأرض

﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ وهكذا أمر الملك بإحضار يوسف لكي يجعله مستشاره الخاص ونائبه في المهمّات فيستفيد من علمه ومعرفته وخبرته لحلّ المشاكل المستعصية.

 

ثم أرسل الملك مندوبًا لزيارته في السجن، فدخل عليه وأبلغه تحيات الملك وعواطفه القلبية تجاهه ثم قال له: إنه قد لبّى طلبك في البحث والتحقيق عن نساء مصر واتّهامهنّ إيّاك، حيث شهدن جميعهنّ صراحة ببراءتك ونزاهتك فالآن لا مجال للتأخير، قم لنذهب إلى الملك.

 

فدخل يوسف على الملك وتكّلم معه فعندما سمع من يوسف الأجوبة التي تحكي عن علمه وفراسته وذكائه الحادّ، ازداد حبًّا له وقال: إن لك اليوم عندنا منزلة رفيعة وسلطات واسعة وإنك في موضع ثقتنا واعتمادنا ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ﴾ فلا بد أن تتصدّى للمناصب الهامة في هذا البلد، وتهتم بإصلاح الأمور الفاسدة، وإنك تعلم (حينما فسرت الرؤيا) بأن أزمة اقتصادية شديدة سوف تعصف بهذا البلد، وفي تصوّري إنّك الشخص الوحيد القادر على أن يتغلّب على هذه الأزمة.

فاختار يوسف منصب الأمانة على خزائن مصر، وقال اجعلني مشرفًا على خزائن هذا البلد فإني حفيظ عليم وعلى معرفة تامّة بأسرار المهنة وخصائصها ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيم﴾ٌ.

 

كان يوسف يعلم أن جانبًا كبيرًا من الاضطراب الحاصل في ذلك المجتمع الكبير المليء بالظلم والجور يكمن في القضايا الاقتصادية، والآن وبعد أن عجزت أجهزة الحكم من حلّ تلك المشاكل واضطروا لطلب المساعدة منه، فمن الأفضل له أن يسيطر على اقتصاد مصر حتى يتمكّن من مساعدة المستضعفين وأن يخفف عنهم – قدر ما يستطيع – الآلام والمصاعب ويستردّ حقوقهم من الظالمين. ويقوم بترتيب الأوضاع المترديّة في ذاك البلد الكبير، ويجعل الزراعة وتنظيمها هدفه الأول وخاصّة بعد وقوفه على أن السنين القادمة هي سنوات الوفرة حيث تليها سنوات المجاعة والقحط، فيدعو الناس إلى الزراعة وزيادة الإنتاج وعدم الإسراف في استعمال المنتوجات الزراعية وتقنين الحبوب وخزنها والاستفادة منها في أيام القحط والشدّة.

 

وهكذا لم ير يوسف بُدًا من توليه منصب الإشراف على خزائن مصر.

 

وقال البعض: إن الملك حينما رأى في تلك السنة أن الأمور قد ضاقت عليه وعجز عن حلّها، كان يبحث عمّن يعتمد عليه وينجّيه من المصاعب، فمن هنا حينما قابل يوسف ورآه أهلاً لذلك أعطاه مقاليد الحكم بأجمعها واستقال هو من منصبه.

 

وقال آخرون: إن الملك جعله في منصب الوزير الأول بدلاً عن (عزيز مصر).

والاحتمال الآخر هو أنه بقي مشرفًا على خزائن مصر(41) (42).

 

ثم يقول الله سبحانه وتعالى منهيًا بذلك قصة يوسف (ع): ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء﴾.

 

نعم إن الله سبحانه وتعالى ينزل رحمته وبركاته ونعمه المادية والمعنوية على من يشاء من عباده الذين يراهم أهلاً لذلك ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء﴾.

 

وأنّه سبحانه وتعالى لا ينسى أن يجازي المحسنين، وأنه مهما طالت المدّة فإنه يجازيهم بجزائه في الأرض ﴿وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾(43).

 

سبع سنوات خضر، وسبع يابسات

وكما كان متوقعًا، فقد تحسّنت الزراعة في مصر خلال سبع سنوات متتالية وذلك على أثر توالي الأمطار ووفرة ماء النيل وكثرته، ويوسف الذي كان مسئولاً عن الشؤون الاقتصادية في مصر ومشرفًا على خزائنها، أمر ببناء المخازن الكبيرة والصغيرة التي تستوعب الكميات الكبيرة من المواد الغذائية وتحفظها عن الفساد، وقد أجبر أبناء الشعب على أن يبيعوا للدولة الفائض عن حاجتهم من الإنتاج الزراعي، وهكذا امتلأت المخازن بالمنتوجات الزراعية والاستهلاكية ومرّت سبع سنوات من الرخاء والوفرة، وبدأ القحط والجفاف يُظهر وجهه الكريه، ومنعت السماء قطرها، فلم تينع ثمرة، ولم تحمل نخلة.

 

وهكذا أصاب عامّة الشعب الضيق وقلّت منتوجاتهم الزراعية، لكنهم كانوا على علم بخزائن الدولة وامتلائها بالمواد الغذائية، وساعدهم يوسف حيث استطاع – بخطة محكمة ومنظمّة مع الأخذ بعين الاعتبار الحاجات المتزايدة، في السنين القادمة – أن يرفع الضيق عن الشعب بأن باع لهم المنتوجات الزراعية مراعيًا في ذلك العدالة بينهم.

 

والملفت للنظر أن يوسف أقبل على جمع الطعام فجمع في السبع سنين المخصبة فكبسه في الخزائن، فلمّا مضت تلك السنون وأقبلت المجدية أقبل على بيع الطعام فباعهم في السنة الأولى بالدراهم والدنانير وفي السنة الثانية بالحلي والجواهر وفي السنة الثالثة بالدّواب والمواشي وفي السنة الرابعة بالعبيد والإماء وفي السنة الخامسة بالدّور والعقار وفي السنة السادسة بالمزارع والأنهار وفي السنة السابعة برقابهم فملك أحرارهم وعبيدهم وأموالهم ثم قال إني لم أصلح أهل مصر لأفسدهم، ولم أنجهم من البلاء لأكون وبالاً عليهم ولكن الله نجاهم على يدي، إنّي أعتقت أهل مصر كلهم، ورددت إليهم أموالهم وعبيدهم.

 

أخوة يوسف إلى مصر

وهذا القحط والجفاف لم يكن مقتصرًا على مصر وحدها، بل شمل البلدان المحيطة بها أيضًا ومنهم شعب فلسطين وأرض كنعان المتاخمة لمصر والواقعة في حدودها الشمال الشرقي، وكانت عائلة يوسف تسكن هناك وقد تأثّرت بالجفاف. واشتد بهم الضيق، بحيث اضطّر يعقوب أن يرسل جميع أولاده – ما عدا بنيامين الذي أبقاه عنده بعد غياب يوسف – إلى مصر، حيث سافروا مع قافلة كانت تسير إلى مصر ووصلوا إليها – كما قيل – بعد 18 يومًا.

 

إنّ الأجانب عند دخولهم إلى الأراضي المصرية كانوا ملزمين بتسجيل أسمائهم في قوائم معيّنة لكي تعرض على يوسف، ومن هنا فحينما عرض الموظفون تقريرًا على يوسف عن القافلة الفلسطينية وطلبهم للحصول على المؤن والحبوب رأى يوسف أسماء إخوته بينهم وعرفهم وأمر بإحضارهم إليه، دون أن يتعّرف أحد على حقيقتهم وأنهم إخوته..

 

يقول القرآن الكريم: ﴿وَجَاء إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾(44) وكان طبيعيًا أن لا يتعرّف إخوة يوسف عليه لأنه في جانب كان قد مضى على فراقهم إيّاه منذ أن أودعوه الجب وخرج منه ودخل مصر ما يقرب من أربعين سنة، ومن جهة أخرى كان لا يخطر ببالهم أن أخوهم صار عزيزًا لمصر، وحتى لو رأوا الشبه بين العزيز وأخيهم لحملوه على الصدفة.

 

إضافة إلى هذا فإن ملابس يوسف تختلف عن السابق، ومن الصعب عليهم معرفة يوسف وهو في ملابس أهل مصر، كما إن احتمال بقاء يوسف على قيد الحياة بعد هذه المدّة كان ضعيفًا عندهم، وعلى أية حال فإن أخوة يوسف قد اشتروا ما طلبوه من الحبوب ودفعوا ثمنه بالأموال أو الكُندر أو الأحذية أو بسائر ما جلبوه معهم من كنعان إلى مصر.

 

اقتراح يوسف الجديد على إخوته

أمّا يوسف فإنه قد رحب بإخوته ولاطفهم وفتح باب الحديث معهم، قالوا: نحن عشرة إخوة من أولاد يعقوب، ويعقوب هو ابن إبراهيم الخليل نبي الله العظيم، وأبونا أيضًا من أنبياء الله العظام، وقد كبر سنّه وألمّ به حزن عميق ملك عليه وجوده.

 

فسألهم يوسف: لماذا هذا الغمّ والحزن؟

 

قالوا: كان له ولد أصغر من جميع إخوته وكان يحبه كثيرًا، فخرج معنا يومًا للنزهة والتفرّج والصيد وغفلنا عنه فأكله الذئب، ومنذ ذلك اليوم وأبونا يبكي لفراقه.

 

ونقل البعض أنّه كان من عادة يوسف أن لا يعطي ولا يبيع لكل شخص إلا حمل بعير واحد، ربما إن أخوته كانوا عشرة فقد باع لهم 10 أحمال من الحبوب، فقالوا: إن لنا أبًا شيخًا كبيرًا عاجزًا عن السفر وأخًا صغيرًا يرعى شؤون الأب الكبير، فطلبوا من العزيز أن يدفع إليهم حصّتهما، فأمر يوسف أن يضاف إلى حصصهم حملان آخران، ثم توجّه إليهم مخاطبًا إياهم وقال: إني أرى في وجوهكم النبل والرفعة كما أنكم تتحلون بأخلاق طيبة، وقد ذكرتم أن أباكم يحب أخاكم الصغير كثيرًا، فيتضح أنه يمتلك صفات ومواهب عالية وفذّة ولهذا أحب أن أراه إضافة إلى هذا فإن الناس هنا قد أساءوا الظن بكم واتّهموكم، لأنكم من بلد أجنبي، فأتوا بأخيكم الصغير في سفركم القادم لتثبتوا صدقكم، وتدفعوا التهمة عن أنفسكم.

 

وهنا يقول القرآن الكريم: إنه حينما جهزّهم يوسف بجهازهم وأرادوا الرحيل عن مصر ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ﴾. لكنه ختم كلامه بتهديد مبطّن لهم، وهو إنني سوف أمنع عنكم المؤن والحبوب إذا لم تأتوني بأخيكم﴿فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ﴾، وكان يوسف يحاول بشتّى الطرق تارةً بالتهديد، وأُخرى بالتحبب، أن يلتقي بأخيه بنيامين ويبقيه عنده.

 

وأجاب أخوة يوسف على طلب أخيهم: ﴿قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾.

