المستحقّون للزكاة

قدّمنا في أوّل باب الزكاة أنّ الكلام عنها يكون فيمن تجب عليه ، وفيما تجب فيه من الأموال ، وإلى من تجب من المستحقّين ، وسبق الكلام عن الأوّلين ، ونتكلّم الآن عن الثالث  .

 

 

المستحقّون :

قال اللّه‏ تبارك وتعالى :  إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ وَالعَامِلِينَ عَلَيهَا وَالمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُم وَفي الرِّقَابِ وَالغَارِمِينَ وَفي سَبِيلِ اللّه‏ِ وَابنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّه‏ِ وَاللّه‏ُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ([1]) .

 

وقال الإمام  عليه‏السلام : « الفقراء هم الّذين لا يسألون ، وعليهم مؤنات من عيالهم ، والدليل على أ نّهم هم الّذين لا يسألون قول اللّه‏ تعالى :  لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ اُحصِرُوا في سَبِيلِ اللّه‏ِ لاَ يَستَطِيعُونَ ضَرباً في الأَرضِ يَحسَبُهُمُ الجَاهِلُ أَغنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعرِفُهُم بِسِيمَاهُم لاَ يَسأَلُونَ النَّاسَ إِلحَافاً  . والمساكين هم أهل الزمانات ، وقد دخل فيهم الرجال والنساء والصبيان . والعاملون عليها هم السعاة والجباة في أخذها وجمعها وحفظها حتى يؤدّوها إلى من يقسّمها . والمؤلّفة قلوبهم هم الّذين وحّدوا اللّه‏ ، وخلعوا عبادة من دون اللّه‏ ، ولم تدخل في قلوبهم معرفة أنّ محمّداً رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم يتألّفهم ويعلّمهم ويعرّفهم كيما يعرفوا ، فجعل لهم نصيباً في الصدقات ؛ لكي يعرفوا ويرغبوا .

وفي الرقاب قوم لزمتهم كفّارات في قتل الخطأ وفي الظهار وفي الأيمان وفي قتل الصيد في الحرم ، وليس عندهم ما يكفّرون وهم مؤمنون ، فجعل اللّه‏ لهم نصيباً في الصدقات ؛ ليكفّر بها عنهم . والغارمون قوم قد وقعت عليهم ديون أنفقوها في طاعة اللّه‏ من غير إسراف ، فيجب على الإمام أن يقضي عنهم ويفكّهم([2]) من مال الصدقات . وفي سبيل اللّه‏ قوم يخرجون في الجهاد وليس عندهم ما يتقوّون به ، أو قوم من المؤمنين ليس عندهم ما يحجّون به ، أو في جميع سبل الخير ، فعلى الإمام أن يعطيهم من مال الصدقات حتّى يقووا على الحجّ والجهاد . وابن السبيل أبناء الطريق الّذين يكونون في الأسفار في طاعة اللّه‏ فيقطع عليهم ويذهب مالهم ، فعلى الإمام أن

يردّهم إلى أوطانهم من مال الصدقات »([3]) .

الفقهاء :

قالوا : إن المستحقّين للزكاة ثمانية أصناف : 1 ـ الفقراء . 2 ـ المساكين . 3  ـ  العاملون عليها . 4 ـ المؤلّفة قلوبهم . 5 ـ في الرقاب . 6 ـ الغارمون . 7 ـ في سبيل اللّه‏ . 8  ـ ابن السبيل.

___________________

[1] التوبة : 60 .

[2] في الطبعات السابقة « يكفهم » وما أثبتناه من المصدر .

[3] الوسائل 9 : 212 ، ب1 من أبواب المستحقّين للزكاة ، ح7 .

 

 

1 و 2 ـ  الفقراء والمساكين :

قال جماعة : إن لفظ « فقير » ولفظ « مسكين » إذا اجتمعا عبّر كلّ منهما عن معنى ، وإذا افترقا عبّرا عن معنى واحد ، وقالوا : إنّ الفرق عند الاجتماع هو أنّ الفقير لا يسأل والمسكين يسأل ، ومهما يكن فلا جدوى من وراء الكلام في ذلك بعد العلم بأنّ كلاًّ منهما يستحقّ الزكاة لحاجته إليها .

