النوع الأول في أبي بكر

الصفحة 279 

في الطعن فيمن تقدمه بظلمه وعدوانه، وما أحدث كل واحد في زمانه من طغيانه، وسأذكر ذلك من طرق الخصم وغيره، ليكون ألزم للحجة، وأثبت للنفس على المحجة، حتى صنف الكلبي منهم كتابا كله في مثالب الصحابة، ولم يذكر فيه منقصة واحدة لأهل البيت عليهم السلام، وأنى له ولغيره بذلك بعد تطهير الخبير العلام. وستعلم باليقين ما حدث منهم في الدين، فالمختارون لهم من دون الله دخلوا في قوله: (اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله(1)).

وهذا الباب ينوع إلى ثلاثة بحسب المشايخ الثلاثة، ويلحقها كلام بالاختصاص في أهل العقبة، ومعاوية، وابن العاص.

 

وهو أمور منها: إرساله لخالد إلى بني حنيفة فقتل وسبى ونهب، ونكح امرأة رئيسهم مالك من ليلته بغير عدة حتى أنكر عمر قتالهم، وحبس ما قسم له من مالهم، فلما صار الأمر له رده عليهم، ورد ما وجد عند غيره منهم، فالخطأ لأحدهما لازم، بالعقل الجازم.

واحتج لقتالهم بمنع زكاتهم، مع أنهم لم يستحلوا منعا حتى يلزم ارتدادهم وإنما قالوا: حضرنا النص من النبي صلى الله عليه وآله بغدير خم على علي ولا نؤدي صدقاتنا إلى دعي، وأين هذا الشأن من أحداث عثمان، وهب أن الرجال منعوا الصدقات فما ذنب النساء المسلمات حتى يبعن ويوطأن؟ وقد أورد الطبري ومسلم والبخاري

____________

(1) الأعراف: 30.

الصفحة 280 

عن القوم الذين كانوا مع خالد قالوا: أذن مؤذننا ومؤذنهم، وصلينا وصلوا و تشهدنا وتشهدوا.

واحتج على جواز قتالهم بالاجماع وعدم النزاع قلنا: إن عرفتم الاجماع بخبر الواحد فلا إجماع.

وإنما حمل أبا بكر على ذلك ما رواه الشيخ العمي(1) في كتاب الواحدة عن البراء أن وفد تميم أتوا النبي فقال أميرهم مالك بن نويرة: علمني الإيمان فعلمه الشهادتين، وأركان الشريعة، ونهاه عن مناهيها، وأمره أن يوالي وصيه من بعده وأشار إلى علي بن أبي طالب عليه السلام فلما ذهب قال النبي: من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إليه، فلحقه الشيخان وسألاه الاستغفار لهما فقال: لا غفر الله لكما، تدعان صاحب الشفاعة وتسألاني؟ فغضبا ورجعا فرأهما النبي فتبسم وقال: في الحق مبغضة.

فلما قبض النبي صلى الله عليه وآله جاء مالك لينظر من قام مقامه فرأى أبا بكر يخطب فقال: أخو تيم؟ قالوا: نعم، قال: فوصي رسول الله الذي أمرني بموالاته؟ قالوا:

الأمر يحدث بعده الأمر، قال: تالله ما حدث شئ ولكنكم خنتم الله ورسوله، و نظر إليه شزرا، وتقدم وقال: ما أرقاك هذا المنبر؟ ووصي رسول الله جالس؟

فأمر قنفذا وخالدا بإخراجه فدفعاه كرها، فركب راحلته وقال:

____________

(1) هو محمد بن جمهور العمي، قال في معجم قبائل العرب:

العم: بطن اختلف في نسبهم، فقيل: إنهم نزلوا بني تميم بالبصرة في أيام عمر بن الخطاب، فأسلموا، وغزوا مع المسلمين، وحسن بلاؤهم، فقال الناس. أنتم، وإن لم تكونوا من العرب وإخواننا وأهلنا، أنتم الأنصار والإخوان وبنو العم. فلقبوا بذلك وصاروا في جملة العرب.

وقالوا: العم لقب مالك بن حنظلة، وقالوا: لقب مرة بن مالك، وهم العميون في تميم، وقال أبو عبيدة: مرة بن وائل بن عمر وبن مالك بن حنظلة بن فهم، من الأزد. و هم: ينو العم في تميم، ثم قالوا: مرة بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم.

الصفحة 281 

 

أطعنا رسول الله ما كان بيننا     فيا قوم ما شأني وشأن أبي بكر

إذا مات بكر قام بكر مقامه      فتلك وبيت الله قاصمة الظهر

بدت وتغشاه العثار كأنما        يجاهد حمى أو يقوم على جمر

فلو قام فينا من قريش عصابة   أقمنا ولو كان المقام على الجمر

 

فبعث أبو بكر خالدا بجيش لقتله، فجاء فلم يجد فيهم مؤذنا فقال: ارتددتم عن الاسلام؟ فقالوا: بل ذهب المؤذن إلى امتيار فلم يسمع، وصافهم الحرب و كان مالك يعد بألف فارس فخافه خالد فنظر مالك إلى امرأته وهي تنظر الحرب و تستر وجهها بذراعيها فقال: إن قتلني أحد فأنت فوقعت في نفس خالد، فأعطاه الأمان فاستوثق منه، فطرح سلاحه وأخذه وقتله، وعرس بامرأته من ليلته، وطبخ على رأسه لحم جزور لوليمته.

فخرج متمم أخو مالك فاستعدى أبا بكر على خالد، واستعان بعمر، فقال عمر لأبي بكر: أقتل خالدا بمالك فقال: ما كنت لأقتل صحابيا بأعرابي في ردة عمياء قال عمر: لم يرتد بل حمله على ذلك جمال امرأته، فتشاتما فقال عمر: لو ملكت أمرا لقتلته به، فلما ولى عمر جاءه متمم وقال: قد وعدتني بقتله، فقال: ما كنت لأغير شيئا فعله صاحب رسول الله.

إن قالوا: قد يعلم من الردة ما يخفى على عمر قلنا: كيف ذلك وقد أوصاهم:

إن أدنوا وأقاموا كفوا عنهم، وكيف يخفى ذلك والقصة مشهورة؟ فقد حدث أبو قتادة أنهم أقاموا الصلاة، فلم يلتفت خالد إليهم وأمر بقتلهم فحلف: لا يسير له تحت لواء، ورجع فأعلم أبا بكر فقال عمر: قد وجب علينا القصاص.

قالوا: ذكر خالد لمالك النبي صلى الله عليه وآله فقال: صاحبك؟ فأوهم أنه ليس بصاحب له فقتله، قلنا: قد قال أبو بكر: إنه تأول فأخطأ، فلو أراد مالك الاستخفاف بالنبي صلى الله عليه وآله لم يكن خالد أخطأ بل أصاب، ولاعتذر أبو بكر إلى عمر بذلك.

الصفحة 282 

تذنيب:

روى صاحب العقد وصاحب الأغاني عن الرياشي أن متمما خاطب عبد اللاة وخالدا فقال:

 

نعم القتيل إذا الرماح تنافجت   بين البيوت قتلت يا بن الأزور

أدعوته بالله ثم قتلته     لو هو دعاك بذمة لم يغدر

فاذهب فلا تنفك حامل لعنة    ما زعزعت ريح غصون العصفر

 

ومنها: منعه فاطمة قريتين من قرى خيبر نحلهما رسول الله صلى الله عليه وآله لها وقد ادعتها مع عصمتها في آية التطهير، وأورد في مناقبها: فاطمة بضعة مني يريبني ما أرابها، ومن أغضبها فقد أغضبني، وليس للنبي أن يغضب لغضبها إلا وهو حق وإلا لجاز أن يغضب لغضب كل مبطل وقد شهد لها علي مع قول النبي صلى الله عليه وآله فيه: علي يدور معه الحق حيث دار، وقوله: علي مع الحق والحق مع علي، وأم أيمن واسمها بركة وهي حاضنة النبي صلى الله عليه وآله وقد كانت تخبر بفضائله قبل ظهور حاله، مع أنه روي أنها كانت في يدها فأخرج عمالها منها.