 

وأخيرًا أمر يوسف رجاله أن يضعوا الأموال التي اشتروا بها الحبوب في رحالهم – جلبًا لعواطفهم – ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾(45) (46).

 

موافقة يعقوب

رجع أخوة يوسف إلى كنعان فرحين حاملين معهم المتاع الثمين، لكنهم كانوا يفكّرون بمصيرهم في المستقبل وأنه لو رفض الأب ولم يوافق على سفر أخيهم الصغير (بنيامين) فإن عزيز مصر سوف لن يستقبلهم، كما أنه لا يعطيهم حصّتهم من الحبوب والمؤن.

 

ومن هنا يقول القرآن: ﴿فَلَمَّا رَجِعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾ ولا سبيل لنا للحصول عليه إلا أن ترسل معنا أخانا ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَل﴾ْ وكن على يقين من أننا سوف نحافظ عليه ونمنعه من الآخرين ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.

 

أما الأب الشيخ الكبير الذي لم يمح صورة (يوسف) عن ذاكرته مرّ السنين فإنه حينما سمع هذا الكلام استولى عليه الخوف وقال لهم معاتبًا: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ﴾ فكيف تتوقّعون منّي أن أطمئن بكم وأُلبّي طلبكم وأوافق على سفر ولدي وفلذة كبدي معكم إلى بلاد بعيدة، ولا زلت أذكر تخلّفكم في المرّة السابقة عن عهدكم، ثمّ أضاف ﴿فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.

 

ثم إن الأخوة حينما عادوا من مصر﴿وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ﴾ فشاهدوا أنّ هذا الأمر هو برهان قاطع على صحّة طلبهم، فجاءوا إلى أبيهم و ﴿قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ وهل هناك فضل وكرم أكثر من هذا أن يقوم حاكم أجنبي وفي ظروف القحط والجفاف، بمساعدتنا ويبيع لنا الحبوب والمؤن ثم يرد إلينا ما دفعناه ثمنًا له؟!

 

ثم إنه ردّ بضاعتنا علينا بشكل خفي بحيث لا يستثير فينا الخجل – أليس هذا غاية الجود والكرم؟! فيا أبانا ليس هناك مجال للتأخير – ابعث معنا أخانا لكي نسافر ونشتري الطعام﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ وسوف نكون جادين في حفظ أخينا ﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾ وهكذا نتمكن من أن نشتري كيل بعير من الحبوب ﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِير﴾ٍ وإنّنا على يقين في أن سماحة العزيز وكرمه – سوف يسهلان حصوله و ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِير﴾.

 

وفي كل الأحوال – رفض يعقوب إرسال ابنه بنيامين معهم، ولكنه كان يواجه إصرار أولاده بمنطقهم القوي بحيث اضطر إلى التنازل على مطلبهم ولم يرَ بدًا من القبول، ولكنه وافق بشرط: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ﴾، والمقصود من قوله (موثقًا من الله) هو العهد واليمين المتضمّن لاسم الله سبحانه وتعالى.

 

وعلى كل حال فقد وافق أخوة يوسف على شرط أبيهم، وحينما أعطوه العهد والمواثيق المغلّظة قال يعقوب: ﴿فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾(47) (48).

 

لا تدخلوا من باب واحد

توجّه أخوة يوسف صوب مصر للمرة الثانية بعد إذن أبيهم وموافقته على اصطحاب أخيهم الصغير معهم، وحينما أرادوا الخروج ودّعهم أبوهم موصيًا إياهم بقوله: ﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ﴾(49) شكّ في أن عاصمة مصر في تلك الأيام شأنها شأن جميع البلدان، كانت تمتلك سورًا عاليًا وأبوابًا متعدّدة وكان يعقوب قد نصح أولاده، بأن يتفرقّوا إلى جماعات صغيرة، وتدخل كل جماعة من باب واحد.

 

ذهب جمع إلى أن سبب هذه النصيحة هو إن أخوة يوسف كانوا يتمتعون بقسط وافر من الجمال (وإن لم يكونوا كيوسف لكنهم في كل الأحوال كانوا إخوته) وبأجسام قوية رشيقة، وكان الأب الحنون في قلق شديد من إلفات نظر الناس إلى هذه المجموعة المكونّة من 11 شخصًا ويدلّ سيماهم على أنهم غرباء وإنهم ليسوا من أهل مصر، فيصيبهم الحسد من تلك العيون الفاحصة.

 

وهناك سبب آخر، وهو أن دخول هذه المجموعة إلى مصر بوجوههم المشرقة وأجسامهم الرشيقة القويمة والسير في شوارعها، قد يثير الحسد والبغضاء في بعض النفوس الضعيفة فيسعون ضدهم عند السلطان ويظهرونهم كمجموعة أجنبية تحاول العبث بأمن البلد ونظامه، فحاول يعقوب (ع) أن يجنّبهم بنصيحته عن هذه المشاكل.

 

واصل الأخوة سيرهم نحو مصر، وبعد أن قطعوا مسافة طويلة وشاسعة بين كنعان ومصر دخلوا الأراضي المصرية.

 

يوسف يخطط للاحتفاظ بأخيه

وأخيرًا دخل الأخوة على يوسف وأعلموه بأنهم قد نفذّوا طلبته واصطحبوا معهم أخاهم الصغير برغم امتناع الأب في البداية، ولكنهم أصّروا عليه وانتزعوا منه الموافقة لكي يثبتوا لك إنهم قد وفوا بالعهد، أما يوسف فإنه قد استقبلهم بحفاوة وكرم بالغين ودعاهم لتناول الطعام على مائدته، فأمر أن يجلس كل اثنين على طبق من الطعام، ففعلوا وجلس كل واحد منهم بجنب أخيه على الطعام، وبقي بنيامين وحيدًا فتألم من وحدته وبكى وقال: لو كان أخي يوسف حيًّا لعطف عليّ ولأجلسني إلى جنبه على المائدة لأننا إخوة من أب واحد وأم واحدة، قال يوسف مخاطبًا إياهم: إن أخاكم بقي وحيدًا وإنني سأجلسه بجنبي على المائدة ونأكل سوية من الطعام، ثم بعد ذلك أمر يوسف بأن تهيّأ لهم الغرف ليستريحوا فيها ويناموا، ومرة أخرى بقي بنيامين وحيدًا، فاستدعاه يوسف إلى غرفته وبسط له الفراش إلى جنبه، لكنه لاحظ في تقاسيم وجهه الحزن والألم وسمعه يذكر أخاه المفقود (يوسف) متأوّهًا، عند ذلك نفذ صبر يوسف وكشف عن حقيقة نفسه، والقرآن الكريم يصف هذه الوقائع بقوله: ﴿وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَاْ أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾(50).

 

والمراد بقوله (يعملون) هو معاملة الأخوة السيئة لأخيهم بنيامين حيث خططّوا لإبعاده وطرده من بينهم كما فعلوا بيوسف – فقال يوسف لأخيه: لا تحزن فإن المحاولات التي قاموا بها لإلحاق الضرر بي قد انقلبت إلى خير وسعادة ورفعة لي، إذًا لا تحزن وكن على يقين بأن محاولاتهم سوف تذهب أدراج الرياح.

 

أيتها العير إنكم لسارقون

عند ذاك اقترح يوسف على أخيه بنيامين وقال له: هل تود أن تبقى عندي ولا تعود معهم؟ قال بنيامين: نعم، ولكن إخوتي لا يوافقون على ذلك، لأنهم قد أعطوا أبي العهود والمواثيق المغلّظة بأن يرجعوني إليه سالمًا.

 

قال يوسف: لا تهتّم بهذا الأمر فإني سوف أضع خطة محكمة بحيث يضطرون لتركك عندي والرجوع دونك، وبدأ يوسف بتنفيذ الخطة، وأمر بأن يعطي لكل واحد منهم حصّة من الطعام والحبوب ثم عند ذاك ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾.

 

لا شك في أن يوسف قام بهذا العمل بسرية تامة، لم يطلّع على هذه الخطة سوى موظّف واحد وعند ذاك افتقد العاملون على تزويد الناس بالمئونة الكيل الملكي الخاص، وبحث عنه الموظفون والعمال كثيرًا لكن دون جدوى وحينئذ ﴿أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾(51).

 

وحينما سمع أخوة يوسف هذا النداء ارتعدت فرائصهم واستولى عليهم الخوف، حيث لم يخطر ببالهم أن يتهموا بالسرقة بعد الحفاوة التي قوبلوا بها من جانب يوسف، فتوجّهوا إلى الموظفين والعمال وقالوا لهم: ماذا فقدتم؟ ﴿قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِم مَّاذَا تَفْقِدُون﴾َ.

 

قالوا: قد فقدنا صواع الملك ونظن إنّه عندكم ﴿قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ ربما أن الصواع ثمين ومورد علاقة الملك فإن لمن يعثر عليه جائزة، وهي حمل عبير من الطعام ﴿وَلِمَن جَاء بِهِ حِمْلُ بَعِير﴾ٍ ثم أضاف المؤذّن والمسئول عن البحث عن الصواع المفقود: إنني شخصيًا أضمن هذه الجائزة ﴿وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ﴾.

 

فاشتد اضطراب الأخوة لسماعهم هذه الأمور وزادت مخاوفهم، وتوجّهوا إلى الموظّف مخاطبين إياه ﴿قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾.

 

إلا أن الموظفين توجهوا إليهم و ﴿قَالُواْ فَمَا جَزَآؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ﴾.

 

أجاب الإخوة: إنه عقاب من وجد الصواع في رحله هو أن يؤخذ الشخص نفسه بدل الصواع ﴿قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ وإن هذا العقاب هو جزاء السارق ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾.

 

وحينئذ أمر يوسف الموظفين والعمال بأن تنزل رحالهم من على ظهور الجمال ويفتح متاعهم وأن يبحثوا فيها واحدًا بعد واحد ودون استثناء، وتجنّبًا عن انكشاف الخطة أمر يوسف بأن يبدأو بالبحث والتفتيش في أمتعة الأخوة أوّلاً قبل أمتعة أخيه بنيامين، لكنهم وجدوه أخيرًا في أمتعة بنيامين ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاء أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاء أَخِيهِ﴾(52).

 

لقد فضحتنا أيها الجاهل

بعد أن عثر على الصاع في متاع بنيامين، استولى الارتباك والدهشة على الأخوة، وصعقته هذه الواقعة ورأوا أنفسهم في حيرة غريبة،فمن جهة قام أخوهم بعمل قبيح وسرق صواع الملك، وهذا يعود عليهم بالخزي والعار، ومن جهة أخرى إن هذا العمل سوف يفقدهم اعتبارهم ونفوذهم عند الملك خصوصًا مع حاجتهم الشديدة إلى الطعام، وإضافة إلى كل هذا كيف يجيبون على استفسارات أبيهم؟ وكيف يقنعونه بذنب ابنه وعدم تقصيرهم في ذلك؟

 

قال بعض: إنه بع أن عثر على الصاع توجه الأخوة إلى بنيامين وعاتبوه عتابًا شديدًا، فقالوا له: ألا تخجل من فعلك القبيح فقد فضحتنا وفضحت أباك يعقوب، وآل يعقوب.. قل لنا كيف سرقت الصاع ووضعته في رحلك؟

 

أجابهم بنيامين ببرود، حيث كان عالمًا بالقضية وأسرارها: إن الذي قام بهذا العمل ووضع الصواع في رحلي، هو نفسه الذي وضع الأموال في متاعكم المرة السابقة، لكن الأخوة لم ينتبهوا – لهول الواقعة عليهم – لمغزى كلام بنيامين.

