أحكام الزكاة

النيّة :

لا تصحّ الزكاة إلاّ بنيّة التقرّب إلى اللّه‏ سبحانه ؛ لأ نّها عبادة ، فمن أدّاها لمجرّد الجاه والرياء فقد أبطلها ، ولا بأس بإعلانها ، بخاصّة إذا كان القصد التشجيع عليها واقتداء الغير به . قال الإمام الصادق  عليه‏السلام : « لو أنّ رجلاً حمل الزكاة فأعطاها علانية لم يكن عليه في ذلك عيب »([1]) . وقال في رواية : « الإعلان أفضل من الإسرار »([2]) .

وقال تعالى :  إِن تُبدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخفُوهَا وَتُؤتُوهَا الفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيرٌ لَّكُم ([3]) .

_______________

[1] الوسائل 9 : 310 ، ب54 من أبواب المستحقّين للزكاة ، ح4 .

[2] الوسائل 9 : 309 ، ب54 من أبواب المستحقّين للزكاة ، ح1 .

[3] البقرة : 271 .

 

 

لا واسطة بين اللّه‏ والإنسان :

يمتاز الإسلام عن كثير من الأديان بأ نّه لم يجعل واسطة بين الخالق والمخلوق ، فكلّ إنسان يستطيع الاتصال باللّه‏ عن طريق الإخلاص بنواياه وأعماله بدون توسّط عالم من العلماء ولا وليّ من الأولياء ، فكما أنّ اللّه‏ سبحانه يقبل من العبد الصوم

والصلاة والحجّ دون أن يقرّها ويرتضيها أحد من الناس كذلك يقبل منه الزكاة دون أن يدفعها إلى الفقيه الجامع للشروط ، ومن أوجب ذلك وضعنا أمامه علامة استفهام.

قال صاحب الحدائق : ( ذهب المشهور ولا سيّما المتأخّرين إلى جواز تولّي المالك أو وكيله لتفريق الزكاة ؛ للأخبار المستفيضة عن أهل البيت  عليهم‏السلام في جملة من المواضع التي مرّت وما يأتي منها ، والأخبار الدالّة على الأمر بإيصال الزكاة إلى المستحقّين ، والأخبار الدالّة على نقل الزكاة من بلد إلى بلد مع عدم المستحقّ ، والأخبار الدالّة على شراء العبيد منها ، إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة المتكرّرة )([1]) .

ثمّ قال صاحب الحدائق : ( ويعضد ما قلناه أنّ رجلاً جاء إلى الإمام الباقر أبي الإمام الصادق عليهماالسلام وقال : رحمك اللّه‏ اقبض منّي هذه الخمسمائة درهم فضعها في مواضعها فإنّها زكاة مالي ، قال الإمام عليه‏السلام : « بل خذها أنت وضعها في جيرانك والأيتام والمساكين ، وفي إخوتك من المسلمين » )([2]) .

____________

[1] الحدائق 12 : 221 ـ 222 .

[2] الحدائق 12 : 223 .

 

 

كيفيّة توزيع الزكاة :

قدّمنا أنّ أصناف المستحقّين للزكاة ثمانية : الفقراء ، والمساكين ، والعاملون عليها ، والمؤلّفة قلوبهم ، والأرقّاء ، والغارمون ، وأبناء السبيل ، وسبيل اللّه‏ . وهنا سؤال يفرض نفسه : هل يجب على مالك الزكاة أو وكيله أن يوزّع الزكاة ويبسطها على جميع الأصناف إن وجدوا ، وإلاّ فعلى من يوجد منهم بحيث لا يجوز ترك صنف مع وجوده أو يجوز التخصيص حتّى مع إمكان البسط والتعميم ؟

الجواب :

أجمع الفقهاء بشهادة صاحب الجواهر([1]) على عدم وجوب البسط والتعميم ، وجواز أن يخصّص صنفاً دون صنف وجماعة من صنف ، بل واحداً من بعض الأصناف . ويدلّ على هذا قول الإمام الصادق  عليه‏السلام : « كان رسول اللّه‏  صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم يقسّم صدقة أهل البوادي في أهل البوادي ، وصدقة أهل الحضر في أهل الحضر ، ولا يقسّمها بينهم بالسويّة ، وإنّما يقسّمها على قدر من يحضره([2]) منهم »([3]) .