والفقير أو المسكين الّذي يجوز أن يعطى من الزكاة شرعاً هو الّذي لا يملك مؤنة السنة له ولعياله ، والغني الشرعي من يملكها بالفعل أو بالقوّة ، أي يكون له عمل يكفيه ويسدّ حاجته يوماً فيوماً .

قال الإمام الصادق  عليه‏السلام : « تحرم الزكاة على من عنده قوت سنة ، وتجب الفطرة على من عنده قوت سنة »([1]) .

وسئل عمّن عنده قوت يوم أله أن يقبل الزكاة ؟ قال [  عليه‏السلام] : « يأخذ ، وعنده قوت شهر ما يكفيه لسنة من الزكاة ؛ لأ نّها إنّما هي من سنة إلى سنة »([2]) .

________________

[1] الوسائل 9 : 323 ، ب2 من أبواب زكاة الفطرة ، ح11 .

[2] الوسائل 9 : 233 ، ب8 من أبواب المستحقّين للزكاة ، ح7 .

 

 

إغناء الفقير :

ونقل صاحب الحدائق والجواهر([1]) عن المشهور أ نّه يجوز أن يُعطى الفقير من الزكاة مبلغاً يغنيه ويكفيه سنوات لا سنة واحدة ، على شريطة أن يُعطى المبلغ دفعة واحدة لا على دفعات ؛ لأ نّه بالدفعة يملك مؤنة السنة ، ويصير غنيّاً في نظر الشرع ، ويمتنع إعطاؤه ثانية ، واستند القائلون بذلك إلى روايات عن أهل البيت  عليهم‏السلام .

ولست أدري هل تلك الروايات صحيحة أو وضعها على لسان الثقات من وضعها ليجرّ النار إلى قرصه ويكنز أموال الزكاة على حساب غيره ، ولكنّي أعلم علم اليقين أنّ التفرقة بين الدفعة والدفعات محلّ النظر ؛ لأ نّه إذا كانت العلّة لعدم

جواز الدفعات هي الزيادة عن مؤنة السنة ، فهذه العلّة بعينها موجودة في الدفعة الواحدة الزائدة عن المؤنة المذكورة ، فالفرق إذن تحكّم .

وأيضاً أعلم علم اليقين أنّ الهدف الأوّل والأخير من الزكاة هو سدّ حاجات الفقير من المأكل والمشرب والملبس والمسكن ، وأنّ أهل البيت  عليهم‏السلام([2]) قالوا : لو وزّعت الصدقات على وجهها لما وجد فقير ، مع العلم أيضاً بأنّ جعل الفقير غنيّاً يستدعي أن يزيد المثرون عدداً والفقراء فقراً ، ولأجل هذا وغير هذا نرى أن لا يُعطى الفقير أكثر من مؤنة سنة حتّى ولو كان ابن المرجع الأكبر أو المرجع بالذات .

_________________

[1] الحدائق 12 : 160 ـ 161 . الجواهر 15 : 315 ـ 316 .

[2] الوسائل 9 : 12 ، ب1 من أبواب ما تجب فيه الزكاة ، ح6 ، نقلاً بالمعنى .

 

 

مدّعي الفقر :

كلّ من ادّعى الفقر يصدّق إذا لم يعلم كذبه ، ويُعطى من الزكاة حاجته ، قال صاحب الجواهر : ( بلا خلاف معتدّ به )([1]) . وفي المدارك : ( هو المعروف من مذهب الأصحاب )([2]) .

وأيضاً المعروف من سيرة العلماء قديماً وحديثاً أ نّهم يعطون الزكاة لمن يطلبها ما لم يعلم كذبه ، أمّا الحديث المشهور : « على المدّعي البيّنة وعلى من أنكر اليمين »([3]) فلا يشمل ما نحن فيه ؛ لاختصاصه في صورة الخصومات والمنازعات .

ولا يجب إعلام الفقير بالزكاة حين الدفع إليه ولا بعده ، قال أبو بصير : قلت للإمام الباقر أبي الإمام الصادق  عليهماالسلام : الرجل من أصحابنا يستحيي أن يأخذ الزكاة فاُعطه منها ولا اُسمّي أ نّها من الزكاة ؟ قال : « أعطه ولا تسمّ ، ولا تذلّ المؤمن »([4]) .

