افتراق الأمة الى ثلاث وسبعين فرقة - بدايات الاختلاف في عصر الرسالة - علل تكوّن الفرق ونشوئها

الفصل الأوّل

افتراق الأُمّة إلى ثلاث وسبعين فرقة

    روى أصحاب الصحاح والمسانيد ومؤلّفو الملل والنحل عن النبي الأكرم ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) أنّه قال : « إنّ أُمّتي تفترق على ثلاث وسبعين فرقة » وقد اشتهر هذا الحديث بين المتكلّمين وغيرهم حتى الشعراء والأُدباء.

    وتحقيق الحديث يتوقّف على البحث في جهات أربع :

    1 ـ هل الحديث نقل بسند صحيح قابل للاحتجاج به ، أو لا؟

    2 ـ ما هو النصّ الصادر عن النبي الأكرم ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) في هذا المجال ، فإنّ نصوص الحديث في ذلك المجال مختلفة؟

    3 ـ ما هي الفرقة الناجية من هذه الفرق المختلفة ، فإنّ النبي قد نصّ على نجاة فرقة واحدة ، كما سيأتيك نصه؟

    4 ـ ما هي الفرق الاثنتان والسبعون التي أخبر النبي ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) بنشوئها من بعده؟ وهل بلغ عدد الفرق والطوائف الإسلامية إلى هذا الحدّ؟

    فإليك البحث في هذه الجهات الأربع :

 

أ. سند الحديث

    روي الحديث المذكور في الصحاح والمسانيد بأسانيد مختلفة ، و قد قام

 

________________________________________

(24)

الحافظ « عبد اللّه بن يوسف بن محمد الزيلقي المصري » ( المتوفّى 762 هـ ) بجمع أسانيده ومتونه في كتابه : « تخريج أحاديث الكشّاف » وقد اهتم فيه بهذا الحديث سنداً ومتناً ، إهتماماً بالغاً ، لم يسبقه إليه غيره ... .

    غير أنّ القضاء فيما جمعه من الأسانيد خارج عن مجال هذه الرسالة ، ولأجل ذلك نبحث فيه على وجه الإجمال ، فنقول :

    إنّ هاهنا من لا يعتقد بصحّة الحديث منهم : ابن حزم ، في كتابه : « الفصل في الأهواء والملل » قال : ذكروا حديثاً عن رسول اللّه ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) « أنّ القدرية والمرجئة مجوس هذه الأُمة » وحديث آخر « تفترق هذه الأُمّة على بضع وسبعين فرقة كلّها في النار حاشا واحدة فهي في الجنة » ( ثم قال : ) هذان حديثان لا يصحان أصلاً من طريق الأسناد ، وما كان هكذا فليس حجّة عند من يقول بخبر الواحد ، فكيف من لا يقول به. (1)

    وهناك من يعتقد بصحّة الاستدلال لأجل تضافر أسناده ، يقول محمد محيي الدين محقّق كتاب « الفرق بين الفرق » : اعلم أنّ العلماء يختلفون في صحّة هذا الحديث ، فمنهم من يقول إنّه لا يصحّ من جهة الأسناد أصلاً ، لأنّه ما من إسناد روي به إلاّ وفيه ضعف ، وكلّ حديث هذا شأنه لا يجوز الاستدلال به; ومنهم من اكتفى بتعدّد طرقه ، و تعدد الصحابة الذين رووا هذا المعنى عن رسول اللّه ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) ... . (2)

    وقد قام الحاكم النيشابوري برواية الحديث عن سند صحيح يرتضيه الشيخان قال : أخبرنا أحمد بن محمد بن سلمة العنزي ( ثنا ) عثمان بن سعيد الدارمي ( ثنا ) عمرو بن عون ووهب بن بقية الواسطيان ( ثنا ) خالد بن عبد اللّه ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) : « افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة وافترقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة ، وتفترق أُمّتي

________________________________________

1 ـ الفصل في الأهواء والملل : 1/248.

2 ـ الفرق بين الفرق : 7 ـ 8 التعليقة.

________________________________________

(25)

على ثلاث وسبعين فرقة ».وهذا حديث صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه. (1)

    وقد استدرك عليه الذهبي بأنّ في سنده « محمّد بن عمرو » ولا يحتج به منفرداً ولكن مقروناً بغيره. (2)

    فإذا كان هذا حال السند الذي بذل الحاكم جهده لتصحيحه ، فكيف حال سائر الأسانيد؟! وقد رواه الحاكم بأسانيد مختلفة ، وقال : قد روي هذا الحديث عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص ، و عمرو بن عوف المزني بإسنادين تفرّد بأحدهما عبد الرحمن بن زياد الأفريقي ، والآخر كثير بن عبد اللّه المزني ، ولا تقوم بهما الحجّة. (3)

    هذا حال ما نقله الحاكم في مستدركه.

    وأمّا ما رواه أبو داود في سننه والترمذي في سننه ، وابن ماجة في صحيحه فقد قال في حقّه الشيخ محمد زاهد الكوثري : أمّا ما ورد بمعناه في صحيح ابن ماجة ، وسنن البيهقي ، وغيرهما ففي بعض أسانيده « عبد الرحمن بن زياد بن أنعم » وفي بعضها « كثير بن عبد اللّه » وفي بعضها « عباد بن يوسف » و « راشد بن سعد » و في بعضها « الوليد بن مسلم » و في بعضها مجاهيل كما يظهر من كتب الحديث و من تخريج الحافظ الزيلقي لأحاديث الكشاف ، وهو أوسع من تكلّم في طرق هذا الحديث فيما أعلم. (4)

    هذا بعض ما قيل حول سند الحديث ، والذي يجبر ضعف السند هو تضافر نقله واستفاضة روايته في كتب الفريقين : الشيعة والسنّة بأسانيد مختلفة ، ربما تجلب الاعتماد ، وتوجب ثقة الإنسان به.

________________________________________

1 ـ المستدرك على الصحيحين : 1/128 ، وقد رواه بسند آخر أيضاً يشتمل على محمد بن عمرو الذي لا يحتج بمفرداته ، وبسند آخر أيضاً مشتمل على ضعف ، وقد جعلهما الحاكم شاهدين لما صحّح من السند.

2 ـ التبصير في الدين : 9 ، المقدمة.

3 ـ المستدرك على الصحيحين : 1/128 ، كتاب العلم.

4 ـ التبصير : 9 ، المقدمة.

________________________________________

(26)

    وقد رواه من الشيعة ، الصدوق في خصاله في باب السبعين وما فوق. (1) والعلاّمة المجلسي في بحاره (2) ، ولعلّ هذا المقدار من النقل يكفي في صحّة الاحتجاج بالحديث.

ب. اختلاف نصوص الحديث

    هذه هي الجهة الثانية التي أشرنا إليها في مطلع البحث ، فنقول :

    إنّ مشكلة اختلاف نصوص الحديث لا تقل إعضالاً عن مشكلة سنده ، فقد تطرّق إليه الاختلاف من جهات شتى ، لا يمكن معه الاعتماد على واحد منها ، وإليك الإشارة إلى الاختلافات المذكورة :

1 ـ الاختلاف في عدد الفرق

    روى الحاكم عدد فرق اليهود والنصارى مردّداً بين إحدى وسبعين واثنتين وسبعين ، بينما رواه عبد القاهر البغدادي بأسانيده عن أبي هريرة على وجه الجزم والقطع ، وأنّ اليهود افترقت إلى إحدى وسبعين فرقة ، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة.

    وفي الوقت نفسه روى بسند آخر افتراق بني إسرائيل على اثنتين وسبعين ملّة وقال : « ليأتين على أُمّتي ما أتى على بني إسرائيل ، تفرق بنو إسرائيل على اثنتين وسبعين ملّة ، وستفترق أُمّتي على ثلاث وسبعين ملّة ».

    ونقل بعده بسند آخر افتراق بني إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة. (3)

    ويمكن الجمع بين النقلين الأخيرين بأنّ المراد من بني إسرائيل هو الأعم من اليهود والنصارى فيصحّ عدّ الفرق اثنتين وسبعين.

________________________________________

1 ـ الخصال : 2/584 ، أبواب السبعين ومافوق ، الحديث العاشر والحادي عشر.

2 ـ البحار : 28/2 ـ 36.

3 ـ الفرق بين الفرق : 5.

________________________________________

(27)

    نعم يحمل الأخير على خصوص اليهود من بني إسرائيل.

2 ـ الاختلاف في عدد الهالكين والناجين

    إنّ أكثر الروايات تصرّح بنجاة واحدة وهلاك الباقين. فعن البغدادي بسنده عن رسول اللّه أنّه قال : كلّهم في النار إلاّ ملّة واحدة. (1)

    وروى الترمذي وابن ماجة مثل ذلك. (2)

    بينما رواه شمس الدين محمد بن أحمد بن أبي بكر البشاري السياح المعروف ( المتوفّى 380 هـ ) في كتابه « أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم » بصورة تضاده إذ قال : إنّ حديث « اثنتان وسبعون في الجنة وواحدة في النار » أصحّ إسناداً ، وحديث « اثنتان وسبعون في النار وواحدة ناجية » أشهر. (3)

3 ـ الاختلاف في تعيين الفرقة الناجية

    فقد اختلف النقل في تعيين سمة الفرقة الناجية أخذاً بما يقول بأنّ جميعها في النار إلاّ واحدة.

    روى الحاكم (4) و عبد القاهر البغدادي (5) وأبو داود (6) و ابن ماجة (7) بأنّ النبي قال : إلاّ واحدة وهي الجماعة ، أو قال : الإسلام وجماعتهم.

    وروى الترمذي (8) والشهرستاني (9) أنّ النبي ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) عرف الفرقة الناجية بقوله : ما أنا عليه اليوم وأصحابي.

________________________________________

1 ـ المصدر نفسه : 76.

2 ـ سنن الترمذي : 5/26 ، كتاب الإيمان ، الحديث 2641;سنن ابن ماجة : 2/479 ، باب افتراق الأُمم.

3 ـ طبع الكتاب في ليدن ، عام 1324 هـ الموافق ل ـ 1906م.

4 ـ المستدرك على الصحيحين : 1/128.

5 ـ الفرق بين الفرق : 7.

6 ـ سنن أبي داود : 4/198 ، كتاب السنّة.

7 ـ سنن ابن ماجة : 2/479 ، باب افتراق الأُمم.

8 ـ سنن الترمذي : 5/26 ، كتاب الإيمان ، الحديث 2641.

9 ـ الملل والنحل : 13.

________________________________________

(28)

    وروى الحاكم أيضاً أنّ النبي حدّد أعظم الفرق هلاكاً بقوله : « ستفترق أُمّتي على بضع وسبعين فرقة أعظمها فرقة ، قوم يقيسون الأُمور برأيهم ، فيحرّمون الحلال ويحلّلون الحرام » وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه. (1)

    وروى صاحب روضات الجنات عن كتاب « الجمع بين التفاسير » أنّ النبي ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) عرف الفرقة الناجية بقوله : « هم أنا وشيعتي ». (2)

    هذه الوجوه تعكس مدى الاختلاف في تحديد ملامح الفرقة الناجية.

    وأمّا تحقيق القول في ذلك فسيوافيك عند البحث عن الجهة الثالثة ، وهي التالية :

 

ج. مَن هي الفرقة الناجية ؟

    هذه هي الجهة الثالثة التي ينبغي الاهتمام بها حتى يستطيع الباحث من تعيين الفرقة الناجية ، بها.

    قال الشيخ محمد عبده : أمّا تعيين أي فرقة هي الناجية ، أي التي تكون على ما كان النبي عليه وأصحابه ، فلم يتعيّن إلى الآن ، فإنّ كلّ طائفة ممّن يذعن لنبينا بالرسالة تجعل نفسها على ما كان عليه النبي وأصحابه. ( إلى أن قال : ) وممّا يسرني ما جاء في حديث آخر أنّ الهالك منهم واحدة. (3)

    أقول : ما ورد من السمات في تحديد الفرقة الناجية لا يتجاوز أهمّها عن سمتين :

    أولاها : « الجماعة » وهي تارة جاءت رمزاً للنجاة ، وأُخرى للهلاك ، فلا يمكن الاعتماد عليها ، وإليك بيان ذلك :

________________________________________

1 ـ المستدرك على الصحيحين : 4/430.

2 ـ روضات الجنات : 508 ، الطبعة القديمة.

3 ـ تفسير المنار : 8/221 ـ 222.

________________________________________

(29)

    روى ابن ماجة عن عوف بن مالك قال : قال رسول اللّه ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) : افترقت اليهود ... والذي نفس محمد بيده لتفترقن أُمّتي على ثلاث وسبعين فرقة ، فواحدة في الجنة ، وثنتان وسبعون في النار. قيل : يا رسول اللّه من هم؟ قال : الجماعة. (1)

    بينما نقل أنّه قال : « وإنّ هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين : ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة ، وهي الجماعة » (2) ، فإنّ الإتيان بضمير الجمع في الحديث الأوّل ، وبضمير المفرد في الحديث الثاني يؤيد رجوع الضمير في الأوّل إلى : « اثنتان وسبعون » ، ورجوع الضمير المفرد إلى « الواحدة » فتكون الجماعة تارة آية الهلاك وأُخرى آية النجاة.

    أضف إلى ذلك أنّ قسماً كبيراً من النصوص لا يشتمل على هذه اللفظة ، ولا يصحّ أن يقال إنّ الراوي ترك نقلها ، أو نسيها ، وذلك لأنّ ذكر سمة الناجي أو الهالك من الأُمور الجوهرية في هذا الحديث ، فلا يمكن أن يتجاهله أو ينساه.

    ومن ذلك تعلم حال ما اشتمل على لفظ « الإسلام » مع الجماعة ، فإنّه لا يزيد في مقام التعريف شيئاً على المجرد منه ، لوضوح أنّ الإسلام حقّ إنّما المهم معرفة المسلم الواقعي عن غيره.

    ثانيتها : « ما أنا عليه وأصحابي » ، أو « ما أنا عليه اليوم وأصحابي » ، كون هذا آية النجاة لا يخلو عن خفاء.

    أوّلاً : إنّ هذه الزيادة غير موجودة في بعض نصوص الرواية ، ولا يصحّ أن يقال إنّ الراوي ترك نقلها لعدم الأهمية.

    وثانياً : إنّ المعيار الوحيد للهلاك والنجاة هو شخص النبي ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) وأمّا أصحابه فلا يمكن أن يكونوا معياراً للهداية والنجاة إلاّ بقدر اهتدائهم

________________________________________

1 ـ سنن ابن ماجة : 2/479 ، باب افتراق الأُمم.

2 ـ سنن أبي داود : 4/198 ، كتاب السنّة; المستدرك على الصحيحين : 1/128.

________________________________________

(30)

واقتدائهم برسول اللّه ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) ، وإلاّ فلو تخلّفوا عنه قليلاً أو كثيراً فلا يكون الاقتداء بهم موجباً للنجاة.

    وعلى ذلك فعطف ( وأصحابي ) على النبي ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) لا يخلو من غرابة.

    وثالثاً : إنّ المراد إمّا صحابته كلّهم ، أو الأكثرية الساحقة.

    فالأوّل : مفروض العدم لاختلاف الصحابة في مسالكهم ومشاربهم السياسية والدينية بعد رسول اللّه ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) ، وأدلّ دليل على ذلك ما وقع من الخلاف في السقيفة وبعدها.

    والثاني : ممّا لا يلتزم به أهل السنّة ، فإنّ الأكثرية الساحقة من الصحابة خالفوا الخليفة الثالث ، وقد قتله المصريون والكوفيون في مرأى ومسمع من بقية الصحابة ، الذين كانوا بين مؤلّب ، أو مهاجم ، أو ساكت.

    على أنّ حمل أصحابي على الأكثرية خلاف الظاهر ، ويظن أنّ هذه الزيادة من رواة الحديث لدعم موقف الصحابة ، وجعلهم المحور الوحيد الذي يدور عليه فلك الهداية بعد النبي الأعظم ، والمتوقع من رسول الهداية هو أن يحدد الفرقة الناجية بسمات واضحة تستفيد منها الأجيال الآتية ، فإنّ كلّ الفرق يدّعون أنّهم على ما عليه النبي بل على ما عليه أصحابه أيضاً :

وكلّ يدّعي وصلاً بليلى          وليلى لا تقر لهم بذاكا

    وأخيراً نقلنا عن الحاكم أنّه روى عن النبي قوله : « أعظمها فرقة قوم يقيسون الأُمور برأيهم » و يظن أنّ هذه الزيادة طرأت على الحديث من بعض الطوائف الإسلامية بين أهل السنّة ، طعناً في أصحاب القياس ، على حين أنّ القياس بمفهومه الأُصولي لم يكن أمراً معهوداً لأصحاب النبيّ حتى يكتفي النبي في تعيين الفرقة الهالكة بهذا الوصف غير المعروف في عصر صدور حديث الافتراق.