 

ثم يستمر القرآن الكريم ويبيّن كيف استطاع يوسف أن يأخذ أخاه بالخطّة التي رسمها الله دون أن يثير في أخوته أي نوع من المقاومة والرفض ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾(53) (54).

 

يستفاد من القرآن الكريم أن عقوبة السرقة عند المصريين كانت تختلف عنها عند الكنعانيين، فعند أخوة يوسف (آل يعقوب)ولعله عند الكنعانيين كانت العقوبة هي عبودية السارق (بصورة دائمة أو مؤقتة) لأجل الذنب الذي اقترفه يقول الطبرسي في مجمع البيان – ذيل الآية – إن السنّة المتبعة لدى بعض المجتمعات في ذلك الزمان هو أن يصير السارق عبدًا لمدة سنة كاملة، وذكر أيضًا أن أسرة يعقوب كانت ترى عبودية السارق بمقدار ما سرق (أي يعمل عندهم بذلك المقدار).

 

فقد سرق أخ له من قبل

وأخيرًا اقتنع أخوة يوسف بأن أخاهم  (بنيامين) قد ارتكب فعلاً شنيعًا وقبيحًا وإنه قد شوّه سمعتهم وخذلهم عند عزيز مصر، فأرادوا أن يبرّأوا أنفسهم ويعيدوا ماء وجههم قالوا: ﴿إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾ أي أنه لو قام بالسرقة فهذا ليس بأمر عجيب منه فإن أخاه يوسف وهو أخوه لأبويه قد ارتكب مثل هذا العمل القبيح، ونحن نختلف عنهما في النسب، وهكذا أرادوا أن يفصلوا بينهم وبين بنيامين ويربطوه بأخيه يوسف.

 

وحينما سمع يوسف كلامهم تأثّر بشدّة لكنه كتم في نفسه ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ لأنه كان عالمًا بأنهم قد افتروا عليه واتهموه كذبًا، إلا أنه لم يرد عليهم وقال لهم باختصار واقتضاب ﴿قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا﴾ أي أنكم أحقر وأشرّ مكانًا ممّن تتّهمونه وتنسبون إليه السرقة، أو أنتم أحقر الناس عندي.

 

ثم أضاف يوسف: إن الله سبحانه وتعالى أعلم بما تنسبون ﴿وَاللّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ﴾(55).

 

الملاحظ هنا أنه برغم إن أخوة يوسف افتروا عليه زورًا واتهموه بالسرقة لكي يبرّأوا أنفسهم، لكن لا بدّ وأن تكون لهذه التهمة أرضية قديمة بحيث تمسّك بها الإخوة في تلك اللحظة الحرجة.

 

وقد نقلوا ثلاثة نصوص في هذا المجال:

الأول: أن يوسف بعد أن توفيت أمه قضى فترة من طفولته غند عمته، وقد كانت تكنّ له حبًّا عميقًا، وحينما كبر يوسف وأراد يعقوب أن يفصله عنها، لم ترَ عمته حيلة ووسيلة للاحتفاظ بيوسف إلا بحيلة نسائية وذلك بأن ربطت على خاصرته حزامًا أو شالًا مما تركه آل إسحاق، ثم ادّعت أن يوسف أراد سرقتها، فلا بد من أن يعاد إليها يوسف – وطبقًا للدستور والسنّة المتبعّة عندهم – عبدًا قنًا جزاءً له.

 

الثاني: قيل إن امرأة من أرحام يوسف من أمه كان لها صنم تعبده، فأخذه يوسف وحطمه ورمى به على الطريق، فاتهموه بالسرقة.

 

الثالث: قيل إن يوسف كان يأخذ أحيانًا بعض الطعام من المائدة ويتصدّق به على الفقراء والمساكين، فعلم الإخوة بذلك واتهموه بالسرقة.

 

لكن مثل هذه الأعمال لا تعدّ سرقة، لأن النبيه يعرف أن ربط الحزام على الشخص دون علمه بأنه ملك للغير. أو كسر الصنم ورميه على الطريق، أو أخذ الطعام من المائدة التي بسطها أبوه ويعلم أنه يرضى بالتصدّق ببعضها للفقراء والمساكين، لا يعدّ سرقة ولا يجوز معاقبة من فعله بهذه التهمة.

 

لماذا لم تقبل تضحية الأخوان

وعندما لاحظ الإخوة أنفسهم محاصرين بين أمرين، فمن جهة وطبقًا للسنّة والدستور المتعيّن عندهما لا بد وأن يبقى أخوهم الصغير- بنيامين عند عزيز مصر ويقوم بخدمته كسائر عبيده، ومن جهة أخرى فإنهم قد أعطوا لأبيهم المواثيق والأيمان المغلظّة على أن يحافظوا على أخيهم بنيامين ويعودوا به سالمًا إليه، حينما وقعوا في هذه الحالة توجّهوا إلى يوسف الذي كان مجهول الهوية عندهم، مخاطبين إياه ﴿قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾ لكي نرجعه إلى أبيه ونكون قد وفينا بالوعد الذي قطعناه لهن فإنه شيخ كبير ولا طاقة له بفراق ولده العزيز، فنرجو منك أن تترّحم علينا وعلى أبيه فـ ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾.

 

وأما يوسف فإنه قد واجه هذا الطلب بالإنكار الشديد و ﴿قَالَ مَعَاذَ اللّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ﴾ فإن العدل والإنصاف يقتضي أن يكون المعاقب هو السارق، وليس بريئًا رضي بأن يتحمّل أوزار عمل غيره، ولو فعلنا لأمسينا من الظالمين ﴿إِنَّآ إِذًا لَّظَالِمُونَ﴾(56).

 

والطريف أن يوسف لم ينسب لأخيه السرقة وإنما عبّر عنه بـ ﴿مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ﴾ وهذا برهان على السلوك الحسن والسيرة المستقيمة التي كان ينتهجها يوسف في حياته.

 

رجوع الأخوة إلى أبيهم خائبين

حاول الأخوة أن يستنقذوا أخاهم بنيامين بشتّى الطرق إلا أنهم فشلوا في ذلك، ورأوا أن جميع سبل النجاة قد سدّت في وجوههم، فبعد أن فشلوا في تبرئة أخيهم وبعد أن رفض العزيز استعباد أحدهم بدل بنيامين، استولى عليهم اليأس وصمّموا على الرجوع والعودة إلى كنعان لكي يخبروا أباهم، يقول القرآن واصفًا إياهم ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيًّا﴾ أي أنهم بعد أن يئسوا من عزيز مصر أو من إنقاذ أخيهم، ابتعدوا عن الآخرين واجتمعوا في جانب وبدأوا بالتشاور والنجوى فيما بينهم.

 

وفي ذلك الاجتماع الخاص خاطبهم الأخ الأكبر قائلاً: ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ اللّهِ﴾ بأن تردّوا إليه بنيامين سالمًا، فالآن بماذا تجيبونه؟ وقد سوّدنا صفحتنا في المرة السابقة بما عاملنا به أخانا يوسف ﴿وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ﴾ فالآن والحالة هكذا – فإنني لا أغادر أرض مصر وسوف أعتصم فيها ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّىَ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾.

 

ثم أمرهم الأخ الأكبر أن يرجعوا إلى أبيهم ويخبروه بما جرى عليهم ﴿ارْجِعُواْ إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ وهذه شهادة نشهدها بمقدار ما علمنا من الواقعة حيث سمعنا بفقد صواع الملك، ثم عثر عليه عند أخينا وظهر للجميع إنه قد سرقها ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا﴾ ولكن نحن لا نعلم إلا ما شهدناه بأعيننا وهذا غاية معرفتنا ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾.

 

ثم أرادوا أن يزيلوا الشك والريبة عن قلب أبيهم فقالوا يمكنك أن تحقّق وتسأل من المدينة التي كنّا فيها ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ ومن القافلة التي سافرنا معها إلى مصر ورجعنا معها، حيث أن فيها أُناسًا يعرفونك وتعرفهم، وبمقدورك أن تسألهم عن حقيقة الحال وواقعها ﴿وَالْعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ وفي كل الأحوال كن على ثقة بأننا صادقون ولم نقص عليك سوى الحقيقة والواقع ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾(57).

 

يستفاد من مجموع هذه الكلمات والحوار الذي دار بين الأولاد والأب أن قضية سرقة بنيامين كانت قد شاعت في مصر، وأن جميع الناس علموا بأن أحد أفراد العير والقافلة القادمة من كنعان حاول سرقة صواع الملك، لكن موظفي الملك تمكنّوا بيقظتهم من العثور عليها والقبض على سارقها، ولعل قول الأخوة لأبيهم ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ... ﴾ أي اسأل أرض مصر، كناية عن أن القضية شاعت بحيث علم بها حتى أراضي مصر وحيطانها.

 

يعقوب والألطاف الإلهية

وأخيرًا غادروا مصر متجهين إلى كنعان في حين تخلّف أخوهم الكبير والصغير، ووصلوا إلى بيتهم منهوكي القوى وذهبوا لمقابلة أبيهم، وحينما رأى الأب الحزن والألم مستوليًا على وجوههم (خلافًا للسفرة السابقة والتي كانوا فيها في غاية الفرح) علم أنهم يحملون إليه أخبارًا محزنة وخاصّة حينما افتقد بينهم بنيامين وأخاه الأكبر، وحينما أخبروه عن الواقعة بالتفصيل، استولى عليه الغضب وقال مخاطبًا إياهم بنفس العبارة التي خاطبهم بها حينما أرادوا أن يشرحوا له خديعتهم مع يوسف ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا﴾.

 

لكن بعد هذا العتاب المليء بالحزن والأسى رجع يعقوب إلى قرارة نفسه وقال ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أي إنني سوف أمسك بزمام نفسي، ولا أسمح لها بأن تطغى عليّ بل أصبر صبرًا جميلاً على أمل بأن الله سبحانه وتعالى سوف يعيد لي أولادي (يوسف وبنيامين وأخوهم الأكبر) ﴿عَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ فإنه هو العالم بواقع الأمور والخبير بحوادث العالم ما مضى منها وما سوف يأتي، ولا يفعل إلا عن حكمة وتدبير ﴿إِنَّهُ هُوَ العليمُ الْحَكِيمُ﴾(58).

 

ثم بعد هذه المحاورات بين يعقوب وأولاده، استولى عليه الحزن والألم، وحينما رأى مكان بنيامين خاليًا عادت ذكريات ولده العزيز يوسف إلى ذهنه، وتذّكر تلك الأيام الجميلة التي كان يحتضن فيها ولده الجميل ذا الأخلاق الفاضلة والصفات الحسنة والذكاء العالي فيشّم رائحته الطيّبة ويستعيد نشاطه، أما اليوم فلم يبق منه  أثر ولا عن حياته خبر، كما أن خليفته (بنيامين) أيضًا قد ابتلي مثل يوسف بحادث مؤلم وذهب إلى مصير مجهول لا تعرف عاقبته.

