شروط العوضين

سبق أن البيع يتم بالصيغة المعبرة عن القصد مع تراضٍ المتعاقدين اللذين هما طرفا الالتزام وبالعوضين وهما محل العقد وفيهما يظهر أثره. وتقدم الكلام عن الصيغة وشروطها والمتعاقدين وما يعتبر فيهما.. وننتقل الآن إلى شروط العوضين أي الثمن والمثمن وهي كما جاءت في كتاب المكاسب أربعة شروط :

1 ـ المالية مع جواز الانتفاع بما وقع ثمناً أو مثمناً .

2 ـ السلطة على العين مع اطلاقها وعدم حبسها وعبّر كثيرون عن هذا الشرط بالملكية المطلقة .

3 ـ القدرة على تسليمها .

4 ـ العلم بها صنفاً وكماً ووصفاً .

 

 

الشرط الأول أن يكون كل من العوضين مالا ذا قيمة يجري فيه البذل والمنع عند العرف ويجوز الانتفاع به في نظر الشرع ويتفرع على هذا الشرط ما يلي :

1 ـ ان البيع يقع على الاعيان دون المنافع وان جاز أن تكون محلاً للاجارة والهبة والصلح قال: صاحب الحدائق: «المشهور بين الفقهاء أنّه يشترط في كل من العوضين أن يكون عيناً فلا يصحّ بيع المنافع». ويصحّ بيع بعض الحقوق كحيازة الارض والتحجير على المفلس .

أمّا العين التي لا يجري فيها البذل والمنع كحبة الحنطة وحفنة التراب فلا تعد مالا وبالتالي لا يصح أن تكون ثمناً أو مثمناً في البيع لأن البيع مبادلة مال بمال.. ولا يستلزم ذلك جواز أخذ حبة الحنطة والحبتين مع ملك الغير لأن عدم المالية شيء والملك شيء آخر والنسبة بينهما عموم من وجه يجتمعان معاً في مثل الدار فانها مال وملك ويفترق المال في المعادن تحت الارض فانها مال لا ملك ويفترق الملك في حبة الحنطة فانها ملك لا مال .

وتسأل: كيف تقول: ان البيع يقع على الاعيان مع العلم بأن كلا من الثمن والمثمن يجوز أن يكون في الذمة بالاتفاق؟.

ونجيب بأن مرادنا من الاعيان هنا في قبال المنافع وان البيع يجب أن يتجه إلى العين دون المنفعة سواء أكان العوضان خارجيين أو ذميين .

2 ـ ذكر الشيخ الانصاري في أول المكاسب بعوان «الاكتساب المحرم» صفحات طوالاً عدد فيها الأعيان التي يحرم التكسب بها واطنب في ذكر الأقوال وأدلتها والرد عليها نذكر منها هذه المقتطفات :

«تحرم المعاوضة على بول ما لا يؤكل لحمه بلا خلاف لحرمته ونجاسته وعدم الانتفاع به منفعة محللة مقصودة.. والأقوى جواز بيع الارواث الطاهرة التي ينتفع بها منفعة محللة.. وأيضاً تحرم المعاوضة على الدم النجس بلا خلاف.. أمّا الدم الطاهر فالاقوى الجواز اذا كانت له منفعة محللة.. وتحرم المعاوضة على الميتة منفردة ومنظمة مع المذكى وتحرم أيضاً على أجزائها التي تحلها الحياة من ذي نفس سائلة على المعروف من مذهب الفقهاء.. وأيضاً تحرم المعاوضة عل¨ كلب الهراش وتجوز على كلب الماشية والصيد والزرع والحائط ـ أي البستات ـ فعن الامام الصاقد عليه‏السلامان رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلمقال: ثمن الخمر ومهر البغي وثمن الكلب الذي لا يصطاد سحت ولا بأس بثمن الهرة ـ وليس من شك أن كلب السيدات والآنساب لا يصطاد بالمعنى المعروف للصيد فيكون ثمنه سحتاً تماماً كمهر البغي ـ.. وتجوز المعاوضة على الدهن المتنجس على المعروف من مذهب الفقهاء مع وجوب اعلام المشتري ـ ان كان مسلماً لا يستحل الميتة ـ حيث يمكن الانتفاع به في غير الأكل كصناعة الصابون وما إليه.. وتحرم على ما لا يقصد منه إلاّ الحرام كالاصنام اجماعاً ونصاً. أمّا بيع العنب ممن يعلم المشتري أنّه يعمله خمراً فينظر: فان باعه بقصد أن يصنع خمراً فلا يجوز بلا خلاف وان باعه بغير هذا القصد فأكثر الفقهاء على الجواز للروايات المستفيضة عن أهل البيت عليه‏السلاممنها أن الإمام الصادق عليه‏السلامسئل عن رجل له كرم يبيع العنب ممن يجعله خمراً أو مسكراً؟. قال: انما بعه حلالاً في الزمان الذي يحل شربه وأكله فلا بأس ببيعه.. ويحرم بيع السلاح من اعداء الدين اجماعاً ونصاً ومنه قال الإمام عليه‏السلام: اذا كانت الحرب فمن حمل الى عدونا سلاحاً يستعين به علينا فهو مشرك.. وتحرم المعاوضة على الخمر والخنزير وآلات اللهو والقمار.. أما التماثيل المجسمة فان كانت لغير ذوات الارواح كالشمس والقمر والاشجار جاز عملها وبيعها واقتناؤها وان كانت لذوات الأرواح كالانسان والحيوان والطيور حرم عملها وحلّ اقتناؤها بالاجماع واختلفوا في بيعها فمن قائل بالمنع وقائل بالجواز.. أمّا التصوير الشائع غير المجسم فيجوز عمله اطلاقاً لذوي الارواح وغير ذوي الارواح وكذا يجوز بيعه واقتناؤه» .

