سورة البقرة الآية 21-40

يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ:

لما عدد فرق المكلفين وذكر خواصهم [و مصارف أمورهم‏] ، أقبل عليهم بالخطاب، على سبيل الالتفات، تنشيطا للسامع وتفخيما لشأن العبادة.

و «يا» حرف وضع لنداء البعيد. وقد ينادى بها القريب، تنزيلا له منزلة البعيد، اما لعظمته، أو لغفلته، أو للاعتناء بالمدعو له وزيادة الحث عليه .

و انما قال «ربكم»، تنبيها على أن الموجب القريب للعبادة، هي التربية.

  (و في تفسير فرات بن ابراهيم الكوفي ، قال: حدثني عبيد بن كثير. قال:

 

حدثنا أحمد بن صبيح، عن الحسين بن علوان، عن جعفر عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب- عليه السلام- قال: قام رجل الى علي. فقال: يا أمير المؤمنين! أخبرنا عن الناس وأشباه الناس والنسناس.

قال: فقال [علي- عليه السلام‏] : يا حسن! أجبه .

قال : فقال له الحسن- عليه السلام-: سألت عن الناس، فرسول اللّه- صلى اللّه عليه وآله- الناس. لان اللّه يقول : ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ.و نحن منه. سألت عن أشباه الناس، فهم شيعتنا. وهم منا. وهم أشباهنا .

و سألت عن النسناس، وهم هذا السواد الأعظم. وهو قول اللّه تعالى : إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ. بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا.

و في عيون الأخبار - فيما ذكره الفضل بن شاذان، من العلل، عن الرضا،- عليه السلام- انه قال: فان قال فلم يعبدونه ! قيل: لئلا يكونوا ناسين لذكره. ولا تاركين لأدبه. ولا لاهين عن أمره ونهيه، إذا كان فيه صلاحهم وقوامهم، فلو تركوا بغير تعبد، لطال عليهم الأمد. فقست قلوبهم.

و في كتاب التوحيد ، خطبة للرضا- عليه السلام- يقول فيها: أول عبادة اللّه، معرفته، وأصل معرفة اللّه، توحيده. ونظام توحيد اللّه، نفي الصفات عنه، بشهادة  العقول أن كل صفة وموصوف مخلوق. وشهادة كل مخلوق، أن له خالقا ليس بصفة ولا موصوف. [و شهادة كل صفة وموصوف‏]  بالاقتران بالحدث .

و شهادة الحدث بالامتناع من الأزل الممتنع من الحدث.

و في اصول الكافي : علي بن ابراهيم عن العباس بن معروف، عن عبد الرحمن‏

 ابن أبي نجران، قال: كتبت الى أبي جعفر- عليه السلام- . وقلت له: جعلني اللّه فداك، نعبد الرحمن الرحيم الواحد الأحد الصمد.

قال: فقال: ان من عبد الاسم، دون المسمى بالأسماء، فقد  أشرك. وكفر.

و جحد. ولم يعبد شيئا. بل اعبد اللّه الواحد الأحد الصمد المسمى بهذه الأسماء، دون الأسماء. ان الأسماء صفات، وصف بها نفسه تعالى.

عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن بعض رجاله، عن أبي عبد اللّه- عليه السلام- قال: أفضل العبادة، إدمان التذكر في اللّه وفي قدرته.

محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن معمر بن خلاد، قال:

 

سمعت أبا الحسن الرضا- عليه السلام- يقول: ليس العبادة كثرة الصلاة والصوم انما العبادة، التفكر في أمر اللّه- عز وجل-.

و بإسناده  الى الفضل بن يسار، قال: قال أبو جعفر- عليه السلام-: ان أشد العبادة، الورع.

و بإسناده  الى علي بن الحسين- عليهما السلام- قال: من عمل بما افترض اللّه عليه، فهو من أعبد الناس.

علي بن ابراهيم ، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن جميل، عن هارون بن‏

 خارجة، عن أبي عبد اللّه- عليه السلام- قال: العبادة  ثلاثة: قوم عبدوا اللّه- عز وجل- خوفا. فتلك عبادة العبيد. وقوم عبدوا اللّه- تبارك وتعالى- طلب الثواب. فتلك عبادة الأجراء. وقوم عبدوا اللّه- عز وجل- حبا له. فتلك عبادة الأحرار. وهي أفضل العبادة.

و في كتاب معاني الأخبار : بإسناده الى إسماعيل بن مسلم، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه- عليهم السلام- قال: قال رسول اللّه- صلى اللّه عليه وآله-: العبادة سبعون جزء، أفضلها جزء طلب الحلال.

و في عيون الأخبار : بإسناده الى الرضا- عليه السلام- أنه قال: النظر الى ذريتنا، عبادة.

فقيل له: يا بن رسول اللّه! النظر الى الائمة منكم عبادة. أو النظر الى جميع ذرية النبي- صلى اللّه عليه وآله-؟

قال: بل النظر الى جميع ذرية النبي- صلى اللّه عليه وآله- عباده، ما لم يفارقوا منهاجه. ولم يتلوثوا بالمعاصي.

و في كتاب الخصال : عن أبي عبد اللّه- عليه السلام- قال: ما عبد اللّه بشي‏ء أفضل من الصمت والمشي الى بيته.

عن علي بن الحسين- عليهما السلام - أنه قال: لا عبادة الا بتفقه.و فيما أوصى به النبي عليا- عليهما السلام- : يا علي! من أتى  بما افترض اللّه عليه، فهو من أعبد الناس) .

الَّذِي خَلَقَكُمْ: صفة، جرت عليه للتعظيم .

وَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ: منصوب معطوف، على الضمير المنصوب، في «خلقكم» .

و قرئ من قبلكم، على اقحام الموصول الثاني، بين الأول وصلته، تأكيدا.

لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ : حال من الضمير، في «اعبدوا». كأنه قال:

اعبدوا ربكم، راجين أن تنخرطوا في سلك المتقين الفائزين بالهدى والفلاح المستوجبين لجوار اللّه . أو من مفعول «خلقكم». والمعطوف عليه، على معنى، أنه خلقكم ومن قبلكم، في صورة من يرجى منه التقوى، لترجح أمره باجتماع أسبابه وكثرة الدواعي اليه.

و قيل: تعليل للخلق، أي: خلقكم، لكي تتقوا .

قال بعض الفضلاء: المنادى «بيا»، أيها الناس، هو الناس الناسي وطن الوحدة الأنس، بأحكام الكثرة، الواصل الى غاية الحركة النزولية. وذلك أبعد مسافة يكون في الوجود. ولذلك استعمل فيه، ما وضع لنداء البعيد. وحيث‏كان المنادى، الحصة الوجودية المتعينة، من الحقيقة المطلقة الغالبة  عليها، في مبدأ حالها الإطلاق والإبهام. ثم يتخصص  ويتخصص بالمرور على المراتب والاتصاف بأحكامها، حتى يصل الى المرتبة الانسانية الوجودية الشهادية العنصرية، عبر عنه- أولا- بكلمة أي، الدالة على الإبهام. ووصف- ثانيا- بالناس.

الدال على كمال تخصصها. ولما كان وصولها الى هذه المرتبة، بتوسط مراتب كثيرة منبعثة من باطن الغيب الى أقصى مراتب الشهادة، أشير اليها، بحرفي التنبيه المنبعث، أولهما من باطن القلب، أعني: الهاء. وثانيهما من ساذج  مار  على المراتب كلها، أعني: الألف. ومعنى قوله: اعْبُدُوا رَبَّكُمُ، تحققوا بعبوديته  المحضة التي لا يشوبها عبودية السوي، بأن تتوهموا أن فيكم ربوبيته  بالنسبة الى غيره سبحانه. الَّذِي خَلَقَكُمْ، أي ظهر ظهوركم. فهو الظاهر فيكم. وأنتم المظاهر له. فما ظهر فيكم من خصائص الربوبية، فهو من الرب، الظاهر فيكم، لا أنتم. «و خلق الذين من قبلكم»، أي ظهر بصورة من تقدمكم بوصول آثار الربوبية منهم، إليكم. فهو الظاهر فيهم. وهم المظاهر له. فما وصل منهم إليكم من آثار الربوبية، فهو من الرب الظاهر. لا منهم. ما انقطعت نسبة عبوديتكم عنهم. وحيث وصلتم الى شهود هذا المعنى، فأنتم عبيد، متصفون بمحض العبودية. لم يبق فيكم عبودية ولا ربوبية، بالنسبة الى غيره سبحانه.لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، أي، عما يخرجكم عن العبودية المحضة. ولما كان كلامه سبحانه، بصورة الصوت والحرف، المثاليين او الحسيّين، لا يصدر الا بواسطة مظاهره المثالية أو الحسية. فلا يبعد أن يتحقق معنى الترجي، بالنسبة الى بعض هذه المظاهر. ويكون إيراد كلمة «لعل»، بالنظر اليه. فان نسبة مظاهر التكلم، الى المتكلم، أقوى مما سواه اليه. كما لا يخفى على ذوي البصائر. واللّه سبحانه، يتولى السرائر.

الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً: منصوب المحل، على الوصفية.

كالذي خلقكم. أو على المدح، بتقدير «أعني»، أو «أخص» أو «أمدح».

و في كلام بعض النحاة، ما يشعر بأن القطع بالنصب، انما يجوز فيما إذا كان الموصوف، مرفوعا، أو مجرورا. وهو الأظهر. لأن الاشعار بالمدح، انما يكون حيث يكون في التابع، مخالفة للمتبوع وفي الصورة المفروضة. وان كان مخالفة حكمية. لكنه لا يظهر بالنسبة الى المخاطب، حتى يشعر بقصد المدح أو على (أنه مفعول «تتقون»، أو مرفوع على الخبرية. وفيه ما في النصب، من المدح، أو على)  الابتداء، بأن يكون خبره فَلا تَجْعَلُوا».

و جعل من الأفعال التامة، يجي‏ء على ثلاثة أوجه، بمعنى، طفق، من أفعال القلوب. فلا يتعدى. وبمعنى، أوجد، فيتعدى الى مفعول واحد. كقوله تعالى:

وَ جَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ . وبمعنى صير فيتعدى الى مفعولين. كما في الاية.

و «التصيير»، يكون بالفعل، تارة وبالقول والعقد أخرى. «فالأرض»، مفعوله الأول. و«فراشا»، مفعوله الثاني.

و يحتمل أن يكون، من قبيل الاستعمال الثاني. أي، خلق الأرض، حال كونه‏مقدرا- بكسر الدال- إياها فراشا، إذا كان «فراشا»، حالا من الفاعل. أو حال كون «الأرض»، مقدرة- بفتح الدال- «فراشا»، إذا كان حالا  من المفعول.

و «لكم»، متعلق «بالجعل».

و اللام، للانتفاع. أي، لانتفاعكم.

و قد جاء ناقصة، بمعنى، صار، في قول الشاعر :

         فقد جعلت قلوص بني سهيل             من الأكوار مرتعها، قريب

 وقرئ «و جعلكم»، بالإدغام، لاجتماع حرفين، من جنس واحد، وكثرة الحركات.

و «الأرض»، هي المفروشة. وقوائم الدابة. وعليه قول الشاعر:

         وأحمر كالديباج اما سمائه             فريا وأما أرضه، فتحول

 والرعدة. وعليه في كلام ابن عباس: أنزلت  الأرض، أم بي أرض .

و «الفراش»، ما يفترش ويستقر عليه.

و قرأ يزيد الشامي: بساطا. وطلحة: مهادا.

قال الجوهري في الصحاح : المهد، مهد الصبي. والمهاد، الفراش.و معنى جعلها فراشا، أو بساطا، أو مهادا، أنه جعل بعض جوانبها، على خلاف طبعها، بارزا من الماء، متوسطا بين الصلابة واللطافة. حتى صارت  مهيأة لأن يقعدوا، أو يناموا عليها، كالفراش المبسوط.

و لا يدل الافتراش، على التسطيح. لأن الكرة، إذا عظم جرمها، غير مانعة من الافتراش (عليها.

و في نهج البلاغة : فسبحان من أمسكها، بعد موجان مياهها. وأجمدها، بعد رطوبة أكنافها. فجعلها لخلقه مهادا. وبسطها لهم، فراشا. فوق بحر لجي راكد لا يجري. وقائم، لا يسري. تكر كره الرياح العواصف. وتمخضه الغمام الزوارق.

