سورة البقرة الآية 1-20

أي، سورة يذكر فيها، قصة البقرة. وانما سميت بها، لغرابة قصتها وامتياز هذه السورة بها، عن سائر السور.

و هي مدنية: بل أول سورة نزلت بالمدينة. الا آية نزلت يوم النحر، بمنى، في حجة الوداع، وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ  (الاية).

و آيها، مائتان وسبع وثمانون.

 

بسم اللّه الرحمن الرحيم

في كتاب ثواب الاعمال ، بإسناده الى أبي عبد اللّه- عليه السلام- قال:

من قرأ سورة البقرة وآل عمران جاء  يوم القيامة، تظلانه على رأسه مثل الغيابتين.

و فيه : عن علي بن الحسين- عليهما السلام- قال: قال رسول اللّه- صلى‏

   اللّه عليه وآله- من قرأ أربع آيات من أول البقرة وآية الكرسي وآيتين بعدها وثلاث آيات من آخرها، لم ير في نفسه وماله شيئا يكرهه، ولا يقربه الشيطان، ولا ينسى القرآن.

و في مجمع البيان : وسئل رسول اللّه- صلى اللّه عليه وآله-: أي سور القرآن أفضل؟

قال: البقرة.

قال: أي آية  آي  القرآن  أفضل؟

قال: آية الكرسي.

و في تفسير العياشي : عن سعد الإسكاف، قال: سمعت أبا جعفر- عليه السلام- يقول: قال رسول اللّه- صلى اللّه عليه وآله-: أعطيت الطوال، مكان التوراة.

و أعطيت الماءين، مكان الإنجيل. وأعطيت المثاني، مكان الزبور. وفضلت بالمفصّل سبع وستين سورة.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الم : وسائر الألفاظ التي يتهجّى بها، اسماء مسمياته الحروف المبسوطة التي ركبت منها. وقد روعيت في هذه  التسمية، لطيفة، وهي أن المسميات، لما كانت كأساميها، وهي حروف وحدان‏و الأسامي، عدد حروفها مرتق الى الثلاثة، اتجه لهم طريق الى أن يدلوا في التسمية على المسمى، فلم يغفلوها. وجعلوا المسمى، صدر كل اسم كما ترى  الا في «الألف» فإنهم استعاروا الهمزة، مكان مسماها. لأنه لا يكون الا ساكنا. وانما كانت أسماء لدخولها في حد الاسم واعتوار ما يختص به من  التعريف والتنكير والجمع والتصغير ونحو ذلك عليها.

و به صرح الخليل وأبو علي.

و ما روى ابن مسعود أنه- عليه السلام- قال: من قرأ حرفا من كتاب اللّه، فله حسنة. والحسنة بعشر أمثالها. لا أقول: «الم» حرف. بل ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف .

فالمراد، فيه من الحرف الكلمة. فيحتمل أنه سبحانه أراد بها، الحروف الملفوظة ، على قصد تعديدها، أو تسمية بعض السور، أو القرآن، أو ذاته سبحانه، بقسم، أو غير قسم. فالنكتة في ذلك التعديد أو التسمية، على هذا الوجه أمران:

الاول: انه لما كانت مسميات هذه الأسماء، بسائط الكلام، التي يتركب منها، افتتحت السور، بطائفة منها، على وجه التعديد أو التسمية بها، تنبيها  لمن تحدى بالقرآن، على أن المتلوّ عليهم، كلام منظوم مما ينظمون منه، كلامهم.

فلو كان من عند غير اللّه، لما عجزوا عن الإتيان بما يدانيه.

و الثاني: أن يكون أول ما يقرع  الأسماع، مستقلا بنوع من الاعجاز.فان النطق بأسماء الحروف، مخصوص بمن خط ودرس. فأما الأمي الذي لم يخالط أهل الكتاب، فمستبعد مستغرب خارق للعادة، كالتلاوة والكتابة. وقد راعى في ذلك، ما يعجز عنه الأديب الأريب الفائق في فنه، من إيراد نصف أسماء الحروف بحيث ينطوي على انصاف  مسمياتها، تحقيقا وتقريبا، في تسعة وعشرين سورة، على عدد الحروف، مع نكات أخر.

قيل : ويمكن أن يكون تلك الحروف الملفوظة، باعتبار مخارجها، اشارة الى معان دقيقة لطيفة، كما يشيرون «بالألف»، باعتبار مخرجها الذي هو أقصى الحلق، الى مرتبة الغيب، و«بالميم»، باعتبار مخرجها الذي هو الشفة، الى مرتبة الشهادة، وبمخرج «اللام» الواقع بينهما، الى ما يتوسط من المراتب.

فالمشار اليه بقوله  «الم»، مرتبة الغيب والشهادة وما بينهما. وذلك المشار اليه، هو الكتاب الوجودي، الذي لا يخرج منه شي‏ء.

و يمكن حملها على معانيها الحسابية، اشارة الى مدد أقوام وآجال، او غير ذلك، بحساب ذلك ويدل عليه.

  (و روي : انه- عليه السلام- لما أتاه اليهود، تلا عليهم «الم- البقرة».

فحسبوا. وقالوا: كيف ندخل في دين، مدته احدى وسبعون سنة؟

فتبسم رسول اللّه- صلى اللّه عليه وآله.

فقالوا: وهل غيره؟

فقال: المص والر والمر.

فقالوا: خلطت علينا. فلا ندري بأيها نأخذ.

فان تلاوته، إياها، بهذا الترتيب. وتقريرهم على استنباطهم، دليل على ذلك.)

و قيل : يمكن حمله على الاشارة بصورها الكتابية الرقمية، الى معان أخر كما يشيرون «بالألف»، الى الوجود النازل من علو غيب الإطلاق، الى مراتب التقييد، من غير انعطاف.

و «باللام» (اليه مع انعطاف من غير أن يتم دائرته «بالميم» الى تمام دائرته، فيعم مراتب الوجود.

و قيل: يمكن أن يجعل تلك الحروف، اشارة الى كلمات، هي منها اقتصر عليها) .

 «فالألف»، آلاء اللّه. «و اللام»، لطفه. «و الميم»، ملكه.

و روي: أن «ألم»، معناه: أنا اللّه أعلم. وأن «الألف» من اللّه. «و اللام» من جبرئيل. والميم من محمد، أي : القرآن منزل من اللّه، على لسان جبرئيل الى محمد- صلى اللّه عليه وآله.

 (عن أبي محمد الحسن العسكري- عليه السلام- قال   قال الصادق- عليه السلام [ثم‏] «الألف» حرف من حروف قولك «اللّه». دل «بالألف»على قولك «اللّه». ودل «باللام» على قولك «الملك العظيم القاهر للخلق أجمعين». ودل «بالميم» على أنه «المجيد المحمود في كل أفعاله».

 (و في شرح الآيات الباهرة : :

 

روى  علي بن ابراهيم- رحمه اللّه- عن أبيه، عن محمد بن أبي عمير، عن جميل بن صالح، عن المفضل، عن جابر، عن أبي جعفر- عليه السلام- [أنه‏] : «الم» وكل حرف في القرآن، منقطعة من حروف، اسم اللّه الأعظم، الذي يؤلفه الرسول والامام- عليهما السلام- فيدعو [به‏] ، فيجاب.

 (و في كتاب معاني الأخبار : بإسناده الى أحمد بن زياد بن جعفر [الهمداني‏]  عن  علي [بن ابراهيم‏] ، عن أبيه عن يحيى بن [أبي‏]  عمران، عن يونس [ابن عبد الرحمن‏] ، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- عليه السلام- قال: «الم»، هو حرف من حروف اسم اللّه الأعظم، المقطع في القرآن، الذي يؤلفه النبي (ص) والامام. فإذا دعا به أجيب.

و بإسناده  الى سفيان بن سعيد الثوري، عن الصادق- عليه السلام- حديث‏

 طويل، يقول فيه- عليه السلام-: أما «الم» في أول البقرة، فمعناه: أنا اللّه الملك.

و بإسناده  الى محمد بن قيس قال: سمعت أبا جعفر- عليه السلام- يقول: ان حييا وأبا ياسر، ابني أخطب، ونفرا من يهود أهل نجران، أتوا رسول اللّه- صلى اللّه عليه وآله- فقالوا له: أليس فيما تذكر فيما أنزل اللّه عليك الم؟

قال: بلى.

قالوا: أتاك بها جبرئيل من عند اللّه؟

قال: نعم.

قالوا: لقد بعثت  أنبياء قبلك وما نعلم نبيا منهم أخبر ما  مدة ملكه، وما أجل أمته، غيرك.

قال: فأقبل حيي بن أخطب على أصحابه، فقال لهم: «الالف» واحد.

و «اللام»، ثلاثون. و«الميم»، أربعون. فهذه احدى وسبعون سنة. فعجب أن  يدخل في دين، مدة ملكه وأجل أمته، احدى وسبعون سنة.

قال: ثم أقبل على رسول اللّه- صلى اللّه عليه وآله- فقال له: يا محمد! هل مع هذا غيره؟

قال: نعم.

قال: فهاته ! قال: المص.قال: هذه أثقل وأطول، «الألف»، واحد. «و اللام»، ثلاثون. و«الميم» أربعون. «الصاد»، تسعون. فهذه مائة واحدى وستون سنة.

ثم قال لرسول اللّه- صلى اللّه عليه وآله: فهل مع هذا غيره؟

قال: نعم.

قال: هاته! قال: الر.

قال: هذه أثقل وأطول، «الألف» واحد. و«اللام» ثلاثون و«الراء» مائتان.

ثم قال لرسول اللّه- صلى اللّه عليه وآله: فهل مع هذا غيره؟

قال: نعم.

قال: هاته! قال: المر.

قال: هذه أثقل وأطول، «الالف» واحد. و«اللام» ثلاثون. و«الميم» أربعون. و«الراء» مائتان.

ثم قال له: فهل  مع هذا غيره؟

قال: نعم.

قالوا: قد التبس علينا أمرك. فما ندري ما أعطيت.

ثم قاموا عنه.

ثم قال أبو ياسر لحيي ، أخيه: ما يدريك، لعل محمدا قد جمع له هذا كله وأكثر منه.

قال: فذكر أبو جعفر- عليه السلام-: ان هذه الآيات، أنزلت فيهم،مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ . قال: وهي تجري  في وجه آخر على غير تأويل حيي وأبي ياسر وأصحابهما.

و فيه : في حديث طويل، عن أبي محمد العسكري- عليه السلام: وجعل هذا القول، حجة على اليهود. وذلك أن اللّه تعالى، لما بعث موسى بن عمران ثم من بعده من الأنبياء، الى بني إسرائيل، لم يكن فيهم قوم  الا أخذوا عليهم العهود والمواثيق، ليؤمن بمحمد العربي الأمي المبعوث بمكة، الذي يهاجر الى المدينة، يأتي بكتاب، بالحروف  المقطعة، افتتاح بعض سوره. يحفظه أمته، فيقرءونه قياما وقعودا ومشاة وعلى كل الأحوال. يسهل اللّه- عز وجل- حفظه عليهم [و]  يقرنون بمحمد- صلى اللّه عليه وآله- أخاه ووصيه علي بن أبي طالب- عليه السلام- الآخذ عنه علومه، التي علمها. والمتقلد عنه الأمانة التي قلدها  ويذلل  كل من عاند محمدا بسيفه الباتر، ويفحم كل من حاوله  وخاصمه بدليله القاهر . يقاتل عباد اللّه على تنزيل كتاب اللّه، حتى يقودهم الى قبوله طائعين‏و كارهين. ثم إذا صار محمد الى رضوان اللّه- عز وجل- ارتد  كثير ممن كان أعطاه ظاهر الايمان، وحرفوا تأويلاته، وغيروا معانيه، ووضعوها على خلاف وجوهها.

قاتلهم بعد ذلك على تأويله، حتى يكون إبليس الغاوي لهم، هو الخاسئ  الذليل المطرود المغلول.

قال: فلما بعث اللّه محمدا، وأظهره بمكة، ثم سيره منها الى المدينة، وأظهره بها، ثم أنزل عليه  الكتاب، وجعل افتتاح سورته  الكبرى، «بالم»، يعنى:

الم ذلِكَ الْكِتابُ. وهو ذلك الكتاب الذي أخبرت الأنبياء  السالفين، اني سأنزله عليك، يا محمد لا رَيْبَ فِيهِ. فقد ظهر كما أخبرهم به أنبياؤهم، أن محمدا، ينزل عليه كتاب مبارك لا يمحوه الباطل. يقرؤه هو وأمته على سائر أحوالهم. ثم اليهود، يحرفونه عن جهته ويتناولونه  على غير وجهه. ويتعاطون التوصل الى علم ما قد طواه اللّه عنهم، من حال آجال هذه الأمة، وكم مدة ملكهم.

فجاء الى رسول اللّه- صلى اللّه عليه وآله- جماعة منهم . فولى رسول اللّه- صلى اللّه عليه وآله- عليا- عليه السلام- مخاطبتهم .

فقال قائلهم: ان كان ما يقول محمد حقا، لقد علمناكم قدر ملك أمته، هواحدى  وسبعون سنة، «الألف»، واحد. و«اللام»، ثلاثون. و«الميم»، أربعون.

فقال علي- عليه السلام-: فما تصنعون «بالمص»؟ وقد أنزلت  عليه.

فقالوا : هذه احدى وستون ومائة سنة قال: فما ذا تصنعون «بالر»؟ وقد أنزلت عليه.

فقالوا: هذه اكثر. هذه مائتان واحدى وثلاثون سنة.

فقال علي- عليه السلام-: فما تصنعون بما أنزل عليه «المر»؟

قالوا: هذه مائتان واحدى وسبعون سنة.

فقال علي- عليه السلام-: فواحدة من هذه له أو جميعها له؟

فاختلط كلامهم. فبعضهم قال له واحدة منها. وبعضهم قال بل يجمع له كلها وذلك سبعمائة وأربع [و ثلاثون سنة]  ثم يرجع الملك إلينا، يعني الى اليهود.

فقال علي- عليه السلام-: أ كتاب من كتب اللّه- عز وجل- نطق بهذا؟ أم آراؤكم دلتكم عليه؟

فقال  بعضهم: كتاب اللّه نطق به. وقال آخرون منهم: بل آراؤنا دلت عليه.

فقال علي- عليه السلام-: فأتوا بالكتاب من عند اللّه، ينطق بما تقولون.

فعجزوا عن إيراد ذلك.

و قال  للآخرين: فدلونا على صواب هذا الرأي.فقالوا: صواب رأينا، دليله. ان هذا حساب الجمل.