وسئل عن رجل حلّت عليه الزكاة ومات أبوه وعليه دين أيؤدّي زكاته في دين أبيه ؟ قال [  عليه‏السلام] : « . . . لم يكن أحد أحقّ بزكاته من دَين أبيه ، فإذا أدّاها في دَين أبيه على هذه الحال ـ أي لم يكن لأبيه تركة ـ أجزأت عنه »([4]) .

وقال في رواية اُخرى : « إن جعلتها فيهم جميعاً وإن جعلتها لواحد أجزأك »([5]) .

أجل يُستحبّ ترجيح الأقارب وأهل العلم والصلاح ، فقد قال الإمام الصادق عليه‏السلام لمن سأله كيف اُعطي المستحقّين ؟ : « أعطهم على الهجرة في الدين والفقه والعقل »([6]) .

وفي رواية : « يفضّل من لا يسأل على من يسأل »([7]) .

________________

[1] الجواهر 15 : 428 .

[2] في الطبعات السابقة : « يحضرها » وما أثبتناه من المصدر .

[3] الوسائل 9 : 265 ، ب28 من أبواب المستحقّين للزكاة ، ح1 .

[4] الوسائل 9 : 250 ، ب18 من أبواب المستحقّين للزكاة ، ح1 .

[5] الوسائل 9 : 267 ، ب28 من أبواب المستحقّين للزكاة ، ح5 .

[6] الوسائل 9 : 262 ، ب25 من أبواب المستحقّين للزكاة ، ح2 ، وفيه : « عن أبي جعفر 7 » .

[7] الوسائل 9 : 262 ، ب25 من أبواب المستحقّين للزكاة ، ح1 .

 

 

صاحب المال مصدّق :

إذا قال صاحب المال : أخرجت زكاة أموالي ، أو قال : لم تجب الزكاة في مالي إطلاقاً قُبل قوله بلا بيّنة ، ولا يمين ما لم يعلم كذبه ، وهذا من الموارد التي تقبل فيها دعوى المدّعي بمجرّدها ، ومصدر هذا الحكم أنّ عليّاً أمير المؤمنين  عليه‏السلام كان إذا بعث الجابي قال له : « إذا أتيت ربّ المال فقل : تصدّق رحمك اللّه‏ ممّا أعطاك اللّه‏ ، فإن ولّى عنك فلا تراجعه »([1]) .

ويصلح قول الإمام  عليه‏السلام دليلاً على ما قدّمنا من أ نّه لا واسطة بين اللّه‏ والإنسان ، وأ نّه لا يحقّ لأحد أن ينصب نفسه وكيلاً عن اللّه‏ جلّ وعلا ، فيحاجّ في مثل ذلك عنه ويخاصم .

____________________

[1] الوسائل 9 : 132 ، ب14 من أبواب زكاة الأنعام ، ح5 .

 

 

نقل الزكاة :

قال الفقهاء : يجوز نقل الزكاة من بلد إلى آخر مع عدم وجود المستحقّ فيه.

وذكرنا هذا مع العلم بأنّ المهتمّين به قليلون جدّاً ، أو لا وجود لهم إطلاقاً ، ولكنّ القصد أن ننبّه إلى أنّ أهل زمان كانوا يشعرون بوجوب الزكاة ، ويهتمّون كثيراً بأدائها ، وأنّ الفقير كان يأباها حتّى أنّ صاحب الزكاة كان يضطرّ إلى التنقّل بها من بلد إلى بلد على عكس اليوم حيث يقلّ العرض ويكثر الطلب ، مع العلم بأنّ المال بالأمس كان أعزّ وأندر منه اليوم ، وهو اليوم أكثر وأوفر .

 

 

أقلّ ما يعطى الفقير :

روي عن الإمام الصادق  عليه‏السلام أ نّه قال : « لا يعطى أحد من الزكاة أقلّ من خمسة دراهم ـ أي لا ينقص العطاء عن النصيب الأوّل في الفضّة ـ وهو أقلّ ما فرض اللّه‏ عزّ وجلّ من الزكاة في أموال المسلمين ، فلا تعطوا أحداً من الزكاة أقلّ من خمسة دراهم »([1]) .

وفي رواية اُخرى أ نّه سئل هل يجوز أن يعطى الرجل من الزكاة الدرهمين والثلاثة ؟ فقال [  عليه‏السلام] : « ذلك جائز »([2]) .