ان في ذلك لعبرة لمن يخشى) .

وَ السَّماءَ بِناءً: معطوفان على ما قبلهما، بعاطف واحد. وان أبيت، فقدر فعلا معطوفا على الفعل الذي قبله.

و «السماء»، اسم جنس. أو جمع «سماءة».

و «البناء»، مصدر، بمعنى المفعول، أي: جعل السماء، قبة، أو قبابا مبنية، أي: مضروبة عليكم. فان المبني وان كان أعم من القبة ولا دلالة للعام على الخاص  لكنه أشبه بالسماء، لاستدارتها. ومنه بنى على امرأته. لأنهم كانوا إذ تزوجوا، ضربوا عليها خباء جديدا.

وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً: عطف على «جعل».

أي، أنزل من جهة العلو.

أو، من أسباب سماوية، تثير الأجزاء الرطبة، الى جو الهواء. فتنعقد سحابا ماطرا.

أو، من السحاب. فان ما علاك، سماء.

و لفظة «من»، لابتداء الغاية. فان ابتداء نزول المطر، انما هو من السماء بكل واحد من هذه المعاني.

و وضع هنا «أنزل»، مكان «نزل»، للمناسبة مع ما عطف عليه.

فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ:

 «الباء» فيه للسببية. أي، جعل الماء سببا في خروج الثمرات. ومادة لها.

و هو قادر على إيجاد الأشياء- كلها- بلا أسباب ومواد. كما أبدع نفس الأسباب والمواد. الا أن له تعالى في إنشاء الأشياء، بأسبابها، من موادها، تدريجا، حكما ليست في انشائها، مبادهة وبغتة.

و «من»، فيه، تبعيضية، بشهادة قوله تعالى: فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ . فان تنكير «ثمرات»، تدل على البعضية، لتبادرها منه. سيما في جموع القلة. وبشهادة أن ما قبله وما بعده، أعني: «ماء» و«رزقا»، محمولان على البعض. فليكن هو موافقا لهما، بشاهدة الواقع. فان اللّه سبحانه، لم ينزل من السماء، كل الماء.

بل بعضه. إذ رب ماء، هو بعد، في السماء. ولم يخرج بالماء المنزل منها، كل الثمرات. بل بعضها. فكم من ثمرة، هي غير مخرجة. ولم يجعل المخرج كل الرزق. بل بعضه. والثمرات المخرجة بماء السماء، كثيرة.

فالتعبير عنها، بجمع القلة، اما بناء على أن «الثمرات» هنا، جمع الثمرة التي يراد بها الكثرة، كالثمار، لا الوحدة. كما في قولك: أدركت ثمرة بستانه.و يؤيده قراءة من قرأ «الثمرة»، على التوحيد. فيكون أبلغ ولا أقل من المساواة.

أو على أنها جمع قلة، وقعت موقع جمع الكثرة، كجنات، في قوله : كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ. على أن المشهور، أن الفرق بين الجمعين في القلة والكثرة انما هو إذا كانا منكرين، وإذا عرف بلام الجنس، في مقام المبالغة، فكل منهما للاستغراق، بلا فرق.

و «الرزق»، ان كان بمعناه المصدري، فنصبه اما على أنه مفعول له. والمعنى أخرج شيئا من الثمرات، لأن يرزقكم. أو على المصدرية. فان في إخراج الثمرات معنى الرزق.

و على التقديرين، يكون قوله: «لكم»، ظرفا لغوا مفعولا به لرزق. أو «اللام» اما زائدة أو للتقوية. وان كان بمعنى المرزوق، فانتصابه، على أنه حال من مفعول «أخرج»، أي، من الثمرات. أو على أنه مفعول به لأخرج. و«من الثمرات» بيان له. فقد عليه. فصار حالا منه. ولكن يكون «من»، بيانية، لا تبعيضية. وعلى هذين التقديرين، يكون «لكم»، ظرفا مستقرا صفة «لرزق». ويحتمل على التقادير، أن يكون متعلقا «بأخرج».

و في شرح الآيات الباهرة: «و في تفسير الامام الحسن العسكري- عليه السلام- )  قال الامام- عليه السلام-: قال رسول اللّه- صلى اللّه عليه وآله- قوله- عز وجل-: جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً، تفرشونها لمنامكم ومقيلكم.و السَّماءَ بِناءً، سقفا محفوظا، ارتفع عن  الأرض . تجري شمسها وقمرها وكواكبها، مسخرة لمنافع عباده وامائه.

ثم قال رسول اللّه- صلى اللّه عليه وآله- لأصحابه: لا تعجبوا لحفظه السماء أن تقع على الأرض. فان اللّه- عز وجل- يحفظ ما هو أعظم من ذلك.

قالوا: وما هو؟

قال: من ذلك، ثواب طاعة  المحبين لمحمد وآله.

ثم قال: وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً، يعني، المطر. ينزل  مع كل قطرة، ملك، يضعها  في موضعها الذي  يأمره  به ربه- عز وجل- فعجبوا من ذلك.

فقال رسول اللّه- صلى اللّه عليه وآله-: أو تستكثرون عدد هؤلاء؟ ان  الملائكة المستغفرين لمحبي علي بن أبي طالب، أكثر من عدد هؤلاء. وان  الملائكة اللاعنين لمبغضيه، أكثر من عدد هؤلاء. ثم قال- عز وجل-: فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ. ألا ترون كثرة هذه الأوراق والحبوب والحشائش؟

قالوا: بلى. يا رسول اللّه! ما أكثر عددها!فقال  رسول اللّه- صلى اللّه عليه وآله-: أكثر عددا  منها، ملائكة يبتذلون  في حمل أطباق النور عليها التحف من عند ربهم. وفوقها مناديل النور.

و يخدمونهم في حمل ما يحمل على آل محمد منها، الى شيعتهم ومحبيهم. وان طبقا من تلك الأطباق  يشتمل  من الخيرات على  ما لا يفي بأقل جزء منه، جميع أموال الدنيا.

 (و في كتاب علل الشرايع : بإسناده الى مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن محمد عن أبيه- عليهما السلام- قال: كان علي- عليه السلام- يقوم في المطر- أول مطر يمطر- حتى يبتل رأسه ولحيته وثيابه. فقيل له: يا أمير المؤمنين! الكنّ! الكنّ! قال: هذا ماء قريب العهد بالعرش. ثم أنشأ يحدث.

فقال: ان تحت العرش، بحرا، فيه ما ينبت به أرزاق الحيوانات . وإذا أراد اللّه- عز وجل- أن ينبت ما يشاء لهم، رحمة منه، أوحى اللّه- عز وجل- فمطر منه، ما شاء من سماء، الى سماء. حتى يصير الى سماء الدنيا. فيلقيه الى السحاب. والسحاب بمنزلة الغربال، ثم يوحي اللّه- عز وجل- الى السحاب‏أطحنيه وأذيبيه ذوبان الملح في الماء. ثم انطلقي به الى موضع كذا. عياب أو غير عياب . فتقطر عليهم، على النحو الذي يأمرها اللّه . فليس من قطرة تقطر الا ومعها ملك يضعها موضعها. ولم ينزل من السماء قطرة من مطر، الا بقدر معدود ووزن معلوم. الا ما كان يوم الطوفان، على عهد نوح. فانه نزل منها، منهمر بلا عدد ولا وزن) .

فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً: متفرع على الأمر، بالعبادة.

و المعنى: إذا استحق ربكم الذي خلقكم، العبادة. وكنتم مأمورين بها، فلا تشركوا به أحدا، لتكون عبادتكم مبنية على ما هو أصل العبادة وأساسها، أعني : توحيده. وأن لا تجعلوا له، ندا.

أو، معطوف على الأمر قبله. وفيه أن الأولى حينئذ، العطف بالواو. كقوله:

اعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً .

أو، منصوب بإضمار «ان» في جواب الامر. كما في: زرني، فأكرمك.

و فيه «ان» الشرط. في ذلك، كون الأول سببا للثاني. والعبادة، لا يكون سببا للتوحيد، الذي هو معناها.

أو، منصوب بتقدير «ان» في جواب «لعل». نصب، فأطلع في قوله تعالى:

لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ، أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ . بناء، على تشبيه «لعل»، «بليت» ، والحاقا لها، بالأشياء الستة التي يحذف أن عن  الفعل المضارع، بعد الفاء الواقعة بعدها.

أو، متعلق بالذي، جعل إذا كان مرفوعا، على أنه خبر مبتدأ محذوف فيكون نهيا مترتبا على ما يتضمنه هذه الجملة، أي، هو الذي حفكم بدلائل التوحيد. فلا تشركوا به شيئا.

أو، على أنه، مبتدأ. و«لا تجعلوا»، نهي. وقع خبرا عنه، على تأويل مقول فيه لا تجعلوا.

و «الفاء»، للسببية. أدخلت عليه، لتضمن المبتدأ، معنى الشرط.

و المعنى: ان من حفّكم بهذه النعم الجسام، ينبغي أن لا يشرك  به.

و «الجعل» هنا، بمعنى التصيير . فيتعدى الى مفعولين: أولهما، أندادا.

و ثانيهما، الجار والمجرور قبله.

أو، بمعنى الخلق والإيجاد.

و المعنى: لا توجدوا له في اعتقادكم وقولكم، أندادا.

و الفائدة في تقديم المفعول الثاني أو الجار والمجرور، افادة الحصر، والاشارة الى أن المنهي عنه، جعل الند للّه تعالى. وأما بالنسبة الى سائر  الفاعلين، فجعل الند والشريك، واجب. لئلا يلزم التفويض.

كما قال- عليه السلام -: لا جبرو لا تفويض، بل أمر بين أمرين .

و قرئ: فلا تجعلوا للّه ندا.

و «الند»، المثل المناوئ، أي، المخالف. من ند ندودا. إذا نفر.

و في تسميته ما يعبدونه، «ندا» لما عظموه وسموه إلها. وان لم يزعموا أنه يماثله، أو يخالفه، تهكّم بهم.

و في إيراد صيغة الجمع، حيث دلت على أنهم جعلوا أندادا، لمن يمتنع أن يكون له ند واحد، زيادة تهكّم.

وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ : حال من فاعل فلا تجعلوا.

و المقصود منه، التوبيخ، لا تقييد الحكم به. فان العالم والجاهل المتمكن من العلم، سواء في التكاليف.

و مفعول «تعلمون»، متروك لتنزيله منزلة اللازم مبالغة، أي، وحالكم وصفتكم أنكم من أهل العلم والتمييز، بين الصحيح والفاسد. ثم ان ما أنتم عليه، من أمر دينكم، من جعل الأصنام للّه أندادا، هو غاية الجهل ونهاية سخافة العقل.

أو، مقدر بوجود القرينة المقالية، أو الحالية، أي، وأنتم تعلمون أنه تعالى لا مثل له ولا ضد.

أو، وأنتم تعلمون ما بينه تعالى وما بينها ، من التفاوت.

أو، وأنتم تعلمون أنها لا تفعل مثل أفعاله- الى غير ذلك- مما يناسب المقام.

و في كتاب التوحيد ، في باب ان اللّه تعالى، لا يفعل بعباده الا الأصلح،

 روى بإسناده، عن أبي محمد العسكري، عن آبائه، عن علي بن الحسين- عليهم السلام- في قول اللّه- عز وجل-: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً، قال: جعلها ملائمة لطبائعكم، موافقة لأجسادكم. لم يجعلها شديدة الحمى والحرارة، فتحرقكم.

و لا شديدة البرودة ، فتجمدكم. ولا شديدة  طيب الريح، فتصدع هاماتكم.

و لا شديدة النتن، فتعطبكم . ولا شديدة اللين، كالماء، فتغرقكم. ولا شديدة الصلابة، فيمتنع  عليكم في دوركم وأبنيتكم وقبور موتاكم. (و لكنه- عز وجل- جعل فيها من المتانة ما تنتفعون به. وتتماسكون. وتتماسك عليها أبدانكم وبنيانكم.

و جعل فيها ما تنقاد به لدوركم وقبوركم)  وكثير من منافعكم. فلذلك جعل الأرض فراشا لكم.

ثم قال- عز وجل-: وَالسَّماءَ بِناءً [أي‏] ، سقفا من فوقكم، محفوظا.

