سورة النّور الآية 1-20

سورة النّور مدنيّة بلا خلاف. وهي أربع وستّون آية.

بسم الله الرحمن الرحيم‏

في كتاب ثواب الأعمال  بإسناده إلى أبي عبد اللّه- عليه السّلام- قال: حصّنوا أموالكم وفروجكم بتلاوة سورة النّور. وحصّنوا بها نساءكم. فإنّ من أدمن قراءتها في كلّ يوم، أو في كلّ ليلة، لم يزن أحد من أهل بيته أبدا حتّى يموت. فإذا مات، شيّعه إلى قبره سبعون ألف ملك، كلّهم يدعون ويستغفرون له، حتّى يدخل في قبره.

و في مجمع البيان : أبيّ بن كعب، عن النّبيّ- صلّى اللّه عليه وآله- قال: من قرأ سورة النّور، أعطي من الأجر عشر حسنات، بعدد كلّ مؤمنة ومؤمن  فيما مضى وفيما بقي.

و في الكافي : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن النّوفليّ، عن السّكونيّ، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- قال: قال رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وآله-: لا تنزلوا النّساء الغرف. ولا تعلّموهنّ الكتابة. وعلّموهن المغزل وسورة النّور.

عدّة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد، عن عليّ بن أسباط، عن عمّه يعقوب بن‏

 سالم، رفعه قال: قال أمير المؤمنين- عليه السّلام-: لا تعلّموا نساءكم سورة يوسف. ولا تقرؤوهنّ إيّاها. فانّ فيها الفتن. وعلّموهن سورة النّور. فإنّ فيها المواعظ.

و في أصول الكافي : عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابه، عن آدم بن إسحاق، عن عبد الرّزاق بن مهران، عن الحسين  بن ميمون، عن محمّد بن سالم، عن أبي جعفر- عليه السّلام- حديث طويل، يقول فيه- عليه السّلام-: وسورة النّور أنزلت بعد سورة النّساء. وتصديق ذلك أنّ اللّه- عزّ وجلّ- أنزل عليه في سورة النّساء: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ. فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا .

و السّبيل، الّذي قال اللّه - عزّ وجلّ-: سُورَةٌ أَنْزَلْناها- إلى قوله- طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.

سُورَةٌ: أي: هذه سورة، أو فيما أو حينا إليك سورة.

أَنْزَلْناها:

صفتها. ومن نصبها، جعله مفسّرا لناصبها. فلا يكون له محلّ، إلّا إذا قدّر: «اتل»، أو «دونك»، أو نحوه.

وَ فَرَضْناها: وفرضنا ما فيها من الأحكام.

و شدّده  ابن كثير وأبو عمرو، لكثرة فرائضها، أو المفروض عليهم، أو للمبالغة في إيجابها.

وَ أَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ: واضحات الدّلالة.

لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ : فتتّقون المحارم.

و قرئ  بتخفيف الذّال.

الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي:

أي فيما فرضنا أو أنزلنا حكمهما، وهو الجلد. ويجوز أن يرفعا بالابتداء والخبر.

فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ:و الفاء لتضمّنها معنى الشّرط، إذ اللّام بمعنى الّذي.

و قرئتا  بالنّصب، على إضمار فعل يفسّره الظّاهر. وهو أحسن من نصب «سورة» لأجل الأمر. و«الزّان» بلا ياء.

و إنّما قدّم الزّانية، لأنّ الزّنا- في الأغلب- يكون بتعرّضها للّرجل وعرض نفسها عليه. ولأنّ مفسدته تتحقّق بالإضافة إليها. والجلد: ضرب الجلد.

و هو حكم يخصّ بمن ليس بمحصن، لما دلّ على أنّ حد المحصن هو الرّجم.

و في تهذيب الأحكام : يونس بن عبد الرّحمن، عن سماعة، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد اللّه- عليه السّلام-: لا يرجم الرّجل والمرأة، حتّى يشهد عليهما أربعة شهداء على الجماع والإيلاج والإدخال كالميل في المكحلة.

يونس بن عبد الرّحمن ، عن سماعة، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام-، قال: الحرّ والحرّة إذا زنيا، جلد كلّ واحد منهما مائة جلدة. فأمّا المحصن والمحصنة، فعليهما الرّجم.

عنه ، عن عبد اللّه بن سنان قال: قال أبو عبد اللّه- عليه السّلام-: الرّجم في القرآن قوله- تعالى-: [إذا زنى‏]  الشّيخ والشّيخة فارجموهما البتّة. فإنّهما قضيا الشّهوة.

عنه ، عن زرارة، عن أبي جعفر- عليه السّلام- قال: المحصن يرجم. والّذي قد أملك ولم يدخل بها، يجلد مائة جلدة  ونفي سنة.

علي بن إبراهيم»، عن أبيه، عن ابن أبي نجران، عن عاصم بن حميد، عن محمّد بن قيس، عن أبي جعفر- عليه السّلام- قال: قضى أمير المؤمنين- عليه السّلام- في الشّيخ والشّيخة، أن يجلدا مائة. وقضى للمحصن الرّجم. وقضى في البكر والبكرة إذا زنيا، جلد مائة ونفي سنة في غير مصرهما. وهما اللّذان قد أملكا ولم يدخل بها.

محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن إبراهيم بن صالح  بن سعيد، عن محمّد بن حفص،

 عن عبد اللّه بن طلحة، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- قال: إذا زنى الشّيخ والعجوز، جلدا، ثمّ رجما، عقوبة لهما. وإذا زنى النّصف من الرّجال، رجم، ولم يجلد، إذا كان قد أحصن. وإذا زنى الشّابّ الحدث السّنّ، جلد، ونفي سنة من مصره.

عليّ بن إبراهيم ، عن أبيه، عن عمرو بن عثمان، عن إبراهيم بن الفضل، عن أبان بن تغلب، قال:

 

قال أبو عبد اللّه- عليه السّلام-: «إذا زنى المجنون أو المعتوه ، جلد الحدّ. وإن كان محصنا، رجم.

قلت: وما الفرق بين المجنون والمجنونة، والمعتوه والمعتوهة؟ فقال: المرأة إنّما تؤتى والرّجل يأتي. وإنّما يأتي إذا عقل كيف يأتي اللّذّة. وإنّ المرأة إنّما تستكره ويفعل بها، وهي لا تعقل ما يفعل بها.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم : والزّنا على وجوه. والحدّ فيه على وجوه.

فمن ذلك أنّه أحضر عمر بن الخطّاب ستّة نفر أخذوا بالزّنا. فأمر أن يقام على كلّ واحد منهم الحدّ.