فقال علي- عليه السلام-: كيف دل على ما تقولون؟ وليس في هذه الحروف الا ما اقترحتم بلا بيان. أ رأيتم ان قيل لكم: ان هذه الحروف ليست دالة على هذه المدة، لملك أمة محمد- صلى اللّه عليه وآله- ولكنها دالة على أن كل واحد منكم، قد لعن بعدد هذا الحساب. أو أن عدد ذلك، لكل واحد منكم ومنا، بعدد هذا الحساب، دراهم  أو دنانير. او أن لعلي [على‏]  كل واحد منكم، دين ، عدد ماله مثل عدد هذا الحساب.

فقالوا: يا أبا الحسن! ليس شي‏ء مما ذكرته، منصوصا عليه في الم والمص والر والمر».

 

فقال علي- عليه السلام-: ولا شي‏ء مما ذكرتموه، منصوصا عليه في الم والمص والر والمر». فان بطل قولنا لما قلنا، بطل قولك لما قلت.

فقال خطيبهم ومنطيقهم: لا تفرح، يا علي! بأن عجزنا عن اقامة حجة [فيما نقول‏] ، على دعوانا. فأي حجة لك في دعواك. الا أن تجعل عجزنا حجتك.

فإذا مالنا حجة فيما نقول ولا لكم حجة فيما تقولون.

قال علي- عليه السلام-: لا سواه ، ان لنا حجة، هي المعجزة الباهرة.

ثم نادى جمال اليهود: يا أيتها  الجمال! اشهدي لمحمد ولوصيه.فتبادرت  الجمال: صدقت صدقت يا وصي محمد. وكذب هؤلاء اليهود.

فقال علي- عليه السلام: هؤلاء جنس من الشهود. يا ثياب اليهود! التي عليهم، اشهدي لمحمد ولوصيه.

فنطقت ثيابهم- كلهم: صدقت، صدقت يا علي. نشهد أن محمدا، رسول اللّه حقا وانك يا علي! وصيه حقا. لم يثبت محمدا قدما في مكرمة، الا وطئت على موضع قدمه، بمثل مكرمته. فأنتما شقيقان، من أشرف  أنوار اللّه. تميزتما  اثنين. وأنتما في الفضائل شريكان. الا أنه لا نبي بعد محمد- صلى اللّه عليه وآله.

فعند ذلك خرست اليهود. وآمن بعض النظارة منهم، برسول اللّه- صلى اللّه عليه وآله- وغلب  الشقاء، على اليهود وسائر النظارة الآخرين. فذلك ما قال اللّه تعالى: لا رَيْبَ فِيهِ. انه كما قال محمد ووصي محمد، عن قول محمد- صلى اللّه عليه وآله- عن قول رب العالمين.

و في مجمع البيان : اختلف العلماء في الحروف المعجمة المفتتحة  بها السور. فذهب بعضهم الى‏

أنها من المتشابهات التي استأثر اللّه بعلمها. ولا يعلم تأويلها الا هو. وهذا هو المروي عن أئمتنا عليهم السلام.

و روت  العامة عن أمير المؤمنين- عليه السلام- انه قال: لكل كتاب صفوةو صفوة هذا الكتاب، حروف التهجّي.

و روى أبو إسحاق الثعلبي، في تفسيره مسندا  الى علي بن موسى الرضا- عليه السلام- قال: سئل جعفر بن محمد الصادق- عليه السلام- عن قوله «الم» فقال: في «الالف»، ست صفات من صفات اللّه- عز وجل:

الابتداء، فان اللّه- عز وجل- ابتداء  جميع الخلق. و«الألف»، ابتداء الحروف.

و الاستواء، فهو عادل غير جائر. و«الالف» مستو في ذاته.

و الانفراد، فاللّه فرد. و«الالف» فرد.

و اتصال الخلق باللّه. واللّه لا يتصل بالخلق. وكلهم «يحتاجون اليه» .

و اللّه غني عنهم. و«الالف كذلك» ، لا يتصل بالحروف. والحروف متصلة به، وهو منقطع عن  غيره.

و اللّه تعالى بائن بجميع صفاته من خلقه.

و معناه من الألفة. وكان  اللّه عز وجل سبب ألفة الخلق، فكذلك الالف، عليه تألفت الحروف. وهو سبب ألفتها.)

 

و أقول : ويحتمل أن يكون الكل، مع احتمالات أخر، لا ينافي الشرع.ليس هاهنا موضع ذكرها، مرادا . واللّه أعلم بحقيقة الحال.

و هذه الأسماء، معربة. وانما سكنت سكون زيد وعمر وبكر، حيث لا يمسها اعراب، لفقد مقتضية. والدليل على أن سكونها، وقف، أنه يقال: «ص» و«ق» و«ن»، مجموعا، فيها بين الساكنين. وإذا وقف على آخرها، قصرت. لأنها في تلك الحالة، خليقة بالأخف الاوجز، ومدت في حال الاعراب. وهي اما مفردة، كص. أو على زنة مفرد، كحم. فانه كهابيل، أو لا.

الأول: يجوز فيه الاعراب والحكاية.

و الثاني: ليس فيه الا الثاني.

فقوله «الم»، في محل النصب، على حذف حرف القسم، واعمال  فعله.

أو الجر على تقديره. أو الرفع على أنه مبتدأ، ما بعده خبره. أو خبر محذوف المبتدأ.

ذلِكَ: اسم اشارة، مركب من اسم وحرفين. فالاسم «ذا» للمذكر الواحد: أما ذكورة المشار اليه. فلتأثيره في نفس المخاطب. وانتاجه فيها، معرفة الحقّ وصفاته سبحانه.

و أما افراده. فلأن المشار اليه وان كان متعددا في نفسه. لكنه ملحوظ، من حيث أحدية الجمعية، كما تدل عليه الاخبار عنه، «بالكتاب»، المنبئ عن الجمعية أو توصيفه به.

و أحد الحرفين، «اللام». الدال بتوسطه، بين اسم الاشارة والمخاطب،على بعد المسافة بينه وبين المشار اليه. ووجه البعد، عدم إمكان احاطة فهم المخاطب، بما يقصد به.

و الاخر «الكاف». الدال على ذكورة المخاطب وافراده. وأما ذكورة المخاطب فلأن المخاطب، أولا هو النبي- صلى اللّه عليه وآله- بحسب حقيقة مرتبة الأبوة، بالنسبة الى جميع أفراد الآدميين، كما قيل بلسان مرتبته:

         واني وان كنت ابن آدم صورة             فلي فيه معنى شاهد بأبوّتي‏

 وأما افراده، فلانمحاء كثرته النسبية، في الوحدة الحقيقية.

الْكِتابُ: الكتب، الجمع. يقال: كتبت القربة، أي: جمعته. ومنه الكتيبة للجيش. والكتاب بمعناه. سمي به المفعول، مبالغة.

و قيل: فعال ، بني للمفعول كاللباس. ثم أطلق على الحبارات المنظومة، قبل الكتابة. لأن من شأنها أن تكتب. والحقائق العلمية، ان كانت معتبرة، لا بأحوالها، يسمى حروفا غيبية. ومع أحوالها كلمات غيبية والوجودية، بلا أحوالها حروفا وجودية. ومع أحوالها كلمات وجودية. والدالة على جملة مفيدة، آية. والبعض الجامع، لتلك الجمل، سورة. ومجموع تلك المعقولات والموجودات، «كتابا» و«فرقانا» و«قرآنا»- أيضا- باعتباري التفصيل والجمع.

و في تركيب قوله «الم» مع ما بعده، أوجه: أن جعلت «الم» اسما للسورة، أو للقرآن. أن يكون «الم» مبتدأ، و«ذلك» مبتدأ ثانيا، «و الكتاب»، خبره.

و الجملة، خبر المبتدأ الأول. ومعناه، ان ذلك الكتاب، هو الكتاب الكامل. كان ما عداه من الكتب في مقابلته  ناقص. وأنه الذي يستأهل أن يسمى كتابا، كما تقول:

هو الرجل: أي: الكامل في الرجولية، الجامع لما يكون في الرجال، من مرضي الخصال.

و أن يكون «الم» خبر مبتدأ محذوف، أي: هذه الم. ويكون «ذلك»، خبرا ثانيا، أو بدلا على أن «الكتاب» صفة.

و ان يكون  «هذه الم»، جملة، وذلِكَ الْكِتابُ، جملة أخرى.

و ان جعلت «الم»، بمنزلة الصوت، كان «ذلك»، مبتدأ، خبره «الكتاب»، أي: ذلك الكتاب المنزل هو الكتاب الكامل.

أو «الكتاب» صفته  وما بعده خبره. أو قدر مبتدأ محذوف، أي: هو، يعني:

المؤلف من هذه الحروف، ذلِكَ الْكِتابُ.

و قرأ عبد اللّه: الم تنزيل الكتاب. وتأليف هذا، ظاهر.

و ليس شي‏ء منها، آية عند غير الكوفيين. وأما عندهم «فالم» في مواقعها.

و المص وكهيعص وطه وطسم ويس وحم، آية. وحم عسق، آيتان. والبواقي ليست بآيات .

قيل: ان المفسرين متفقون على أن «ذلك» في موضع الرفع. فاما أن يكون خبرا عن «الم»، أو عن محذوف. أو مبتدأ وخبره «الم».

و أقول: المبتدأ والخبر، إذا كانا معرفتين، وجب تقديم المبتدأ. فالخبر في هذه الصورة، مع كونه معرفة، كيف يجوز تقديمه؟

لا رَيْبَ فِيهِ: «الريب» في الأصل، مصدر. رابني الشي‏ء، إذا حصل‏فيه الريبة. وهي قلق  النفس واضطرابها .

قال- عليه السلام-: دع ما يريبك، الى ما لا يريبك. فان الشك، ريبة.

و الصدق، طمأنينة .

أي: كون الأمر مشكوكا فيه، مما ينفلق  النفس له. ولا يستقر. وكونه صحيحا صادقا، مما يطمئن له. ويسكن. ومنه «ريبة الزمان»، لما يطلق النفوس، من نوائبه. فالمراد به، الشك. لا معناه المصدري.

و ضمير فيه، راجع الى الحكم السابق ان كان هناك، حكم، أو الى «الكتاب»، أو الى «ذلك».

و انما نفى الريب، مع كثرة المرتابين، لأن الريب، مع وضوح مزيحه ، كلا ريب.

و يحتمل أن يكون المراد، أن القرآن ليس مظنة للريب. بمعنى أن العاقل إذا رجع الى عقله وترك العناد، ظهر حقيته وصدقه عليه، غاية الظهور. ولم يبق مع شك وريب، أصلا.

و أن يكون أن لا رَيْبَ فِيهِ، لِلْمُتَّقِينَ، وهُدىً، حالا عن الضمير المجرور.

و أن يكون الريب المنفي، هو الريب بمعناه المصدري، أي: ليس فيه إيقاع شك، بأن يكون فيه، شي‏ء يوقع في الشك. كالاختلاف المذكور في قوله تعالى :وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً.

و أن يكون أنه لا ريب فيه، في الواقع. وان كانوا مظهرين للريب.

كما روي عن أبي محمد العسكري ، أنه قال- عليه السلام-: لا رَيْبَ فِيهِ، لا شك فيه، لظهوره عندهم. كما أخبرهم أنبياؤهم: أن محمدا نزل  عليه كتاب، لا يمحوه الماء. يقرؤه  هو وأمته على سائر أحوالهم.

و لم يقدم الظرف، كما قدم في قوله لا فيها غول. لأنه لم يقصد هنا، انحصار نفي الريب فيه. كما قصد هناك انحصار نفي الغول، في خمور الجنة.

و قرأ أبو الشعشعاء  لا ريب فيه بالرفع. والفرق «الأول ونظيره» ، بينها وبين القراءة المشهورة، أن المشهورة توجب الاستغراق. وهذه تجوزه.

و الوقف على فيه، هو المشهور.

و عن نافع وعاصم: انهما وقفا، على لا رَيْبَ. ولا بد للواقف من أن ينوي خبرا، ليتم الكلام الأول. ونظيره قوله تعالى: قالُوا لا ضَيْرَ ، وقول العرب: «لا بأس». وهي كثيرة في لسان أهل الحجاز. والتقدير: لا ريب فيه، فيه.

فعلى التقدير الأول، يحتمل أن يكون «فيه»، صفة «للريب»، والخبر، محذوفا، وأن يكون هو الخبر، والمجموع، جملة. وقعت مؤكدة «لذلك الكتاب»،أو خبرا بعد خبر «لذلك»، أو لقوله «الم».

و على التقدير الثاني، يحتمل أيضا تلك الاحتمالات، وأن يكون «فيه» الثاني، خبر «الهدى» مقدما عليه.

 (و في تفسير علي بن ابراهيم : حدثني أبي، عن يحيى بن أبي عمران، عن يونس، عن سعدان بن مسلم، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- عليه السلام- قال: «الكتاب»، علي- عليه السلام- لا شك فيه) .

هُدىً: هو مصدر، على فعل، كالسرى والبكى. وهو الدلالة الموصلة، الى البغية. بدليل وقوع الضلالة في مقابلته. قال اللّه تعالى أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى .

و يقال: «مهدي» في موضع المدح، كمهتد. ولأن «اهتدى»، مطاوع «هدى». ويكون  المطاوع، في خلاف معنى أصله. ألا ترى الى قولهم : غمه، فاغتم، وكسره، فانكسر. وأشباه ذلك؟

و هو اما مبتدأ، خبره مقدم عليه، أو محذوف. وعلى التقديرين، فهو على حقيقته ، أو خبر مبتدأ محذوف، أو خبر بعد خبر، أو حال، كما سبق.

اما على المبالغة. كأنه نفس الهدى. أو على حذف المضاف، أي: ذو هداية.

أو على وقوع المصدر. بمعنى اسم الفاعل. (قال أبو جعفر - عليه السلام-: «الكتاب» أمير المؤمنين، لا شك فيه، انه امام هدى) .

لِلْمُتَّقِينَ (3: «المتقي»، اسم فاعل من قولهم «وقاه، يقي». والوقاية:

فرط الصيانة وشدة الاحتراس من المكروه. ومنه فرس واق، إذا كان يقي  حافره أذى  شي‏ء يصيبه.

و هو في عرف الشرع، اسم لمن يقي نفسه عما يضره في الاخرة.

و له ثلاث مراتب:

الاولى- التوقي عن الشرك المفضي الى العذاب المخلد. وعليه قوله تعالى:

وَ أَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى .

و الثانية- التجنب، عن كل ما يؤثم من فعل أو ترك حتى الصغائر عند قوم.

و قيل: الصحيح أنها لا يتناولها. لأنها تقع مكفرة عن مجتنب الكبائر.