ومن تتبع كلمات أهل البيت عليه‏السلاموأقوال الفقهاء وأدلتهم وانعم فيها الفكر لا بد له أن ينتهي إلى الجزم واليقين بأن السبب الموجب لتحريم المعاوضة على الأعيان النجسة والمتنجسة هو أخذ العوض على المنفعة المحرمة لأن أكل العروض عنها أكل للمال بالباطل ويصدق عليه قول الرسول الأعظم صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم: «اذا حرم اللّه‏ شيئاً حرم ثمنه». أما اذا استعمل في الجهة المحللة فلا يكون حراماً ولا أكلا للمال بالباطل فكلب الهراش يحرم بيعه بالنص حيث لا منفعة منه ويجوز بيع كلب الصيد والماشية والزرع

والبستان لمكان الانتفاع به. وكذا جلد الميتة يجوز بيعه ليجعل قراباً أو سرجاً أو غربالاً بل يجوز بيع الميتة بالذات لو افترض صلاحها لجهة مباحة ويدل على ذلك أن الامام عليه‏السلامسئل عن بيع الميتة؟ فقال: «لا ينتفع بها» ومعنى هذا أنه لو أمكن الانتفاع بها لساغ بيعها .

ويجوز بيع العذرة للتسميد لقول الإمام الصاقد عليه‏السلام: لا بأس ببيع العذرة حيث يحمل على استعمالها في جهة محللة ويحمل قوله عليه‏السلام: «ثمن العذرة سحت» على استعمالها في الجهة المحرمة .

ولو أن انساناً أراد أن يبيع من دمه دون أن يتضرر يبيعه لمريض يحتاج إليه يصح البيع ويحل الثمن كما تصح هبة الدم بلا عوض .

ومن الشواهد على ما قلنا ان جماعة سألوا الإمام عليه‏السلامعن جلود الميتة يعملون منها غلافات للسيوف؟. فأجابهم اجعلوا ثوباً للصلاة. وسئل عن رجل يعمل الحمائل من شعر الخنزير؟. قال: فليغسل يده. وسئل عن العجين النجس والحيوان الذكي يختلط بالميتة؟. قال: يباع ممن يستحله. واذ كان ثمن الميتة والعجين النجس حلالاً فيحل ثمن غيرهما من أعيان النجاسات والمتنجسات حيث لا خصوصية للمورد المسؤول عنه على شريطة أن يقصد استعمالها في المباحات لا في المحرمات .

ومما قاله الشيخ الانصاري في ذلك: «اذا قام الدليل على جواز الانتفاع منفعة مقصودة بشيء من النجاسات فلا مانع من صحة بيعه لأن ما دل على المنع من بيع النجس من النصوص والاجماع ظاهر في كون المانع حرمة الانتفاع» .

وقال السيد اليزدي في حاشية المكاسب: «ان المناط أن تكون المنفعة المحللة مقومة لماليته بحيث لو أغمض عن المنفعة المحرمة يعد مالا وان كانت المنفعة نادرة لأن المتيقن من أدلة المنع انما هو بيعها بلحاظ الوجه المحرم بل لو فرض أن للنجس منفعة نادرة غير مقومة لماليته وقصد من البيع تلك المنفعة النادرة كفى في الصحة.. فهو نظير ما لو باع مالا محللاً بقصد منفعة نادرة لا يعد الشيء مالاً بلحاظها فانه لا ينبغي الاشكال في صحته» .

وهذا معناه أن جميع الأعيان النجسة يجوز بيعها لمجرد وجود منفعة محللة حتى ولو كانت هذه المنفعة نادرة وكانت المنفعة المحرمة هى الغالبة وبديهة أن كل شيء من المحرمات لا يخلو من المنفعة النادرة .

وأصرح في الدلالة على ذلك قول الشيخ النائيني في تقريرات الخوانساري حيث صرح بيع الخمر للغاية نفسها قال تحت عنوان «في المكاسب المحرمة»: لا يستفاد من أخبار أهل البيت عليه‏السلاممجرد التعبد بحرمة النجاسات والمحرمات.. فاذا فرض أن جلد الميتة لا يتوقف استيفاء المنافع المهمة على طهارته فلا بأس ببيعه.. وكذا الخمر والنبيذ ونحو ذلك فان المقصود أنّه اذا فرض هناك منفعة مهمة عقلانية ولم يتوقف استيفاؤها على الطهارة كالاستقاء بجلد الميتة للزرع جاز البيع وعلى هذا فبيع العذرة في البلاد التي تنتفع بها لا بأس به وهكذا نفس الميتة والخمر».

 

 

الشرط الثاني أن يكون للبائع سلطة مطلقة تامة عل¨ المثمن وللمشتري سلطة مثلها على الثمن واي عاقل يجعل البحار والانهار ثمناً أو مثمناً.. وكذا الاسماك والطيور والوحوش وما إليها من المباحات قبل حيازتها والاستيلاء عليها .

وباطلاق العين تخرج المحبوسة بالوقف والرهن فان حبس العين بأحدهما يمنع كلا من الموقوف عليه والراهن من التصرف في العين تصرفاً ناقلاً قال الشيخ الانصاري: «ذكر الفاضلان ـ هما العلامة والمحقق الحلّيان ـ وجميع من تأخر عنهما في شروط العوضين بعد الملكية كون العين طلقاً وفرعوا على ذلك عدم جواز بيع الوقف إلاّ ما استثني ولا الرهن إلاّ باذن المرتهن» .

 

 

والحقيقة ان هذا الشرط تفرضه البديهة فالتبسط فيه تبسط بالوضحات.. أجل هنا مسألة تتصل بهذا الشرط تجدر الاشارة إليها وهي أن من اغتصب مال الغير واشترى به شيئاً فهل يملك المبيع ويحل له غاية الأمر أن المشتري يكون آثماً وضامناً للمال المغصوب وإلاّ فالبيع صحيح أو أن البيع يقع باطلاً من رأس ويحرم على المشتري التصرف في المبيع أو أن الشراء يقع فضالة عن صاحب المال ويصير لازماً بالاجازة؟.