أحاديث حول مستقبل الصحابة

    إنّ الأحاديث المتضافرة عن النبي الأكرم ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) عن مستقبل الصحابة

(31)

تصدّنا عن الأخذ بمسالكهم ومشاربهم وتمنعنا عن تصحيح ما ورد في ذيل بعض الروايات الماضية ، أعني قوله : « ما أنا عليه وأصحابي » وذلك لأنّ النبي الأكرم ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) يخبر عن أحوالهم بعد رحلته ، وأنّهم سيحدثون في الدين أُموراً منكرة ، وبدعاً محرمة وأنّهم يرتدون عن الدين ولأجل ذلك يحلأون عن الحوض ويذادون عنه ، و قد روى هذه الأحاديث الشيخان ( البخاري ومسلم ) وغيرهما. وجمعها ابن الأثير في « جامع الأُصول » في الفصل الرابع عند البحث عن الحوض والصراط والميزان.

    وإليك بعض تلك الأحاديث :

    1 ـ أخرج الشيخان عن عبد اللّه بن مسعود قال : قال رسول اللّه ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) : « أنا فرطكم على الحوض ، وليرفعن إليّ رجال منكم حتى إذا أهويت إليهم لأناولهم اختلجوا دوني ، فأقول : أي رب ، أصحابي; فيقال : إنّك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك ».

    2 ـ أخرج الشيخان أنّ رسول اللّه ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) قال : « يرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي ، أو قال من أُمّتي ، فيحلأون عن الحوض ، فأقول : يا ربّ أصحابي ، فيقول : إنّه لا علم لك بما أحدثوا بعدك ، إنّهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى ».

    إلى غير ذلك من الروايات البالغ عددها إلى عشرة أحاديث وفي ضوء هذه الروايات لا يمكن الحكم بعدالة كلّ صحابي لمجرّد الصحبة ، للعلم بوجود الفسق والارتداد وإحداث البدع فيهم ، وهذا العلم الإجمالي يصدّنا عن تعديل كلّ صحابي وتصديقه.

    كما يصدنا عن القول بأنّ الأكثرية الساحقة من الصحابة إذا اتفقت على شيء يكون دليلاً على صدقه وصحته ، على أنّ هذا لا يدلّ على أنّ جميع الصحابة كانوا على هذا المنوال بل كان في الصحابة الثقات العدول ، والأخيار المتقون.

    وقد أشبعنا الكلام حول الصحابة من حيث العدالة. (1)

________________________________________

1 ـ سيوافيك البحث عن عدالة الصحابة عند تحليل عقائد أهل الحديث في هذا الجزء.

________________________________________

(32)

الفرقة الناجية في ضوء النصوص الأُخر

    لو أنّ شيخ الأزهر رجع إلى النصوص الأُخر للنبي الأكرم لتبيّن له الفرقة الناجية في كلام النبي ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) ، فإنّ لنبي الرحمة كلمات في مواضع أُخر يشد بعضها بعضاً ، ويفسر بعضها البعض الآخر ، وإليك ما أثر عنه في تلك المجالات ممّا تعد قرائن منفصلة موضحة للحديث الحاضر.

1 ـ حديث الثقلين

    قال رسول اللّه ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) : « يا أيّها الناس إنّي تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا : كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي ». (1)

    روى إمام الحنابلة عن النبي ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) أنّه قال : « إنّي تارك فيكم خليفتين : كتاب اللّه ، حبل ممدود ما بين السماء والأرض; وعترتي أهل بيتي ، وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ». (2)

    روى الحاكم في مستدركه عن النبي الأكرم ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) أنّه قال : « إنّي أوشك أن أُدعى فأُجيب ، وإنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب اللّه عزّ وجلّ ، وعترتي; كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، فإنّ اللطيف الخبير أخبرني أنّهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما ». (3)

    والاختلاف الموجود بين نصوص الحديث غير مضر أبداً ، لأنّ النبي الأكرم ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) نطق بهذا الحديث في مواضع مختلفة ، إذ في بعض الطرق أنّه قال ذلك في حجّة الوداع بعرفة ، وفي أُخرى أنّه قاله بالمدينة في مرضه وقد امتلأت الحجرة بأصحابه ، وفي ثالثة أنّه قال ذلك بغدير خم ، وفي رابعة أنّه

________________________________________

1 ـ رواه الترمذي والنسائي في صحيحهما راجع كنز العمال : 1/44 باب الاعتصام بالكتاب والسنّة.

2 ـ مسند أحمد بن حنبل : 5/182 ـ 189.

3 ـ مستدرك الحاكم : 3/148 ، وقال هذا صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه.

________________________________________

(33)

قال ذلك لمّا قام خطيباً بعد انصرافه من الطائف ، فقد كرر ذلك في تلك المواطن اهتماماً بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة. (1)

    والإمعان في هذا الحديث الذي بلغ من التواتر حدّاً لا يدانيه حديث ، إلاّ حديث الغدير ، يقود الإنسان إلى الحكم بضلال من لم يستمسك بهما معاً ، فالمتمسّكون بهما هم الفرقة الناجية ، والمتخلّفون عنهما ، أو المتقدّمون عليهما هم الهالكة.

    وقد نقل الطبراني قوله ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) في ذيل الحديث : « فلا تقدموهما فتهلكوا ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ، ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم ». (2)

2 ـ حديث السفينة

    وهذا الحديث كالحديث السابق يعين على رفع الإبهام عن حديث « الافتراق ». روى الحاكم بسنده عن أبي ذر رضي اللّه عنه يقول ، وهو آخذ بباب الكعبة : « من عرفني فأنا من عرفني ، ومن أنكرني فأنا أبوذر ، سمعت النبي يقول : ألا إنّ مثل أهل بيتي فيكم ، مثل سفينة نوح في قومه ، من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق ». (3)

    والمراد بتشبيههم ( عليهم السَّلام ) بسفينة نوح هو أنّ من لجأ إليهم في الدين فأخذ فروعه وأُصوله عن أئمّتهم ، نجا من عذاب النار ، ومن تخلّف عنهم كمن آوى يوم الطوفان إلى جبل ليعصمه من أمر اللّه ، غير أنّ هذا غرق في الماء ، وهذا في الحميم.

    قال ابن حجر : و وجه تشبيههم بالسفينة أنّ من أحبهم وعظّمهم شكراً لنعمة مشرّفهم ، وأخذ بهدي علمائهم نجا من ظلمة المخالفات ، ومن تخلّف عن ذلك غرق في بحر كفر النعم ، وهلك في مفاوز الطغيان. (4)

________________________________________

1 ـ راجع المراجعات ، المراجعة 8 فقد نقله عن مواضع مختلفة.

2 ـ الصواعق المحرقة : 135 باب وصية النبي بهم.

3 ـ المستدرك على الصحيحين : 3/151.

4 ـ لقد علّق السيد شرف الدين في مراجعاته على هذه العبارة تعليقاً لطيفاً وهو : قل لي لماذا لم يأخذ بهدى أئمتهم في شيء من فروع الدين وعقائده ـ إلى أن قال : ـ ولماذا تخلّف عنهم فأغرق نفسه في بحار كفر النعم وأهلكها في مفاوز الطغيان؟!

________________________________________

(34)

3 ـ حديث أهل بيتي أمان لأُمّتي

    روى الحاكم عن ابن عباس قال : قال رسول اللّه ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) : « النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق ، وأهل بيتي أمان لأُمّتي من الاختلاف ، فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس » ( ثمّ قال ) : هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه. (1)

    هذه الأحاديث تلقي الضوء على حديث الافتراق ، وتحدد الفرقة الناجية وتعيّنها.

    وهناك حديث آخر ورد في ذيل حديث الافتراق نقله أحد علماء أهل السنّة وهو الإمام الحافظ حسن بن محمد الصغاني ( المتوفّى 650 هـ ) في كتابه « الشمس المنيرة » عن النبي الأكرم ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) : « افترقت أُمّة أخي عيسى على اثنتين وسبعين فرقة ، وستفترق أُمّتي على ثلاث وسبعين فرقة ، كلّها هالكة إلاّ فرقة واحدة ».

    فلمّا سمع ذلك منه ضاق المسلمون ذرعاً وضجّوا بالبكاء ، وأقبلوا عليه ، وقالوا : يا رسول اللّه كيف لنا بعدك بطريق النجاة؟ وكيف لنا بمعرفة الفرقة الناجية حتى نعتمد عليها؟

    فقال ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) : « إنّي تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبداً : كتاب اللّه ، وعترتي أهل بيتي; إن اللطيف الخبير نبّأني أنّهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ». (2)

    ولا أظن المنصف إذا رجع إلى ما ورد حول العترة من الأحاديث الحاثّة على الرجوع إليهم ، يخفى عليه مراد النبي ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) من الفرقة الناجية في حديث الافتراق ، مضافاً إلى أنّ آية التطهير دالّة على عصمتهم ، فالمتمسك بالمعصوم مصون وبالخاطئ غير مصون بل يقع عرضة للانحراف والهلاك ، و للشافعي أبيات تعرب عن عرفانه الفرقة الناجية ذكرها الشريف الحضرمي في

________________________________________

1 ـ المستدرك على الصحيحين : 3/149.

2 ـ الشمس المنيرة ، النسخة المخطوطة في مكتبة المشهد الرضوي بالرقم 1706.

________________________________________

(35)

« رشفة الصادي ». (1)

 

د. الفرق التي أخبر النبي بنشوئها

    هذه هي الجهة الرابعة التي يليق البحث عنها ، فإنّ النبي قد أخبر عن أنّ الأُمّة الإسلامية ستبلغ في تفرّقها إلى هذا العدد الهائل ، ولكن المشكلة عدم بلوغ رؤوس الفرق الإسلامية إلى هذا العدد ، فإنّ كبار فرقها لا تتجاوز الأربع :

    الأوّل : القدرية ( المعتزلة وأسلافهم ).

    الثاني : الصفاتية ( أهل الحديث والأشاعرة ).

    الثالث : الخوارج.

    الرابع : الشيعة.

    وهذه الفرق الأصلية ، وإن تشعبت إلى شعب وفروع من مرجئة وكرامية بفرقها ، ولكن لا يبلغ المجموع إلى هذا الحد ، وإن أصرّ الشهرستاني على تصحيح البلوغ إليه ، فقال : ثمّ يتركب بعضها مع بعض ، ويتشعب عن كلّ فرقة أصناف ، فتصل إلى ثلاث وسبعين فرقة. (2)

    يلاحظ عليه : أنّ المراد من أُمّتي هي الفرق الإسلامية المؤمنة برسالة النبي الأعظم ، وكتاب اللّه سبحانه ، وبلوغ تلك الأُمة بهذه الصفة إلى هذا الحد الهائل أوّل الكلام ، لأنّ المراد هو الاختلاف في العقيدة التي يدور عليها فلك الهلاك والنجاة.

    وأمّا الاختلاف في الأُصول والمعارف التي ليست مداراً للهداية والضلالة ، بل لا تعد من صميم العقائد الإسلامية ، فهو خارج عن إطار الحديث ، فاختلاف الأشاعرة والمعتزلة ، في وجود الواسطة بين الوجود

________________________________________

1 ـ رشفة الصادي : 25.

2 ـ الملل والنحل : 1/15.

________________________________________

(36)

والعدم ، وحقيقة الجسم والأكوان والألوان ، والجزء الذي لا يتجزأ ، والطفرة ، الذي أوجد فرقاً كلامية ، فلا يوجب دخول النار ، وإن كان الحقّ واحداً ، ولا يصحّ عدّ المعتقدين بها من الفرق المنصوص عليها في كلام النبي ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ).

    وبعبارة واضحة : إنّ الفرق المذمومة في الإسلام هي أصحاب الأهواء الضالة الذين خالفوا الفرقة الناجية ، في مواضع تعد من صميم الدين كالتوحيد بأقسامه والعدل والقضاء والقدر ، والتجسيم والتنزيه ، والجبر والاختيار ، والهداية والضلالة و رؤية اللّه سبحانه وإدراك البشر له تعالى ، والإمامة والخلافة ، ونظائرها.

    وأمّا الاختلاف في سائر المسائل التي لا تمت إلى الدين بصلة ولا تمثل العقيدة الإسلامية فلا يكون المخالف والموافق فيها داخلاً في الحديث ، والحال أنّ كثيراً من الفرق الإسلامية يرجع اختلافهم إلى أُمور عقلية أو كونية ، ممّا لا يرتبط بالدين أو ما لا يسأل عنه الإنسان في حياته وبعدها ولا يجب الاعتقاد به.

 

محاولات لتصحيح العدد

    إنّ هناك محاولات لتصحيح مفاد الحديث من حيث العدد المذكور فيه ، نشير إليها فيما يلي :

    1 ـ هذا العدد الهائل كناية عن المبالغة في الكثرة ، كما في قوله سبحانه وتعالى : ( إِنْ تَسْتَغْفِر لَهُمْ سَبْعينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَهُم ) . (1)

    يلاحظ عليه : أنّ هذه المحاولة فاشلة ، لأنّها إنّما تصحّ إذا ورد الحديث بصورة السبعين أو غيرها من العقود العددية ، فإنّ هذا هو المتعارف في مقام الكناية ولكن الوارد في الحديث هو غير ذلك.

________________________________________

1 ـ التوبة : 80.

________________________________________

(37)

 

    ترى أنّ النبي يركز في حقّ المجوس على عدد السبعين ، وفي حقّ اليهود على عدد الإحدى والسبعين وفي حقّ النصارى على اثنتين وسبعين ، وفي حقّ الأُمّة الإسلامية على ثلاث وسبعين. وهذاالتدرّج يعرب بسهولة عن أنّ المراد هو بلوغ الفرق إلى هذا الحدّ ، بشكل حقيقي لا بشكل مبالغي.

    2 ـ إنّ أُصول الفرق وإن كانت لا تصل إلى هذا العدد بل لا تبلغ نصفه ولا ربعه ، وإنّ فروع الفرق يختلف العلماء في تفريعها ، وإنّ الإنسان في حيرة حين يأخذ في العد ، بأن يعتبر ـ في عدّ الفرق ـ أُصولها أو فروعها ، وإذا استقر رأيه على اعتبار الفروع ، فعلى أيّ حدّ من التفريع يأخذه مقياساً ، إلاّ أنّ الحديث لا يختص بالعصور الماضية ، فإنّ حديث الترمذي يتحدث عن افتراق أُمّة محمّد ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) وأُمّته مستمرة إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين ، فيجب أن يتحدث في كلّ عصر عن الفرق التي نجمت في هذه الأُمّة من أوّل أمرها إلى الوقت الذي يتحدث فيه المتحدث ، ولا عليه إن كان العدد قد بلغ ما جاء في الحديث أو لم يبلغ ، فمن الممكن بل المقطوع ـ لو صحّ الحديث ـ وقوع الأمر في واقع الناس على وفق ما أخبر به. (1)

    وهناك محاولة ثالثة غير صحيحة جدّاً وهي الاهتمام بتكثير الفرق ، فترى أنّ الإمام الأشعري يجعل للشيعة الغالية خمس عشرة فرقة ، وللشيعة الإمامية أربعاً وعشرين فرقة ، كما أنّ الشهرستاني يعدّ للمعتزلة اثنتي عشرة فرقة ، ويعدّ للخوارج الفرق التالية : المحكمة ، الأزارقة ، النجدات ، البيهسية ، العجاردة ، الثعالبة ، الأباضية ، الصفرية.

    وذلك لأنّ الجميع من أصناف الشيعة والمعتزلة والخوارج يلتقون تحت أُصول خاصة معلومة في محلها ، مثلاً أصناف الخوارج يجتمعون تحت أُصول أشهرها تخطئة عثمان والإمام أمير المؤمنين ( عليه السَّلام ) في مسألة التحكيم ، وتكفير صاحب الكبيرة وتخليده في النار. فلا يصحّ عدّ كلّ صنف فرقة ، وإن اختلف كلّ مع شقيقه في أمر جزئي ، ومثل ذلك أصناف الآخرين.