و الثالثة- أن يتنزه عما يشغل سره عن الحق. ويتبتل اليه، بكليته. وهو التقوى الحقيقي المطلوب بقوله تعالى اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ .

قيل: ومن جملة معاني باب الافتعال، الاتخاذ. فمعنى «اتقى» على هذا، اتخذ الوقاية. ولهذا قال بعض العلماء في قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ! اتَّقُوا رَبَّكُمُ  اجعلوا ما ظهر منكم، وقاية لربكم، واجعلوا ما بطن منكم، وهو ربكم‏وقاية. فان الأمر، ذم وحمد. فكونوا وقايته في الذم. واجعلوه وقايتكم في الحمد تكونوا أدباء عالمين. فان توحيد الأفعال يقتضي اسناد المحامد والمذام، الى اللّه.

فالسالك إذا أسندهما اليه، قبل زكاء  النفس وطهارتها، يقع في الاباحة. وبعد طهارتها يكون مسيئا للأدب، بإسناد القبائح اليه. فعلى هذا المتقون، هم الذين يتخذون ربهم، وقاية لأنفسهم. وينسبون الكمالات الى ربهم، لا الى أنفسهم.

ليكون لهم الخلاص  من ظهور نيّاتهم . ويتخذون أنفسهم وقاية لربهم. وينسبون النقائص الى أنفسهم، لا الى ربهم. ولو كانت في حقيقة التوحيد، منسوبة الى اللّه تعالى. لئلا يسيئون الأدب اليه سبحانه.

و انما قال: «هدى للمتقين»، مع أن المتقين مهتدون، اما بناء على أن المراد بالمتقين، المشارفون على التقوى، أو المقصود زيادة هدايتهم. بأن يراد بالهدى زيادة الهدى الى مطلب آخر، أو التثبّت على ما كان حاصلا لهم.

و يحتمل أن يراد بالمتقي، الموحد- مطلقا.

روى الصدوق في كتاب التوحيد : بإسناده، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- عليه السلام- في قول اللّه- عز وجل- هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ  قال:

قال اللّه- تبارك وتعالى-: أنا أهل أن اتقى. ولا يشرك بي عبدي  شيئا. وأنا أهل أن لم يشرك بي عبدي شيئا، أن أدخله الجنة.قال صاحب الكشف : الأظهر، أنه لا يحتاج الى أحد التجوّزين، من حمل «الهدى» على الازدياد، «و المتقي» على المشارف. لأنه إذا قيل: السلاح، عصمة للمعتصم أو عصام له. والمال غنى للغني، على معنى سبب غنائه، لم يلزم أن يكونا سببي عصمة وغنى، حادثين غير مساهما، أي: المعتصم والغني فيه، إذ لا دلالة له  على الزمان.

و أجيب، بأن المتبادر الى الفهم، من تعلق الفعل بشي‏ء، هو اتصاف ذلك المتعلق بما عبر عنه عند اعتبار المتعلق ، حتى يقال فيه: شفاء للمريض، ومرض للصحيح. ولو عكس لم يصح الا بتأويل.

و عن أبى محمد العسكري - عليه السلام-: ان معناه بيان وشفاء للمتقين، من شيعة محمد وعلي- عليهما السلام- اتقوا انواع الكفر. فتركوها. واتقوا الذنوب الموبقات. فرفضوها. واتقوا اظهار أسرار اللّه تعالى وأسرار أزكياء عباده الأوصياء بعد محمد- صلوات اللّه عليهم- فكتموها. واتقوا ستر العلوم عن أهلها المستحقين لها. ففيهم  نشروها.

 (و في شرح الآيات الباهرة :- في الحديث المنقول سابقا- عن أبي جعفر- عليه السلام- قال: قلت: قوله ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ.

قال : الكتاب، أمير المؤمنين- عليه السلام- لا شك فيه انه امام «هدى‏للمتقين».

و في كتاب معاني الأخبار : حدثنا محمد بن القسم الاستبرآباد، المعروف بأبي الحسن الجرجاني المفسر- رضي اللّه عنه- قال: حدثني أبو يعقوب يوسف ابن محمد بن زياد وأبو الحسن علي بن محمد بن سيار، عن أبويهما، عن الحسن ابن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب- صلوات اللّه عليهم أجمعين- أنه قال: كذبت قريش واليهود بالقرآن. وقالوا: سحر مبين [تقوّله‏] .

فقال اللّه: الم ذلك الكتاب.

أي: يا محمد! هذا الكتاب، الذي أنزلته  عليك هو بالحروف المقطعة التي منها الف، لام، ميم، وهي بلغتكم، وحروف هجائكم، فأتوا بمثله ان كنتم صادقين.

و استعينوا على ذلك بسائر شهدائكم. ثم بيّن أنهم لا يقدرون عليه بقوله : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ، لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً. ثم قال اللّه: الم، هو القرآن الذي افتتح «بالم» هو ذلِكَ الْكِتابُ الذي أخبرت به موسى، فمن بعده من الأنبياء. فأخبروا بنى إسرائيل أني سأنزله عليك، يا محمد! كتابا عزيزا لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ، لا ريب فيه لا شك فيه، لظهوره عندهم. كما أخبرهم [به‏] أنبياءهم، أن محمدا ينزل عليه كتاب لا يلحقه  الباطل. يقرؤه هو وأمته على سائر أحوالهم. «هدى» بيان من الضلالة «للمتقين» الذين يتقون الموبقات، ويتقون تسليط السفه على أنفسهم. حتى إذا علموا ما يجب عليهم علمه، عملوا بما يوجب لهم رضا ربهم) .

الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ: يحتمل الرفع والنصب والجر. والظاهر، الجر.

على أنه صفة «للمتقين». كما هو الظاهر. أو بدل. أو عطف بيان.

فأما الرفع، فاما على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هم الذين يؤمنون. أو مبتدأ، خبره أُولئِكَ عَلى هُدىً.

و أما النصب، فعلى المدح بتقدير أعني. وإذا كان صفة، فهي اما مقيدة ان فسر التقوى، بترك ما لا ينبغي، كما هو المناسب لمعناه اللغوي، وهو الاحتراز.

فحينئذ يراد بالمتقي، من يحترز عن المعاصي، أي: فعل القبائح والمنهيات.

سواء يمتثل الأوامر ويأتي بالحسنات، أم لا. فعلى هذا تكون الصفة، مقيدة مخصصة.

فان قلت: اجتناب المعاصي، كلها، يستلزم الإتيان بالطاعات، لان ترك الطاعة، معصية.

قلت: ان المراد بالمعاصي، كما هو المتبادر، ما يتعلق به صريح النهي وترك المأمور به، منهي عنه- ضمنا. أو أن مبنى هذا الكلام، على أن المعصية، فعل ما نهي عنه، وأن الترك ليس بفعل. وكذا، ان أريد بالتقوى، الأولى، من مراتبها الثلاث. فان المراد بالمتقين- حينئذ- من يجتنبون عن الشرك. فتوصيفهم «بالذين يؤمنون»، لا يكون الا تقييدا وتخصيصا أو كاشفة، ان فسر بما يعم فعل الحسنات‏و ترك السيئات، وحمل الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ- الى آخره- على ما يساويه. والتقوى بهذا المعنى، بعينه هو المرتبة الثانية، من مراتبه. وهو حقيقة معناه، عند الجمهور.

و أما إذا أريد به المرتبة الثالثة، التي لا يتحقق بها الا الخواص. فيمكن أن يكون أيضا صفة  كاشفة، يظهر وجهه للمتأمل الصادق، فيما سيأتي من بعض بطون الاية.

أو مادحة. ذكرت لمجرد المدح والثناء. وتخصيص ما ذكر، إظهارا لفضله على سائر ما يدخل تحت اسم التقوى. وقد فرق بين المدح صفة والمدح اختصاصا، بأن الوصف في الأول، أصل، والمدح، تبع. وفي الثاني، بالعكس. وبأن المقصود الأصلي من الأول، اظهار كمال الممدوح والاستلذاذ بذكره. ومن الثاني اظهار أن تلك الصفة، أحق باستقلال المدح، من باقي صفاته الكمالية. اما مطلقا، أو بحسب ذلك المقام.

و «الايمان»: أفعال، من الامن. المتعدي الى مفعول واحد.

و الهمزة للتعدية الى مفعولين. تقول: أمنت عمرو أو أمنينه زيدا، أي، جعلني آمنا منه.

 «و قيل: الهمزة للصيرورة. نحو أعشب المكان بمعنى صار ذا عشب. فمعنى أمن، صار ذا أمن.

و قيل: للمطابعة. نحو كبّه فأكبّه  أي، أمنه، فأمن. ثم نقل الى التصديق ووضع له لغة. ثم انك إذا صدقت زيدا، فقد اعترفت بكلامه. فعدى بالباء على تضمين معنى الاعتراف.

و في عرف الشرع، هو التصديق، بما علم بالضرورة، من دين محمد- صلى‏

اللّه عليه وآله- كالتوحيد والنبوة والامامة والبعث والجزاء- كما هو ظاهر.

و قيل: مجموع ثلاثة أمور، اعتقاد الحق والإقرار به والعمل بمقتضاه- وهذا مذهب المعتزلة والخوارج- فمن أخل بالاعتقاد وحده، فهو منافق. ومن أخل بالإقرار فكافر. ومن أخل بالعمل ففاسق، وفاقا. وكافر عند الخوارج، خارج عن الايمان، غير داخل في الكفر، عند المعتزلة» .

 

و اختلف القائلون، بأن الايمان، هو التصديق وحده في أن مجرد التصديق بالقلب، هل هو كاف في المقصود؟ أو لا بد من انضمام الإقرار للمتمكن  منه؟

و لعل الحق، هو الثاني. لأنه تعالى ذم المعاند، اكثر من ذم الجاهل المقصر وللمانع أن يجعل الذم للإنكار، لا لعدم الإقرار.

و لا بأس علينا أن نذكر معنى «التضمين» هنا. فانه يناسبه.

فنقول: «التضمين» أن يقصد بفعل معناه الحقيقي، ويلاحظ معه، فعل آخر يناسبه، ويدل عليه بذكر شي‏ء من متعلقات الاخر، كقولك: أحمد اليك فلانا.

فإنك لما جعلت فيه، مع الحمد، معنى الإنهاء. ودللت عليه بذكر صلته، أعني:

كلمة «الى». كأنك قلت: أنهى حمده اليك. ثم انهم اختلفوا. فذهب بعضهم الى أن اللفظ، مستعمل في معناه الحقيقي، فقط.

و المعنى الاخر، مراد بلفظ محذوف. يدل عليه، ذكر ما هو من متعلقاته.

فتارة يجعل المذكور- أصلا. والمحذوف، قيدا، على أنه حال. وتارة يعكس.

و ذهب آخرون، الى أن كلا المعنيين، مراد بلفظ واحد، على طريق الكناية إذ يراد بها معناه الأصلي، ليتوسل بفهمه  الى ما هو المقصود الحقيقي. فلا حاجةالى تقدير، الا لتصور المعنى.

و فيه ضعف. لأن المعنى المكنى به في الكناية، قد لا يقصد ثبوته. وفي «التضمين» يجب القصد الى ثبوت كل من المضمن والمضمن فيه. والأظهر أن يقال: اللفظ مستعمل في معناه الأصلي، فيكون هو المقصود، اصالة. لكن قصد بتبعيته  معنى آخر، يناسبه من غير أن يستعمل فيه ذلك اللفظ، ويقدر لفظ آخر.

فلا يكون من باب الكناية. ولا من الإضمار. بل من قبيل الحقيقة التي قصد بمعناها الحقيقي، معنى آخر، يناسبه. ويتبعه في الارادة. فاحفظ هذه المسألة. فإنها مفيدة .

بِالْغَيْبِ: «الغيب»، مصدر غاب غيبا. حمل على الغائب، مبالغة.

أو على حذف مضاف. أو على جعل المصدر، بمعنى اسم الفاعل. واما مخفف فيعل، كهيّن وهين وأمثاله.

و رد ذلك بأن: هذا لا يدعى الا فيما يسمع مثتقلا ، كنظائره. وذلك ليس من هذا القبيل. والمراد به الخفي، الذي لا يكون محسوسا، ولا في قوة المحسوس كالمعلومات ببديهة العقل. وذلك كذاته سبحانه وأسمائه الحسنى وصفاته العلى وأحوال الاخرة، الى غير ذلك من كل ما يجب على العبد أن يؤمن به. وهو غائب عنه. لا يشاهده ولا يعاينه. فالإيمان لا يكون عن المؤمن، الا عن غيب، سواء كان تقليدا أو نظرا أو استدلالا.

قيل : فإذا ارتفع عن درجة الايمان، كان عارفا مشاهدا. ولهذا فرق جبرئيل‏بين درجة الايمان وما فوقه عند سؤاله النبي - صلى اللّه عليه وآله- حيث‏

قال:

يا محمد! أخبرني ما الايمان وما فوقه؟

قال- عليه السلام:- الايمان أن تؤمن باللّه والملائكة والكتب والنبيين وتؤمن بالقدر كله.

ثم قال: يا محمد! أخبرني ما الإحسان؟

قال: أن تعبد اللّه كأنك تراه. فان لم تكن تراه، فانه يراك.

فقوله: «أن تعبد اللّه كأنك تراه»

، أي: تعبده حين تراه، بعين بصيرتك وقوة يقينك، كأنك تراه. فكما أن المبصر بعين البصر، لا يحتاج الى الاستدلال، فكذلك بعين البصيرة وقوة اليقين، لا يحتاج اليه. فهو بالنسبة اليك. بمنزلة المشهود المحسوس.

فدرجة الإحسان، فوق درجة الايمان. وانما سمي ذلك إحسانا، لأنه انعام من اللّه تعالى، وفضل. ليس للعبد فيه تسبب. بخلاف الايمان، فانه مكتسب.

و يمكن أن يراد «بالغيب»، غيب الغيوب، الذي هو ذاته المطلقة وهويته الغيبية السارية، في الكل، علما وعينا.

و الباء على هذه التقادير، للتعدية. متعلقه المضمن للايمان.

و يمكن أن يكون للمصاحبة. متعلقة بمحذوف، يقع حالا.

و «الغيب» بمعناه المصدري، أي: يؤمنون حال كونهم متلبسين بغيبتهم، عن المؤمن به. أو بغيبة المؤمن به، عنهم. أو المعنى، أنهم يؤمنون غائبين عنكم. لا كالمنافقين. الذين إِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ .و أن يكون للاستعانة، أي: يؤمنون باستعانة غيوبهم، التي هي نفوسهم الناطقة وأرواحهم المجردة، التي هي غيب وجوداتهم. فان نسبة الحق سبحانه الى العالم، كنسبة النفس الناطقة الى البدن. فبالقياس اليها، يعرفون الحق سبحانه ويؤمنون به وبصفاته الكمالية.