و

كان أمير المؤمنين- صلوات اللّه عليه- جالسا عند عمر. فقال: يا عمر، ليس هذا حكمهم. قال: فأقم أنت عليهم الحدّ. فقدّم واحدا منهم، فضرب عنقه. وقدم الثّاني، فرجمه. وقدم الثّالث، فضربه الحدّ. وقدّم الرّابع، فضربه نصف الحدّ. وقدّم الخامس، فعزّره. وأطلق السّادس .

فتعجّب عمر وتحيّر النّاس. فقال عمر: يا أبا الحسن، ستّة نفر في قضيّة واحدة، أقمت عليهم خمس عقوبات، وأطلقت واحدا ]!؟ ليس منها حكم يشبه الآخر! فقال: نعم. أمّا الأوّل، فكان ذمّيّا زنى بمسلمة، فخرج عن ذمّته. فالحكم فيه بالسّيف . وأمّا الثّاني، فرجل محصن زنى، فرجمناه. وأمّا الثّالث، فغير محصن، فحددناه.

و أمّا الرّابع، فرقّ  زنى، فضربناه نصف الحدّ. وأمّا الخامس، فكان منه ذلك الفعل‏

بالشّبهة، فعزّرناه وأدّبناه. وأمّا السّادس، فمجنون مغلوب على عقله، سقط منه التّكليف.

و في الكافي : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن أبان، عن زرارة، عن أبي جعفر- عليه السّلام- قال: يضرب الرّجل الحدّ قائما، والمرأة قاعدة.

و يضرب كلّ عضو، ويترك الرّأس والمذاكير.

عليّ بن إبراهيم ، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن يونس، عن إسحاق بن عمّار قال: سألت أبا إبراهيم- عليه السّلام- عن الزّاني كيف يجلد. قال: أشدّ الجلد.

قلت: فمن فوق ثيابه؟ قال: بل تخلع  ثيابه.

قلت: فالمفتري؟ قال: يضرب بين الضّربين، جسده كلّه فوق ثيابه.

أبو عليّ الأشعريّ ، عن محمّد بن عبد الجبّار عن صفوان [بن يحيى‏] ، عن إسحاق بن عمّار، قال سألت: أبا إبراهيم- عليه السّلام- عن الزّاني كيف يجلد قال:

أشدّ الجلد. فقلت: فوق الثّياب؟ فقال: بل يجرّد.

وَ لا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ: رحمة.

فِي دِينِ اللَّهِ: في طاعته وإقامة حدّه، فتعطّلوه، أو تسامحوا فيه.

و قرأ  ابن كثير بفتح الهمزة.

و قرئت  بالمدّ على فعالة.

إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ:

فإنّ الإيمان يقتضي الجدّ في طاعة اللّه والاجتهاد في إقامة أحكامه، وهو من باب التّهييج.

وَ لْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ :

زيادة في التّنكيل. فإنّ التّفضيح قد ينكل أكثر ممّا ينكل التّعذيب.

و الطّائفة، فرقة يمكن أن يكون حافّة حول شي‏ء، من الطّواف.قيل : وأقلّها ثلاثة.

و قيل : واحد أو اثنان.

و قيل : أربعة. لأنّ أقلّ ما يثبت به الزّنا شهادة أربعة.

و قيل : ليس لهم عدد محصور، بل هو موكول إلى رأي الإمام. والمقصود أن يحضر جماعة يقع لهم إذاعة الحدّ، ليحصل الاعتبار.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم : في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر- عليه السّلام- في قوله: وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما يقول: ضربهما طائفة من المؤمنين، يجمع لهما النّاس إذا جلدوا.

و لآي تهذيب الأحكام : الحسين بن سعيد، عن ابن محبوب عن حمّاد بن زياد، عن سليمان بن خالد- وذكر حديثا طويلا. ثمّ قال:

 

عنه، عن محمّد بن يحيى، عن غياث بن إبراهيم، عن جعفر، عن أبيه، عن أمير المؤمنين- عليه السّلام- في قول اللّه- عزّ وجلّ-: وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ.

قال: في إقامة الحدود. وفي قوله- تعالى-: لْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. قال:

الطّائفة واحد.

و في عوالي اللآلي  عن الباقر- عليه السّلام-: انّ أقلّ الطّائفة الحاضرة للحدّ، هي الواحد.

الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ:

إذ الغالب أنّ المائل إلى الزّنا، لا يرغب في نكاح الصّوالح، والمسافحة لا يرغب فيها الصّلحاء. فإنّ المشاكلة علّة الألفة والتّضامّ، والمخالفة سبب النّفرة والافتراق.

قيل : وكان حقّ المقابلة أن يقال: والزّانية لا تنكح إلّا من هو زان أو مشرك.

لكنّ المراد بيان أحوال الرّجال في الرّغبة فيهنّ. لأنّ الآية نزلت في ضعفة المهاجرين، لمّا همّوا أن يتزوّجوا بغايا يكرين أنفسهنّ لينفقن عليهم من أكسابهنّ على عادة الجاهليّة.

و لذلك قدّم الزّاني.

و في الكافي : عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر،

 عن داود بن سرحان، عن زرارة قال: سألت أبا عبد اللّه- عليه السّلام- عن قول اللّه- عزّ وجلّ-: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً، قال:

هنّ نساء مشهورات بالزّنا، ورجال مشهورون بالزّنا، شهروا به  وعرفوا به. والنّاس اليوم بذلك المنزل. فمن أقيم عليه حدّ الزّنا أو متّهم بالزّنا، لم ينبغ لأحد أن يناكحه، حتّى يعرف منه التّوبة.

محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن إسماعيل، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الصّباح الكنانيّ قال: سألت أبا عبد اللّه- عليه السّلام- عن قول اللّه- عزّ وجلّ-: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً. فقال:

كنّ نسوة مشهورات بالزّنا، ورجال مشهورون بالزّنا، قد عرفوا بذلك. والنّاس اليوم بتلك المنزلة. فمن أقيم عليه حدّ الزنا، أو شهّر به، لم ينبغ لأحد أن يناكحه، حتّى يعرف منه التّوبة.

الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد، عن الحسن بن عليّ، عن أبان بن عثمان، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- عليه السّلام- في قول اللّه- عزّ وجلّ-: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً. قال:

هم رجال ونساء كانوا على عهد رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وآله- مشهورين بالزّنا. فنهى اللّه عن أولئك الرّجال والنّساء. والنّاس اليوم على تلك المنزلة. من شهر شيئا من ذلك، أو أقيم عليه الحدّ، فلا تزوّجوه حتّى تعرف توبته.

محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن معاوية بن وهب قال: سألت أبا عبد اللّه- عليه السّلام- عن رجل تزوّج امرأة، فعلم بعد ما تزوّجها أنّها كانت زنت. قال: إن شاء زوجها أن يأخذ الصّداق ممّن زوجها، ولها الصّداق بما استحلّ من فرجها. وإن شاء تركها.