إن قلت: فلعله كان لا يرى عصمتها وعصمة شاهدها قلت: فكان يجب إحلافها لأنها في يدها.

إن قلت: فلعله كان لا يرى تكميل البينة باليمين قلت: هذا مردود فإن أكثر علمائكم والمشهور في كتبكم بل وفي سائر المسلمين خلافه.

إن قلت: فالهبة لا بد من قبضها، قلت: قد بينا تصرفها فيها وأنه أخرج عمالها منها.

قالوا: ترك النكير عليه دليل عدم ظلمها قلنا: فترك النكير عليها دل على صدقها، مع أنه معلوم من عصمتها، فكان يجب الحكم بمجرد قولها، ولهذا أمضى النبي شهادة خزيمة وحده، ولم يكن حاضرا لما علم من عصمته عليه السلام و جعلها بشهادتين.

الصفحة 283 

إن قيل: اكتفوا بإنكار أبي بكر قلنا: إنها أقامت على دعواها وعلى غصبها ثم إن كان إنكاره مغنيا لهم عن إنكارهم عليها، فإنكارها مغن لهم عن إنكارهم عليه.

وأيضا [ لما ] طلبت ميراثها من أبيها لقوله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم(1)) الآية وهي محكمة كما قال صاحب التقريب: إنها نسخت المواريث المتقدمة.

عارضها برواية تفرد بها هي قول النبي صلى الله عليه وآله: (لا نورث ما تركناه صدقة) والظاهر تزويرها وإلا كيف يخفى عن أهل بيته وجميع المسلمين حالها، وخبر الواحد إذا لم يكن مشهورا وعارضه القرآن، فكان مردودا لقوله صلى الله عليه وآله: إذا ورد عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فاقبلوه، وإلا فردوه، ولما سألته عن قسم رسول الله في الغنيمة قالت: أنت ورثت رسول الله؟ قال: لا، بل ورثه أهله فإذا كان لا يورث فأي شئ ورث أهله، وإذا صح هذا بطل ذلك لتناقضهما، وقد شهدتما بعدم ميراثه، ولفقتما مالك بن أوسى معكما، فوالله ما شك بعد هذا أنكما بالباطل شهدتما، فلعنة الله عليكما، وعلى من أجاز شهادتكما، فولتا تلعنانه وتقولان أخذت سلطاننا، ومنعتنا مالنا، فقال: وأي سلطان لكما ولأبويكما؟

هب أنه لا ميراث، أليس قد أسند علماؤكم بطرق ثلاثة إلى الخدري ورووه أيضا عن مجاهد والسدي أنه لما نزل (وآت ذا القربى حقه(2)) دفع النبي إليها فدكا؟

إن قيل: خبر الواحد يخصص عموم آيات الميراث كالقاتل ونحوه قلنا: إنما خصصناه بالاجماع لا بخبر الواحد، ولو سلمت صحته فمعناه لا نورث ما تركناه صدقة بل ميراثا.

وقد أخرج ابن قتيبة قولها في جوابه يرثك أهلك ولا نرث رسول الله؟ وأخرج الترمذي أنها قالت من يرثك؟ قال: أهلي وولدي، قالت: فما لي لا أرث أبي؟

وأخرج البخاري أنها قالت: أترث أباك ولا أرث أبي؟ أين أنت من قوله تعالى:

____________

(1) النساء: 11.

(2) الإسراء: 26.

الصفحة 284 

(وورث سليمان داود(1)) وقول زكريا: (فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب(2)) وإذا أجمع على أنها أتت بآيتي الميراث في احتجاجها، ودلت الدليل على عصمتها، وجب الجزم بحقية قولها.

إن قيل: قد يورث غيره من المرسلين، ولا يورث خاتم النبيين، قلنا: هذا خلاف إجماع المسلمين، فإن من ورثهم عمهم ومن منعهم عمهم.

قالوا: المراد بالآيتين إرث العلم والنبوة، إذ لو أريد المال لما اختص سليمان دون زوجات أبيه، وباقي وارثيه، وكذا الكلام في يحيى مع أبيه قلنا: العلم والنبوة تابعان للمصلحة، لا مدخل للنسب والتوارث فيهما ولا يرد قول النبي لعلي في حديث زيد بن آدمي: ما ورث الأوصياء من قبلك كتاب الله وسنة نبيه، لأنه من طريقكم، وإنما نورده إلزاما لكم، على أن في إرثه للكتاب والسنة دليل الخلافة، إذ لو كان ثم أقرب منه وأولى، لما ورثه الولاية العظمى.

وإذا قالوا: لا تجتمع النبوة والإمامة في بيت عند قولنا: لا تخرجوا سلطان محمد من بيته قلنا: فالنبي قد يولد منه النبي فما يمنع الوصي مع إجماعكم بعد الثلاثة على علي، وإرث العلم موقوف على الاجتهاد لا الميراث، ولهذا إن سليمان أوتي حكما وعلما في حياة أبيه، فلا مدخل للإرث فيه.

وذكر سليمان في الإرث لا يدل على اختصاصه به، لعدم دلالة التخصيص بالذكر، على التخصيص بالحكم، والإرث حقيقة في المال وقصة زكريا تدل عليه حيث طلب ولدا يحجب بني عمه عنه، وعن الافساد فيه، لأنهم كانوا فساقا والتقدير: خفت الموالي أن يعصوا الله بمالي، فذهب بهذا ما يتوهم من نسبة البخل إليه، والعلم والنبوة لا حجب عنها بحال، لأنه بعث لإذاعة العلم، فكيف يخاف شئ بعث لأجله.

إن قيل: لم لا يكون خوفه من مواليه الفساق أن يرثوا علمه فيفسدون

____________

(1) النمل: 16.

(2) مريم: 6.

الصفحة 285 

الرعية؟ قلنا: هذا العلم إن عنينا به الصحف، فلا يسمى علما إلا مجازا، مع أنه يرجع إلى إرث المال وإن عني به العلم الذي محله القلوب، فهو إما شريعة، فإنما بعث لنشرها، وبنو عمه من جملة أمته، وإن عني علم العواقب والحوادث، فهذا لا يجب الإعلام به، فلا خوف لأجله.

إن قيل: إنما سأل الولي خوفا من اندراس العلم، قلنا: قد كان يعلم من حكمة الله أنه لا يندرس العلم لإزاحة العلة.

إن قيل: خاف انتقاله إلى غير ولده قلنا: هذا خوف دنياوي، وليس هو مما بعث الأنبياء له، فجهة خوفهم يحمل على المضار الدينية.

ثم نرجع ونقول إنه اشترط في الولد كونه (رضيا) أي عاملا بطاعة ربه مصلحا لما له، والنبي لا يكون إلا رضيا، فلا معنى للتقييد بكونه رضيا.

إن قلت: يجوز الدعاء بالواقع، مثل (رب احكم بالحق(1)) واجعلنا مسلمين لك(2)).

قلت: كان ذلك تعبدا وانقطاعا إليه تعالى فيما يعود إلى الداعي، بخلاف هذا، ولذلك لا يحسن: رب ابعث نبيا، واجعله عاقلا.

قالوا: روي أنه قال لها: إن كان أبوك يورث فخصمك الزوجات وعمك، و إن كان لا يورث فجميع المسلمين خصمك قلنا: فما بال المسلمين لم يكونوا خصم جابر حيث قال له: النبي صلى الله عليه وآله وعدني بكذا فحثى له من مال البحرين كما أخرجه البخاري، فأعطاه بمجرد دعواه ومنع فاطمة مع عصمتها وبينتها.

إن قالوا: فلعله علم صدق جابر، قلنا: ومن أين له ذلك مع أن البخاري وغيره رووا أنه لا ينبغي للحاكم الحكم بعلمه لموضع التهمة.

إن قيل: فمذهبكم أن الحاكم يحكم بعلمه قلنا: فيدخل في قسم قوله تعالى:

(أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض) إلى آخر الآية(3).

____________

(1) الأنبياء: 112.

(2) البقرة: 128.

(3) البقرة: 85.

