فصل في تتبع كلامه على الطاعن على أبي بكر وما أجاب به عن مطاعنهم

الصفحة 57   

ابتدأ صاحب الكتاب في هذا الفصل (1) بذكر ميراث النبي صلى الله عليه وآله ورتب في ذلك كلاما لا نرتضيه (2) ونحن بعد نبين الترتيب فيه وكيفية التعلق به.

ثم أجاب عن ذلك بأن قال في الخبر الذي احتج به أبو بكر يعني قوله: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث): " لم يقتصر على روايته حتى استشهد عليه عمر وعثمان وطلحة والزبير وسعدا وعبد الرحمن فشهدوا به، فكان لا يحل لأبي بكر وقد صار الأمر إليه أن يقسم التركة ميراثا وقد خبر الرسول (3) صلى الله عليه وآله بأنه صدقة وليس بميراث، وأقل ما في هذا الباب أن يكون الخبر من أخبار الآحاد فلو أن شاهدين شهدا في التركة أن فيها حقا أليس كان يجب أن يصرفه عن الإرث؟ فعلمه بما قال

____________

(1) نقل ما في هذا الفصل من كلام قاضي القضاة في " المغني " ورد المرتضى عليه في " الشافي " ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ج 16 ص 237 - 286 فما ترى رمزه بحرف " ش " فهو للفروق المهمة في نقل ابن أبي الحديد، وكلام القاضي الذي أشار إليه المرتضى في " المغني " 20 ق 1 / 328.

(2) يعني المعتزلة والامامية.

(3) ش " رسول الله صلى الله عليه وآله ".

الصفحة 58   

الرسول صلى الله عليه وآله مع شهادة غيره أقوى من ذلك ولسنا نجعله مدعيا (1) لأنه لم يدع ذلك لنفسه وإنما بين أنه ليس بميراث وأنه صدقة، ولا يمتنع تخصيص القرآن بذلك كما يخص في العبد والقاتل وغيرهما وليس ذلك بنقص (2) للأنبياء بل هو إجلال لهم (3) يرفع الله به قدرهم عن أن يورثوا المال وصار ذلك من أوكد الدواعي إلى أن لا يتشاغلوا بجمعها (4) لأن الدواعي (5) القوية (6) إلى ذلك تركه على الأولاد والأهلين.

ولما سمعت فاطمة عليها السلام ذلك من أبي بكر كفت عن الطلب بما ثبت من الأخبار الصحيحة فلا يمتنع أن تكون غير عارفة بذلك فطلبت الإرث فلما روى لها ما روى كفت فأصابت أولا وأصابت ثانيا.

وليس لأحد أن يقول: كيف يجوز أن يبين النبي صلى الله عليه وآله ذلك للقوم ولا حق لهم في الإرث (7) ويدع أن يبين ذلك لمن له حق في الإرث مع أن التكليف يتصل به. وذلك لأن التكليف في ذلك يتعلق بالامام فإذا بين له جاز أن لا يبين لغيره ويصير البيان له بيانا لغيره، وإن لم تسمع من الرسول صلى الله عليه وآله لأن هذا الجنس من البيان يجب أن يكون بحسب المصلحة " ثم حكي عن أبي علي أنه قال: " أتعلمون كذب أبي بكر في هذه الرواية أم تجوزون كذبه وصدقه " (8) قال: قد علم أنه لا

____________

(1) غ " بدعيا ".

(2) في المغني " بنقض للآية " وتحير المحقق في التوجيه وتركه على ما هو عليه.

(3) غ " حلال لهم " ويختل المعنى بذلك.

(4) بجمعه خ ل.

(5) ش " أحد الدواعي ".

(6) في المغني " البشرية " بدل " القوية ".

(7) غ " يتبرع " وهو تصحيف.

(8) في المغني " أتعلمون صدق أبي بكر في هذه الرواية أم تجوزون صدقه؟ ". وفي ش " أم تجوزون أن يكون صادقا ".

الصفحة 59   

شئ يعلم به قطعا كذبه فلا بد من تحريز كونه صادقا، وإذا صح ذلك قيل لهم فهل كان يحل له مخالفة رسول الله صلى الله عليه وآله.

فإن قالوا: لو كان صدقا لظهر واشتهر.

قيل لهم: إن ذلك من باب العمل فلا يمتنع أن يتفرد بروايته جماعة يسيرة (1) مثل الواحد والاثنان مثل ساير الأحكام ومثل الشهادات.

فإن قالوا: نعلم أنه لا يصح لقوله تعالى في كتابه: " وورث سليمان داود) (2) قيل لهم: ومن أين أنه ورثه الأموال مع تجويز أن يكون المراد ورثه العلم والحكمة.

فإن قالوا: إطلاق الميراث لا يكون إلا في الأموال.

قيل لهم: إن كتاب الله يبطل قولكم لأنه قال: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا) (3) والكتاب ليس بمال، ويقال في اللغة ما ورث الآباء الأبناء شيئا أفضل من أدب (4) حسن وقالوا (العلماء ورثة الأنبياء) وإنما ورثوا منهم العلم دون المال على أن في آخر الآية (5) ما يدل على ما قلناه وهو قوله تعالى: (يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شئ إن هذا لهو الفضل المبين) (6) فنبه على أن الذي ورث هو هذا العلم وهذا الفضل وإلا لم يكن لهذا القول تعلق بالأول.

____________

(1) غ " بل الواحد " الخ.

(2) النمل 16.

(3) فاطر 32.

(4) ش " ما ورث الأبناء عن الآباء ".

(5) غ " على إن في الكتاب ".

(6) النمل 16.

 

 

 

 

الصفحة 60   

فإن قالوا: فقد قال تعالى: (فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب) (1) وذلك يبطل الخبر.

قيل لهم: ليس في ذلك بيان المال أيضا وفي الآية ما يدل على أن المراد النبوة والعلم لأن زكريا خاف على العلم أن يندرس.

وأما قوله: (وإني خفت الموالي من ورائي) يدل على ذلك لأن الأنبياء لا تحرص على الأموال حرصا يتعلق خوفها بها وإنما أراد خوفه على العلم أن يضيع فسأل الله تعالى وليا يقوم الدين مقامه.

وقوله: (ويرث من آل يعقوب) يدل على أن المراد العلم والحكمة لأنه لا يرث أموال آل يعقوب في الحقيقة وإنما يرث ذلك غيره، فأما من يقول: المراد في (إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة) لا يدل على إنا لا نورث الأموال فكأنه أراد أن ما جعلوه صدقة في حال حياتهم لا يورثون فركيك (2) من القول لأن إجماع الصحابة بخلافه لأن أحدا لم يتأوله على هذا الوجه لأنه لا يكون في ذلك تخصيص للأنبياء ولا مزية لهم ولأن قوله: (ما تركناه صدقة) جملة من الكلام مستقلة بنفسها ولا وجه إذا لم يكن ذلك فيها أن يجعل من تمام الكلام الأول فكأنه عليه السلام مع بيانه (3) أنهم لا يورثون بين جهة المال الذي خلفوه لأنه كان يجوز أن لا يكون ميراثا ويصرف إلى وجه آخر (4).

____________

(1) مريم 5 و 6.

(2) غ " فباطل ".

(3) المغني 20 ق 1 / 330.

(4) أي " ما تركناه صدقة " جملة مستقلة أتى به أي بهذا القول مع بيان أنه ليس ميراثا لنفي جواز أن يصرف في وجهه.

الصفحة 61   

فأما خبر السيف والبغلة (1) والعمامة وغير ذلك فقد قال أبو علي إنه لم يثبت أن أبا بكر دفع ذلك إلى أمير المؤمنين عليه السلام (2) على جهة الإرث، وكيف يجوز ذلك مع الخبر الذي رواه؟ وكيف يجوز لو كان وارثا أن يخصه بذلك ولا إرث له مع العم لأنه عصبة (3) فإن كان وصل إلى فاطمة عليها السلام فقد كان ينبغي أن يكون العباس شريكا في ذلك وأزواج النبي صلى الله عليه وآله، ولوجب أن يكون ذلك ظاهرا مشهورا ليعرف أنهم أخذوا نصيبهم من غير ذلك، أو بدله ولا يجب إذا لم يدفع أبو بكر إليه على جهة الإرث أن لا يحصل في يده، لأنه قد يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وآله نحله (4) ويجوز أيضا أن يكون أبو بكر رأى الصلاح في ذلك أن يكون بيده لما فيه من تقوية الدين وتصدق ببدله بعد التقويم لأن للإمام أن يفعل ذلك) (5).

وحكي عن أبي علي في البردة والقضيب (إنه لا يمتنع أن يكون جعله عدة في سبيل الله وتقوية على المشركين فتداولته الأئمة (6) لما فيه من التقوية ورأى أن ذلك (7) أولى من أن يتصدق به إن ثبت أنه عليه السلام لم يكن قد نحله غيره في حياته) (8) ثم عارض نفسه بطلب أزواج النبي صلى الله

____________

(1) غ " النعل ".

(2) غ " إلى علي عليه السلام ".

(3) العصبة - بالتحريك - قرابة الرجل لأبيه سموا بذلك لأنهم عصبوا به، أي أحاطوا.

(4) النحلى - بضم النون، وقصر آخرها، والنحلة - بكسر النون -: العطية عن طيب نفس.

(5) المغني 20 ق 1 / 331.

(6) غ " الأمة " تصحيف.

(7) غ " أقوى ".

(8) المغني 20 ق 1 / 333.

الصفحة 62   

عليه وآله الميراث وتنازع أمير المؤمنين عليه السلام والعباس فيه بعد موت فاطمة عليها السلام.

وأجاب عن ذلك بأن قال: (يجوز أن يكونوا لم يعرفوا رواية (1) أبي بكر وغيره للخبر.

وقد روي أن عائشة لما عرفتهن الخبر أمسكن (2) وقد بينا أنه لا يمتنع في مثل ذلك أن يخفى على من يستحق الإرث ويعرفه من يتقلد الأمر كما تعرف العلماء والحكام (3) من أحكام المواريث ما لا يعلمه أرباب الإرث وقد بينا أن رواية أبي بكر مع الجماعة أقوى من شاهدين لو شهدا على التركة بدين (4) وهو أقوى من رواية سلمان وابن مسعود ولو رويا ذلك عند القوم كان يجب أن يقبل منهما).

قال: (ومتى تعلقوا بعموم القرآن أريناهم جواز التخصيص بهذا الخبر كما إن عموم القرآن يقتضي كون الصدقات للفقراء وقد ثبت أن آل محمد صلوات الله عليهم لا يحل لهم الصدقة...) (5) يقال له: نحن نبين أولا ما يدل على أنه صلى الله عليه وآله يورث المال، ونرتب الكلام في ذلك الترتيب الصحيح، ثم نعطف على ما أورده ونتكلم عليه.