حميد بن زياد ، عن الحسن بن محمّد بن سماعة، عن أحمد بن الحسن الميثميّ، عن أبان، عن حكم بن حكيم، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- في قول اللّه- عزّ وجلّ-:الزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ. قال: إنّما ذلك في الجهر. ثمّ قال: لو أنّ إنسانا زنى، ثمّ تاب، تزوّج حيث شاء.

وَ حُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ :

قيل : لأنّه تشبّه بالفسّاق، وتعرّض للتّهمة، وتسبّب لسوء المقالة والطّعن في النّسب، وغير ذلك من المفاسد. ولذلك عبّر عن التّنزيه بالتّحريم، مبالغة.

و قيل : النّفي بمعنى النّهي. وقد قرئ به. والحرمة على ظاهرها. والحكم مخصوص بالسّبب الّذي ورد فيه، أو منسوخ بقوله- تعالى-: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ . فإنّه يتناول المسافحات. ويؤيّده‏

أنّه- صلّى اللّه عليه وآله- سئل عن ذلك، فقال: أوّله سفاح. وآخره نكاح. والحرام لا يحرّم الحلال.

قال البيضاويّ: وقيل : المراد بالنّكاح: الوطء. فيؤول إلى نهي الزّاني عن الزّنا إلّا بزانية، والزّانية لا يزني بها إلّا زان. وهو فاسد.

أقول: مراد من قال: «إنّ المراد بالنّكاح الوطء» أنّهما اشتركا في الزّنا، فهي مثله.

و هو ليس بفاسد كما توهّمه.

و في أصول الكافي : عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابه، عن آدم بن إسحاق، عن عبد الرّزّاق بن مهران، عن الحسين بن ميمون، عن محمّد بن سالم، عن أبي جعفر- عليه السّلام- حديث طويل، يقول فيه- عليه السّلام-: وأنزل بالمدينة: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ. فلم يسمّ اللّه الزّاني مؤمنا، ولا الزّانية مؤمنة.

و قال رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وآله-: ليس يمتري فيه أهل العلم أنّه قال لا يزني الزّاني حين يزني، وهو مؤمن. ولا يسرق السّارق حين يسرق، وهو مؤمن. فإنّه إذا فعل ذلك، خلع عنه الإيمان كخلع القميص.

و في الكافي : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن إسماعيل قال: سأل رجل أبا الحسن الرّضا- عليه السّلام- وأنا أسمع- عن رجل تزوّج المرأة متعة، ويشترطعليها أن لا يطلب ولدها، فتأتي بعد ذلك بولد، فشدّد في إنكار الولد، وقال: أ تجحده» إعظاما لذلك؟ فقال الرّجل: فإنّى  أتهمها فقال:

لا ينبغي لك أن تتزوّج إلّا مؤمنة أو مسلمة. فإنّ اللّه- عزّ وجلّ- يقول: [الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ.

و رواه في الاستبصار  كذلك، إلّا أنّ فيه: لا ينبغي لك أن تتزوّج إلّا مأمونة. إنّ اللّه- تعالى- يقول:] - إلى آخره.

وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ، أي: يقذفون العفائف [من النّساء بالفجور والزّنا.

و المراد بالإحصان هاهنا: إحصان الفرج بالعفّة. لأنّ ذلك حكم قذف مطلق العفائف‏]  مزوّجة وغير مزوّجة. كما يأتي في الأخبار.

ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ، أي: ثمّ لم يأتوا على صحّة ما رموهنّ به من الزّنا، بأربعة عدول يشهدون أنّهم رأوهنّ يفعلن ذلك.

فَاجْلِدُوهُمْ: أي الّذين يرمونهنّ بالزّنا ثَمانِينَ جَلْدَةً: حدّا لقذفهم ورميهم بالزّنا.

و في كتاب علل الشّرائع  بإسناده إلى عليّ بن أشيم عمّن رواه عن أصحابه، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- أنّه قيل له: لم جعل في الزّنا أربعة من الشّهود وفي القتل شاهدان؟ فقال:

إنّ اللّه- عزّ وجلّ- أحلّ لكم المتعة، وعلم أنّها ستنكر  عليكم. فجعل الأربعة الشّهود احتياطا لكم. لولا ذلك، لأتي عليكم. وقلّ ما يجتمع أربعة شهادة بأمر واحد.

حدّثنا محمّد بن الحسن - رحمه اللّه- قال حدّثنا محمّد بن الحسن الصّفّار، عن العّباس بن معروف، عن عليّ بن مهزيار، عن عليّ بن أحمد بن محمّد، عن أبيه، عن‏

 إسماعيل بن [حمّاد بن‏]  أبي حنيفة [عن أبيه حماد] ، عن [أبيه‏]  أبي حنيفة، قال: قلت لأبي عبد اللّه- عليه السّلام-: أيّهما أشدّ: الزّنا أم القتل؟ قال: فقال: القتل.

قال: فقلت: فما بال القتل جاز فيه شاهدان، ولا يجوز في الزّنا إلّا أربعة؟ فقال لي:

ما عندكم فيه يا أبا حنيفة؟

قال: قلت ما عندنا فيه إلّا حديث عمر، أنّ اللّه أجرى في الشّهادة كلمتين على العباد. قال: ليس كذلك يا أبا حنيفة. ولكنّ الزّنا فيه حدّان. ولا يجوز أن يشهد كلّ اثنين على واحد، لأنّ الرّجل والمرأة جميعا عليهما الحدّ. والقتل، إنّما يقام الحدّ على القاتل ويدفع عن المقتول.

و في تهذيب الأحكام : [سهل بن زياد، عن‏]  ابن محبوب، عن نعيم بن إبراهيم، عن عبّاد البصريّ، عن جعفر بن محمّد- عليهما السّلام- قال: إذا قذف الرّجل الرّجل، فقال:

إنّه ليعمل  عمل قوم لوط، ينكح  الرّجال؟ قال: يجلد حدّ القاذف، ثمانين جلدة.

الحسين بن سعيد ، عن النّضر بن سويد، عن القاسم بن سليمان، عن أبي مريم الأنصاريّ قال: سألت أبا جعفر- عليه السّلام- عن الغلام لم يحتلم، يقذف الرّجل، هل يجلد قال: لا. قال: وذاك لو أنّ رجلا قذف الغلام، لم يجلد.

سهل بن زياد ، عن ابن أبي نصر، عن عاصم بن حميد، عن أبي نصر، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- في الرّجل، يقذف الصّبيّة يجلد. قال: لا، حتّى تبلغ.

الحسن بن محبوب ، عن عبد العزيز العبديّ، عن عبيد بن زرارة قال: سمعت أبا عبد اللّه- عليه السّلام- يقول: لو أتيت برجل قذف عبدا مسلما بالزّنا، لا يعلم منه إلّا خيرا، لضربته الحدّ حدّ الحرّ، إلّا سوطا.