 

حينما تذكّر يعقوب هذه الأمور ابتعد عن أولاده واستعبر ليوسف ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾.

 

خجل الأخوة وعمى يعقوب

أمّا الأخوة فإنهم حينما سمعوا باسم يوسف، ظهر على جبينهم عرق الندامة وازداد خجلهم واستولى عليهم الحزن لمصير أخويهم بنيامين ويوسف، واشتدّ حزن يعقوب وبكاؤه على المصائب المتكررّة وفقد أعزّ أولاده ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ لكن يعقوب كان – في جميع الأحوال مسيطرًا على حزنه ويخفّف من آلامه ويكظم غيظه وأن لا يتفوّه بما لا يرضى به الله سبحانه وتعالى ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾.

 

يفهم من القرآن الكريم أن يعقوب لم يكن فاقدًا لبصره، لكن المصائب الأخيرة وشدّة حزنه ودوام بكائه أفقد بصره، وكما أشرنا سابقًَا فإن هذا الحزن والألم والعمى كان خارجًا عن قدرته واختياره، فإذًا لا يتنافى مع الصبر الجميل.

 

أما الأخوة فكانوا متألمين من جميع ما جرى لهم، فمن جهة كان عذاب الوجدان لا يتركهم ممّا أحدثوه ليوسف، - وفي قضية بنيامين – شاهدوا أنفسهم في وضع صعب و امتحان جديد، ومن جهة ثالثة كان يصعب عليهم أن يشاهدوا أباهم يتجرّع غصص المرارة والألم ويواصل بكاؤه الليل بالنهار، وتوجّهوا إلى أبيهم وخاطبوه معاتبين ﴿قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ أي أنك تردّد ذكر يوسف وتتأسف عليه حتى تتمرّض وتشرف على الهلاك وتموت.

 

لكن شيخ كنعان هذا النبي العظيم والمتيّقظ الضمير ردّ عليهم بقوله: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ﴾ لا إليكم أنتم الذين تخونون الوعد وتنكثون العهد لأنني ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾(59) فهو اللطيف الكريم الذي لا أطلب سواه.

 

اليأس علامة الكفر

كان القحط والغلاء وشحّة الطعام يشتدّ يومًا بعد آخر في مصر وما حولها ومنها كنعان، ومرة أخرى  أمر يعقوب أولاده بأن يتوجهوا صوب مصر للحصول على الطعام، لكنه هذه المرة طلب منهم بالدرجة الأولى أن يبحثوا عن يوسف وأخيه بنيامين، حيث قال لهم: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾.

 

لكن بما أن أولاد يعقوب كانوا مطمئنين إلى هلاك يوسف وعدم بقاءه، تعجّبوا من توصية أبيهم وتأكيده على ذلك، لكن يعقوب نهاهم عن اليأس والقنوط ووصّاهم بالاعتماد على الله سبحانه والاتكال عليه بقوله: ﴿وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ﴾ فإنه القادر على حلّ الصعاب و ﴿إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾.

 

وأخيرًا جمع الأخوة متاعهم وتوجهوا صوب مصر، وهذه هي المرة الثالثة التي يدخلون فيها أرض مصر، هذه الأرض التي سبّبت لهم المشاكل وجرّت عليهم الويلات.

 

لكن في هذه السفرة – خلافًا للسفرتين السابقتين – كانوا يشعرون بشيء من الخجل يعذب ضمائرهم فإن سمعتهم عند أهل مصر أو العزيز ملوّثة للوصمة التي لصقت بهم في المرة السابقة، ولعلّهم كانوا يرونهم بمثابة (مجموعة من لصوص كنعان) الذين جاءوا للسرقة.

 

ومن جهة أخرى لم يحملوا معهم هذه المرة من المتاع ما يستحقّ أن يعاوضوه بالطعام والحبوب، إضافة إلى هذه الأمور فإن فقد أخيهم بنيامين والآلام التي ألمّت بأبيهم كانت تزيد من قلقهم وبتعبير آخر فإن السكين قد وصلت إلى العظم، كما يقول المثل إلا أن الذي كان يبعث في نفوسهم الأمل ويعطيهم القدرة على تحمّل الصعاب هو وصيّة أبيهم َ﴿َلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ﴾.

 

وأخيرًا استطاعوا أن يقابلوا يوسف، فخاطبوه – وهم في غاية الشدّة والألم – بقولهم: ﴿فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ أي إن القحط والغلاء والشدّة قد ألمّت بنا وبعائلتنا ولم نحمل معنا من كنعان إلا متاعًا رخيصًا ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ﴾ لا قيمة لها ولكن – في كل الأحوال – نعتمد على ما نبذل لنا من كرمك ونأمل في معروفك ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾ بمنّك الكريم وصدقاتك الوافرة ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ﴾ ولا تطلب منا الأجر، بل اطلبه من الله سبحانه وتعالى حيث ﴿إِنَّ اللّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾(60).

 

والطريف أن إخوة يوسف لم ينفذوا وصيّة أبيهم في البحث عن إخوتهم أوّلاً، بل حاولوا الحصول على الطعام، ولأجل ذلك قابلوا العزيز وطلبوا منه المؤن والحبوب، ولعلّ السبب في ذلك ضعف أملهم في العثور على يوسف، أو لعلّهم أرادوا أن يظهروا أنفسهم أمام العزيز والمصريين وكأنّهم أُناس جاءوا لشراء الطعام والحبوب فقط، فمن ثم يطرحوا مشكلتهم أمام العزيز ويطلبوا منه المساعدة، فعند ذاك يكون وقع الطلب أقوى واحتمال تنفيذه أكثر.

 

قال البعض: إن مقصود الأخوة من قولهم: ﴿َتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ﴾ كان طلب الإفراج عن أخيهم لأنهم لم يطلبوا من العزيز الطعام والحبوب مجّانًا دون عوض حتى يطلبوا منه التصدّق عليهم، فإنهم يدفعون ثمنه.

 

يوسف يقبّل رسالة الأب بعيون مغرورقة بالدموع

إن الإخوة كانوا يحملون معهم رسالة من أبيهم إلى عزيز مصر، حيث مدح يعقوب في تلك الرسالة عزيز مصر وأكبر عدالته وصلاحه وشكره على ما بذله له ولعائلته من الطعام والحبوب، ثم عرّف نفسه والأنبياء من أهل بيته وأخبره برزاياه وما تحملّه من المصائب والمصاعب من فقد أعزّ أولاده وأحبّهم إلى نفسه يوسف وأخيه بنيامين، وما أصابهم من القحط والغلاء، وفي ختام الرسالة طلب من العزيز أن يمّن عليه ويطلق سراح ولده بنيامين، وذكّره أن بنيامين سليل بيت النبوّة والرسالة وأنه لا يتلوث بالسرقة وغيرها من الدناءات والمعاصي.

 

وحينما قدّم الأولاد رسالة أبيهم إلى العزيز شاهدوا أنه فضّ الرسالة باحترام وقبلها ووضعها على عينيه وبدأ يبكي بحيث أن الدموع بلّت ثيابه وهذا ما حيّر الإخوة، وبدأوا يفكرّون بعلاقة العزيز مع أبيهم بحيث جعله يبكي شوقًا وشغفًا حينما فتحها، ولعلّ فعل العزيز أثار عندهم أن يكون يوسف هو العزيز، ولعلّ هذه الرسالة أثارت عواطف العزيز وشعوره بحيث لم يطق صبرًا وعجز أن يخفي نفسه بغطاء السلطة وأجبره على كشف نفسه لإخوته.

 

أءنك لأنت يوسف

وفي تلك اللحظة، وبعد أن مضت أيام الامتحان الصعب وكان قد اشتدت محنة الفراق على يوسف وظهرت عليه آثار الكآبة والهمّ أراد أن يعرّف نفسه لإخوته فابتدرهم بقوله: ﴿هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ﴾.

 

لاحظوا عظمة يوسف وعلوّ نفسه حيث يسألهم أوّلاً عن ذنبهم لكن بهذه الكناية اللطيفة يقول: ﴿مَّا فَعَلْتُم﴾ وثانيًا يبين لهم طريقة الاعتذار وأن ما ارتكبوه في حق إخوتهم إنما صدر عن جهلهم وغرورهم، وأنه قد مضى أيام الصبى والطفولة وهم الآن في دور الكمال والعقل!

 

كما أنه يفهم من هذا الكلام أن يوسف لم يكن وحده الذي ابتلى بإخوته ومعاملتهم السيّئة، بل إن بنيامين أيضًا كان يقاسي منهم ألوان العذاب، ولعلّه قد شرح لأخيه يوسف في الفترة التي قضاها في مصر، جانبًا مما عاناه تحت أيديهم.

 

إن يوسف حينما استفسر عمّا فعلوه معه ومع أخيه ختم استفساره بابتسامة عريضة ليدفع عن أذهانهم احتمال أنه سوف ينتقم منهم فظهرت لإخوته أسنانه الجميلة ولاحظوا وتذكرّوا الشبه بينه وبين أسنان أخيهم يوسف.

 

أمّا هم، فإنهم لاحظوا هذه الأمور مجتمعة، وشاهدوا أن العزيز يتحدّث معهم ويستفسرهم عمّا فعلوه بيوسف، تلك الأعمال لم يكن يعلم بها أحد غيرهم إلا يوسف.

 

ومن جهة أخرى أدهشهم يوسف وما أصابه من الوجد والهياج حينما استلم كتاب يعقوب، وأحسّوا بعلاقة وثيقة بينه وبين صاحب الرسالة.

 

وثالثًا كلما أمعنوا النظر في وجه العزيز ودقّقوا في ملامحه، لاحظوا الشبه الكبير بينه وبين أخيهم يوسف.. لكنّهم في نفس الوقت لم يدر بخلدهم ولم يتصوروا أنه يمكن أن يكون أخوهم يوسف قد ارتقى منصب الوزارة وصار عزيزًا لمصر، أين يوسف وأين الوزارة والعزّة؟! لكنهم تجّرأوا وسألوه مستفسرين منه ﴿قَالُواْ أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ﴾(61).

 

دموع الفرح

كانت هذه الدقائق أصعب اللحظات على الإخوة، حيث لم يكونا يعرفون محتوى إجابة العزيز، وأنه هل يرفع الستار ويظهر لهم حقيقته، أم أنه سوف يعتقد بأنهم مجانين حيث ظنّوا هذا الظنّ.

 

كانت اللحظات تمرّ بسرعة والانتظار طويل يثقل على قلوبهم فيزيد في قلقهم، لكن يوسف لم يدع إخوته يطول بهم الانتظار ورفع الحجاب بينه وبينهم وأظهر لهم حقيقة نفسه و ﴿قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي﴾ لكن لكي يشكر الله سبحانه وتعالى على ما أنعمه من جميع هذه المواهب والنعمن ولكي يعلّم إخوته درسًا آخر من دروس المعرفة قال: إنه ﴿قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.