والذي يدل على ما ذكرناه قوله تعالى مخبرا عن زكريا عليه السلام

____________

(1) في المغني " إن ثبت ذلك فلأنهم لم يعرفوا رواية... ".

(2) غ " لما عرفتهم أمسكوا ".

(3) غ " والحكماء ".

(4) غ " بان بعض تركته في دين ".

(5) المغني 20 ق 1 / 333.

الصفحة 63   

(وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا) (1) فخبر أنه خاف من بني عمه لأن الموالي ها هنا هم بنو العم بلا شبهة، وإنما خافهم أن يرثوا ماله فينفقوه في الفساد، لأنه كان يعرف ذلك من خلائقهم وطرائقهم فسأل ربه ولدا يكون أحق بميراثه منهم، والذي يدل على أن المراد بالميراث المذكور في الآية ميراث المال دون العلم والنبوة على ما يقولون، إن لفظة الميراث في اللغة والشريعة جميعا لا يعهد (2) إطلاقها إلا على ما يحق وأن ينتقل على الحقيقة من المورث إلى الوارث كالأموال وما في معناها، ولا يستعمل في غير المال إلا تجاوزا واتساعا، ولهذا لا يفهم من قول القائل:

لا وارث لفلان إلا فلان، وفلان يرث مع فلان بالظاهر، والاطلاق إلا ميراث الأموال والأعراض دون العلوم وغيرها، وليس لنا أن نعدل عن ظاهر الكلام وحقيقته إلى مجازه بغير دلالة، وأيضا فإنه تعالى خبر عن نبيه صلوات الله عليه أنه اشترط في وارثه أن يكون رضيا، ومتى لم يحمل الميراث في الآية على المال دون العلم والنبوة لم يكن للاشتراط معنى، وكان لغوا عبثا، لأنه إذا كان إنما سأل من يقوم مقامه ويرث مكانه فقد دخل الرضا وما هو أعظم من الرضا في جملة كلامه وسؤاله، فلا معنى (3) لاشتراطه ألا ترى أنه لا يحسن أن يقول اللهم ابعث إلينا نبيا واجعله عاقلا ومكلفا فإذا ثبتت هذه الجملة صح أن زكريا موروث ماله، وصح أيضا بصحتها أن نبينا صلى الله عليه وآله ممن يورث المال، لأن الإجماع واقع على أن حال نبينا عليه السلام لا يخالف حال الأنبياء المتقدمين في

____________

(1) مريم 5 و 6.

(2) ش " لا يفيد ".

(3) ش " فلا مقتضى لاشتراطه ".

الصفحة 64   

ميراث المال، فمن مثبت للأمرين وناف للأمرين.

ومما يقوي ما قدمناه أن زكريا خاف بني عمه فطلب وارثا لأجل خوفه، ولا يليق خوفه منهم إلا بالمال دون النبوة والعلم. لأنه عليه السلام كان أعلم بالله تعالى من أن يخاف أن يبعث نبيا من ليس بأهل للنبوة وأن يورث علمه وحكمه من ليس أهلا لها، ولأنه إنما بعث لإذاعة العلم ونشره في الناس فلا يجوز أن يخاف من الأمر الذي هو الغرض في بعثته.

فإن قيل: فهذا يرجع عليكم في الخوف من وراثة المال (1) لأن ذلك غاية الضن (2) والبخل.

قلنا: معاذ الله أن يستوي الحال لأن المال قد يصح أن يرزقه الله تعالى المؤمن والكافر، والعدو والولي، ولا يصح ذلك في النبوة وعلومها. وليس من الضن أن يأسى على بني عمه وهم من أهل الفساد أن يظفروا بماله فينفقوه على المعاصي، ويصرفوه في غير وجوهه المحبوبة، بل ذلك هو غاية الحكمة وحسن التدبير في الدين. لأن الدين يحظر تقوية الفساق وإمدادهم بما يعينهم على طرائقهم المذمومة، وما يعد ذلك شحا ولا بخلا إلا من لا تأمل له.

فإن قيل: فالا جاز أن يكون خاف من بني عمه أن يرثوا علمه وهم من أهل الفساد على ما ادعيتم فيستفسدوا به الناس ويموهونه عليهم؟

قلنا: لا يخلو هذا العلم الذي أشرتم إليه من أن يكون هو كتب علمه وصحف حكمته لأن ذلك قد يسمى علما على طريق المجاز، أو أن

____________

(1) ش " عن إرث المال ".

(2) الضن - بالضاد -: البخل، فالكلمتان مترادفتان على معنى واحد.

الصفحة 65   

يكون هو العلم الذي يحل القلوب، فإن كان الأول فهو يرجع إلى معنى المال ويصحح أن الأنبياء عليهم السلام يورثون أموالهم وما في معناها، وإن كان الثاني لم يخل هذا العلم من أن يكون هو العلم الذي بعث النبي صلوات الله عليه بنشره وأدائه، أو أن يكون علما مخصوصا لا يتعلق بالشريعة ولا يجب اطلاع جميع الأمة عليه كعلم العواقب وما يجري في المستقبل من الأوقات وما جرى مجرى ذلك والقسم الأول لا يجوز على النبي صلى الله عليه وآله أن يخاف من وصوله إلى بني عمه وهم من جملة أمته الذين بعث إلى أن يطلعهم (1) على ذلك ويؤديه إليهم وكأنه على هذا الوجه يخاف مما هو الغرض في بعثته.

والقسم الثاني فاسد أيضا لأن هذا العلم المخصوص إنما يستفاد من جهته ويوقف عليه باطلاعه وإعلامه، وليس هو مما يجب نشره في جميع الناس فقد كان يجب إذا خاف من إلقائه إلى بعض الناس فسادا أن لا يلقيه إليه فإن ذلك في يده ولا يحتاج إلى أكثر من ذلك. ومما يدل على أن الأنبياء عليهم السلام يورثون قوله تعالى: (وورث سليمان داود) (2) والظاهر من إطلاق لفظ الميراث يقتضي الأموال وما في معناها على ما دللنا عليه (3) من قبل، ويدل أيضا على ذلك قوله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) (4) الآية وقد أجمعت الأمة على عموم هذه اللفظة إلا من أخرجه الدليل فيجب أن يتمسك بعمومها لمكان هذه الدلالة، ولا يخرج عن حكمها إلا من أخرجه دليل قاطع فأما تعلق

____________

(1) ش " لاطلاعهم وتأديته إليهم ".

(2) النمل 16.

(3) ش " به من قبل ".

(4) النساء 11.

الصفحة 66   

صاحب الكتاب بالخبر الذي رواه أبو بكر وادعاه وأنه استشهد عمر وعثمان وفلانا وفلانا فأول (1) ما فيه أن الذي ادعاه من الاستشهاد غير معروف.

والذي روي أن عمر استشهد هؤلاء النفر لما نازع (2) أمير المؤمنين عليه السلام العباس في الميراث فشهدوا بالخبر المتضمن لنفي الميراث، وإنما معول مخالفينا في صحة الخبر الذي رواه أبو بكر عند مطالبة فاطمة عليها السلام بالميراث على إمساك الأمة عن النكير عليه والرد لقضيته (3) ولو سلمنا استشهاد من ذكر على الخبر لم يكن فيه حجة، لأن الخبر على كل حال لا يخرج من أن يكون غير موجب للعلم، وهو في حكم أخبار الآحاد، وليس يجوز أن يرجع عن ظاهر القرآن بما يجري هذا المجرى، لأن المعلوم لا يخص إلا بمعلوم، وإذا كانت دلالة الظاهر معلومة لم يجز أن يرجع (4) عنها بأمر مظنون، وهذا الكلام مبني على أن التخصيص للكتاب والسنة المقطوع بها (5) بأخبار الآحاد وهو المذهب الصحيح، وقد أشرنا إلى ما يمكن أن يعتمد في الدلالة عليه من أن الظن لا يقابل العلم ولا يرجع عن المعلوم بالظن (6)، وليس لهم أن يقولوا: إن

____________

(1) في الأصل " فالأول ما فيه " وصححناه عن ابن أبي الحديد.

(2) ش " تنازع أمير المؤمنين عليه السلام والعباس ".

(3) علق ابن أبي الحديد على ذلك بقوله: " صدق المرتضى رحمه الله فيما قال، أما عقيب وفاة النبي صلى الله عليه وآله ومطالبة فاطمة عليها السلام بالإرث، فلم يرو الخبر غير أبي بكر وحده، وقيل: إنه رواه معه مالك بن أوس بن الحدثان أما المهاجرون الذين ذكرهم قاضي القضاة، فإنما شهدوا في الخبر في خلافة عمر " (الشرح 16 / 245).

(4) ش " يخرج عنها ".

(5) في الأصل " بهما " وآثرنا نقل ابن أبي الحديد، لأن أخبار الآحاد من السنة ولكن غير مقطوع بها.

(6) ش " بالمظنون ".

الصفحة 67   

التخصيص بالأخبار الآحاد (1) مستند أيضا إلى علم وإن كان الطريق مظنونا، ويشيروا إلى ما يدعونه من الدلالة على وجوب العمل بخبر الواحد في الشريعة (2) وإنه حجة لأن ذلك مبني من قولهم على ما لا نسلمه، وقد دل الدليل على فساده (3) من صحة العمل بخبر الواحد، والكلام في أن خبر الواحد يقبل في الشريعة أولا يقبل لا يليق بكتابنا هذا.

والكلام فيه معروف على أنه لو سلم لهم أن خبر الواحد يعمل به في الشرح لاحتاجوا إلى دليل مستأنف على أنه يقبل في تخصيص القرآن لأن ما دل على العمل به في الجملة لا يتناول هذا الموضع كما لا يتناول جواز النسخ به.

وهذا يسقط قول صاحب الكتاب " إن شاهدين لو شهدا أن في التركة حقا لكان يجب أن يصرف عن الإرث، وذلك أن الشهادة وإن كانت مظنونة فالعمل بها استند إلى علم (4)، لأن الشريعة قد قررت العمل بالشهادة ولم تقرر العمل بخبر الواحد وليس له أن يقيس خبر الواحد على الشهادة من حيث اجتمعا في غلبة الظن لأنا لم نعمل على الشهادة من حيث غلبة الظن دون ما ذكرناه من تقرير الشريعة العمل بها، ألا ترى إنا قد نظن صدق الفاسق والمرأة والصبي وكثير ممن يجوز صدقه (5) ولا يجوز العمل بقوله، فبان أن المعول في هذا على المصلحة التي نستفيدها على

____________

(1) في شرح النهج " أخبار الآحاد " على الإضافة لا الصفة.

(2) ش " في الشرع ".