عليّ بن إبراهيم ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- قال: إذا قذف العبد الحرّ، جلد ثمانين. وقال: هذا من حقوق‏النّاس.

أحمد بن محمّد ، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة قال: سألته عن المملوك يفتري على الحرّ. قال: عليه ثمانون. قلت: فإذا زنى؟ قال: يجلد خمسين.

يونس  [بن عبد الرّحمن‏] ، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- أنّه نهى عن قذف من ليس على الإسلام، إلّا أن يطّلع على ذلك منهم. وقال: أيسر ما يكون، أن يكون قد كذب.

محمّد بن الحسن الصّفّار ، عن الحسين  بن عليّ، عن يونس بن عبد الرّحمن، عن أبي بكر الحضرميّ، عن أبي جعفر- عليه السّلام- قال: قلت: جعلت فداك، ما تقول في الرّجل يقذف بعض جاهليّة العرب؟ قال: يضرب الحدّ. إنّ ذلك يدخل على رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وآله.

 

و في عيون الأخبار ، في باب ما كتب به الرّضا- عليه السّلام- إلى محمّد بن سنان في جواب مسائله في العلل: وعلّة ضرب القاذف وشارب الخمر ثمانين جلدة، لأنّ في القذف نفي الولد وقطع النّسل وذهاب النّسب. وكذلك شارب الخمر، لأنّه إذا شرب هذى. وإذا هذى، افترى. فوجب [عليه‏]  حدّ المفتري.

و في الكافي : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن درّاج، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- قال: سألته عن رجل افترى على قوم جماعة. قال: إن أتوا به مجتمعين، ضرب حدّا واحدا. وإن أتوا به متفرّقين، ضرب لكلّ واحد منهم حدّ.

محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد عن عليّ بن الحكم عن أبان بن عثمان عن الحسن العطّار، قال: قلت لأبي عبد اللّه- عليه السّلام-: رجل قذف قوما.

قال: قال: بكلمة واحدة؟ قلت: نعم. قال: يضرب حدّا واحدا. فإنّ فرّق بينهم‏بالقذف، ضرب لكلّ واحد منهم حدّا.

وَ لا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً: أيّ شهادة كانت، لأنّه مفتر.

و قيل : شهادتهم في القذف.

أَبَداً ما لم يتب.

و في الاستبصار : عن إسماعيل بن زياد، عن الصّادق، عن الباقر- عليهما السّلام- أنّ عليّا- عليه السّلام- قال: ليس بين خمس نساء و[بين‏]  أزواجهنّ ملاعنة- إلى قوله:- والمجلود في الفرية. لأنّ اللّه- تعالى- يقول: وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم : حدّثني أبي، عن حمّاد، عن حريز، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- قال: القاذف يجلد ثمانين جلدة، ولا تقبل شهادته  أبدا، إلّا بعد التّوبة أو يكذّب نفسه.

وَ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ : المحكوم بفسقهم.

و في أصول الكافي»: عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابه، عن آدم بن إسحاق، عن عبد الرّزّاق بن مهران، عن الحسين بن ميمون، عن محمّد بن سالم، عن أبي جعفر- عليه السّلام- حديث طويل، يقول فيه- عليه السّلام-: ونزل بالمدينة: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ- إلى قوله:- غَفُورٌ رَحِيمٌ. فبرّأه اللّه ما كان مقيما على الفرية من أن يسمّى بالإيمان. قال اللّه - عزّ وجلّ-: [أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ.

و جعله اللّه منافقا. قال اللّه - عزّ وجلّ:]  إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ.

و جعله اللّه من أولياء إبليس، قال : إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ.و جعله ملعونا، فقال : إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ. وليس  تشهد الجوارح على مؤمن. إنّما تشهد على من حقّت عليه كلمة العذاب. فأمّا المؤمن فيعطى كتابه بيمينه. قال اللّه - عزّ وجلّ-: فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا.

 

إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عن القذف.

في الكافي : عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن زرعة، عن سماعة قال: سألته عن شهود الزّور. قال: فقال: يجلدون حدّا ليس له وقت. وذلك إلى الإمام ويطاف بهم، حتّى تعرفهم  النّاس.

و أمّا قول اللّه- عزّ وجلّ-: وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً ... إِلَّا الَّذِينَ تابُوا. قال:

قلت: كيف تعرف توبته؟ قال: يكذّب نفسه على رؤوس الخلائق ، حتّى يضرب ويستغفر ربّه . وإذا فعل ذلك فقط ظهرت توبته.

أحمد بن محمّد ، عن الحسين بن سعيد، عن النّضر بن سويد وحمّاد، عن القاسم بن سليمان، قال: سألت أبا عبد اللّه- عليه السّلام- عن الرّجل، يقذف الرّجل فيجلد حدّا، ثمّ يتوب ولا يعلم منه إلّا خيرا، أ تجوز شهادته؟ قال: نعم. ما يقال عندكم؟

قلت: يقولون توبته فيما بينه وبين اللّه، ولا تقبل شهادته أبدا. فقال: بئس ما قالوا.

كان أبي يقول: إذا تاب ولم يعلم منه إلّا خيرا، جازت شهادته.

و في مجمع البيان : وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تابُوا. واختلف في هذا الاستثناء إلى ما ذا يرجع على قولين:أحدهما أنّه يرجع إلى الفسق [خاصّة دون قوله: وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً.

فيزول  عنه اسم‏]  الفسق بالتّوبة، ولا تقبل شهادته- إلى قوله:

و الآخر

أنّ الاستثناء يرجع إلى الأمرين. فإذا تاب، قبلت شهادته، حدّ أو لم يحدّ.

عن ابن عبّاس- إلى قوله:- وهو قول أبي جعفر وأبي عبد اللّه- عليهما السّلام.

وَ أَصْلَحُوا أعمالهم بالتّدارك. ومنه الاستسلام للحدّ، أو الاستحلال من المقذوف.

قيل : والاستثناء راجع إلى أصل الحكم، وهو اقتضاء الشّرع لهذه الأمور ، ولا يلزم سقوط الحدّ به كما قيل. لأنّ من تمام التّوبة الاستسلام له، أو الاستحلال. ومحلّ المستثنى النّصب [على الاستثناء.

و قيل : إلى النهي. ومحلّه الجرّ على البدل من هم في «لهم».

و قيل : إلى الأخيرة ومحلّه النصب‏] ، لأنّه عن  موجب.

و قيل:  منقطع، متّصل بما بعده.

فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ :

علّة للاستثناء.

وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ:

نزلت في هلال بن أميّة، رأى رجلا على فراشه. و«أنفسهم» بدل من «شهداء» أو صفة ل «هم»، على أنّ «إلّا» بمعنى غير.

فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ:

فالواجب شهادة أحدهم، أو فعليهم شهادة أحدهم.