 

لا يعرف أحد كيف مرّت هذه اللحظات الحسّاسة على الإخوة كما لا يعرف أحد مدى انفعالهم وما خامرهم من السرور والفرح وكيف تعانقوا واحتضنوا أخاهم والدموع الغزيرة التي ذرفوها وذلك حينما التقوا بأخيهم وبعد عشرات السنين من الفراق، لكنهم في كل الأحوال كانوا لا يطيقون النظر إلى وجه أخيهم يوسف لعلمهم بالذنب والجريمة التي اقترفوها في حقّه، فترقبّوا إجابة يوسف وإنه هل يغفر لهم إساءتهم إليه ويعفو عن جريمتهم أم لا؟ فابتدءوا مستفسرين بقولهم: ﴿قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا﴾ أي أن الله سبحانه وتعالى قد فضلّك علينا بالعلم والحلم والحكومة ﴿وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾(62).

 

اليوم يوم الرحمة

يوسف الذي كانت نفسه تأبى أن يرى إخوته في حال الخجل والندامة – خاصّة في هذه اللحظات الحسّاسة وبعد انتصاره عليهم – أو لعلّه أراد أن يدفع عن أذهانهم ما قد يتبادر إليها من احتمال أن ينتقم منهم، فخاطبهم بقوله: ﴿قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ أي أن العتاب والعقاب مرفوع عنكم اليوم، اطمئنوا وكونوا مرتاحي الضمير ولا تجعلوا للآلام والمصائب السابقة منفذًا إلى نفوسكم، ثم لكي يبيّن لهم أنه ليس حده الذي أسقط حقّه وعفا عنه، بل إن الله سبحانه وتعالى أيضًا عفا عنهم حينما أظهروا الندامة والخجل قال لهم: ﴿يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ أي أن الله سبحانه وتعالى قد قبل توبتكم وعفا عنكم لأنه أرحم الراحمين.وهذا دليل على على علوّ قدر يوسف وغاية فضله حيث إنه لم يعف عن سيئات إخوته فحسب، بل رفض حتى أن يوبّخ ويعاتب إخوته – فضلاً عن أن يجازيهم ويعاقبهم – إضافة إلى هذا فإنه طمأنهم على أن الله سبحانه وتعالى رحيم غفور وأنه تعالى سوف يعفو عن سيئاتهم، واستدل لهم على ذلك بأن الله سبحانه وتعالى هو أرحم الراحمين.

 

وهنا تذكّر الإخوة مصيبة أخرى قد ألمّت بعائلتهم والشاهد الحي على ما اقترفوه في حقّ أخيهم ألا وهو أبوهم حيث فقد الشيخ الكبير بصره حزنًا وفراقًا على يوسف، أمّا يوسف فإنه قد وجد لهذه المشكلة حلاًًّ حيث خاطبهم بقوله: ﴿اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾(63).

 

من الذي حمل قميص يوسف؟

إن يوسف قال: إن الذي يحمل قميصي المشافي إلى أبي هو نفسه الذي حمل قميصي الملطّخ بالدماء إليه، لكي يدخل السرور على قلبه بعد أن ملأ قلبه حزنًا وألمًا من قبل! فأعطى لـ (يهودا) قميصه بعد أن اعترف إنه هو الذي حمل قميصه الملطّخ بالدماء إلى أبيه وأخبره بأن الذئب قد أكل يوسف وهذا التصرّف من يوسف إن لم يدل على شيء فإنه يدل على أنه برغم أعماله الكثيرة ومتاعبه اليومية، فإنه لم يغفل عن صغائر الأمور المتعلّقة بالسلوك الأخلاقي.

 

يوسف وجلالة شأنه

إن إخوة يوسف – بعد هذه القضايا – كانوا يحسّون بالخجل الشديد فأرسلوا إليه من يقول له: يا يوسف إنك تستضيفنا كل يوم صباحًا ومساءً – على مائدتك فنأكل من زادك وهذا ما يزيد في خجلنا حيث لا نطيق النظر إلى وجهك بعد أن نتذّكر إساءتنا إليك، فأجابهم بكلمة لطيفة ليبعد عنهم الخجل بأن الفضل يعود إليهم، وأن جلوسهم على مائدته لهو مكرمة منهم وأن الشعب المصري كانوا ينظرون إليّ نظرة الحرّ على العبد ويقولون فيما بينهم (سبحان من بلغ عبدًا بيع بعشرين درهمًا ما بلغ!!) أي انظروا إلى فعل الله سبحانه وتعالى بهذا العبد فإنه قد بيع في السوق بعشرين درهمًا وهو الآن وصل إلى هذه المرتبة السامية، لكنهم الآن ينظرون إلى مائدتي وأنت جلوس حولها، فيعرفون قدري وتثبت لهم منزلتي وإنني لست بعبد ذليل بيع بعشرين درهمًا، وإنما سليل بيت النبّوة والرسالة ومن أولاد نبي الله إبراهيم الخليل، وهذا ما أباهي وأفتخر به أمام الآخرين.

 

وأخيرًا شملتهم رعاية الله ولطفه

أمّا أولاد يعقوب فإنهم بعد أن واجهوا يوسف وجرى لهم ما جرى حملوا معهم قميص يوسف فرحين ومستشرين وتوجّهوا مع القوافل القادمة من مصر، وفيما كان الإخوة يقضون أسعد لحظات حياتهم، كان هناك بيت في بلاد الشام وأرض كنعان ألا وهو بيت يعقوب الطاعن في السن حيث كان يقضي هو وعائلته أحرج اللحظات وأشدّها حزنًا وبؤسًا.

 

لكن – مقارنًا مع حركة القافلة – حدث في بيت يعقوب حادث غريب بحيث أذهل الجميع وصار مثارًا للعجب والحيرة، حيث نشط وتحرّك من مكانه وتحدّث كالمطمئن والواثق بكلامه قال: لو لم تتحدثوا عنّي بسوء ولم تنسبوا إليّ كلامي إلى السفاهة والجهل والكذب لقلت لكم: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ فإني أحس بأن أيام المحنة والآلام سوف تنصرم في القريب العاجل، وأنه قد حان وقت النصر واللقاء مع الحبيب، وأرى أن آل يعقوب قد نزعوا ثوب العزاء والمصيبة ولبسوا لباس الفرح والسرور – لكن لا تصدقون كلامي ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ﴾.

 

أمّا الذين كانوا مع يعقوب وهم عادةً أحفاده وأزواج أولاده وغيرهم من الأهل والعشيرة فقد استولى عليهم العجب وخاطبوه بوقاحة مستنكرين: ﴿قَالُواْ تَاللّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ﴾(64) أليس هذا برهانًا واضحًا على ضلالك حيث مضت سنين طويلة على موت يوسف لكنك لا زلت تزعم أنه حي، وأخيرًا تقول: إنك تشم رائحته من مصر؟! أين مصر وأين الشام وكنعان؟! وهذا دليل على بعدك عن عالم الواقع وانغماسك في الأوهام والخيالات لكنك قد ضللت منذ مدّة طويلة، ألم تقل لأولادك قبل فترة اذهبوا إلى مصر وتحسّسوا عن أحوال يوسف!

 

يظهر من هنا أن المقصود بـ (الضلال) ليس الانحراف في العقيدة، بل الانحراف في تشخيص حقيقة حال يوسف والقضايا المتعلّقة به، لكن يستفاد من هذه التعابير أنهم كانوا يتعاملون مع هذا النبي الكريم والشيخ المتيّقظ الضمير بخشونة وقساوة بالغين بحيث كانوا يقولون له مرّة: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ وهنا قالوا له: ﴿إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ﴾ لكنهم كانوا غافلين عن الحقيقة التي كان يحلّى بها يعقوب وعن صفاء قلبه، ويتصّورون أن قلب يعقوب كقلوبهم القاسية المظلمة وأنه لا يطلّع على حقائق الأمور ماضيها ومستقبلها.

 

وتصل قافلة كنعان

وتمضي الليالي والأيام ويعقوب في حال الانتظار... الانتظار القاسي الذي يستبطن السرور والفرح والهدوء والاطمئنان، إلا أن المحيطين به كانوا مشغولين عن هذه الأمور لاعتقادهم بأن قضية يوسف مختومة وإلى الأبد.

 

وبعد عدة أيام من الانتظار – والتي لا يعلم إلا الله كيف قضاها يعقوب – ارتفع صوت المنادي معلنًا عن وصول قافلة كنعان من مصر، لكن في هذه المرّة – وخلافًا للمرّات السابقة – دخل أولاد يعقوب إلى المدينة فرحين مستبشرين، وتوجّهوا مسرعين إلى بيت أبيهم، وقد سبقهم (البشير) الذي بشّر يعقوب بحياة يوسف وألقى قميص يوسف على وجهه.

 

أمّا يعقوب الذي أضعفت المصائب بصره ولم يكن قادرًا على رؤية القميص فبمجّرد أن أحس بالرائحة المنبعثة من القميص شعر في تلك اللحظة الذهبية بأن نورًا قد شعّ في جميع ذرّات وجوده وأن السماء والأرض مسروران ونسيم الرحمة يدغدغ فؤاده ويزيل عنه الحزن والألم، شاهد الجدران وكأنها تضحك معه، وأحسّ يعقوب بتغيّر حالته، وفجأة رأى النور في عينيه وأحسّ بأنهما قد فتحتا ومرّة أخرى رأى جمال العالم، والقرآن الكريم يصف لنا هذه الحالة بقوله: ﴿فَلَمَّا أَن جَاء الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾.

 

هذه الحالة التي حصلت ليعقوب أسالت دموع الفرح من عيون الإخوة والأهل، وعند ذاك خاطبهم بقوله: ﴿أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾.

 

هذه المعجزة الغريبة، جعلت الأولاد يعودون إلى أنفسهم ويتساءلون عنها ويكرون في ماضيهم الأسود المليء بالأخطاء والذنوب، وما اعتورهم من الحسد والغيرة من الصفات الرذيلة والبعيدة عن الإنسانية، لكن ما أجمل التوبة والعودة إلى طريق الصواب حينما ينكشف للإنسان خطأ المسيرة التي سار فيها.. وما أحلى تلك اللحظات التي يحاول المذنب أن يطلب العفو ممن جنى عليه، ليطّهر به نفسه ويبعدها عن جادّة الخطأ والانحراف، وهذا ما قام به الإخوة حيث وقعوا نادمين على يد أبيهم يقبلونها ويطلبون منه العفو والاستغفار ﴿قَالُواْ يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾.

 

أمّا يعقوب هذا الرجل العظيم الذي كانت روحه أوسع من المحيطات، فقد أجابهم دون أن يلومهم على تلك الأفعال التي اقترفوها في حقّه وحقّ أخيهم.. أجابهم بقوله: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ﴾ وأملي معقود بأن يغفر الله سبحانه وتعالى ذنوبكم ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾(65) (66).

 

ما أحلى أجمل لحظات الوصال

مع وصول القافلة التي تحمل أعظم بشارة من مصر إلى كنعان، وعودة البصر إلى يعقوب، ارتفعت أهايج في كنعان، فالبيت الذي لم يخلع أهله عنهم ثياب الحزن والأسى لسنين عديدة، أصبح غارقًا في السرور والحبور، فلم يكتموا رضاهم عن هذه النعم الإلهية أبدًا.