وذهب المشهور إلى أنّ من يقدر على الاكتساب لا يعطى من الزكاة ؛ لأ نّه بحكم الغني ، وقد روى زرارة عن الإمام الباقر  عليه‏السلام أ نّه قال : « إنّ الصدقة لا تحلّ لمحترف ، ولا لذي مرّة سوي »([5]) أي سليم البدن يتحمّل الكد والتعب .

وإذا قال قائل بأنّ هذا يصدق عليه اسم الفقير . قلنا في جوابه : إنّه غنيّ في الواقع ما دام قادراً أن يكفي نفسه ، وأيّ فرق بينه وبين من يملك المال ولم ينفق على نفسه شحّاً حتّى مات جوعاً .

قال صاحب مصباح الفقيه ـ يردّ على صاحب الجواهر ـ ونعمَ ما قال : ( إنّ المراد بالغنيّ الّذي لا تعطى له الزكاة هو الغنيّ بالفعل والقادر على الاكتساب ، ومع ذلك ترك تبعاً لكثير من البطّالين وأهل السؤال وأشباههم ممّن لهم قدرة وقوّة على كثير من الصنائع والحرف اللائقة بحالهم ، ولكنّهم تعوّدوا التعيّش بأخذ الصدقات والصبر على الفقر والفاقة وتحمّل ذلّ السؤال وترك الاكتساب ، فإنّه يصدق على أحدهم عرفاً اسم الفقير ولكنّه هو في الواقع غنيّ ، أي قادر على أن يكفي نفسه .

فالقول بعدم إعطاء الزكاة لمثله كما نسب إلى المشهور هو الأقوى . وما في الجواهر من دعوى السيرة على دفعها لمثل هؤلاء الأشخاص محلّ نظر ، بل منع )([6]) .

___________________

[1] الجواهر 15 : 320 .

[2] المدارك 5 : 201 .

[3] الوسائل 27 : 233 ، ب3 من أبواب كيفيّة الحكم .

[4] الوسائل 9 : 315 ، ب58 من أبواب المستحقّين للزكاة ، ح1 ، وفيه : « فاُعطيه منها » .

[5] الوسائل 9 : 231 ، ب8 من أبواب المستحقّين للزكاة ، ح2 .

[6] مصباح الفقيه 13 : 501 .

 

 

3 ـ  العاملون:

العاملون على الزكاة هم : الجباة الّذين يعيّنهم الإمام أو نائبه للقيام بتحصيلها من أهلها وحفظها ، ثمّ تأديتها إلى من يقسّمها على المستحقّين ، وما يأخذ الجباة من الزكاة يعتبر أجراً لهم على عملهم لا صدقة ، ولذا تعطى لهم وإن كانوا من الأغنياء .

ويشترط في الجابي أن يكون بالغاً عاقلاً مؤمناً عادلاً أو أميناً موثوقاً على الأقلّ ؛ لقول عليّ أمير المؤمنين  عليه‏السلام للجابي : « إذا قبضت مالاً للصدقة فلا توكّل به إلاّ ناصحاً شفيقاً أميناً حافظاً »([1]) .

وأن لا يكون هاشميّاً ؛ لأنّ زكاة غير الهاشمي محرّمة على بني هاشم .

قال الإمام الصادق  عليه‏السلام : « إنّ اُناساً من بني هاشم أتوا رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم فسألوه أن يستعملهم على صدقات المواشي ، وقالوا : يكون لنا هذا السهم الّذي جعله اللّه‏ للعاملين عليها ، فنحن أولى به ، فقال : يا بني عبد المطّلب إنّ الصدقة لا تحلّ لي ولا لكم ، ولكن قد وعدت الشفاعة »([2]) . أي لا تحلّ لهم حتّى ولو كانت بدل أتعابهم .

___________________

[1] الوسائل 9 : 129 ـ 130 ، ب14 من أبواب زكاة الأنعام ، ح1 .

[2] الوسائل 9 : 268 ، ب29 من أبواب المستحقّين للزكاة ، ح1 .