و على هذا، حمل بعضهم‏

قوله- عليه السلام- من عرف نفسه فقد عرف ربه.

 «و قيل: المراد «بالغيب»، القلب، أي : يؤمنون بقلوبهم. لا كمن يقولون بأفواهم ما ليس في قلوبهم» .

و مفعول «يؤمنون»، على هذه التقادير، محذوف يعم جميع ما يجب أن يؤمن به.

و يحتمل أن يكون المراد «بالغيب»، قيام القائم- عليه السلام-.

 (و في تفسير علي بن ابراهيم : حدثني أبي، عن يحيى بن أبي عمران، عن يونس، عن سعدان بن مسلم، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- عليه السلام- قال: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ، قال: يصدقون بالبعث والنشور والوعد والوعيد.

و في كتاب كمال الدين وتمام النعمة : بإسناده الى عمر بن عبد العزيز، عن غير واحد [من أصحابنا،]  عن داود بن كثير الرقي، عن أبي عبد اللّه- عليه السلام- في قول اللّه عز وجل: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ».

 

قال: من أقر بقيام القائم- عليه السلام- أنه حق.و بإسناده  الى علي بن أبي حمزة، عن يحيى بن أبي القاسم. قال: سألت الصادق، جعفر بن محمد- عليهما السلام- عن قول اللّه- عز وجل: الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ».

 

فقال: «المتقون»، شيعة علي- عليه السلام- و«الغيب» هو الحجة الغائب.

و شاهد ذلك، قول اللّه- عز وجل-: وَيَقُولُونَ لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ؟ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ. فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ .

فأخبر- عز وجل- أن «الاية»، هي «الغيب». و«الغيب» هو «الحجة» وتصديق ذلك، قول اللّه- عز وجل: وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ، آيَةً ، يعنى:

حجة.

و في مجمع البيان : يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ، قيل: بما غاب عن العباد، علمه، عن ابن مسعود وجماعة من الصحابة.

و هذا أولى لعمومه. ويدخل فيه ما رواه أصحابنا من [زمان‏]  غيبة المهدي [عليه السلام‏]  ووقت خروجه) .

 (و يدل عليه، ما روي  عن داود [بن كثير] الرقي، عن أبي عبد اللّه- عليه السلام- في قول اللّه- عز وجل-: (هُدىً لِلْمُتَّقِينَ)  الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ»

 قال: من أقر بقيام القائم- عليه السلام- أنه حق.

و روى - أيضا-: بإسناده عن يحيى بن أبي القاسم. قال سألت الصادق- عليه السلام- عن قول اللّه- عز وجل- الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ.

فقال: المتقون، شيعة علي- عليه السلام- والغيب، هو الحجة الغائب) .

وَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ:

 «القيام» في الأصل، الانتصاب. واقامة الشي‏ء، جعله منتصبا. فكأنهم يجعلون الصلاة، منتصبة من حضيض ذل العدم أو النقصان، الى ذروة عن الوجود أو الكمال، أي: يحصلونها أو يأتون بها، على ما ينبغي. وأيضا «قيام الشي‏ء»، وجوده. ومنه قولهم: انه قائم بنفسه أو بغيره. وقولهم: القيوم، هو القائم بنفسه، المقيم لغيره. والقوام، لما يقام به الشي‏ء، أي: يحصل.

فعلى هذا، معنى «اقامة الصلاة»، تحصيلها وإيجادها. كما في الوجه الأول، من الاقامة، بمعنى الانتصاب. ويلائم الوجه  الثاني، جعله من اقام العود، إذا قومه، أي: سواه على أن يستعار من تسوية الأجسام، كالعود ونحوه، لتعديل الأركان، نقلا من المحسوس الى المعقول.

و يحتمل أن يجعل من «قامة السوق». إذا نفقت، أي: راجت. وأقامها، أي: جعلها نافقة رائجة . ويقصد بها، الدوام، والمحافظة عليها. لأنها إذا حوفظت عليها، كانت كالشي‏ء النافق. الذي يتوجه اليه الرغبات. وإذا عطلت‏و أضيعت، كانت كالشي‏ء الكاسد. الذي لا يرغب فيه.

و أن يجعل من قولهم: قام بالأمر، أي: تجلد وتشمر له. فإقامة الصلاة، على هذا، جعلها متجلدة متشمرة  لإخراج المصلي، عن عهدة أدائها، أو انقاذها، عن تبعة تركها. ولا يتيسر ذلك الا بتجلد المصلي وتشمره لها. فجعل كناية عنه.

و بالجملة، فالمراد بإقامتها، تحصيلها. الذي هو أداؤها- مطلقا. أو تعديل أركانها الظاهرة، وتقديم حقائقها الباطنة. أو الدوام والمحافظة عليها. أو التجلد والتشمر، لأدائها.

و «الصلاة»، فعلة، من «صلى». كالزكاة، من زكى، كتبت بالواو على لفظ المفخم اسم الفاعل. والتفخيم هنا، امالتها نحو الواو.

و قيل: للدلالة على أنها واوية. والمشهور أنها في اللغة، بمعنى «دعا».

و ورود «الصلاة»، بمعنى «الدعاء»، في كلام العرب، قبل شرعية الصلاة، المشتملة على الأركان المخصوصة. وفي كلام من لا يعرفها، دليل على ذلك. ثم نقلت الى ذات الأركان، لاشتمالها على الدعاء.

أو لأنها دعاء بتمامها، بالألسنة الثلاثة، القول والفعل والحال. ووجه اطلاق المصلي على الداعي، ظاهر.

 «و قيل: انها من «صلى» بمعنى حرك الصلوين» ، أي: طرفي الأليتين.

و ذلك لأن أول ما يشاهد من أحوال الصلاة، انما هو تحريك الصلوين، للركوع.

فان القيام، لا يختص بالصلاة. وانما سمي الداعي، مصليا، تشبيها له، في تخضعه بالراكع والساجد واقامة الصلاة، أعم من المفروضات والمسنونات.

وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ :

 «الرزق»، في الأصل، الإخراج. لأن التركيب وقلبه، أعني زرق. يدلان‏عليه. وشاع في اللغة، أو لا على إخراج حظ الى آخر، ينتفع به. وهذا يلائم ما يذهب اليه بعضهم. حيث يجعلون الرزق عاما، بحيث يتناول كل غذاء جسماني، كالأطعمة والأشربة وغيرهما، وروحاني كالعلوم والمعارف. ثم شاع- استعمالا وشرعا- على إعطاء الحيوان، ما ينتفع به. ويستعمل بمعنى المرزوق كثيرا.

و المعتزلة، لما استحالوا من اللّه أن يمكّن من الحرام، لأنه منع من الانتفاع به وأمر بالزجر عنه، قالوا: الحرام ليس برزق.

و أسند الرزق هنا، الى نفسه إيذانا. بأنهم ينفقون الحلال [المطلق‏]  فان انفاق الحرام لا يوجب المدح. وذم المشركين على تحريم بعض ما رزقهم اللّه، بقوله: قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا  .

 

و الأشعرية جعلوا الاسناد، للتعظيم والتحريص، على الإنفاق. والذم، لتحريم، ما لم يحرم. واختصاص ما رزقناهم بالحلال، للقرينة. وتمسكوا في شمول الرزق له‏

، بقوله- عليه السلام- في حديث عمرو بن قرة: لقد رزقك اللّه طيبا، فاخترت ما حرم اللّه عليك من رزقه، مكان ما أحل اللّه لك من حلاله.

و بأنه لو لم يكن رزقا، لم يكن المغتذي به طول عمره، مرزوقا. وليس كذلك لقوله تعالى وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها . وأنفق الشي‏ء وأنفده اخوان. وكذا كل ما كان فاؤه، نونا وعينه، فاء، يدل على معنى الذهاب والخروج.

و المراد من «انفاق ما رزقهم اللّه»، صرف المال في سبيل الخير، من الفرض والنفل . ومن فسر بالزكاة، ذكر أفضل أنواعه. والأصل فيه أو خصصه‏بها، لاقترانه بما هو شقيقها.

و تقديم المفعول، للاهتمام، أو لتخصيص الإنفاق، ببعض المال الحلال- تأكيدا- لما يقيده  «من» التبعيضية، أو للمحافظة على رؤوس الآي.

 «و ما» المجرورة، موصولة، أو موصوفة. والعائد، محذوف. والتقدير، رزقناهموه، أو رزقناهم إياه. وانما حذف العائد، الذي هو كناية عن الرزق.

لا العائد الى المرزوقين. ليكون الوجود اللفظي، على طبق الوجود العيني، لانطواء الرزق في المرزوق واختفائه فيه.

و يحتمل أن يكون «ما»، مصدرية. ويكون المصدر، بمعنى المفعول. وأن يكون من لابتداء الغاية. لا للتبعيض.

أقول: انما كنى بضمير الجمع، عن نفسه. وهو واحد لا شريك له. لأنه خطاب الملوك. وهو مالك الملوك.

و وجه ذلك عند بعضهم، أن ما يصدر عن اللّه سبحانه، من الأفعال، انما «هو بوساطة»  الأسماء. وللأسماء جهتان: وحدة حقيقية من حيث الذات، وجهة كثرة.

نسبيته  من حيث النسب والاعتبارات. فإذا اقتضى المقام، اعتبار الجهة الاولى أتى بما يدل على الوحدة  (و إذا اقتضى المقام، اعتبار الجهة الثانية أتى بما يدل على الكثرة)  ولما اعتبر هنا، جانب المرزوقين، روعيت الجهة الثانية.

فان لكل مرزوق، استعدادا خاصا، يطلب رزقه من اسم خاص، يناسبه.قيل: ولا يبعد أن يقال: المراد «بالاتفاق»، أنهم يتصدقون للفطر، حين يصومون، ولأداء الزكاة، عند وجود النصاب، وحولان الحول. وينفقون لأداء الحج، للزاد والراحلة، لأنفسهم ولرفقائهم. فيكون قوله تعالى «بالغيب»، اشارة الى أول ركن من أركان الإسلام. وقوله «و يقيمون»، الى ثانيها. وقوله وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ، الى الثلاثة الباقية.

و قد  روي  في معنى الاية، ان المتقين، هم الشيعة، الذين يؤمنون بالغيب.

و هو، البعث والنشور وقيام القائم والرجعة. ومِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ، مما علمناهم من القرآن يتلون.

 (و في مجمع البيان : وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ، روى محمد بن مسلم، عن الصادق- عليه السلام- أن معناه، ومما علمناهم يبثّون) .

وَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ: مرفوع أو منصوب. عطفا على الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ. أو مجرور، عطفا عليه، أو على «المتقين».

فعلى الاول، يكون دخوله، تحت «المتقين»، دخول أخصين، تحت أعم.

إذ المراد «بأولئك»، «الذين آمنوا» عن شرك وانكار. وبهؤلاء، مقابلوهم. فيكون الآيتان، تفصيلا للمتقين.

و على الثاني، لا يكون مندرجا تحت «المتقين». والمعنى «هدى للمتقين»، عن الشرك. و«الذين آمنوا» من أهل الملل.

فعلى هذا، يكون المراد بالأولين، المؤمنين عن الشرك وبالأخيرين، المؤمنين‏

من أهل الكتاب. كعبد اللّه بن سلام وأضرابه.

و على التقديرين، يحتمل أن يراد بهم، الأولون بأعيانهم. ووسط العاطف كما وسط في قوله:

         الى الملك القرم وابن الهمام             وليث الكتيبة في المزدحم‏

 وقوله:

         يا كهف  زيابة للحارث             الصالح والغانم  فالايب‏

 والمعنى، أنهم الجامعون بين الايمان بما يدركه العقل- جملة- والإتيان بما يصدقه من العبادات البدنية والمالية، وبين الايمان بما لا طريق اليه غير السمع.

و كرر الموصول، تنبيها على تباين السبيلين. أو طائفة منهم. وهم مؤمنوا أهل الكتاب. ذكرهم مخصصين عن الجملة- كذكر جبرئيل وميكائيل بعد الملائكة، تعظيما لشأنهم وترغيبا لأمثالهم .

و يحتمل أن يكون مع ما عطف عليه، مبتدأ. «و أولئك»، خبره.

و الانزال، تحريك الشي‏ء من العلو الى السفل. فالمراد بالمنزل، ان كان الكلام، الذي هو صفته، فانزاله، تحريكه بالحركة المعنوية الى مظاهره السفلية بعد ظهوره في المظاهر العلوية. فانه يظهر أولا في المظاهر العقلية، ثم النفسية، ثم المثالية ثم الحسية.

 (و ان كان كلامه الذي هو القرآن المنتظم من الحروف والكلمات، وانزاله تحريكه من المعاني العلمية الالهية العقلية النفسية، ثم الى صور الحروف والكلمات‏المثالية، ثم الحسية) .

و على هذا، يكون الانزال مستعملا في معناه المجازي. فيكون من قبيل المجاز في المفرد. ولك أن تجعله من قبيل المجاز في الاسناد، بأن يكون الانزال مستعملا في معناه الحقيقي. ويسند الى القرآن، باعتبار حامله الذي هو جبرئيل- صلوات اللّه عليه- وانما جاء بصيغة الماضي وان كان بعضه مترقبا تغليبا  للموجود، على ما لم يوجد. أو تنزيلا للمنتظر، منزلة الواقع. ونظيره قوله تعالى : إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى. فان الجن، لم يسمعوا جميعه. ولم يكن الكتاب، كله حينئذ، منزلا. والمعنى «الذين يؤمنون بالقرآن الذي أنزل اليك بعد ظهورك» بالوجود الجسماني الشهادي. وانما قيدنا بذلك، لأنه بحسب الوجود الروحاني العيني مقدم على الكل.

قال- صلى اللّه عليه وآله- : كنت نبيا، مبعوثا من عند اللّه، في العالم الروحاني الى الأرواح البشريين والملكيين. وآدم بين الماء والطين.

أي، لم يكمل بدنه الجسماني الشهادي بعد، فكيف من دونه من أنبياء أولاده؟

و الايمان به، جملة، فرض عين وتفصيلا، من حيث إنا متعبدون بتفاصيله، فرض، لكن على الكفاية. لأن وجوبه، على كل أحد، يوجب الحرج وفساد المعاش.

وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ: مجرور، معطوف على «ما أنزل قبله»، أي:

قبل وجودك الجسماني الشهادي. والمراد به، التوراة والإنجيل وغيرهما.و الايمان به جملة، فرض عين.

و قرأ يزيد بن قطيب، بما أنزل اليك وما أنزل من قبلك، على لفظ ما سمي فاعله.