________________________________________

1 ـ مقدّمة الفرق بين الفرق : 7.

________________________________________

(38)

 

    ثمّ إنّ الكاتب المعاصر عبد الرحمن بدوي ، ذهب إلى عدم صحّة الحديث للأسباب التالية :

    أوّلاً : إنّ ذكر هذه الأعداد المحددة المتوالية : 71 ، 72 ، 73 أمر مفتعل لا يمكن تصديقه فضلاً عن أن يصدر مثله عن النبي ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ).

    ثانياً : إنّه ليس في وسع النبي ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) أن يتنبأ مقدماً بعدد الفرق التي سيفترق إليها المسلمون.

    ثالثاً : لا نجد لهذا الحديث ذكراً فيما ورد لنا من مؤلفات من القرن الثاني بل ولا الثالث الهجري ولو كان صحيحاً لورد في عهد متقدّم.

    رابعاً : أعطت كلّ فرقة لختام الحديث ، الرواية التي تناسبها ، فأهل السنّة جعلوا الفرقة الناجية هي أهل السنّة ، والمعتزلة جعلوها فرقة المعتزلة ، وهكذا وقال :

    وقد ظهر التعسّف البالغ لدى مؤرّخي الفرق في وضعهم فروقاً وأصنافاً داخل التيارات الرئيسية حتى يستطيعوا الوصول إلى 73 فرقة ، وفاتهم أنّ افتراق المسلمين لم ينته عند عصرهم ، وأنّه لا بدّ ستنشأ فرق جديدة باستمرار ممّا يجعل حصرهم هذا خطأ تماماً ، إذ لا يحسب حساباً لما سينشأ بعد ذلك من فرق إسلامية جديدة. (1)

    ولا يخفى أنّ ما ذكره من الأسباب غير صحيح عدا ما ذكره من السبب الرابع وما ذيله به.

    أمّا دليله الأوّل ، فلأنّ ما جاء فيه هو نفس المدّعى ولم يبيّن وجهاً لافتعال الحديث.

    وأمّا دليله الثاني ، فلأنّ المتبادر منه أنّه ليس في وسع النبي ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) التنبّؤ بالأحداث الآتية ، ولكنّه باطل بشهادة الصحاح والسنن على تنبوّئه ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) بإذن اللّه عن كثير من الحوادث الواقعة في أُمّته ، وقد جمعنا

________________________________________

1 ـ مذاهب الإسلاميين : 1/34.

________________________________________

(39)

عدّة من تنبّوئه في موسوعتنا : مفاهيم القرآن. (1)

    وربما يريد الكاتب من عبارته معنى آخر ، وهو أنّ النبي ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) لا يصح له أن يقدم على مثل هذا التنبّؤ ، لأنّه إقدام غير مرغوب فيه ، لما يحتوي على الإضرار بالأُمّة ، ولكن هذا الرأي منقوض أيضاً بتنبّؤات أُخرى تضاهي المورد هذا ، فهذا هو النبي ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) يتنبّأ بالمستقبل المظلم الذي يواجهه ذو الخويصرة من وجوه الخوارج الذي أتي النبي ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) و هو يقسمالغنائم بعد منصرفهم من حنين فقال للنبي ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) : يا رسولاللّه اعدل ، فقال رسول اللّه ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) : « ويلك من يعدل إن لم أعدل قد خبت وخسرت إن لم أعدل » ، فقال عمر بن الخطاب : يا رسول اللّه ائذن لي فيه أن أضرب عنقه؟

    قال : « دعه فإنّ له أصحاباً يحقّر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم ، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، يمرقون من الإسلام كما يرمق السهم من الرميّة ، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء ». (2)

    فأي فرق بين هذا التنبّؤ ونظائره الواردة في أحاديث النبي ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) ، والتنبّؤ بافتراق أُمّته إلى الفرق المعدودة؟

    وأمّا دليله الثالث ، فعجيب جداً ، فقد رواه أبو داود ( 202 ـ 275 هـ ) في سننه ، والترمذي ( 209 ـ 279 هـ ) في صحيحه ، وابن ماجة ( 218 ـ 276 هـ ) في سننه ، وأحمد بن حنبل ( 241 هـ ) في مسنده ، والجميع من أعيان أصحاب الحديث في القرن الثالث ، فكيف يقول هذا الكاتب : « بل ولا الثالث الهجري »؟! وإليك بعض ما أسندوه :

    1 ـ روى أبو داود في كتاب السنة ، عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه : افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة ، وتفرّقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة ، وتفترق أُمّتي على ثلاث وسبعين فرقة ».

    ثمّ روى عن معاوية بن أبي سفيان أنّ رسول اللّه ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) قام فينا فقال : « ألا إنّ من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة ،

________________________________________

1 ـ مفاهيم القرآن : 3/503 ـ 508.

2 ـ التاج : 5/286 ، كتاب الفتن.

________________________________________

(40)

وإنّ هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين : ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة ». (1)

    2 ـ روى الترمذي في باب ما جاء في افتراق هذه الأُمّة مثله ، عن أبي هريرة. و روى عن عبد اللّه بن عمر قال : قال رسول اللّه ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) : « ليأتين على أُمّتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل حتى إن كان منهم من أتى أُمّه علانية ، لكان في أُمّتي من يصنع ذلك ، وإنّ بني إسرائيل تفرّّقت على ثنتين وسبعين ملة ، وتفترق أُمّتي على ثلاث وسبعين ملّة كلّهم في النار إلاّ ملّة واحدة » قالوا : ومن هي يا رسول اللّه؟ قال : « ما أنا عليه وأصحابي ». (2)

    3 ـ روى ابن ماجة في باب افتراق الأُمم عن أبي هريرة قال : « قال رسول اللّه ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) : تفرّقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة ، وتفترق أُمّتي على ثلاث وسبعين فرقة ».

    وروى عن عوف بن مالك قال : قال رسول اللّه : « افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة ، فواحدة في الجنةو سبعون في النار; وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة ، فإحدى وسبعون في النار وواحدة في الجنة; والذي نفس محمد بيده لتفترقنّ أُمّتي على ثلاث وسبعين فرقة ، فواحدة في الجنة وثنتان وسبعون في النار » قيل : يا رسول اللّه : من هم؟ قال : « الجماعة ».

    وروى عن أنس بن مالك ما يقرب من ذلك. (3)

    4 ـ وروى أحمد بن حنبل عن أبي هريرة ما نقلناه عنه آنفاً. (4)

    كما روى أيضاً عن أنس بن مالك ما رويناه عنه سابقاً. (5)

    وعلى كلّ تقدير فلا يهمنا البحث حول عدد الفرق وكثرتها و قلّتها ، بل

________________________________________

1 ـ سنن أبي داود : 4/198 ، كتاب السنّة.

2 ـ سنن الترمذي : 5/26 ، كتاب الإيمان ، الحديث 2641.

3 ـ سنن ابن ماجة : 2/479 ، باب افتراق الأُمم.

4 ـ مسند أحمد : 2/332.

5 ـ مسند أحمد : 3/120.

(41)

الذي نتوخّاه في هذه الصحائف هو البحث عن الفرق الموجودة في الأوساط الإسلامية و هي عبارة عن هذه الفرق : أهل السنّة (1) بأصنافهم : أهل الحديث والأشاعرة والمعتزلة والخوارج ، والشيعة بفرقها الثلاث : الإمامية الاثني عشرية ، الزيدية ، الإسماعيلية.

    وأمّا الفرق التي بادت واندثرت ، وقد أكل الدهر عليها و شرب ، فهي غير مطروحة لنا بل البحث عنها مفصلاً ضياع للوقت إلاّ على وجه الإشارة.

( قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلكُمْ أَوْ يَلْبِسكُمْ شِيَعاً وَيُذيقَ بَعْضكُمْ بَأْسَ بَعْض انْظُر كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُون ). (2)

________________________________________

1 ـ أهل السنّة لا يعتبرون الخوارج منهم ، بل لا يعتبرون المعتزلة منهم أيضاً ، ولكن المراد من أهل السنّة هنا هو المعنى الأعم ، أي غير الشيعة ، أي من يقول بكون الخلافة بالبيعة والشورى ، فكلّ من يقول بكون الإمامة مقاماً تنصيصيّاً يعد من الشيعة ، ومن يقول بكونها مقاماً انتخابياً فهو معدود من أهل السنّة ، فالملاك في التقسيم هو هذا لا المصطلح المعروف بين أهل الحديث والأشاعرة ، فلو خضعنا لمصطلح الأوّلين ، فهم ربما لا يعدّون الأشاعرة أيضاً منهم ، هذا ابن تيمية يكن العداوة للأشاعرة ولا يعدّهم منهم.

2 ـ الأنعام : 65.

________________________________________

(42)

________________________________________

(43)

الفصل الثاني

بدايات الاختلاف في عصر الرسالة

    لا شكّ في أنّ المسلمين قد اختلفوا بعد لحوق النبي الأكرم بالرفيق الأعلى إلى فرق مختلفة ، وسنبين جذور هذه الخلافات وحوافزها في الأبحاث الآتية.

    إنّما الكلام في وضع المسلمين أيّام النبي الأكرم ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) ، فهل كانوا محتفظين بوحدة كلمتهم ومستسلمين لأمر نبيّهم جميعاً كما أمر اللّه به سبحانه ، أم كان هناك بعض الاختلاف بينهم في جملة من المسائل؟

    لا شكّ أنّ المسلم الحقيقي هو من يستسلم لأوامر اللّه ورسوله ولا يخالفه قيد شعرة آخذاً بقوله سبحانه : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَي اللّهِ وَرَسُولهِِِ واتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَميعٌ عَليم ) (1) . وقد فسر المفسرون قوله سبحانه : ( لا تُقَدّمُوا بَيْنَ يَدَي اللّه وَرَسُوله ) بقولهم : أي لا تتقدموا على اللّه ورسوله في كلّ ما يأمر وينهى ، ويؤيده قوله سبحانه في نفس السورة : ( وَاعْلَمُوا أَنَّ فيكُمْ رَسُولَ اللّهِ لَو يُطِيعُكُمْ في كَثير مِنَ الأَمْرِلَعَنِتّم ) . (2)

    وقال عزّ من قائل : ( فَلا وَرَبّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحكّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرجاً مِمّا قَضَيْت وَيُسَلِّمُوا تَسْليماً ) . (3)

________________________________________

1 ـ الحجرات : 1.

2 ـ الحجرات : 7.

3 ـ النساء : 65.

________________________________________

(44)

    ومع ذلك كلّه فقد نجمت بين الصحابة والنبي الأعظم مشاجرات ومنازعات بين آونة وأُخرى قد ضبطها التاريخ وأصحاب السير. غير أنّ الشهرستاني يصر على أنّ أكثر الخلافات كان من جانب المنافقين و قال : « إنّ شبهات أُمّته في آخر زمانه ، ناشئة من شبهات خصماء أوّل زمانه من الكفّار والملحدين ، وأكثرها من المنافقين ، وإن خفي علينا ذلك في الأُمم السالفة لتمادي الزمان ، فلم يخف في هذه الأُمّة أنّ شبهاتها نشأت كلّها من شبهات منافقي زمن النبي ، إذ لم يرضوا بحكمه فيما كان يأمر وينهى ، وشرعوا فيما لا مسرح للفكر فيه ولا مسرى وسألوا عمّا منعوا من الخوض فيه والسؤال عنه ، وجادلوا بالباطل في ما لا يجوز الجدال فيه ».

    ثمّ ذكر الشهرستاني حديث ذي الخويصرة التميمي في تقسيم الغنائم إذ قال : اعدل يا محمد ، فإنّك لم تعدل ، حتى قال عليه الصلاة والسلام : « إن لم أعدل فمن يعدل ». (1)

    إنّ ما ذكره الشهرستاني صحيح لا غبار عليه غير أنّ الاعتراض والخلاف لم يكن منحصراً بالكفار و المنافقين بل كان هناك رجال من المهاجرين والأنصار ، يعترضون على النبي في بعض الأُمور التي لا تروقهم ، وكأنّ الشهرستاني نسي قصة الحديبية حيث آثر رسول اللّه ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) الصلح يوم الحديبية على الحرب وأمر به ، عملاً بما أوصى اللّه إليه ، وكانت المصلحة في الواقع وفي نفس الأمر توجبه لكنّها خفيت على أصحابه فطفق بعضهم ينكره والآخر يعارضه علانية بكلّ ما لديه من قوة. هذا هو عمر بن الخطاب فإنّه بعد ما تقرر الصلح بين الفريقين على الشروط الخاصة وقد أدركته الحمية ، فأتى أبا بكر و قد استشاط غضباً فقال : يا أبا بكر أليس برسول اللّه ؟ قال : بلى. قال : أو لسنا بالمسلمين؟ قال : بلى. قال : أوليسوا بالمشركين؟قال : بلى. قال : فعلام نعطي الدنية في ديننا ... الحديث. (2)

    وكأنّ الشهرستاني غفل أيضاً عن الجدال الشديد بين النبي وبعض

________________________________________

1 ـ الملل والنحل : 1/21.

2 ـ السيرة النبوية لابن هشام : 3/317.

________________________________________

(45)

أصحابه في متعة الحج. قال الإمام القرطبي : « لا خلاف بين العلماء أنّ التمتع المراد بقوله تعالى : ( فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَة إِلَى الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدي ) (1) هو الاعتمار في أشهر الحجّ قبل الحجّ ، قلت : وهو فرض من نأى عن مكة بثمانية وأربعين ميلاً من كلّ جانب على الأصح ، وإنّما أضيف الحجّ بهذه الكيفية إلى التمتع أو قيل عنه : التمتع بالحج ، لما فيه من المتعة ، أي اللذة بإباحة محظورات الإحرام في المدة المتخلّلة بين الإحرامين ، وهذا ما كرهه عمر وبعض أتباعه فقال قائلهم : أننطلق و ذكورنا تقطر؟!

    وفي « مجمع البيان » أنّ رجلاً قال : أنخرج حجاجاً ورؤوسنا تقطر؟ وأنّ النبي ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) قال له : « إنّك لن تؤمن بها أبداً ». (2)

    ولأجل هذه المكافحة التي نجمت في حياة النبي خطب عمر بن الخطاب في خلافته وقال : متعتان كانتا على عهد رسول اللّه ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما. (3)

    وهذه الأُمور تسهل لنا التصديق بما رواه البخاري في إسناد عن عبيد اللّه بن عبد اللّه ، عن ابن عباس قال : « لما اشتد بالنبي ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) وجعه قال : ايتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده ». قال عمر : إنّ النبي ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) غلبه الوجع ، وعندنا كتاب اللّه حسبنا ، فاختلفوا وكثر اللغط. قال : « قوموا عنّي ، ولا ينبغي عندي التنازع ». فخرج ابن عباس يقول : إنّ الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول اللّه ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) وبين كتابه ». (4)

    كما تسهل لنا التصديق بخلافهم في حال حياته عندما أمرهم بقوله : « جهزوا جيش أُسامة لعن اللّه من تخلّف عنه » ، فقال قوم : يجب علينا امتثال

________________________________________

1 ـ البقرة : 196.

2 ـ النص والاجتهاد : 120 ، وقد نقل مصادر كلامه.

3 ـ مفاتيح الغيب للرازي : 3/201 في تفسير آية 24من سورة النساء; شرح التجريد للفاضل القوشجي : 484.

4 ـ صحيح البخاري : 1/30.

________________________________________

(46)

أمره ، وأُسامة قد برز من المدينة ، وقال قوم : قد اشتد مرض النبي عليه الصلاة والسلام فلا تسع قلوبنا مفارقته والحالة هذه ، فنصبر حتى نبصر أي شيء يكون من أمره. (1)

    نعم كانت هناك هنابث ومشاجرات في أُمور لا تروق سليقة بعض النفوس وميولهم ، غير أنّ هذه الخلافات لم تكن على حدّتنشق بها عصا الوحدة وتنفصم بها عرى الأُخوة ، وأعظم خلاف بين الأُمّة هو الخلاف الذي نجم بعد لحوقه بالرفيق الأعلى ، وهو الخلاف في الإمامة وقد لمست الأُمة ضرره وخسارته حتى أنّ الشهرستاني أعرب عن عظم هذه الخسارة بقوله : « ما سل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سل على الإمامة في كلّ زمان ». (2)

    وإليك بيان أساس هذا الاختلاف :

    لما التحق النبي الأكرم ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) بالرفيق الأعلى صارت الأُمّة فرقتين باقيتين إلى الآن :

    الأُولى : القائلون بأنّ منصب الإمامة منصب إلهي وأنّ الإمام يقوم بالوظائف التي كانت قد أُلقيت على عاتق النبي من تبيين الأحكام الشرعية وتفسير كتاباللّه وصيانة الدين عن النقص والزيادة والإجابة على الأسئلة الواردة والاعتراضات المتوجهة إلى الدين مضافاً إلى إدارة المجتمع البشري وسياسته التي يعبر عنها بالحكومة الإسلامية.