 

 

4 ـ  المؤلّفة قلوبهم:

من أصناف المستحقّين للزكاة المؤلّفة قلوبهم وهم : الجماعة الّذين يراد تأليف قلوبهم وجمعها على الإسلام لدفع شرّهم أو ليستعين بهم المسلمون في الدفاع عنهم وعن الإسلام ، ويعطى هؤلاء من الزكاة وإن كانوا أغنياء .

واختلف فقهاؤنا فيما بينهم هل يختصّ لفظ « المؤلّفة » في باب الزكاة بمن لم يظهر الإسلام أو يعمّ من أظهره على شكّ منه ؟ والثابت أنّ رسول اللّه‏  صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم قد تألّف المشركين ومنهم صفوان بن اُميّة ، وتأ لّف المنافقين ومنهم أبو سفيان ، وفي ذلك روايات عن أهل البيت  عليهم‏السلام([1]) . وإذن يكون اللفظ عامّاً للاثنين.

وفي بعض المذاهب الإسلاميّة أنّ هذا السهم قد سقط ، ولم يبقَ له من موضوع بعد أن انتشر الإسلام ، وأعزّ اللّه‏ دينه بقوّة المسلمين وكثرتهم . وقال فقهاء الشيعة : إنّه باقٍ ما دام على وجه الأرض غير مسلم ومناوئ للإسلام ؛ إذ محال أن يسقط المسبّب مع بقاء سببه ، ويرتفع المعلول مع وجود علّته([2]) .

___________________

[1] الكافي 2 : 411 ، ح2 .

[2] المؤلّفة قلوبهم أشبه بالدعايات التي تستعملها الدول لتبرير موقفها وبث مبادئها ، وقد تخصّص لها وزارة بالذات [ منه  قدس‏سره ] .

 

 

5 ـ  في الرقاب:

المراد بالرقاب العبيد ، وجاءت « في » هنا للدلالة على أنّ الزكاة لا تعطى لهم ، وإنّما تبذل في سبيل تحريرهم وفكاك رقابهم ، وهذا من الأبواب التي فتحها الإسلام لإلغاء الرقّ شيئاً فشيئاً . ولم يبقَ اليوم من موضوع لهذا الصنف الّذي تصرف فيه الزكاة .

 

 

6 ـ  الغارمون:

وهم الذين تحمّلوا ديوناً عجزوا عن وفائها ، فتؤدّى عنهم من الزكاة ، على شريطة أن لا يكونوا قد صرفوها في الإثم والمعصية .

قال الإمام  عليه‏السلام : « الغارمون من وقعت عليهم ديون أنفقوها في طاعة اللّه‏ من غير إسراف ، فيجب على الإمام أن يقضي عنهم ويفكّهم من مال الصدقات »([1]) .

والّذي نراه أنّ الوفاء عن الغارمين يدخل في الفقرة التالية ، وهي سبيل اللّه‏ ، وإنّما أفرد الغارم بالذكر للتنبيه على أ نّه منه أو لزيادة اختصاص ، كقوله تعالى:

حَافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاَةِ الوُسطَى ([2]) .

وإذا كان لإنسان دين على من عجز عن وفائه فلصاحب الدين أن يحتسبه من الزكاة ، وبهذا يتحقّق وفاء الدين والزكاة معاً ، وتفرغ ذمّة المديون من الدين ، وذمّة صاحبه من الزكاة . فقد سأل رجل الإمام  عليه‏السلام قائلاً : لي دين على قوم قد طال حبسه عندهم لا يقدرون على قضائه وهم مستوجبون للزكاة هل لي أن أدعه فاحتسب به عليهم من الزكاة ؟ قال : « نعم »([3]) .

ولا فرق في جواز احتساب الدين من الزكاة بين أن يكون المديون حيّاً أو ميّتاً . قال الإمام الصادق  عليه‏السلام : « قرض المؤمن غنيمة ، إن أيسر قضاك ، وإن مات قبل ذلك احتسب به من الزكاة »([4]) .

_________________

[1] الوسائل 9 : 212 ، ب1 من أبواب المستحقّين للزكاة ، ح7 .

[2] البقرة : 238 .

[3] الوسائل 9 : 295 ، ب46 من أبواب المستحقّين للزكاة ، ح2 .