الجواب  :

إنْ وقع الشراء على عين المغصوب بالذات كما لو قال الغاصب: اشتريت كذا بهذا المال فان أجاز صح البيع للغاصب وإلاّ بطل البيع من الاساس .

وعلى هذا المعنى تحمل هذه الرواية عن الإمام الصادق عليه‏السلامفلقد سئل عن رجل اشترى ضيعة أو خادماً بمال أخذه من قطع الطريق أو السرقة: هل يحل له ما يدخل عليه من ثمر الضيعة والخادم؟. فأجاب الإمام عليه‏السلام: لا خير في شيء أصله الحرام ولا يحل له استعماله .

وان وقع الشراء على أن يكون الثمن كلياً في الذمة لا على العين المغصوبة وعند الوفاء سدد المشتري من مال الغير ان كان كذلك صح البيع وحل المبيع وعلى المشتري الاثمن والضمان.. وعلى هذا المعنى يحمل قول الإمام عليه‏السلام: لو أن رجلاً سرق الف درهم فاشترى بها جارية واصدقها المهر كان الفرج له حلالاً وعليه تبعة المال ـ أي ضمانه.

 

 

الشرط الثالث ان يكون البائع قادراً على تسليم المثمن للمشتري والمشتري قادراً على تسليم الثمن للبائع.. وجاء في كتاب «المكاسب» خمسة أدلة على هذا

الشرط: الأول: أن البيع مع عدم الوثوق بوقوع مضمونه ومؤداه يكون بيعاً غررياً وقد نهى النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلمعن بيع الغرر والنهي هنا يستدعي الفساد بالاجماع.

الثاني: الحديث المشهور عن الرسول الاعظم صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم: «لا تبع ما ليس عندك». اذا فسرناه بما لا تقدر على تسليمه وقريباً يأتي الكلام حول هذا الحديث.

الثالث: أن العقد بطبعه يستدعي وجوب تسليم كل من العوضين إلى صاحبة فيجب أن يكون التسليم مقدوراً وإلاّ كان تكليفاً بالمحال.

الرابع: أن الغرض من البيع انتفاع البائع بالثمن والمشتري بالمثمن ولا يتم ذلك إلاّ بالتسليم فاذا تعذر التسليم تعذر البيع.

الخامس: أن بذل الثمن لقاء شيء غير مقدور سفه وأكل للمال الباطل .

وسواء أكان كل دليل من هذه الأدلة بمفرده صحيحاً أو أنّها بمجموعها تستدعي الركون والاطمئنان فان الذي ليس فيه شك أن الفقهاء قد اجمعوا على هذا الشرط وان العرف يرى المعاملة مع العجز عن التسليم والتسليم لغواً لا أثر لها تماماً كبيع السمك في الماء والطير في الهواء.. وتتفرع على هذا الشرط مسائل هامة نعرض طرفاً منها فيما يلي:

 

 

تعتبر القدرة على التسليم والتسليم حين نفاذ العقد والاستحقاق ولا تجدي القدرة شيئاً عند العقد مع العجز عن التسليم حين الاستحقاق كما لا يضر العجز حين العقد مع القدرة حين الاستحقاق وعلى هذا يجوز بيع الدقيق في الحنطة والزيت والزيتون والتبن في الزرع قبل حصاده واللحم في الشاة قبل ذبحها لأنه موجود مآلاً وان لم يوجد حالاً فلا يكون الاقدام عليه غرراً ولا سفهاً ولا تكليفاً بالمحال .

 

 

اذا عجز البائع عن التسليم وقدر المشتري عليه فهل يصح البيع؟. ومثال ذلك أن يغصب دارك من هو أقوى منك فتبيعها أنت ممن هو أقوى من الغاصب القادر على تخليصها منه.

الجواب  :

أجل يصح لأن الهدف من اشتراط القدرة هو وصل المبيع إلى من انتقل إليه وقد تحقق قال الشيخ الانصاري نقلاً عن كتاب الايضاح: «وهذا ما انفردت به الإمامية وهو المتجه». واستدل عليه بأنه لا غرر فيه ولا سفه .

 

 

سبق في فصل الفضولي أن من باع مال الغير يقع فضالة عنه فان أجاز صاحب المال نفذ البيع وإلاّ بطل من الاساس ونشير ـ هنا ـ إلى أن الفقهاء قد اتفقوا على أن من يبيع مال الغير بيعاً باتاً ثم يمضي إلى صاحب المال فيشتر به منه ويسلمه إلى المشتري اتفقوا جميعاً على عدم صحة البيع لأن الناس مسلطون على أموالهم لا على أموال غيرهم والحديث «لا بيع إلاّ ما يملك» فانه يدل على نفي البيع قبل تملك العين وأيضاً الحديث «لا تبع ما ليس عندك» الدال صراحة على المنع عن بيع مالا سلطان للبائع عليه سواء أكان غير مملوك لأحد كالسمك في الماء أو كان ملكاً لغير البائع أو كان ملكاً للبائع مع عجزه عن السيطرة عليه كالجمل الشارد والعبد الآبق .

أجل يجوز للسمسار أن يتفق مع زيد ـ مثلاً ـ على أن يشتري السمسار مال الغير لنفسه ثم يبيعه لزيد بثمن معين ولكن هذا الاتفاق لا يلزم زيداً بالبيع بل يبقى على ارادته ان شاء أخذ وان شاء ترك.. قال عبد الرحمن بن الحجاج : قلت للامام الصادق عليه‏السلام: يجيء الرجل فيطلب المتاع فاشتريه ثم ابيعه منه؟. فقال: اليس ان شاء ترك وان شاء أخذ؟. قلت: بلى. قال: لا باس به .