    الثانية : القائلون بأنّ منصب الإمامة منصب عادي يجب أن يقوم بها واحد من آحاد الأُمّة لتبرير أمر المجتمع سياسة واجتماعاً واقتصاداً وغير ذلك ، وأنّه لم يرد في أمر الخلافة نص على شخص ما وهؤلاء هم الموسومون بأهل السنّة.

( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّه جَميعاً ولا تَفَرَّقُوا ). (3)

________________________________________

1 ـ الملل والنحل : 1/23 ـ 24.

2 ـ الملل والنحل : 1/23 ـ 24.

3 ـ آل عمران : 103.

________________________________________

(47)

الفصل الثالث

علل تكوّن الفرق الإسلامية

    إنّ الوقوف على تاريخ الفرق الإسلامية ، وكيفية تكوّنها والعلل الباعثة على نشأتها ، من الأبحاث المهمة التي تعين الباحث في تقييم المذاهب الإسلامية ومدى إخلاص أصحابها في نشرها وبثها بين الأُمّة ، و هذه النقطة الحسّاسة من علم الملل والنحل ، قد أهملت في كثير من كتب الفرق والنحل إلاّ شيئاً قليلاً لا يشبع نهمة الطالب ، ونحن نأتي في هذه العجالة بإجمال ما وقفنا عليه في تاريخ تكوّنها والبواعث الموجدة لها ، وأمّا الإسهاب في البحث فموكول إلى آونة أُخرى.

    لبّى النبي الأكرم ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) دعوة ربّه وانتقل إلى جواره وترك لأُمّته ديناً قيماً عليه سمات من أبرزها « بساطة العقيدة ويسر التكليف » وأخذ المسلمون يفتحون البلاد بقوة المنطق أوّلاً وحدّالسلاح ثانياً ، وأخذت قوى الكفر والشر تنسحب أمام دعاة الإسلام وجنوده البواسل ، وتنصاع لهداه البلاد إثر البلاد.

    ارتحل الرسول الصادع بالحق ، وترك بين أُمّته كتاب اللّه العزيز الذي فيه تبيان كل شيء (1) ، وسنّته الوضّاءة المقتبسة من الوحي (2) السليم من الخطأ ،

________________________________________

1 ـ ( وَنَزَّلنا عَلَيْكَ الكِتاب تِبْياناً لِكُلِّ شَيْء ) ( النحل : 89 ).

2 ـ ( إِنْ هُوَ اِلاّ وَحْيٌ يُوحى ) ( النجم : 4 ).

________________________________________

(48)

المصون من الوهن وعترته الطيبين الذين هم في لسان نبيّهم قرناء الكتاب. (1)

    فالمسلمون الأوّلون في ضوء بساطة العقيدة وسهولة التشريع و في ظل هذه الحجج والأدلة القويمة ، كانوا في غنى عن الخوض في أقوال المدارس العقلية والمناهج الكلامية التي كانت دارجة بين الأُمم المتحضّرة آنذاك ، فهم بدل الغور فيها ، كانوا يخوضون غمار المنايا و يرتادون ميادين الحروب في أقطار العالم وأرجاء الدنيا لنشر الدين والتوحيد ومكافحة شتى ألوان الشرك والثنوية ومحو العدوان والظلم عن المجتمع البشري.

    نعم كان هذا وصفهم وحالهم إلاّ شذاذاً منهم من الانتهازيين ، عبدة المقام وعشاق المال ممن لم تهمّهم إلاّأنفسهم وإلاّعلفهم وماؤهم ، وقد قلنا إنّ بساطة التكليف كانت إحدى العوامل التي صرفت المسلمين عن التوجه والتعرض للمناهج الفلسفية الدارجة في الحضارات القائمة آنذاك ، فلأجل ذلك كانوا يكتفون مثلاً في معرفة اللّه سبحانه بقوله عزّمن قائل : ( أَفِي اللّه شَكٌّ فاطرِ السَّمواتِ والأَرضِ ) (2) ، وقوله عزّجلّ : ( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْء أَمْ هُمُ الْخالِقُون ). (3)

    وفي نفي الشرك والثنوية كانوا يكتفون بقوله سبحانه : ( لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاّ اللّهُ لَفَسَدتا ). (4)

    وفي التعرّف على صفاته وأفعاله بقوله سبحانه : ( هُوَ اللّهُ الَّذي لاإِلهَ إِلاّهُوَ عالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحيم ) (5) ، إلى آخر سورة الحشر.

    وفي تنزيهه عن التشبيه والتجسيم بقوله سبحانه : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّميعُ الْبَصير ) (6) ،

________________________________________

1 ـ لقوله ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) : إنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب اللّه وعترتي ، ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً ، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا علي الحوض. والتثليث في كلامنا لا يعارض التثنية في كلام الرسول ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) ، لأنّ مرجع كلام العترة إلى سنّة الرسول التي أودعها في قلوبهم بإذن اللّه عزّ وجلّ.

2 ـ إبراهيم : 10.

3 ـ الطور : 35.

4 ـ الأنبياء : 22.

5 ـ الحشر : 22.

6 ـ الشورى : 11.

________________________________________

(49)

وبقوله : ( لا تُدْرِكُهُ الأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصار ). (1)

    وفي سعة قدرته : ( وَما قَدَرُوا اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ) . (2)

    إلى غير ذلك من الآيات الواردة حول المبدأ والمعاد وما يرجع إليهما من الأبحاث الكلامية الغامضة ، فلكلّ واحدة من هذه المسائل نصوص في الكتاب والسنّة وهي أغنتهم عن الرجوع إلى غيرهم.

    نعم إنّ مفاهيم هذه الآيات على بساطتها تهدف إلى معان بعيدة الأغوار ، عالية المضامين ، فالكلّ يستفيد منها حسب مقدرته واستعداده فهي هادية لكلّ البشر ومفيدة لجميع الطبقات من ساذجها إلى متعلّمها ، إلى معلمها ... .

    وهذه الميزة يختصّ بها القرآن الكريم ويتميّز فيها عن غيره ، فهو مع كونه هدى للناس عامة ، خير دليل للمفكّرين صغارهم وكبارهم.

    هذا هو الكتاب ، وأمّا السنّة فهي عبارة عمّا ينسب إلى النبي من قول أو فعل أو تقرير ، نازلة منزلة التفسير والتبيين لمعاني الكتاب الحكيم ، مبينة لمجمله ، شارحة لمعانيه كما يعرب عنه قوله سبحانه : ( وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) (3) ، أي لا لتقرأ فقط ، بل لتبيّن وتشرح ما نزل ، بقولك وفعلك وتقريرك.

    وأمّا العترة فيكفي في عصمتهم وحجية أقوالهم ، حديث الثقلين الذي تواتر نقله ، وقام بنقله أكابر المحدّثين في العصور الإسلامية كلّها.

    وكان اللائق بالمسلمين والواجب عليهم مع الحجج الإلهية ، التمسّك بالعروة الوثقى ورفض الاختلاف ، ولكن يا للأسف تفرقوا إلى فرق وفرق لعلل نشير إليها.

    إنّ لتكوّن المذاهب الإسلامية ـ أُصولاً وفروعاً ـ عللاً وأسباباً ومعدات وممهدات ولا يقوم بحقّ بيانها الباحث إلاّ بإفراد كتاب خاص في هذا الموضوع ،

________________________________________

1 ـ الأنعام : 103.

2 ـ الأنعام : 91.

3 ـ النحل : 44.

________________________________________

(50)

ولكن نشير في هذه العجالة إلى العوامل الرئيسية في تكوّن الفرق ونشوئها في المجتمع الإسلامي وهي أُمور :

    1 ـ الاتجاهات الحزبية والتعصبات القبلية.

    2 ـ سوء الفهم واعوجاجه في تحديد الحقائق الدينية.

    3 ـ المنع عن كتابة حديث رسول اللّه ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) ونقله والتحدّث به كما سيجيء.

    4 ـ فسح المجال للأحبار والرهبان للتحدّث عن قصص الأوّلين والآخرين.

    5 ـ الاحتكاك الثقافي واللقاء الحضاري بين المسلمين وغيرهم من الفرس والروم والهنود.

    6 ـ الاجتهاد في مقابل النصّ.

    وإليك البحث في كلّ واحد من هذه العوامل حسب ما يقتضيه المجال.

( وَلَوْ أَنّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعظُونَ بِهِ لَكانَ خَيراً لَهُمْ وَأَشدَّ تَثْبيتاً ) (1) .

________________________________________

1 ـ النساء : 66.

(51)

العامل الأوّل

الاتجاهات الحزبيةُ والتعصّبات القبلية

    إنّ أعظم خلاف بين الأُمّة هو الخلاف في قضية الإمامة ، إذ ما سل سيف قطّ في الإسلام وفي كلّ الأزمنة على قاعدة دينية مثل ما سلّ على الإمامة ، وقد كان الشقاق بين المسلمين في تلك المسألة أوّل شقاق نجم بينهم وجعلهم فرقاً أو فرقتين. فمن جانب نرى علياً صلوات اللّه عليه ورجال البيت الهاشمي ركنوا إلى النص وقالوا : إنّ الإمامة شأنها شأنالنبوة لا تكون إلاّ بالنصّ. وإنّ هذا النصّ قد صدر عن النبي في مواطن شتى ، آخرها واقعة الغدير المشهورة بين كافّة الناس حينما قام النبي ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) في محتشد عظيم وقال : « من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه ... ».(1)

    ومن جانب آخر نرى الأنصار تجتمع في سقيفة بني ساعدة قبل تجهيز النبي ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) ومواراته ، يبحثون عن قضية الإمامة أو الخلافة ، فيرى سيدهم أنّ القيادة حقّ للأنصار رافعاً عقيرته بقوله : يا معشر الأنصار لكم سابقة في الدين وفضيلة في الإسلام ليست في العرب ، إنّ محمّداً ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) لبث بضع عشرة سنة في قومه يدعوهم إلى عبادة الرحمن وقلع الأنداد

________________________________________

1 ـ راجع في تواتره وكثرة رواته في جميع العصور الإسلامية من عصر الصحابة إلى عصرنا هذا ، ودلالته على الولاية الكبرى للإمام أمير المؤمنين ، كتاب الغدير : الجزء الأوّل ، ولأجل ذلك طوينا الكلام عن نقل مصادره.

________________________________________

(52)

والأوثان ، فما آمن به من قومه إلاّ رجال قليل ما كانوا يقدرون على أن يمنعوا رسول اللّه ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) ولا أن يعزوا دينه ولا أن يدفعوا عن أنفسهم ضيماً عموا به ، حتى إذا أراد بكم الفضيلة ساق إليكم الكرامة وخصّكم بالنعمة ، فرزقكم اللّه الإيمان به ورسوله والمنع له ولأصحابه ، والإعزاز له ولدينه ، والجهاد لأعدائه ، فكنتم أشدّ الناس على عدّوه منكم وأثقله على عدوه من غيركم ، حتى استقامت العرب لأمر اللّه طوعاً وكرهاً ـ إلى أن قال ـ : استبدوا بهذا الأمر دون الناس.

    فأجابوه بأجمعهم : أن قد وفقت في الرأي وأصبت في القول ولن نعدو ما رأيت ، نولّيك هذا الأمر فإنّك فينا مقنع ولصالح المؤمنين رضى. (1)

    هذا منطق الأنصار ورئيس جبهتهم ترى أنّه يجر النار إلى قرصه وحزبه بحجّة أنّهم آمنوا بمحمّد ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) ونصروه وآووه ، إلى غير ذلك من الحجج التي ذكرها سعد بن عبادة ، رئيس الخزرج في جبهة الأنصار.

    ومن جهة ثالثة نرى بعض المهاجرين الذين اطّلعوا على اجتماع الأنصار في السقيفة ، يتركون تجهيز النبي ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) ومواراته ويسرعون إلى السقيفة ويحضرون في جمعهم ويناشدونهم ويعارضون منطقهم بقولهم : إنّ المهاجرين أوّل من عبد اللّه في الأرض وآمن باللّه وبرسوله ، وهم أولياؤه وعشيرته ، وأحقّ الناس بهذا الأمر من بعده ، ولا ينازعهم في ذلك إلاّظالم ـ إلى أن قال ـ : من ذا ينازعهم في سلطان محمّد ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) وإمارته وهم أولياؤه وعشيرته ، إلاّ مدل بباطل أو متجانف لإثم أو متورط في هلكة. (2)

    وهذا منطق بعض المهاجرين لا يقصر في الصلابة أو الوهن عن منطق الأنصار ، والكلّ يدّعي أنّ الحقّ له ولحزبه ، من دون أن يتفكّروا في مصالح الإسلام والمسلمين ، ومن دون أن يتفكّروا في اللياقة والكفاءة في القائد ، ومن دون أن يرجعوا إلى الكتاب والسنّة وإحراز المعايير التي يجب وجودها في القائد ، فيشبه منطق هؤلاء منطق المرشحين من سرد الثناء على أنفسهم وحزبهم لرئاسة الجمهورية أو عضوية المجلس الوطني.

________________________________________

1 ـ تاريخ الطبري : 2/456 ، حوادث سنة 11 هـ.

2 ـ تاريخ الطبري : 2/457 ، حوادث سنة 11 هـ.

________________________________________

(53)

وكلّ يدّعي وصلاً بليلى          وليلى لا تقر لهم بذاكا

    نعم كان هذاالتشاجر قائماً بينهم على قدم وساق إلى أن تغلب جناح هذا الصنف من المهاجرين على جبهة الأنصار بإعانة بعض الأنصار وهو « بشير بن سعد » و هو ابن عم « سعد بن عبادة » ، فبايع أبا بكر حتى يكسر على سعد بن عبادة وعلى الخزرج ما كانوا أجمعوا أمرهم ، ولما رأت الأوس ما صنع بشير بن سعد وما تدعو إليه قريش وما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة ، قال بعضهم لبعض ـ و فيهم أسيد بن حضير وكان أحد النقباء ـ : واللّه لئن وليتها الخزرج عليكم مرة لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيباً ، فقوموا فبايعوا أبا بكر ، فقاموا إليه وبايعوه. (1)

    وهناك كلمة قيمة للإمام أمير المؤمنين في تقييم احتجاج الأنصار والمهاجرين نقلها الشريف الرضي في نهج البلاغة ، قال :

    لمّا انتهت إلى أمير المؤمنين ( عليه السَّلام ) أنباء السقيفة ، بعد وفاة رسول اللّه ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) ، قال ( عليه السَّلام ) : « ما قالت الأنصار؟ » قالوا : قالت : منّا أمير ومنكم أمير.

    قال ( عليه السَّلام ) : « فهلا احتججتم عليهم بأنّ رسول اللّه ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) وصى بأن يحسن إلى محسنهم ، ويتجاوز عن مسيئهم »!

    قالوا : وما في هذا من الحجّة عليهم؟ .

    فقال ( عليه السَّلام ) : « لو كانت الإمارة فيهم ، لم تكن الوصية بهم ».

    ثمّ قال ( عليه السَّلام ) : « فماذا قالت قريش؟ ».

    قالوا : احتجت بأنّها شجرة الرسول ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ).

    فقال ( عليه السَّلام ) : « احتجّوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة ». (2)

________________________________________

1 ـ تاريخ الطبري : 2/458 ، حوادث سنة 11 هـ.

2 ـ نهج البلاغة : الخطبة64.

________________________________________

(54)

    وفي كلمة قصيرة عن الإمام ( عليه السَّلام ) ، قال : « واعجباه تكون الخلافة بالصحابة ، ولا تكون بالصحابة والقرابة ».