أقول: ومن جملة ما أنزل الى النبي والى الأنبياء قبله- عليهم السلام- بل العمدة والأصل، خلافة علي بن أبي طالب- عليه السلام- عنه، بلا وساطة  أحد غيره.

يدل على ذلك‏

ما روي (في التفسير المنسوب الى الحسن العسكري - عليه السلام:) أنه قد حضر رجل عند علي بن الحسين- عليهما السلام- فقال: ما تقول في رجل يؤمن بما أنزل على محمد. وما أنزل [على‏]  من قبل. ويؤمن بالاخرة ويصلي ويزكي. ويصل الرحم. ويعمل الصالحات. لكنه «يقول مع ذلك» :

لا أدري الحق لعلي أو لفلان؟

فقال [له‏]  علي بن الحسين- عليهما السلام-: ما تقول أنت في رجل يفعل هذه الخيرات كلها الا  أنه يقول: لا أدري النبي محمد أو مسيلمة؟ هل ينتفع بشي‏ء من هذه الافعال؟

فقال: لا.فقال : فكذلك  صاحبك هذا. كيف يكون مؤمنا بهذه الكتب (و بالاخرة؟

أو منتفعا بشي‏ء)  لا يدري  أ محمد النبي أو  مسيلمة [الكذاب‏] ؟ فكذلك كيف يكون مؤمنا بهذه الكتب وبالاخرة  أو منتفعا بشي‏ء  (من أفعاله)  من لا يدري أعلي المحق أم فلان؟

 (و في شرح الآيات الباهرة ، منقول عن التفسير المذكور قال الامام- عليه السلام: قال الحسن بن علي- عليهما السلام: من دفع فضل أمير المؤمنين- صلوات اللّه عليه- فقد كذب بالتوراة والإنجيل والزبور وصحف ابراهيم وبسائر كتب اللّه المنزلة. فانه ما (نزل)  شي‏ء منها، الا وأهم ما فيه بعد الأمر بتوحيد اللّه والإقرار بالنبوة، الاعتراف بولاية علي والطيبين من آله) .

وَ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ : معطوفة على «يؤمنون»، أي: يوقنون إيقانا.زال معه ما كانوا عليه، من أن الجنة لا يدخلها الا من كان هودا أو نصارى.

و أن النار لم تمسهم الا أياما معدودة.

و اختلافهم في نعيم الجنة، أهو من جنس نعيم الدنيا، أو غيره، وفي دوامه وانقطاعه.

و «الاخر»، اسم فاعل، من آخر بالتخفيف، بمعنى تأخر. الا أنه لم يستعمل.

و الاخرة، تأنيثها. وهي صفة الدار. أو النشأة. بدليل قوله: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ  وتنشئ  النشأة الاخرة. وهي صفة غالبة على تلك الدار. أو النشأة، كالدنيا. على هذه حتى قلّما يستعملان  في غيرهما. وقد جرتا مع تلك الغلبة، مجرى الأسماء، بترك موصوفيهما. حتى كأنهما ليستا من قبيل الصفات.

و انما سميت «آخرة»، لتأخرها عن الدنيا. كما سميت «الدنيا» دنيا، لكونها أدنى وأقرب إلينا من الاخرة. أو لكونها أقرب النشآت الى الاخرة. وذلك لأن للنفس الناطقة، حالتين، حالة تعلقها بالبدن. واشتغالها  بتدبيره. والإتيان بواسطته بالأعمال الحسنة والسيئة، وحالة انقطاعها عن البدن، وعدم التمكن من الاشتغال بتدبيره، وترتب الاجزية على أعمالها من اللذات والآلام.

و لا شك أن الانتقال من الحالة الأولى، التي هي الدنيا، الى الثانية، التي هي الاخرة، آني دفعي. لا زماني تدريجي. بخلاف سائر النشآت. فانه يتخلل بينها وبين الاخرة، النشأة الدنيوية.

و عن نافع، أنه خففها بحذف الهمزة، وإلقاء حركتها على اللام.و «الإيقان»، إتقان العلم بنفي الشك والشبهة عنه، بالاستدلال. ولذلك لا يوصف به علم الباري تعالى والعلوم الضرورية.

لا يقال: أيقنت أن السماء فوقي.

يقال: يقنت- بالكسر- يقينا. وأيقنت واستيقنت وتيقنت- كله- بمعنى.

و هو في أصل اللغة ينبئ  عن السكون والظهور.

يقال: يقن الماء، إذا سكن. فظهر ما تحته.

و قرئ «يوقنون»، بقلب الواو، همزة، لضم ما قبلها، اجراء لها مجرى المضمونة في وجوه ووقتت  ونظيره:

         لحب الموقدان  الي موسى             وجعدة إذ اضاءهما الوقود

 وفي هذا الكلام، تقديمان، يفيد كل منهما القصر:

أحدهما- تقديم الظرف، أعني «بالاخرة». للقصر عليه. كما في قوله تعالى:

لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ ، يعني: انهم يوقنون بحقيقة الاخرة. لا بما هو على خلاف حقيقتها. كما يزعم بعض اليهود.

و ثانيهما- تقديم المسند اليه، أعني «هم». وبناء الفعل عليه، كما في قولك:

أنا سعيت في حاجتك، يعني: أن الإيقان بالاخرة، مقصور عليهم. لا يتجاوزهم الى أهل الكتاب.

و في هذين القصرين، التعريض ببعض أهل الكتاب، وبما هم عليه من أمر الاخرة. (و في شرح الآيات الباهرة : قال الامام أبو محمد العسكري- عليه السلام- ثم وصف هؤلاء الذين يقيمون الصلاة، فقال: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ، يا محمد! وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ، على الأنبياء الماضين، كالتوراة والإنجيل والزبور وصحف ابراهيم وسائر «كتب اللّه»  المنزلة على أنبيائه، بأنها  حق وصدق من عند «رب العالمين العزيز الحكيم» . وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ، بالدار الاخرة بعد هذه الدنيا، يوقنون. لا يشكون فيها، أنها الدار التي فيها جزاء الأعمال الصالحة، بأفضل مما عملوا. وعقاب الأعمال السيئة، «بمثل ما كسبوا» ) .

أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ: الجملة في محل رفع، ان جعل أحد الموصولين، مفصولا عن «المتقين»، خبر له. وكأنه لما قيل: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ، قيل: ما بالهم خصوا بذلك. فأجيب بقوله: الذين- الخ. والا، فاستئناف، لا محل لها. وكأنه نتيجة الأحكام والصفات المتقدمة، أو جواب سائل قال للموصوفين بهذه الصفات: اختصوا بالهدى.

و يحتمل أن يكون الموصول الأول، موصولا «بالمتقين» والثاني مفصولا عنه . مبتدأ. «و أولئك»، خبره. و«أولئك»، اسم اشارة، يشترك فيه جماعة الذكور والإناث. وهي هنا اشارة الى «المتقين» الموصوفين بتلك الصفات، لاإلى ذواتهم المجردة. لأنه مأخوذ في حد اسم الاشارة، أن يكون المشار اليه، محسوسا، أو في حكم المحسوس. وانما صار المشار اليه، هنا، في حكم المحسوس بإجراء هذه الأوصاف عليه وتميزه بها عما عداه. فيجب أن يكون ملحوظة في الاشارة. فاذن يكون قوله أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ كالبناء على المشتق.

ففيه اعلام بأن الأوصاف المذكورة قبل اسم الاشارة، علة لكون المذكورين «على الهدى».

و كلمة «أولئك»، يمد ويقصر، والمد أولى.

و كلمة «على» هذه، استعارة تبعية. وانما كانت استعارة، لأنه شبه تمسك المتقين بالهدى، باستعلاء الراكب على مركوبه في التمكن والاستقرار. فاستعير له الحرف الموضوع للاستعلاء، كما شبه استعلاء المصلوب، على الجذع، باستقرار المظروف في الظرف، لجامع . فاستعير له الحرف الموضوع للظرفية، وانما كانت تبعية. لأن الاستعارة في الحرف، يقع أولا في متعلق، معناه كالاستعلاء والظرفية- مثلا- ثم تسرى اليه تبعيته، كما حقق في موضعه. ولك أن تعتبر تشبيه هيئة  منتزعة من «المتقي» و«الهدى». وتمسكه به بالهيئة المنتزعة، من الراكب والمركوب واعتلائه عليه، فيكون هناك استعارة تمثيلية، تركب كل من طرفيها. أو تعتبر تشبيهه بالمركوب، على طريقة الاستعارة، بالكناية. وتجعل كلمة على قرينة لها.

و تنكير «هدى»، للتعظيم، أي: هدى لا يبلغ كنهه، ولا يقادر قدره. وكيف يبلغ كنهه  وقد منحوه من عند ربهم. وأوتوه من قبله. أو للنوع.و «من»، للابتداء.

و قيل : انما قال «من ربهم»، لا «من اللّه»، تنبيها على أن لكل أحد، اسما خاصا من أحدية جمع الأسماء، هو ربه. ومنه يصل اليه ما يصل. وليس لأحد، أحدية جمع الأسماء، الا للإنسان الكامل. فان ربه الخاص به، هو الاسم  الجامع. فمعنى قوله «من ربهم»، أن لكل أحد، هدى من ربه الخاص، لا من غيره.

و النكتة في اضافة «الهدى» الى «الكتاب» أولا والى «ربهم»، ثانيا، ان المتقين قبل كشف حجب المظاهر، عن نظر شهودهم، كانوا يشاهدون «الهدى»، عن مظاهر الاسم التي كان «ذلك الكتاب» واحدا منها. فلذلك أضيف اليه «الهدى» أولا. فلما تمكنوا في التقوى وتحققوا بالصفات الجارية عليهم، كشف عنهم، حجب المظاهر وشاهدوا فيها الظاهر. فلهذا أضيف اليه، ثانيا. وهو، أي قوله «من ربهم»، اما في محل الجر، صفة «لهدى». أو النصب على أنه حال من «هدى».

وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ : عطف على الجملة الأولى.

و أصل «الفلاح»، القطع والشق. ومنه سمي الزارع، فلّاحا. لأنه يشق الأرض. والزراعة: فلاحة. ومنه المثل، الحديد بالحديد يفلح. بل كلما يشاركه في الفاء والعين، يدل على ذلك المعنى، نحو: فلق وفلذ وفلا وفلج (بالجيم).

و «المفلح»، هو الفائز بالمطلوب. كأنه الذي انفتحت له وجوه الفوز والظفر. ولم يستغلق عليه.

و كرر اسم الاشارة، للتنبيه، على أن كل واحد من المسندين، على انفراده، يكفي في اثبات الفضيلة للمسند اليهم. فلا احتياج الى انضمام الاخر، ليعد من الفضائل. بخلاف ما لو اقتصر على واحد منهما، فإنه يمكن أن يتوهم حينئذ،أن الفضيلة في الجمع بينهما، لا في كل واحد.

و «هم»، فصل. وفيه ثلاث فوائد وثلاث مذاهب.

أما الفوائد:

فالأولى منها، الدلالة ابتداء  على أن ما بعده خبر. لا نعت. ولذلك سمي فصلا.

و الثانية، تأكيد الحكم لما فيه من زيادة الربط.

و قيل: تأكيد المحكوم عليه. لأنه راجع اليه. فيكون تكريرا له.

و الثالثة، افادة قصر المسند، على المسند اليه.

فان قلت: ان هذا انما يتم إذا ثبت القصر، في مثل «زيد هو أفضل من عمرو» مما  الخبر فيه نكرة. والا فتعريف الخبر بلام الجنس، يفيد  قصره على المبتدأ.

و ان لم يكن هناك ضمير فصل، مثل زيد الأمير.

قلت: ندعي القصر، في صورة النكرة- أيضا- فان قولك: «زيد هو أفضل من عمرو»، معناه بالفارسية: زيد اوست كه أفضل است از عمرو. فعلى هذا، قد اجتمع في قولك: «زيد هو الأمير»، أمران يدلان على قصر المسند:

أحدهما تأكيد للاخر، تعريف المسند وضمير الفصل .

و نوقش بأن تعريف المبتدأ بلام الجنس، يفيد  قصره على الخبر، دون قصر الخبر عليه. وان كان مع ضمير الفصل. كقولك: الكرم هو التقوى، أي: لا كرم‏

الا التقوى.

و أجيب بأن القول بافادة الفصل، قصر المسند على المسند اليه انما هو على تقدير «أن لا يكون هناك معارض». كتعريف المسند اليه، لافادة قصره، على المسند، في هذه الصورة.

و أما المذاهب:

فأحدها، ان ضمير الفصل، حرف. لا محل له. وفائدته ما مر.

و ثانيها، أنه اسم. لا محل له. وهو سخيف، لأنه ليس له نظير في كلام العرب من اسم لا يكون له محل.

و ثالثها، أنه اسم، مرفوع المحل. فعلى هذا يجوز أن يكون «هم» مبتدأ و«المفلحون»، خبره والجملة خبر «أولئك».

و «اللام» اما للعهد، أي: المتقون، هم الذين بلغك أنهم يفلحون. واشتهروا بذلك. فإنهم حصة معينة من جنس المفلحين- مطلقا. واما للجنس، أي: جنس المفلحين، مقصور على المتقين. لا يتجاوزهم الى غيرهم.

و المبالغة في الثاني، أتم. لأن قصر الجنس، يستلزم قصر الحصة، من غير عكس.

و هاهنا معنى  آخر، أدق والطف. ذكرها الشيخ في دلائل الاعجاز. وهو أن:

تشير باللام الى حقيقة. ثم تصور تلك الحقيقة في الوهم، بصورة تناسب ما يحكم بها عليه. ثم تحكم بالاتحاد بين تلك الحقيقة المصورة بهذه الصورة الوهمية وبين المبتدأ من غير ملاحظة الحصر، من احد الجانبين. وانما اعتبرت الصورة الوهمية المناسبة لأن الحقيقة لو تركت على حالها، لم يكن ادعاء كون المبتدأ، متحدا بها مستحسنا مقبولا. فالمراد «بالمفلحين» على هذا المعنى، جنس المفلحين مصورابصورة وهمية، يلائم المتقين يحكم بالاتحاد بينها وبين المتقين.

لا يقال: على هذا التقدير، لم يتصور هناك حصر أصلا، فكيف يستعمل فيه ضمير الفصل؟

قلنا: يجرد حينئذ لتميز الخبر عن النعت وتأكيد الحكم دون القصر.

فان قلت: قوله أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ. وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ جملتان مصوغتان لمدح المتقين، فلم وقعت إحداهما بطريق القصر والحكم بالاتحاد والأخرى بدونه؟

قلنا: لظهور التلازم بين مسنديهما فقصر أحدهما في قوة قصر الأخرى.