و «أربع» نصب على المصدر. وقد رفعه حمزة والكسائيّ وحفص ، على‏]  أنّه خبر شهادة.

بِاللَّهِ:

متعلّق ب «شهادات» لأنّها أقرب.

و قيل : ب «شهادة» لتقدّمها.

إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ :

أي: فيما رماها به من الزّنا. وأصله: على أنّه. فحذف الجارّ، وكسرت إنّ، وعلّق العامل عنه، وعوّض باللّام تأكيدا.

وَ الْخامِسَةُ: والشّهادة الخامسة أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ  في الرّمي.

و قرأ  نافع ويعقوب بالتّخفيف في الموضعين [و رفع «لعنة»] .

هذا لعان الرّجل، وحكمه سقوط حدّ القذف عنه. وهذا حكم خصّ اللّه به الأزواج في قذف نسائهم. فتقوم الشّهادات الأربع، مقام الشهود الأربعة في دفع القذف عنهم.

في الكافي : عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن المثنّى ، عن زرارة، قال: سئل أبو عبد اللّه- عليه السّلام- عن قول اللّه- عزّ وجلّ-: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ. قال:

هو القاذف  الّذي يقذف امرأته. فإذا قذفها، ثمّ أقرّ أنّه  كذب عليها، جلد الحدّ، وردّت إليه امرأته. وإن أبى إلّا أن يمضي، فليشهد عليها أربع شهادات باللّه إنّه لمن الصّادقين. والخامسة يلعن فيها نفسه إن كان من الكاذبين.

و إن أرادت أن تدرأ عن نفسها العذاب- والعذاب هو الرّجم- شهدت أربع شهادات باللّه إنّه لمن الكاذبين. والخامسة أن غضب اللّه عليها إن كان من الصّادقين. فإن لم تفعل، رجمت. وإن فعلت، درأت عن نفسها الحدّ، ثمّ لا تحلّ له إلى يوم القيامة.

 [قلت: أ رأيت إن فرّق بينهما ولها ولد فمات؟ قال: ترثه أمّه. وإن ماتت أمّه، ورثه أخواله. ومن قال إنّه ولد زنا، جلد الحدّ.

قلت: يردّ إليه الولد إذا أقرّبه؟ قال: لا، ولا كرامة. ولا يرث الابن ويرثه‏الابن.]

 

عليّ بن إبراهيم ، عن أبيه، عن الحسين بن سيف، عن محمّد بن سليمان، عن أبي جعفر الثّاني- عليه السّلام- قال: قلت: له: كيف صار الزّوج إذا قذف امرأته، كانت شهادته أربع شهادات باللّه؟

و كيف لا يجوز ذلك لغيره؟ وصار إذا قذفها غير الزّوج، جلد الحدّ، ولو كان ولدا أو أخا؟

فقال: قد سئل [أبو]» جعفر- عليه السّلام- عن هذا. فقال: ألا ترى أنّه إذا قذف الزّوج امرأته، قيل له: وكيف علمت أنّها فاعلة؟ فإن قال رأيت ذلك منها بعيني، كانت شهادته أربع شهادات باللّه. وذلك أنّه قد يجوز للرّجل أن يدخل المدخل في الخلوة الّتي لا يصلح  لغيره أن يدخلها، ولا يشهدها ولد ولا والد في اللّيل والنّهار. فلذلك صارت شهادته أربع شهادات [باللّه‏]  إذا قال: رأيت ذلك بعيني. وإذا قال: إنّي لم أعاين، صار قاذفا [في حدّ غيره‏] ، وضرب الحدّ، إلّا أن يقيم عليها البيّنة.

و إن زعم غير الزّوج إذا قذف وادّعى أنّه رآه بعينه، قيل له: وكيف رأيت ذلك؟

و ما أدخلك ذلك المدخل الّذي رأيت فيه هذا وحدك؟ أنت متّهم في دعواك. فإن كنت صادقا، فأنت  في حدّ التّهمة. فلا بدّ من أدبك بالحدّ الّذي أوجبه اللّه عليك.

قال: وإنّما صارت شهادة الزّوج أربع شهادات [باللّه‏]  لمكان الأربعة شهداء، مكان كلّ شاهد يمين .

و في عوالي اللآلي  روي في الحديث أنّ هلال بن أميّة، قذف زوجته بشريك بن السّحماء . فقال النّبيّ- صلّى اللّه عليه وآله-: البيّنة، وإلّا حدّ في ظهرك. فقال: يا رسول اللّه، يجد أحدنا مع امرأته رجلا يلتمس البيّنة!؟ فجعل رسول اللّه- صلّى اللّه عليه‏و آله- يقول: البيّنة وإلّا حدّ  في ظهرك. فقال: والّذي بعثك بالحقّ إنّني صادق ، وسينزل اللّه ما يبرّئ ظهري من الجلد. فنزل قوله- تعالى-: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ (الآية).

وَ يَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ- أي: الحدّ- أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ  فيما رماني به.

وَ الْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ  في ذلك.

و رفع الخامسة بالابتداء، وما بعدها الخبر. أو بالعطف على «أن تشهد». ونصبها  حفص عطفا على «أربع».

و قرأ  نافع: «أن غضب اللّه» بكسر الضّاد وفتح الباء، ورفع «اللّه».

و في الكافي : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن عبد الرّحمن بن الحجّاج قال: إنّ عبّاد البصريّ سأل أبا عبد اللّه عليه السّلام- وأنا حاضر-: كيف يلاعن الرّجل المرأة؟ فقال أبو عبد اللّه- عليه السّلام-:

إنّ رجلا من المسلمين أتى رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وآله- فقال: يا رسول اللّه، أ رأيت لو أنّ رجلا دخل منزله، فوجد مع امرأته رجلا يجامعها، ما كان يصنع؟ قال:

فأعرض عنه رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وآله. فانصرف الرّجل. وكان ذلك الرّجل، هو الّذي ابتلي بذلك من امرأته.

قال : فنزل الوحي من عند اللّه- عزّ وجلّ- بالحكم فيهما. فأرسل رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وآله- إلى ذلك الرّجل. فدعاه، فقال له: أنت الّذي رأيت مع امرأتك رجلا؟ فقال: نعم. فقال له: انطلق، فأتني بامرأتك، فإنّ اللّه قد أنزل الحكم فيك وفيها.

قال: فأحضرها زوجها، وأوقفهما رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وآله. ثمّ قال للزّوج:

اشهد أربع شهادات باللّه إنّك لمن الصّادقين، فيما رميتها به. قال: فشهد. ثمّ قال له: اتّق اللّه، فإنّ لعنة اللّه شديدة. ثمّ قال له: اشهد الخامسة أنّ لعنة اللّه عليك إن كنت من الكاذبين. قال: فشهد. قال: فأمر به فنحي.ثمّ قال للمرأة: اشهدي أربع شهادات باللّه إنّ زوجك لمن الكاذبين فيما رماك به.