(3) أي حجية خبر الواحد.

(4) ش " استند ".

(5) " ممن يجوز صدقه " ساقطة من شرح نهج البلاغة.

الصفحة 68   

طريق الجملة من دليل الشرع وأبو بكر في حكم المدعي لنفسه، والجار إليها بخلاف ما ظنه صاحب الكتاب، وكذلك من شهد له إن كانت شهادة قد وجدت، وذلك أن أبا بكر وسائر المسلمين سوى أهل بيت الرسول صلوات الله عليهم يحل لهم الصدقة، ويجوز أن يصيبوا منها، وهذه تهمة في الحكم والشهادة.

وليس له أن يقول: فهذا يقتضي أن لا يقبل شهادة شاهدين في تركة بأن فيها صدقة لمثل ما ذكرتم، وذلك لأن الشاهدين إذا شهدا بالصدقة فحظهما منها كحظ صاحب الميراث، بل سائر المسلمين وليس كذلك حال تركة الرسول صلى الله عليه وآله لأن كونها صدقة يحرمها على ورثته ويبيحها لسائر المسلمين.

فأما قوله: (نخص القرآن بذلك كما خصصنا في العبد والقاتل) (1) فليس بشئ لأن من ذكر إنما خصصناهما بدليل مقطوع عليه معلوم (2) وليس هذا في الخبر الذي ادعاه.

فأما قوله: (وليس ذلك ينقص للأنبياء عليهم السلام بل هو إجلال لهم) فمن الذي قال له: إنه نقص؟ وكما إنه لا نقص فيه فلا إجلال فيه ولا فضيلة، لأن الداعي وإن كان قد يقوى إلى جمع المال ليخلف على الورثة فقد يقويه أيضا إرادة صرفه في وجوه الخير والبر، وكلا الأمرين يكون داعيا إلى تحصيل المال، بل الداعي الذي ذكرناه أقوى فيما يتعلق بالدين.

فأما قوله: (إن فاطمة عليها السلام لما سمعت ذلك كفت عن

____________

(1) يعني في عدم استحقاقهما في الميراث.

(2) ش " لأنا قد خصصنا من ذكر بدليل معلوم ".

الصفحة 69   

الطلب فأصابت أولا وأصابت آخرا) فلعمري أنها كفت عن الطلب الذي هو المنازعة والمشاحة لكنها انصرفت مغضبة متظلمة متألمة والأمر في غضبها وسخطها أظهر من أن يخفى على منصف، فقد روى أكثر الرواة الذين لا يتهمون بتشيع ولا عصبية فيه من كلامها عليها السلام في تلك الحال، وبعد انصرافها عن مقام المنازعة والمطالبة ما يدل على ما ذكرناه من سخطها وغضبها ونحن نذكر من ذلك ما يستدل به على صحة قولنا، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عمران المرزباني (1) قال [ حدثني محمد بن أحمد الكاتب ] (2) حدثنا أحمد بن عبيد بن ناصح النحوي (3) قال حدثنا الزيادي (4) قال حدثنا الشرقي بن القطامي (5) عن محمد بن إسحاق (6)

____________

(1) المرزباني: محمد بن عمران، يعد من محاسن الدنيا، صادق اللهجة.

ثقة في الحديث، واسع المعرفة رواية للأدب، وقيل: هو أول من أسس علم البيان ودونه، وبهذا تعرف أنه سابق لعبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني المتوفى سنة 471 في هذا العلم، وللمرزباني من المؤلفات (كتاب ما نزل في القرآن في علي عليه السلام) وهو أول من جمع شعر يزيد بن معاوية بن أبي سفيان واعتنى به، وهو من مشائخ المفيد، وقد أكثر السيد الشريف المرتضى النقل عنه في " الغرر والدرر " توفي المرزباني سنة 384 (انظر مصادر نهج البلاغة وأسانيده).

(2) الزيادة من ابن أبي الحديد، والكاتب هو أبو طاهر محمد بن أحمد بن محمد الكاتب من شيوخ ابن مندة (انظر ابن خلكان 6 / 169).

(3) أحمد بن عبيد بن ناصح أبو جعفر المعروف بأبي عصيدة أديب ديلمي الأصل من موالي بني هاشم تولى تأديب المعتز العباسي من كتبه " عيون الأخبار والأشعار " و " الزيادات في معاني الشعر لابن السكيت في إصلاحه " توفي سنة 273 (انظر الأعلام للزركلي 1 / 159).

(4) الزيادي: عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي النحوي من الموالي من أهل البصرة توفي سنة 129 (خزانة الأدب 1 / 115، وتهذيب التهذيب: 5 / 148).

(5) الشرقي بن القطامي: كوفي اسمه الوليد بن الحصين، والشرقي لقب غلب عليه كان عالما بالنسب وافر الأدب أقدمه المنصور بغداد وضم إليه المهدي ليأخذ من أدبه توفي حدود سنة 155 (تاريخ بغداد 9 / 279 ولسان الميزان 3 / 142).

(6) محمد بن إسحاق بن يسار أبو بكر القرشي بالولاء إمام أصحاب السير، من بحور العلم، ثبت في الحديث، عده الشيخ الطوسي ممن أسند عن الإمام الصادق عليه السلام نشأ بالمدينة، واضطر إلى الخروج منها إلى مصر بسبب تشيعه، ثم قدم على أبي جعفر المنصور وهو بالحيرة، وكتب له المغازي، وسمع منه أهل الكوفة بهذا السبب، وكتابه في السيرة إلى قسمين " مبتدأ الخلق " و " المغازي " والظاهر أنه لم يبق من هذين الكتابين إلا ما اختاره ابن هشام من سيرة النبي صلى الله عليه وآله، وما نقله أصحاب الكتب منهما كالطبري وابن أبي الحديد، توفي ابن إسحاق بغداد سنة 151 ودفن بمقبرة الخيزران في الجانب الشرقي (انظر رجال الطوسي وابن خلكان 4 / 276، تأسيس الشيعة 232).

الصفحة 70   

قال: حدثنا صالح بن كيسان (1) عن عروة (2) عن عائشة قال المرزباني وحدثنا أبو بكر أحمد بن محمد (3) المكي قال: حدثنا أبو العينا محمد بن القاسم السيمامي (4) قال حدثنا ابن عائشة (5) قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله أقبلت فاطمة عليها السلام في لمة (6) من حفدتها إلى أبي بكر، وفي الرواية الأولى قالت عائشة: لما سمعت فاطمة عليها السلام

____________

(1) قال الذهبي " صالح بن كيسان أحد الثقاة والعلماء (ميزان الاعتدال 2 / 299).

(2) هو عروة بن الزبير بن العوام أبو عبد الله المدني ولد في أوائل خلافة عمر وتوفي سنة 94 وقد عده ابن أبي الحديد في شرح النهج من المنحرفين عن علي عليه السلام.

(3) أحمد بن محمد بن أبي الموت المكي روى عن البغوي صاحب المسند (انظر ميزان الاعتدال 1 / 151).

(4) أبو العيناء هو عبد الله بن محمد بن القاسم بن خلاد الأهوازي البصري كان أديبا ماهرا، وكان من الظرفاء والأذكياء حاضر النكتة، سريع الجواب نقل ابن خلكان كثيرا من أجوبته ونوادره، وأضر وهو في حدود الأربعين من عمره فسئل يوما:

ما ضرك من العمى، قال شيئان. أحدهما فاتني السبق بالسلام، والثاني ربما ناظرت فهو يكفهر وجهه ويظهر الكراهية حتى لا أراه وأقطع الكلام توفي بالبصرة سنة 283 أو 284.

(5) ابن عائشة: عبيد الله بن محمد بن حفص التيمي نسبة إلى عائشة بنت طلحة لأنها من جداته قال في تقريب التهذيب: ثقة جواد رمي بالقدر ولم يثبت مات سنة 228.

(6) اللمة - بالضم والتخفيف: الترب والشكل.

الصفحة 71   

إجماع أبي بكر على منعها فدك لاثت خمارها على رأسها، واشتملت بجلبابها (1) وأقبلت في لمة من حفدتها [ ثم اجتمعت الروايتان من هاهنا ] (2) ونساء قومها تطأ ذيولها ما تخرم (3) مشيتها مشية رسول الله صلى الله عليه وآله حتى دخلت على أبي بكر وهو في حشد (4) من المهاجرين والأنصار وغيرهم فنيطت دونها ملاءة (5) ثم أنت أنة أجهش القوم لها بالبكاء (6) وارتج المجلس، ثم أمهلت هنيئة (7) حتى إذا سكن نشيج القوم وهدأت فورتهم (8) افتتحت كلامها بالحمد لله عز وجل والثناء عليه والصلاة على رسوله صلى الله عليه وآله ثم قالت: (9)

____________

(1) الجلباب: الملحفة، والجمع جلابيب.

(2) ما بين المعقوفين من شرح نهج البلاغة.

(3) لم تخرم لم تنقص، يقال ما خرم منه شيئا أي ما نقص.

(4) الحشد - كفلس -: الجماعة.

(5) نيطت: علقت ووصلت، والملاءة: الريطة والأزار أيضا.

(6) أجهش بالبكاء: تهيأ له.

(7) ح " هنيهة " والمعنى واحد.

(8) الفورة: الجيشان.

(9) خطبة الزهراء سلام الله عليه في شأن فدك رواها الخلف عن السلف من العلويين في جميع الأجيال إلى زمن الأئمة من أهل البيت عليهم السلام. وكان مشائخ آل أبي طالب يروونها عن آبائهم ويعلمونها أبناءهم وهم من محاسن الخطب وبدائعها، وفيها عقبة من أريج الرسالة. كما أخرجها من إثبات الرواة غير الشيعة، فقد روى ابن أبي الحديد فصولا منها ضمن جملة من أخبار فدك وما جرى في شأنها وقال في مقدمة ذلك: " الفصل الأول فيما ورد من الأخبار والسير المنقولة من أفواه أهل الحديث وكتبهم. لأن من كتب الشيعة ورجالهم. لأنا مشترطون على أنفسنا أن لا نحفل بذلك، (شرح نهج البلاغة ج 16 / 210) ثم نقل أسانيد لهذه الخطبة تنتهي إلى زينب بنت أمير المؤمنين والإمامين الباقر والصادق وزيد بن علي بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين وإلى عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي عليهم السلام مضافا إلى الأسانيد الأخرى التي ينتهي بعضا إلى عروة بن الزبير عن خالته أم المؤمنين عائشة (رض) والخطبة تجدها كاملة في الجزء الأول من الاحتجاج للطبرسي في باب احتجاج فاطمة عليها السلام وقال أبو الحسن علي بن عيسى بن أبي الفتح الأربلي المتوفى سنة 693، في كتابه " كشف الغمة في معرفة الأئمة " ج 2 / 108 " نقلتها - أي خطبة الزهراء عليها السلام - من كتاب " السقيفة " لأبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري عن عمرو بن شبة - توفي سنة 262 - من نسخة مقروءة على مؤلفها المذكور، قرئت في ربيع الآخر سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة روى عن رجاله من عدة طرق أن فاطمة عليها السلام لما بلغها إجماع أبي بكر على منعها فدكا لاثت خمارها وأقبلت في لميمة من حفدتها الخ " ويظهر من هذا أن الجوهري كان حيا سنة 322.