[4] الوسائل 9 : 299 ، ب49 من أبواب المستحقّين للزكاة ، ح1 .

 

 

7 ـ  سبيل اللّه‏:

سبيل اللّه‏ كلّ ما يرضي اللّه‏ ويتقرّب به إليه كائناً ما كان ، كشقّ طريق أو بناء معهد أو مصحّ أو جرِّ مياه أو تشييد مسجد ، وما إلى ذلك ممّا ينفع الناس ، مسلمين كانوا أو غير مسلمين .

قال الشيخ الهمداني في مصباح الفقيه : ( وسبيل اللّه‏ لا ينحصر فيما يصرف إلى الشيعة )([1]) .

وقال صاحب الجواهر في باب الزكاة وهو يتكلّم عن سبيل اللّه‏ ما نصّه بالحرف : ( سبيل اللّه‏ يشمل تعمير روضة ومدرسة ومسجد ووقف الكتب العلميّة والأدعية ، وتزويج الأعزب ، وتسبيل نخل أو شجرة أو ماء ، والاحجاج ، والإعانة

على الزيارة ، والتعزية ، وتكريم العلماء والصلحاء ، وتخليص المظلوم من الظالم ، وشراء السلاح للدفاع عن المسلمين ، وغير ذلك . ومن هنا قال الاُستاذ ـ هو الشيخ جعفر كاشف الغطاء الكبير ـ : لا يعتبر في المدفوع إليه إسلام ، ولا إيمان ، ولا عدالة ، ولا فقر ، ولا غير ذلك )([2]) . أي لا يشترط الإسلام فيما إذا كان في إعطاء غير المسلم مصلحة عامّة كما أشرنا .

_________________

[1] مصباح الفقيه 13 : 575 .

[2] الجواهر 15 : 370 .

 

 

8 ـ  ابن السبيل:

ابن السبيل ، قال الإمام  عليه‏السلام : « ابن السبيل ـ المراد به ـ أبناء الطريق الّذين يكونون في الأسفار في طاعة اللّه‏ ـ أي في غير معصية ـ فينقطع بهم ويذهب مالهم ، فعلى الإمام أن يردّهم إلى أوطانهم من مال الصدقات »([1]) .

_______________

[1] الوسائل 9 : 212 ـ 213 ، ب1 من أبواب المستحقّين للزكاة ، ح7 .

 

 

أوصاف المستحقّين :

قال الفقهاء : يجب أن تتوافر فيمن يعطى من الزكاة صفات :

منها  : أن يكون من الشيعة الإثني عشريّة ؛ لقول الإمام  عليه‏السلام : « لا تعطِ الصدقة والزكاة إلاّ لأصحابك »([1]) .

ولا أحسب أنّ أحداً يخفى عليه السرّ لذلك ، بعد ما جرى في العادة منذ القديم أن تخصّص كلّ طائفة خيراتها بأبناء طائفتها ، هذا إلى أنّ التشريعات الحديثة اليوم في الغرب والشرق تنصّ على أنّ الأجنبي لا يرث من المواطن وإن كان أقرب المقرّبين له نسباً وسبباً ، إلاّ إذا نصّت قوانين كلٍّ من دولة القريبين على أنّ الأجنبي يرث ، فلو افترض أنّ رجلاً مجنّس بالجنسيّة الانجليزيّة وله أملاك في انجلترا وولد مجنّساً بالجنسيّة الفرنسيّة فلا يحقّ للولد الفرنسي أن يرث أباه الانجليزي أو من أملاكه الموجودة في انجلترا على الأصحّ ، إلاّ إذا نصّ القانون الفرنسي على أنّ للأجنبي أن يرث من الفرنسي .

وتنبغي الإشارة إلى أ نّه يستثنى من هذا الشرط المؤلّفة قلوبهم ؛ لأنّ المفروض بهم الكفر أو النفاق ، وأيضاً يستثنى من تعطى له الزكاة بدافع المصلحة العامّة ، لا لسدّ خلّته وحاجته الخاصّة .