قال: فشهدت. ثمّ قال لها: أمسكي. فوعظها وقال لها: اتّقي اللّه، فإنّ غضب اللّه شديد.

ثمّ قال لها: اشهدي الخامسة أنّ غضب اللّه عليك، إن كان زوجك من الصّادقين فيما رماك به. قال: فشهدت. ففرّق بينهما وقال لهما: لا تجتمعا بنكاح أبدا  بعد ما تلاعنتما.

الحسن بن محبوب ، عن عبّاد بن صهيب، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- في رجل أوقفه الإمام للعان، فشهد شهادتين ثمّ نكل، فأكذب نفسه قبل أن يفرغ من اللّعان.

قال: يجلد حدّ القاذف، ولا يفرّق بينه وبين امرأته.

عليّ بن إبراهيم ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- قال: إذا قذف الرّجل امرأته، فإنّه لا يلاعنها حتّى يقول: رأيت بين رجليها رجلا يزني بها.

قال: وسئل عن الرّجل يقذف امرأته. قال: يلاعنها ثمّ يفرّق بينهما، فلا تحلّ له أبدا.

فإذا أقرّ على نفسه قبل الملاعنة، جلد حدّا وهي  امرأته.

قال: وسألته عن المرأة الحرّة، يقذفها زوجها وهو مملوك. قال: يلاعنها، [ثم يفرّق بينهما، فلا تحلّ له ابدا. فإن أقرّ على نفسه بعد الملاعنة، جلد حدّا وهي امرأته‏] .

قال: وسألته عن الحرّ تحته أمة، فيقذفها. قال: يلاعنها.

قال: وسألته عن المرأة  الّتي يرميها زوجها وينتفي من ولدها ويلاعنها ويفارقها، ثمّ يقول بعد ذلك: «الولد ولدي» ويكذّب نفسه. فقال: أمّا المرأة، فلا ترجع إليه أبدا. وأمّا الولد، فإنّي أردّه إليه إذا ادّعاه ولا أدعّ ولده. وليس له ميراث. ويرث الابن الأب، ولا يرث الأب الابن. ويكون ميراثه لأخواله. فإن لم يدّعه أبوه، فإنّ أخواله  يرثونه ولا يرثهم.

و إن دعاه أحد ابن الزّانية، جلد الحدّ.

الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد، عن الحسن بن عليّ الوشاء ، عن أبان، عن‏

 محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- عليه السّلام- قال: لا تكون الملاعنة ولا الإيلاء إلّا بعد الدّخول.

عليّ بن إبراهيم ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن درّاج، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- قال: سألته عن الحرّ، بينه وبين المملوكة لعان. فقال: نعم. وبين المملوك والحرّة، وبين العبد والأمة، وبين المسلم واليهوديّة والنّصرانيّة. ولا يتوارثان ولا يتوارث الحرّ والمملوكة.

عليّ بن إبراهيم ، عن أبيه، [عن ابن أبي عمير] ، عن حمّاد عن الحلبي ومحمّد بن مسلم [عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- في رجل قذف امرأته، وهي خرساء. قال: يفرّق بينهما.

محمد بن يحيى ]  عن العمركيّ بن عليّ، عن عليّ بن جعفر، عن أخيه أبي الحسن- عليه السّلام- قال: سألته عن رجل لاعن امرأته، فحلف أربع شهادات باللّه، ثمّ نكل في الخامسة.

قال: إن نكل في الخامسة، فهي امرأته وجلد. وإن نكلت المرأة عن ذلك، إذا كانت اليمين عليها، فعليها مثل ذلك.

قال: وسألته عن الملاعنة، قائما يلاعن أو قاعدا. قال: الملاعنة، وما أشبهها من قيام.

و في أصول الكافي : عدّة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن بعض أصحابه، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- قال: قال رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وآله-: ثلاث من كنّ فيه، كان منافقا، وإن صام وصلّى، وزعم أنّه مسلم: من إذا اؤتمن، خان، وإذا  حدّث، كذب، وإذا وعد، أخلف. إنّ اللّه- عزّ وجلّ- قال في كتابه : إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ وقال: أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ.و في قوله - تعالى-: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم»

: وأمّا قوله- عزّ وجلّ-: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ- إلى قوله تعالى:- إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ، فإنّها نزلت في اللّعان.

و كان سبب ذلك أنّه‏

لمّا رجع رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وآله- من غزوة تبوك، جاء إليه عويمر بن ساعدة العجلانيّ- وكان من الأنصار- فقال: يا رسول اللّه، إنّ امرأتي زنى بها شريك بن السّمحاء، وهي منه حامل. فأعرض عنه رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وآله. فأعاد عليه القول. فأعرض عنه. حتّى فعل ذلك أربع مرّات.

فدخل رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وآله- منزله، فنزلت عليه آية اللّعان. فخرج رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وآله- وصلّى بالنّاس العصر. ثم قال لعويمر: ائتني بأهلك، فقد أنزل اللّه- عزّ وجلّ- فيكما قرآنا. فجاء إليها، فقال لها: رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وآله- يدعوك. وكانت في شرف من قومها. فجاء معها جماعة.

فلمّا دخلت المسجد، قال رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وآله- لعويمر: تقدّما الى المنبر والتعنا. فقال: كيف أصنع؟ فقال: تقدّم، وقل: أشهد باللّه إنّي  لمن الصّادقين فيما رميتها به. فتقدّم وقالها. فقال رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وآله-: أعدها. فأعادها. حتّى فعل ذلك أربع مرّات. فقال له في الخامسة: عليك لعنة اللّه إن كنت من الكاذبين فيما رميتها به. فقال في الخامسة، أنّ لعنة اللّه عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به.

ثم قال رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وآله-: إنّ اللّعنة موجبة  إن كنت كاذبا. ثم قال له: تنحّ. فتنحّى .

ثم قال لزوجته: تشهدين كما شهد، وإلّا أقمت عليك حدّ اللّه. فنظرت في وجوه قومها. فقالت: لا أسوّد هذه الوجوه في هذه العشيّة. فتقدّمت إلى المنبر. وقالت: أشهد باللّه إنّ عويمر بن ساعدة من الكاذبين فيما رماني به. فقال لها رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وآله-: أعيديها. فأعادتها، حتّى أعادتها أربع مرّات. فقال لها رسول اللّه- صلّى اللّه عليه‏و آله-: العني نفسك في الخامسة، إن كان من الصّادقين فيما رماك به. فقالت في الخامسة، أنّ غضب اللّه عليها إن كان من الصّادقين فيما رماني به. فقال رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وآله-: ويلك إنّها موجبة إن كنت كاذبة.