يدير فيها شمسها وقمرها ونجومها، لمنافعكم.

ثم قال- عز وجل-: وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً، يعني: المطر. ينزله  من علو ، ليبلغ قلل جبالكم وتلالكم وهضابكم وأوهادكم. ثم فرقه رذاذا وابلا وهطلا وطلّا لتنشفه أرضوكم. ولم يجعل ذلك المطر، نازلا عليكم، قطعة واحدةفيفسد أرضيكم وأشجاركم وزروعكم وثماركم.

ثم قال- عز وجل-: فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً، (يعني: مما يخرجه من الأرض رزقا.)  لكم.

فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً، أي: أشباها وأمثالا من الأصنام التي لا تعقل ولا تسمع ولا تبصر ولا تقدر على شي‏ء. وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنها لا تقدر على شي‏ء من هذه النعم الجليلة التي أنعمها عليكم، ربكم- تبارك وتعالى- انتهى.

و ذكر هذا الحديث، بعينه في عيون أخبار الرضا، في باب ما جاء عن الرضا- عليه السلام- من الأخبار في التوحيد .

 

و قد ذكر بعض المفسرين هذا الحديث في تفسيره

. ثم قال: ففي التفسير المنسوب الى مولانا العسكري- عليه السلام-  قال: قال: علي بن الحسين- عليهما السلام- في قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا ، يعني، سائر المكلفين، من ولد آدم- عليه السلام-. اعْبُدُوا رَبَّكُمُ، أطيعوا ربكم، من حيث أمركم، ان تعتقدوا أن لا اله الا هو. وحده لا شريك له. ولا شبيه له. ولا مثل له . عدل لا يجور . جواد لا يبخل. حليم لا يعجل. وأن محمدا عبده ورسوله- صلى اللّه عليه وآله الطيبين-. وأن آل محمد، أفضل آل النبيين. وأن عليا أفضل‏آل محمد. وأن أصحاب محمد، المؤمنين منهم، أفضل صحابة المرسلين. وأن أمة محمد، أفضل أمم المرسلين. انتهى.

ثم قال: ويفهم من هذا الكلام، أن الأمم الماضية، كانوا مأمورين بتلك الاعتقادات. وهذا هو الحق. كما هو مذكور، في كثير من الروايات.

أقول: كان  العلامة- رحمه اللّه- فهم ذلك، من تفسيره- عليه السلام- يا أَيُّهَا النَّاسُ، بسائر المكلفين، يعني: جميع المكلفين. وهو غلط فاحش.

فان السائر، بمعنى، الباقي، مبتذل في اللغة. متعارف في العرف. قال بعض أهل اللغة: «السائر»، مشتق من السؤر. وهو بقية ما يشرب. ولا يستعمل بمعنى الجميع. لا في اللغة. ولا في العرف. وقد وقع ذلك في كلام بعض المفسرين.

قال بعض الفضلاء: وتأويل الاية، في بعض بطونها، أن يقال: هو، أي، ربكم الذي أمرتم أن تعبدوه. وتتحققوا بعبوديته المحضة. هو الذي جعل لكم أرض العبودية، فراشا. تقلبون فيها أنواع العبادات. وسماء الأسماء الربوبية فيه، مضروبة عليكم، محيطة بكم، بحيث لا يمكنكم الخروج، عن احاطتها وشمول آثارها وأنزل من هذه السماء، ماء العلوم والمعارف، على تلك الأرض. فأخرج ثمرات الأحوال والأذواق والمواجيد، رزقا لكم. تغتذون وتتقون به بقلوبكم وأرواحكم.

فلا تجعلوا للّه، أندادا، تعبدونها. كما تعبدونه. والحال، انكم تعلمون أنه لا معبود سواه. ولا ينبغي أن يجعل أحد قبلة عبادته، الا إياه.

وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ:

لما كانت العبادة المأمور بها، موقوفة على أمرين: أحدهما، اثبات الوحدانية وإبطال الاشراك. وقد أشير اليه بالأوصاف المجراة على ربهم الذي أمروا بعبادته.

و الثاني، اثبات النبوة التي يقع بها الترغيب والترهيب وتعريف طرق العبادة وتعيينها، فلذلك أشار اليه بازاحة الشبهة، عن كون القرآن، معجزا دالا على نبوة النبي- صلى اللّه عليه وآله- وهو معطوف على قوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ. والظرف مستقر في موضع خبر كان.

و المعنى: وان كنتم في ريب، يحيط بكم احاطة الظرف بالمظروف.

مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا: أي: من شي‏ء. أو من الذي نزلناه.

و يحتمل مرجوحا أن يكون المعنى، من تنزيلنا.

و انما أتى بكلمة «ان» الدالة على عدم الجزم بالوقوع، و«الريب» متحقق من هؤلاء الكفار، تنبيها على أنه لا ينبغي حصول هذا الريب، من العقلاء.

فكيف يجزم به؟ بل لو جوزه مجوز، فإنما يكون بمحض الاحتمال العقلي.

و لهذا السبب، بعينه قال: «في ريب». وان كان أكثرهم، ينكرون.

و انما أتى «بالتنزيل» المنبئ عن التدريج. لأن النزول التدريجي، كان أحد أسباب طعنهم وارتيابهم، في القرآن. فإنهم كانوا يطعنون في القرآن. ويرتابون فيه، من حيث أنه كان مدرجا على قانون الخطابة والشعر. فان الناثر، لا يرمي بمجموع خطبه، أو رسائله ، دفعة. والناظم لا يلقي ديوان شعره، ضربة. بل  مفرقا، حينا فحينا. وشيئا فشيئا. فكانوا يقولون: لو لا أنزل عليه القرآن، خلاف هذه العادة، جملة واحدة. فقيل لهم: ان ارتبتم في هذا الذي أنزل تدريجا، فهاتوا أنتم بنجم من نجومه، وسورة من سوره. فانه أيسر عليكم، من أن تنزل الجملة، دفعة واحدة (و يتحدى بمجموعه) .قيل: التدريج، هو الذي يعبر عنه بالتكثير، أي: يفعل مرة بعد مرة. والتضعيف الدال على ذلك، من شرطه أن يكون في الأفعال المتعدية، قبل التضعيف، غالبا نحو، فتحت الباب. ولا يقال: جلس زيد، لارادة التدريج والتكثير. لأنه لم يكن متعديا، قبل التضعيف. وانما  جعله تضعيفه، متعديا. وقولنا: «غالبا»، لأنه قد جاء التضعيف، دالا على الكثرة، في اللازم، نحو، موّت المال. ويعلم من ذلك أن التضعيف الدال على الكثرة، لا يجعل اللازم متعديا. فظهر من ذلك، أن تضعيف، نزل للتعدية، دون التدريج. وأيضا. يحتاج قوله تعالى : لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً. وقوله : لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ. وقوله : لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا الى تأويل.

و في «نزلنا»، التفات من الغيبة، الى التكلم. لأن قبله اعْبُدُوا رَبَّكُمُ.

فلو جاء الكلام عليه، لقيل: «مما نزل  على عبده». لكنه التفت للتفخيم.

و عبر عنه بالعبد. لأن أعلى المقامات، مقام العبدية. (و أضافه الى نفسه، تشريفا له. ولم يصرح باسمه- عليه السلام- كما في قوله : وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ.

للدلالة على كماله في العبدية.)  فان المطلق، لا ينصرف، الا الى الكامل.

و قرئ «على عبادنا». والمراد به نبينا- صلى اللّه عليه وآله- وأمته. فانه‏كما نزل عليه بواسطة جبرئيل، نزل على بعض أمته، بواسطته، وينزل على بعضهم بواسطة البعض، الى يوم القيامة. أو جميع الأنبياء- عليهم السلام-.

 (و في مصباح الشريعة ، قال الصادق- عليه السلام-: وحروف العبد، ثلاثة:

العين والباء والدال. فالعين علمه باللّه تعالى، والباء، بونه عما  سواه. والدال، دنوه من اللّه، بلاكم وكيف .) .

فَأْتُوا بِسُورَةٍ: جزاء للشرط.

و الأمر تعجيزي، ليظهر عجزهم ويزول ريبهم.

و «السورة»، طائفة من القرآن، مترجمة. لا يكون أقل من ثلاث آيات.

فخرج بقولنا: «مترجمة»، الآيات المتعددة، من سورة واحدة، أو متفرقة، وما هو أكثر من سورة  واحدة، كمجموع سورتين.

و بقولنا: «لا يكون أقل من ثلاث آيات»، يخرج آية الكرسي وآية المداينة، من غير حاجة الى أن يتكلف.

و يقال: هذا مجرد اضافة. لم يصل الى حد التسمية.

و واوها، ان كانت أصلية، فهي اما منقولة من «سورة المدينة». وهي حائطها على وجهين:

أحدهما، أن يجعل السورة بمعنى المسوّرة. كما يراد بالحائط المحوّطة.

و هو البستان. ثم ينقل الى طائفة محدودة من القرآن. وهو نقل مرتب على تجوّز.و ثانيهما، أن ينقل من «سورة المدينة» اليها، بغير واسطة. لأنها تحيط بطائفة من القرآن، مفرزة محوزة، على انفرادها. أو محتوية على أنواع من العلم، احاطة سورة المدينة، بما فيها واحتوائها عليه.

و جمع سورة القرآن، السور- بفتح الواو- وجمع سورة المدينة، على سور- بسكونها-.

أو من السورة، بمعنى المرتبة. قال النابغة:

         الم تر أن اللّه أعطاك سورة             ترى كل ملك دونها، يتذبذب

 ثم ان المرتبة، ان جعلت حسية، فلأن السور، كالمراتب، والمنازل.

ينقلب  فيها القارئ. ويقف عند بعضها. أو لأنها في أنفسها منازل مفصلة. بعضها من بعض. متفاوتة في الطول والقصر والتوسط.

و ان جعلت معنوية، فلتفاوتها في الفضل والشرف والبلاغة.

و ان كانت واوها، مبدلة عن الهمزة، فمن السورة التي هي البقية والقطعة من الشي‏ء. وضعف هذا الوجه، اما من حيث اللفظ، إذ لم يستعمل مهموزة.

في السعة  ولا في الشاذة المنقولة، في كتاب مشهور. وان أشعر به كلام الأزهري، حيث قال: وأكثر القراء، على ترك الهمزة، في لفظ السورة.

و أما من حيث المعنى، فلأنها أسم ينبئ عن قلة وحقارة. وأيضا، استعماله فيما فضل، بعد ذهاب الأكثر. ولا ذهاب هنا، الا تقديرا، باعتبار النظر اليها، نفسها. فكأنها قد ذهب ما عداها.مِنْ مِثْلِهِ: اما ظرف مستقر، صفة لسورة. أو ظرف لغو، «لفأتوا».

و الضمير على كل من التقديرين، اما عائد الى «ما نزلنا»، أو الى «عبدنا».

فهذه أربع صور:

أولها: أن يكون الظرف صفة «لسورة». والضمير، عائد الى «ما نزلنا».

و كلمة «من»، بيانية. لأن السورة المفروضة التي بها الأمر التعجيزي، مثل المنزل في حسن النظم، والغرابة في البيان. والعجز، انما هو، عن الإتيان بالمثل الذي هو المأمور به. وان جعلت تبعيضية، أو همت أن للمنزل، مثلا، عجزوا عن الإتيان  (ببعضه. كأنه قيل: فأتوا ببعض ما هو مثل للمنزل.)  فالمماثلة المصرح بها، ليست من تتمة المعجوز عنه، حتى  يفهم أنها منشأ العجز.

و كذا الحال، ان جعلت، ابتدائية. فإنها توهم أن للمنزل، مثلا، عجزوا عن الإتيان، بسورة مبتدئة منه. فالمماثلة ليست من تتمة المعجوز عنه، مع أن في مبدئية الكل للجزء، خفاء. وذهب الأخفش، الى أنها زائدة.

و ثانيتها: أن يكون الظرف، صفة لسورة. والضمير، عائدا الى «عبدنا».

و حينئذ، يتعين أن يكون «من» ابتدائية. فان السورة، مبتدئة ناشئة من مثل العبد.