قال جماعة من الفقهاء : إنّ المراد من قوله : « جائز » أنّ للمالك أن يدفع دون الخمسة ، ويقبل الشرع منه ذلك ، وأنّ المراد من قوله : « لا يعطى » و « لايجوز أقلّ من خمسة » أنّ العطاء دون هذا المبلغ مكروه ، وبهذا الجمع يرتفع التنافي ، وهو جمع عرفي يحمل قرينته معه ، ولا يحتاج إلى قرينة من الخارج ، تماماً كالجمع بين الخاصّ والعامّ والمطلق والمقيّد ، وقدّمنا الإشارة إلى ذلك فيما سبق وأعدناه للتذكير بهذه القاعدة .

_______________________

[1] الوسائل 9 : 257 ، ب23 من أبواب المستحقّين للزكاة ، ح2 .

[2] الوسائل 9 : 258 ، ب23 من أبواب المستحقّين للزكاة ، ح5 .

 

 

الاحتيال على اللّه‏ والناس :

قال السيّد كاظم في العروة الوثقى : ( لا يجوز للفقير ولا للحاكم الشرعي أخذ الزكاة من المالك ثمّ الردّ عليه ، أو المصالحة معه بشيء يسير ، أو قبول شيء منه بأكثر من قيمته ، أو نحو ذلك ، فإنّ كلّ هذه حيل في تفويت حقّ الفقراء ، وكذا بالنسبة إلى الخمس والمظالم ونحوهما )([1]) .

وقال السيّد الحكيم في المستمسك معلّقاً على هذا بما نصّه بالحرف الواحد : ( الظاهر أ نّه لا إشكال في الأخذ إذا كان الدفع غير مقيّد بالردّ ـ بل كان مطلقاً أو بداعي الردّ ـ لأ نّه جارٍ على القواعد الأوّليّة )([2]) .

ومعنى هذا التعليق أنّ المالك إذا قال للفقير وتلفّظ صراحة : بأنّي أعطيك هذا المبلغ من الزكاة بشرط أن تردّه إليّ بعد أن أدفعه لك وقَبَلَ الفقير فلا يصحّ ولا تسقط الزكاة عن المالك . أمّا إذا لم يتلفّظ المالك بالشرط وإنّما دفع المال للفقير بنيّة أن يرجعه الفقير إليه ويردّه عليه ساعة قبضه وأخذه الفقير بهذه النيّة وهذا الباعث ثمّ ردّه على المالك بحيث لم يبق مع الفقير شيء من الزكاة أو بقي منها بعض الشيء ، أمّا إذا كان كذلك فيصحّ وتسقط الزكاة .

وهنا تساؤلات كثيرة تتزاحم وتتدافع ، وكلّ منها يطلب الجواب قبل الآخر ، وهي : هل هذه النيّة من المالك تتّفق مع نيّة القربة التي هي شرط في الزكاة أو تتنافى معها ؟

وهل من فرق بحسب الواقع والنتيجة بين أخذ الشيء بنحو القيديّة وبين أخذه بنحو الداعي ؟ ولو افترض نقاشاً وجود الفرق بينهما في الواقع فهل يفهم هذا الفرق عامّة الناس أو الخاصّة كالسيّد الحكيم ومن إليه ، وعلى افتراض أ نّه وقف على أفهام الخاصّة فهل الأحكام الشرعيّة تنزّل على الدقّة العقليّة أو الأفهام العرفيّة ؟

ثمّ إذا كانت الأحكام الشرعيّة تتبع المصالح والمفاسد الواقعيّة ـ كما هو مذهب الشيعة الإماميّة ـ فكيف تغيّرت الواقعة الواحدة من التحليل إلى التحريم أو بالعكس لا لشيء بل لمجرّد تغيير هيئة اللفظ فقط لا غير ؟

ثمّ لو جاز هذا فما معنى قول الرسول [  صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم] وآله الأطهار  عليهم‏السلام : « لو اُنفقت الحقوق على مستحقّيها لما بقي فقير »([3]) ؟ وهل معنى الجواز إلاّ أن يزداد الفقير بؤساً وعناءً ويزداد الغني مالاً وثراءً ؟

ثمّ هل في الحيل حلال وحرام وحقّ وباطل وخطأوصواب ، أو أنّ كلّ الحيل حرام ؛ لأنّ لفظها يدلّ عليها ، وأنّ اللّه‏ سبحانه ينظر إلى الواقع والأعمال لا إلى الألفاظ والأشكال ؟

_________________

[1] العروة الوثقى 2 : 163 ، م16 .

[2] المستمسك 9 : 369 .

[3] الوسائل 9 : 12 ، ب1 من أبواب ما تجب فيه الزكاة ، ح6 ، نقلاً بالمعنى .