ثم قال رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وآله- لزوجها: اذهب، فلا تحلّ لك أبدا. قال:

يا رسول اللّه، فما لي الّذي أعطيتها؟ قال: إن كنت كاذبا، فهو أبعد لك منه. وإن كنت صادقا، فهو لها بما استحللت من فرجها. ثم قال رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وآله- إن جاءت بالولد أحمش السّاقين وأخفش العينين، جعد  قطط ، فهو للأمر السيّئ. وإن جاءت به أشهل أصهب ، فهو لأبيه. فيقال: إنّها جاءت به على الأمر السيّ‏ء، فهذه لا تحلّ لزوجها. وإن جاءت بولد، لا يرثه أبوه، وميراثه لأمّه. وإن لم يكن له أمّ، فلأخواله.

و إن قذفه أحد، جلد حدّ القاذف.

وَ لَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ :

متروك الجواب للتّعظيم، أي: لفضحكم وعاجلكم بالعقوبة.

إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ: بأبلغ ما يكون من الكذب. من الأفك، وهو:

الصّرف، لأنّه قول مأفوك عن وجهه.

قيل : والمراد ما أفك به على عائشة. وذلك أنّه- عليه الصّلاة والسّلام- استصحبها في بعض الغزوات. فآذن ليلة في القفول بالرّحيل، فمشت لقضاء حاجة. ثمّ عادت إلى الرّحل. فلمست صدرها، فإذا عقد من جزع ظفار  قد انقطع. فرجعت لتلتمسه، فظنّ الّذي كان يرحلها أنّها دخلت الهودج، فرحله على مطيّتها وسار. فلمّاعادت إلى منزلها، لم تجد ثمّ  أحدا. فجلست كي يرجع إليها منشد، وكان صفوان بن المعطّل السلمي قد عرس  وراء الجيش. فأدلج ، فأصبح عند منزلها، فعرفها. فأناخ راحلته فركبتها. فقادها، حتّى أتيا الجيش، فاتّهمت به.

عُصْبَةٌ مِنْكُمْ: جماعة.

و قيل : هي من العشرة إلى الأربعين. وكذلك العصابة. يريد عبد اللّه بن أبيّ، وزيد بن رفاعة، وحسّان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش، ومن ساعدهم. وهي خبر «إنّ». وقوله:

لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ مستأنف. والخطاب لرسول اللّه وأبي بكر وعائشة وصفوان. والهاء للإفك.

بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لاكتسابكم به الثّواب العظيم، وظهور كرامتكم على اللّه، بإنزال ثماني عشرة آية في براءتكم وتعظيم شأنكم وتهويل الوعيد لمن تكلّم فيكم، والثّناء على من ظنّ بكم خيرا.

و في تفسير علي بن إبراهيم : وأمّا قوله- عزّ وجلّ-: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ،

فإنّ العامّة روت أنّها نزلت في عائشة، وما رميت به في غزوة بني المصطلق من خزاعة.

و أمّا الخاصّة، فإنّهم رووا أنّها نزلت في مارية القبطيّة، وما رمتها به عائشة.

حدّثنا  محمّد بن جعفر [قال: حدّثنا محمّد بن عيسى، عن الحسن بن عليّ بن فضّال، قال: حدّثني عبد اللّه  بن بكير، عن زرارة، قال: سمعت أبا جعفر- عليه السّلام-]  يقول: لمّا أهلك  إبراهيم ابن رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وآله- حزن عليه حزنا شديدا.

فقالت عائشة: ما الّذي يحزنك عليه؟ فما هو إلّا ابن جريح!فبعث رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وآله- عليّا- عليه السّلام- وأمره بقتله.

فذهب عليّ- صلّى اللّه عليه وآله- اليه ومعه السّيف. وكان جريح القبطيّ في حائط.

فضرب عليّ- صلوات اللّه عليه- باب البستان، فأقبل اليه جريح ليفتح له الباب. فلما رأى عليّا- عليه السّلام- عرف في وجهه الغضب، فأدبر راجعا ولم يفتح باب البستان.

فوثب عليّ- عليه السّلام- على الحائط، ونزل إلى البستان، واتّبعه، وولّى جريح مدبرا. فلمّا خشي أن يرهقه، صعد في نخلة وصعد عليّ  في أثره. فلمّا دنا منه، رمى بنفسه من فوق النّخلة. فبدت عورته، فإذا ليس له ما للرّجال ولا له ما للنّساء.

فانصرف عليّ- عليه السّلام- إلى النّبيّ- صلّى اللّه عليه وآله- فقال له: يا رسول اللّه! إذا بعثتني في الأمر، أكون فيه كالمسمار المحميّ في الوبر ، أم أثبت؟ قال:

فقال: لا بل اثبت. فقال : والّذي بعثك بالحقّ، ما له ما للرّجال وما له ما للنّساء. فقال [رسول اللّه‏] : الحمد للّه الّذي صرف عنّا السّوء أهل البيت .

لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ: لكلّ جزاء ما اكتسب بقدر ما خاض فيه، مختصّا به.

وَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ: أي تحمّل معظمه.

و قرأ  يعقوب بالضّمّ، وهو لغة فيه.

مِنْهُمْ: من الخائضين.

قيل : هو ابن أبيّ، فإنّه بدأ به وأذاعه عداوة لرسول اللّه- صلّى اللّه عليه وآله- [و قال: امرأة نبيّكم باتت مع رجل حتّى أصبحت. ثمّ جاء  يقودها واللّه ما نجت منه ولا نجا منها.] و قيل : هو  حسّان ومسطح، فإنّهما شايعاه بالتّصريح به. و«الّذي» بمعنى «الّذين».

لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ  في الآخرة، أو في الدّنيا بأن جلدوا.

و صار ابن أبيّ مطرودا مشهورا بالنّفاق، وحسّان أعمى أشلّ اليدين، ومسطح مكفوف البصر. وهذا بناء على ما روته العامّة في سبب النّزول.

و أمّا على ما روته الخاصّة، فالمراد ب الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ عائشة. والتّذكير لتأويلها بالمفتري والقاذف. وعدم التّصريح، للتّصريح بأنّ أمثالها ممّن تشرّفت بازدواج النّبيّ، ينبغي أن لا يصرّح بانتسابها بأمثال ذلك، فضلا عن اتّصافها بها صريحا. وفي ذلك زيادة تقريع وتوبيخ لها على ذلك.

لَوْ لا: هلّا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً:

بالّذين منهم من المؤمنين والمؤمنات، كقوله  تعالى: وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ.

و إنّما عدل فيه من الخطاب إلى الغيبة، مبالغة في التّوبيخ، وإشعارا بأنّ الإيمان يقتضي ظنّ الخير بالمؤمنين، والكفّ عن الطّعن فيهم، وذبّ الطّاعنين عنهم، كما يذبّونهم عن أنفسهم.