و لا وجه لسائر المعاني. ولا يذهب عليك أن الإتيان بسورة من مثل هذا العبد، ليس بمعجوز عنه، ما لم يعتبر مثلية سورة، للسور القرآنية، في حسن النظم وغرابة البيان.

و ثالثتها : أن يكون الظرف، متعلقا «بفأتوا». والضمير عائدا الى «ما نزلنا».و هجر هذا الوجه. فان «فأتوا»، أمر. قصد به تعجيزهم، باعتبار المأتي به.

فلو تعلق به «من مثله» وكان الضمير للمنزل، تبادر منه أن له مثلا محققا جامعا، لأمثال السور القرآنية. وان عجزهم، انما هو عن الإتيان بسورة منه. بخلاف ما إذا كان صفة «للسورة». فان المعجوز عنه، حينئذ، هو الإتيان بسورة مماثلة للقرآن، في حسن النظم وغرابة البيان. وهذا لا يقتضي وجود مثل ذلك.

و حاصله، أن قولنا: أئت من مثل الحماسة، ببيت، يقتضي وجود المثل لها، بأن يكون هناك محقق جامع لكثير أشعار بلغاء العرب. ويؤتى ببيت منه، بخلاف ائت ببيت، من مثل الحماسة، إذا كانت «من» بيانية. ويكون حاصل المعنى، ببيت يماثل الحماسة، في الفصاحة والبلاغة. فان ذلك لا يقتضي، تحقق كتاب جامع، مثلها. نعم، إذا كانت «من» ابتدائية، أو تبعيضية، يقتضي ذلك من غير فرق.

و رابعتها: أن يكون الضمير، عائدا الى «عبدنا». وحينئذ، يكون «من» ابتدائية. وهذا لا يقتضي الا أن يكون «للعبد»، مثل في كونه بشرا، عربيا، أميا لم يقرأ الكتب، ولم يأخذ من العلماء. ولا محذور في ذلك. لكن ينبغي أن يعتبر مثلية سورة، للسور القرآنية. كما في الصورة الثانية.

ورد الضمير، الى المنزل، أوجه من ستة أوجه:

الأول: الموافقة لقوله تعالى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ . ونظائره. لأن المماثلة فيها، صفة للمأتي به. فكذا هاهنا، إذا جعل الظرف، صفة للسورة.

و الضمير عائدا الى المنزل. و«من»، بيانية. أو زائدة.

و الثاني: أن الكلام، واقع في المنزل. لأن ارتيابهم المفروض، انما وقع‏فيه. ولورود الضمير، الى العبد، كان حق الترتيب، أن يقال: ان كان لكم ريب في عبدنا المنزل عليه القرآن، فأتوا بسورة من مثله.

و الثالث: أن الضمير، إذا رد الى المنزل، يكون طلب المعارضة، من الجميع.

و إذا كان للمنزل عليه، يكون طلب المعارضة، من واحد منهم. إذ لا معنى لخطاب الجماعة، بأن ائتوا بسورة من واحد منكم. بل الطلب بالحقيقة، من واحد منهم.

كأنه قيل : فليأت واحد منكم، بسورة. ولا شك أن طلب المعارضة، من الجميع، أبلغ من طلب المعارضة، من واحد، لجواز عجز واحد وإتيان الجميع بها.

و الرابع: أنه معجز في نفسه. لا بالنسبة الى مثله. لقوله تعالى: لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ، عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ، لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ .

و الخامس: أنه لو كان رجع الضمير، الى «العبد»، لكان ذلك يوهم أن صدور القرآن، عمن لم يكن مثل العبد، في كونه أميا، ممكن.

و السادس: ان رد الضمير، الى المنزل، هو الملائم لقوله:

وَ ادْعُوا شُهَداءَكُمْ: لأن معناه، على الوجوه المذكورة فيما بعد، راجع الى: ادعوا شهدائكم، ليعاونوكم. أو يشهدوا لكم. وهذا المعنى لا يلائم الا رد الضمير في «مثله»، الى المنزل. ولما ترجح عود الضمير، الى المنزل، بهذه الوجوه، ترجح- بها  أيضا- كون الظرف، صفة للسورة. لأنه إذا تعلق «بفأتوا»، عاد الضمير الى «العبد»، لما تحققته.

و «الشهداء»، جمع شهيد، كالظرفاء، جمع ظريف. بمعنى الحاضر، أوالقائم بالشهادة، أو الامام. فكأنه سمي به، لأنه يحضر النوادي. ويبرم بمحضره  الأمور. ومنه قيل للمقتول في سبيل اللّه: شهيد. لأنه حضر ما كان يرجوه، أو الملائكة حضروه.

قال الجوهري في الصحاح : «الشهادة، الخبر  القاطع . تقول منه، شهد الرجل، على كذا». أو شهد له بكذا، أي: أدى ما عنده من الشهادة. فهو شاهد. ويقال: شهده، شهودا، أي: حضره. فهو شاهد. والشهيد، الشاهد.

و الجمع، الشهداء.

فالمراد «بالشهداء»، اما المقيمون للشهادة. والمعنى: ادعوا من دون اللّه، شهداء، يشهدون لكم بأن ما أتيتم به مثله.

أو الحاضرون الناصرون. والمعنى، أدعوا أعوانكم وأنصاركم، حتى يعينوكم، على إتيان مثله.

أو آلهتهم الذين عبدوهم وأطاعوهم. والمعنى: ادعوا آلهتكم الذين تعبدونهم، حتى يعينوكم، بإتيان سورة واحدة، من جنس ما أتى  به عبدنا.

مِنْ دُونِ اللَّهِ:

 «دون»، في أصله للتفاوت في الأمكنة. يقال لمن أنزل مكانا من الأخر:

هو دون ذلك. فهو ظرف مكان، مثل «عند». الا أنه ينبئ عن دنو أكثر وانحطاط قليل. ومنه، تدوين الكتب. لأنه ادناء البعض من البعض. ودونك هذا،أي: خذه من أدنى مكان منك. ثم اتسع فيه، واستعمل في انحطاط، لا يكون في المكان. كقصر القامة- مثلا- ثم استعير منه، للتفاوت في المراتب المعنوية، تشبيها بالمراتب المحسوسة. وشاع استعماله أكثر من استعماله في الأصل. نحو، زيد دون عمرو، أي: في الشرف.

و منه، الشي‏ء الدون. ثم اتسع في هذا المستعار، فاستعمل في كل تجاوز حد الى حد. وان لم يكن هناك، تفاوت وانحطاط. فهو في هذا المعنى، مجاز في المرتبة الثالثة. قال تعالى: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ، أي: لا يتجاوز ولاية المؤمنين، الى ولاية الكافرين. وقال أمية:

يا نفس! مالك دون اللّه من واق، أي: إذا تجاوزت وقاية اللّه، فلا يقيك غيره.

و هو بهذا المعنى، قريب من أن يكون بمعنى «غير» كأنه أداة استثناء.

و الأحسن هنا، أن يكون بمنزلة أداة استثناء. أو بمعنى، أدنى مكان من شي‏ء.

فيستعار لمعنى قدام الشي‏ء وبين يديه.

و كلمة «من»، إذا كان «دون» بمعنى القدام ، تبعيضية. لأن الفعل، يقع في بعض الجهة. وهو ظرف لغو معمول «لشهدائكم»، إذ يكفيه رائحة الفعل.

فلا حاجة الى اعتماد ولا الى تقدير يشهدوا.

و إذا كان بمعنى، أدنى مكان من شي‏ء، ابتدائية متعلقة «بادعوا». وكذا ان كان بمعنى، التجاوز عن حد الى حد. لكنه ظرف مستقر، وقع حالا. والعامل فيها «أدعوا» أو «شهدائكم».

و قد يقال: كلمة «من» الداخلة على «دون»، في جميع مواضعها، بمعنى، في. كما في سائر الظروف غير المتصرفة، أي: التي تكون منصوبة على الظرفية- أبدا- ولا تنجرّ «بمن» خاصة.

قال الشيخ الرضي : «من» في الظرف  كثيرا ما يقع  بمعنى، «في» نحو، جئت من قبل زيد. ومن عنده. ومن بيننا وبينك حجابا مستورا . وكنت من قدامك.

إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ : في موضع الحال، من فاعل «فأتوا». ولهذا لا يحتاج الى الجزاء. أو جوابه محذوف. دل عليه ما قبله. ومفعوله، محذوف.

و المعنى: ان كنتم صادقين أنه من كلام البشر. والصدق الاخبار المطابق.

و قيل : مع اعتقاد المخبر، أنه كذلك، عن دلالة، أو أمارة. لأنه تعالى، كذب المنافقين، في قولهم: انك لرسول اللّه. لما لم يعتقدوا مطابقته. ورد بصرف التكذيب، الى قولهم: نشهد. لأن الشهادة، اخبار عما علمه. وهم ما كانوا عالمين [به‏] .

أو، ان كنتم صادقين في ريبكم. والصدق في الريب، أن يكون ناشئا عن شبهة، لا عن الجحود والإنكار.

و المعنى: ان كنتم في ريب مما نزلنا، فأتوا بسورة من مثله. وادعوا الشهداء، للمعاونة، ليظهر عجزكم وعجزهم. فيزول ريبكم.

و ذلك بشرط أن تكونوا، من الصادقين في ريبكم. وذلك إذا نشأ من شبهة.و أما إذا كان من الجحود والإنكار، فلا يمكن زواله.

و في الاية، دلالة على نبوته- صلى اللّه عليه وآله- فانه، كان معلوم الحال موفور العقل والمعرفة، بالعواقب. فلا تطرقت تهمة. الى ما ادعاه، من النبوة- لما استجاز أن يتحداهم، ويبلغ في التحدي، الى نهايته. بل كان ينبغي، أن يكون خائفا، من أن يعارض. فتدحض حجته. حاشاه من ذلك- صلى اللّه عليه وآله-

 (و في عيون الأخبار : حدثنا جعفر بن محمد بن مسرور- رضي اللّه عنه-.

 

قال: حدثنا الحسين بن محمد بن عامر. قال: حدثنا أبو عبد اللّه السياري، عن أبي يعقوب البغدادي. قال: قال ابن السكيت لابي الحسن الرضا- عليه السلام-:

لما ذا بعث اللّه تعالى موسى بن عمران بيده البيضاء والعصا  وآلة السحر؟ وبعث عيسى بالطب؟ وبعث محمدا- صلى اللّه عليه وآله- بالكلام والخطب؟

فقال له ابو الحسن- عليه السلام-: ان اللّه [- تبارك وتعالى-]  لما بعث موسى- عليه السلام- كان الأغلب على أهل عصره، السحر. فأتاهم من عند اللّه تعالى، بما لم يكن من عند القوم وفي وسعهم مثله، وبما أبطل به، سحرهم، وأثبت به الحجة عليهم. وان اللّه تعالى، بعث عيسى- عليه السلام- في وقت، ظهرت فيه الزمانات. واحتاج الناس الى الطب. فأتاهم من عند اللّه تعالى، بما لم يكن عندهم مثله، وبما أحيى لهم الموتى وابرأ الأكمه والأبرص- بإذن اللّه- وأثبت به الحجة عليهم. وان اللّه- تبارك وتعالى- بعث محمدا- صلى اللّه عليه وآله- في وقت كان الأغلب على أهل عصره، الخطب والكلام- وأظنه قال: والشعر- فأتاهم‏

من كتاب اللّه- عز وجل- ومواعظه وأحكامه، ما أبطل به قولهم. وأثبت به الحجة عليهم.

فقال ابن السكيت: تاللّه! ما رأيت مثل  اليوم، قط. فما الحجة على الخلق اليوم؟

فقال- عليه السلام-: العقل. تعرف به الصادق على اللّه، فتصدقه . والكاذب على اللّه، فتكذبه .

فقال له ابن السكيت: هذا، واللّه! الجواب) .

فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا، فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ:

لمّا بيّن لهم، ما يتعرفون به أمر الرسول وما جاء به. وميّز لهم الحق، عن الباطل رتب عليه، ما هو كالنتيجة له. وهو، أنكم إذا اجتهدتم في معارضته . وعجزتم جميعا، عن الإتيان بما يساويه أو يدانيه. ظهر أنه معجز. والتصديق به واجب.

فآمنوا به واتقوا العذاب المعد لمن كذب.

فعبر عن الإتيان المكيف، بالفعل الذي يعم الإتيان به وغيره، ايجازا.