وتنبغي الإشارة أيضاً إلى أنّ هذا الشرط خاصّ في الزكاة فقط ، أمّا الصدقات المستحبّة فلا ، بل يجوز إعطاؤها لكلّ محتاج جاحداً كان أو مؤمناً ؛ لأنّ لكلّ كبد حرّى أجراً ، كما جاء في الحديث([2]) .

ومنها : أنّ من الأوصاف التي لا بدّ منها فيمن يُعطى الزكاة أن لا يكون إعطاؤه إعانة على الإثم ، كمن يصرفها في المعاصي والموبقات ، وهذا الشرط لا يحتاج إلى دليل  ؛ لأ نّه من القضايا التي تحمل أدلّتها معها . هذا بالإضافة إلى ما قدّمنا في ابن السبيل والغارمين من الدليل على أنّ السفر والدين يجب أن لا يكونا في معصية ، وتشدّد بعض الفقهاء حيث اشترط العدالة فيمن يعطى الزكاة ، ولكن في هذا سدّ لباب الزكاة بالحجر والطين .

ومنها  : أن لا يكون ممّن تجب نفقته على المالك كالآباء وإن علوا ، والأبناء وإن نزلوا ، والزوجة . قال الإمام الصادق  عليه‏السلام : « خمسة لا يعطون من الزكاة شيئاً : الأب والاُم والولد والزوجة والمملوك ؛ لأ نّهم عياله ولازمون له »([3]) .

أمّا سائر الأقارب كالأخ والعمّ والخال فيجوز ، بل يستحبّ ، وهم أولى من الأباعد . قال الإمام الصادق  عليه‏السلام : « لا صدقة وذو رحم محتاج »([4]) .

ويجوز أن تدفع الزوجة زكاة أموالها إلى الزوج إذا كان محتاجاً ؛ لأ نّه غير واجب النفقة عليها ، وقال بعض الفقهاء([5]) : لا يجوز للزوج أن ينفق على زوجته من هذه الزكاة التي أخذها منها بالذات ، ولكن لا دليل على هذا القول سوى الاستحسان الّذي لا يركن إليه في استنباط الأحكام .

ويجوز لكلّ من الوالد والولد أن يفي دين الآخر ، ويزوّجه من الزكاة ؛ لأنّ التزويج ووفاء الدين لا يجبان على القريب ، والواجب إنّما الإسكان والإطعام والكسوة فقط ، ويجوز لكلّ منهما أن يدفع الزكاة للآخر من سهم العاملين عليها ؛ لأنّ هؤلاء يأخذون من الزكاة اُجرة عملهم وإن كانوا أغنياء .

ومنها  : أن لا يكون هاشميّاً ، أي لا يجوز أن يعطى الهاشمي من زكاة غيره ، ويجوز أن يعطى من زكاة مثله . فقد سئل الإمام الصادق  عليه‏السلام عن الصدقة التي حرّمت على بني هاشم ما هي ؟ قال : « هي الزكاة » ، فقال السائل : هل تحلّ صدقة بعضهم على بعض ؟ قال : « نعم »([6]) .

أجل إذا اضطرّ الهاشمي إلى زكاة غيره بحيث لا يجد الخمس ولا زكاة مثله جاز أن يعطى ، وأن يأخذ الزكاة من غيره بالإتّفاق ، وتجوز عليه أيضاً الزكاة المستحبّة إطلاقاً من مثله ومن غيره ، ومع الضرورة القاهرة وبدونها . سئل الإمام الصادق  عليه‏السلام أتحلّ الصدقة على بني هاشم ؟ فقال : « الصدقة الواجبة لا تحلّ لنا ، فأمّا غير ذلك فليس به بأس »([7]) .

____________________

[1] الوسائل 9 : 222 ، ب5 من أبواب المستحقّين للزكاة ، ح4 .

[2] البحار 71 : 370 .

[3] الوسائل 9 : 240 ، ب13 من أبواب المستحقّين للزكاة ، ح1 .

[4] المستدرك 7 : 196 ، ب18 من أبواب الصدقة ، ح12 .

[5] قاله الاسكافي كما في المختلف 3 : 212 .

[6] الوسائل 9 : 275 ، ب32 من أبواب المستحقّين للزكاة ، ح5 .

[7] الوسائل 9 : 272 ، ب31 من أبواب المستحقّين للزكاة ، ح3 .