الصفحة 72   

(لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) (1) فإن تعزوه (2) تجدوه أبي دون آبائكم، وأخا ابن عمي دون رجالكم، فبلغ الرسالة صادعا بالنذارة (3) مائلا عن سنن المشركين ضاربا ثبجهم (4) يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة آخذا بأكظام (5) المشركين يهشم الأصنام ويفلق الهام، حتى انهزم الجمع، وولوا الدبر، وحتى تفرى (6) الليل عن صبحه، وأسفر الحق عن محضه، ونطق زعيم الدين، وخرست شقاشق (7) الشياطين، وتمت كلمة الاخلاص وكنتم على شفا حفرة من النار نهزة الطامع (8) ومذقة الشارب (9) وقبسة العجلان (10) وموطأ الأقدام، تشربون الطرق (11)

____________

(1) التوبة / 128.

(2) تعزوه: تسندوه.

(3) صدع بالأمر: تكلم به جهارا.

(4) الثبج - بفتحتين - ما بين الكاهل إلى الظهر، وقيل: ثبج كل شئ وسطه.

(5) الأكظام جمع كظم - بالتحريك -: مخرج النفس.

(6) تفرى الليل عن صبحه: انشق.

(7) الشقاشق - جمع شقشقة - الجلدة الحمراء التي يخرجها البعير من جوفه عند هيجانه.

(8) النهزة كالفرصة وزنا ومعنى.

(9) اللبن الممزوج بالماء.

(10) قبسة العجلان مثل في الاستعجال تشبيها بالمقتبس الذي يدخل الدار ريثما يقبس الجذوة من النار.

(11) الطرق - بفتح وسكون - والمطروق أيضا: ماء الغدران الذي تبول فيه الإبل وتبعر.

الصفحة 73   

وتقتاتون القد (1) أذلة خاسئين، يتخطفكم الناس من حولكم، حتى أنقذكم الله عز وجل برسوله صلى الله عليه وآله بعد اللتيا والتي (2) وبعد أن مني بسهم الرجال (3) وذؤبان العرب (4) ومردة أهل النفاق (5) (كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله) (6) ونجم قرن للشيطان (7) أو فغرت للمشركين فاغرة (8) قذف أخاه في لهواتها، فلا ينكفئ حتى يطأ صماخها بأخمصه (9) ويطفئ عادية لهبها، (10) أو قالت: ويخمد لهبهتا بحده مكدودا في ذات الله (11) وأنتم في رفاهية فكهون آمنون وادعون) (12) إلى هاهنا انتهى خبر أبي العيناء عن ابن عائشة، وزاد عروة ابن

____________

(1) القد - بالكسر -: سير يقد من جلد غير مدبوغ.

(2) اللتيا - بالفتح والتشديد - والمراد باللتيا والتي الداهية الصغيرة والكبيرة، وكنى عن الكبيرة بالتصغير تشبيها بالحية فإنها إذا كثر سمها صغرت لأنهم يزعمون أن السم يأكل جسدها، والأصل في المثل أن رجلا من جديس تزوج امرأة قصيرة فقاسى منها الشدائد فطلقها وتزوج طويلة فكانت أشد من الأولى فطلقها فقيل له: ألا تتزوج قال: أبعد اللتيا والتي فذهبت مثلا.

(3) بهم الرجال: شجعانهم.

(4) ذؤبان العرب: لصوصهم وصعاليكهم.

(5) المردة - جمع مارد وهو العاتي.

(6) المائدة / 64.

(7) نجم: ظهر وطلع.

(8) فاغرة المشركين: جماعتهم، والمعنى مجازي مأخوذ من فغر فاه إذا فتحه.

(9) الصماخ - بالكسر - خرق الأذن، وقيل: هو الأذن نفسها والسين لغة فيه والأخمص: ما دخل من باطن القدم فلم يصب الأرض.

(10) العادية: الشر.

(11) مكدودا: متعبا.

(12) الرفاهية والرفاهة من العيش: السعة، والفكه: طيب النفس والودع والوديع الساكن.

الصفحة 74   

الزبير عن عائشة.

(حتى إذا اختار الله لنبيه دار أنبيائه ظهرت حسيكة النفاق (1) وسمل جلباب الدين (2) ونطق كاظم الغاوين (3) ونبغ خامل الآفكين (4) وهدر فنيق المبطلين، فخطر في عرصاتكم (5) وأطلع الشيطان رأسه صارخا بكم، فدعاكم فألفاكم لدعوته مستجيبين، وللغرة (6) ملاحظين، ثم استنهضكم فوجدكم خفافا، وأحمشكم (7) فألفاكم غضبا فوسمتم (8) غير إبلكم، ووردتم غير شربكم، هذا والعهد قريب والكلم رحيب (9) والجرح لما يندمل (10) إنما زعمتم ذلك خوف الفتنة (ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين) (11) فهيهات منكم وأنى بكم وأنى تؤفكون (12) وكتاب الله بين

____________

(1) الحسيكة والحسكة والحساكة: الحقد والعداوة وقد وردت الرواية باللفظتين الأوليين.

(2) سمل: أخلق، والجلباب الملحفة والجمع جلابيب.

(3) كاظم - هنا - فاعل الكظوم وهو السكوت.

(4) نبغ الشئ: ظهر، والخامل: الساقط الذي لا نباهة له.

(5) هدر البعير: ردد صوته في حنجرته، والفنيق: الفحل من الإبل، وخطر: اهتز في مشيه تبخترا وهي هنا مجازية، والعرصة - بوزن ضربة - كل بقعة بين الدور واسعة ليس بها بناء والجمع عراص - بكسر العين - وعرصات.

(6) تروى بإعجام الأول وإهمال الثاني كما تروى بالعكس ومعنى الأولى الغفلة والمراد طلبها ومعنى الثانية الحمية والأنفة.

(7) أحمشكم - هنا هيجكم.

(8) الوسم: الكي، وهو علامة كانت العرب تستعملها للإبل.

(9) الكلم: الجرح، والرحيب: الواسع.

(10) اندمل الجرح وأدمل: تماثل وتراجع إلى الشفاء.

(11) التوبة / 49.

(12) هيهات - بتثليث الآخر - اسم فعل بمعنى بعد، وأنى: ظرف مكان بمعنى أين. والإفك: الكذب.

الصفحة 75   

أظهركم، زواجره بينة، وشواهده لائحة، وأوامره واضحة، أرغبة عنه تريدون، أم بغيره تحكمون (بئس للظالمين بدلا) (1) (ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) (2) ثم لم تلبثوا إلا ريث أن تسكن نفرتها تسرون حسوا في ارتغاء (3) ونصبر منكم على مثل حز المدى (4) وأنتم الآن تزعمون ألا إرث لنا (أفحكم الجاهلية تبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يؤمنون) (5).

يا ابن أبي قحافة أترث أباك ولا أرث أبي (لقد جئت شيئا فريا) (6) فدونكها مخطومة مرحولة (7) تلقاك يوم حشرك، فنعم الحكم الله، والزعيم محمد، والموعد القيامة، وعند الساعة يخسر المبطلون (ولكل نبأ مستقر وسوف تعلمون) (8) ثم انكفأت إلى قبر أبيها فقالت:

 

قد كان بعدك أنباء وهنبثة       لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب (9)

إنا فقدناك فقد الأرض وابلها   واختل قومك فاشهدهم ولا تغب (10)

 

____________

(1) الكهف / 50.

(2) آل عمران / 85.

(3) الحسو: الشرب شيئا فشيئا، والارتغاء: شرب الرغوة وهي ما يطفو على فوق اللبن من الماء المشوب به، والمثل يضرب لمن يظهر شيئا ويريد غيره.

(4) الحز: القطع، والمدى جمع مدية وهي السكين.

(5) المائدة: 50.

(6) مريم 27 والفري: الأمر المختلق.

(7) مخطومة من الخطام وهو كل ما يوضع في أنف البعير ليقاد به، والرحل للناقة كالسرج للفرس.

(8) الأنعام / 67.

(9) الهنبثة جمعها هنابث: الأمر الشديد والاختلاط في القول.

(10) في الشعر أقواء وتروى " فاشهدهم قد انقلبوا ".

 

 

 

 

الصفحة 76   

وروى جرمي بن أبي العلا مع هذين البيتين بيتا ثالثا، وهو:

 

فليت قبلك كان الموت صادفنا لما قضيت وحالت دونك الكثب (1)

 

قال: فحمد الله أبو بكر وصلى على محمد وآله وقال: يا خير النساء، وابنة خير الأنبياء، والله ما عدوت رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عملت إلا بإذنه وإن الرائد لا يكذب أهله، وإني أشهد الله وكفى بالله شهيدا. وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: (إنا معاشر الأنبياء لا نورث ذهبا ولا فضة، ولا دارا ولا عقارا. وإنما نورث الكتاب والحكمة، والعلم والنبوة).

قال: فلما وصل الأمر إلى علي بن أبي طالب عليه السلام كلم (2) في رد فدك، فقال: إني لأستحي من الله أن أرد شيئا منع منه أبو بكر وأمضاه عمر.

وأخبرنا أبو عبد الله المرزباني، قال: حدثني علي بن هارون، قال: أخبرني عبد الله بن أحمد بن أبي طاهر عن أبيه قال: ذكرت لأبي الحسين زيد بن [ علي بن الحسين بن زيد بن ] (3) علي بن الحسين بن زيد ابن علي كلام فاطمة عليها السلام عند منع أبي بكر إياها فدك، وقلت له: إن هؤلاء يزعمون إنه مصنوع وإنه كلام أبي العيناء، لأن الكلام منسوق البلاغة فقال لي: رأيت مشائخ آل أبي طالب يروونه عن آبائهم.

ويعلمونه أولادهم، وقد حدثني به أبي عن جدي يبلغ به فاطمة عليها

____________

(1) الكثب جميع كثيب وهو من الرمل ما اجتمع.

(2) على البناء للمجهول.

(3) التصحيح بين المعقوفين عن المخطوطة والمراد به زيد الأصغر وهو من أصحاب الإمام علي بن محمد الهادي عليه السلام إذ لا يعقل تأخر زيد الشهيد من أبي العيناء انظر تهذيب التهذيب 30 / 420 وإرشاد المفيد ص 332.