و نزل لازم الجزاء، منزلته، على سبيل الكناية، تقريرا، للمكنّى عنه. وتهويلا لشأن العناد. وتصريحا بالوعيد، مع الإيجاز. وانما أتى «بإن» الذي للشك دون ، «إذا» الذي للوجوب، مع أن ظاهر الحال، يقتضي ذلك تهكما بهم، تهكم الواثق‏بغلبته، على من يغاويه، حيث يقول له: ان غلبتك، لم أبقي عليك. أو خطابا معهم، على حسب ظنهم. فان العجز- قيل-  لم يكن محققا عندهم. أو حفظا لمشاكلة  صدر الاية السابقة.

و المعنى: فان لم تفعلوا، أي: لم تقدروا على الفعل الذي هو الإتيان المكيف بقرينة ما سبق. ومحقق أنكم لا تقدرون، بناء على أنه اعتراض. فَاتَّقُوا النَّارَ- الى آخره-.

و بما قررنا، ظهر فساد ما قاله العلامة السبزواري، في تفسيره . قال:

و يخطر بالبال، أن الحالية، في كمال الاستقامة. وان أطبق المفسرون، على أنها اعتراضية. والمعنى: أنكم لم تأتوا بسورة، حال كونكم، غير قادرين على الإتيان بها. وحينئذ ترتب الجزاء على الشرط، إذ بمجرد عدم الفعل، لا يعلم عدم صحة القدرة، حتى يترتب عليه، اتقاء النار. بل يمكن أن لا يعتنوا بشأنه. وعدم القدرة، من تأبيد النفي. إذ لو تحقق القدرة منهم، لأتى واحد من هؤلاء، بما طلبوا، في زمان من الأزمنة، ليتخلصوا من القتل والغارة وذل إعطاء الجزية.

ثم كتب في الحاشية: قال الشيخ الرضي، في شرح الكافية: ويشترط في‏المضارع الواقع حالا، خلوه عن حرف الاستقبال، كالسين ولن ونحوهما. وذلك لأن الحال الذي نحن في بابه والحال الذي يدل عليه المضارع وان تباينا حقيقة لأن في قولك- مثلا-: اضرب زيدا غدا يركب، لفظ يركب حال، بأحد المعنيين، غير حال، بالآخر. لأنه ليس في زمان التكلم. لكنهم التزموا تجريد صدر هذه الجملة، أي: المصدرة بالمضارع، عن علم الاستقبال، لتناقض الحال والاستقبال، في الظاهر. وان لم يكن التناقض، هنا، حقيقيا. ولمثله التزموا لفظة «قد»، اما ظاهرة، أو مقدرة، في الماضي. إذا كان حالا. مع أن حاليته، بالنظر الى عامله. ولفظه «قد»، تقرب الماضي، من حال التكلم- فقط- وذلك لأنه كان يتنافى في الظاهر، لفظ الماضي والحالية. فقالوا: جاء زيد العام الأول، وقد ركب المجي‏ء بلفظة «قد»، هنا، الظاهر الحالية. كما أن التجريد، عن حرف الاستقبال، في المضارع، لذلك- انتهى-.

و العلامة التفتزاني، اقتفى اثره في المطوّل. والمحقق الشريف، في حاشية المطوّل، رد عليه. وقال: وهذا الوجه، وان كان منقولا في الموضعين، عن كلام الرضي، لكنه غير مرضي كما ترى. والصواب أن يقال: ان الأفعال، إذا وقعت قيودا، لما له اختصاص بأحد الأزمنة، فهم منها، استقباليتها وحاليتها. وماضويتها بالقياس الى ذلك المقيد. لا الى زمان التكلم. كما في معانيها الحقيقية. وليس ذلك بمستبعد- انتهى-.

و ابن هشام، في مغني اللبيب ، في تمييز الجمل المعترضة عن الحالية، صرح بأن المصدر بحروف الاستقبال، اعتراضية، وشنع على من جعلها حالية، لكن لم ينقل الوجه، هنا.و انا أقول: ان كان يعلم من تتبع كلام الفصحاء، من العرب العرباء، أن أمثال هذه الجمل، اعتراضية. وليست بحالية. وانهم لم يستعملوها، حالا، لكان لكلام النحاة، وجه. ويحسن منهم، ارتكاب ما ارتكبوا، في هذا الباب. ومعلوم أن الأمر، ليس كذلك. وعدم شيوع دخول الحروف  الاستقبالية، على الجمل الحالية، لا يوجب الحكم، بالامتناع. ووجوب خلو الحال عنها، إذا لم يكن، يلزم المفارقة في الزمان، بينها وبين صاحبها. وبمحض قول جماعة، إذا علم مأخذ قولهم، لا يجب متابعتهم. وان كانوا من المشاهير. خصوصا إذا لم يوجد ذلك الاشتراط، في كلام من هو أشهر منهم- انتهى كلام ذلك العلامة-.

فلينظر الى ما في هذا الكلام، من الخبط.

ثم قال: وعلى التقديرين، هذا الكلام، معجزة أخرى له- عليه السلام- إذ أخبر وكان كما أخبر.

أقول: على تقدير كونه، (اعتراضا معجزة. وأما على تقدير كونه)  حالا، كما قال، فلا. فان الجمل التي لها محل من الاعراب وقعت موقع المفردات، فتكون نسبها ملحوظة، اجمالا. ولا يصح اتصافها بالصدق والكذب.

و «الوقود»،- بالفتح- الحطب. يرفع  به النار. وأما المصدر، فمضموم.

و قد جاء فيه الفتح.

و قرئ بالضم:

اما  على أنه مصدر مستعمل، بمعنى المفعول، مجازا لغويا، فأريد بالوقود،ما يتوقد به. كما يراد بفخر قومه، ما يفتخرون به. وبزين بلده ، ما يتزين به بلده.

أو على أنه حقيقة. والمجاز، اسناد الناس اليه. وحمله عليه. كما في قولك:

حياة المصباح السليط، أي : الزيت الجيد. فقد جعل السليط، الذي به قوام حياته، عينها ومحمولا لها.

و في قراءة، فتح الواو، على تقدير المصدرية. يجري هذان الوجهان.

و وجه بتقدير مضاف، اما في جانب المبتدأ أو الخبر. كما يقال: أصحاب وقودها الناس والحجارة. أو وقودها إحراق الناس والحجارة .

و الحجارة جمع حجر. كجمالة، جمع جمل. وهو قليل غير منقاس.

و المراد بها، اما أصنامهم التي نحتوها وعبدوها. كما يدل عليه قوله تعالى:

إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ  وانما قرنوا بها، لأنهم قرنوا بها، أنفسهم، بالعبادة لها.

أو لأنها كانت منشأ جرمهم. فعذبوا بها. كما عذب الكافرون، بما يكنزونه.

أو لزيادة تحيرهم، حيث ظهر منها، خلاف ما توقعوا منها، من الانتفاع بشفاعتها واستدفاع المضار، بمكانتها.

أو مطلق الأحجار، لما فيه من الدلالة على شدة إيقاد النار وقوته.

أو الذهب والفضة، اللذان كانوا يكنزونهما. ويغترون بهما.

أو حجارة الكبريت.و خصت بذلك، لاختصاصها من بين الأحجار، بسرعة الاتقاد وبطء الخمود .

و نتن الرائحة. وكثرة الدخان. وشدة الالتصاق بالأبدان. وقوة حرها، إذا حمت.

هكذا ذكروا.

و في كتاب الاحتجاج ، للطبرسي- رحمه اللّه-: روي عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن علي- عليهم السلام- قال: قال أمير المؤمنين- عليه السلام-: ولقد مررنا مع رسول اللّه - صلى اللّه عليه وآله- بجبل.

و إذا الدموع تخرج من بعضه.

فقال له [النبي‏] : ما يبكيك؟ يا جبل! فقال: يا رسول اللّه! كان المسيح مرّ بي. وهو يخوف الناس بنار  وقودها الناس والحجارة. فأنا أخاف أن أكون من تلك الحجارة.

قال : لا تخف! تلك الحجارة، الكبريت.

فقرّ الجبل. وسكن. وهدأ. وأجاب.

و مضمون  الصلة، يجب أن يكون قصة معلومة للمخاطب. وهنا كذلك، اما بالسماع من أهل الكتاب. أو من النبي- صلى اللّه عليه وآله- أو بسماع آية سورة التحريم. ولا يرد أن سماعهم على هذه الوجوه، لا يفيدهم العلم، إذلا يعتقدون صدق ما يسمعونه. لأن المراد من العلم ، معناه الأعم.

أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ : أي، هيئت لهم. وجعلت عدة لعذابهم.

و قرئ «اعتدت»، من العتاد. بمعنى العدّة.

وَ بَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ: عطف على الجملة السابقة.

و المقصود: عطف حال من آمن ووصف ثوابه، على حال من كفر، وكيفية عقابه، على ما جرت به العادة الالهية، من أن يشفع الترغيب بالترهيب، تنشيطا لارتكاب  ما ينجي. وتثبيطا، عن اقتراف ما يردي. لا عطف الفعل، نفسه. حتى يطلب له مشاكل من أمر أو نهي، فيعطف عليه.

و «الجنة» المرة  من الجنّ. وهو مصدر جنّه إذا ستره . ومدار التركيب على الستر. سمي بها الشجر المظلل. لالتفاف أغصانه للمبالغة. كأنه يستر ما تحته سترة واحدة.

 (و في كتاب علل الشرايع : بإسناده الى يزيد بن عبد اللّه بن سلام، عن أبيه، عن النبي- صلى اللّه عليه وآله- حديث طويل، وفيه: قال: فلم سميت الجنة، جنة؟

قال: لأنها جنية خيرة نقية. وعند اللّه تعالى ذكره مرضية) .تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ: صفة لجنات.

أي: من تحت أشجارها. على حذف المضاف.

أو ارادة الأشجار بالجنات، مجازا.

أو من ضميرها، على طريقة الاستخدام.

و «من» اما ابتدائية. أو تبعيضية. فان الماء، لا يجري في جميع أسافل الأشجار. بل في بعضها.

و يحتمل بعيدا أن يكون المراد في تحتها، على ما مر.

و «الأنهار»، جمع نهر- بالسكون. أو بالفتح-. وهو الأفصح.

و جاز فيما عينه أو لامه، حرف حلق، أربعة أوجه: فتح الفاء والعين. وفتح الأول. وكسر الثاني. وكسرهما. وكسر الأول مع سكون الثاني. لكن لم يسمع من هذه الوجوه، في النهر، الا اثنان. وهو المجرى الواسع، فوق الجدول.

و دون البحر، كالنيل والفرات. والتركيب للسعة. والمراد، ماءها. على الإضمار.

أو المجاري أنفسها.

و اسناد الجري، اليها، مجاز، كما في قوله تعالى: وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها . أو على التجوز في المفرد، بإطلاق اسم المكان، على المتمكن.

و «اللام» فيها، اما للجنس، من غير قصد، الى العموم والاستغراق. كما في قولك: لفلان  بستان فيه الماء الجاري. أو بدل  من الاضافة، أي: أنهارها.

أو للعهد اشارة الى الأنهار المذكورة في قوله تعالى: أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ. و الأول، أحسن.

و الثاني، مذهب كوفي، مرجوح. وقد منعه صاحب الكشاف ، حيث قال في قوله تعالى: فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى . المعنى: فان الجحيم هي مأواه، وليس الألف واللام، بدلا من الاضافة. ولكن لما علم أن الطاغي، هو صاحب المأوى، ولأنه لا يقص»

 الرجل طرف  غيره، تركت الاضافة.

و الثالث، مع توقفه على سبق ذكر المنكر، على المعرف فيه، بعد لا يخفى.

و انما نعت الجنان بجري الأنهار تحتها، لأن الرياض وان كانت أحسن شي‏ء إذا لم يجري فيها الماء، كانت كتماثيل لا أرواح فيها. وصور، لا حيوة لها.

و لهذا قدمها على سائر نعوتها.

و عن مسروق، أن أنهار الجنة، تجري في غير أخدود. والأخدود ، الشق المستطيل في الأرض.

و المعنى: أن تلك الجنات، تجري من تحتها أنهار  من ماء ولبن وعسل.

كُلَّما رُزِقُوا: صفة ثانية، لجنات. وترك العاطف بينهما. تنبيها على أن كل واحد منهما، صفة على الاستقلال.