و إنّما جاز الفصل بين «لولا» وفعله بالظّرف، لأنّه منزّل منزلته، من حيث إنّه لا ينفكّ عنه. ولذلك يتّسع فيه ما لا يتّسع في غيره. وذلك لأنّ ذكر الظّرف أهمّ، فإنّ التّحضيض على أن لا يخلو بأوّله.

وَ قالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ : كما يقول المتيقّن المطّلع على الحال.

لَوْ لا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ :

من جملة المقول، تقريرا لكونه كذبا، فإنّ مالا حجّة عليه مكذّب عند اللّه، أي في حكمه. ولذلك رتّب الحدّ عليه.

وَ لَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ:

لو لا هذه لامتناع الشّي‏ء لوجود غيره. والمعنى: ولو لا فضل اللّه عليكم في الدّنيا

بأنواع النّعم الّتي من جملتها الإمهال للتّوبة، ورحمته في الآخرة بالعفو والمغفرة المقدّران لكم.

لَمَسَّكُمْ: عاجلا فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ: خضتم فيه عَذابٌ عَظِيمٌ  يستحقر دونه اللّوم والجلد.

إِذْ:

ظرف ل «مسّكم» أو «أفضتم».

تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ: يأخذه بعضكم من بعض بالسّؤال عنه. يقال: تلقّى القول وتلقّفه وتلقّنه.

و قرئ : «تتلقّونه» على الأصل. و«تلقون» من لقيه: [إذا لقفه‏]. و«تلقونه» بكسر حرف المضارعة. [و «تلقونه» من إلقائه بعضهم على بعض‏].  و«تلقونه».

و «تألقونه» من الألق والإلق، وهو الكذب. و«تثقفونه» من ثقفته: إذا طلبته فوجدته.

و «تقفونه»، أي تتّبعونه.

وَ تَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ، أي: وتقولون كلاما مختصّا بالأفواه بلا مساعدة من القلوب، لانّه ليس تعبيرا عن علم به في قلوبكم. كقوله :

يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ.

وَ تَحْسَبُونَهُ هَيِّناً: سهلا لا تبعة له.

وَ هُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ : في الوزر واستجرار العذاب.

فهذه ثلاثة آثام مترتّبة علّق بها مسّ العذاب العظيم: تلقّي الإفك بألسنتهم، والتّحدّث به من غير تحقّق، واستصغارهم لذلك، وهو عند اللّه عظيم.

و في مصباح الشّريعة : قال الصّادق- عليه السّلام-: لا تدع اليقين بالشّكّ والمكشوف بالخفيّ ولا تحكم على ما لم تره بما يروى لك عنه . وقد عظّم اللّه- عزّ وجلّ- أمر الغيبة وسوء الظّنّ بإخوانك من المؤمنين، فكيف بالجرأة على إطلاق قول واعتقاد بزور  وبهتان في أصحاب رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وآله؟ قال اللّه- تعالى-: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ‏

 . وَلَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا: ما ينبغي وما يصحّ لنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا.

قيل : يجوز أن تكون الإشارة إلى القول المخصوص، وأن تكون إلى نوعه. فإنّ قذف آحاد النّاس محرّم شرعا.

سُبْحانَكَ:

تعجّب ممّن يقول ذلك. وأصله أنّه يذكر عند كلّ متعجّب، تنزيها للّه- تعالى- من أن يصعب عليه مثله، ثمّ كثر، فاستعمل لكلّ متعجّب. أو تنزيه للّه- تعالى- من أن تكون حرمة نبيّه فاجرة، فإنّ فجورها ينفر عنه ومخلّ بمقصود الزّواج، بخلاف كفرها كامرأة نوح. فيكون تقريرا لما قبله وتمهيدا لقوله:

هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ  لعظمة المبهوت عليه، فإنّ حقارة الذّنوب وعظمها، باعتبار متعلّقاتها.

يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ: كراهة أن تعودوا، أو في أن تعودوا.

أَبَداً ما دمتم أحياء مكلّفين.

إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ :

فإنّ الإيمان يمنع عنه. وفيه تهييج وتقريع.

وَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ: الدّالّة على الشّرائع ومحاسن الآداب، كي تتّعظوا وتتأدّبوا.

وَ اللَّهُ عَلِيمٌ: بالأحوال كلّها.

حَكِيمٌ : في تدابيره. ولا يجوّز الكشخنة على نبيّه، ولا يقرّره عليها.

إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ: يريدون أَنْ تَشِيعَ: أن تنتشر الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ الحدّ والسّعير، إلى غير ذلك.

و في كتاب ثواب الأعمال  بإسناده إلى محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن موسى بن جعفر- عليهما السّلام- قال:

 قلت له: جعلت فداك، الرّجل من إخواني بلغني  عنه الشّي‏ء الّذي أكرهه ، فأسأله عنه، فينكر ذلك، وقد أخبرني عنه قوم ثقات. فقال لي: يا محمّد، كذّب سمعك وبصرك عن أخيك. وإن شهد عندك خمسون قسامة، وقال لك قولا، فصدّقه وكذّبهم.

و لا تذيعنّ عليه شيئا تشينه به وتهدم به مروءته، فتكون من الّذين قال اللّه- عزّ وجلّ-:

إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ.

و في روضة الكافي : سهل بن زياد، عن يحيى بن المبارك، عن عبد اللّه بن جبلة، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن الأوّل- عليه السّلام- مثل ما في كتاب ثواب الأعمال.

و في أصول الكافي : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- قال: من قال في مؤمن ما رأته عيناه، وسمعته أذناه، فهو من الّذين قال اللّه- عزّ وجلّ-: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ.

و بإسناده  إلى إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- قال: قال رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وآله-: من أذاع فاحشة، كان كمبتدئها.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم : حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن هشام، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- قال: من قال في مؤمن ما رأته عيناه، وسمعت  أذناه، كان من الّذين قال اللّه- عزّ وجلّ- فيهم: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ.

و في أمالي الصّدوق - رحمه اللّه-: حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد- رضي اللّه عنه- [قال: حدّثنا محمّد بن الحسن الصّفّار]  قال: حدّثنا أيّوب بن نوح، قال: حدّثنا محمّد بن أبي عمير قال: حدّثنا محمّد بن حمران، عن الصّادق جعفر بن محمّد

 - عليهما السّلام- قال: من قال في أخيه المؤمن ما رأته عيناه، وسمعته أذناه، فهو ممّن قال اللّه- جلّ جلاله-: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ.

وَ اللَّهُ يَعْلَمُ: ما في الضّمائر. وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ : ذلك.

وَ لَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ:

تكرير للمنّة، بترك المعاجلة في العقاب، للدّلالة على عظيم الجريمة.

و لذا عطف قوله: وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ : على حصول فضله ورحمة عليهم، وحذف الجواب، وهو مستغنى عنه، لذكره مرّة.