    قال الرضي ، وقد روي له شعر قريب من هذا المعنى وهو :

    فإن كنت بالشورى ملكتأُمورهم فكيف بهذا والمشيرون غُيَّبُ

    وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم فغيرك أولى بالنبي وأقرب (1)

    وبتلك المعايير و المبررات تمت البيعة للخليفة ، والكلّ أشبه بالمكافحات الحزبية أو القبلية التي لا تمت إلى الإسلام وأهله بصلة.

    فعند ذلك أخذ هؤلاء المهاجرون بزمام الحكم واحداً بعد واحد إلى أن تربّع ثالث القوم عثمان بن عفان على منصة الحكم فحدثت في زمانه حوادث مؤلمة وبدع كثيرة أدّت إلى الفتك به والإجهاز عليه.

    غير أنّ عليّاً صلوات اللّه عليه وبني هاشم وعدّة من المهاجرين والبدريين وعدّة من أكابر الأنصار تمسّكوا بالنصّ النبوي وبقوا على ما فارقهم رسول اللّه ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) عليه ، كما أنّ رئيس الأنصار الخزرجيين وداعميه لم يبايعوا أبا بكر ولا عليّاً.

    هذا تحليل تكوّن أوّل تفرّق حدث في الإسلام; فجعل الأُمّة فرقتين : فرقة تشايع الخلفاء ، وفرقة تشايع عليّاً ( عليه السَّلام ) إلى اليوم الحاضر.

    والذين شايعوا عليّاً ( عليه السَّلام ) وتابعوه لم يكن ذلك منهم إلاّتمسكاً بالدين مذعنين بأنّ النبي ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) قد نصّ عليه من دون أن يكون هناك اندفاع حزبي أو علاقة شخصية أو قبلية ، بل تسليماً لقوله سبحانه : ( وَما كانَ لِمُؤمِن وَلا مُؤْمِنَة إِذا قَضى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرهِمْ ). (2)

    وأمّا غيرهم فقد عرفت المعايير التي استندوا إليها في تقديمهم على غيرهم ، فالكلّ معايير قبلية أو شخصية.

________________________________________

1 ـ نهج البلاغة ، طبعة عبده ، قسم الحكم ، الرقم190. وفي المطبوع تحريف ، والصحيح ما أثبتناه في المتن.

2 ـ الأحزاب : 36.

________________________________________

(55)

العامل الثاني

سوء الفهم واللجاج في تحديد الحقائق

    إذا كانت الدعايات الحزبية أوّل عامل لتكوّن الفرق ، فهناك عامل ثان لتفريق المسلمين وتبديدهم إلى فرق متباعدة ، وهو سوء الفهم ـ عن تقصير ـ في تحديد العقائد الدينية من بعضهم ، وقلة العقل وخفّته في بعض آخر منهم ، وقد كان هذا عاملاً قويّاً لتكوّن الخوارج التي كانت من أخطر الفرق على الإسلام والمسلمين ، لولا أنّ الإمام عليّاً ( عليه السَّلام ) استأصلهم وبدد شملهم ، ومع ذلك بقيت منهم حشاشات تنجم تارة وتخفق أُخرى في الأجيال والقرون ، وإليك شرحه :

    لقد ثار أهل العراق والحجاز ومصر على عثمان نتيجة الأحداث المؤلمة التي ارتكبها عماله في هذه البلاد وانتهى الأمر إلى قتله وتنصيب علي ( عليه السَّلام ) مكانه لما عرفت الأُمّة من علمه وفضله وسابقته وجهاده المنقطع النظير ، وقام علي ( عليه السَّلام ) بعزل الولاة والعمال الذين نصبهم عثمان على رقاب الناس ، وقد انتهت أعمالهم الإضرارية من جانب ، وإصرار الخليفة على إبقائهم من جانب آخر ، إلى قتله.

    قام علي ( عليه السَّلام ) بعزل الولاة آنذاك ، ونصب العمال الأتقياء الزهّاد الكفاة مكانهم ، وعند ذلك طمع الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد اللّه في العراقين ، وطلبا منه أن يولي أحدهما على الكوفة والآخر على البصرة ، والمألوف من طريقة علي ( عليه السَّلام ) في تنصيب العمال اشتراط شروط ، تخالف ما كان عليه

 

________________________________________

(56)

الرجلان وقد قال في حقّهما كلمة : « وإنّي أخاف شرهما على الأُمّة وهما معي ، فكيف إذا فرقتهم في البلاد ». (1)

    فعند ذلك ثارا على الإمام علي ( عليه السَّلام ) وخرجا عليه واتّهماه ـ لتبرير موقفهما ـ بقتل عثمان أو إيواء قتلته ، وكانت نتيجة ذلك اشتعال نار الحرب بين الإمام والرجلين في نواحي البصرة « حرب الجمل » وقتل الرجلين بعد أن أُريقت دماء الأبرياء.

    ثمّ إنّ معاوية قد عرف موقف علي ( عليه السَّلام ) بالنسبة إلى عمال الخليفة « عثمان » ، و مع هذا طلب من الإمام إبقاءه والياً على الشام ، فرفض الإمام ذلك لما يعرف من نفسية معاوية وانحرافه ، ونشبت من ذلك « حرب صفين » ولما ظهرت بوادر الفتح المبين لعلي وجيشه ، التجأ معاوية وحزبه إلى خديعة رفع المصاحف والدعوة إلى تحكيم القرآن بين الطرفين ، فصار ذلك نواة لحدوث الاختلاف في جبهة علي ( عليه السَّلام ). فمن قائل : نستمر في الحرب وهذه خدعة ومكر ، ومن قائل : نجيبهم إلى ما دعونا إليه.

    وقد أمر الإمام بمواصلة الحرب ، وقام بتبيين الخدعة ، غير أنّ الظروف الحاكمة السائدة على جيش الإمام ألجأته إلى قبول وقف الحرب وإدلاء الأمر إلى الحكمين وإعلان الهدنة ، وكتب هناك كتاباً حول هذا.

    ومن العجيب أنّ الذين كانوا يصرون على إيقاف الحرب ندموا على ما فعلوا فجاءوا إلى الإمام يصرّون على نقض العهد ، والهجوم على جيش معاوية من جديد ، غير أنّ الإمام وقف في وجههم بصمود لما يتضمن من نقض العهد ( وَكانَ عَهْدُ اللّهِ مَسْؤُولاً ) . (2)

    وعند ذلك نجمت فرقة باسم الإسلام من جيش علي ( عليه السَّلام ) وطلع قرن الشيطان ، فعادت تلك الجماعة خارجة عن إطاعة إمامهم ، رافضة لحكومته ، ومبغضة إيّاه كما أبغضت عثمان وعماله ، وهذه الفرقة هي فرقة الخوارج وما زالوا

________________________________________

1 ـ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 11/16.

2 ـ الأحزاب : 15.

________________________________________

(57)

مبدأ أحداث وعقائد في التاريخ. وكان الحافز القوي على تكوّن هذه الفرقة هو سوء الفهم واعوجاج السليقة ، وقد عرّفهم الإمام بقول هـ عندما شهروا سيوفهم عليه في النهروان ـ : « فأنا نذيركم أن تصبحوا صرعى بأثناء هذا النهر وبأهضام هذا الغائط على غير بيّنة من ربّكم ولا سلطان مبين معكم ، قد طوّحت بكم الدار واحتبلكم المقدار ، وقد كنت نهيتكم عن هذه الحكومة فأبيتم علي إباء المخالفين المنابذين ، حتى صرفت رأيي إلى هواكم وأنتم معاشر أخفّاء الهام ، سفهاء الأحلام ». (1)

    وللإمام كلمة أُخرى يشير فيها إلى السبب الذي فارقوا به عن الحقّ قال صلواتاللّه عليه : « لا تقتلوا الخوارج بعدي ، فليس من طلب الحقّ فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه » ( يعني معاوية وأصحابه ).

    قال الإمام عبده : والخوارج من بعده وإن كانوا قد ضلّوا بسوء عقيدتهم فيه إلاّأنّ ضلّتهم لشبهة تمكّنت في نفوسهم ، فاعتقدوا أنّ الخروج عن طاعة الإمام ممّا يوجبه الدين عليهم ، فقد طلبوا حقّاً وأرادوا تقريره شرعاً ، فأخطأوا الصواب فيه. (2)

    وقد زعموا أنّ مسألة التحكيم تخالف قوله سبحانه : ( إِنِ الحُكْمُ إِلاّللّه ). (3)

    وسيوافيك مفاد الآية ومقالة المحتجين بها ـ عند البحث عن عقائد تلك الفرقة ـ كي يظهر مدى اعوجاج فهم القوم.

ظهور المرجئة

    قد كان لظهور الخوارج أثر بارز في حدوث الفتن وظهور الحوادث الأُخر في المجتمع الإسلامي ، وقد نجمت المرجئة من تلك الناحية حيث إنّ الإرجاء

________________________________________

1 ـ نهج البلاغة شرح محمد عبده : 1/82 ، الخطبة 35.

2 ـ نهج البلاغة شرح محمد عبده : 1/103 الخطبة 58.

3 ـ يوسف : 40.

________________________________________

(58)

بمعنى التأخير قال سبحانه : ( أَرْجه وَأَخاهُ وَأَرسل فِي المدَائنِ حاشِرين ) . (1)

    ولهذه الفرقة ( المرجئة ) آراء خاصة نشير إليها في محلّها ، غير أنّ اللبنة الأُولى لظهورها هي اختلافهم في أمر علي وعثمان ، فهؤلاء ( الخوارج ) كانوا يحترمون الخليفتين أبا بكر وعمر ويبغضون علياً وعثمان ، على خلاف أكثرية المسلمين ، ولكن المرجئة الأُولى لما لم يوفقوا لحلّ هذه المشكلة التجأوا إلى القول بالإرجاء فقالوا : نحن نقدّم أمر أبي بكر وعمر ، ونؤخّر أمر الآخرين إلى يوم القيامة ، فصارت المرجئة فرقة نابتة من خلاف الخوارج في أمر الخليفتين ، مع فوارق بينهم و بين المرجئة التي تأتي في محلّها ، والعامل لتكوّنها كأصلها ، هو سوء الفهم واعوجاج التفكير.

    هذا هو أصل الإرجاء ، ولبنته الأُولى ، ولكنّه قد نسي في الآونة الأخيرة; وأخذ الأصل الآخر مكانه ، و هو كون العمل داخلاً في الإيمان أو لا؟ وبعبارة أُخرى : هل مرتكب الكبيرة مؤمن أو لا؟

    ذهبت الخوارج إلى دخول العمل في صميم الإيمان ، فصار مرتكب الكبيرة كافراً.

    واختارت المعتزلة كون مرتكب الكبيرة غير مؤمن ولكنّه ليس بكافر ، بل هو في منزلة بين المنزلتين.

    وذهبت المرجئة الأُولى إلى خروج العمل من الإيمان ، وأنّ إيمان مرتكب الكبيرة ، كإيمان الملائكة والأنبياء بحجّة عدم دخالة العمل في الإيمان. فاشتهروا بالقول : « قدّموا الإيمان وأخّروا العمل » فصار هذا أصلاً وأساساً ثانوياً للمرجئة. فكلّما أطلقت المرجئة لا يتبادر منها إلاّ هؤلاء.

    إنّ الاكتفاء في تفسير الإيمان بالشهادة اللفظية أو المعرفة القلبية ، وأنّ عصاة المؤمنين لا يعذبون أصلاً ، وانّ النار للكافرين (2) واقتحام الكبائر لا يضر أبداً ،

________________________________________

1 ـ الأعراف : 111.

2 ـ شرح المقاصد للتفتازاني : 2/229 ، ولاحظ أيضاً ص 238.

________________________________________

(59)

فكرة خاطئة تسير بالمجتمع وخصوصاً الشباب فيه إلى الخلاعة والانحلال الأخلاقي وترك القيم.

    وعلى كلّ تقدير إنّ نظرية الإرجاء في كلا الموضعين نظرية باطلة نشأت من الاعوجاج في فهم المعارف والانحراف في تفسير الذكر الحكيم ، والحديث المأثور عن النبي الأكرم ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ).

    ولما كان مذهب الإرجاء لصالح السلطة الأموية أخذت تروّجه وتسانده حتى لم يلبث أن فشا في الإرجاء ، ولم تبق كورة إلاّ وفيها مرجئي ، كما سيوافيك ذلك عند البحث عن عقائد هذه الفرقة.

    وليس ظهور الخوارج أو المرجئة وحدهما نتاج الإعوجاج الفكري ، بل هناك مذاهب أُخرى نجمت من هذا المنشأ. عصمنا اللّه جميعاً من الزلل في القول والعمل.

( ادعُ إِلى سَبيلِ رَبّكَ بِالحكْمَةِ وَالْمَوعِظَةِ الحَسَنةِ وَجادِلْهُمْ بِالّتي هِيَ أَحْسَن ) (1) .

________________________________________

1 ـ النحل : 125.

________________________________________

(60)

العامل الثالث

المنع عن كتابة الحديث وتدوينه بل التحدّث عنه

    إنّ هنا عاملاً ثالثاً لتكوّّن الفرق ونشوء الفوضى في العقائد والأُصول ، وهو المنع عن كتابة الحديث وتدوينه بل التحدّث عنه بعد رسول اللّه ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) إلى عهد المنصور العباسي.

    توضيحه : الحديث عبارة عمّا ينسب إلى النبي ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) من قول أو فعل أو تقرير نازل منزلة التفسير لمعاني الكتاب الحكيم ، مبيّن لمجمله ، شارح لمعانيه ، كما يعرب عنه قوله سبحانه : ( وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون ) . (1)

    أي لا لتقرأ فقط ، بل تبيّن وتشرح ما نزل ، بقولك وفعلك وتقريرك.

    إذا كانت السنّة هي في الدرجة الثانية من الدين بعد القرآن الكريم في الحجية والاعتبار ، حتى إنّك لا تجد فيها شيئاً إلاّ وفي القرآن أُصوله وجذوره ، ولا إسهاباً إلاّ وفيه مجمله وعناوينه.

    وإذا كان الرسول ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) لا يصدر في قوله وكلامه إلاّ بإيحاء من اللّه سبحانه كما يصرح بذلك قوله سبحانه : ( ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى* وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى* إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى ). (2)

________________________________________

1 ـ النحل : 44.

2 ـ النجم : 2 ـ 4.

(61)

 

    فهل يصحّ للرسول أن يمنع عن تدوينه وكتابته أو مدارسته ومذاكرته؟!

    وإذا كان الرسول منع دراسة الحديث ونقله ونشره وتدوينه ، فما معنى قوله ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) في خطبته في منى عام حجّة الوداع : « نضر اللّه امرأً سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلّغها ، فربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه » (1) ؟!

    وما معنى قوله ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) : « نضّر اللّه امرأً سمع منا شيئاً فبلغه كما يسمع ، فرب مبلّغ أوعى من سامع » (2) ؟!

    أو قوله ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) : « اللّهمّ ارحم خلفائي ، اللّهم ارحم خلفائي ، اللّهمّ ارحم خلفائي » قيل : يا رسول اللّه ومن خلفاؤك؟ قال : « الذين يأتون من بعدي يروون حديثي وسنّتي » (3) ؟!

    كيف تصحّ نسبة المنع إلى الرسول الأعظم ، مع أنّ المستفيض منه خلافه؟! وإليك بعض ما ورد عنه ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ).

أمر الرسول بكتابة حديثه

    1 ـ روى البخاري عن أبي هريرة أنّ خزاعة قتلوا رجلاً من بني ليث عام فتح مكة بقتيل منهم قتلوه ، فأُخبر بذلك النبي ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) ، فركب راحلته فخطب ، فقال : « إنّ اللّه حبس عن مكة القتل أو الفيل ( شكّ أبو عبد اللّه ) وسلّط عليهم رسول اللّه ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) والمؤمنين. ألا وإنّها لم تحل لأحد قبلي ولم تحل لأحد بعدي ـ إلى أن قال ـ : فجاء رجل من أهل اليمن فقال : اكتب لي يا رسول اللّه؟ فقال : « اكتبوا لأبي فلان ـ إلى أن قال ـ : كتب له هذه الخطبة ». (4)

    2 ـ وروي أنّ رجلاً من الأنصار كان يجلس إلى النبي ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) فيسمع من النبي الحديث فيعجبه ولا يحفظه ، فشكا ذلك إلى النبي ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) فقال : يا رسول اللّه إنّي أسمع منك الحديث

________________________________________

1 ـ سنن الترمذي : 5/34 ح 2657 ، 2658.