أو استئناف. كأنه لما قيل: ان لهم جنات. وقع في قلب السامع، أثمارها، مثل ثمار الدنيا. أم أجناس آخر. فأزيح بذلك.أو خبر مبتدأ محذوف. والتقدير هي أو هم.

ورد ذلك الأخير، بأن تلك الجملة المحذوفة المبتدأ، ان جعلت صفة، أو استئنافا، كان تقدير الضمير، مستدركا. وان جعلت ابتداء كلام، لا يكون صفة ولا استينافا. فلتكن كذلك بلا حذف.

و أجيب، بأن تقدير هي، يظهر معنى الوصفية. وبتقديرهم، يظهر تقوّي شأن الاستيناف. فلا استدراك. وفيه ضعف لا يخفى.

مِنْها، متعلق «برزقوا».

مِنْ ثَمَرَةٍ، متعلق به، أيضا.

و كلمة «من»، فيهما، لابتداء الغاية.

فان قلت: لا يصح أن يتعلق بفعل واحد، حرفا جر، يتحدان في المعنى، عند النحاة، الا على قصد  الابدال والتبعية.

قلت: لا مجال لذلك في الاية الكريمة. فإنهما ليستا متعلقتين بفعل واحد.

بل بفعلين مختلفين، بالإطلاق والتقيد. فالمطلق، أعني: «رزقوا»، جعل مبتدأ من الجنات. وبعد تقييده، بالابتداء منها، جعل مبتدأ من الثمرة، مع أنه لقائل، أن يمنع عدم صحة الابدال هاهنا. فانه يجوز أن يكون بدلا من الأولى، بتقدير صفة، أي:

من ثمرة كائنة منها. وكلا الطرفين، لغو، لرزقوا. فلا حاجة الى أن يجعل الأول، حالا من «رزقا»، والثاني من ضميره  فيها، أي: الحال (منه (ره)) .

قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ:

أي: هذا الظاهر المحسوس، من المرزوق، كالمرزوق الذي رزقناه في الشكل‏

و اللون لا في الطعم.

فحذف أداة التشبيه. ووجهه للمبالغة. كما في: زيد أسد.

و يحتمل أن يجعل، هذا اشارة، الى نوع ما رزقوا. فلا حاجة الى اعتبار التشبيه. فان نوع المرزوق، في الاخرة، هو نوع المرزوق، في الدنيا من قبل، أي: من قبل هذا في الدنيا.

و انما جعل الثمرات، متشابهين، لأن الطبع الى المألوف، أميل. والى تناوله أسرع. ووجود المزية، أظهر، إذ لو كان جنسا لم يعهد ظن أنه لا يكون، الا كذلك.

و إعجاب النفس به واستغرابه له، أشد. أو في الجنة، لما روي: أن ثمار الجنة، إذا جنيت، بدّل اللّه مكانها مثلها . فقالوا: هذا الذي رزقنا من قبل، لاشتباه الأمر عليهم. أو لاستغرابهم إياه. وابتهاجهم به.

و فيه، أن قول ذلك في المرة الأولى، لا معنى له. كما يقتضيه عموم «كلما».

وَ أُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً: جملة معترضة، بين أوصاف الجنة، لتقرير ما قالوا.

أو حال من فاعل قالوا، بتقدير «قد»، عند البصرية: كقوله تعالى: جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ . وبدونه، عند الكوفية.

و للمرزوق والرزق، من حيث وحدتهما الجنسية، توحد. ومن حيث اثنينيتهما النوعية، تعدد. فافراد الضمير، للجهة الأولى.

و جعل متشابها، المقتضى تعدد الفاعل، حالا عنه، بالاعتبار الثاني.

و المعنى: وأتوا به متشابها به، أي: بهذا الجنس، حال كونه متشابها في كل من نوعيه نفسه، في الاخر.

فمرجعه على الوجه الأول، هو جنس المرزوق، الشامل لكل من مرزوق الدنياو الاخرة. فانه يفهم من مضمون ما تقدم. وعلى الوجه الثاني، هو الرزق.

قال علي بن ابراهيم : يؤتون من فاكهة واحدة، على ألوان متشابهة.

وَ لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ:

 «الزوج»، يقال للذكر والأنثى. وهو في الأصل، لما له قرين من جنسه.

كزوج الخف.

فالذين آمنوا، ان كان شاملا للمؤمنين والمؤمنات، تغليبا، فمعنى، لهم  أزواج، ان للذكور أزواجا من جنس الإناث. والمراد به اما الحور العين. أو نساء الدنيا. سلبت عنها القذرات. وارادة الأعم، أولى. وللإناث، أزواجا من جنس الذكور.

و ان كان خاصا بالمؤمنين، اكتفاء بهم، لأنه يعرف حال المؤمنات، بالقياس الى حالهم. فمعناه: أن للمؤمنين أزواجا مطهرة.

و قرئ مطهرة- بتشديد الطاء وكسر الهاء- بمعنى، مطهرة ومطهرات. وهي  تؤيد  الاحتمال الثاني. لأن القياس، على الأول، مطهرون. فانه لم يعهد تغليب النساء على الرجال. ومطهرة أبلغ من طاهرة ومطهرة. لأنها تنبئ من أن مطهر طهرها. وليس هو الا اللّه- عز وجل-. والمراد بتطهرها، أن طهرت مما يختص بالنساء، من الحيض والاستحاضة. وما لا يختص من الأقذار والأدناس. ويجوز لإطلاقه أن يدخل تحته، الطهر من ذمائم الأخلاق وقبائح الأفعال. وانما لم يجمع‏الصفة كالموصوف، إذ أتى بها على قاعدة الرجال  والنساء. فعلت للتأويل بالجماعة.

و هي لغة فصيحة.

وَ هُمْ فِيها خالِدُونَ : دائمون.

و الخلد والخلود، يطلق على الثبات المديد الدائم، وعلى غير الدائم، بالاشتراك المعنوي، أو اللفظي، أو الحقيقة والمجاز.

و الأول أولى، نفيا للتجوز والاشتراك. اللذين هما، خلاف الأصل.

و منه قيل للاثافي والأحجار: خوالد. وللجزء الذي يبقى من الإنسان، على حاله ما دام حيا، خلدا.

و قيل: والا يلزم أن يكون التقييد، بالتأبيد ، في قوله تعالى: خالِدِينَ فِيها أَبَداً، لغوا.

و بالجملة، المراد به، الدوام هنا، عند الجمهور، لما يشهد له من الآيات والسنن. ثم ان مجامع اللذات، المسكن والمطعم والمنكح. فوصف اللّه تعالى، المسكن، بقوله: جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ. والمطعم، بقوله: كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ. والمنكح بقوله: وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ. ثم ان هذه الأشياء إذا حصلت وقارنها خوف الزوال، كان التنعم بها منغصا ، فأزال تعالى هذا الخوف عنهم، بقوله: وَهُمْ فِيها خالِدُونَ. فصارت الاية، دالة على كمال التنعم والسرور.

فان قلت: فائدة المطعوم، هو التغذي ودفع  ضرر الجوع. وفائدة المنكوح،التوالد وحفظ النوع.

قلت: مطاعم الجنة ومناكحها وسائر أحوالها، انما تشارك نظائرها الدنيوية، في بعض الصفات والاعتبارات. ويسمى بأسمائها، على سبيل الاستعارة والتمثيل.

و لا يشاركها في تمام حقيقتها، حتى يستلزم جميع ما يلزمها ويفيد عين فائدتها.

فان قيل: الأبدان مركبة من أجزاء متضادة الكيفية، معرضة للاستحالة المؤدية الى الانفكاك والانحلال. فكيف يعقل خلودها في الجنان؟

قلت: ان اللّه تعالى يعيدها، بحيث لا يعتورها الاستحالة، بأن يجعل أجزائها- مثلا- متقاومة  في الكيفية، متساوية في القوة، لا يقوى شي‏ء منها، على احالة الاخر، متعانقة متلازمة، لا ينفك بعضها عن بعض، كما في بعض المعادن.

 (و في تفسير علي بن ابراهيم - حديث طويل- عند قوله تعالى يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً  يذكر فيه- عليه السلام- أحوال المتقين بعد دخولهم الجنة. وفيه: ثم يرجعون الى عين أخرى عن يسار الشجرة فيغسلون فيها. وهي عين الحياة. فلا يموتون) .

و في أصول الكافي : علي بن ابراهيم، عن أبيه، عن القاسم بن محمد عن المنقري، عن احمد بن يونس، عن أبي هاشم، قال: قال أبو عبد اللّه- عليه السلام-:انما خلد أهل النار في النار . لأن نياتهم كانت  في الدنيا أن لو خلدوا فيها، أن يعصوا اللّه، أبدا. وانما خلد أهل الجنة، في الجنة، لأن نياتهم كانت في الدنيا، أن لو بقوا فيها، أن يطيعوا اللّه أبدا، فبالنيات، خلد هؤلاء وهؤلاء. ثم تلا قوله تعالى: قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ . قال: على نيته.

و الطائفة الامامية، هي المقصودة من الاية. فان من لم يؤمن بخلافة علي- عليه السلام- عن رسول اللّه- صلى اللّه عليه وآله- بلا واسطة، لم يؤمن بالقرآن.

فهو خارج عن ربقة الايمان .

يدل على ما ذكرنا،

ما رواه ثقة الإسلام، في الكافي ، عن جابر، عن أبي جعفر- عليه السلام- قال: نزل جبرئيل بهذه الاية، على محمد- صلى اللّه عليه وآله- هكذا: وان كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا، في علي، فأتوا بسورة، من مثله.

و في شرح الآيات الباهرة ، قال الامام- عليه السلام- قال: علي بن الحسين- عليهما السلام- قوله- عز وجل: «و ان كنتم» أيها المشركون واليهود وسائر النواصب، من المكذبين لمحمد، بما قاله في القرآن، في تفضيل أخيه علي، المبرز على الفاضلين، الفاضل على المجاهدين الذي لا نظير له في نصرة المؤمنين وقمع الفاسقين وإهلاك الكافرين وتثبيت دين رب العالمين، «في ريب‏مما نزلنا على عبدنا في إبطال عبادة الأوثان، من دون اللّه، في النهي عن موالاة اعداء اللّه. ومعاداة أولياء اللّه وفي الحث على الانقياد لاخي رسول اللّه- صلى اللّه عليه وآله- واتخاذه اماما. واعتقاده فاضلا راجحا لا يقبل اللّه- عز وجل- ايمانا ولا طاعة، الا بموالاته. وتظنون أن محمدا يقوله من عنده. وينسبه الى ربه.

فان كان كما تظنون، فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ، أي: مثل محمد، أي: لم يختلف، قط، الى أصحاب كتب وعلم. ولم يتلمذ لاحد. ولا تعلم منه. وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ الذين يشهدون بزعمكم، أنكم محقون. وأن ما تجيئون به، نظير لما جاء به محمد- صلى اللّه عليه وآله- ان كنتم صادقين، في قولكم أن محمدا تقوّله.

ثم قال اللّه: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا، أي: ما يأمركم. وتقبلوا، ما يحدثكم به.

وَ لَنْ تَفْعَلُوا، أي: ولا يكون ذلك منكم. ولا تقدرون عليه. «فاعلموا»، انكم مبطلون. وأن محمدا، الصادق الأمين المخصوص برسالة رب العالمين المؤيد بالروح الأمين وبأخيه أمير المؤمنين وسيد المتقين. فصدقوه، فيما يخبركم به، عن اللّه، من أوامره ونواهيه وفيما يذكره، من فضل علي وصيه وأخيه. و«اتقوا» بذلك عذاب «النار»، التي «وقودها» وحطبها «الناس والحجارة»، أشد حرا.

 «أعدت» تلك النار، «للكافرين»، بمحمد والشاكين في نبوته والمدافعين لحق أخيه، علي والجاحدين لإمامته.

ثم قال: وبشر الذين آمنوا باللّه. وصدقوك في نبوتك. واتخذوك نبيا.

و اتخذوا أخاك عليا بعدك، اماما. ولك وصيا مرضيا. وانقادوا لما يأمرهم به.