الصفحة 286 

إن قيل: قولكم ولا نورث ما تركناه صدقة - بالنصب - بل ميراثا، لم يتأوله أحد قلنا: أوله أصحابنا فلا إجماع في غيره.

إن قيل: لو كان هذا التأويل صحيحا لم يكن لتخصيص الأنبياء بالذكر مزية إذ غيرهم كذلك قلنا: يجوز أن يريد إنما ننوي فيه الصدقة ونفرده، وإن لم نخرجه من أيدينا لا يناله وارثنا، وهذه مزية، مع أنه يجوز ترجيح الخاص بالذكر (كفاكهة ونخل ورمان(1)) وما يدريك أن يكون النبي صلى الله عليه وآله علم من حاله إنكار ميراثه، فأفرده بالذكر لهذه المزية.

إن قيل: إنما رويت (صدقة) بالرفع، وهو ينفي ذلك قلنا: إن أهل الرواية ما يجري في هذا المجرى، أو لعلهم نسوا واشتبه عليهم، فرفعوها على ظنهم.

قالوا: لم تنكر الأمة عليه فهو دليل على صوابه.

قلنا: قد سلف ذلك(2) ولم تنكر الأمة عليها فهو دليل خطائه.

إن قيل: اكتفوا بإنكار أبي بكر عليها قلنا: إنها قامت على دعواها وعلى غصبها، ثم إن كان إنكاره كافيا لهم عن إنكارهم عليها، فإنكارها كاف لهم عن إنكارهم عليه، وقد سلف ذلك ولو دل ترك النكير على الصواب، دل تركه على صواب عمر في إنكار المتعتين، ولكان ترك النكير دليل صوابه في الجمع بين النقيضين أحدهما قوله في السقيفة (إن النبي قال: (الأئمة من قريش) وقوله في شكائه: إن سالما مع كونه عتيقا لامرأة - لو كان حيا لولاه، ويد الخلافة لا تطاولها يد.

إن قيل: فما بال عثمان مع كونه خليفة تطاول الأيدي إليه بما لا خفاء فيه قلنا: عثمان كان ضعيفا في نفسه، مستخفا بقدره، واستأثر بالأموال، فلم يكن له من المحبة ما للشيخين.

إن قيل: فإنكار نص القرآن أولى من أحداث عثمان؟ قلنا: اشتبه عليهم أن خبر الواحد يخص القرآن، فلم يظهر للرعية الجحدان، على أن أكثرها لا تعرف القرآن، ولا الحق بالبرهان، وإنما ذلك لقليل من أفراد الانسان.

____________

(1) الرحمن: 68.

(2) في ص 282 ص 20.

الصفحة 287 

قالوا: شهد لأبي بكر بصحة الخبر عمر وعثمان وطلحة والزبير وسعيد و ابن عوف. قلنا: لم يعرف ذلك منهم إلا بطريق ضعيف، مع أنهم لحل الصدقة لهم متهمون، وإلى دنياهم مائلون.

إن قيل: فعلى هذا لا تقبل شهادة مسلمين بصدقة في تركة المسلمين. قلنا:

ليس في هذا إخراج أهل التركة منها، بخلاف ما نحن فيه، إذ يخرجون بتحريم الصدقة عليهم.

وفي هذا نظر إذ فيه قبول شهادة الانسان فيما يشارك.

قال: والعجب أن كل صف ممن خالفنا في الميراث يرد أحاديث مخالفه مما هو أصح إسنادا من رواية أبي بكر (لا نورث) فإذا صاروا إلى ميراث النبي خصوا الكتاب بخبر لا يداني بعض ما ردوه.

قالوا: قال علي: ما حدث أحد بحديث إلا استحلفته، ولقد حدثني أبو بكر وصدق، وفي هذا دليل صدقه في (لا نورث) قلنا: هذا كذب عندنا، وقد روته آحادكم فليس حجة علينا، على أنه لا يلزم من صدق أبي بكر في خبر صدقه في كل خبر حتى يصدق في (لا نورث) ويكون ترك استحلافه من حيث إن عليا سمعه من النبي، لا لاستيمانه، هذا، ولما تولى عثمان أقطع فدك، وآوى عدو رسول الله وطريده مروان، لما زوجه ابنته، فكأنه أولى من فاطمة وأولادها بإقطاعها، و قد قسم عمر خيبر على أزواج النبي لأجل ابنته وابنة صاحبه، أخرجه في جامع الأصول من طريقي البخاري ومسلم وأبو بكر شريك مدعي، شاهد جار، خصم حاكم.

إن قيل: لم يدع لنفسه بل بين ما سمعه قلنا: لما جاءت الصدقة له دونهم كان جارا لنفعه.

قالوا: لو شهد اثنان أن في التركة حقا وجب صرفها عن الإرث، فكذا هنا قلنا: الأخبار لا تشبه الشهادة فإن كان ما ترك النبي صدقة فجميع المسلمين خصمه وإلا ففاطمة عندنا، وا؟؟ با خصمه، فلا يجدون لهم جوابا عن سؤاله: (كيف

الصفحة 288 

خلفتموني فيهم) سوى: آوينا من طردته، وأبعدنا وزوينا عن حقه من أوصيته فعند ذلك إلى أشد العذاب يردون، فويل لهم مما كسبت أيديهم وويل لهم مما يكتبون.

قالوا: أبو بكر ما منع كتابيا حقه، فكيف فاطمة لو كان لها حق؟ قلنا: لم يقع من الشحناء للكتابيين كما وقع لها ولأهلها، وقد ثبت بآية التطهير عصمتها وأثنت (هل أتى) على صدق طويتها، وما ورد من قول أبيها في حقها، ودخولها في العترة المأمون ضلالهم من تمسك بها.

فإن كان أبوها بحديث ما تركناه صدقة أعلمها، فلا فرية أعظم من ادعائها أموال المسلمين وذلك يناقض ما تقدم فيها، وإن لم يكن عرفها فقد أغراها على الفتنة والسقوط فيها، وفي ذلك وجوب النار له، وحاشاه منه، لما خرج من جامع الأصول عن الترمذي وأبي داود من قوله عليه السلام: إن الرجل ليعمل بطاعة الله ستين سنة، حتى يحضره الموت، فيضار في الوصية فتجب له النار، وأي ضرر أعظم من كتم ذلك عن وصيه ووارثه، وسنذكر في ذلك زيادات في باب رد الشبهات.

قالوا: طلبت فدك تارة بالنحلة وتارة بالإرث، فإن وقع ذلك عمدا أو سهوا منها بطل عصمتها قلنا: لما أنكر النحلة عدلت إلى الميراث إلزاما له بالحجة، بأن المسلم لو حاكم النصراني إلى جاثليقه فأبى أن يحكم له بشهادة المسلمين، واستشهد ذميين، لم يكن طالبا لحقه من غير وجهه، ولا يتحظر عليه في أخذه، وقد أمر الله النبي أن يقاضي اليهود بالتوراة، مع أنها محرفة ليلزمهم فيها بالحجة.

وما أحسن قول البرقي في ذلك:

 

فلم يوار رسول الله في جدث   حتى تعصب فرعون لهامان

واستخرجا فدكا منها وقد علما  بأنها حقها حقا بتبيان

ولا أقول أبا بكر ولا زفر         على الصواب وإن جاءوا ببرهان

فإن يقولوا أصابا فاليهود إذن    بإرث داود أولى من سليمان

 

الصفحة 289 

تذنيب:

قال علي لأبي بكر: لو شهد العدول على فاطمة بفاحشة ما كنت صانعا؟

قال: أحدها، قال: إذن تخرج من الاسلام لأنك تركت شهادة الله لها بإذهاب الرجس عنها، وصدقت الخلق بإثباته فيها، فقام من المجلس وترك عليا.

قالوا: لا يلزم من عصمتها أخذ مدعاها بغير بينة منها، لأن أباها مع نبوته لا يحكم له بدون بينة قلنا: هذا يضحك الثكلى، فإذا لم يعرف كون البينة حجة إلا بقوله، فكيف لا يقبل قوله إلا ببينة، إن هذا لشئ عجاب.