2 ـ سنن الترمذي : 5/34 ح2658.

3 ـ كنزالعمال : 10/221 ، رقم الحديث 29167 و بحارالأنوار : 2/145 ح 7.

4 ـ صحيح البخاري : 29 ـ 30 ، باب كتابة العلم ، الحديث 2.

________________________________________

(62)

فيعجبني ولا أحفظه ، فقال رسول اللّه ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) : « استعن بيمينك » وأومأ بيده للخط. (1)

    3 ـ وعن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جدّه قال : قلت : يا رسول اللّه أكتب كلّ ما أسمع منك؟ قال : « نعم ». قلت : في الرضا والسخط؟ قال : « نعم فإنّه لا ينبغي لي أن أقول في ذلك إلاّحقاً ». (2)

    4 ـ وعن عبد اللّه بن عمرو قال : كنت أكتب كلّ شيء أسمعه من رسول اللّه ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) أُريد حفظه ، فنهتني قريش وقالوا : تكتب كلّ شيء سمعته من رسول اللّه ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) ورسول اللّه ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) بشر يتكلم في الغضب والرضا ، فأمسكت عن الكتابة ، فذكرت ذلك لرسول اللّه ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) ، فأومأ بإصبعه إلى فيه وقال : « اكتب ، فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلاّ حقّ ». (3)

    5 ـ وعن عمرو بن شعيب عن أبيه ، عن جدّه ، قال : قلت : يا رسول اللّه إنّا نسمع منك أحاديث لا نحفظها أفلا نكتبها؟ قال : « بلى فاكتبوها ». (4)

    أضف إلى ذلك أنّ الذكر الحكيم يحثّ المسلمين على كتابة ما يتداينون بينهم. قال سبحانه : ( يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْن إِلى أَجَل مُسمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُب وَلْيُمْلِلِ الَّذي عَلَيْهِ الحَقّ ... ) ثمّ يعود ويؤكد على المؤمنين أن لا يسأموا من الكتابة فقال سبحانه : ( وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغيراً أَوْ كَبيراً إِلى أَجلهِ ... ). (5)

________________________________________

1 ـ سنن الترمذي : 5/39 ، كتاب العلم ، باب ما جاء في الرخصة فيه ، ح 2666.

2 ـ مسند أحمد : 2/207.

3 ـ سنن الدارمي : 1/125 ، باب من رخّص في كتابة العلم; سنن أبي داود : 2/318 ، باب في كتابة العلم; مسندأحمد : 3/162.

4 ـ مسند أحمد : 2/215.

5 ـ البقرة : 282.

________________________________________

(63)

    فإذا كان المال الذي هو زينة الحياة الدنيا من الأهمية بهذه المنزلة ، فكيف بأقوال النبي ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) وأفعاله وتقاريره التي تعتبر تالي القرآن الكريم حجّية وبرهاناً؟

    وهناك كلمة قيّمة للخطيب البغدادي نأتي بها برمتها : وقد أدّب اللّه سبحانه عباده بمثل ذلك في الدين ، فقال عزّ وجلّ : ( وَلا تَسأمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبيراً إِلى أَجَلهِ ذلِكُمْ أَقْسطُ عِنْدَ اللّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادةِ وَأَدنى أَلاّ تَرْتابُوا ) . (1)

    فلمّا أمر اللّه تعالى بكتابة الدين حفظاً له ، واحتياطاً عليه وإشفاقاً من دخول الريب فيه ، كان العلم الذي حفظه أصعب من حفظ الدين ، أحرى أن تباح كتابته خوفاً من دخول الريب والشكّ فيه. بل كتابة العلم في هذا الزمان ، مع طول الاسناد ، واختلاف أسباب الرواية ، أحج من الحفظ ، ألا ترى أنّ اللّه عزّوجلّ جعل كتب الشهادة فيما يتعاطاه الناس من الحقوق بينهم ، عوناً عند الجحود ، وتذكرة عند النسيان ، وجعل في عدمها عند المموّهين بها أوكد الحجج ببطلان ما ادّعوه فيها ، فمن ذلك أنّ المشركين لما ادّعوا بهتاً اتخاذ اللّه سبحانه بنات من الملائكة ، أمر اللّه نبينا ( صلى الله عليه وآله وسلَّم ) أن يقول لهم : ( فأَتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) . (2)

    ولمّا قالت اليهود : ( ما أنزلَ اللّهُ على بشر مِنْ شَيْء ) (3) ، وقد استفاض عنهم قبل ذلك للإيمان بالتوراة ، قال اللّه تعالى لنبيّنا ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) قل لهم : ( مَنْ أَنْزلَ الكتابَ الَّذي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهدىً لِلناسِ تَجْعَلُونهُ قَراطِيسَ تُبْدُونها وَتُخْفُونَ كَثيراً ) (4) ، فلم يأتوا على ذلك ببرهان ، فأطلع اللّه على عجزهم عن ذلك بقوله : ( قُلِ اللّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ في خَوضِهِمْ يَلْعَبُون ) . (5)

________________________________________

1 ـ البقرة : 282.

2 ـ الصافات : 157.

3 ـ الأنعام : 91.

4 ـ الأنعام : 91.

5 ـ الأنعام : 91.

________________________________________

(64)

    وقال تعالى ـ رادّاً على متّخذي الأصنام آلهة من دون هـ : ( أَروني ماذا خَلَقُوا مِنَ الأَرضِ أَمْ لَهُمْ شِرِكٌ فِي السَّماواتِ ائتُوني بِكتاب مِنْ قَبْلِ هذا أَو أَثارة مِنْ عِلْم إِنْ كُنْتُمْ صادِقين ) . (1) والأثارة والأثرة ، راجعان في المعنى إلى شيء واحد ، وهو ما أثر من كتب الأوّلين. وكذلك سبيل من ادّعى علماً أو حقاً من حقوق الأملاك ، أن يقيم دون الإقرار برهاناً ، إمّا شهادة ذوي عدل أو كتاباً غير مموّه ، وإلاّفلا سبيل إلى تصديقه.

    والكتاب شاهد عند التنازع ... إلى آخر ما ذكره. (2)

    نرى أنّه سبحانه قد شرح دساتير وحيه وآي قرآنه بالأمر بالقراءة مبيّناً أهمية القلم في التعليم والتعلّم حيث قال عزّمن قائل : ( اقرأ بِاسْمِ رَبّكَ الَّذي خَلَق* خَلَقَ الإِنْسانَ مِنْ عَلَق* اقْرَأْ وَرَبّكَ الأَكْرَم* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَم ). (3)

    بل و عظّم سبحانه القلم والكتابة تعظيماً ، حتى جعلها بمرتبة استحقاق القسم بها فهو جلّ وعلا يقول : ( ن وَالقَلَمِ وما يَسْطُرُون ) . (4)

    أفهل يعقل معه أن ينهى رسول اللّه ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) عن كتابة ما هو قرين القرآن وتاليه في الحجية ، أعني : السنة الشريفة؟! كلاّ.

 

أُسطورة المنع عن كتابة الحديث

    هذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ ما نسب إليه ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) من النهي عن كتابة الحديث ، يخالف منطق الوحي والحديث والعقل ، وما هو إلاّوليد الأوهام والسياسات التي أخذت تمنع نشر حديث الرسول ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) وتدوينه لغايات سياسية لا تخفى على ذي

________________________________________

1 ـ الأحقاف : 4.

2 ـ تقييد العلم : 70 ـ 71.

3 ـ العلق : 1 ـ 4.

4 ـ القلم : 1.

________________________________________

(65)

لب. فمثلاً روى مسلم في صحيحه وأحمد في مسنده أنّ رسول اللّه ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) قال : « لا تكتبوا عنّي ، ومن كتب عنّي غير القرآن فليمحه ». (1)

    وفي رواية : إنّهم استأذنوا النبي ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) أن يكتبوا عنه فلم يأذنهم. (2)

    وفي مسند أحمد أنّ رسول اللّه ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) نهى أن نكتب شيئاً من حديثه (3) . وأيضاً ورد في مسند أحمد عن أبي هريرة أنّه قال : « كنا قعوداً نكتب ما نسمع من النبي ، فخرج علينا فقال : « ما هذا تكتبون »؟ فقلنا : ما نسمع منك ، فقال : « أكتاب مع كتاب اللّه؟ » فقلنا : ما نسمع. فقال : « اكتبوا كتاب اللّه ، امحضوا كتاب اللّه ، أكتاب غير كتاب اللّه ، امحضوا أو خلصوه ». قال : فجعلنا ما كتبنا في صعيد واحد ثمّ أحرقناه بالنار ». (4)

    ثمّ إنّ القوم لم يكتفوا بما نسبوه إلى النبي في مجال كتابة الحديث ، بل ذكروا هناك أحاديث موقوفة على الصحابة والتابعين تنتهي إلى الشخصيات البارزة : كأبي سعيد الخدري ، وأبي موسى الأشعري ، وعبد اللّه بن مسعود ، وأبي هريرة ، وعبد اللّه بن عباس ، وعبد اللّه بن عمر ، وعمر بن عبد العزيز ، وعبيدة ، وإدريس بن أبي إدريس ، ومغيرة بن إبراهيم ، إلى غير ذلك. (5)

    وروى عروة بن الزبير أنّ عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن ، فاستشار في ذلك أصحاب رسول اللّه ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) فأشاروا عليه أن يكتبها فطفق عمر يستخير اللّه فيها شهراً ، ثمّ أصبح يوماً و قد عزم اللّه له ، فقال : إنّي كنت أردت أن أكتب السنن ، وإنّي ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً فأكبّوا عليها وتركوا كتاب اللّه ، وإنّي واللّه لا ألبس كتاب اللّه بشيء

________________________________________

1 ـ سنن الدارمي : 1/119 مسند أحمد : 3/12.

2 ـ سنن الدارمي : 1/119.

3 ـ مسند أحمد : 5/182.

4 ـ مسند أحمد : 3/12.

5 ـ جمع الخطيب في « تقييد العلم » : 29 ـ 28 ، الروايات المنسوبة إلى النبي والموقوفة على الصحابة والتابعين.

________________________________________

(66)

أبداً. (1)

    وروى ابن جرير أنّ الخليفة عمر بن الخطاب كان كلّما أرسل حاكماً أو والياً إلى قطر أو بلد ، يوصيه في جملة ما يوصيه : جرّدوا القرآن وأقلّوا الرواية عن محمّد وأنا شريككم. (2)

    وكان عمر قد شيع قرظة بن كعب الأنصاري ومن معه إلى « صرار » على ثلاثة أميال من المدينة ، وأظهر لهم أنّ مشايعته لهم إنّما كانت لأجل الوصية بهذا الأمر ، وقال لهم ذلك القول.

    قال قرظة بن كعب الأنصاري : أردنا الكوفة ، فشيّعنا عمر إلى « صرار » فتوضأ فغسل مرتين ، وقال : تدرون لم شيعتكم؟ فقلنا : نعم ، نحن أصحاب رسول اللّه ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) ، فقال : إنّكم تأتون أهل قرية لهم دويّ بالقرآن كدويّ النحل ، فلا تصدّوهم بالأحاديث فتشغلوهم ، جرّدوا القرآن ، وأقلّوا الرواية عن رسول اللّه ، وامضوا وأنا شريككم. (3)

    وقد حفظ التاريخ أنّ الخليفة قال لأبي ذر ، وعبد اللّه بن مسعود ، وأبي الدرداء : ما هذا الحديث الذي تفشون عن محمّد ؟!. (4)

    وذكر الخطيب في « تقييد العلم » عن القاسم بن محمد : أنّ عمر بن الخطاب بلغه أنّ في أيدي الناس كتباً ، فاستنكرها وكرهها ، وقال : أيّها الناس إنّه قد بلغني أنّه قد ظهرت في أيديكم كتب ، فأحبها إلى اللّه ، أعدلها وأقومها ، فلا يبقين أحد عنده كتاب إلاّ أتاني به فأرى فيه رأيي. قال فظنوا أنّه يريد ينظر فيها ويقوّمها على أمر لا يكون فيه اختلاف ، فأتوه بكتبهم ، فأحرقها بالنار ثمّ قال : أمنية كأمنية أهل الكتاب . (5)

________________________________________

1 ـ تقييد العلم : 49.

2 ـ تاريخ الطبري : 3/273 ، طبعة الأعلمي بالأُفست.

3 ـ طبقات ابن سعد : 6/7 المستدرك للحاكم : 1/102.

4 ـ كنز العمال : 10/293 ح 29479.

5 ـ تقييد العلم : 52.

________________________________________

(67)

    وقد صار عمل الخليفتين سنّة ، فمشى عثمان مشيهما ، ولكن بصورة محدودة وقال على المنبر : لا يحل لأحد يروي حديثاً لم يسمع به في عهد أبي بكر ولا عهد عمر . (1)

    كما أنّ معاوية اتبع طريقة الخلفاء الثلاث فخطب وقال : يا ناس أقلّوا الرواية عن رسول اللّه وإن كنتم تتحدّثون فتحدّثوا بما كان يتحدّث به في عهد عمر. (2)

    حتى أنّ عبيد اللّه بن زياد عامل يزيد بن معاوية على الكوفة ، نهى زيد بن أرقم الصحابي عن التحدّث بأحاديث رسول اللّه . (3)

    وبذلك أصبح ترك كتابة الحديث سنّة إسلامية ، وعدّت الكتابة شيئاً منكراً مخالفاً لها.

    هذه هي بعض الأقاويل التي رواها أصحاب الصحاح والسنن ، وفي نفس الوقت نقلوا أحاديث تناقضها وتأمر بكتابة الحديث والسنّة كما ستوافيك.

 

العقل والمنع عن كتابة الحديث

    كيف يسمح العقل والمنطق أن يحكم بصحّة الأحاديث الناهية عن الكتابة ، مع أنّ الرسول ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) أمر في أُخريات حياته أن يحضروا له قلماً ودواة ليكتب لهم كتاباً لن يضلوا بعده أبداً! وما كان المكتوب ( على فرض كتابته ) إلاّ حديثاً من أحاديثه ، فقد روى البخاري عن ابن عباس أنّه قال : لمّا اشتدّ بالنبي وجعه قال : ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده ، قال عمر : إنّ النبيّ ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) غلبه الوجع وعندنا كتاب اللّه حسبنا. فاختلفوا وكثر اللغط قال : « قوموا عنّي ولا ينبغي عندي التنازع » فخرج ابن عباس يقول : الرزية كلّ الرزية ماحال بين رسول اللّه وبين كتابه. (4)

________________________________________

1 ـ كنز العمال : 10/295 ، ح 29490.

2 ـ كنز العمال : 10/291 ، ح 29473.

3 ـ فرقة السلفية ، ص 14 ، نقلاً عن مسند الإمام أحمد.

4 ـ صحيح البخاري : 1/30 كتاب العلم ، باب كتابة العلم.

________________________________________

(68)

    أفهل يجتمع هذا الأمر مع النهي عن تدوينه؟!

    ثمّ إنّنا نرى أنّ الرسول ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) بعث كتب إلى الملوك والساسة والأُمراء والسلاطين وشيوخ القبائل ورؤسائها ناهز عددها ثلاثمائة كتاب في طريق الدعوة والتبليغ أو حول العهود والمواثيق وقد حفظ التاريخ متون هذه الرسائل التي جمع بعضها نخبة مع المحقّقين في كتب خاصة. (1)

    والتاريخ يصرح بأنّ الرسول ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) كان يملي والكاتب يكتب ، فلما ازدادت الحاجة وكثرت العلاقات الاجتماعية أصبحت الحاجة إلى كتّاب يمارسون عملهم ، فأدّى ذلك إلى كثرة الكتّاب فجعل لكلّ عمل كاتباً ، ولكلّ كاتب راتباً معيناً. وقد كان أكثرهم كتابة ، علي بن أبي طالب صلوات وسلامه عليه ، فقد كان يكتب الوحي وغيره من العهود والمصالحات ، وقد أنهى المؤرخون كتّابه ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) إلى سبعة عشر كاتباً.

    فهل يجوز أن يكتب الرسول الأكرم ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) هذه المكاتبات والعهود والمصالحات إلى بطون القبائل ورؤساء العشائر وهو يعلم أنّهم يحتفظون بهذه المكاتبات بحجّة أنّها من أوثق الوثائق السياسية والدينية ، ثمّ ينهى عن تسطير كلامه وحديثه؟! فما هذان إلاّنقيضان لا يجتمعان.