الصفحة 77   

السلام على هذه الحكاية، ورواه مشائخ الشيعة وتدارسوه بينهم قبل أن يولد جد أبي العينا وقد حدث الحسين بن علوان عن عطية العوفي (1) إنه سمع عبد الله بن الحسن (2) ذكر عن أبيه هذا.

ثم قال أبو الحسين: وكيف ينكر من هذا كلام فاطمة عليها السلام وهم يروون من كلام عائشة عند موت أبيها ما هو أعجب من كلام فاطمة عليها السلام فيحققونه، لولا عداوتهم لنا أهل البيت؟

ثم ذكر الحديث بطوله على نسقه وزاد في الأبيات بعد البيتين الأولين:

 

ضاقت علي بلادي بعد ما رحبت        وسيم سبطاك خسفا فيه لي نصب (3)

فليت قبلك كان الموت صادفنا قوم تمنوا فاعطوا كلما طلبوا  

تجهمتنا رجال واستخف بنا     مذغبت عنا وكل الإرث قد غصبوا (4)

 

قال: فما رأيت يوما كان أكثر باكيا وباكية من ذلك اليوم.

____________

(1) عطية بن سعد بن جنادة العوفي الكوفي ولد في أيام علي عليه السلام من رجال الحديث، خرج مع ابن الأشعث فكتب الحجاج إلى محمد بن القاسم الثقفي:

ادع عطية فإن سب علي بن أبي طالب وإلا فاضربه أربعمائة سوط واحلق رأسه ولحيته فاستدعاه فأبي أن يسب فأمضى حكم الحجاج فيه ثم خرج إلى خراسان فلم يزل بها حتى ولى عمر بن هبيرة العراق فقدمها فلم يزل بها إلى أن توفي سنة 111 أو 127 (انظر تهذيب التهذيب 7 / 224 - 226).

(2) عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام أبو محمد تابعي من أهل المدينة أمه فاطمة بنت الحسين بن علي عليهما السلام كان من العباد وكان له شرف وعارضة وهيبة توفي في حبس المنصور وهو ابن سبعين سنة سنة 145 قبل قتل ولده محمد بأشهر انظر تهذيب التهذيب 5 / 186.

(3) الخسف: الذل والظلم والمراد الثاني، يقال سامه خسفا أي أراده عليه.

(4) تجهمتنا: استقبلتنا بوجه كريه.

الصفحة 78   

وقد روي هذا الكلام على هذا الوجه من طرق مختلفة ووجوه كثيرة، فمن أرادها أخذها من مواضعها فقط طولنا بذكرنا ما ذكرناه منها لحاجة مست إليه فكيف يدعى أنها كفت راضية، وأمسكت قانعة لولا البهت وقلة الحياء.

فأما قوله: (إنه يجوز أن يبين أنه لا حق في ميراثه لورثته لغير الورثة ولا يمتنع أن يرد من جهة الآحاد لأنه من باب العمل) فكل هذا بناء منه على أصوله الفاسدة في أن خبر الواحد حجة في الشرع وأن العمل به وجب، ودون صحة ذلك خرط القتاد.

وإنما يجوز أن يبين من جهة دون جهة إذا تساويا في الحجة ووقوع العلم. فأما مع تباينهما فلا يجوز التخيير فيهما وإذا كان ورثة النبي صلى الله عليه وآله متعبدين بأن لا يرثوه فلا بد من إزاحة علتهم في هذه العبادة بأن يوقفهم على الحكم بعينه، ويشافههم به أو بأن يلقيه إلى من تقوم الحجة عليهم بنقله، وكل ذلك لم يكن.

فأما قوله: (تجوزون صدقه في الرواية أم لا تجوزون ذلك) فالجواب إنا لا نجوزه، لأن كتاب الله أصدق منه وهو يدفع روايته ويبطلها.

فأما اعتراضه على قولنا: إن إطلاق الميراث لا يكون إلا في الأموال بقوله تعالى: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا) (1) وقولهم:

" ما ورثت الأبناء من الآباء شيئا أفضل من أدب حسن " وقولهم: " العلماء ورثة الأنبياء " فعجيب لأن كل ما ذكر مقيد غير مطلق، وإنما قلنا: إن مطلق لفظ الميراث من غير قرينة ولا تقييد يفيد بظاهره ميراث الأموال

____________

(1) فاطر / 32.

الصفحة 79   

فبعد ما ذكره وعارض به لا يخفى على متأمل.

فأما استدلاله على أن سليمان ورث داود علمه دون ماله بقوله: (يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شئ إن هذا لهو الفضل المبين) (1) وإنما المراد أنه ورث العلم والفضل، وإلا لم يكن لهذا القول تعلق بالأول، فليس بشئ يعول عليه لأنه لا يمتنع أن يريد أنه ورث المال بالظاهر والعلم بهذا المعنى من الاستدلال فليس يجب إذ دلتنا الدلالة في بعض الألفاظ على معنى المجاز أن نقتصر بها عليه، بل يجب أن نحملها على الحقيقة التي هي الأصل إذا لم يمنع من ذلك مانع، على أنه لا يمتنع أن يريد ميراث المال خاصة ثم يقول: إنا مع ذلك علمنا منطق الطير، ويشير بالفضل المبين إلى العلم والمال جميعا فله بالأمرين جميعا فضل على من لم يكن عليهما وقوله: (وأوتينا من كل شئ) يحتمل المال كما يحتمل العلم فليس بخالص ما ظنه.

فأما قوله في قصة زكريا (إنه خاف على العلم أن يندرس لأن الأنبياء لا تحرص (2) على الأموال، وإنما خاف أن يضيع العلم، فسأل الله تعالى وليا يقوم بالدين مقامه) فقد بينا أن الأنبياء عليهم السلام وإن كانوا لا يحرصون على الأموال ولا يبخلون بها، فإنهم يجتهدون في منع المفسدين من الاستعانة بها على الفساد، ولا يعد ذلك حرصا، ولا بخلا، بل فضلا ودينا، وليس يجوز من زكريا أن يخاف على العلم أن يندرس ويضيع (3) لأنه يعلم أن حكمة الله تعالى تقتضي حفظ العلم الذي هو

____________

(1) النمل / 16.

(2) ش " لا يحرصون ".

(3) شس " يخاف على العلم الاندراس والضياع ".

الصفحة 80   

الحجة على العباد، وبه تنزاح علتهم في مصالحهم، فكيف يخاف ما لا يخاف من مثله.

فإن قيل: فهبوا أن الأمر على ما ذكرتم من أن زكريا كان يأمن على العلم أن يندرس، أليس لا بد أن يكون مجوزا لأن يحفظه الله تعالى بمن هو من أهله وأقاربه كما يجوز أن يحفظه بغريب أجنبي؟ فما أنكرتم أن يكون خوفه من بني عمه أن لا يتعلموا العلم. ولا يقوموا فيه مقامه.

 

فسأل الله تعالى ولدا يجمع فيه هذه العلوم حتى لا يخرج العلم عن بيته.

ويتعدى إلى غير قومه، فيلحقه بذلك وصمة.

قلنا: أما إذا رتب السؤال هذا الترتيب فالجواب عنه ما أجبنا به صاحب الكتاب، وهو أن الخوف الذي أشاروا إليه ليس من ضرر ديني وإنما هو من ضرر دنيوي والأنبياء عليهم السلام إنما بعثوا لتحمل المضار الدنيوية ومنازلهم في الثواب إنما زادت على كل المنازل لهذا الوجه، ومن كانت حاله هذه الحال فالظاهر من خوفه إذا لم يعلم وجهه بعينه أن يكون محمولا على مضار الدين، لأنها هي جهة خوفهم. والغرض في بعثتهم تحمل ما سواها من المضار، فإذا قال النبي صلى الله عليه وآله: أنا خائف ولم يعلم جهة خوفه على التفصيل، يجب أن يصرف خوفه بالظاهر إلى مضار الدين دون الدنيا، لأن أحوالهم وبعثهم تقتضي ذلك. فإذا كنا لو اعتدنا من بعضنا الزهد في الدنيا وأسبابها والتعفف عن منافعها. والرغبة في الآخرة والتفرد بالعمل لها لكنا نحمل ما يظهر لنا من خوفه الذي لا يعلم وجهه بعينه على ما هو أشبه وأليق بحاله، ونضيفه إلى الآخرة دون الدنيا، وإذا كان هذا واجبا فيمن ذكرناه فهو الأنبياء عليهم السلام أوجب.

فأما قوله متعلقا في أن الميراث محمول على العلم بقوله: (ويرث

الصفحة 81   

من آل يعقوب): (لأنه لا يرث أموال يعقوب في الحقيقة، وإنما يرث ذلك غيره) فبعيد من الصواب لأن ولد زكريا يرث بالقرابة من آل يعقوب أموالهم، على أنه لم يقل: يرث آل يعقوب، بل قال: يرث من آل يعقوب، منبها بذلك على أنه يرث من كان أحق بميراثه بالقرابة.

فأما طعنه على من تأول الخبر بأنه عليه السلام لا يورث ما تركه للصدقة بقوله: (إن أحدا من الصحابة لم يتأوله على هذا الوجه) فهذا التأويل الذي ذكرناه أحد ما قاله أصحابنا في هذا الخبر فمن أين له إجماع الصحابة على خلافه؟ وإن أحدا لم يتأوله على هذا الوجه.

فإن قال: (لو كان ذلك لظهر وانتشر، ولوقف أبو بكر عليه) فقد مضى من الكلام فيما يمنع من الموافقة على هذا المعنى ما فيه كفاية، وقوله (إنه لا يكون في ذلك تخصيص للأنبياء ولا مزية) ليس بصحيح.

وقد قيل في الجواب عن هذا: إنه صلى الله عليه وآله يجوز أن يريد أن ما تنوى فيه الصدقة وتفرده لها من غير أن تخرجه عن أيدينا لا يناله ورثتنا وهذا تخصيص لهم ومزية ظاهرة.

فأما قوله: (إن قوله: " ما تركناه صدقة " جملة من الكلام مستقلة فلا وجه لأن يجعل من تمام الكلام الأول) فكلام في غير موضعه لأنها إنما تكون مستقلة بنفسها إذا كانت لفظة " ما " مبتدأ مرفوعة ولم تكن منصوبة بوقوع الفعل عليها وكانت لفظة " صدقة " أيضا مرفوعة غير منصوبة وفي هذا وقع النزاع فكيف يدعي أنها جملة مستقلة بنفسها ونحن نخالف في الإعراب الذي لا يصح استقلالها بنفسها إلا مع تغيره وأقوى ما ذكروه ما نقوله (1) أن الرواية جاءت في لفظة الصدقة بالرفع وعلى ما تأولتموه لا

____________

(1) ش " وأقوى ما يمكن أن نذكره أن نقول ".