وكذا يجوز أن يبيع شيئاً في الذمة كطن من حنطة وليس عنده شيء منه ثم يشتريه ويسلمه للمشتري لأن القدرة عند التسليم كافية لصحة البيع فلقد سئل الإمام عن الرجل يشتري الطعام من الرجل وليس عنده؟. فقال: لا بأس به. فال المراد بهذه الرواية التي نفت الباس البيع في الذمة وبالرواية السابقة التي اثبتت الباس بيع العين الخارجية المملوكة للغير .

 

 

اذا باع شيئين معاً وفي صفقة واحدة أحدهما يمكن تسليمه والآخر يتعذر كما لو باع بعيراً شارداً مع الثوب بعشرة فهل يصبح البيع؟.

كلا لأن ضم مقدور إلى غير مقدور لا يجعل المجموع مقدوراً ولا يخرج ما لا يستطاع إلى ما يستطاع .

وتقول: لقد ثبت عن أهل البيت عليه‏السلامأن العبد الآبق يجوز بيعه مع الضميمة .

والجواب  :

أجل ولكن هذا البيع يخالف الأصول والقواعد فيقتصر فيه على مورد الرواية فقط وهو بيع العبد الآبق على أنّه لا مكان اليوم للعبيد والاماء .

وبالتالي فان كان ما لا يصح بيع منفرداً لا يصح بيعه منظماً إلى ما يصح بيع ([1]) .

_______________________________

[1] هذه الجلمة أو هذا الضابط العام جاء بالحرف في كتاب مفتاح الكرامة الجزء السادس متاجر ص 287 .

 

 

سبق أن البيع مع عدم القدرة على التسليم باطل لمكان الغرر ويأتي أيضاً في الشرط الرابع أن البيع مع الجهل بالعوضين كذلك وهذا يستدعي الاشارة إلى معنى الغرر وقد جاء عن أمير المؤمنين عليه‏السلام: «أن الغرر عمل لا يؤمن معه الضرر» قال صاحب الجواهر: وهذا المعنى جامع لجميع ما قاله أهل اللغة والفقه وعليه فأية معاملة ينطبق عليها أنّها عمل لا يؤمن معه من الضرر تكون باطلة لمكان الغرر .

وفسر الشيخ الانصاري الغرر بالمخاطرة التي قد تفضي إلى التنازع والمشاجرة بسبب المعاملات ويرجع هذا التفسير إلى ما نقلناه عن الإمام عليه‏السلامواختاره صاحب الجواهر من أنه «عمل لا يؤمن معه من الضرر» .ثم أنه ليس من الضروري أن يكون الغرر مساوقاً للجهل بل قد يوجد الجهل حيث لا غرر فان كثيراً من العقلاء يقدمون على شراء اشياء يجهلون حقيقتها ولا يعدون الاقدام عليها ضرراً وخطراً بل قد يرون الاحجام عنها سفهاً أو اشبه بالسفه. قال الشيخ الانصاري: ان العقلاء يقدمون على الضرر القليل رجاء النفع الكثير ويشترون الشيء المجهول بثمن لا يتضررون به كالمردد بين النحاس والذهب.. فان ذلك مرغوب فيه عند العقلاء بل يوبخون من عدل عنه ولا يقبلون منه الاعتذار بأنه مخاطرة». اذن فالغرر لا يلازم الجهل ابداً ودائماً بل قد وقد..

 

 

الشرط الرابع أن يكون كل من العوضين معيناً عند المتعاقدين تعييناً ينتفي عنه الغرر ولا يصدق عليه الاقدام على المخاطرة فلا يصح بيع المجهول الذي فيه غرر كبعتك ثوباً وبالمجهول كاشتريت هذا بثوب بل لا بد من العلم مستبقاً بالقدر والصنف والوصف. وأيضاً لا يصح جعل الثمن بحكم أحد المتعاقدين ولا بحكم ثالث أما طريق المعرفة إلى كل من الثمن والمثمن فيختلف باختلافه كنهاً وحقيقة جاء في كتاب الجواهر أوّل باب التجارة: «معرفة كل شيء بحسبه وما جرت فيه العادة بتقدير مخصوص فالعلم يتبع حصول ذلك التقدير وبيعه بدونه تخرص وتخمين وليس من العلم في شيء». فبعض الاشياء يكون سبيل العلم إليه المشاهدة وبعضها الوصف وبعضها الكيل أو الوزن أو العد أو المساحة وبعضها لا طريق إلى معرفته إلاّ الشم أو الذوق أو الكسر والآن ننتقل إلى الكلام عن هذه الطرق .

 

 

 

ليس من شك أن المشاهدة العادية ـ أي الرؤية البصرية ـ لا تكون طريقاً لمعرفة كل شيء بل لبعض الاشياء كالأثاث والملابس والكتب والقرطاسية وما إلى ذاك مما تكفي فيه رؤية العين عند العقلاء ولا يضر الجهل ببعض الصفات التي يتسامح بها العرف ولا يعد في نظرهم غرراً ولا ضرراً قال الشيخ الأنصاري: «المعيار في الاكتفاء بالمشاهدة هو رفع الغرر الشخصي» .