 

الغايات السياسة والأهداف الدينية

    ومع ذلك كلّه فقد غلبت الغايات السياسية على الأهداف الدينية وقامت بكلّ قوة أمام حديث النبي ونشره وكتابته ، حتّى إنّ الخليفة أبا بكر أحرق في خلافته خمسمائة حديث كتبه عن رسول اللّه ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ (2) .

    و لمّا قام عمر بعده بالخلافة نهى عن كتابة الحديث وكتب إلى الآفاق : أنّ من كتب حديثاً فليمحه. (3)

    ثمّ نهى عن التحدّث ، فتركت عدّة من الصحابة الحديث

________________________________________

1 ـ « كالوثائق السياسية » لمحمد حميد اللّه ، و « مكاتيب الرسول » للعلاّمة الأحمدي.

2 ـ كنز العمال : 10/237و 239.

3 ـ مسند أحمد : 3/12و 14.

________________________________________

(69)

عن رسولاللّه ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ (1) فلم يكتب الحديث ولم يدوّن إلاّ في عهد المنصور عام 143 هـ كما سيوافيك بيانه.

    وقد بلغت جسارة قريش على ساحة النبي الأقدس أن منعوا عبد اللّه بن عمرو عن الاهتمام بحديث النبي وكتابته مدّعين بأنّه بشر يغضب (2) . أي واللّه إنّه بشر يرضى ويغضب ، ولكن لا يرضى ولا يغضب إلاّ من حقّ ولا يصدر إلاّ عنه.

    إنّ الرزية الكبرى هي أن يمنع التحدّث بحديث رسوله وكتابته وتدوينه ويحل محله التحدّث عن العهد القديم والجديد وعن الأحاديث الإسرائيلية والمسيحية والمجوسية (3) فتمتلئ الأذهان والصدور بالقصص الخرافية التي لا تمت إلى الإسلام بصلة ولا يصدقها العقل والمنطق كما سيمر عليك شرح تلك الفاجعة العظمى التي ألمت بالإسلام والمسلمين.

    فلو صحّ ما نقل عن أبي هريرة من جمع ما كتبه الصحابة عن النبي ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) في مكان واحد وحرقه بالنار ، لوجب على المسلمين كافة أن يجمعوا كلّ مصادر أحاديث الرسول ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) وعلى رأسها صحيح البخاري وصحيح مسلم وحرقها في مكان واحد وذلك اقتداء بالسلف الصالح!! ، وإذا صحّ فهل يبقى من الإسلام ما يرجع إليه في فهم القرآن الكريم وتمييز الحلال عن الحرام؟!

    والذي أظنّه ( وظن الألمعي صواب ) أنّ الذي منع من تدوين الحديث ونشره ومدارسته وكتابته بعد رسول اللّه ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) ، هو الذي منع كتابة الصحيفة يوم الخميس عند احتضار النبي ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) ،

________________________________________

1 ـ مستدرك الحاكم : 1/102و 104.

2 ـ المصدر نفسه.

3 ـ وقد أذن عمر بن الخطاب لتميم الداري النصراني الذي استسلم عام 9 من الهجرة أن يقص كما في كنز العمال : 1/281 ، فالتحدّث بحديث رسول اللّه يكون ممنوعاً و « الداري » وأمثاله يكونون أحراراً في بث الأساطير والقصص المحرّفة؟!

 

________________________________________

(70)

فالغاية بداية ونهاية وقبل رحلته ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) وبعدها واحدة لم تتغير ، وأمّا حقيقة تلك الغاية فتفصيلها موكول إلى آونة أُخرى ونأتي بمجملها :

    كان رسول اللّه ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) منذ أن صدع بالدعوة ، وأجهر بها ، ينص على فضائل علي ومناقبه في مناسبات شتّى ، فقد عرّفه في يوم الدار الذي ضم فيه أكابر بني هاشم وشيوخهم ، بقوله : « إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا ».

    وفي يوم الأحزاب بقوله : « ضربة علي يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين ».

    وفي اليوم الذي غادر فيه المدينة متوجهاً إلى تبوك ، وقد ترك علياً خليفته على المدينة ، عرّفه بقوله : « أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي ».

    إلى أن عرّفه في حجّة الوداع في غديرخم بقوله : « من كنت مولاه ، فهذا عليٌّ مولاه ». (1)

    وغير ذلك من المناقب والفضائل المتواترة ، وقد سمعها كثير من الصحابة فوعوها.

    فكتابة حديث رسول اللّه بمعناها الحقيقي ، لا تنفك عن ضبط ما أثر عنه ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) في حقّ أوّل المؤمنين به ، وأخلص المناصرين له في المواقف الحاسمة ، وليس هذا شيئاً يلائم شؤون الخلافة التي تقلّدها المانع عن الكتابة.

    وهناك وجه آخر للمنع عنها ، هو أنّ عليّاً كان أحد المهتمين بكتابة حديث رسول اللّه وضبطه كما كان مولعاً بضبط الوحي وكتابته. وقد كتب من أحاديث رسول اللّه ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) ما أملى عليه فصار له أُذناً واعية ، وهو ( عليه السَّلام )

________________________________________

1 ـ سيوافيك مصادر هذه الأحاديث عند البحث عن عقيدة الشيعة ، و من أراد الوقوف فليرجع إلى كتب المناقب للإمام علي ( عليه السَّلام ).

(71)

بالنسبة إلى رسول اللّه كما قال هو نفسه : « إنّي كنت إذا سألته أنبأني ، وإذا سكتُّ ابتدأني » (1) . وهو أوّل من ألّف أحاديث رسول اللّه وكتب ، وهذه منقبة عالية لأمير المؤمنين دون غيره ، إلاّ أقلّ القليل. فاهتم مخالفوه بإخفاء هذه الفضيلة ، باختلاق حديث منع الكتابة ، فروى مسلم وغيره عنه ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) : « لا تكتبوا عنّي سوى القرآن ، ومن كتب فليمحه » (2) وكانت الغاية من تلك المقالة ، الطمس على ما كتبه علي ( عليه السَّلام ) من الأحاديث.

    على أنّهم لم يكتفوا بذلك ، فرووا عن علي أنّه قال : « ليس عندنا كتاب سوى ما في قراب السيف ». (3)

    وروى البخاري عن أبي جحيفة ، قال : قلت لعلي : هل عندكم كتاب؟ قال : لا ، إلاّ كتاب اللّه ، أو فهم أعطيه رجل مسلم أو ما في هذه الصحيفة ، قال : قلت : فما في هذه الصحيفة؟ قال : العقل ، وفكاك الأسير ، ولا يقتل مسلم بكافر. (4)

    مع أنّ الكتاب الذي كتبه علي بإملاء رسول اللّه ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) ، كتاب كبير رآه أئمة الشيعة ، وهو من مواريث النبوة وكان مشتملاً على أحاديث فقهية ، وغيرها. وقد نقل عنه مشايخنا المحدّثون الأُول في جوامعهم ، ولو صحّ وجود كتاب في قراب سيفه ، فهو لا يمت إلى هذا الكتاب بصلة.

    وقد قام زميلنا العلاّمة الحجّة الشيخ علي الأحمدي ، بجمع ما روى الأئمّة عن هذا الكتاب من الأحاديث في موسوعته ، وأخرجها من الكتب الأربعة ، والجامع الأخير وسائل الشيعة. (5)

    إنّ الخسارات التي مني الإسلام والمسلمون بها من جراء مثل هذا المنع ،

________________________________________

1 ـ تاريخ الخلفاء : 115.

2 ـ سنن الدارمي : 1/119.

3 ـ مسند أحمد : 1/119.

4 ـ صحيح البخاري : 1/ 29 ، باب كتابة العلم ، الحديث1.

5 ـ لاحظ مكاتيب الرسول : 1/72 ـ 89.

________________________________________

(72)

كائناً ما كان سببه ، كانت وما تزال عظيمة ووخيمة ، وسنشير إلى بعضها في محلها إن شاء اللّه تعالى.

 

أعذار مفتعلة

    إذا كان المنع من كتابة السنّة أمراً عجيباً ، فتبرير هذا المنع بأنّه كان لصيانة اختلاط الحديث بالقرآن الكريم أعجب منه ، وذلك لأنّ التبرير هذا أشبه بالاعتذار الأقبح من الذنب ، لأنّ القرآن الكريم في أُسلوبه وبلاغته يغاير أُسلوب الحديث وبلاغته ، فلا يخاف عليه من الاختلاط بالقرآن مهما بلغ من الفصاحة ، فقبول هذا التبرير يلازم إبطال إعجاز القرآن الكريم وهدم أُصوله من القواعد.

    ومثله ، الأعذار المنحوتة الأُخرى لتبرير هذا المنع ، كخوف الانكباب على دراسة غير القرآن ، الذي نسب إلى الخليفة عمر بن الخطاب على ما مرّ ، غير أنّ مرور الزمان أثبت خلاف تلك الفكرة ، لأنّ كتابة الحديث من عصر المنصور لم تؤثر في دراسة القرآن وحفظه وتعليمه وتعلّمه. وهناك أعذار منحوتة أُخرى لا تقصر في البطلان عن سابقيها ولم تخطر ببال المانع أو المانعين أبداً ، وإنّما هي وليدة « حبّ الشيء الذي يعمي ويصم » بعد لأي من الدهر ، والهدف منه هو إسدال العذر على العمل السيِّء ، أعاذنا اللّه منه.

    وقد نحت الخطيب البغدادي مثل هذه الأعذار ، وقال : قد ثبت أنّ كراهة من كره الكتابة من الصدر الأوّل ، إنّما هي لئلا يضاهى بكتاب اللّه تعالى غيره ، أو يشتغل عن القرآن بسواه. ونهى عن الكتب القديمة أن تتخذ ، لأنّه لا يعرف حقّها من باطلها ، وصحيحها من فاسدها. مع أنّ القرآن كفى منها ، وصار مهيمناً عليها ، ونهى عن كتب العلم في صدر الإسلام وجدته ، لقلّة الفقهاء في ذلك الوقت ، والمميزين بين الوحي وغيره ، لأنّ أكثر الأعراب لم يكونوا فقهوا في الدين ، ولا جالسوا العلماء العارفين ، فلم يؤمن أن يلحقوا ما يجدون من الصحف بالقرآن. ويعتقدوا أنّ ما اشتملت عليه كلام الرحمن. (1)

________________________________________

1 ـ تقييد العلم : 57.

________________________________________

(73)

    وقد استمر المنع من تدوين الحديث إلى عهد الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز ( 99 ـ 101 هـ ) فأحسّ بضرورة تدوين الحديث ، فكتب إلى أبي بكر بن حزم في المدينة : انظر ما كان من حديث رسول اللّه فاكتبه ، فإنّي خفت دروس العلم وذهاب العلماء ، ولا تقبل إلاّ أحاديث النبي ، ولتفشوا العلم ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم ، فإنّ العلم لا يهلك حتى يكون سراً. (1)

    ومع هذا الإصرار المؤكّد من الخليفة ، صارت رواسب الحظر السابق المؤكّد من قبل الخلفاء الماضين حائلة دون القيام بما أمر به الخليفة ، فلم يكتب شيء من أحاديث النبي ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) بعد صدور الأمر منه ، إلاّ صحائف غير منظمة ولا مرتبة ، إلى أن دالت دولة الأمويّين وقامت دولة العباسيّين ، وأخذ أبو جعفر المنصور بمقاليد الحكم ، فقام المحدّثون في سنة مائة وثلاثة وأربعين بتدوين الحديث ، وفي ذلك قال الذهبي :

    وفي سنة مائة وثلاثة وأربعين شرع علماء الإسلام في هذا العصر في تدوين الحديث والفقه والتفسير ، فصنّف ابن جريج بمكة ، ومالك الموطأ بالمدينة ، والأوزاعي بالشام ، وابن أبي عروبة ، وحماد بن سلمة وغيرهما في البصرة ، ومعمر باليمن ، وسفيان الثوري بالكوفة ، وصنّف ابن إسحاق المغازي ، وصنّف أبوحنيفة الفقه والرأي ـ إلى أن قال ـ : وقبل هذا العصر كان الأئمّة يتكلمون من حفظهم أو يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتبة. (2)

    ومعنى هذا ، أنّ العالم الإسلامي اندفع فجأة بعد مضي 143 سنة من هجرة النبي ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) نحو هذا الأمر ، فاشتغل العلماء بجمع الأحاديث والفقه وتدوينهما ، وأُلّفت كتب كثيرة في هذا المجال ، واستمرت تلك الحركة إلى حدود سنة 250 ، فجمعت أحاديث كثيرة ، و دُوّنت العقائد على طبق الأحاديث المضبوطة ، فإذا كان هذا هو تاريخ الحديث وتدوينه وانتشاره ، يتبيّن للقارئ بسهولة أنّ حديثاً لم يكتب طوال قرن ونصفه كيف تكون حاله مع أعدائه الذين كانوا له بالمرصاد ، وكانوا يكذبون عليه بما يقدرون ، وينشرون

________________________________________

1 ـ صحيح البخاري : 1/27.

2 ـ تاريخ الخلفاء للسيوطي : 261.

________________________________________

(74)

كل غث وسمين باسم الدين وباسم الرسول ، كما سيوافيك بيانه ، وما قيمة العقائد التي دونت على أساس تلك الأحاديث؟!!

    نحن لا ننكر أنّ العلماء والمحدّثين قاموا بوظيفتهم وواجبهم الديني تجاه السنّة النبوية ، وكابدوا وتحملوا المشاق في استخراج الصحيح من السقيم ، لكن العثور على الصحيح بعد هذه الحيلولة الطويلة ، من أشقّ المشاكل وأصعب الأُمور.

    وبسبب هذه الحيلولة كلّما بعد الناس عن عصر الرسول ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) ازداد عدد الأحاديث ، حتى أخرج محمد بن إسماعيل البخاري صحيحه عن ستمائة ألف ( 000 ، 600 ) حديث ولأجل ذلك نرى أنّ هرم الأحاديث يتصل بزمن النبي ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) ، وقاعدة ذلك الهرم تنتهي إلى القرون المتأخّرة ، فكلّما قربنا من زمن النبي ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) نجد الحديث قليلاً ، والعكس بالعكس. وهذا يدّل على أنّ الأحاديث عالت حسب وضع الوضّاعين وكذب الكذّابين.

 

كلمتان قيّمتان

    1 ـ هناك كلمة للدكتور محمد حسين هيكل أماط الستر عن وجه الأحاديث المنسوبة إلى النبي الأكرم وقال :

    وسبب آخر يوجب تمحيص ما ورد في كتب السلف ، ونقده نقداً دقيقاً على الطريقة العلمية ، أن أقدمها ، كتب بعد وفاة النبي ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) بمائة سنة أو أكثر ، وبعد أن فشت في الدولة الإسلامية دعايات سياسية وغير سياسية. كان اختلاق الروايات والأحاديث بعض وسائلها إلى الذيوع والغلب ، فما بالك بالمتأخر ممّا كتب في أشد أزمان التقلقل والاضطراب؟ وقد كانت المنازعات السياسية سبباً فيما لقيه الذين جمعوا الحديث ونفوا زيفه و دوّنوا ما اعتقدوه صحيحاً منه ، من جهد وعنت أدى إليهما حرص هؤلاء الجامعين على الدقة في التمحيص حرصاً لا يتطرق إليه ريب. ويكفي أن يذكر الإنسان ما كابده البخاري من مشاق وأسفار في مختلف أقطار الدولة الإسلامية لجمع

 

________________________________________

(75)

الحديث وتمحيصه ، وما رواه بعد ذلك من أنّه ألفى الأحاديث المتداولة تربي على ستمائة ألف حديث لم يصح منها أكثر من أربعة آلاف. وهذا معناه أنّه لم يصح لديه من كلّ مائة وخمسين حديثاً إلاّحديث واحد.

    أمّا أبو داود فلم يصحّ لديه من خمسمائة ألف حديث غير أربعة آلاف وثمانمائة ، وكذلك كان شأن سائر الذين جمعوا الحديث. وكثير من هذه الأحاديث التي صحت عندهم كانت موضع نقد وتمحيص عند غيرهم من العلماء ، انتهى بهم إلى نفي كثير منها ، كما كان الشأن في مسألة الغرانيق. فإذا كان ذلك شأن الحديث ، وقد جهد فيه جامعوه الأوّلون ما جهدوا ، فما بالك بما ورد في المتأخر من كتب السيرة؟ وكيف يستطاع الأخذ به دون التدقيق العلمي في تمحيصه.