 

والآن ينبغي على أهل هذا البيت – وفقًا لوصية يوسف – أن يتحرّكوا ويتوجّهوا نحو مصرن وتهيّأت مقدمات السفر من جميع النواحي، وركب يعقوب راحلته وشفتاه رطبتان بذكر الله وتمجيده، وقد منحه عشق يوسف قوّةً وعزمًا إلى درجة وكأنه عاد شابًا من جديد.

 

وهذا السفر على خلاف الأسفار السابقة – التي كانت مقرونة لدى إخوة يوسف بالقلق والحزن – كان خاليًا من أية شائبة من شوائب الهم والغم. وحتى لو كان السفر بنفسه متعبًا، فهذا التعب لم يكن شيئًا ذا بال قِبال ما يهدفون إليه في مسيرهم هذا.

 

كانوا يطوون الليالي والأيام ببطء، لأن الشوق كان يحيل كل دقيقة إلى يوم أو سنة، ولكن انتهى كل شيء ولاحت معالم مصر وأبنيتها من بعيد بمزارعها الخُضر وأشجارها الباسقة السامقة وعماراتها الجميلة.

 

إلا أن القرآن الكريم –كعادته دائمًا – حذف هذه المقدّمات التي يمكن أن تدرك بأدنى تفكّر وتأمّل، فقال في هذا الشأن: ﴿فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾.

 

وأخيرًا تحقّقت أحلى سويعات الحياة ليعقوب، وفي هذا اللقاء والوصال الذي تمّ بين يعقوب ويوسف بعد سنين من الفراقن مرّت على يعقوب ويوسف لحظات لا يعلم إلا الله عواطفها في تلك اللحظات الحلوة، وأية دموع انسكبت من عينيهما من الفرح.

 

تعبير رؤيا يوسف

وعندها التفت يوسف إلى إخوته وأبويه و ﴿َقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ﴾ لأن مصر أصبحت تحت حكم يوسف في أمن وأمان واطمئنان.

 

ويُستشف من هذه الجملة أن يوسف كان قد خرج إلى بوابة المدينة لاستقبال والديه وإخوتهن ولعل التعبير بـ ﴿دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ﴾ يحتمل أن يكون يوسف قد أمر أن تنصب الخيام هناك (خارج المدينة) وأن تُهيأ مقدّمات الاستقبال لأبويه وإخوته.

 

فلمّا دخلوا القصر أكرمهم يوسف (ع) ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾.

 

وكانت هذه العظمة من النعم الإلهية واللطف والموهبة التي منّ الله بها على يوسف قد أدهشت إخوة يوسف وأبويه فذهلوا جميعًا ﴿وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا﴾.

 

وعندها التفت يوسف إلى أبيه ﴿وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ﴾.

 

ألم يكن أني رأيت أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين؟!

 

فانظر يا أبت كما كنت تتوقّع من عاقبة أمري ﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾.. ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾.

 

الطريف هنا أن يوسف تكلّم عن سجنه في مصر بين جميع مشاكله ولم يتكلم على الجبّ مراعاة لإخوته.

 

ثم أضاف يوسف قائلاً: ﴿وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾.

 

ومرة أخرى يظهر هنا يوسف مثلاً آخر من سعة صدره وعظمته، ودون أن يقول: من هو المقصّر، وإنما يقول بصورة مجملة أن الشيطان تدّخل فنزغ بيني وبين إخوتي، فهو لا يريد أن يتشكّى من أخطاء إخوته السالفة.

 

والتعبير عن أرض كنعان بالبدو تعبير طريف وكاشف عن مدى الاختلاف بين تمدّن مصر وتخلّف كنعان (حضاريًا).

 

وأخيرًا يقول يوسف: إن جميع هذه المواهب هي من قِبَل الله، ولِمَ لا تكون كذلك فـ ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء﴾.

 

فيتولّى أمور عباده بالتيسير والتدبير.. وهو يعلم من المحتاج ومن هو الجدير بالاستجابة ﴿إِنَّهُ هُوَ اْلعَليمُ الْحَكِيمُ﴾.

 

ثم يلتفت يوسف نحو مالك الملك الحقيقي وولي النعمة الدائمة فيقول شاكرًا راجيًا: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ﴾.(67)

 

وهذا العلم البسيط بحسب الظاهر (تأويل الأحاديث) كم كان له من أثر عظيم في تغيير حياتي وحياة جماعة آخرين من عبادك، وما أعظم بركة العلم!

 

فأنت يا رب: ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾.

 

ولذلك فقد خضعت واستسلمت قبال قدرتك جميع الأشياء.

 

ربّاه ﴿أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾(68).

 

عدم ذكر القصة للأب

قال يعقوب ليوسف: يا بُني حدّثني كيف صنع بك إخوتك؟!

 

قال: يا أبت دعني.

 

فقال: أقسمت عليك إلا أخبرتني!

 

فقال له: أخذوني وأقعدوني على رأس الجب، ثم قالوا لي: انزع قميصك، فقلت لهم إني أسألكم بوجه أبي يعقوب أن لا تنزعوا قميصي ولا تبدوا عورتي، فرفع فلان السكّين عليّ، وقال: انزل.

 

فصاح يعقوب فسقط مغشيًّا عليه ثمّ أفاق، فقال له: يا بني كيف صنعوا بك؟!

 

فقال يوسف: إنّي أسألك بإله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلاّ أعفيتني فتركه.

 

وهذا الأمر يدل على أن يوسف لم يرغب بأي وجه أبدًا أن يعيد في ذهنه أو ذهن أبيه الماضي المرير، بالرغم من أن رغبة يعقوب في التقصّي عن الأمر لم تدعه يستقرّ.

 

وقال البعض الآخر: كان ذلك للرؤيا التي رآها يعقوب من قبل وهي أن ذئابًا هجمت على ولده يوسف.

 

وهناك احتمال آخر هو أن يعقوب أجابهم بلسان الكناية، والمقصود من الذئاب في كلامه الأناس المتصفون بصفة الذئب إخوة يوسف.

 

ولكن هذا الأمر مألوف فإن السُراق أو أولئك الذين تأتيهم بضاعة مهمّة دون أي تعب ونصب يبيعونها سريعًا لئلا يطلع الآخرون.

 

ومن الطبيعي أنهم لا يستطيعون بهذه الفورية أن يبيعوه بسعر غالٍ.

 

من عجائب القرآن وواحدة من أدّلة الإعجاز، أنه لا يوجد في تعبيره ركّة وابتذال وعدم العفّة وما إلى ذلك كما أنه لا يتناسب مع أسلوب الفرد العادي الأُمي الذي تربى في محيط الجاهلية، مع أن حديث كل أحد يتناسب مع محيطه وأفكاره!.

 

وبين جميع قصص القرآن وأحداثه التي ينقلها توجد قصة غرام وعشق واقعية، وهي قصة (يوسف وامرأة عزيز مصر).

 

قصة تتحدث عن عشق امرأة جميلة والهة ذات أهواء جامحة لشاب جميل طاهر القلب.

 

أصحاب المقالات والكتاب حين يواجهون مثل هذا الأمر.. إمّا أن يتحدثوا عن أبطال القصة بأن يطلقوا للقلم أو اللسان العنان، حتى تظهر في (البين) تعابير مثيرة وغير أخلاقية كثيرة.

 

وإمّا أن يحافظوا على العفّة والنزاهة في القلم واللسان، فيحولّوا القصة إلى القراء أو السامعين بشكل غامض ومبهم.

 

فالكاتب أو صاحب المقال مهما كان ماهرًا يبتلي واحدًا من هذين الإشكالين، ترى هل يعقل أن فردًا لم يدرس يرسم رسمًا دقيقًا وكاملاً للفصول مثل هذا العشق المثير، دون أن يستعمل أقل تعبير مهيِّج وبعيد عن العفّة؟!

 

ولكن القرآن يمزج في رسم هذه الميادين الحسّاسة من هذه القصة – بأسلوب معجب – الدّقة في البيان مع المتانة والعفة دون أن يغض الطرف عن ذكر الوقائع، أو أن يظهر العجز، وقد استعمل جميع الأصول الأخلاقية والأمور الخاصّة بالعفّة.

 

ونعرف أن أخطر ما جرى في القصة ما جرى في (خلوة العشق) وما أظهرته امرأة العزيز بابتكارها وهواها.

 

والقرآن يتناول كل ما جرى من حوادث ويتحدّث عنها دون أن يظهر أقل انحراف من أصول العفّة.

 

وبديهي أن مثل هذا التوسّل للنجاة من السجن ومن سائر المشاكل، ليس أمرًا غريبًا بالنسبة للأفراد العاديين، وهو من قبيل التوسّل بالأسباب الطبيعية، ولكن بالنسبة للأفراد الذين هم قدوة وفي مكانة عالية من الإيمان والتوحيد، لا يمكن أن يخلو من إيراد، ولعلّ هذا كان سببًا في بقاء يوسف في السجن بضع سنين، إذ لم يرض الله سبحانه ليوسف (ترك الأولى)!.

 

وبرغم أن الآية رقم (88) تقول: إن إخوة يوسف حينما دخلوا عليه نادوه باسم ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ﴾ وهذا دليل على أنه استقل بمنصب عزيز مصر، ولكن نقول: لا مانع من أن يكون يوسف قد ارتقى سلّم المناصب تدريجًا حيث كان في أول الأمر مشرفًا على الخزائن، ثم جُعل الوزير الأول، وأخيرًا صار ملكًا على مصر.

 

إن أول ما يتبادر إلى الذهن هو أنه لماذا لم يعرّف يوسف نفسه لإخوته، حتى يقفوا على حقيقة حاله ويرجعوا إلى أبيهم ويخبرونه عن مصير يوسف، وبذلك تنتهي آلامه لأجل فراق يوسف؟

 

ويمكن طرح هذا السؤال على شكل أوسع وبصورة أخرى، وهو أنه حينما التقى يوسف بإخوته في مصر كان قد مر ثمان سنوات على تحريره من السجن، حيث كان في السنة الأولى من سنوات القحط والجدب، التي أعقبت سبع سنوات من الوفرة والرخاء، وقام بخزن المنتوجات الزراعية – وفي السنة الثامنة أو بعدها – جاء أخوة يوسف إلى مصر لشراء الحبوب، فلماذا لم يحاول يوسف خلال هذه السنوات الثمان أن يبعث إلى كنعان من يخبر أباه بواقع حاله ويخرجه عن آلامه وينهي مرارته الطويلة؟

 

حاول جمع الأجوبة على هذا السؤال، وذكروا له عدّة أجوبة، ولعلّ أحسنها وأقربها هو أن يوسف لم يكن مجازًا من قبل الله سبحانه وتعالى في إخبار أبيه، لأن قصة يوسف مع غض النظر عن خصائصه الذاتية كان ساحة لاختبار يعقوب وحقلاً لامتحانه، فلا بد من أن يؤدي يعقوب امتحانه ويجتاز فترة الاختبار قبل أن يسمح ليوسف بإخباره، وإضافة إلى هذا فإن إسراع يوسف في إخبار إخوته قد يؤدي إلى عواقب غير محمودة، مثلاً قد يستولي عليهم الخوف والهلع من انتقام يوسف منهم لما ارتكبوه سابقًا في حقه فلا يرجعوا إليه.