تذنيب آخر:

أخبرنا المرزباني مسندا إلى قاسم الخياط غلام السيد الحميري قال:

حججت معه فلقينا الكميت فسلم عليه السيد وأعظمه وقال: أنت القائل:

 

ولا أقول وإن لم يعطيا فدكا     بنت النبي ولا ميراثه كفرا

الله أعلم ما ذا يأتيان به  يوم القيامة من عذر إذا حضرا

 

قال: أضعفت عن الحق يقول النبي: (فاطمة بضعة مني يريبني من أرابها) ويشهد لها علي وولداه وأم أيمن ولم يحكم لها والله يقول: (يرثني ويرث من آل يعقوب(1)) (وورث سليمان داود(2)) ويجعلون هم سبب خلافة أبي بكر بشهادة ابنته أن النبي قال: مر أبا بكر فليصل، ما تقول فيمن حلف بالطلاق أن فاطمة و شهودها ما قالوا إلا حقا؟ قال: يقيم على امرأته، قال: فلو حلف أنهم قالوا غير الحق قال: طلقت امرأته قال: فانظر في أمرك قال: أنا تائب إلى الله من شكي فيما قلت.

تذنيب:

روي عن ابن عباس أنه دخل على أبي بكر رجل فسلم وقال: عزمت الحج فأتتني جارية وقالت لي أبلغك رسالة وهي أني: امرأة ضعيفه، وإني عائلة وكان

____________

(1) مريم: 6.

(2) النمل: 16.

الصفحة 290 

لأبي أريضة جعلها لي تعينني على دهري فكنت أعيش منها، وأنا وزوجي وولدي فلما توفي أبي انتزعها ولي البلد مني فصيرها في يد وكيله، واستغلها لنفسه و أطعم من شاء وحرمني فقال أبو بكر: ليس له ذلك ولا كرامة، لأكتبن إليه ولأعذبن هذا الظلوم الغشوم، ولأعزلنه عن ولايتي، وقال عمر: لا تمهله وأنفذ إليه من ينكل به، ويأتي به مكتوفا وأحسن أدبه على خيانته وفسقه، فقال أبو بكر: من هذا الوالي؟ وفي أي بلد؟ وما اسم المرمية بهذا المنكر.

فقال الرجل: نعوذ بالله من غضب الله، نعوذ بالله من مقت الله، وأي حاكم أجور وأظلم ممن ظلم بنت رسول الله صلى الله عليه وآله ثم خرج.

فقال أبو بكر لخدمه: ردوه، فقالوا: ما خرج علينا أحد وإن الباب لمغلق فقال عمر: لا يهولنك هذا، فربما يخيل إبليس علينا وعلى أمة محمد ليفتنهم، فقال أبو بكر لابن عباس: أعيذك بالله أن تسمع ما سمعت أحدا، فسمعنا هاتفا يقول:

 

يا من يسمى باسم لا يليق به    اعدل على آل يس الميامينا

أتجعل الخضر إبليسا فقد ذهبت         بك المذاهب من رأي المضلينا

فتب إلى الله مما قد ركبت به   آل النبي ودع ظلم الوليينا

فالله يشهد أن الحق حقهم       لاحق تيم ولا حق المخلينا

 

فأجابه آخر.

 

عدلت أخا تيم على كل ظالم    وجرت على آل النبي محمد

وأغنيت تيما مع عدي وزهرة   وأفقرت غرا من سلالة أحمد

أفي فدك شك بأن محمدا       حباها لها من دون تيم بمشهد

علي وسلمان ومقداد منها؟      وجندب مع عمار في وسط مسجد

وأشهدنا والناس أن تراثه         لفاطم من دون البعيد المبعد

فنحن شهود يوم لكفى محمدا  بظلمكم آل النبي المسدد

فلا زلت ملعونا يمسك سخطه ولا زلت مخذولا عظيم التلدد

 

الصفحة 291 

فدخل ابن عباس على علي فحدثه علي بالحديث، فلما أصبح أبو بكر دعا بفاطمة وكتب لها كتابا بفدك، فأخذه عمر وبقره، فدعت عليه بالبقر واستجيب لها فيه.

تذنيب:

رد عمر بن عبد العزيز فدكا في أيامه، وهو من أئمة العدل عندهم، فعوتب عليه، وقيل له: ظلمت الشيخين، فقال: هما والله ظلما أنفسهما، وطعنا عليهما.

وجمع المأمون العلماء لأجلها، فاضطرته الحجة إلى ردها، فردها.

بحث

* (في تكميل ذلك) *

 

قال المرتضى رحمه الله:

إن قيل: لو ورثت الأنبياء الأموال لتطرق إلى أهلهم تمنى موتهم، وهو كفر، فنزه الله أهل الأنبياء عن ذلك قلنا: جعل متروكاتهم صدقة، فيه تمنى جميع المسلمين موتهم، ولو لزم من الإرث تمني الموت، لزم عقوق الوالدين، و سرى ذلك في الأولياء.

إن قيل: قد نهيت الأمم عن تمني موتهم، قلنا: وكذلك الحكم في أهلهم على أن الله أقدر الخلق على أنواع المعاصي ولم يكن ذلك منه تعريضا لهذه القبائح فكيف يكون في ميراثهم تعريضا لتمني موتهم، وأيضا فالحكم بإرثهم مع نهي أهلهم عن تمني موتهم بمنزلة جليلة من التكليف لما فيه من مخالفة الهوى فيستحقون جزيل الثواب، فكيف ينزهون عما هو إحسان إليهم.

تذنيب:

قال الجبائي لا عفى الله عنه: طلبت حقا ورجعت بحق، قلنا: كيف ذلك فقد زعمتم أن من ظلم خردلة مخلد في النار. فكيف من ظلم بنت نبيكم؟ قالوا:

جاءت تطلب خادما من أبيها فلم يعطها، وعلمها السبيح المشهور بها، فكيف يعطيها

 

 

 

الصفحة 292 

أبو بكر فدكا بمجرد طلبها، قلنا: طلب الخادم نافلة من أبيها، وطلب فدك بمستحقها فلا يقاس عليها، ولو منعها ذلك استهانة بها، لوجب منعها من جميع حقوقها، ولم يتجرء مسلم بذلك عليها، وأي عوض جعله الشيخ لها عند منعها، كما جعله أبوها إذ ناهيك شرفا وفضلا مشاركتها إلى القيامة من ثواب من أتى بتسبيحها.

قالوا: قلتم إنما منعها كيلا ينتفع بها بعلها كيف ذلك وقد أعطوه من غنيمة عساكرهم قطعة من بساط كسرى باعها بعشرين ألفا.

قلنا: ظاهر منعها عدم انتفاع أهل البيت بها لتمالئهم عليها، وانحرافهم عنها وعن أهلها، وإقطاع ذلك مروان دونها، مع كونه عدوا لأبيها، وكان الواجب صلتها بها، وإن لم يكن ملكها تقربا إلى أبيها وربها، وإعطاء البساط إن صح لم يناف ما قلناه لكونه حقه إذ الأمر والإمارة له، ولو أمكن منعه لشبهة لفعلوها كغيرها إذ كل الأمور لا يمكن التلبيس فيها، والعساكر للاسلام لا لأولئك اللئام وقد أخرج البخاري قوله عليه السلام: إن الله ينتصر لهذا الدين بالرجل الفاجر.

قالوا: قلتم غضبت لذلك عليهما، ودفنت ليلا لئلا يصليان عليها لتمنعهما غفران ذنبيهما كيف نسبتم إلى علي ذلك وفيه منع الدعاء لها بالصلاة عليها، ومنع غفران ذنوب الصحابة بتركها، وهل يكون عليا إلا مناعا للخير عنهم وعنها.

قلنا: أما غضبها فقد صار من الأوليات لما جاء من الخائنين في الروايات فقد أخرج في جامع الأصول وحكاه عن مسلم والبخاري عن عائشة مجيئها تلتمس أرضها وميراثها، فردها أبو بكر بلا نورث، وهجرته حتى ماتت ودفنها علي ليلا ولم يؤذنه بها وفي بعض الطرق أنه عتب فقال: بذلك أمرتني على أنه لا حجة في دفنها ليلا لدفن النبي وابن عمر وغيرهما ليلا وقد أسند عيسى بن مهران إلى ابن عباس أنها أوصت أن لا يعلمهما بدفنها، ولا يصليان عليها، رواه الواقدي وغيره، وهذا ونحوه دليل غضبها عليهما.