    والواقع أنّ المنازعات السياسية التي حدثت بعد الصدر الأوّل من الإسلام أدت إلى اختلاق كثير من الروايات والأحاديث تأييداً لها. فلم يكن الحديث قد دون إلى عهد متأخر من عصر الأمويين. وقد أمر عمر بن عبد العزيز بجمعه ، ثمّ لم يجمع إلاّ في عهد المأمون ، بعد أن أصبح « الحديث الصحيح في الحديث الكذب ، كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود » على قول الدارقطني. (1)

    2 ـ وهناك كلمة أُخرى للعلاّمة الأميني قال : « ويعرب عن كثرة الموضوعات اختيار أئمّة الحديث أخبار تأليفهم الصحاح والمسانيد من أحاديث كثيرة هائلة ، والصفح عن ذلك الهوش الهائش. قد أتى أبو داود في سننه بأربعة آلاف وثمانمائة حديث وقال : انتخبته من خمسمائة ألف حديث. (2)

    ويحتوي صحيح البخاري من الخالص بلا تكرار ألفي حديث وسبعمائة وواحداً وستين حديثاً اختارها من زهاء ستمائة ألف حديث. (3)

    وفي صحيح مسلم أربعة

________________________________________

1 ـ « حياة محمد » تأليف محمد حسين هيكل : 49 ـ 50 من الطبعة الثالثة عشر.

2 ـ طبقات الحفاظ للذهبي : 2/154 تاريخ بغداد : 2/57 المنتظم لابن الجوزي : 5/97.

3 ـ إرشاد الساري : 1/28 و صفة الصفوة : 4/143.

________________________________________

(76)

آلاف حديث أصول ، دون المكررات صنّفها من ثلاثمائة ألف. (1)

    وذكر أحمد بن حنبل في مسنده ثلاثين ألف حديث ، وقد انتخبها من أكثر من سبعمائة وخمسين ألف حديث ، وكان يحفظ ألف ألف حديث. (2) وكتب أحمد بن الفرات ( المتوفّى 258 هـ ) ألف ألف وخمسمائة ألف حديث ، فأخذ من ذلك ثلاثمائة ألف في التفسير والأحكام والفوائد وغيرها. (3)

    هذا كلام إجمالي عن الحديث ، والتفصيل في تاريخ الحديث وتطوره يترك إلى الكتب المختصة بذلك ، غير أنّ الذي نركز القول عليه هو الآثار السلبية التي خلفها هذا المنع في المجتمع الإسلامي يوم ذاك ، حتى يقف القارئ على علل تكوّن المذاهب وتشعب الفرق ، وإنّ من الآثار المهمة حرمان الأُمّة عن السنّة النبوية الصحيحة قرابة قرن ونصف ، وعول الأحاديث حسب جعل الوضّاعين والكذّابين ، وبالتالي تكوّن العقائد والمذاهب حسبها.

________________________________________

1 ـ المنتظم : 5/32; طبقات الحفّاظ : 2/151 ـ 157.

2 ـ ترجمة أحمد المنقولة من طبقات ابن السبكي المطبوعة في آخر الجزء الأوّل من مسنده; طبقات الذهبي : 2/17.

3 ـ خلاصة التهذيب : 9 ، ولاحظ الغدير : 5/292 ـ 293.

________________________________________

(77)

العامل الرابع

فسح المجال للأحبار والرهبان للتحدّث عن العهدين

    لقد خسر الإسلام والمسلمون من جرّاء حظر تدوين الحديث ونشره ، خسارة عظمى لا يمكن تحديدها بالأرقام والأعداد. كيف؟! وقد انتشرت الفوضى في العقائد ، والأعمال ، والأخلاق ، والآداب ، وصميم الدين ، ولباب الأُصول ، كنتيجة لهذا المنع ، لأنّ الفراغ الذي خلفه هذا العمل ، أوجد أرضية مناسبة لظهور بدع يهودية ، وسخافات مسيحية ، وأساطير مجوسية ، خاصة من ناحية كهنة اليهود ، ورهبان النصارى ، الذين افتعلوا أحاديث كثيرة ونسبوها إلى الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام كما افتعلوا على لسان النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلَّم ) َّلأساطير ، وقد وقف على ذلك عدة من الأجلّة.

    1 ـ يقول الشهرستاني : وضع كثير من اليهود الذين اعتنقوا الإسلام ، أحاديث متعددة في مسائل التجسيم والتشبيه ، وهي كلّها مستمدة من التوراة. (1)

    2 ـ ويظهر من المقدسي وجود تلك العقائد في العرب الجاهليين ، يقول في « البدء والتاريخ » عند الكلام عن شرائع أهل الجاهلية : كان فيهم من كلّ ملّة ودين ، وكانت الزندقة والتعطيل في قريش والمزدكية والمجوسية في تميم

________________________________________

1 ـ الملل والنحل : 1/117.

________________________________________

(78)

واليهودية والنصرانية في غسان والشرك وعبادة الأوثان في سائرهم. (1)

    3 ـ نعم كان لليهود المتظاهرين بالإسلام دور كبير في بثّ هذه العقائد ، يقول الكوثري : إنّ عدّة من أحبار اليهود ورهبان النصارى ومؤابذة المجوس أظهروا الإسلام في عهد الراشدين ثمّ أخذوا بعدهم في بثّ ما عندهم من الأساطير. (2)

    4 ـ قال ابن خلدون ، عندما تكلّم عن التفسير النقلي وأنّه كان يشتمل على الغث والسمين والمردود : والسبب في ذلك أنّ العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم ، وإنّما غلبت عليهم البداوة والأُمّية. وإذا تشوقوا إلى معرفة شيء ممّا تتشوّق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات وبدء الخليقة ، وأسرار الوجود ، فإنّما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم ، ويستفيدونه منهم ، وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى ، ... مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه وعبد اللّه بن سلام وأمثالهم ، فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم وتساهل المفسرون في مثل ذلك ، وملأوا كتب التفسير بهذه المنقولات ، وأصلها كلها كما قلنا من التوراة أو ممّا كانوا يفترون. (3)

    5 ـ قال الإمام محمد عبده : قد وضع الزنادقة اللابسون لباس الإسلام غشاً ونفاقاً وقصدهم بذلك إفساد الدين ، وإيقاع الخلاف والافتراق في المسلمين. وقال حماد بن زيد : وضعت الزنادقة أربعة عشر ألف حديث وهذا بحسب ما وصل إليه علمه واختباره في كشف كذبها ، وإلاّفقد نقل المحدّثون أنّ زنديقاً واحداً وضع هذا المقدار. قالوا : لما أخذ ابن أبي العوجاء ليضرب عنقه ، قال وضعت فيكم أربعة آلاف حديث أُحرّم فيها الحلال و أُحلّ الحرام. (4)

    وابن أبي العوجاء هو ربيب حماد بن سلمة المحدّث الشهير الذي ينقل الذهبي عن ابن الثلجي قال : سمعت عباد بن صهيب

________________________________________

1 ـ البدء والتاريخ : 4/31.

2 ـ مقدّمة تبيين كذب المفتري : 10.

3 ـ مقدّمة ابن خلدون : 439.

4 ـ تفسير المنار : 3/545 ، ونقله في الأضواء : 115 ولعلّ في قوله « هذا المقدار » تصحيفاً.

________________________________________

(79)

يقول : إنّ حماداً كان لا يحفظ وكانوا يقولون إنّها دسّت في كتبه. وقد قيل : إنّ ابن أبي العوجاء كان ربيبه فكان يدسّ في كتبه. (1)

    6 ـ قال السيد المرتضى : لما قبض محمد بن سليمان ، وهو والي الكوفة من قبل المنصور ، عبد الكريم بن أبي العوجاء وأحضره للقتل وأيقن بمفارقة الحياة قال : لئن قتلتموني فقد وضعت في أحاديثكم أربعة آلاف حديث مكذوبة. (2)

    7 ـ يقول ابن الجوزي : إنّ عبد الكريم كان ربيباً لحماد بن سلمة وقد دسّ في كتب حماد بن سلمة. (3)

    نرى أنّ المحدّثين يروون باسنادهم عن حماد ، عن قتادة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، مرفوعاً : رأيت ربي جعداً أمرد عليه حلّة خضراء.

    وفي رواية أُخرى : إنّ محمّداً رأى ربّه في صورة شاب أمرد ، دونه ستر من لؤلؤ قدميه أو رجليه في خضرة. (4)

    8 ـ وقال الشيخ محمد زاهد الكوثري المصري في تقديمه على كتاب « الأسماء والصفات » للحافظ أبي بكر البيهقي : إنّ مرويات حماد بن سلمة في الصفات ، تجدها تحتوي على كثير من الأخبار التافهة تتناقلها الرواة طبقة عن طبقة ، مع أنّه قد تزوج نحو مائة امرأة ، من غير أن يولد له ولد منهن ، وقد فعل هذا الزواج والنكاح فعله ، بحيث أصبح في غير حديث « ثابت البناني » لا يميز بين مروياته الأصليّة وبين ما دسّه في كتبه ربيبه ابن أبي العوجاء ، وربيبه الآخر زيد المدعو ب ـ « ابن حماد » ، فضلّ بمروياته الباطلة كثير من البسطاء. ويجد المطالع الكريم نماذج شتّى من أخباره الواهية في باب التوحيد من كتب الموضوعات المبسوطة وفي كتب الرجال ، وفعلت مرويات نعيم بن

________________________________________

1 ـ ميزان الاعتدال : 1/593 ، ومات حماد عام 167 هـ.

2 ـ أمالي المرتضي : 1/127 ـ 128.

3 ـ الموضوعات : 37 طبع المدينة ، ولاحظ تهذيب التهذيب : 3/11 ـ 16.

4 ـ ميزان الاعتدال : 1/593 ـ 594 ، وهذه الأساطير المزخرفة من مفتعلات الزنادقة نظراء : ابن أبي العوجاء دسّوها في كتب المحدّثين الإسلاميين ، تعالى اللّه عمّا يقول الظالمون.

________________________________________

(80)

حماد مثل ذلك ، بل تحمّسه البالغ أدّى به إلى التجسيم ، كما وقع ذلك لشيخ شيخه مقاتل بن سليمان ، وتجد آثار الضرر الوبيل في مروياتهما في كتب الرواة الذين كانوا يتقلّدونها من غير معرفة منهم لما في هذه الكتب ككتاب « الاستقامة » لخشيش بن أصرم ، والكتب التي تسمّى ب ـ « السنّة » لعبد اللّه ( ابن أحمد بن حنبل ) وللخلال ، و « التوحيد » لابن خزيمة وغيرهم ممّا تجد فيها ما ينبذه الشرع والعقل ، ولا سيما كتاب « النقض » لعثمان بن سعيد الدارمي السجزيّ المجسّم فإنّه أوّل من اجترأ بالقول « إنّ اللّه لو شاء لاستقرّ على ظهر بعوضة فاستقلّت به بقدرته فكيف على عرش عظيم » هذا بعض ما لعب به أعداء الإسلام في أُصول الدين. (1) ولا يقصر عنها كتاب « العلو » للذهبي.

    9 ـ وقال الدكتور أحمد أمين : اتصل بعض الصحابة بوهب بن منبه ، وكعب الأحبار ، وعبد اللّه بن سلام ، واتصل التابعون بابن جريج ، وهؤلاء كانت لهم معلومات رووا عن التوراة والإنجيل وشروحها وحواشيها ، فلم ير المسلمون بأساً من أن يقصوها بجانب آيات القرآن ، فكانت منبعاً من منابع التضخيم. (2)

    10 ـ قال أبو رية : لما قويت شوكة الدعوة المحمدية ، واشتد ساعدها ، وتحطمت أمامها كل قوة تنازعها ، لم ير من كانوا يقفون أمامها ، ويصدون عن سبيلها ، إلاّ أن يكيدوا لها عن طريق الحيلة والخداع ، بعد أن عجزوا عن النيل منها بعدد القوة والنزاع. ولما كان أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود ، لم يجدوا بدّاً من أن يستعينوا بالمكر ، ويتوسّلوا بالدهاء ، لكي يصلوا إلى ما يبتغون ، فهداهم المكر اليهودي إلى أن يتظاهروا بالإسلام ، ويطووا نفوسهم على دينهم ، حتى يخفى كيدهم ، ويجوز على المسلمين مكرهم. (3)

    أو ليس ذلك الاستغلال والسيطرة على عقول المسلمين ، هو نتيجة

________________________________________

1 ـ نظرة في كتاب « الأسماء والصفات » للبيهقي مقدمة الشيخ محمد زاهد الكوثري : ص 5 ، وقال بمقالة السجزي ابن تيمية في كتابه « غوث العباد » المطبوع بمصر مطبعة الحلبي عام 1351 هـ.

2 ـ ضحى الإسلام : 2/139.

3 ـ أضواء على السنّة المحمدية : 137.

(81)

أُمور ، منها : المنع من التحدّث عن الرسول ، وفسح المجال لأبناء أهل الكتاب ، حتى يتمكّنوا من نشر الكلم الباطل ، ويمزقوا أُصول الإسلام وفروعه؟ والعجب أنّ التفاسير إلى يومنا هذا مكتظة بأقوالهم و أحاديثهم ، ولها من القيمة عند قرّائها مكان.

    11 ـ قال العلاّمة الشيخ جواد البلاغي : الرجوع في التفسير وأسباب النزول إلى أمثال عكرمة ، ومجاهد ، وعطاء ، والضحاك ، كما ملئت كتب التفاسير بأقوالهم المرسلة ، ممّا لا يعذر فيه المسلم في أمر دينه ، لأنّ هؤلاء الرجال غير ثقات في أنفسهم ، ومجتمعون على موائد أهل الكتاب من الأحبار والرهبان.

    قيل للأعمش : ما بال تفسير مجاهد مخالف؟ أو شيء نحوه قال : أخذه من أهل الكتاب ويكفي في ذلك أنّ مجاهداً الآخذ منهم فسر قوله تعالى : ( عَسى أَنْ يَبْعَثَك رَبّكَ مَقاماً مَحْمُوداً ) قال : يجلسه معه على العرش.

    وأمّا عطاء ، فقد قال أحمد : ليس في المراسيل أضعف من مراسيل الحسن وعطاء ، كانا يأخذان عن كلّ أحد.

    وقال النسائي : وأمّا مقاتل بن سليمان كان يكذب ، وعن يحيى قال : حديثه ليس بشيء ، وقال ابن حبان : كان يأخذ من اليهود والنصارى من علم القرآن الذي يوافق كتبهم. (1)

    وأمّا الخرافات والأساطير في تفسير الكون وبدء الخليقة وأحوال الأُمم الماضية فحدث عنها ولا حرج ، فقد ملأوا الصدور والطوامير وتأثّرت بهم طبقات من المسلمين ، ممن كتبوا حول المواضيع السالفة.

    يقول الدكتور علي سامي النشار : إنّ الحديث كان معتركاً متلاحماً وبحراً خضماً لا يعرف السالك فيه موطن الأمان ولذلك قام أهل الحديث بمجهود رائع في محض الأحاديث وتوضيح الصادق والكاذب منها عن طريق الرواية وفيها السند ، وعن طريق الدراية وفيها النقد الباطني للنصوص ، ولذلك أنشأوا

________________________________________

1 ـ آلاء الرحمن : 1/46 ، نقلاً عن الذهبي.

________________________________________

(82)

علم مصطلح الحديث. (1)

    يلاحظ عليه : أنّ جهود أهل الحديث غير منكرة ، ولكنّها لم تكن على وجه تقلع الموضوعات عن كتب الحديث وموسوعاتهم لأنّ القائمين بهذا الأمر كانوا متأثرين بها ، ولأجل ذلك تجد أحاديث التشبيه والتجسيم والجبر والرؤية وعصيان الأنبياء مبثوثة في الصحاح والمسانيد ، و سيمرّ عليك بعضها في هذا الجزء.

    ولعل القارئ الكريم يحسب أنّ هذه الكلمات الصادرة من أساتذة الفن ، ورجال التحقيق في الملل والنحل ، صدرت من غير تحقيق وتدقيق ، إلاّ أنّ المراجع للكتب الرجالية ، يقف على صدق المقال ، ويكتشف أنّه كان هناك رجال يتظاهرون بالإسلام ـ و في الوقت نفس هـ يبثّون ما لديهم من الإ