 

لكن تظهر الإجابة على هذا السؤال إذا لاحظنا أنه قد مضى ثلاثون إلى أربعون سنة على حادثة يوسف، وقد صار أخوة يوسف الشبّان كهولاً، ومن الطبيعي أنهم نضجوا أكثر من السابق، كما وقفوا على الآثار السلبية لما فعلوه مع يوسف، سواء في داخل أُسرتهم أم في وجدانهم، حيث أثبتت لهم تجارب السنين السالفة أن فقد يوسف كان لا يزيد حب أبيهم لهم، بل ازداد نفوره منهم وخلق لهم مشاكل جديدة.

 

إضافة إلى هذه الأمور فإن يعقوب لم يواجه طلبًا للخروج إلى التّنزه والصيد، بل كان يواجه مشكلة مستعصية مستفحلة، وهي إعداد الطعام لعائلة كبيرة وفي سنوات القحط والمجاعة.

 

فمجموع هذه الأمور أجبرت يعقوب على الرضوخ لطلب أولاده والموافقة على سفر بنيامين ولكنه أخذ منهم العهود والمواثيق على أن يرجعوه سالمًا.

 

1- لماذا اتهم يوسف أخاه؟

هل يجوز شرعًا أن يتهم الإنسان بريئًا لم يرتكب ذنبًا، ولم تقتصر آثار هذه التهمة على البريء وحده، بل تشمل الآخرين من قريب أو بعيد؟ كما هو الحال في يوسف حيث شمل اتهامه الأخوة وسبّب لهم مشاكل عديدة.

 

يمكن معرفة الجواب بعد وقوفنا على أن توجيه هذه التهمّة لبنيامين كان باتفاق مسبق بينه وبين يوسف، وكان عارفًا بأن هدف الخطة وتوجيه التهمة إليه لأجل بقائه عند يوسف، أما بالنسبة للآثار السلبية المترتبة على الأخوة فإن اتهام بنيامين بالسرقة لم يكن في الواقع اتهامًا مباشرًا لأخوته وإن سبّب لهم بعض التشويش والقلق ولا مانع من ذلك بالنظر إلى امتحان مهم.

 

2- لماذا اتهام الجميع بالسرقة؟

مرّ علينا في الآية الشريفة قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ وهذه في الواقع تهمة موجّهة إلى الجميع وهي تهمة كاذبة، فما المسوِّغ والمجوِّز الشرعي لهذا الاتهام الباطل؟

 

يمكن الإجابة على هذا السؤال في عدّة نقاط وهي:

أولاً: إن قائل هذه الجملة غير معلوم، حيث ورد في القرآن إنه (قالوا...) ولعلّ القائلين هم بعض الموظفين من عمّال يوسف والمسئولين عن حماية خزائن الحبوب، فهم حينما افتقدوا صواع الملك، اطّمأنوا بأن السارق هو أحد أفراد القافلة القادمة من كنعان، فوجّهوا الخطاب إليهم جميعًا، وهذا من الأمور الطبيعية، فحينما يقوم شخص مجهول في ضمن مجموعة معينة بعمل ما، فإن الخطاب يُوجه إليهم جميًا ويقال لهم: أنكم فعلتم هذا العمل، والمقصود إن أحد هذا المجموعة أو بعضها قد فعل كذا.

 

ثانيًا: الطرف الذي وجّهت إليه التهمة وهو بنيامين، كان موافقًا على توجيه هذه التهمة له، لأن التهمة كانت مقدمة للخطة المرسومة والتي كانت تنتهي ببقائه عند أخيه يوسف، وأما شمول الاتّهام لجميع الأخوة ودخولهم جميعًا في دائرة الظن بالسرقة، فإن كل ذلك كان اتّهامًا مؤقتًا حيث زالت بمجرّد التفتيش والعثور على الصواع وظهر المذنب الواقعي.

 

1- كيف أحسّ يعقوب برائحة يوسف؟

هذا سؤال أثاره الكثير، واعتبروه معجزة خارقة للعادة من قبل يعقوب أو يوسف. إلا أنه – مع الأخذ بنظر الاعتبار سكوت القرآن عن هذا الأمر – ولم يتناوله على أنه أمر إعجازي أو غير إعجازي فمن الهيّن أن نجد له توجيهًا علميًّا أيضًا. إذ إن حقيقة (التليبائي) أو انتقال الفكر من النقاط أو الأماكن البعيدة تُعدّ مسألة علميّة قطّعيّة مسلّمًا بها... وإنها تحدث عند من تكون لديهم علاقة قريبة تربط ببعضهم بعض، أو تكون لديهم قدرة روحية عالية.

 

ولعلّ كثيرًا منّا يواجه مثل هذه المسألة في حياتنا اليوميّة، وذلك أن يشعر شخص (من أب أو أم، أو أخ) مثلاً بالكآبة وانقباض النفس دون سبب، ثم لا يمضي وقت – أو فتة – حتى يبلغه خبر بأن أخاه أو ولده قد حدث له حادث ما في نقطة بعيدة غنه.

 

فالعلماء يوجّهون هذا الإحساس على أنه جرى عن طريق انتقال الفكر.

 

ومما ورد في قصّة يعقوب لعلّه من هذا القبيل أيضًا، فعلاقته الشديدة بيوسف وعظمة روحه، كل ذلك كان سببًا لأن يشعر بالحالة الحاصلة للأخوة نتيجة حمل قميص يوسف من مسافة بعيدة. ومن الممكن أن يتعلّق هذا الأمر بمسألة سعة دائرة علم الأنبياء أيضًا.

 

وقد وردت إشارة طريفة – في بعض الروايات – إلى مسألة انتقال الفكر، وهي أن بعضهم سأل الإمام أبا جعفر الباقر (ع) فقال: جُعلت فداك، رُبما حزنت من دون مصيبة تصيبني أو أمر ينزل بي، حتى يعرف ذلك أهلي في وجهي وصديقي.

 

فقال (ع): (نعم يا جابر، إن الله خلق المؤمنين من طينة الجنان وأجرى فيهم من ريح روحه، فلذلك المؤمن أخو المؤمن لأبيه وأمه، فإذا أصاب روحًا من تلك الأرواح في بلد من البلدان حُزنٌ حزنت هذه لأنها منها).

 

ويستفاد من بعض الروايات أيضًا أن هذا القميص لم يكن قميصًا مألوفًا، بل كان ثوبًا من ثياب الجنّة، وقد خلّفه إبراهيم الخليل (ع) في آل يعقوب وأسرته ليكون ذكرى له، وأن رجلاً كيعقوب (ع) الذي كانت له شامّة من (الجنّة) أحسّ برائحة هذا الثوب الذي هو من ثياب الجنّة من بعيد.

 

2- السؤال المعروف الآخر هنا هو ما أثاره بعضهم في شأن يعقوب وهو:

كيف يمكن أن يكون هذا النبي العظيم قد أحسّ بريح قميص يوسف من مسافة قدّرها بعضهم بثمانين فرسخًا وقال بعضهم: من مسافة عشرة أيام، مع أنه لم يطلِّع على الحوادث القريبة منه التي مرّت على يوسف عندما أُلقي في الجب في أرض كنعان؟ والجواب على هذا السؤال يسير لا غبار عليه، لأن علمهم بالأمور الغيبيّة يستند إلى علم الله وإرادته، وما يشاء الله لهم من العلم (أو عدمه) حتى ولو كان ذلك في أقرب نقطة من نقاط العالم.

 

فيمكن تشبيههم من هذا الوجه بالقافلة التي تسير في ليل مظلم في صحراء تغشيها الغيوم وبينما على هذه الحالة وإذا السماء تومض بالبرق اللامع فتضيء الصحراء إلى منتهى أطرافها، فترى القافلة بأمّ أعينها كل شيء أمامها، إلا أن البرق ينطفئ ثانيةً ويستوعب الظلام كل مكان فلا يرى أحد شيئًا.

 

ولعلّ الحديث الوارد عن الإمام الصادق (ع) في شأن علم الإمام (ع) إشارة إلى هذا المعنى، إذ جاء عنه (ع) أنه قال: (جعل الله بينه وبين الإمام عمودًا من نور، ينظر الله به إلى الإمام، وينظر الإمام به إليه، فإذا أراد علم شيء نظر في ذلك النور فعرفه).

 

ومع الالتفات إلى هذه الحقيقة فلا مجال للتعجب بأن تقتضي مشيئة الله سبحانه – لابتلاء يعقوب وتمحيصه أن لا يعرف يومًا شيئًا عن الحوادث في كنعان وهي تجري قريبًا منه، وأن يحسّ برائحة قميص ولده يوسف وهو في مصر في يوم آخر عندما قُدِّر له أن تنتهي محنته وبلواه.

 

3- كيف رُدَّ على يعقوب بصره؟!

احتمل البعض أن يعقوب (ع) لم يفقد بصره بصورة كليّة، وإنما ضعف بصره، وعند حصول مقدمات الوصال تبدّل تبدلاًّ بحيث عاد ذلك البصر إلى حالته الطبيعية الأولى إلا أن ظاهر آيات القرآن يدل على أنه فقد بصره تمامًا وابيضّت عيناه من الحزن، وعلى ذلك فإن بصره عاد إليه عن طريق الإعجاز حيث يقول القرآن الكريم: ﴿فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾.

 

1- يوسف، 3

2- يوسف، 4-6

3- (العصبة) معناها الجماعة المتفقون على الأمر، وهذه الكلمة معناها الجمع إلا لا مفرد لها من جنسها.

4- يوسف، 7-9

5- يوسف 9-10

6- يوسف 11-12

7- يوسف 13-14

8- ويبرز هنا سؤال مهم ... وهو لماذا أشار يعقوب إلى خطر الذئب من دون الأخطار الأخرى؟! قال البعض: إن صحراء كنعان – كانت – (صحراء مذئبة) ومن هنا كان الخوف من الذئب أكثر من غيره.

9- يوسف15

10- وهذا الوحي الإلهي لم يكن وحي النبوة، بقرينة الآية (22) من السورة ذاتها، بل كان إلهامًا لقلب يوسف ليعلم أنه ليس وحيدًا، بل له حافظ ورقيب، وهذا الوحي بثّ في قلب يوسف نور الأمل وأزال عن روحه ظلمات اليأس والحيرة.

11- يوسف، 16-18

12- يوسف، 18

13- يوسف، 19

14- يوسف، 20

15- هنا يبرز هذا السؤال وهم:لِمَ باعوا يوسف الذي كان يعدّ – على الأقل – غلامًا ذا قيمة بثمن قليل، أو كما عبّر عنه القرآن ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾...؟

16- يوسف، 21

17- يوسف، 22

18- يوسف، 23

19- يوسف، 23

20- أما الروايات التي لا سند لها والتي ينقلها البعض، والتي مؤداها أن يوسف صمّم على الذنب، ولكن لاحظ فجأة حالة من المكاشفة بين جبرئيل ويعقوب وهو يعض على أصبعه، فرأى يوسف هذا المنظر وتخلّف عن إقدامه على هذا الذنب... فهذه الروايات ليس لها أي سند معتبر.. وهي روايات إسرائيلية أنتجتها الذهنيات البشرية الضيّقة التي لم تدرك مقام النبوّة أبدًا.