وتجدر الإشارة إلى أن قول الفقهاء انما يكون حجة متبعة اذا اجمعوا على حكم شرعى كالاجماع على أن بيع الغرر باطل أما التطبيقات الخارجية وتشخيص الموضوعات.. أما ان هذا البيع فيه غرر أو لا غرر فيه فيرجع إلى نظر الشخص صاحب العلاقة لا إلى نظر الفقهاء والمجتهدين مهّدنا بهذه الاشارة لنبين أنه لا وزن للاجماع الذي نقل صاحب التذكرة وغيره على أن المشاهدة تكفي في بيع الثوب والارض لأنه اجماع على تشخيص الموضوع والمصداق لا على حكم شرعي كلي كي يكون حجة. فلو افترض أن مشاهدة هذه القطعة الخاصة من الارض لا ينتفي معها الغرر لا يصح البيع وبالاختصار ان المشاهدة ليس بقاعدة كلية لصحة البيع وان قال عليها الاجماع لأن سر الصحة هو عدم الغرر فمتى تحقق بأية وسيلة صح البيع وإلاّ فهو باطل

 

 

ان معرفة الشيء بنوعه أو صنفه فقط لا يرفع الغرر فلا يصح أن يشتري فرساً أو ثوباً في الذمة دون أن يذكر الوصف الذي تختلف بسببه القيمة والرغبات وكذا لا يصح أن تشتري فرس زيد الموجود في غير مجلس العقد دون أن تراه.. ويصح أن تشتريه وهو غائب عنك اعتماداً على وصف صاحبه بصفات تتفاوت معها الرغبات كالسن والهزال والسمن وأنه أصيل أو برذون وما إلى ذاك مما ينتفي معه الغرر فاذا وجدت المبيع على الوصف حين القبض لزم البيع وإلاّ فلك حق الخيار في الفسخ لتخلف الوصف أو الشرط الضمني ـ ويأتي التفصيل في فصل الخيارات ـ .

واذا كنت قد شاهدت الفرس قبل البيع ثم غبت عنه امداً لا تظن التغير فيه لاقتضاء العادة بقاءه على صفاته في هذا الامد واشتريته اعتماداً على ذلك فان رأيته عند القبض على ما كان لزم البيع وان رأيته خلاف ما عهدت وأنّه قد تغير بما لا يتسامح به عادة فلك حق الخيار في الفسخ دفعاً للضرر. وكذلك الحال بالقياس إلى البائع فان هذا الخيار يثبت له ان كان قد باع ملكه الغائب اعتماداً على ما وصف له أو على مشاهدة سابقة ثم تبين أن المبيع قد زاد زيادة تستدعي ارتفاع الثمن ارتفاعاً لا يتسامح به .

 

 

اذا وقع البيع اعتماداً على المشاهدة السابقة وبعد البيع اختلف المتبايعان في حدود التغير فقال المشتري: قد تغيرت العين عما كنت رأيتها فلي حق الخيار في الفسخ وقال البائع: كلا ما زالت كما كانت عند المشاهدة فمن هو المدعي الذي عليه عب‏ء الاثبات؟ ومن هو المنكر الذي عليه اليمين فقط؟ ومثال ذلك أن يشاهد زيد فرس عمرو وبعد أمد يشتريه منه بثمن معين على تلك الصفات التي رآه عليها ولدى التسليم والتسلّم قال المشتري اشتريته سميناً وهو الآن هزيل وقال البائع: بل اشتريته هزيلاً كما هو الآن .وليس من شك أن تمييز المدعي من المنكر من ادق المسائل وأهمها على الرغم من أن الضابط والمعيار لكل منهما معلوم لا ريب فيه وهو موافقة قول المنكر للاصل ومخالفة قول المدعي له ولكن الدقة في التطبيق وتشخيص الموارد والافراد ومهما يكن فان في ذلك قولين :

وأصحهما ما ذهب إليه المشهور من أن البائع هو المدعي والمشتري هو المنكر فيقبل قوله بيمينه وذلك أن النزاع في أن هذا التعاقد جائز أو لازم يرجع في حقيقته إلى أن التعاقد وقع على هذا الفرس بوصفه هزيلاً حتى يلزم العقد أو بوصفه سمنياً حتى يكون جائزاً فاذا اجرينا أصل عدم العقد على الهزيل كان العقد جائزاً بحكم البديهة لأن جواز العقد يستند ابتداء وبلا واسطة إلى عدم العقد على الهزيل وعلى هذا يكون قول المشتري موافقاً للاصل فيقبل مع يمينه اذا لم يكن للبائع بينة تثبت دعواه .

وتقول ان الاصل عدم العقد على الفرس السمين أيضاً فيثبت ان العق لازم لا جائز ويكون قول البائع موافقاً للاصل فيقبل بيمينه .

ونجيب بان لزوم العقد اثر لوقوعه على الهزيل وليس اثراً لعدم وقوعه على السمين حتى يكون هذا الاصيل مجدياً بخلاف جواز العقد فانه أثر شرعي لعدم وقوعه على الهزيل أي على الفرس الموجود بالفعل وبديهة أن نفي السمين بالاصل يثبت وجود الهزيل بالملازمة العقلية لا بالملازمة الشرعية أي ان نفي الضد بالاصل لا بالوجدان ولا بالبينة يلزمه وجود الضد الآخر بحكم العقل لا بحكم الشرع الذي يعتمد لاثبات موضوعات احكامه وتشريعاته على المشاهدات والبينات لا على حكم العقل بالتوافق أو التناقض بين الطبيعيات والخارجيات .

وبتعبير ثانِ لو افترض أن العقد في الواقع قد جرى على الفرس الهزيل لكان لازماً يجب الوفاء به وهذا معناه أنّه لو لم يقع على الهزيل يكون جائزاً بذاته وبغض النظر عن وقوعه على السمين.. وعليه فاذا اردنا أن نثبت جواز العقد فلا نحتاج اطلاقاً ان نثبت وقوعه على السمين بل يكفي أن نثبت عدم وقوعه على الهزيل.. مع العلم بأن عدم التعاقد على الهزيل يلزمه عقلاً ثبوت التعاقد على السمين غير أنّا لسنا بحاجة إلى ذلك ما دام عدم التعاقد على الهزيل بذاته كافٍ وافٍ لجواز بدون أية واسطة .