و صاروا الى ما اختارهم اليه. ورأوا له ما يرون لك، الا النبوة التي أفردت بها، أن الجنان، لا تصير لهم، الا بموالاته وموالاة من نص عليه، من ذريته. وموالاة أهل ولايته. ومعاداة أهل مخالفته وعداوته. وأن النيران لا تهدن عنهم. ولا تعدل

 بهم، عنه عذابها. الا بتنكبهم  عن موالاة مخالفيهم، وموازرة شانئيهم. وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ، من أداء الفرائض واجتناب المحارم. ولم يكونوا كهؤلاء الكافرين بك، أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، من تحت شجرها ومسكنها.

كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً، قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ، من أنواع الأقذار. وَهُمْ فِيها خالِدُونَ، مقيمون في تلك البساتين والجنان.

و في تفسير فرات بن ابراهيم الكوفي ، قال: حدثنا الحسن بن الحسين الأنصاري، قال: حدثنا حيان بن علي الغنوي، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس- رضي اللّه عنه- وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ (الاية) نزلت في علي وجعفر وحمزة وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب- رضي اللّه عنهم أجمعين-) .

قال بعض الفضلاء: وان أردت تأويل الاية، في بعض بطونها، فاعلم: أن الجنات ثلاثة: جنة الاختصاص الالهي، وهي التي يدخلها الأطفال الذين لم يبلغوا والمجانين الذين ما عقلوا. وأهل الفترات. ومن لم يصل اليه دعوة رسول. والجنة الثانية، جنة ميراث ينالها كل من دخل الجنة، ممن ذكرنا ومن المؤمنين. وهي الأماكن التي كانت معينة لأهل النار، لو دخلوها. والجنة الثالثة، جنة الأعمال.

و هي التي، ينزل الناس فيها، بأعمالهم. فمن كان له من الأعمال أكثر، كان له‏من الجنات، أكثر. وفي شأن هذه الجنة

ورد» عن النبي- صلى اللّه عليه وآله-:

ان الجنة قاع صفصف. ليس فيها عمارة. فأكثروا من غراس الجنة في الدنيا.

قيل: يا رسول اللّه! وما غراس الجنة؟

قال- صلى اللّه عليه وآله-: فهذه الجنة، ما فيها من الأشجار والأنهار والثمرات وغيرها، من الحور والقصور والغلمان والولدان، هي أعمالهم وأخلاقهم ومقاماتهم وأحوالهم. مثّلت وصوّرت في أمثلة وصور مناسبة. ثم ردت اليهم.

و لهذا يقال لهم: انما هي  أعمالكم. ترد إليكم.

و هذه الاية الكريمة، اشارة الى بشارة أهل هذه الجنة، يعني: «بشر الذين» تحققوا بالعلوم والمعارف الايمانية المبنية عليها الأعمال الصالحة والأفعال الحسنة، أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ من أشجار ونخيل وأعناب. وهي صور هذه الأعمال والأفعال. تجري من تحتها الأنهار، أي: أنهار تلك العلوم والمعارف النابتة أصول هذه الأشجار وفروعها منها. كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ هي من صور نتائج أعمالهم. وتنبهوا لما بين الصورة وذي الصورة، من المناسبة والمشابهة، «قالوا هذا» المرزوق في الجنة، بعينه هو «الذي رزقنا من قبل»، في الدنيا. وهذا كما إذا رأيت ليلة في المنام، أنك تشرب اللبن وحصل لك غداتها نوع من العلم، تنبهت لما بين ما رأيته في المنام وبين ما حصل لك من العلم من المشابهة. فان اللبن كما أنه غذاء صالح للأبدان، كذلك العلم، غذاء  صالح للقلوب والأرواح. قلت: هذا ما رأيته البارحة، في المنام. وأتيت بمارزقته في النوم واليقظة، متشابها، أي: يشابه كل واحد منهما  الأخر. وعلى هذا القياس، معنى أُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً. ولَهُمْ فِيها، من صور أبكار المعاني الغيبية التي يقتضيها خصوصيات استعداداتهم، أزواج مطهرة، من ملابسة الأغيار لم يطمثهن انس ولا جان. وَهُمْ فِيها خالِدُونَ أي، دائمون لا يبرحون عنها.

و في قوله: «و هم فيها خالدون»، وان كان لهم بشارة بالدوام والبقاء، ولكن فيه تعريض بشأنهم، أنهم أخلدوا الى أرض هذه الجنة. فلا يبرحون عنها الى ما فوقها.

و لا يترقون الى جنات النعيم. وجنة الذات. (فهم لا يزالون مقيدين بها. بخلاف أهل جنات الصفات. فإنهم وان كانوا غير مترقين الى جنة الذات،)  لكنهم ينزلون الى جنات الأفعال. ويتحظون  بما فيها، من غير تقيد  بها. وأما أهل جنة الذات فلهم السراح  والإطلاق. يظهرون في الجنات كلها. ويتحظون  بما فيها، من غير تقييد بشي‏ء منها- رزقنا اللّه وإياكم معالي الأمور، وهو سبحانه الودود الغفور-.

إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي:

لما كانت الآيات السابقة، مشتملة  على أقسام من التمثيل، عقّب ذلك ببيان حسنه، وما هو الحق له وما هو شرط فيه، من موافقته للممثل له، من الجهة التي تعلق بها التمثيل، في العظم والصغر والشرف والخسة  دون الممثل. فان التمثيل‏انما يصار اليه، لكشف المعنى الممثل له. ورفع الحجاب عنه وابرازه في صورة المشاهد المحسوس، ليساعد فيه الوهم، العقل ويصالحه. فان المعنى الصرف، انما يدركه العقل، مع منازعة من الوهم. لأن من طبعه، ميل الحسن وحب المحاكاة، لما قاله الجهلة، من أن ضرب الممثل بالمحقرات، كالنحل والذباب والعنكبوت والنمل، لا يليق بكلام الفصحاء، من المخلوقين. ويخل بفصاحته.

فكيف يليق بالقرآن الذي تدعون أنه كلام اللّه، بالغ في الفصاحة حد الاعجاز؟

و عن الحسن وقتادة : انه لما ذكر اللّه الذباب والعنكبوت في كتابه. وضرب به للمشركين المثل. ضحك اليهود. وقالوا: ما يشبه  هذا كلام اللّه. فأنزل اللّه سبحانه، هذه الاية.

و قال: ان اللّه لا يترك ضرب المثل، ببعوضة، ما ترك من يستحيى أن يمثل بها، لحقادتها. وقد مثل في الإنجيل، بالنخالة، لمن يقول بالبر. ولا يعمل به، كالمنخل يخرج المنخول المختار. ويمسك النخالة. قال: لا تكونوا كمنخل، يخرج منه الدقيق ويمسك النخالة. كذلك أنتم، تخرج الحكمة من أفواهكم.

و تبقون الغل، في صدوركم. وبالحصاة للقلوب القاسية، حيث قال: قلوبكم كالحصاة، لا ينضجها النار. ولا يلينها الماء. ولا ينسفها الرياح. وبالزنابير، لمقاولة السفهاء، لما في اثارتها من الضرار. قال: لا تثيروا الزنابير، فتلدغكم.

فكذلك لا تخاطبوا السفهاء، فيشتمون.

و «الاستحياء»، من الحياء. وهو انقباض النفس، عن القبيح، مخافة الذم.

و هو الوسط بين الوقاحة التي هي الجرأة على القبائح وعدم المبالاة بها، والخجل الذي هو انحصار النفس، عن الفعل- مطلقا-.و اشتقاقه من الحياة. يقال: حي الرجل، إذا اعتلت قوته الحيوانية. كما يقال: نسى وحشى، إذا اعتلت نساه وحشاه. والنسا- بفتح النون والقصر- عرق يخرج من الورك. فيتبطن الفخذين. ثم يمر بالعرقوب. حتى يبلغ الحافر.

و منه: مرض عرق النسا. والحشا ما احتوت عليه الضلوع. فكأنه جعل الحي لما يعتريه من التغير والانكسار، منتقص  الحياة. كما يقال: فلان هلك أو مات أو ذاب حياء من كذا.

و «استحيى»، بمعنى حي. كاستقر، بمعنى قرّ. ويتعدى بنفسه وبحرف الجر.

يقال: استحييته. واستحييت منه.

و الاية تحتمل الوجهين. وانما أتى بالمزيد، لما في المجرد من توهم نفي الحياة.

و روى ابن كثير، يستحى، بياء واحدة .

و وجهه أنه استثقل اجتماع الياءين، فحذفت إحداهما بعد نقل حركتها، الى ما قبلها.

و لما لم يجز على اللّه تعالى، النغير والخوف والذم، لم يجز وصفه بالحياء اللازم، من نفي الاستحياء المقيد. فانه يفهم منه، ثبوت مطلق الاستحياء كما يدل عليه،

حديث سلمان- رحمة اللّه عليه-  صريحا، حيث قال: قال رسول اللّه- صلى اللّه عليه وآله-: ان اللّه حيي كريم. يستحي إذا رفع اليه العبد يديه، أن يردهما صفرا ، حتى ينزل  فيهما خيرا.

فلا بد أن يراد ما هي سبب عنه، أعني: ترك ما يستحيى عنه. فيكون مجازا من باب اطلاق اسم  السبب، على المسبب. أو يجعل من قبيل الاستعارة التمثيلية بأن يشبه حال اللّه سبحانه، مع ضرب المثل بالمحقرات، بحال المستحي، مع ما يستحي منه. فكما أن المستحي، يترك  ما يستحي منه، كذلك سبحانه، يترك ضرب المثل بالمحقرات.

فإذا نفى ذلك المعنى، صار المعنى: أنه ليس حاله سبحانه، مع ضرب المثل بها، كحال المستحي، مع ما يستحي منه، في الترك. فلا يترك سبحانه، ضرب المثل، كما يترك المستحي، ما يستحى منه.

فان قلت: يلزم حينئذ، وقوع الفعل. فيشكل ذلك من أنه ما وقع في القرآن.

ذكر البعوضة والتمثيل بها. ولا ذكر ما فوقها، إذا أريد به، ما فوقها في الحقارة.

قلت: كما أن للاستحياء، لازما هو ترك المستحى منه، كذلك لعدم الاستحياء لازم هو جواز وقوع الفعل. فانه لا يلزم من عدم السبب، الا جواز وقوع المسبب لا وقوعه.

فيصير المعنى: ان اللّه سبحانه، يجوز أن يقع منه، ضرب المثل، بالبعوضة فما فوقها. ولا شك أن الجواز، لا يستلزم الوقوع.

و يجوز أن يكون هذه العبارة، مما وقعت في كلام الكفرة. فقالوا: أما يستحي رب محمد، أن يضرب مثلا بالذباب والعنكبوت؟ فجاءت هنا، على سبيل المشاكلة. وهي أن يذكر الشي‏ء، بلفظ غيره، لوقوعه في صحبته. كقوله: قالوااقترح شيئا نجد لك طبخة. قلت: اطبخوا لي  جبة وقميصا .

و قد يجاب بأن وقوعها في القرآن، انما هو بالنظر الى هذه الاية. وبأن ترك ضرب المثل بالبعوضة وبما فوقها، يكون بتركهما، جميعا. فهو في قوة السلب الكلي. وهو يرتفع بالإيجاب الجزئي. فليكن صدق نفي تركهما، بوقوع ضرب المثل، بما فوق البعوضة.

و الأول ضعيف. فإنها لم يقع على قصد التمثيل لها. وان تكلف. ويقال:

المراد، أنه لا يستحي أن يضرب بها مثلا، للالهة. فان المتبادر أنها اخبار عما وقع خارجا، عن هذا الكلام.

و الثاني لا يتأتى الا على تقدير أن يراد بما فوقها، ما يفوقها في العظم. مع أن حمله على ما يفوقها في الحقارة وان لم يكن أولى، فلا أقل من أن يكون مساويا.

قال العلامة السبزواري : «المعنى لا يدع ضرب المثل، بالأشياء الحقيرة كالبعوضة، فضلا عما هو أكبر منها، كالذباب والعنكبوت». وما هو أعظم منهما أو كالبعوضة فما فوقها، في الصغر والحقارة. لأن جناح البعوضة أصغر منها. وقد ضرب به المثل. وقد خلق اللّه من الحيوان، ما هو أصغر حجما من البعوضة، بكثير.