و كذلك الحكم بالاتحاد في أحدهما في قوة الحكم بالاتحاد في الأخرى. وانما اختير ذلك في الجملة الاخيرة، ليقع خاتمة صفاتهم على وجه أبلغ.

و في التفسير المنسوب الى أبي محمد العسكري- صلوات اللّه عليه وعلى آبائه - قال الامام- عليه السلام- ثم أخبر عن جلالة هؤلاء الموصوفين بهذه الصفات الشريفة- فقال: «أولئك»، أهل هذه الصفات، «على هدى»، بيان  وصواب «من ربهم» وعلم بما أمرهم به. وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الناجون مما منه يوجلون، الفائزون بما يؤملون.

قال: وجاء رجل الى أمير المؤمنين- عليه السلام- فقال: يا أمير المؤمنين! ان بلالا كان يناظر اليوم، فلانا. فجعل يلحن في كلامه. وفلان يعرب ويضحك من بلال.

فقال أمير المؤمنين- عليه السلام-: يا عبد اللّه! انما يراد اعراب الكلام وتقويمه لتقويم الأعمال وتهذيبها. ما ذا ينفع فلانا اعرابه وتقويمه لكلامه، إذا كانت أفعاله‏ملحونة، أقبح لحن؟ وما يضر بلالا لحنه في كلامه، إذا كانت أفعاله مقومة، أحسن تقويم، مهذبة أحسن تهذيب؟

قال الرجل: يا أمير المؤمنين! وكيف ذلك؟

قال- عليه السلام-: حسب بلال من التقويم لأفعاله والتهذيب لها  أنه لا يرى أحدا نظيرا لمحمد رسول اللّه- صلى اللّه عليه وآله وسلم- ثم لا يرى أحدا بعد محمد  نظيرا لعلي بن أبي طالب. ويرى أن كل من عاند عليا فقد عاند اللّه ورسوله.

و من أطاعه فقد أطاع اللّه ورسوله. وحسب فلان من الاعوجاج واللحن في أفعاله التي لا ينتفع معها باعرابه لكلامه بالعربية وتقويمه للسانه، أن يقدم الأعجاز على الصدور والأستاه  على الوجوه، وان يفضل الخل في الحلاوة، على العسل، والحنظل في الطيب، والعذوبة على اللبن. يقدم على ولي اللّه، عدو اللّه  الذي لا يناسبه بشي‏ء  من الخصال في  فضله، هل هو الّا كمن قدم مسيلمة على محمد في النبوة في  الفضل ؟ ما هو الا من الذين قال اللّه تعالى قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً .قال بعض الفضلاء: وإذا انتهى الكلام الى هاهنا، فحري بنا أن نشير الى بعض بطون هذه الآيات، فنقول: هذا كلام من باطن الجمع، الى ظاهر الفرق.

يخاطب أكمل صورة، أولا- صلى اللّه عليه وآله وسلم- ومتابعيه، آخرا.

فيقول: الم، أي أقسم بالأول وذي الأمر والخلق أن «ذلك» الموجود المعلوم المشهود أعني العالم، هو «الكتاب» الجامع لحروف وكلمات، مخطوطة مرقومة في رق الوجود المنشور، للدلالة على أسماء اللّه الحسنى وصفاته العلى.

و لا يزال الكتابة فيه، دائمة أبدا لا ينتهي، لا رَيْبَ فِيهِ. لأن تلك الدلالة، قطعية عقلية او كشفية، لا مجال للريب والشك. فيها «هدى» للمشارفين على الترقي من الحجب المائعة، عن التحقق، بشهود الوحدة والكثرة الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بغيب الهوية وسريانها- أولا- في الصور العلمية الباطنة، التي هي الأعيان الثابتة.

و لها الأولية. وثانيا في الصور العينية الظاهرة، التي هي الأعيان الخارجية. ولها الآخرية، فهو الأول والآخر والظاهر والباطن. وبعد الايمان بها يسلكون طريق الوصول الى شهودها في تلك الصور، بوحدتها. فيقيمون الصلاة التي هي العبادة التامة الجامعة الموصلة الى شهود الجمعية الالهية، بتحريك صلاتهم الروحانية والجسمانية، للسير اليها والفناء فيها. «و مما» أفيض عليهم، بعد الفناء، من أنوار المعرفة وأسرار الوحدة، يفيضون على من سواهم، لجعلهم بالتربية والكمال، مستعدين لفيضانها. و«الذين» يصدقون، لصفاء استعدادهم بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وبما انزل الى الأنبياء والمرسلين من تلك الأنوار والأسرار، حيث يفهمونها بلسان الاشارة عنك، فيرغبون فيها ويسلكون للوصول اليها. «و بالاخرة» أي، بعاقبة سلوكهم ومآل أمرهم، الى فيضان تلك الأنوار والأسرار، في أثناء سلوكهم، لظهور آثارها، متيقنون. أُولئِكَ عَلى هُدىً مشهود، مِنْ رَبِّهِمْ الظاهر بالاسم                   

   تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب،

 الهادي في مظاهره، لا يحتجبون بالمظاهر  عن الظاهر. وأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.

الذين خرقوا حجب المظاهر. وشقّوها. فيشاهدون مشهودهم، كفاحا.

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لما ذكر خاصة أوليائه وخالصة عباده بصفاتهم، التي أهلتهم لاصابة الزلفى عنده وبيّن أن «الكتاب»، «هدى» ولطف لهم، خاصة، قفّى على أثره بذكر أضدادهم. وهم العتاة المردة من الكفار، الذي لا ينفع فيهم الهدى. ولا يجدي عليهم اللطف. وسواء عليهم وجود الكتاب وعدمه  وإنذار الرسول وسكوته .

و روي عن الامام الحسن العسكري- عليه السلام-  في معنى الاية: انه لما ذكر المؤمنين ومدحهم، ذكر الكافرين المخالفين لهم في كفرهم، فقال: ان الذين كفروا باللّه وبما آمن به هؤلاء المؤمنون، بتوحيد اللّه تعالى وبنبوة محمد رسول اللّه- صلى اللّه عليه وآله وسلم- وبوصية علي أمير المؤمنين، ولي اللّه ووصي رسوله وبالأئمة الطيبين الطاهرين، خيار عباده الميامين القوامين بمصالح خلق اللّه تعالى، سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ، أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ، أي: خوفتهم أو لم تخوفهم أخبر عن علم بأنهم لا يؤمنون. انتهى كلامه- عليه السلام-.

و لم يوسط العاطف، بين الجملتين، لتباينهما في الغرض والأسلوب.

أما الغرض، فلأن الغرض من الأولى، بيان كون الكتاب، بالغا في الهداية حد الكمال. ومن الثانية، وصف الكفار بأنه لا يؤثر فيهم الانذار.

و أما في الأسلوب، فلأن الطريق الأولى، الحكم على الكتاب، بجملة محذوفة المبتدأ، موصولة بغيرها، من ذكر المتقين وأحوال المؤمنين. وطريق‏الثانية، الحكم على الكافرين، قصدا بجملة تامة مصدرة بأن، المشعرة بالأخذ في فن آخر، لتجرد الأولى عنها. بخلاف قوله: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ  لتوافقهما في الغرض والأسلوب. وهو ظاهر.

و يحتمل أن يقال: لما كانت النسبة بين المؤمنين والكافرين، كمال المباينة، وبين الكافرين والمنافقين، على ما هو في شأن المنافقين، كمال المناسبة، قطع ما كان في شأن الكافرين، عما كان في شأن المؤمنين وعطف ما كان في شأن المنافقين على ما هو في شان الكافرين، تنبيها على تينك النسبتين.

و «أن» من الحروف التي شابهت الفعل، في عدد الحروف. والبناء على الفتح. ولزوم الأسماء. وإعطاء معانيه والمتعدي، خاصة، في دخولها على اسمين ولذلك أعملت عمله الفرعي. وهو نصب الجزء الأول ورفع الثاني، إيذانا بأنه فرع في العمل.

و قال الكوفيون: الخبر قبل دخولها، كان مرفوعا بالخبرية. وهي بعد باقية مقتضية للرفع، قضية  للاستصحاب. فلا يرفعه الحرف.

و رد بأن اقتضاء الخبرية الرفع. مشروط بالتجرد، لتخلفه عنها، في خبر كان. وقد زال بدخولها فتعين اعمال الحرف. وفائدتها تأكيد النسبة وتحقيقها.

و لذلك يتلقى بها القسم، ويصدر بها الاجوبة، وتذكر في معرض الشك.

روي أن الكندي المتفلسف، ركب «الى المبرد»  وقال: اني أجد في كلام العرب حشوا، أجد العرب يقول: عبد اللّه قائم. ثم يقول : ان عبد اللّه قائم. ثم‏يقول : ان عبد اللّه لقائم.

فقال المبرد: المعاني مختلفة، فقولهم: عبد اللّه قائم، اخبار عن قيامه. وقولهم  ان عبد اللّه قائم، جواب عن سؤال سائل. وقولهم: ان عبد اللّه لقائم، جواب عن انكار منكر لقيامه.

و «الكفر» لغة، ستر النعمة. وأصله الكفر، بالفتح. وهو الستر. ومنه سمي الليل، كافرا، لستره الأشياء، بظلمته والزارع، كافرا، لأنه يستر الحب في التراب وكمام الثمرة، كافورا، لسترها الثمرة. وفي الشرع، انكار ما علم بالضرورة، مجي‏ء الرسول- عليه السلام- به، كوجوب الصوم والصلاة والزكاة وغير ذلك.

و انما عد لبس الغيار وشد الزنار، كفرا. لأنهما تدلان على التكذيب. فان من صدق الرسول- عليه السلام- لا يتجرأ  عليها. «لا لأنهما»  كفر في أنفسهما واحتجت المعتزلة، بما جاء في القرآن، بلفظ الماضي، على حدوثه، لاستدعائه سابقة مخبر عنه. وحيث لا يصح الحكم، على الكافرين، مطلقا، باستواء الانذار وتركه، لتحقق الايمان من بعضهم، فتعريف الموصول اما للعهد. والمراد به ناس، بأعيانهم، كأبي لهب وأبي جهل والوليد بن المغيرة وأحبار اليهود، فان هؤلاء وأضرابهم، أعلام الكفرة. فهم كالحاضرين في الذهن. فإذا أطلق اللفظ التفت الخاطر اليهم. أو لاستغراق الجنس. وهو الشائع في الاستعمال، اما مطلقا فيستغرق المصرين وغير المصرين. وخص منه غير المصرين، بقرينة الخبر.

أقول: واما  مقيد بالإصرار بهذه القرينة. فانه- أيضا- جنس، فيستغرق أفرادجنس المصرين، فقط، أو لبعض أفراد الجنس، من غير عهد واستغراق. ويكون تعيين المصرين، بقرينة الخبر.

أقول: ويحتمل أن يكون المراد به، مالك بن الضيف وكعب بن أشرف وحي بن أخطب «وحدي بن أخطب»  تابعي أبي لبابة بن المنذر. يدل على ارادة ذلك ما

روي عن محمد بن علي الباقر- عليه السلام- : أن رسول اللّه- صلى اللّه عليه وآله وسلم- لما قدم المدينة وظهرت آثار صدقه وآيات حقه وبينات نبوته كادته اليهود، أشد كيد. وقصدوه، أقبح قصد. يقصدون أنواره ليطمسوها وحججه  ليبطلوها. فكان ممن قصده للرد عليه وتكذيبه، مالك بن الضيف وكعب بن أشرف  وحي بن أخطب  وحدي بن أخطب  وأبو لبابة بن عبد المنذر  وشيعته.

فقال مالك لرسول اللّه- صلى اللّه عليه وآله وسلم-: يا محمد! تزعم أنك رسول اللّه؟

 «قال رسول اللّه- صلى اللّه عليه وآله-:»  كذلك قال اللّه خالق الخلق أجمعين.

قال: يا محمد! لن نؤمن أنك رسوله ، حتى يؤمن لك هذا البساط الذي تحتي. ولن نشهد لك أنك عن اللّه جئتنا، حتى يشهد لك هذا البساط.و قال أبو لبابه بن عبد المنذر: لن نؤمن لك [يا محمد!]  أنك رسول اللّه. ولا نشهد لك به، حتى يؤمن لك  ويشهد لك  هذا السوط الذي في يدي.

و قال كعب بن أشرف : لن نؤمن لك أنك رسول اللّه. ولن نصدقك به، حتى يؤمن لك هذا الحمار الذي أركبه.

فقال رسول اللّه- صلى اللّه عليه وآله وسلم-: [انه‏]  ليس للعباد الاقتراح على اللّه. بل عليهم التسليم للّه والانقياد لأمره والاكتفاء بما جعل  كافيا. أما كفاكم أن نطق التوراة والإنجيل والزبور وصحف ابراهيم بنبوّتي ودل على صدقي؟

و بيّن فيها ذكر أخي ووصيي وخليفتي في أمتي وخير من أتركه على الخلائق من بعدي، علي بن أبي طالب؟ وأنزل عليّ هذا القرآن الباهر، للخلق أجمعين ، المعجز لهم عن أن يأتوا بمثله، وان تكلفوا  شبهه؟ وأما  الذي اقترحتموه، فلست أقترحه على ربي- عز وجل- بل أقول: ان ما اعطاني  ربي- عز وجل- من دلالة  هو حسبي وحسبكم. فان فعل- عز وجل- ما اقترحتموه، فذاك زائدفي تطوّله علينا وعليكم. وان منعنا ذلك فلعلمه  بأن الذي فعله، كاف فيما أراده منا.

قال: فلما فرغ رسول اللّه- صلى اللّه عليه وآله وسلم- من كلامه هذا، أنطق اللّه البساط.

و الحديث طويل، مضمونه: ان كلّا من البساط والسوط والحمار شهد بالوحدانية والنبوة والولاية. وظهر من كل منها آيات عجيبة. ولم يؤمن أحدهم الا أبو لبابة، فانه أظهر الإسلام ولم يحسن إسلامه.

ثم قال- عليه السلام: فلما انصرف القوم من عند رسول اللّه- صلى اللّه عليه وآله وسلم- ولم يؤمنوا، أنزل اللّه: يا محمد! إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ» في العظة  أَأَنْذَرْتَهُمْ ووعظتهم وخوفتهم أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ، لا يصدقون بنبوتك وهم قد شاهدوا هذه الآيات وكفروا فكيف يؤمنون [بك عند قولك ودعائك‏] .

سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ :

سواء، اسم مصدر. بمعنى الاستواء. أجري على ما يتصف بالاستواء، كما يجرى المصادر، على ما يتصف بها. وهو مرفوع على أنه خبر «ان».