ولو افترض أن العقد جرى على السمين يكون العقد ـ في مسالتنا ـ جائزاً ولكن عدم وقوعه على السمين لا يثبت لزوم العقد لأن لزومه أثر لوقوعه على الهزيل وقوعه على الهزيل لا يثبت بأصل عدم وقوعه على السمين إلاّ إذا ادخلنا في حسابنا أن عدم الضد ملتزم لوجود الضد الآخر ولا يمكن بحال أن ندخل ذلك في الحساب بصفتنا فقهاء متشرعين لأن هذه الملازمة من شؤون العقل لا من شؤون الشرع .

هذا أقصى ما لدي من التوضيح لما اراده الشيخ الأنصاري بقوله: «يرجع النزاع إلى وقوع العقد على ما ينطبق على الشيء الموجود حتى يلزم الوفاء وعدمه والاصل عدمه ودعوى معارضته بعدم وقوع العقد على العين غير المقيدة باصالة عدم وقوع العقد على المقيدة وهو غير جائز كما حقق في الأصول» ([2]) .

________________________________

[2] إذا بقي شيء من الغموض بعد التوضيح والبيان فلأن المطلب غامض ودقيق في نفسه وهو من صغريات المسالة المعروفة « بالأصل المثبت » عند علماء الجماعة النجفية وقد أمضيت أشهراً في دراستها عند الاساتذة واعتقد أنها من المسألة المعروفة « بالشبهة المصداقية » ومسألة « قاعدة اليقين » من جملة ما انفردت به جامعة النجف الأشرف وقد كتبت عن هذه الثلاثة مقالاً مطولاً بعنوان ـ أصول الفقه بين القديم والجديد ـ في مجلة رسالة الاسلام المصرية لدار التقريب عدد رمضان 1369 هـ .

 

 

سبق البيان أن كلاً من الثمن والمثمن لا بد أن يكون معلوماً للمتعاقدين وان طريق العلم به قد يكون المشاهدة أو الوصف أو الوزن أو الكيل أو العد أو المساحة. وقد أطال الفقهاء في المكيل والموزون وسودوا الصفحات الطوال العراض وأنّه هل المراد منهما ما كان مكيلاً وموزوناً في زمان الشارع فقط أو أن لكل بلد عاداته وتقاليده في ذلك سواء اتفقت مع زمن الشرع أو اختلفت؟. وتكلموا وأطالوا أيضاً في أن المكيل هل يجوز بيعه وزناً والموزون كيلاً والمعدود باحدهما أو المشاهدة؟ وتكلموا فيما تفتقر معرفته إلى الاختبار بالذوق او الشم الى غير ذلك .

وبديهة ان الوزن والكيل والعد كل هذه وما اليها وسائل لمعرفة الكم لا غاية في نفسها كما أن المشاهدة والوصف واختبار اللون والطعم والرائحة وسيلة لمعرفة الكيف فالعبرة برفع الغرر فكل ما لا غرر فيه فهو صحيح وكل ما فيه غرر لا يتسامح به عرفاً فهو باطل ويؤيده تعليل الفقهاء للبيع الباطل أنّه غرر وللبيع الصحيح بعدم الغرر قال الشيخ الأنصاري في المكاسب ما نصه بالحرف: «لو فرض اندفاع الغرر بغير التقدير كفى كما اذا كان للمتبايعين حدس قوي بالمقدار يندر تخلفه عن الواقع وكما اذا كان المبيع قليلاً لم يتعارف وضع الميزان لمثله كما لو دفع فلساً واراد به دهناً فان الميزا لا يوضع لمثله فيجوز بما تراضياً عليه من التخمين» .

فالمهم ـ اذن ـ هو رفع الغرر حتى ولو كان عن طريق الحدس والتخمين أمّا الروايات الواردة عن أهل البيت عليه‏السلامفي هذا الباب فانها لم ترد لتأسيس أصل شرعي في أن هذا النوع يباع كيلاً وذاك يباع عداً وبان الذوق والشم في اشياء دون اشياء فان جميع روايات هذا الباب قد جاءت لبيان أصل واحد لا غير وهو أن بيع الغرر محظور وان ما لا غرر فيه لا بأس به سواء ارتفع الغرر بالمشاهدة أو الوزن أو الكيل أو الوصف بل حتى بالحدس والتخمين ـ كما قال الشيخ الأنصاري ـ ولا أدل على ذلك من قول الإمام الصادق عليه‏السلام: «لا يحل للرجل أن يبيع بصاع غير صاع أهل المصر» فانه ارشاد إلى رفع الغرر لأن صاع أهل المصر معروف وصاع غيرهم مجهول ولو عرف صاع الغير لصح البيع به وأي فقيه يمنع من البيع بغير صاع أهل المصر اذا علم المتبايعان بمقداره وتراضيا عليه؟.

وبالاختصار ان المحظور هو بيع الغرر فاذا ارتفع بوسيلة من الوسائل فلا حظر .

 

 

اذا تعذرت معرفة العين على حقيقتها إلاّ بالكسر كالبيض والبطيخ والجوز فهل يجوز جعلها ثمناً مع الجهالة وتكون مستثناة من قاعدة «كل بيع غرري فهو غير جائز»؟.

اتفق الفقهاء بشهادة صاحب الجواهر والمكاسب على أن الجهالة تغتفر في ذلك ويصح معها البيع قال صاحب الجواهر: «لا اشكال في تحقيق الجهالة في هذا البيع ولكن للسيرة المستمرة في الاعصار والامصار على بيعه قلنا بجوازه واستثنائه من دليل الجهالة والغرر» وقال صاحب المكاسب: «يجوز ابتياع ما يفسده الاختبار من دون اختبار اجماعاً» .