وفي البخاري (من أغضبها فقد أغضبني) وفي مسلم (يريبني ما أرابها ويؤذيني ما آذاها) ورووا جميعا أنه عليه السلام قال: إن الله يغضب لغضبها، وقد قال الله تعالى:

الصفحة 293 

(إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة)(1) ولهذا قالت لهما:

أنشد كما الله هل سمعتما النبي يقول: رضا فاطمة من رضاي وسخطها من سخطي؟

من أرضاها فقد أرضاني، ومن أسخطها فقد أسخطني؟ قالا: نعم قالت: أشهد الله وملائكته أنكما قد أسخطتماني فبكى أبو بكر وهي تقول: والله لأدعون عليك في كل صلاة.

قولهم: منعها الدعاء قلنا: ليس كل دعاء مقبول، وقد يدعو عليها في صلاته ويتشفى بها في حضوره، كما قصد أذاها مرارا في حياتها، فيكون عليا بذلك مناعا للشر عنها، وقد منع الله غير المستحقين من جنات النعيم، فكذا أمير المؤمنين ليس بمناع للخير معتد أثيم.

قالوا: ليس في ردها بالحق أذى لها قلنا: وأي حق أوجب ردها، بعد نزول آية التطهير فيها، وثبوت عصمتها الموجبة لصدق دعواها، وأن النبي يغضب لغضبها، ويستحيل غضبه بغير الحق لها، وقد أورد العلماء حديث (يريبني ما أرابها) في جملة مناقبها.

قالوا: حديث (يؤذيني ما آذاها) إنما قال النبي لعلي عند خطبته لعنت أبي جهل بن هشام قلنا: لا صحة لهذا الحديث فإنه من وضع الكرابيسي وهو مشهور لأهل البيت بعداوتهم، والازراء على فضائلهم، ويشهد بكذبه إنكار النبي جهات الحل الأربع الذي جاء به ولو فرض أنه نفر عن إغارة ابنته بطبعه، لأنكر عليه سرا وتكلم في العدول عنه خفيا لما وصفه الرب الحكيم في قوله: (وإنك لعلى خلق عظيم)(2) وهذا المأمون لما أنكح الجواد ابنته فتزوج عليها، كتبت بذلك إلى أبيها فأجابها منكرا عليها: إنا ما أنكحناه لنحظر ما أحله الله، وليس للمأمون ولا لغيره ما كان للنبي في احتماله وغيره(3) وليس في الخطبة وصمة لعلي توازي النقيصة في

____________

(1) الأحزاب: 57.

(2) القلم: 4.

(3) يعني الغيرة بمعنى الآنفة والحمية.

الصفحة 294 

إنكار النبي، وقد اتفق النقلة على أن الله اختار عليا لها، وزوجه في السماء بها ولا يختار لها من يغيرها ويغمها، على أن ما ثبت من عصمتها يرفع الغم بذلك عنها على أنه لم يعهد إليه من علي الإقدام على ما يكره النبي، ولو كان الخبر صحيحا لعنون به بنو أمية في العيب عليه، ولضموه إلى ما يتخر صونه من العيوب فيه، ولم يتنبه القائل به لما فيه من ذم نبيه، وقد أورد فيه الفاجر قول النبي: (لا تستوي بنت مؤمن ولا كافر) وقد استوى عند النبي ذلك وهو ظاهر.

تذنيب:

قد سلف الكلام في تأدية براءة وما فيها في الباب التاسع فليراجع منه.

ومنها، ما رواه مسلم في صحيحه على حد ثلاث كراريس أنه لما بعثت فاطمة تطلب إرثها وحقها من فدك ومن خمس خيبر لم يعطها شيئا، وأقسم أن لا يغير شيئا من صدقات رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد غير ذلك وحنث في يمينه.

ففي الجمع بين الصحيحين في الحديث الثالث أن النبي صلى الله عليه وآله ما كان يعطي بني نوفل، وبني عبد شمس من خمس خيبر شيئا، وكان أبو بكر يقسم نحو قسم النبي غير أنه ما كان يعطي قرابة النبي صلى الله عليه وآله كما كان النبي يعطيهم، قال ابن شهاب: وكان عمر يعطيهم وعثمان بعده.

ومنها: ما ذكره الطبري في تاريخه والبلاذري في أنساب الأشرف و السمعاني في الفضائل(1) وأبو عبيدة من قوله على المنبر حين بويع: أقيلوني لست بخيركم وعلي فيكم، وهذا يدل على أنه ليس خليفة رسول الله، وإلا فمن يقيله مع إنفاذ كتبه بذلك إلى الآفاق والولاة، حتى روي أن أباه نقض عليه ما أملاه، وكان الواجب أن يكتب من خليفة عمر لأنه أول من بايعه وتولاه، وفي قوله: (لست بخيركم) تكذيب لما رووه من قول النبي صلى الله عليه وآله ما طلعت الشمس وما غربت على

____________

(1) ورواه في الصواعق المحرقة ص 30 ولفظه (أقيلوني أقيلوني لست بخيركم) و وفي الإمامة والسياسة: (لا حاجة لي في بيعتكم أقيلوني بيعتي).

الصفحة 295 

أحد بعد النبيين أفضل من أبي بكر، فكان يحسن منه تكذيب النبي صلى الله عليه وآله.

قالوا: قال ذلك تواضعا كقول النبي صلى الله عليه وآله: (لا تفضلوني على يونس) مع أنه أفضل منه ومن غيره.

قلنا: قياس باطل لأن النهي إنشاء لا يحتمل الصدق والكذب، بخلاف الجبر؟

وحينئذ نقول: إذا كان صادقا لم يصلح للإمامة، وإن كان كاذبا فكذلك، فالعذر بالتواضع فاضح غير واضح.

ثم نقول: إن كانت الإقالة محرمة فطلبها معصية، وإن كانت جائزة فما بال عثمان لما طلبوا خلعه اختار القتل دونها، وقد أبيحت كلمة الكفر وغيرها من المحرمات عند الخوف على النفس، فالخلع عنده أعظم من الكفر والقتل، وأبو بكر دعا إلى الخلع فكل منه ومن عثمان يكفر الآخر التزاما.

على أن الاختيار كان إلى الأمة في؟ معنى لطلبها خلع عثمان، بل لها عزله وإن كان إلى الإمام فلا معنى لطلب الآخر الإقالة، بل له عزل نفسه.

قالوا: نبه بذلك على أنه لا يبالي بخروج الأمر عنه قلنا: ظاهره الإقالة فلا يعدل عنه بغير دليل، ولو أراد غيره لقال: ما أكرهتكم على بيعتي ولا أبالي أن لا يكون هذا الأمر لي، وما أحسن ما قال في ذلك الجزري:

 

قال أقيلوني فما أقاله    الثاني فأي الرجلين أظلم

مهدها لغيره في نفسه  بالله ما يفعل هذا مسلم

 

وقد ذكرنا طرفا في آخر باب النصوص من الرسول صلى الله عليه وآله.

تذنيب:

سبب طلبه ما رواه أبان ابن عثمان عن ابن عباس أن عليا احتج عليه بمناقبه فنام فرأى النبي صلى الله عليه وآله في منامه، فسلم فأعرض بوجهه، وأمره أن يرد الحق إلى أهله، فصعد المنبر وبدأ في تفسير منامه، فقام الثاني وقال: ما دهاك؟ والله لا أقلناك فرد عزمه، وسيأتي ذلك تاما في باب المجادلة.

الصفحة 296 

ومنها قوله على منبر المدينة: (أعينوني وقوموني)(1) رواه القاسم بن سلام عن هشام ومن المعلوم أن المحتاج إلى الرعية أحوج إلى الإمام وأين ذلك من قول علي عليه السلام: (سلوني قبل أن تفقدوني) أورده شارح المصابيح وغيره.

قالوا: كان تحت منبره الرعية والجهال فأراد إرشادهم بالسؤال، وأبو بكر كان تحت منبره علماء الأمة وصدورها، فأراد بذلك استمالة قلوبهم، لا ليستفيد منهم، ولم يخالفوه.

قلنا: قد ذكر سائر المؤرخين أنه كان عند علي أكابر الصحابة كأبي أيوب وابن عباس وخزيمة وعمار وعدي وعثمان ابن حنيف وغيرهم.

قولهم: (لا يستفيد منهم) منقوض بما أخرجه الترمذي أنه لم يعرف ميراث الجدة، حتى شهد له ابن شعبة ومحمد بن مسلمة أن النبي صلى الله عليه وآله أعطاها السدس، و نمنع عدم المخالفة بما في كتبهم عن علي (إن القوم استضعفوني) وقول أبي بكر:

(ليتني كنت تركت بيت فاطمة)(2) وقول فاطمة له، كما رواه ابن قتيبة وغيره فأي مخالفة أعظم منه، هذه ومثلها لمن تأملها.

ومنها: ما رواه الواقدي من قول أبي بكر: قد علمت أني داخل النار أو واردها فليت شعري هل أخرج منها أم لا؟ ومن يرمي بنفسه بهذه الطامة كيف يصلح للإمامة العامة؟ وأين ذلك من قول علي بعد ضربة ابن ملجم: فزت والله، وقال للحسن ما يرى أبوك سوءا بعد اليوم، وقال لما بكته أم كلثوم: هذه الملائكة والنبيون يقولون: يا علي انطلق فما أمامك خير لك مما أنت فيه.

ومنها: أنه تخلف عن جيش أسامة مع تكرير النبي الأمر بتجهيزه، ولعنه المتخلف عنه، فقد أخرج الطبري في المسترشد أن جماعة من الصحابة كرهوا تأمير

____________

(1) راجع تاريخ الطبري ج 3 ص 210، الإمامة والسياسة ج 1 ص 16 وهكذا سيرة ابن هشام ج 2 ص 661 (2) رواه الطبري في تاريخه ج 4 ص 3؟.

الصفحة 297 

أسامة فبلغ النبي صلى الله عليه وآله ذلك، فخطب وأوصى به، ثم دخل بيته وجاء المسلمون يودعونه ويلحقون بأسامة، وفيهم أبو بكر وعمر والنبي يقول: أنفدوا جيش أسامة فلما بلغ الجرف بعثت أم أسامة وهي أم أيمن أن النبي صلى الله عليه وآله يموت، فاضطرب القوم وامتنعوا عليه، ولم ينفذوا لأمر رسول الله صلى الله عليه وآله ثم بايعوا لأبي بكر قبل دفنه فادعى القوم أن أبا بكر لم يكن في جيش أسامة.

فحدث الواقدي عن ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة أن أبيه قال: كان فيهم أبو بكر، وحدث أيضا مثله عن محمد بن عبد الله بن عمر وذكره البلاذري في تاريخه والزهري وهلال بن عامر ومحمد بن إسحاق وجابر عن الباقر عليه السلام ومحمد بن أسامة عن أبيه ونقلت الرواة أنهما كانا في حالة خلافتهما يسلمان على أسامة بالإمرة.

وفي كتاب العقد اختصم أسامة وابن عثمان في حائط فافتخر ابن عثمان فقال أسامة: أنا أمير على أبيك وصاحبيه، فإياي تفاخر؟ ولما بعث أبو بكر إلى أسامة أنه خليفة، قال: أنا ومن معي ما وليناك أمرنا، ولم يعزلني رسول الله عنكما وأنت وصاحبك بغير إذني رجعتما، وما خفي على النبي صلى الله عليه وآله موضع وقد ولى عليكما، ولم يولكما.

فهم الأول أن يخلع نفسه فنهاه الثاني فرجع أسامة ووقف بباب المسجد وصاح: يا معشر المسلمين عجبا لرجل استعملني عليه فتأمر علي وعزلني، ولو فرض أنهما لم يكونا فيه، أليس قد عطلاه بعدم تنفيذه، وعصيا أمر النبي صلى الله عليه وآله بتنفيذه قال الحميري:

 

أسامة عبد بني هاشم    ومولى عتيق ومولى زفر

لقد فضل الله ذاك بن زيد       بفضل الولاء له إذ شكر

على زفر وعتيق كما    رواه لنا فيهما من حضر

ولو كان دونهما لم يكن          ليرجع فوقهما في الخبر

فصيره لهما قائدا         فقالا له قد سئمنا السفر

 

الصفحة 298 

 

وقال عتيق ألا يا زفر    يكلفنا الغزو بعد الكبر

فولا وماتا جميعا ولم    يطيعا أسامة فيما أمر

 

وأنشأ الناشي والعوني، وابن الحجاج، وديك الجن، والنمري، و الجزري أشعارهم في ذلك.

إن قيل: لو كانا فيها ورجعا لأنكروا عليهما، قلنا: كان الحال وهو موت النبي صلى الله عليه وآله يمنع الانكار عليهما أولم يعرف الكل الأمر بالكون فيه، أو جوزوا أن أسامة ردهما أو عاند بعض لغرضه في رجوعهما.

قال الجاحظ: لو جهد أحد على حديث أن أبا بكر كان في جيش أسامة لم يجده قلنا: ذكره منهم من لا يتهم عن البلاذري وأسند أبو بكر الجوهري في كتاب السقيفة أن أبا بكر وعمر كانا فيه وقد سلف.

قالوا: خطابه بالتنفيذ إنما هو لأسامة، لأنه الأمير قلنا: الأمر الفوري بالانفاذ يتضمن الأمر بخروج كل شخص إذ لا يتم الجيش بدونه، على أن لفظة أنفذوا تدل على الجميع.

قالوا: الأمر بالتنفيذ لا بد من شرطه بالمصلحة قلنا: إطلاق الأمر يمتنع من هذا الشرط، ولو كان كذلك لسرى في جميع أوامر الله، فإنها تابعة للمصلحة لأنها لا تفعل حتى يحضر المصلحة.

إن قالوا: حروبه عليه السلام بالاجتهاد فجازت مخالفتها لمصلحة قلنا: لا فإن أعظم تعلقها بالدين، ولو جاز الاجتهاد فيها جاز في الأحكام كلها فساغت المخالفة في جميعها.

قالوا: ترك علي المحاربة لمصلحة مع أمر الله بها قلنا: إنما ترك لفقد القدرة أما الخروج في الجيش فقد كان فيه قدرة.

إن قالوا: رجع ليختاره النبي صلى الله عليه وآله للإمامة قلنا: خروجه لا يمنع النبي من اختياره، وأيضا فلم لم يخرج بعد البيعة له وقد زعمتم أن النبي صلى الله عليه وآله أمره بالصلاة كيف ذلك وقد كان بروايتكم في جيش أسامة، وقد علم النبي موت نفسه

الصفحة 299 

ونعاها قبل ذلك بشهر، كما رواه الواقدي عن عبد الواحد بن أبي عون فكذلك أخرج أبو بكر ومن خافه على تبديل أمره في جيش أسامة وقد ذكر أبو هاشم المغربي في كتابه الذي سماه الجامع الصغير أن أبا بكر استرجع عمر من جيش أسامة وقد كان في أصحابه.

ومنها: كذبه على رسول الله صلى الله عليه وآله بتسمية نفسه خليفة وكتب إلى الأطراف من خليفة رسول الله مع إجماعهم على أنه عليه السلام لم يستخلف، وإنما ثبتت إمامته ببيعة عمر له، ورضى أربعة، فكان الصحيح أن يكتب من خليفة عمر لأنه المستخلف له، فقد ذكر المبرد في كامله أنه حين أوصى إلى عمر كتب (هذا ما عهد أبو بكر خليفة رسول الله أني استعملت عليكم عمر بن الخطاب) وقد قال النبي صلى الله عليه وآله: من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار، فهذه الفرية خاتمة عمله والأعمال بخواتيهما.

قال ابن حماد:

 

قالوا أبا بكر خليفة أحمد         كذبوا عليه ومنزل القرآن

ما كان تيمي له بخليفة  بل كان ذاك خليفة الشيطان

 

تذنيب:

أخرج الغزالي في الإحياء عن زيد بن أسلم قال: دخل الثاني على الأول و هو يجيل لسانه وفي موضع آخر ينضنض بلسانه فقال: هذا أوردني الموارد.

وفي تنفيس الكرابيسي وزهرة البستي ومواعظ الكرامي أن الأول قال عند موته يا ليتني كنت طيرا في القفار آكل من الثمار، وأشرب من الأنهار، وآوي إلى الأشجار، ولم أول على الناس، فدخل عليه الثاني فقال: هذا أوردني الموارد.

وقد اشتهر أنه قال: يا ليتني كنت تبنة في لبنة، أو شعرة في صدر مؤمن، وسيأتي من الثاني نحو ذلك في بابه.

وحدث الحسين بن كثير عن أبيه قال: دخل محمد بن أبي بكر على أبيه وهو يتلو شيئا فقال: ما حالك؟ قال مظلمة ابن أبي طالب فلو استحللته، فقال؟ لعلي

الصفحة 300 

في ذلك، فقال: قل له ائت المنبر وأخبر الناس بظلامتي، فبلغه فقال: ما أراد أن يصلي على أبيك اثنان.

وقال محمد: كنت عند أبي أنا وعمر وعائشة وأخي فدعا بالويل ثلاثا، وقال:

هذا رسول الله صلى الله عليه وآله يبشرني بالنار، وبيده الصحيفة التي تعاقدنا عليها، فخرجوا دوني وقالوا: يهجر فقلت: تهذي؟ قال: لا والله لعن الله ابن صهاك فهو الذي صدني عن الذكر بعد إذ جاءني.

فما زال يدعو بالثبور حتى غمضته ثم أوصوني لا أتكلم حذرا من الشماتة فأين هذا من قول علي عليه السلام: إني إلى لقاء ربي لمشتاق، ولحسن ثوابه لمنتظر.

ومنها: قوله: إن لي شيطانا يعتريني فإن استقمت فأعينوني، وإن زغت فقوموني ذكره الطبري في تاريخه(1) قالوا: قد أخبر الله أن الشيطان أزل آدم و حوى، ولم يلزمهما بذلك نقص فكذا هنا قلنا: أزلهما عن مندوب، فلا يستويان بمن أخبر عن نفسه بإجراء عادته بإغراء الشيطان له وطاعته.

إن قيل: لو كان أمرهما مندوبا لم يقصد الشيطان إلى صرفهما عنه، لعدم العصيان فيه قلنا: ومن أين علم الشيطان وجوبه، ليس إلا من ظاهر النهي ولا يدل عليه.

إن قيل: قال أبو بكر ذلك على سبيل الاشفاق من الشيطان لا أنه واقع قلنا:

لو كان كذلك لقال: إني لا آمن من كذا أو إني لمشفق من كذا إن قيل: يعتريني لفظ مستقبل، فقد لا يقع، وإن وقع لا يطاع. قلنا: خطاؤه في الأحكام، وإقدامه على إهانة فاطمة وأهلها عليهم السلام دليل الوقوع المستلزم للطاعة وكذا ما حكيناه من دعائه بالويل والثبور عند موته.

تذنيب:

في عهد عمر إلى معاوية في قوله: إن لي شيطانا يعتريني، قال عمر: ما عني بالشيطان غيري.

____________

(1) راجع ج 3 ص 310.

الصفحة 301 

ومنها: قوله عند موته (ليتني كنت سألت رسول الله هل للأنصار في هذا الأمر حق(1) وهذا شك منه في أمره، وقد دفع الأنصار بما رواه عن النبي صلى الله عليه وآله:

الأئمة من قريش.

قالوا: لا شك هنا بل مثل قول إبراهيم: (ليطمئن قلبي) قلنا: ظاهره الشك وعدل عنه في إبراهيم لعدم جوازه على الأنبياء، وقد قال في جواب: (أولم تؤمن). (بلى).

قالوا: الحق المسؤول عنه لا يتعين في الإمامة قلنا: قوله إن هذا الأمر لا يصلح إلا للحي من قريش، والأئمة من قريش، تعيين أن الأمر هو الإمامة وإلا فأي حق للأنصار في غير أن لا يتولاها رجل منهم، ولم يقع في شئ سواها خلاف بينهم ومنها: قوله في مرضه ليتني كنت تركت بيت فاطمة لم أكشفه، وهو توبة عند معاينة العذاب، فلا تنفعه لآية (إني تبت الآن(2)) وقد أسلفنا قوله عند موته: إن النبي بشره بالنار، وقال: ليتني في ظلة بني ساعدة ضربت يدي على أحد الرجلين، فكان هو الأمير، وكنت الوزير. عني عمر وأبا عبيدة.

قالوا: إذا اشتد التكليف على الشخص تمنى خلافه قلنا: ولايته إن كانت حقا وحسنا فتمني خلافها لا يكون إلا قبيحا لكونه مفسدة.

ومنها: أنه طلب هو وعمر إحراق بيت أمير المؤمنين عليه السلام لما امتنع هو وجماعة من البيعة، ذكره الواقدي في روايته، والطبري في تاريخه، ونحوه ذكر ابن عبد ربه وهو من أعيانهم، وكذا مصنف كتاب أنفاس الجواهر.

قالوا: له تخويفهم بذلك لأجل البيعة قلنا: الإمامة عندكم ليست من أصول الدين ولا من فروعه، فكيف يحرق عليها، والنبي لم يقهر كتابيا على متابعته، و هلا قصد بيوت الأنصار وغيرهم بذلك، وأسامة ابن زيد لم يبايع إلى أن مات.

____________

(1) راجع تاريخ الطبري ج 4 ص 53 الطبعة القديمة.

(2) النساء: 18.

الصفحة 302 

ومنها: قول عمر في حقه: كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله المسلمين شرها فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه(1)، وليس في الذم والتخطئة أبلغ من ذلك.

قالوا: معلوم ضرورة رضاؤه ببيعته قلنا: لم يرض بها إلا لكونها سببا إلى استخلافه، كما قال له علي عليه السلام: احلب حلبا لك شطره، ولكونها دافعة لما هو أضر منها في زعمه، وهو بيعة علي عليه السلام، ولو ملك الاختيار لكان مصيرها إلى نفسه أقر لعينه.

وقد أسند الهيثم ابن عدي إلى سعيد بن جبير قول عمر لما استأذنه عبد الرحمن ابن أبي بكر: دويبة سوء، ولهو خير من أبيه، فقال عبد الرحمن بن عمر: هو خير من أبيه؟ منكرا عليه، فقال: فمن ليس خير من أبيه لا أم لك، ثم قال لابنه: أنت في غفلة عما كان من تقدم أحمق بني تيم علي وظلمه لي، ثم تجاسر عمر وتكلم بالفلتة.

وأسند أيضا: قول الشعبي: لقد كان في صدر عمر ضب على أبي بكر، فقال رجل أزدي له: ما سمعنا رجلا أقول بالجميل من عمر في أبي بكر، فقال: كيف صنع بالفلتة أترى عدوا يقول مثلها في عدوه؟ يريد يهدم بها ما بنى لنفسه وأسند شريك إلى أبي موسى الأشعري أنه اجتمع والمغيرة بن شعبة عند عمر فكلمهما في أبي بكر بعد استكتامهما، فقال: لقد تقدمني ظالما، وخرج إلي منها آثما، لأنه لم يخرج إلا بعد اليأس منهما، ولو أطعت زيد بن الخطاب لم يتلمظ بشئ من حلاوتها، ولكني نقضت [ وأبرمت ] دابره، فلم أجد بدا إلا الاغضاء عنها قال المغيرة: فما منعك من السقيفة وقد عرضك لها؟ قال: إنما كان ذلك عند إقبال الناس عليه وقد عرف انصرافهم عني فأن يعرف ما عندي، فلم آمن غائلته بعد ذلك بي، فرددتها عليه بعد ذلك، فالتمع وجهه سرورا، ومن يقول ذلك كله فيه.