و قوله أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ، بتأويل المصدر. مرفوع على الفاعلية، أي: ان الذين كفروا مستو عليهم إنذارك وعدمه. أو هو مرفوع بالابتداء. وسواء خبره مقدما عليه. والفعل، انما يمتنع الاخبار عنه، إذا أريد به تمام ما وضع له، أما لو أطلق وأريد به اللفظ ومطلق الحدث المدلول عليه- ضمنا- على الاتساع فلا. وانما عدل عنه، الى الفعل، لما فيه من إيهام التجدد وحسن دخول الهمزة.

قيل: لا يجوز أن يكون «سواء» خبرا. لأن الجملة، لما كانت مصدرة بالاستفهام، لا يجوز تقديم ما في حيّزها عليها.

ورد بأن «الهمزة» و«أم» دخلتا عليه، لتقرير معنى الاستواء وتأكيده. فإنهما جردتا عن معنى الاستفهام، لمجرد الاستواء، كما جردت حرف النداء، عن الطلب لمجرد التخصيص، في قولهم: «اللهم اغفر لنا أيتها العصابة»، بل هو أولى من أن يكون فاعلا، للاستواء. لأنه لما كان اسما غير صفة، فالأصل أن لا يعمل.

و إذا جعله بمعنى اسم الفاعل، فأتت المبالغة المقصودة، من الوصف بالمصادر ووجه افراده على الأول، ظاهر. وعلى الثاني، لجهة مصدريته. ولما كان الاستواء المستفاد، من الحرفين، غير الاستواء المفهوم من سواء، فلا تكرار.

و ذهب بعض النحاة الى أن «سواء» مثل هذا المقام، خبر مبتدأ محذوف أي، الأمران سواء عليهم.

و ان الهمزة بما بعدها، بيان للأمرين. والفعلان في معنى الشرط، على أن يكون الهمزة، بمعنى أن الشائع استعمالها، في غير المتيقن.

و «أم» بمعنى «أو» لأن كليهما، لأحد الأمرين.

و الجملة، الاسمية، أعني ، الأمران سواء دالة على الجزاء. فعلى هذا يكون، خبر «ان»، هو الجملة الشرطية. والمعنى: ان الذين كفروا ان أنذرت أو لم تنذر، فهما سواء عليهم.

و «عليهم»، متعلق بالاستواء.

و «الانذار»، التخويف. أريد به التخويف من عقاب اللّه. وانما اقتصر  عليه، دون البشارة، لأنه أوقع في القلب وأشد تأثيرا في النفس، من حيث أن‏دفع الضر، أهم من جلب النفع. فإذا لم ينفع فيهم، كانت البشارة بعدم النفع أولى.

و قرئ ء أنذرتهم، بتحقيق الهمزتين وتخفيف الثانية. بين بين وقلبها ألفا.

و هو لحن. لأن المتحركة لا تقلب. ولأنه يؤدي الى التقاء الساكنين على غير حده.

و بتوسيط ألف بينهما، محققتين وبتوسيطها. والثانية بين بين وبحذف الاستفهامية وبحذفها وإلقاء حركتها على الساكن قبلها.

لا يُؤْمِنُونَ، تأكيد أو بيان، للجملة التي قبلها، أعني: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ. وحينئذ يكون محله الرفع، ان جعل ما قبله جملة من مبتدأ وخبر لا صفة مع الفاعل. فانه على هذا التقدير لم يكن لقوله «يؤمنون»، محل، أو خبر بعد خبر، أو جملة مستأنفة، أو حال من مفعول «أنذرتهم». قيل: أو خبر.

و قوله «سواء»- الخ، اعتراض بين المبتدأ والخبر.

ورد بأن الاخبار عن المصرين على الكفر، بعدم الايمان لا فائدة فيه. واحتجت المجوّزة لتكليف ما لا يطاق، بالاية، بأنه سبحانه، أخبر عنهم بأنهم لا يؤمنون، وأمرهم بالايمان. فلو آمنوا، انقلب خبره، كذبا. وشمل ايمانهم، الايمان بأنهم لا يؤمنون. فيجتمع الضدان.

و الجواب: ان الاخبار بوقوع الشي‏ء أو عدمه، لا ينفي القدرة عليه، كاخباره تعالى عما يفعله هو. والعبد باختياره. وفائدة الانذار بعد العلم، بأنه لا ينجع الزام الحجة وحيازة الرسول، فضل  الإبلاغ. ولذلك قال: سَواءٌ عَلَيْهِمْ. ولم يقل «سواء عليك». كما قال لعبدة الأصنام: سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ وقد حقق الكلام في هذا الجواب، العلامة النحرير القزويني - أدام اللّه ظله‏العالي- في حاشيته الشريفة على العدة.

 (و في اصول الكافي : علي بن ابراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القسم  بن يزيد، عن أبى عمرو الزبيري، عن أبي عبد اللّه- عليه السلام- قال: قلت له: أخبرني عن وجوه الكفر، في كتاب اللّه- عز وجل-.

قال: الكفر في كتاب اللّه، على خمسة أوجه:

فمنها كفر الجحود، على وجهين. فالكفر  بترك ما أمر اللّه، وكفر البراءة، وكفر النعم.

فأما كفر الجحود، فهو الجحود بالربوبية. وهو قول من يقول: لا رب ولا جنة ولا نار. وهو قول من صنفين من الزنادقة. يقال لهم: الدهرية. وهم الذين يقولون : وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ. وهو دين وضعوه لأنفسهم، بالاستحسان. فهم على غير تثبت منهم ولا تحقيق لشي‏ء مما يقولون. قال اللّه- عز وجل- :إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ. ان ذلك كما يقولون. وقال : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ، لا يُؤْمِنُونَ، يعنى بتوحيد اللّه [تعالى‏] . فهذا أحد وجوه الكفر.

- والحديث طويل-، أخذت منه موضع الحاجة.

و في تفسير علي بن ابراهيم : حدثني أبي، عن بكر بن صالح، عن أبي عمرو الزبيري، عن أبي عبد اللّه- عليه السلام- قال: الكفر في كتاب اللّه، على خمسة أوجه . فمنه كفر الجحود . وهو على وجهين: جحود بعلم، وجحود بغير علم.

فأما الذين جحدوا بغير علم، فهم الذين حكى اللّه عنهم في قوله تعالى :

وَ قالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ. وقوله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ. فهؤلاء كفروا وجحدوا بغير علم.- والحديث طويل-، أخذت منه موضع الحاجة) .

خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ: بيان وتأكيد للحكم السابق. أو تعليل له.و «الختم»، قريب من الكتم، لفظا، لتوافقهما في العين واللام، ومعنى.

لأن «الختم» على الشي‏ء، يستلزم كتم ما فيه. فيناسبه في اللازم.

و «الغشاوة»، فعالة، من غشاه إذا غطاه. بنيت لما يشتمل على الشي‏ء، كالعصابة والعمامة. ولا ختم ولا تغشية، ثم على الحقيقة، بل على سبيل المجاز والاستعارة.

فان كان المشبه به، في خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ، المعنى المصدري الحقيقي للختم، والمشبه احداث حالة في قلوبهم، مانعة من نفوذ الحق فيها، كان طرفا التشبيه، مفردين، والاستعارة، مصرحة. وان جعل المشبه به، هيئة مركبة منتزعة من الشي‏ء والختم الوارد عليه ومنعه صاحبه من الانتفاع به والمشبه، هيئة منتزعة من القلب والحالة الحادثة فيه ومنعها صاحبها عن الانتفاع به في الأمور الدينية ، كان طرفا التشبيه مركبين والاستعارة تمثيلية. قد اقتصر فيها من ألفاظ المشبه به، على ما معناه، عمدة في تصوير تلك الهيئة، واعتبارها، أعني: الختم. وباقي الألفاظ، منوي مراد. وان لم يكن مقدرا في نظم الكلام والاقتصار، على بعض الألفاظ، للاختصار في العبارة .

و تكثير محتملاتها، بأن يحمل تارة على التشبيه وتارة على التمثيلية وأخرى على غيرهما، ولو صرح بالكل، تعينت التمثيلية، وان قصد تشبيه قلوبهم بأشياء مختومة.

و جعل ذكر «الختم»، الذي هو من روادف المشبه به، المسكوت عنه، تنبيها عليه ورمزا، كان من قبيل الاستعارة بالكناية. وقس عليه قوله: وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ.

و المعتزلة لما اضطرت في معنى ظاهر الاية، ذكروا له وجوها من التأويل.منها: ان القوم لما أعرضوا وتمكّن ذلك في قلوبهم، حتى صار كالطبيعة لهم شبه بالوصف الخلقي المجبول عليه.

و منها: ان المراد «بالختم»، وسم على  قلوبهم، بسمة تعرفها الملائكة.

فيبغضونهم. ويتنفرون عنهم. وعلى هذا يحمل كل ما يضاف الى اللّه من طبع وإضلال.

يدل على هذا التأويل‏

ما روي في تفسير الحسن العسكري- عليه السلام-  عن الصادق- عليه السلام- أنه قال: ان رسول اللّه- صلى اللّه عليه وآله- لما دعا هؤلاء المعينين في الاية المقدمة ، [في قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ‏]  وأظهر لهم  تلك الآيات. فقابلوها بالكفر. أخبر اللّه- عز وجل- [عنهم‏]  بأنه خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ ختما يكون علامة للملائكة  المقربين القراء لما في اللوح المحفوظ من أخبار هؤلاء المذكورين فيه أحوالهم. حتى إذا نظروا الى أحوالهم وقلوبهم وأسماعهم وأبصارهم ، شاهدوا ما هنالك  «من ختم اللّه- عز وجل- عليها ازدادوا باللّه معرفة. وعلموا بما يكون قبل أن يكون»  يقينا.قال : فقالوا: يا رسول اللّه! فهل من عباد اللّه، من يشاهد هذا الختم، كما يشاهده  الملائكة؟

فقال رسول اللّه- صلى اللّه عليه وآله-: بلى، محمد رسول اللّه يشاهده ، باشهاد - عز وجل- له . ويشاهده من أمته أطوعهم للّه- عز وجل- وأشدهم جدا  في طاعة اللّه وأفضلهم في دين اللّه.

فقالوا: من هو، يا رسول اللّه؟- وكل منهم تمنى أن يكون هو-.

فقال رسول اللّه- صلى اللّه عليه وآله-: دعوه يكن من شاء اللّه. فليس الجلالة في المراتب عند اللّه- عز وجل- بالتمني ولا بالتظني ولا بالاقتراح. ولكنه فضل من اللّه- عز وجل- على من يشاء، يوفقه للأعمال الصالحة، تكرمه لها. فيبلغه أفضل الدرجات وأشرف المراتب. ان اللّه سيكرم بذلك من تريكموه  في غد.

فجدوا في الاعمال الصالحة. فمن وفق اللّه له  ما يوجب عظيم كرامته عليه ، فللّه عليه بذلك الفضل العظيم.قال: فلما أصبح رسول اللّه- صلى اللّه عليه وآله- وغص مجلسه بأهله. وقد جد بالأمس، كل من خيارهم، في خير عمله وإحسانه الى ربه، و قدم يرجو أن يكون هو ذلك الخير الأفضل.

قالوا: يا رسول اللّه! من هذا؟ عرّفناه بصفته. وان لم تنص لنا على اسمه.

فقال رسول اللّه- صلى اللّه عليه وآله-: هذا، الجامع للمكارم، الحاوي للفضائل، المشتمل على الجميل- ثم بعد ذكر كلام طويل، مشتمل على كرامات ومجاهدات، وقعت في تلك الليلة من أمير المؤمنين- عليه السلام- ذكر أنه  قال رسول اللّه- صلى اللّه عليه وآله- لعلي عليه السلام: انظر! فنظر الى عبد اللّه بن أبيّ والى سبعة من اليهود.

فقال: شاهدت ختم اللّه على قلوبهم وأسماعهم .

فقال رسول اللّه- صلى اللّه عليه وآله-: أنت، يا علي! أفضل شهداء اللّه في الأرض بعد محمد رسول اللّه.

قال: فذلك قوله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ، تبصرها الملائكة. فيعرفونهم بها. ويبصرها رسول اللّه، محمد. ويبصرها خير خلق اللّه بعده علي بن أبي طالب.

و في عيون الأخبار : بإسناده الى ابراهيم بن أبي محمود، قال: سألت أبا الحسن الرضا- عليه السلام- عن قول اللّه- عز وجل: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ.قال: الختم هو الطبع على قلوب الكفار، عقوبة على كفرهم. كما قال- عز وجل -: بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا .

و عَلى سَمْعِهِمْ، يحتمل أن يكون معطوفا على قلوبهم ومعطوفا عليه «لعلى أبصارهم». ورجح الأول، بقوله : وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ. وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً، وبالوقف «على سمعهم» اتفاقا. ولأنهما لما كان ادراكهما من جميع الجوانب، جعل المانع عنه، بما يكون كذلك لظهور «أن الغشاء»  يكون بين المرئي والرائي.

و كرر الجار، للدلالة على أن الختم يتعلق بكل واحد منهما، بالاستقلال.

فيكون أشد. ولأن تعلق فعل بمجموع أمرين، لا يستلزم تعلقه بكل واحد.

و افراد «السمع»، للأمن من اللبس مع الخفة والتفنن. أو لأنه في الأصل مصدر. وهو لا يجمع. أو على تقدير مضاف، أي: مواضع سمع. أو لرعاية المناسبة بين المدرك والمدرك. فان مدرك السمع، واحد. وهو الصوت. ومدركاتهما أنواع.

و قرئ: «و على أسماعهم».

و وجه الترتيب، أنه تعالى لما ذكر هذه الطائفة، أولا بالكفر، وثانيا باستواء الانذار وعدمه عليهم، فالختم على قلوبهم، ناظر الى كفرهم. لأن الكفر والايمان من صفات القلب. والختم على سمعهم، ناظر الى ذلك الاستواء. لان محل ورود الإنذارات، ليس الا السمع. ولما حكم عليهما بالختم فصار مكان أن يقال علمناوقوع الختم عليهما: ألم يكن لهم أبصار يبصرون بها الآيات الظاهرة والمعجزات الباهرة؟ فقال: وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ. ولما لم يكن في نظم الكلام، ما ينظر اليه التغشية، غيّر الأسلوب.

و «البصر»، قوة أودعت في ملتقى العصبتين، المجوفتين النابتتين ، من مقدم الدماغ. وقد يطلق على العضو. وكذلك «السمع». وهو قوة أودعت في باطن الصماخ .

و «غشاوة»، مرفوع مبتدأ. و«على أبصارهم» خبره عند سيبويه. وفاعل الظرف، عند الأخفش لاعتماده على ما قبله. ويؤيده العطف على الجملة الفعلية.