والوجه في ذلك عند كثير من الفقهاء هو بناء العرف على أن الاشياء توجد سليمة بطبعها في الاعم الأغلب والفرد الفاسد نادر والنادر لا يقاس عليه والمتعاقدان يجريان البيع على هذا البناء.. وسواء اعتمد امتعاقدان على ظن السلامة أو غيره فان الناس منذ القديم قد تبانوا على التسامح في هذه الجهالة حيث لا طريق إلى رفعها ـ عندهم ـ وحيث لا تقوم المصلحة إلاّ كذلك واللّه‏ سبحانه لا يكلف الناس بما يشق عليهم .

ولكن صحة هذا البيع مع الجهالة لا تنفي الخيار لمن انتقلت إليه العين إذا تبين فسادها بل يثبت له خيار الارش دون الرد أمّا ثبوت الارش فلأن به يتدارك الضرر وأمّا عدم الرد فلأن التصرف بالكسر يمنع من ارجاع العين إلى صاحبها أجل لو عرف العيب قبل الكسر بطريق من الطرق جاز الرد لأن العين والحال هذه ترجع إلى صاحبها كما تسلمها منه المشتري. والمراد بالارش هو أن يدفع صاحب العين لمن انتقلت إليه التفاوت ما بين قيمتها صحيحة وقيمتها فاسدة .

واذا اشترط المشتري على البائع الرجوع عليه بالثمن لو تبين الفساد ورضى البائع بالشرط جاز كما أن البائع لو تبرأ من العيب وقبل المشتري صح لأن شراء المعيب جائز والأقدام عليه مع العلم به يسقط الخيار ولكن جماعة من الفقهاء المحققين ومنهم صاحب الجواهر والمكاسب قالوا: انما تجدي براءة البائع من العيب والفساد اذا كان لمكسور العين قيمة ولو زهيدة أما اذا لم يكن لها قيمة من رأس وكان مآلها إلى القمامة كالبيضة الفاسدة بعد كسرها أما هذه فلا تجدي البراءة منها نفعاً بل يقع البيع باطلاً ويحق للمشتري أن يرجع على البائع بالثمن كاملاً قال صاحب المكاسب: «ولو لم يكن للمكسور قيمة لخروجه بالكسر عن التمول بطل البيع وفاقاً لجماعة من كبار الفقهاء كشيخ الطائفة الطوسى والمحقق الحلي والعلامة وغيرهم». وقال صاحب الجواهر: «ان البراءة من العيب تفيد اذا كان للمكسور قيمة وإلاّ فله الرجوع بالثمن وان تبرأ البائع من العيب لبطلان البيع المقتضي لرجوع الثمن إلى مالكه وإلاّ كان أكلاً للمال بالباطل وللثمن بلا مقابل» .

وتقول: انما يتحقق أكل المال بالباطل اذا كان بلا رضى من صاحبه والمفروض أن المشتري اقدم باختياره ومل‏ء ارادته على شرط البراءة من العيب ورضي بالبدل على تقدير الفساد .

ونجيب ان للانسان أن يهب امواله لمن يشاء ولكن هذا شيء وبيع ما لا قيمة له شيء آخر وسبق أن من شروط العوضين أن يكون كل منهما ذا قيمة وان ما لا قيمه له لا يجوز بيعه ومفروض مسألتنا أن المبيع لا قيمة له فلا يصح بيعه حتى مع التراضي والاختيار .

 

 

اجمع الفقهاء على أن الحمل منفرداً لا يصح جعله ثمناً ولا مثمناً لمكان الغرر واليجوز بيعه مع أمه وعلى الاصح بيع أمه الحامل .

أمّا بيع الصوف والشعر على ظهور الانعام فان المشهور بين الفقهاء عدم الجواز.

وقال جماعة من كبار المحققين منهم المفيد والعلامة والشهيد الثاني وابن ادريس والمحقق قالوا: يصح بيع الصوف والشعر قبل جزه وان جهل الوزن تماماً كما يجوز بيع الثمرة على الشجرة ومما قاله الشهيد: لكن ينبغي الجز في الحال أو شرط البقاء إلى مدة معلومة .

وذهب المشهور بشهادة صاحب الجواهر والمكاسب إلى أنه يجوز بيع الزيت والسمن مع ظرفه كل رطل بثمن معلوم على أن يطرح للظرف رطل أو أكثر حسبما يتفق عليه الطرفان وتغتفر هنا الزيادة والنقيصة في الظروف قال رجل للامام الصادق عليه‏السلام: جعلت فداك نطرح من طرف السمن والزيت لكل ظرف كذا رطلاً فربما زاد وربما نقص؟. قال: «اذا كان عن رضى منكم فلا بأس». ويعرف هذا عند الفقهاء بيع الاندار أي الاسقاط والمراد به قدر معين للظرف .

وأيضاً اجاز المشهور أن يباع المظروف والظرف معاً عن كل رطل ثمن معلوم كما هو المعروف والمألوف اليوم من بيع الفواكه والخصار بصناديقها أو بعض السلع المائعة والجافة بغلافها قال صاحب الجواهر: «والعلم بالجملة كاف عن معرفة الابعاض ـ أي الأجزاء ـ وان لم يكن المنضم ـ يريد الظرف ـ من الموزونات» .

والذي يستفاد من هذه الأقوال ومثلها كثير للفقهاء ان كل ما جرى عليه العرف من طرق المعرفة بالعوضين وتسامح الناس بالجهل به جائز غير محظور حتى ولو بيع لوحده جزافاً مع امكان العلم بمقداره تقصيلاً من غير كسر ولا خراب كبيع الصوف على ظهور الغنم ولا شيء ادل واصدق على هذه الحقيقة من قول الإمام الصادق عليه‏السلام: «اذا كان ذلك عن رضى منكم فلا بأس» .