أقول: لا يخفى على ما حققنا ما فيه. فانه يدل على أنه ضرب المثل بالبعوضة وما هو أصغر منها. وليس كذلك. وأما

ما روى عن الصادق- عليه السلام-  من أنه قال: انما ضرب اللّه المثل بالبعوضة، لأن البعوضة على صغر حجمها، خلق‏اللّه. فيها جميع ما خلق في الفيل، مع كبره وزيادة عضوين آخرين. فأراد اللّه سبحانه أن ينبه بذلك المؤمنين، على لطف خلقه وعجيب صنيعته .

فلا يدل على أن ضرب المثل بالبعوضة، واقع من اللّه، بل على أنه جاز وقوعه لهذا الوجه. وهذا المعنى وان كان خلاف ما هو المتبادر من لفظ الحديث، لكن يجب أن يصار اليه، عند قيام القرينة.

أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها: في محل النصب. اما على أنه مفعول الفعل المتقدم. أو بنزع الخافض. أو الجر، بتقديره. كما في: اللّه لأفعلن.

و ضرب المثل، اعتماده من ضرب الخاتم. وأصله، إيقاع شي‏ء على شي‏ء.

كضرب الشي‏ء باليد والعصى والسيف ونحوها. وضرب الدراهم، اعتبارا بضربه بالمطرقة. والضرب في الأرض الذهاب فيها. وهو ضربها بالأرجل. وضرب الخيمة، لضرب أوتادها، بالمطرقة. وضرب المثل، هو من ضرب الدراهم.

و هو ذكر شي‏ء، يظهر أثره في غيره.

و الاضطراب، كثرة الذهاب، في الجهات. من الضرب في الأرض.

و «مثلا»، منصوب على أنه مفعول به ليضرب.

و «بعوضة»، بدل منه. أو عطف بيان. أو مفعول ليضرب.

و «مثلا»، حال، تقدمت. لأنه نكرة. أو هما مفعولاه: لتضمينه معنى الجعل.

أو لتجوزه عنه. ويكون «مثلا» مفعوله الثاني. لأنه المناسب، بحسب المعنى.

و قرئ، بعوضة- بالرفع- على أنه خبر مبتدأ محذوف.

و «ما» هذه، ابهامية. تزيد للنكرة إبهاما وعموما، تسد عنها طرق التقييد:

فأما اسم، يقع صفة للنكرة. فمعنى قوله: «مثلا ما»، مثلا أي مثل.و اما زائدة. فيكون حرفا. لأن زيادة الحروف، أولى من زيادة الأسماء، لاستبدادها بالجزئية.

و أيضا، ثبت زيادتها، في نحو، فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ . ووصفيتها لم تثبت. فالحمل على ما ثبت، في موضع الالتباس.

و فائدة «ما» هذه، اما التحقير، نحو، هل أعطيت الا أعطية ما. أو التعظيم، نحو: لأمر ما يسود من يسود. أو التنويع، نحو: أضربه ضربا ما، أي: نوعا من أنواعه، أيها كان.

و يجتمع هذه المعاني، كلها، في الإبهام وتأكيد التنكير، أي: عطية لا تعرف من حقارتها، وأمر مجهول العظمة وضربا مجهولا غير معين.

أو غير ابهامية. بل هي حرف زيدت، لتأكيد معنى آخر، غير التنكير والإبهام.

فهي هنا:

اما لتأكيد ضرب المثل. أو نفي الاستحياء، أي: يضرب المثل، البتّة، أو لا يستحيى البتّة.

و اما موصولة. وذلك بشرط أن يقرأ بعوضة- مرفوعة. ويجعل مع مبتدئه المحذوف، صلة.

و اما موصوفة. والجملة، صفة. ومحلها النصب، على البدلية، أو الاختصاص.

و اما استفهامية، مرفوع المحل، على أنه مبتدأ. وبعوضة خبره. فانه لما قال في رد استبعادهم: ضرب اللّه الأمثال بالمحقرات. ان اللّه لا يستحيى أن يضرب مثلا. لا يبعد أن يقال، معناه للمبالغة، في الرد أن للّه التمثيل بأشياء محقرة، لا يتأتى لكم أن تدركوها، من الحقارة. فيحسن اردافه بما الى آخره.و معناه: أي شي‏ء، البعوضة فما فوقها، حتى لا يمثل بهما. بل له أن يمثل بما هو أحقر من ذلك ونظيره. فلان لا يبالي بإعطاء المئات والألوف من الدينار ما دينار وديناران، حتى لا يعطي.

و اما  زائدة. أو صفة لنكرة. و«بعوضة»، خبر مبتدأ محذوف، أي:

 «مثلا» هو بعوضة.

و «البعوض»، من البعض. وهو القطع، كالبضع. والعضب. ومنه، بعض الشي‏ء. فانه قطعة منه. فمدار هذه الحروف، على القطع، كيفما يترتب. فهو في أصله صفة على فعول، كالقطوع. فغلب على البقة، كالخموش- بفتح الخاء- فانه- أيضا- صفة على فعول، من خمش وجهه، يخمشه، أي: يخدشه. فغلبت عليها.

و «ما» في «ما فوقها»، ان نصبنا  «بعوضة»، كانت معطوفة عليها موصولة.

أو موصوفة، صلتها، أو صفتها، الظرف. وان رفعناها. وجعلنا «ما» الأولى موصولة، أو موصوفة، أو استفهامية، فالثانية معطوفة عليها، أو على «بعوضة».

و ان جعلنا «ما» زائدة، أو صفة نكرة و«بعوضة» خبرا لهو مضمرا، كانت «ما» معطوفة، على «بعوضة».

و ان جوز حذف الموصول، مع بعض الصلة، يجوز أن يكون «ما» في «ما  فوقها»، استفهامية، أي: فما الذي هو فوق البعوضة.

و المعنى: ان للّه التمثيل بالبعوضة، فأي شي‏ء ما هو فوق البعوضة، كالذباب والعنكبوت، حتى لا يمثل به.و حينئذ يكون في غاية الطباق، لكلام الكفرة. هذا إذا لم يكن «ما» الأولى، استفهامية. فإذا كانت هي- أيضا- استفهامية، يكون ترقيا على ترقّ.

و المعنى: ان للّه التمثيل، بأحقر شي‏ء، فأي شي‏ء البعوضة، حتى لا يمثل بها. وبعد ذلك، أي شي‏ء ما فوق البعوضة، كالذباب والعنكبوت، حتى لا يمثل به.

و معنى «ما فوقها»، أي: في الكبر. وهو أوفق لكلام الكفرة. أو في الصغر.

و هو أشد مبالغة في ردهم. وما فوق في الصغر، هو جناحها. كما ضربه- عليه السلام- مثلا للدنيا،

روى عن الترمذي ، عن سهل  بن سعد، عن رسول اللّه- صلى اللّه عليه وآله-: لو كانت الدنيا تعدل عند اللّه جناح بعوضة، ما سقى «منها كافرا»  شربة ماء.

فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ:

 «أما»، بفتح الهمزة وتشديد الميم، في جميع اللغات. الا عند بني تميم.

فإنهم يقولون «أيما»، حرف تفصيل، كإمّا- بكسر الهمزة- مطلقا- عند المبرد.

و «أما» الأولى عند غير المبرد، يفيد تفصيل مجمل متعدد سابق في الذكر- صريحا-. كقولك: جاءني القوم. أما العلماء فكذا. وأما الجهلاء فكذا. أو في الذهن، من غير سبق، ما يدل عليه، بوجه ما. كقولهم في صدور»

 الكتب: أما بعد. أو مع سبقه. كما نحن فيه من الاية. لأن قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي دل على أن ثمة من يداخله شبهة على ما مر ويخطر منه بالبال، مقابله. فيحصل في الذهن، متعدد، يفصله أما. ويتضمن معنى الشرط. ولذلك يجاب بالفاء.قال سيبويه: أما زيد فذاهب. معناه: مهما يكن  من شي‏ء، فزيد ذاهب:

أي: هو ذاهب لا محالة. وانه منه، عزيمة.

ففي تصدير الجملتين به، مبالغة في محمدة المؤمنين ومذمة الكافرين. وكان الأصل، دخول «الفاء» على الجملة. لأنها الجزاء. لكنهم كرهوا ايلائها حرف الشرط. فأدخلوا الخبر. وعوضوا المبتدأ، عن الشرط. «فالذين آمنوا»، مبتدأ.

و «يعلمون»، خبره.

أَنَّهُ الْحَقُّ: في موضع مفعولي «يعلمون» .

و الحق أن «أن» الواقعة بعد العلم، لا يغير معنى الجملة، أي: لا يؤولها الى المفرد. فجزءا  الجملة، منصوبان- محلا- على أنهما مفعولاه .

و «الحق»، في اللغة، الثابت الذي لا يسوغ إنكاره، يعم الأعيان الثابتة والأفعال الصائبة والأقوال الصادقة. من قولهم: حق الامر، إذا ثبت. ومنه: ثوب محقق، محكم النسج. وفي العرف الأخير، يخص الأخيرين. وفي اصطلاح ارباب المعقول، يخص الأخير. فيقولون للأقوال المطابقة للواقع: صادقة وحقة ، باعتبارين.

و الضمير، في «أنه»، للمثل. أو لضربه. أو لترك الاستحياء.

مِنْ رَبِّهِمْ: في محل النصب، على أنه حال من «الحق»، أي: كائنا وصادرا من ربهم. أو من الضمير المستكن. وهو العامل فيه. لكونه مشتقا.و المعنى: انه حق، حال كونه من ربهم.

أو في محل الرفع، على البدلية من الحق.

و يحتمل أن يجعل، ظرفا لغوا، للحق، أو ليعلمون .

وَ أَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ:

انما قال ذلك. ولم يقل: فلا يعلمون، كما هو مقتضى المقابلة. لأن قولهم ذلك، يستلزم عدم علمهم بالحق. فكان كذكره، مبرهنا عليه. لأن مذمتهم بنفي العلم، انما هي للتقصير في أسباب حصوله. بخلاف القول السيّ‏ء. فانه مذموم لذاته.

ما ذا أَرادَ اللَّهُ:

 «ما»، للاستفهام. مرفوع المحل، على أنه مبتدأ.

و «ذا»، بمعنى الذي. موصول. وهو مع صلته، خبره.

أو منصوب المحل، على أنه مفعول «أراد» قدم عليه، وجوبا، لتضمنه معنى:

الاستفهام. وكلمة «ذا»، حينئذ يكون زائدة، لتزيين اللفظ .

و قيل : على التقدير الثاني، يكون «ما»، مع «ذا» كلمة واحدة. بمعنى أي شي‏ء.

و الأصوب، على الأول، رفع جوابه. وعلى الثاني، نصبه. ليشاكل الجواب السؤال.

و يجوز العكس، بناء على التأويل  الأول، بأراد كذا. والثاني، بمراده كذا ليحصل المشاكلة. أو بدونه.و الاستفهام للتعجب والإنكار.

و «الارادة»، ضد الكراهة. وهي مصدر أردت الشي‏ء، إذا طلبته نفسك. ومال اليه قلبك. وفي عرف المتكلمين نزوع النفس وميلانها، الى الفعل، بحيث يحملها عليه. ويقال للقوة التي هي مبدأ النزوع.

و شي‏ء من تلك المعاني، لا يتصور اتصاف الباري تعالى به. ولذلك اختلف في معنى ارادته، فقيل: ارادته لأفعاله. أنه غير ساه  ولا مكره ولأفعال غيره أمره بها. فعلى هذا، لم يكن المعاصي بإرادته.

و قيل : علمه باشتمال الأمر على النظام الأكمل والوجه الأصلح. فانه يدعو القادر الى تحصيله.

و قيل : ترجيح أحد مقدوريه، على الاخر. وتخصيصه بوجه، دون وجه.

أو معنى يوجب هذا الترجيح. وهي أعم من الاختيار. فانه ميل مع تفضيل .

بِهذا مَثَلًا: متعلق «بأراد».

و المشار اليه «بهذا»، هو ما يرجع اليه الضمير، في قوله: أَنَّهُ الْحَقُّ.

و «مثلا»، نصب على التميز. كقولك لمن حمل سلاحا رديئا: كيف ينتفع بهذا سلاحا؟ عن نسبة التعجب والإنكار، الى المشار اليه. إذ لا إبهام فيه، هنا.

لأنه المثل.