21- يوسف، 24

22- العفّة والمتانة في البيان.

23- يوسف، 25-26

24- يوسف، 27-29

25- نقل عن الإمام الصادق أن شاهد يوسف كان طفلاً في المهد ولكن ينبغي الالتفات إلى أن أيًّا من الحديثين المتقدّمين ليس له سند قوي.

26- يوسف، 30

27- يوسف، 31

28- وهناك أقوال في أن النسوة إلى أي حد قطّعن أيديهن؟ فمنهم من بالغ في الأمر، ولكن كما يستفاد من القرآن على نحو الإجمال إنهنّ جرحن أيديهنّ.

29- يوسف، 32

30- يوسف، 33-34

31- يوسف، 35

32- يوسف، 36

33- يوسف، 37-38

34- يوسف، 41

35- يوسف، 42

36- ما من شك أن يوسف توسّل بالغير في سبيل نجاة نفسه!

37- يوسف، 43

38- يوسف، 45-49

39- يوسف، 50-51

40- بناءً على أن الجملة المتقدمّة لامرأة العزيز كما يقتضيه ظاهر العبارة.

41- يوسف، 51-53

42- وهذا ما يستفاد من ظاهر الآية الكريمة.

43- إلا أن الآيتين (100) و (101) واللتين تدلان على أنه أخيرًا استقلّ بأمور مصر – بدل الملك وصار هو ملكًا على مصر.

44- يوسف، 54-56

45- يوسف، 58

46- يوسف، 59-62

47- لماذا لم يظهر يوسف حقيقته لإخوته

48- يوسف، 63-66

49- إن أول ما يتبادر إلى الذهن، هو أنه كيف وافق يعقوب على سفر بنيامين مع إخوته برغم ما أظهروه في المرّة السابقة من سوء المعاملة مع يوسف، إضافة إلى هذا فإننا نعلم أنهم كانوا يبطنون الحقد والحسد لبنيامين – وإن كان أخفّ من حقدهم وحسدهم على يوسف – كما قرأنا في بداية هذه القصة﴿إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ أي أن يوسف وأخاه أحب إلى أبينا برغم ما نملكه من قوة وكثرة.

50- يوسف، 67

51-  يوسف، 69

52- يوسف، 70

53- يوسف، 71-76

54- يوسف، 76

55- هنا سؤالان لا بد من الإجابة عليهما:

1- لماذا اتهم يوسف أخاه؟

هل يجوز شرعًا أن يتهم الإنسان بريئًا لم يرتكب ذنبًا، ولم تقتصر آثار هذه التهمة على البريء وحده، بل تشمل الآخرين من قريب أو بعيد؟ كما هو الحال في يوسف حيث شمل اتهامه الأخوة وسبّب لهم مشاكل عديدة.

يمكن معرفة الجواب بعد وقوفنا على أن توجيه هذه التهمّة لبنيامين كان باتفاق مسبق بينه وبين يوسف، وكان عارفًا بأن هدف الخطة وتوجيه التهمة إليه لأجل بقائه عند يوسف، أما بالنسبة للآثار السلبية المترتبة على الأخوة فإن اتهام بنيامين بالسرقة لم يكن في الواقع اتهامًا مباشرًا لأخوته وإن سبّب لهم بعض التشويش والقلق ولا مانع من ذلك بالنظر إلى امتحان مهم.

2- لماذا اتهام الجميع بالسرقة؟

مرّ علينا في الآية الشريفة قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ وهذه في الواقع تهمة موجّهة إلى الجميع وهي تهمة كاذبة، فما المسوِّغ والمجوِّز الشرعي لهذا الاتهام الباطل؟

يمكن الإجابة على هذا السؤال في عدّة نقاط وهي:

أولاً: إن قائل هذه الجملة غير معلوم، حيث ورد في القرآن إنه (قالوا...) ولعلّ القائلين هم بعض الموظفين من عمّال يوسف والمسئولين عن حماية خزائن الحبوب، فهم حينما افتقدوا صواع الملك، اطّمأنوا بأن السارق هو أحد أفراد القافلة القادمة من كنعان، فوجّهوا الخطاب إليهم جميعًا، وهذا من الأمور الطبيعية، فحينما يقوم شخص مجهول في ضمن مجموعة معينة بعمل ما، فإن الخطاب يُوجه إليهم جميًا ويقال لهم: أنكم فعلتم هذا العمل، والمقصود إن أحد هذا المجموعة أو بعضها قد فعل كذا.

ثانيًا: الطرف الذي وجّهت إليه التهمة وهو بنيامين، كان موافقًا على توجيه هذه التهمة له، لأن التهمة كانت مقدمة للخطة المرسومة والتي كانت تنتهي ببقائه عند أخيه يوسف، وأما شمول الاتّهام لجميع الأخوة ودخولهم جميعًا في دائرة الظن بالسرقة، فإن كل ذلك كان اتّهامًا مؤقتًا حيث زالت بمجرّد التفتيش والعثور على الصواع وظهر المذنب الواقعي.

56- يوسف، 77

57- يوسف، 78-79

58- يوسف، 80-82

59- يوسف، 83

60- يوسف، 84-86

61- يوسف، 87-88

62- يوسف، 89-90

63- يوسف، 90-91

64- يوسف، 92-93

65- يوسف، 94-95

66- يوسف، 96-98

67- يوسف، 99-101

68- هذه الآيات تثير أسئلة:

1- كيف أحسّ يعقوب برائحة يوسف؟

هذا سؤال أثاره الكثير، واعتبروه معجزة خارقة للعادة من قبل يعقوب أو يوسف. إلا أنه – مع الأخذ بنظر الاعتبار سكوت القرآن عن هذا الأمر – ولم يتناوله على أنه أمر إعجازي أو غير إعجازي فمن الهيّن أن نجد له توجيهًا علميًّا أيضًا. إذ إن حقيقة (التليبائي) أو انتقال الفكر من النقاط أو الأماكن البعيدة تُعدّ مسألة علميّة قطّعيّة مسلّمًا بها... وإنها تحدث عند من تكون لديهم علاقة قريبة تربط ببعضهم بعض، أو تكون لديهم قدرة روحية عالية.

ولعلّ كثيرًا منّا يواجه مثل هذه المسألة في حياتنا اليوميّة، وذلك أن يشعر شخص (من أب أو أم، أو أخ) مثلاً بالكآبة وانقباض النفس دون سبب، ثم لا يمضي وقت – أو فتة – حتى يبلغه خبر بأن أخاه أو ولده قد حدث له حادث ما في نقطة بعيدة غنه.

فالعلماء يوجّهون هذا الإحساس على أنه جرى عن طريق انتقال الفكر.

ومما ورد في قصّة يعقوب لعلّه من هذا القبيل أيضًا، فعلاقته الشديدة بيوسف وعظمة روحه، كل ذلك كان سببًا لأن يشعر بالحالة الحاصلة للأخوة نتيجة حمل قميص يوسف من مسافة بعيدة. ومن الممكن أن يتعلّق هذا الأمر بمسألة سعة دائرة علم الأنبياء أيضًا.

وقد وردت إشارة طريفة – في بعض الروايات – إلى مسألة انتقال الفكر، وهي أن بعضهم سأل الإمام أبا جعفر الباقر (ع) فقال: جُعلت فداك، رُبما حزنت من دون مصيبة تصيبني أو أمر ينزل بي، حتى يعرف ذلك أهلي في وجهي وصديقي.

فقال (ع): (نعم يا جابر، إن الله خلق المؤمنين من طينة الجنان وأجرى فيهم من ريح روحه، فلذلك المؤمن أخو المؤمن لأبيه وأمه، فإذا أصاب روحًا من تلك الأرواح في بلد من البلدان حُزنٌ حزنت هذه لأنها منها).

ويستفاد من بعض الروايات أيضًا أن هذا القميص لم يكن قميصًا مألوفًا، بل كان ثوبًا من ثياب الجنّة، وقد خلّفه إبراهيم الخليل (ع) في آل يعقوب وأسرته ليكون ذكرى له، وأن رجلاً كيعقوب (ع) الذي كانت له شامّة من (الجنّة) أحسّ برائحة هذا الثوب الذي هو من ثياب الجنّة من بعيد.

2- السؤال المعروف الآخر هنا هو ما أثاره بعضهم في شأن يعقوب وهو:

كيف يمكن أن يكون هذا النبي العظيم قد أحسّ بريح قميص يوسف من مسافة قدّرها بعضهم بثمانين فرسخًا وقال بعضهم: من مسافة عشرة أيام، مع أنه لم يطلِّع على الحوادث القريبة منه التي مرّت على يوسف عندما أُلقي في الجب في أرض كنعان؟ والجواب على هذا السؤال يسير لا غبار عليه، لأن علمهم بالأمور الغيبيّة يستند إلى علم الله وإرادته، وما يشاء الله لهم من العلم (أو عدمه) حتى ولو كان ذلك في أقرب نقطة من نقاط العالم.

فيمكن تشبيههم من هذا الوجه بالقافلة التي تسير في ليل مظلم في صحراء تغشيها الغيوم وبينما على هذه الحالة وإذا السماء تومض بالبرق اللامع فتضيء الصحراء إلى منتهى أطرافها، فترى القافلة بأمّ أعينها كل شيء أمامها، إلا أن البرق ينطفئ ثانيةً ويستوعب الظلام كل مكان فلا يرى أحد شيئًا.

ولعلّ الحديث الوارد عن الإمام الصادق (ع) في شأن علم الإمام (ع) إشارة إلى هذا المعنى، إذ جاء عنه (ع) أنه قال: (جعل الله بينه وبين الإمام عمودًا من نور، ينظر الله به إلى الإمام، وينظر الإمام به إليه، فإذا أراد علم شيء نظر في ذلك النور فعرفه).

ومع الالتفات إلى هذه الحقيقة فلا مجال للتعجب بأن تقتضي مشيئة الله سبحانه – لابتلاء يعقوب وتمحيصه أن لا يعرف يومًا شيئًا عن الحوادث في كنعان وهي تجري قريبًا منه، وأن يحسّ برائحة قميص ولده يوسف وهو في مصر في يوم آخر عندما قُدِّر له أن تنتهي محنته وبلواه.

3- كيف رُدَّ على يعقوب بصره؟!

احتمل البعض أن يعقوب (ع) لم يفقد بصره بصورة كليّة، وإنما ضعف بصره، وعند حصول مقدمات الوصال تبدّل تبدلاًّ بحيث عاد ذلك البصر إلى حالته الطبيعية الأولى إلا أن ظاهر آيات القرآن يدل على أنه فقد بصره تمامًا وابيضّت عيناه من الحزن، وعلى ذلك فإن بصره عاد إليه عن طريق الإعجاز حيث يقول القرآن الكريم: ﴿فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾.