الفروق الحقيقية بين المكي والمدني

ولم نجد في الشبهات التي تناولناها ولا نجد في غيرها ما يمكنه أن يصمد أمام النقد العلمي أو الدرس الموضوعي ومن كل ذلك يجدر بنا أن نقدم تفسيراً منطقياً لظاهرة الفرق بين القسم المكي والقسم المدني وان كنا قد المحنا إلى جانب من هذا التفسير عندما تناولنا الشبهات بالنقد والمناقشة.

 

ويحسن بنا أن نذكر الفروق الحقيقية التي امتاز بها المكي عن المدني سواء ما يتعلق بالأسلوب أو بالموضوع الذي تناوله القرآن. ثم نفسر هذه الفروق على أساس الفكرة التي اشرنا إليها في صدر البحث والتي تقول أن هذه الفروق كانت نتيجة لمراعاة ظروف الدعوة والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها. لان الهدف والغاية يلقيان - في كثير من الأحيان - بظلهما على طريق العرض والمادة المعروضة.

 

وتلخص هذه الفروق والخصائص التي يمتاز بها المكي عن المدني غالباً بالأمور التالية:

 

1 - إن المكي عالج بشكل أساسي مبادئ الشرك والوثنية وأسسها النفسية والفكرية ومؤداها الأخلاقي والاجتماعي.

 

2 - وقد أكد على ما في الكون من بدائع الخلقة وعجائب التكوين الأمر الذي يشهد بوجود الخالق المدبر لها. كما أكد على عالم الغيب والبعث والجزاء والوحي والنبوات وشرح ما يرتبط بذلك من أدلة وبراهين كما خاطب الوجدان الإنساني وما أودعه اللّه فيه من عقل وحكمة وشعور.

 

3 - والى جانب ذلك تحدث عن الأخلاق بمفاهيمها العامة مع ملاحظة الجانب التطبيقي منها وحذر من الانحراف فيها كالكفر والعصيان والجهل والعدوان وسفك الدماء ووأد البنات واستباحة الأعراض واكل أموال اليتامى.. إلى غير ذلك وعرض إلى جانب ذلك الوجه الصحيح للأخلاق كالإيمان باللّه والطاعة له والعلم والمحبة والرحمة والعفو والصبر والإخلاص واحترام الآخرين وبر الوالدين وإكرام الجار ونظافة اللسان والصدق في المعاملة والتوكل على اللّه وغير ذلك.

 

4 - وقد تحدث عن قصص الأنبياء والرسل والمواقف المختلفة التي كانوا يواجهونها من قبل أقوامهم وأممهم وما يستنبط من ذلك من العبر والمواعظ.

 

5 - انه سلك طريق الإيقاع الصوتي والإيجاز في الخطاب سواء في الآيات أو السور ويكاد أن يكون المدني بخلاف ذلك على الغالب وان كان قد امتاز بالأمرين التاليين:

 

أ - دعوة أهل الكتاب إلى الإسلام مع مناقشتهم وبيان انحرافهم عن العقيدة والمناهج الحقة التي أنزلت على أنبيائهم.

 

ب - بيان التفصيلات في التشريع والنظام ومعالجة مشاكل العلاقات المختلفة في المجتمع الإنساني.

 

 

التفسير الصحيح للفرق بين المكي والمدني

 

وحين نريد ان ندرس ظاهرة الفرق بين المكي والمدني من خلال هذه الخصائص والميزات نجد:

أولا:إن الدعوة الإسلامية بدأت في مكة وعاشت فيها ثلاث عشرة سنة وهذه الفترة منسوبة إلى زمن نزول القرآن تعتبر في الحقيقة فترة إرساء أسس العقيدة الإسلامية بجوانبها المختلفة سواء ما يتعلق بالجانب الإلهي أو الغيبي أو الأخلاقي أو الاجتماعي وسواء ما يتعلق بالجانب الايجابي كعرض مفاهيمها عن الكون والحياة والأخلاق والمجتمع أو ما يتعلق بالجانب السلبي كمناقشة الأفكار الكافرة التي كانت تسود المجتمع آنذاك.

 

وهذه الحقيقة تفرض - بطبيعة الحال - أن يكون القسم المكي أكثر شمولاً واتساعاً من جانب وان يكون مرتبطاً بمادته وموضوعاته بالأسس والركائز للرسالة الجديدة من جانب آخر. وهذا هو الذي يفسر لنا غلبة المكي على المدني من الناحية الكمية مع إن الفترة المدنية تبدو - تاريخياً - وكأنها زاخرة بالأحداث الجسام والمجتمع المدني أكثر تعقيداً ومشاكل. كما أن هذا بنفسه بالإضافة إلى الفكرة التي اشرنا إليها وهي مراعاة الظروف التي تسير بها الدعوة يفسر لنا هذه الخصائص والميزات التي غلبت على المكي من جانب والمدني من جانب آخر.

 

فأما بالنسبة إلى الخصيصة الأولى: نلاحظ أن المجتمع المكي كان مجتمعاً يتسم بطابع الوثنية في الجانب العقيدي بالإضافة إلى أن إيضاح الموقف تجاهها يشكل نقطة أساسية في القاعدة للرسالة الجديدة لأنها تتنبى التوحيد الخالص كأساس لكل جوانبها وتفصيلاتها الأخرى. فكان من الطبيعي التأكيد على فكرة رفض الشرك والوثنية والدخول في مناقشة طويلة معها بشتى الأساليب والطرق.

 

وبالنسبة إلى الخصيصة الثانية: نلاحظ أن المجتمع المكي لم يكن يؤمن بفكرة الإله الواحد كما لا يؤمن بعوالم الغيب والبعث والجزاء والوحي وغير ذلك وهذه الأفكار من القواعد الأساسية للرسالة والعقيدة الإسلامية بالإضافة إلى إن مجتمع أهل الكتاب كان يؤمن بهذه الأصول جميعها. فكان من الضروري أن يؤكد القسم المكي على ذلك انسجاماً مع طبيعة المرحلة المكية التي تعتبر مرحلة متقدمة كما إن بيانها في هذه المرحلة يجعل المرحلة الثانية في غنى عن بيانها مرة أخرى.

 

وبالنسبة إلى الخصيصة الثالثة: فلعل التأكيد على الأخلاق في القسم المكي دون المدني كان بسبب العوامل الثلاثة التالية:

 

أ - إن الأخلاق تعتبر قاعدة النظام الاجتماعي فالتأكيد عليها يعني في الحقيقة إرساء لقاعدة النظام الاجتماعي الذي يستهدفه القرآن.

 

ب - كما أن الدعوة كانت بحاجة - من اجل نجاحها - إلى استثارة العواطف الإنسانية الخيرة ليكون نفوذها في المجتمع وتأثيرها في الأفراد عن طريق مخاطبة هذه العواطف والأخلاق هي الأساس الحقيقي لكل هذه العواطف وهي الرصيد الذي يمدها بالحياة والنمو.

 

ج - إن المجتمع المدني كان يمارس الأخلاق من خلال التطبيق الذي كان يباشره الرسول محمد (ص) بنفسه فلم يكن بحاجة كبيرة إلى التأكيد على المفاهيم الأخلاقية على العكس من المجتمع المكي الذي كان يعيش فيه المسلمون حياة الاضطهاد وكان يمارس التطبيق فيه الأخلاق الجاهلية.

 

وبالنسبة إلى الخصيصة الرابعة: نجد القصص تتناول من حيث الموضوع أكثر النواحي التي عالجها القرآن الكريم من العقيدة بالإله الواحد وعالم الغيب والوحي والأخلاق والبعث والجزاء بالإضافة إلى أنها تصور المراحل المتعددة للدعوة والمواقف المختلفة منها والقوانين الاجتماعية التي تتحكم فيها وفي نتائجها والمصير الذي يواجهه أعداؤها والى جانب ذلك تعتبر القصة في القرآن أحد أسباب الإعجاز فيه وأحد الأدلة على ارتباطه بالسماء.

 

وكل هذه الأمور لها صلة وثيقة بالظروف التي كانت تمر بها الدعوة في مكة ولها تأثير كبير في تطويرها لصالح الدعوة وأهدافها الرئيسية.

 

ومع كل هذا لم يهمل القسم المدني القصة مطلقة بل تناولها بالشكل الذي ينسجم مع طبيعة المرحلةالتي تمر بها كما سوف نتعرف على ذلك عند دراستنا للقصة.

 

وبالنسبة إلى الخصيصة الخامسة: فقد كان لها ارتباط وثيق بجوانب مرحلية وإعجازية لأن المرحلة كانت تفرض كسر طوق الأفكار الجاهلية الذي كان مضروباً على المجتمع فكان لهذا الأسلوب الصاعق الحاد تأثير فعال في تذليل الصعوبات وتحطيم معنويات المقاومة العنيفة.

 

وحين يتحدى القرآن الكريم العرب في أن يأتوا بسورة منه يكون الإيجاز في السورة ابلغ في إيضاح الإعجاز القرآني وأعمق تأثيراً وأبعد مدى.

 

وقد كانت المعركة إلى ذلك كله في أولها معركة شعارات وتوطيد مفاهيم عامة عن الكون والحياة والإيجاز والقصر ينسجم مع واقع المعركة وإطارها أكثر من الدخول في تفصيلات واسعة ولهذا نشاهد السور القصيرة تمثل المرحلة الأولى تقريباً من مراحل القسم المكي.

 

وهذه الملاحظات لم تكن تتوفر في مجتمع المدينة بعد أن أصبح الإسلام هو الحاكم المسيطر على المجتمع وبعد أن أصبحت مسألة الوحي والاتصال بالسماء مسألة واضحة وبعد ان جاء دور آخر للمعركة يفرض أسلوبا آخر في العرض والبيان.

 

ومن هذا الدرس لخصائص ومميزات القسم المكي تتضح مبررات خصائص القسم المدني من الدخول في تفصيلات الأحكام الشرعية والأنظمة الاجتماعية أو مناقشة أهل الكتاب في عقائدهم وانحرافاتهم. حيث فرضت ظروف الحكم في المدينة. والحاجة إلى تنظيم العلاقات بين الناس إلى بيان هذه التفصيلات في الأنظمة. كما أن المعركة في المدينة انتقلت من الأصول والأسس العامة للعقيدة إلى جوانب تفصيلية منها ترتبط بحدودها وأشكالها وبالعمل على تقويم الانحراف الذي وضعه أهل الكتاب فيها.

 

وبهذا نفسر الفرق بين المكي والمدني بالشكل الذي ينسجم مع فكرتنا عن القرآن وفكرتنا عن مراعاته للظروف من اجل تحقيق اهدافه وغاياته.

 

المصدر:

كتاب علوم القرآن للسيد محمد باقر الحكيم