الصفحة 82   

يكون إلا منصوبة.

والجواب عن ذلك أنا لا نسلم الرواية بالرفع، ولم تجر عادة الرواة بضبط ما جرى هذا المجرى من الإعراب والاشتباه يقع في مثله، فمن حقق منهم وصرح أن الرواية بالرفع يجوز أن يكون اشتبه عليه فظنها مرفوعة وهي منصوبة.

فأما حكايته عن أبي علي أن أبا بكر لم يدفع إلى أمير المؤمنين عليه السلام السيف والبغلة والعمامة على سبيل الإرث وقوله: (وكيف يجوز ذلك مع الخبر الذي رواه وكيف خصصه بذلك دون العلم الذي هو العصبة) (1) فما نراه زاد على التعجب ومما عجب منه عجبنا ولم يثبت عصمة أبي بكر فننفي عن أفعاله التناقض.

وقوله: (يجوز أن يكون [ النبي صلى الله عليه وآله نحله إياه فتركه أبو بكر ] (2) في يده لما فيه من تقوية الدين وتصدق ببدله) فكل ما ذكره جائز إلا أنه قد كان يجب أن يظهر أسباب النحلة والشهادة بها والحجة عليها، ولم يظهر من ذلك شئ فنعرفه.

ومن العجائب أن تدعي فاطمة عليها السلام فدك نحلة وتستشهد على قولها أمير المؤمنين عليه السلام وغيره فلا يصغى إليها وإلى قولها، ويترك السيف والبغلة والعمامة في يد أمير المؤمنين عليه السلام على سبيل النحلة بغير بينة ظهرت، ولا شهادة قامت، على أنه كان يجب على أبي بكر أن يبين ذلك، ويذكر وجهه بعينه أي شئ كان لما نازع العباس

____________

(1) المغني 20 ق 1 / 331.

(2) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل وأعدناه من " شرح نهج البلاغة ".

الصفحة 83   

فيه، فلا وقت لذكر الوجه في ذلك أولى من هذا الوقت (1) والقول في البردة والقضيب إن كان نحلة أو على الوجه الآخر (2) يجري مجرى ما ذكرناه من وجوب الظهور والاستشهاد، ولسنا نرى أصحابنا - أي المعتزلة - (3) يطالبون خصومهم (4) في هذه المواضع بما يطالبونا بمثله إذا ادعينا وجوها وأسبابا وعللا مجوزة، لأنهم لا يقنعون منا بما يجوز ويمكن بل يوجبون فيما ندعيه الظهور والاستشهاد، وإذا كان هذا عليهم نسوه أو تناسوه.

فأما قوله: (إن أزواج النبي صلى الله عليه وآله إنما طلبن الميراث لأنهن لم يعرفن رواية أبي بكر للخبر وكذلك إنما نازع العباس أمير المؤمنين عليه السلام بعد موت فاطمة عليها السلام في الميراث لهذا الوجه) فمن أقبح ما يقال في هذا الباب وأبعده من الصواب، وكيف لا يعرف أمير المؤمنين عليه السلام رواية أبي بكر وبها دفعت زوجته عن الميراث؟

وهل مثل ذلك المقام الذي قامته، وما رواه أبو بكر في دفعها يخفى على من هو في أقاصي البلاد فضلا عمن هو في المدينة حاضر شاهد يعنى

____________

(1) أنكر ابن أبي الحديد أن يكون النزاع بين العباس وعلي عليه السلام في البغلة والعمامة ونحوهما وقع في أيام أبي بكر وإنما كان النزاع في أيام عمر (انظر شرح النهج 16 / 261).

(2) النحلة: العطية، والمراد بالوجه الآخر - على ما يراه أبو علي - أن يكون أبو بكر رأى الصلاح في ذلك أن يكون بيده لما فيه من تقوية الدين، كما مر ذلك في كلام القاضي.

(3) الجملة بين الخطين ساقطة من " الشافي " وأعدناها من " شرح نهج البلاغة " ومعنى كلام المرتضى أصحابنا وهو يقصد المعتزلة من قبيل (قال له صاحبه وهو يحاوره) لأن العادة أن المؤلف إذا قال " أصحابنا " فإنه يقصد أصحابه في المذهب والاعتقاد.

(4) شس " نفوسهم " وهي أوجه مما في المتن.

الصفحة 84   

بالأخبار ويراعيها، إن هذا الخروج في المكابرة عن الحد، وكيف يخفى على الأزواج ذلك حتى يطلبنه مرة بعد أخرى، ويكون عثمان المترسل (1) لهن والمطالب عنهن، وعثمان على زعمهم أحد من شهد أن النبي صلى الله عليه وآله لا يورث، وقد سمعن على كل حال أن بنت النبي صلى الله عليه وآله لم تورث ماله، ولا بد أن يكن قد سألن عن السبب في دفعها فذكر لهن الخبر، فكيف يقال: إنهن لم يعرفنه والإكثار في هذا الموضع يوهم أنه موضع شبهة وليس كذلك.

فإن قيل: إذا كان أبو بكر قد حكم بخطأ في دفع فاطمة عليها السلام عن الميراث، واحتج بخبر لا حجة فيه، فما بال الأمة أقرته على هذا الحكم، ولم تنكر عليه وفي رضاها وإمساكها دليل على صوابه.

قلنا: قد مضى أن ترك النكير لا يكون دليل الرضا إلا في الموضع الذي لا يكون له وجه سوى الرضا، وبينا في الكلام على إمامة أبي بكر هذا الموضع بيانا شافيا وقد أجاب أبو عثمان الجاحظ في كتاب " العباسية " عن هذا السؤال جوابا جيد (2) المعنى واللفظ، نحن نذكره على وجهه لنقابل بينه وبين كلامه في " العثمانية " وغيرها.

قال: " وقد زعم ناس أن الدليل على صدق خبرهما يعني أبا بكر وعمر في منع الميراث، وبراءة ساحتهما ترك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله النكير عليهما ".

ثم قال: " فيقال لهم: لئن كان ترك النكير دليلا على صدقهما ليكونن ترك النكير على المتظلمين منهما، والمحتجين عليهما، والمطالبين لهما، دليلا على صدق دعواهم، واستحسان مقالتهم، ولا سيما وقد

____________

(1) ش " الرسول ".

(2) ش " حسن المعنى ".

الصفحة 85   

طالت المحاجات (1) وكثرت المراجعة والملاحاة، وظهرت الشكية، واشتدت الموجدة، وقد بلغ ذلك من فاطمة عليها السلام حتى أنها أوصت أن لا يصلي عليها أبو بكر، ولقد كانت قالت له حين أتته طالبة بحقها، ومحتجة برهطها: (من يرثك يا أبا بكر إن مت؟) قال: أهلي وولدي، قالت: (فما بالنا لا نرث النبي صلى الله عليه وآله؟) فلما منعها ميراثها وبخسها حقها. واعتل عليها، وجلح (2) في أمرها وعاينت التهضم وآيست من النزوع (3) ووجدت مس الضعف، وقلة الناصر، قالت: (والله لأدعون الله عليك) قال: والله لأدعون الله لك، قالت (والله لا أكلمك أبدا) قال: والله لا أهجرك أبدا فإن يكن ترك النكير منهم على أبي بكر دليلا على صواب منعه، إن كان في ترك النكير على فاطمة عليها السلام دليلا على الصواب طلبها، وأدنى ما كان يجب عليهم في ذلك تعريفها ما جهلت، وتذكيرها ما نسيت، وصرفها عن الخطأ، ورفع قدرها على البذاء، وأن تقول هجرا (4) وتجور عادلا (5) أو تقطع واصلا، فإذا لم نجدهم أنكروا على الخصمين جميعا فقد تكافأت الأمور، واستوت الأسباب، والرجوع إلى أصل حكم الله في المواريث أولى بنا وبكم، وأوجب علينا وعليكم ثم قال: (6) " فإن قالوا: كيف نظن بأبي بكر (7) ظلمها، والتعدي عليها، وكلما ازدادت فاطمة عليها السلام عليه غلظة ازداد لها لينا ورقة، حيث تقول: (والله لا أكلمك

____________

(1) ش " والمناجاة " وكذلك في ع.

(2) جلح: جاهر.

(3) التهضم: الظلم، والنزع: الرجوع، وفي ش " التورع ".

(4) البذاء: الفحش، والهجر - بضم الهاء - القبيح من الكلام.

(5) تجور عادلا: تجعله جائرا.

(6) أي الجاحظ.

(7) ش " تظن به ".

الصفحة 86   

أبدا) فيقول: والله لا أهجرك أبدا، ثم تقول: (والله لأدعون الله عليك) فيقول: والله لأدعون الله لك، ثم يحتمل هذا الكلام الغليظ، والقول الشديد في دار الخلافة، وبحضرة قريش والصحابة مع حاجة الخلافة إلى البهاء والرفعة وما يجب لها من التنزيه والهيبة، ثم لم يمنعه ذلك أن قال متعذرا أو متقربا كلام المعظم لحقها المكبر لمقامها والصائن لوجهها، والمتحنن عليها، ما أحد أعز علي منك (1) فقرا ولا أحب إلي منك غنى، ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: (إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا فهو صدقة) قيل لهم: ليس ذلك بدليل على البراءة من الظلم، والسلامة من العمد، وقد يبلغ من مكر الظالم، ودهاء الماكر، إذا كان أديبا، وللخصومة معتادا، أن يظهر كلام المظلوم، وذلة المنتصف، وحدب الوامق، ومقة المحق، (2) وكيف جعلتم ترك النكير حجة قاطعة، ودلالة واضحة، وقد زعمتم أن عمر قال على منبره " متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله متعة النساء ومتعة الحج أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما " فما وجدتم أحدا أنكر قوله، ولا استشنع مخرج نهيه، ولا خطأه في معناه، ولا تعجب منه، ولا استفهمه؟ وكيف تقضون في معناه بترك النكير، وقد شهد عمر يوم السقيفة وبعد ذلك، أن النبي صلى الله عليه وآله قال: (الأئمة من قريش) ثم قال في شكاته: لو كان سالم (3) حيا، ما يخالجني فيه شك "

____________

(1) عز عليه كذا أي عظم.

(2) المراد بالحدب هنا العطف، والوامق: المحب، والمقة: الحب والفاعل وامق.

(3) سالم بن معقل مولى أبي حذيفة من أهل فارس من كبار الصحابة معدود في المهاجرين وكان يؤم المهاجرين بقبا وفيهم أبو بكر وعمر قال ابن عبد البر " وكان عمر يفرط في الثناء عليه " استشهد يوم اليمامة سنة 12 (انظر الاستيعاب 4 / 70 والإصابة حرف السين ق 1) والشكاة: المرض، ويريد لما طعن.