ثم رووا أنه قال فيه: إنه خير الناس بعد رسول صلى الله عليه وآله فمن قال غير ذلك فهو مفتر، فأخذوا بأحد النقيضين بالهوى، وتركوا الآخر ميلا عن الهدى، وفى

____________

(1) رواه البخاري في باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت ج 4 ص 179 وهكذا سيرة ابن هشام ج 2 ص 658 وغير ذلك من الكتب.

الصفحة 303 

كلام عمر خفت أن تفترق، ولم يكن بيعة، دليل أنها وقعت لخوف لا لاستحقاق.

إن قيل: فأنتم أيضا أخذتم بأحد النقيضين قلنا: كونه خيرا لم يرد من طرقنا بل ما رويتم فيه فاسد عندنا، فما ألزمناكم لا يلزمنا.

إن قالوا: كيف يطعن عمر فيها، وهي أساس لخلافته بعدها قلنا: قد لا يقول إن خلافته بنص أبي بكر عليها، بل بالاجماع والبيعة فيها، لعدم البغتة والفجاءة كما كان في الذي قبلها.

قالوا: ليست الفلتة هي الزلة بل البغتة، لأن العرب تسمي آخر يوم من شوال فلتة، لأنها لا يدرك الثأر فيه بدخول القعدة لكونه من أشهر الحرم، فأراد عمر بالفلتة أنهم أدركوها بعد أن كادت تفوت، فجعلوا الفلتة فضيلة حتى قال الجاحظ لا يجوز أن يحبو الله بها إلا الأنبياء أو خليفة نبي.

قلنا: لا تخرج الزلة من اسم الفلتة، وإن احتملت البغتة فقد خصها بالزلة قوله: وقى الله شرها، وقول الجاحظ: أو هي من بيت العنكبوت، وإلا فأين الفلتة التي وقعت للأنبياء، ويلزم كون بيعة الرضوان وغيرها فلتة على أن قول عمر: فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه، يؤكد فساد ذلك. وكيف يقتل من يعود إلى سنة الله في الأنبياء، (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)(1) لا يقال: إنما قال ذلك لأنها من خصائصهم وخلفائهم، فلم تحز لغيرهم لأنا نقول: بيعة الإمام ليست لغيرهم وإن لم تكن فلتة على أنه قد كان بعد عمر خليفة فعلى قوله: لو عاد إلى مثلها قتل، وعلى قول الجاحظ: لا يقتل فتناقضا.

قالوا: قوله: وقى الله شرها، تصويب لها لأن المراد وقى شر الاختلاف قلنا: هذا عدول عن الظاهر، لأنه أضاف الشر إليها دون غيرها ولهذا أمر بقتل من عاد إلى مثلها.

قالوا: المراد من عاد إلى بيعة من غير ضرورة ولا مشاورة فاقتلوه قلنا:

المثلية تقتضي وقوع الثانية على وجه وقوع الأولى، وليس المعروف من الفلتة ما

____________

(1) الأحزاب: 21.

الصفحة 304 

ذكروه من آخر شوال، بل المعروف عندهم أنها آخر ليلة من أشهر الحرم فيرى الهلال في قوم دون آخرين، فيغارون عليهم حال أمنهم، قال ابن عباس عن عمر:

كان أمر الأول فلتة حباني بها، كما حبوته بها أولا.

قال الحميري:

 

أو لم يقم عمر علانية لهم       حتى أقر بجرمه إقرارا

كانت مبايعتي عتيقا فلتة         أخسرت ميزاني بها إخسارا

 

وقال ابن حماد:

 

أما عمر قام في حزبه   وقال اسمعوا ما أقله وعوه

ألا إن بيعتكم فلتة       فمن عاد في مثلها فاقتلوه

 

ومنها: أنه خالف رسول الله صلى الله عليه وآله عندهم في ترك الاستخلاف فلم يترك الأمر للناس، بل ولى عمر، وهو لا يصلح للاستخلاف إذ لم يوله النبي صلى الله عليه وآله عملا سوى يوم خيبر، فرجع منهزما وولاه الصدقة فشكاه العباس فعزله سريعا.

إن قالوا: ليس في التولية وعدمها صلاحا للإمامة وعدمها، وقد ولى النبي خالدا وابن العاص ولم يصلحا، وترك في مواضع تولية علي وترك علي تولية الحسين ولم يجب أن لا يصلحا.

قلنا: قد علمنا عادة أن من يترشح من الأمور لكبارها، لا بد أن يدرج إليها بصغارها، لينبه بذلك على صلاحه، ويكشف بتكرير ذلك عن رشده وفلاحه ومتى ولاه وعزله، واستكفى الأمور غيره، غلب على الظن عدم تأهله للولاية فخالد وعمر إنما لم يصلحا للإمامة لفقد شرطها فيهما، وصلحا لما ولاهما لحصول شرائط القيام فيه لهما، وعلي عليه السلام وإن لم يتول جميع الأمور، فقد تولى أكثرها وخلفه على المدينة، وكان على يده الفتوح، وكان في خيبر أمير جيشها وكان الفتح له دون المنهزمين عنها، وعزل أبا الفصيل عن براءة وبعث عليا بها، ولو لم يكن إلا أن النبي صلى الله عليه وآله لم يول عليه أحدا قط لكفى وشفى، وعدم تولية علي للحسين عليهما السلام ليس لعدم صلاحه، فإنه لا خلاف في كونه صالحا لها، لكن لم تطل

الصفحة 305 

مدة أبيه ولم يتفرغ من الطوائف الثلاث بخلاف النبي صلى الله عليه وآله.

قالوا: لم يعثر لعمر على تقصير في ولاية قلنا: لو لم يكن إلا ما اتفق عليه من خطائه في الأحكام واستفتائه غيره من الأنام، حتى اشتهر في الجماعات قوله: (كل أفقه من عمر حتى المخدرات(1) وحظ الإمامة في المعرفة بالأحكام، والافتاء في الحلال والحرام، وليس كل خطأ يرجع إلى حسن السياسة في الأعمال، والاستظهار في جباية الأموال، وتمصير الأمصار، ووضع الأعشار.

قالوا: قال النبي صلى الله عليه وآله: إن وليتموها عمر تجدوه قويا في ذات الله قويا في بدنه، وهذا يدل على صلاحه وتوليته، قلنا: هو من أخباركم الآحاد، دون صحته خرط القتاد، إذ لو صح لاقتضى تفضيل عمر على أبي بكر، ولأحتج به على الجماعة لما قالوا: وليت علينا فظا غليظا، بأن يقول: بل من شهد له النبي بالقوة.

ومنها: أنه خالف المشروع فقطع يسار سارق، وأحرق السلمي بالنار مع قول النبي صلى الله عليه وآله: (لا يعذب بالنار إلا رب النار) ولم يعرف ميراث الجدة ولا الكلالة، وقال: أقول فيها برأيي فإن كان صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، وفي هذا تجويز كون الحاكم جاهلا وصبيا ومجنونا، وغير ذلك من وجوه النقص، إذا كان الحكم بالخبط والاتفاق، ولا يخفى ما فيه من تعطيل أحكام الله بالاطلاق.

قالوا: فعلي عذب بالنار قلنا: لم يقل النبي: أقضاكم أبو بكر، الحق يدور مع أبي بكر، أنا مدينة العلم وأبو بكر بابها، وغير ذلك كما قال في علي وعلمنا بأنه ما عذب بالنار، إلا بعهد من النبي، فلا يقاس على الولي، بالشاهد على نفسه بإعتراء الشيطان الغوي، وفي هذا الباب أمور أخر تدل على الضلالة تركناها خوف الإطالة، وما أحسن ما روت العباسة من شعر أبيها السيد الحميري:

____________

(1) راجع الدر المنثور ج 3 ص 133 وسائر التفاسير عند قوله تعالى: (وآتيتم إحداهن قنطارا) الآية 20 من سورة النساء.

الصفحة 306 

 

أجاء نبي الله من آل هاشم       لتملك تيم دونه عقدة الأمر

وقصر عن قوم بهم تم أمرها    ويملكها بالصغر منهم أبو بكر

أفي حكم من هذا فنمنع حكمه          لقد صار عرف الدين فيهم إلى نكر