و قرئ بالنصب، على معنى وجعل على أبصارهم غشاوة. أو على حذف الجار. وإيصال الفعل، نفسه اليها. والمعنى: وختم على أبصارهم بغشاوة.

و قرئ بالضم والرفع وبالفتح والنصب.

و «غشوة» بالكسر، مرفوعة. و«بالفتح مرفوعة»  ومنصوبة.

و «غشاوة»، بالعين الغير معجمة، من العشا مصدر الأعشى. وهو الذي لا يبصر بالليل.

وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ : وعيد، وبيان لما يستحقونه.

 «و العذاب»، كالنكال، بناء ومعنى. يقال «أعذب عن الشي‏ء ونكل»، إذا أمسك عنه. ومنه الماء العذب، لأنه يقمع العطش، ويردعه. فسمّي «العذاب»، عذابا، لأنه يردع الجاني عن المعاودة الى الجناية. ثم اتسع، فأطلق على كل ألم شديد وان لم يكن، نكالا، أي. عقابا، يرتدع به الجاني عن المعاودة.

و قيل : «اشتقاقه من التعذيب. الذي هو ازالة العذب . كالتغذية والتمريض».

أو من العذبة. وهي القذاة. وماء ذو عذب، أي: كثير القذى. فكما أن القذاة تنغص  الماء وكذلك العذاب، ينغص  العيش.

أو من أعذب حوضك، أي: انزع ما فيه من قذى. فكذلك العذاب ينزع  من الجاني، ما فيه من الجناية.

أو من العذوبة. لأن عذاب كل أحد مما  يستعذبه ضده. فعذاب الكافرين، مما يستعذ به المؤمنون.

و «العظيم»، ضد الحقير، والكبير ضد الصغير. كما أن الحقير، دون الصغير.

فالعظيم فوق الكبير.

قيل : «و معنى التوصيف به، أنه إذا قيس بسائر ما يجانسه، قصر عنه جميعه، وحقر بالاضافة اليه. ومعنى التنكير في الاية، ان على أبصارهم غشاء، ليس مما يتعارفه الناس. وهو التعامي عن الآيات. ولهم من الآلام العظام، نوع، يعلم كنهه اللّه تعالى»، أي: في الاخرة.

و قال بعضهم: ان لهم عذابا في الدنيا والاخرة. لأن عذابهم الأخروي، ليس الا صور اعتقاداتهم ونتائج أعمالهم، من دركات النيران. وما فيها من الآلام، كانت في الدنيا معاني، فصارت في الاخرة صورا، فهم دائمون فيها. لكنهم‏لا يتألمون بها في الدنيا، لكثافتهم «و غلظ حجابهم» . والذين صاروا في الدنيا، أهل الاخرة، يرونهم داخلين في النار وما فيها، من أنواع العذاب.

قال بعض الصوفية: وإذ قد علمت ما بين لك من المعاني الظاهرة، فألق سمعك، تسمع بطنا من بطونها:

فنقول: ان الذين كفروا، خرجوا  من الايمان الرسمي المنوط بغيبتهم، عن المؤمن به، ودخلوا في الكفر الحقيقي، بستر وجوداتهم، في الفناء في اللّه، ان أنذرتهم بسوء عاقبة ارتدادهم من هذا الكفر، الى ذلك الايمان، أم لم تنذرهم، فهما سيان عليهم . لأنهم لا يؤمنون، أي: لا يرجعون الى الايمان الرسمي، أبدا. لأن الفاني، لا يرد. وكأنه الى هذا الايمان والكفر، أشار من قال:

 «كفرت بدين اللّه والكفر واجب»  لدي، وعند المسلمين، قبيح. خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ، فلا يدخل فيها شي‏ء مما سوى اللّه. وان دخل فيها شي‏ء، فهو صورة من صور تجلّياته، انخلعت من لباس الغيرية. وختم «على أسماعهم»، فلا يسمعون شيئا، مما سواه. فانه المتكلم على ألسنة الموجودات. فكلما يسمعونه بلسان الحال أو المقال، فهو من صور كلامه، لا غير. وعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ مانعة من رؤية غيره سبحانه.

فكلما يرونه ليس الا من صور تجلّياته، تجلّى به على نظر شهودهم. وَلَهُمْ عَذابٌ، أي: أمر يعده  المحجوبون، عذابا. وهو استهلاكهم في الوجود الحق.

و إمساكهم عن اللذات العاجلة والراحات الاجلة. «عظيم»، أي: جليل قدره. لايعرفه الا من ذاقه .

 (و في كتاب الاحتجاج  للطبرسي ره: بإسناده الى أبي محمد العسكري- عليه السلام- أنه قال في قوله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ، غِشاوَةٌ. وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ، أي: وسمها بسمة يعرف  من يشاء من ملائكته، إذا نظروا اليها، بأنهم الذين لا يؤمنون. وَعَلى سَمْعِهِمْ، كذلك بسمات وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ. وذلك لما أعرضوا عن النظر فيما كلفوه، وقصروا فيما أريد منهم، وجهلوا ما لزمهم، من الايمان [به‏] ، فصاروا كمن على عينيه غطاء، لا يبصر ما أمامه. فان اللّه- عز وجل- يتعالى عن العبث والفساد وعن مطالبة العباد بما منعهم بالقهر منه. فلا يأمرهم بمغالبته، ولا بالمصير الى ما قد صدهم بالقسر عنه. [ثم‏]  قال: وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ، يعني: في الاخرة، العذاب المعد للكافر، وفي الدنيا، أيضا، لمن يريد أن يستصلحه بما نزل  به، من عذاب الاستصلاح، لينبهه لطاعته. أو من عذاب الاصطلام، ليصيّره الى عدله وحكمته) .

وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا. لإنشاء الايمان. أو للاخبار بوقوعه، فيما مضى.و افراد الضمير، في «يقول»، بالنظر الى اللفظ. وجمعه، فيما بعد بالنظر الى المعنى. لأنهم في قولهم «آمنا» بمنزلة شخص واحد، لاتفاقهم عليه، في غير اختلاف. وأما إتيانهم بما ينافي الايمان، فالتعدد فيه ممكن، بل واقع. فلذلك لوحظ فيه جهة كثرتهم، بإيراد ضمير الجماعة.

 

و «الناس»، اشتقاقه من الأناس، حذفت همزته تخفيفا. منه انسان وأناس وأنس. وحذفها مع لام التعريف، واجب. لا يكاد يقال الأناس. وهو مأخوذ من الأنس، بالضم، ضد الوحشة. لأنهم مدنيّون بالطبع، يستأنسون بأمثالهم، أشد استئناس. أو من الانس، بالكسر. بمعنى الإيناس. وهو الأبصار.

قيل: وهذا أشبه، ليناسب المقابل، أعني الجن. لأنهم سمّوا به، لاجتنانهم.

و يوافق اسمه الاخر. أعني، البشر. لأنه من البشرة  ظاهر الجلد.

و ذهب الكسائي الى أنه من نون وواو وسين. والأصل، نوس. فقلبت الواو، ألفا، لتحركها وانفتاح ما قبلها. والنوس: الحركة.

و قيل : «من نسي، فقلبت اللام الى موضع العين فصارت نيس» . ثم قلبت الياء ألفا. سموا بذلك، لنسيانهم. فوزنه على الأول، عال وعلى الثاني فعل وعلى الثالث فلع.

قيل: لا يجب في كل لفظ أن يكون مشتقا من شي‏ء آخر. والا لزم التسلسل.

و على هذا، لا حاجة الى جعل لفظ «الإنسان» مشتقا من شي‏ء آخر.

ورد بأن المقصود من ذلك، تقليل اللغات، بحسب الوسع. ولا شك أن الألفاظ المتعددة، إذا ردت الى أصل واحد، صارت اللغات، أقل.و «اللام» فيه لتعريف الجنس. أو العهد، اشارة الى الَّذِينَ كَفَرُوا، أي: المصرين على الكفر- مطلقا، أو مقيدا- بكونهم غير ما حضين، أو جماعة معهودين منهم. فلها أربع احتمالات.

و «من» في «من يقول»، اما موصولة، أو موصوفة. اما لتعريف الجنس، أو العهد. اشارة الى جماعة معهودين، كابن أبيّ وأضرابه.

ففيها ثلاثة احتمالات يحصل من ضربها في أربع احتمالات، اثنا عشر وجها.

فعليك بالتأمل، حتى يظهر وجهها.

ثم المراد «بالذين كفروا» ان كان ناسا معهودين ماحضين للكفر غير منافقين، أو الجنس المخصوص مما عدا المنافقين، اما بقرينة المقابلة، أو لتبادر الفهم اليه، من اطلاق المعرف بلام الجنس.

فالمقصود من هذه الآيات، استيفاء الأقسام، حيث ذكر أولا المؤمنين ، ثم الماحضين، ثم المنافقين. وان كان المراد بهم ما يعم الماحضين والمنافقين.

فذكر المنافقين من قبيل ذكر الخاص بعد العام، لكمال الاهتمام بالنداء، على تفاصيل صفاتهم الذميمة  وأعمالهم الخبيثة، لكونهم أخبث الكفرة وأبغضهم، اليه تعالى.

لأنهم خلطوا الايمان بالكفر، تمويها وتدليسا، وبالشرك، استهزاء وخداعا.

و «القول»: هو التلفظ بما يفيد. ويقال: بمعنى المقول، وللمعنى المتصور في النفس والمعبر عنه باللفظ والرأي والمذهب، مجازا.

و قصة المنافقين، معطوفة على قصة الذين كفروا. وليس ذلك من باب عطف جملة على جملة، ليطلب مناسبة الثانية، مع السابقة، بل من باب ضم جمل مسوقة لغرض، الى آخر، مسوقة لآخر، وشرطه المناسبة بين الغرضين. فكلما كانت المناسبةأشد وأمكن، كان العطف بينهما أشد وأحسن.

قال بعض المفسرين : هذه الاية، مع الاثني عشر الآيات التي بعدها، أنزلت في ذم المنافقين. الذين أظهروا الايمان وأبطنوا الكفر، لمصالح دعتهم الى ذلك.

ثم قال: ودخل فيهم من كان على صفة النفاق، حال نزول الاية. واشتهر به.

أو كان ولم يشتهر. وظهر بعد ذلك، نفاقه وخبثه. أو حدث النفاق، بعد ذلك، في زمان النبي- عليه السلام- أو بعد زمانه. فان كل هؤلاء، مصداق هذه الآيات.

ثم قال: ولا يتوهم أنه يلزم في الدخول، تحقق المخاطبات التي ذكرت في الآيات الاتية، فيخرج من لم يتحقق فيه، تلك الأقوال. فلا يمكن أن يقال: ان الآيات، نزلت فيهم، لأن الشرطية، لا تقتضي وقوع الطرفين.

أقول: يظهر من كلام ذلك الفاضل، أن إذا الواقعة في تلك الآيات، شرطية ويرد احتمالها التأمل الصادق، في تلك الآيات. ويحتمل أن يكون المراد منه، الخلفاء الثلاثة، مع شيعتهم. يدل على ذلك‏

ما روي أبي محمد العسكري- عليه السلام- .

 

و في شرح الآيات الباهرة : قال العالم موسى بن جعفر- عليه السلام-: ان رسول اللّه- صلى اللّه عليه وآله- لما أوقف أمير المؤمنين، علي بن أبي طالب- عليه السلام- في يوم الغدير، موقفه المشهور المعروف، قال : يا عباد اللّه! أنسبوني.

فقالوا: أنت محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف.ثم قال: أيها الناس! أ لست أولى بكم من أنفسكم ؟ وأنا مولاكم وأولى  بكم منكم بأنفسكم؟

قالوا: بلى، يا رسول اللّه!.

فنظر الى السماء. وقال: اللهم! اشهد «يقول هو  ذلك ثلاثا ويقولون ذلك ثلاثا» .

ثم قال: ألا من  كنت مولاه وأولى به، فهذا علي مولاه وأولى به. اللهم! وال من والاه. وعاد من عاداه. وانصر من نصره. واخذل من خذله.

ثم قال: قم، يا أبا بكر! فبايع له  بإمرة المؤمنين.

 «ثم قال: قم، يا عمر! فبايع له بإمرة المؤمنين» .

فقام، فبايع له، «بإمرة المؤمنين» .

ثم قال بعد ذلك، لتمام التسعة «من رؤساء»  المهاجرين والأنصار. فبايعوه كلهم.

فقام من بين جماعتهم، عمر بن الخطاب. فقال: بخ بخ يا بن أبي طالب! أصبحت  مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة.ثم تفرقوا عن ذلك. وقد أكدت  عليهم العهود والمواثيق.

ثم ان قوما من متمرديهم وجبابرتهم، تواطئوا  بينهم، لئن كانت لمحمد- صلى اللّه عليه وآله وسلم- كائنة لندفعن  هذا الأمر عن  علي. ولا نتركه  له.

فعرف اللّه تعالى ذلك  من قلبهم. وكانوا يأتون رسول اللّه- صلى اللّه عليه وآله- ويقولون: لقد أقمت علينا  أحب الخلق  الى اللّه واليك وإلينا. فكفيتنا به مؤنة الظلمة لنا والجبارين في سياستنا. وعلم اللّه تعالى من قلوبهم خلاف ذلك، من مواطأة بعضهم لبعض، أنهم على العداوة مقيمون ولدفع الأمر عن مستحقه مؤثرون. فأخبر اللّه- عز وجل- محمدا عنهم. فقال: يا محمد! وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ، الذي  أمرك بنصب علي، اماما وسائسا  ولأمتك مدبّرا  وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ بذلك. ولكنهم يتواطئون على اهلاكك وإهلاكه  ويوطّئون أنفسهم، على التمرد على عليّ، ان كانت بك كائنة.بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ: أي، بالمبدأ والمعاد. اللذين هما المقصود الأعظم من الايمان. ولهذا اختصا بالذكر.

و المراد «باليوم» الذي هو اسم لبياض النهار، زمان ممتد من وقت الحشر الى الأبد، أو الى زمان استقرار كل في مستقره، من الجنة والنار. وهذا أشبه باليوم الحقيقي، في تحقق الحد من الطرفين.

و أما كونه «آخرا»، فلتأخر  هذين الزمانين، عن الأيام الدنيوية المنقضية.

و قيل في الثاني، «لأنه آخر الأوقات المحدودة»  الذي لا وقت بعده.

ورد بأنه: لا شك أن في كل، من الجنة والنار، أحوالا وحوادث، كلية يمكن تحديد الأوقات بها. وقد شهدت الكلمات النبوية، بوجودها. اللهم الا أن يقال المنفي، هو الحد المشهور، غاية الاشتهار.

و في تكرير «الباء»، ادعاء الايمان، بكل واحد على الاصالة والا