الصفحة 87   

حيث أظهر الشك في استحقاق كل واحد من الستة الذين جعلهم شورى، وسالم عبد لامرأة من الأنصار وهي أعتقته، وحازت ميراثه، ثم لم ينكر ذلك من قوله منكر، ولا قابل إنسان بين خبريه، ولا تعجب منه، وإنما يكون ترك النكير على من لا رغبة له ولا رهبة عنده، دليلا على صدق قوله، وصواب عمله، فأما ترك النكير على من يملك الضعة والرفعة، والأمر والنهي، والقتل والاستحياء (1) والحبس والاطلاق، فليس بحجة تقي (2) ولا دلالة تضي قال: وقال آخرون: بل الدليل على صدق قولهما، وصواب عملهما، إمساك الصحابة عن خلعهما، والخروج عليهما، وهم الذين وثبوا على عثمان في أيسر من جحد التنزيل، ورد المنصوص (3)، ولو كانا كما يقولون وما يصفون ما كان سبيل الأمة فيهما إلا كسبيلهم فيه وعثمان كان أعز نفرا، وأشرف رهطا، وأكثر عددا وثروة، وأقوى عدة.

قلنا: إنهما لم يجحدا التنزيل، ولم ينكرا المنصوص (4)، ولكنهما بعد إقرارهما بحكم الميراث وما عليه الظاهر من الشريعة ادعيا رواية، وتحدثا بحديث لم يكن بمحال كونه، ولا يمتنع في حجج العقول مجيئه، وشهد لهما عليه من علته مثل علتهما فيه ولعل بعضهم كان يرى التصديق للرجل إذا كان عدلا في رهطه، مأمونا في ظاهره، ولم يكن قبل ذلك عرفه بفجره (5).

____________

(1) الاستحياء: الابقاء.

(2) ش " تشفى ".

(3) ش " النصوص ".

(4) ش " النصوص ".

(5) الفجرة: الانبعاث في المعاصي والفجور.

الصفحة 88   

ولا جرت عليه غدره، فيكون تصديقه له على جهة حسن الظن، وتعديل الشاهد، ولأنه لم يكن كثير منهم يعرف حقائق الحجج، والذي يقطع بشهادته على الغيب (1) وكان ذلك شبهة على أكثرهم، فلذلك قل النكير.

وتواكل الناس، واشتبه الأمر، فصار لا يتخلص إلى معرفة حق ذلك من باطله إلا العالم المتقدم، والمؤيد المسترشد، ولأنه لم يكن لعثمان في صدور العوام، وفي قلوب السفلة والطغام (2) ما كان لهما من الهيبة والمحبة، ولأنهما كانا أقل استئثارا بالفئ، وأقل تفكها (3) بما الله منه، ومن شأن الناس إهمال السلطان (4) ما وفر عليهم أموالهم، ولم يستأثر بخراجهم، ولم يعطل ثغورهم، ولأن الذي صنع أبو بكر من منع العترة حظها (5) والعمومة ميراثها، قد كان موافقا لجلة قريش (6) وكبراء العرب، ولأن عثمان أيضا كان مضعوفا في نفسه، مستخفا بقدره، لا يمنع ضيما، ولا يقمع عدوا، ولقد وثب ناس على عثمان بالشتم والقذف والتشنيع والنكير لأمور لو أتى عمر أضعافها وبلغ أقصاها لما اجترأوا على اغتيابه، فضلا من مبادأته، والإغراء به ومواجهته، كما أغلظ عيينة بن حصن (7) له فقال له: أما إنه لو كان عمر لقمعك ومنعك، فقال عيينة: عمر كان

____________

(1) المغيب، خ ل.

(2) الطغام - بفتح الطاء المهملة -: الأوغاد والأدنياء من الناس، الواحد والجمع فيه سواء.

(3) المراد بإهمال السلطان: ترك التعرض، والسكوت عنه.

(4) ش " تفضلا بمال الله ".

(5) ش " حقها ".

(6) جلة قريش: عظماؤها.

(7) عيينة بن حصن الفزاري يكنى أبا مالك أسلم قبل الفتح وشهد الفتح مسلما وشهد حنينا والطائف وكان من المؤلفة قلوبهم ومن الأعراب الجفاة، وكان ممن ارتد وتبع طليحة الأسدي وقاتل معه فأخذ أسيرا وحمل إلى أبي بكر فأطلقه (انظر ترجمته في أسد الغابة 4 / 167).

الصفحة 89   

خيرا لي منك وهبني فاتقاني (1) ".

ثم قال: " والعجب إنا وجدنا جميع من خالفنا في الميراث على اختلافهم في التشبيه والقدر والوعيد يرد كل صنف منهم من أحاديث مخالفيه وخصومه ما هو أقرب إسنادا، وأصح (2) رجالا، وأحسن اتصالا، حتى إذا صاروا إلى القول في ميراث النبي صلى الله عليه وآله نسخوا الكتاب وخصوا الخبر العام بما لا يداني بعض ما رووه وأكذبوا ناقليه، وذلك أن كل إنسان منهم إنما يجري إلى هواه ويصدق ما وافق رضاه " مضى ما أردنا حكايته من كلام الجاحظ (3) فإن قيل: ليس ما عارض به الجاحظ من الاستدلال بترك النكير، وقوله: كما لم ينكروا على أبي بكر فلم ينكروا أيضا على فاطمة عليها السلام ولا على غيرها من المطالبين بالميراث كالأزواج وغير هن معارضة صحيحة وذلك أن نكير أبي بكر لذلك، ودفعه والاحتجاج عليه يكفيهم ويغنيهم عن تكلف نكير آخر، ولم ينكر على أبي بكر ما رواه منكر فيستغنوا بإنكاره.

قلنا: أول ما يبطل هذا السؤال أن أبا بكر لم ينكر عليها ما أقامت عليه بعد احتجاجها بالخبر من التظلم والتألم والتعنيف والتبكيت (4) وقولها - على ما روي -: لأدعون الله عليك ولا كلمتك أبدا، وما جرى هذا المجرى فقد كان يجب أن ينكره غيره فمن المنكر الغضب على المنصف

____________

(1) ش " أرهبني فاتقاني ".

(2) في ش وع " وأوضح ".

(3) ش " هذا آخر كلام الجاحظ ".

(4) التبكيت: التقريع والتعنيف، وفي الأصل " التنكيب " وهو الميل والإعراض وآثرنا المنقول في " شرح نهج البلاغة ".

الصفحة 90   

وبعد فإن كان إنكار أبي بكر مقنعا أو مغنيا عن إنكار غيره من المسلمين.

فإنكار فاطمة عليها السلام حكمة، ومقامها على التظلم منه يعني عن نكير غيرها، وهذا واضح لمن أنصف من نفسه.

قال صاحب الكتاب: (شبهة لهم أخرى، وأحد ما طعنوا به وعظموا القول فيه أمر فدك (1) قالوا: قد روي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: " لما نزلت (وآت ذا القربى حقه) (2) أعطى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة عليها السلام فدك، ثم فعل عمر بن عبد العزيز مثل ذلك ورده (3) على ولدها، قالوا: ولا شك أن أبا بكر أغضبها، إن لم يصح كل الذي روي في هذا الباب، وقد كان الأجمل أن يمنعهم التكرم مما ارتكبوا (4) فضلا عن الدين، ثم ذكروا أنها استشهدت أمير المؤمنين عليه السلام وأم أيمن فلم تقبل شهادتهما، هذا مع تركه أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حجرهن ولم يجعلها صدقة، وصدقهن في أن ذلك لهن ولم يصدقها).

ثم قال: (الجواب عن ذلك أن أكثر ما يروون في هذا الباب غير صحيح، ولسنا ننكر صحة ما روي من ادعائها فدك فأما إنه كان في يدها فغير مسلم بل لو كانت في يدها لكان الظاهر أنه لها، فإذا كان في جملة التركة فالظاهر أنه ميراث، وإذا كان كذلك فغير جائز لأبي بكر قبول دعواها لأنه لا خلاف أن العمل على الدعوى لا يجوز، وإنما يعمل

____________

(1) ش " ما عظمت الشيعة القول في أمر فدك " علما بأن أول هذه الشبهة ساقط من " المغني ".

(2) الاسراء / 26.

(3) ش " وردها " والضمير لفدك.

(4) ش " ارتكبوا منها ".

الصفحة 91   

على (1) ذلك متى علم (2) صحته بمشاهدة أو ما يجري مجراها، أو حصل بينة أو إقرار) ثم ذكر (إن البينة لا بد منها وإن أمير المؤمنين عليه السلام لما خاصمه اليهودي حاكمه (3) وإن أم سلمة التي يطبق على فضلها لو ادعت نحلا لما قبلت دعواها).

ثم قال: (لو كان أمير المؤمنين عليه السلام هو الإمام (4) بعده ولم يعلم صحة هذه الدعوى ما الذي كان يجب أن يعمل؟

فإن قلتم: (يقبل الدعوى فالشرع بخلاف ذلك، وإن قلتم:

يلتمس بينة فهو الذي فعله أبو بكر) ثم تشاغل بالكلام على من تعلق بأن أبا بكر قضى دين رسول الله صلى الله عليه وآله، وذلك مما لا حجة فيه ولا تعلق لنا به.

ثم قال: (وأما قوله: رجل مع رجل وامرأة مع امرأة، فهو الذي يوجبه الدين ولم يثبت أن الشاهد في ذلك كان أمير المؤمنين عليه السلام، بل الرواية المنقولة أنه شهد لها عليها السلام مولى رسول الله مع أم أيمن، وليس لأحد أن يقول: فلماذا ادعت ذلك ولا بينة معها، لأنه لا يمتنع أن تجوز أن يحكم أبو بكر بالشاهد واليمين، وتجوز عند شهادة من شهد لها أن يتذكر غيره فيشهد، وهذا هو الواجب على ملتمس الحق فلا

____________

(1) ش " على مثل ذلك ".

(2) ش " علمت ".

(3) في قضية الدرع المعلومة.

(4) ش " الوالي " والضمير في " بعده، للنبي صلى الله عليه وآله.

الصفحة 92   

عتب عليها في ذلك، ولا على أبي بكر في التماس البينة، وإن لم يحكم لما لم يتم (1) ولم يكن لها هناك خصم لأن التركة صدقة على ما ذكرنا فكان لا يمكن (2) أن يعول في ذلك على يمين أو نكول فلم يكن الأمر (3) إلا ما فعله.

وقد أنكر أبو علي ما قاله السائل من أنها لما أرادت فدك وردت في دعوى النحلة ادعته إرثا وقال: كان طلب الإرث قبل ذلك فلما سمعت منه الخبر كفت ثم ادعت النحلة.