 

 

يتحصل مما قدمنا أن الصيغة لا بد أن تكون واضحة الدلالة وان يتوافق الايجاب والقبول على محل واحد وان المتعاقدين يعتبر فيهما العقل والبلوغ والقصد مع الاختيار والخلو من السفه ومرض الموت لو تصرف المريض فيما زاد عن الثلث وان العوضين يشترط فيهما المالية والملك المطلق والقدرة عليهما والعلم بهما .

ونشير الآن إلى أن الاختيار والرشد والصحة في المتعاقد ليست شروطاً لانعقاد العقد واصل وجوده وانما هي شروط للزوم العقد ونفاذه فان المكره يتم منه العقد ولكنه لا يصير لازماً إلاّ إذا رضي بعد الاكراه. وكذا السفيه يصح منه العقد ولا يلزم إلاّ باجازة الولي. ومثله عقد المريض مرض الموت فان نفاذه يتوقف على اجازة الورثة لو تصرف فيما زاد عن الثلث.. وأيضاً الملك المطلق في الثمن والمثمن شرط للزوم العقد لانعقاده ـ في بعض الحالات ـ فالفضولي يصح منه العقد ولا يلزم إلاّ باجازة المالك. وكذا الراهن يصح عقده وينفذ باجازة المرتهن أمّا بيع الوقف مع عدم المسوغ فانه باطل من الأساس .

وما عدا الارادة والرشد والصحة والملك المطلق من الشروط فهو شرط لانعقاد العقد سواء أكان من شروط الصيغة أو المتعاقدين أو العوضين فاذا انتفى واحد منها بطل العقد من الأساس وتخلفت عنه جميع الأحكام.. واذا تمت الشروط بكاملها كان عقد البيع لازماً إلاّ إذا اقترن باحد الخيارات التي سنتكلم عنها في الفصل التالي .

 

 

اشتهر على الألسن ان النهي عن العبادات يدل على الفساد دون المعاملات والحق أن النهي يدل بالمطابقة على التحريم فقط ولا يدل بنفسه على الفساد لا في العبادات ولا في المعاملات فاذا قال لك الشارع: لا تزل النجاسة بالماء المغصوب ولا تذبح شاة الغير ولا تقطع رأس الذبيحة حين الذبح ثم خالفت فغسلت النجاسة بالمغصوب وذبحت شاة الغير وقطعت رأس الذبيحة عند الذبح فان الثواب يطهر ولحم الشاة لا يحرم وان كنت آثماً بالعصيان وتعرضت لغضب اللّه‏ وعقابه واذا لم يدل النهي على الفساد من غير قرينة في مورد واحد فلا يدل عليه في كل مورد بلا قرينة عبادة كان أو غيرها .

أجل ان تحريم الشيء أي شيء يستدعي أن يكون مكروهاً ومرغوباً عنه ولا يصح عقلا التعبد اللّه‏ سبحانه بما يكره ويبغض لأنه جل وعز لا يطاع من حيث يعصى وعليه فلا تكن العبادة المنهي عنها مقبوله لديه تعالى ولا معنى لفساد العبادة إلاّ هذا. ومنه يتضح ان دلالة النهي على فساد العبادة جاءت بتوسط العقل وحكمه بأن المبغوض لا يمكن التقرب به إلى اللّه‏ أمّا النهي عن المعاملة فلا يدل على الفساد لا بنفسه ولا بالواسطة ولعل هذا مراد من قال: ان النهي عن العبادات يدل على الفساد دون المعاملات .

غير أن الشارع كثيراً ما ينهى عن المعاملة ارشاداً إلى أنّها غير مشروعة من الأساس كبيع الحصاة ([3]) أو إلى أنّها تفقد شرطاً من الشروط كبيع المجنون والصبي غير المميز أو إلى أن العين ليست أهلاً للتمليك والتملك كالخمر والخنزير وما إلى ذاك مما لا يترتب عليه الأثر لعدم استيفاء الشروط وتوافرها. وبتعبير ثانٍ ان الشارع قد ينهى عن المعاملة الفاسدة التي نشأ فسادها من أمر آخر غير النهي ولذا اتفق الفقهاء كلمة واحدة على أن المعاملة التي تتوافر فيها جميع الشروط تؤثر أثرها ولا يتخلف عنها حكم من احكامها حتى ولو نهى عنها الشارع لسبب خارجي كالنهي عن البيع حين النداء لصلاة الجمعة أجل يكون المباشر عاصياً مستحقّاً للوم والعقاب لمخالفة النهي .

وبالاختصار ان صيغة النهي من حيث هي لا تدل إلاّ على التحريم والقبح ومعصية من خالف ولم يمتثل وهذا شيء وسلب التأثير عن الفعل أو القول شيء آخر ولكن لما كان تحريم الشيء يمنع من التقرب به إلى اللّه‏ سبحانه بطلت العبادة المنهي عنها لذلك لا لأن النهي عنها دل على بطلانها بالذات أما المعاملة فليس الغرض منها التقرب إلى اللّه‏ ولذا تبقى سبباً والافادة حين النهي كما كانت قبله .

________________________________

[3] وهو أن يقول المشتري: أي ثوب وقعت عليه الحصاة التي رامي فهي لي كما كان يفعل أهل الجاهلية .

 

 

النجش لغة الزيادة والمراد به هنا أن يتواطأ صاحب السلعة مع آخر على أن يزيد أمام الناس ويدفع ثمناً كثيراً يوهم الناظر أنّه يريد الشراء ليرغب  ويزيد واتفق الفقهاء على تحريم ذلك وقال صاحب الجواهر: انّها غش وخديعة وتدليس واغراء بالجهل واضرار وجاء في الحديث لعن الناخش والمنخوش أي الكذوب والمفتعل .

وقال الفقهاء: لو اشترى الناظر صح البيع لأن النهي تعلق بأمر خارج عن حقيقة المعاملة ولكن له الخيار مع الغبن وقال ابن الجنيد: المعاملة باطلة من رأس .