فأما فعل عمر بن عبد العزيز فلم يثبت أنه رده على سبيل النحلة، بل عمل في ذلك ما فعله عمر بن الخطاب بأن أقره في يد أمير المؤمنين عليه السلام ليصرف غلاتها في الموضع (4) الذي كان يجعلها رسول الله صلى الله عليه وآله فيه فقام بذلك مدة ثم ردها إلى عمر في آخر سنيه وكذلك فعل عمر بن عبد العزيز، ولو ثبت أنه فعل بخلاف ما فعله السلف لكان هو المحجوج بقولهم وفعلهم، وأحد ما يقوى ما ذكرناه إن الأمر لما انتهى إلى أمير المؤمنين عليه السلام ترك فدك على ما كانت (5) ولم يجعلها ميراثا لولد فاطمة عليها السلام، وهذا يبين أن الشاهد كان غيره.

لأنه لو كان هو الشاهد لكان الأقرب أن يحكم بعلمه، على أن الناس اختلفوا في الهبة إذا لم تقبض، فعند بعضهم تستحق بالتسليم، وعند بعضهم يصير وجوده كعدمه، فلا يمتنع من هذا الوجه أيضا أن يمتنع

____________

(1) ش " لم يتبين ".

(2) غ " لا ينكر ".

(3) ش " في الأمر ".

(4) غ " في المواضع التي ".

(5) غ " ترك أمر فدك على ما كان ".

الصفحة 93   

أمير المؤمنين عليه السلام من ردها، وإن صح عقد لهبته (1)، وهذا هو الظاهر لأن التسليم لو كان وقع لظهر أنه كان في يدها فكان ذلك كافيا في الاستحقاق.

فأما حجر أزواج النبي صلى الله عليه وآله فإنما تركت في أيديهن لأنها كانت لهن، ونص الكتاب يشهد بذلك. وهو قوله: (وقرن في بيوتكن) (2) وروي في الأخبار أن النبي صلى الله عليه وآله قسم ما كان له من الحجر على نسائه وبناته، ونبين صحة ذلك أنه لو كان ميراثا أو صدقة لكان أمير المؤمنين عليه السلام لما أفضى الأمر إليه لغيره، وليس لأحد أن يقول: إنما لم يغير ذلك لأن الملك قد صار إليه فتبرع به، وذلك أن الذي يحصل له ليس إلا ربع ميراث فاطمة عليها السلام، وهو الثمن من ميراث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقد كان يجب أن ينتصف لأولاد العباس وأولاد فاطمة عليها السلام منهن في باب الحجر، ويأخذ هذا الحق منهن فتركه ذلك يدل على صحة ما قلناه، وليس يمكنهم بعد ذلك إلا التعلق بالتقية التي هي مفزعهم عند لزوم الكلام، ولو علموا ما عليهم في ذلك لاشتد هربهم منه، لأنه إن جاز للأئمة التقية وحالهم في العصمة ما يقولون ليجوزن ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتجويز ذلك فيه يوجب ألا يوثق بنصه على أمير المؤمنين عليه السلام لتجويز التقية، ومتى قالوا: يعلم بالمعجز إمامته فقد أبطلوا كون النص طريقا للإمامة، والكلام مع ذلك لازم لهم بأن يقولوا (3) جوزوا مع

____________

(1) غ " وإن صح عنده عقد الهبة ".

(2) الأحزاب / 33.

(3) غ " بل يقال ".

 

 

 

 

الصفحة 94   

ظهور المعجز أن يدعي الإمامة تقية، وأن يفعل سائر ما يفعله تقية.

وكيف يوثق مع ذلك بما ينقل عن الرسول صلى الله عليه وآله وعن الأئمة؟

وهلا جاز أن يكون أمير المؤمنين عليه السلام نبيا بعد الرسول صلى الله عليه وآله وترك ادعاء ذلك تقية وخوفا فإن الشبهة (1) في ذلك أوكد من النص، لأن التعصب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في النبوة أعظم من التعصب لأبي بكر وغيره في الإمامة. فإن عولوا في ذلك على علم الاضطرار فعندهم أن الضرورة في النص على الإمامة قائمة، وإن فزعوا في ذلك إلى الإجماع، فمن قولهم: إنه لا يوثق به، ويلزمهم في الإجماع أن يجوز أن يقع على طريق التقية، لأنه لا يكون أوكد من قول الرسول صلى الله عليه وآله وقول الإمام عندهم. وبعد فقد ذكر الخلاف في ذلك كما ذكر الخلاف في أنه إله فلا يصح على شروطهم أن يتعلقوا بذلك...) (2).

يقال له: نحن نبتدئ فندل على أن فاطمة عليها السلام ما ادعت من نحلة فدك إلا ما كانت مصيبة فيه. وأن مانعها ومطالبها بالبينة متعنت عادل عن الصواب لأنها لا تحتاج إلى شهادة ولا بينة، ثم نعطف على ما ذكرناه على التفضيل فنتكلم عليه.

أما الذي يدل على ما ذكرناه (3) أنها كانت عليها السلام معصومة من

____________

(1) غ " بل الشبهة ".

(2) انظر المغني 20 ق 1 / 332 و 333.

(3) أي على أن فاطمة عليها السلام كانت مصيبة في ما ادعته.

الصفحة 95   

الغلط مأمونا منها فعل القبيح. ومن هذه صفته لا يحتاج فيما يدعيه إلى شهادة ولا بينة.

فإن قيل: دللوا على الأمرين.

قلنا: أما الذي يدل على عصمتها قوله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) (1) وقد بينا فيما سلف من هذا الكتاب أن هذه الآية تتناول جماعة منهم فاطمة عليها السلام [ بما تواترت الأخبار في ذلك ] (2) وأنها تدل على عصمة من تناولته وطهارته وأن الإرادة ها هنا دلالة (3) على وقوع الفعل المراد ولا طائل في إعادته، ويدل أيضا على عصمتها قوله عليه السلام (فاطمة بضعة مني فمن أذى فاطمة فقد آذاني من آذاني فقد آذى الله عز وجل) (4) وهذا يدل على عصمتها لأنها لو كانت ممن يقارف الذنوب لم يكن من يؤذيها مؤذيا له على كل حال بل كان فعل المستحق من ذمها وإقامة الحد [ عليها ] - إن كان الفعل يقتضيه - سارا له ومطيعا، على أنا لا نحتاج فيما نريد أن نبنيه (5) على هذا الكلام إلى القطع على عصمتها. بل يكفي في هذا الموضع العلم بصدقها فيما ادعته، وهذا لا خلاف فيه بين المسلمين، لأن أحدا لا يشك أنها عليها السلام لم تدع ما ادعته كاذبة، وليس بعد أن لا تكون كاذبة إلا أن تكون صادقة، وإنما اختلفوا في أنه هل يجب مع العلم بصدقها تسليم

____________

(1) الأحزاب / 33.

(2) التكملة من " شرح نهج البلاغة " والمعنى: بل كان من فعل بها عليها السلام ما استحقت من الذم وإقامة الحد عليها - لو صدر منها ما يستوجبه - سارا لرسول الله صلى الله عليه وآله ومطيعا له بذلك.

(3) دالة خ. ل.

(4) ش " فاطمة بضعة مني، من آذاها فقد آذاني " الخ.

(5) ش " أن ننبهه في هذا الموضع على الدلالة على عصمتها ".

الصفحة 96   

ما ادعته بغير بينة أم لا يجب ذلك: والذي يدل على الفصل الثاني (1) أن البينة إنما تراد ليغلب في الظن صدق المدعي، ألا ترى أن العدالة معتبرة في الشهادة لما كانت مؤثرة في غلبة الظن لما ذكرناه. ولهذا جاز أن يحكم الحاكم بعلمه من غير شهادة، لأن علمه أقوى من الشهادة، ولهذا كان الاقرار أقوى من البينة من حيث كان أبلغ في تأثير غلبة الظن، وإذا قدم الاقرار على الشهادة لقوة الظن عنده فأولى أن يقدم العلم على الجميع، وإذا لم يحتج مع الاقرار إلى شهادة لسقوط حكم الضعيف مع القوي فلا يحتاج أيضا مع العلم إلى ما يؤثر الظن من البينات والشهادات.

والذي يدل أيضا على صحة ما ذكرناه أنه لا خلاف بين أهل النقل في أن أعرابيا نازع النبي صلى الله عليه وآله في ناقة فقال صلى الله عليه وآله: (هذه لي وقد خرجت إليك من ثمنها) فقال الأعرابي: من يشهد لك بهذا فقام خزيمة بن ثابت فقال: أنا أشهد بذلك فقال النبي صلى الله عليه وآله: (من أين علمت أحضرت ابتياعي لها) (2) فقال: لا ولكن علمت ذلك من حيث علمت أنك رسول الله فقال النبي صلى الله عليه وآله: (قد أجزت شهادتك وجعلتها شهادتين) فسمي خزيمة بذلك ذا الشهادتين، وهذه القصة مشبهة لقصة فاطمة عليها السلام لأن خزيمة بن ثابت اكتفي في العلم بأن الناقة له عليه السلام وشهد بذلك من حيث علم أنه رسول الله صلى الله عليه وآله. ولا يقول إلا حقا وأمضى النبي صلى الله عليه وآله ذلك على هذا الوجه فلم يدفعه عن الشهادة من حيث لم يحضرا ابتياعه، فقد كان يجب على من علم أن فاطمة عليها

____________

(1) وهو من كان بهذه الصفة لا يحتاج فيما يدعي إلى بينة وأن مطالبه بها عادل عن الصواب.

(2) ش " من أين علمت وما حضرت ذلك؟ " وانظر أسد الغابة بترجمته.

الصفحة 97   

السلام لا تقول إلا حقا ألا يستظهر عليها بطلب شهادة أو بينة.

هذا وقد روي أن أبا بكر لما شهد لها أمير المؤمنين عليه السلام كتب بتسليم فدك إليها فاعترض عمر قضيته فخرق ما كتبه، روى إبراهيم بن محمد الثقفي (1) عن إبراهيم بن ميمون (2) قال حدثنا عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب (3) عن أبيه عن جده عن جد أبيه علي عليهم السلام قال جاءت فاطمة عليها السلام إلى أبي بكر وقالت: إن أبي أعطاني فدكا وعلي يشهد لي وأم أيمن (4) قال ما كنت لتقولي إلا الحق (5) نعم قد أعطيتك إياها، ودعا بصحيفة من أدم (6) فكتب لها فيها فخرجت فلقيت عمر فقال: من أين جئت يا فاطمة قالت من عند أبي بكر أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وآله أعطاني فدك وعلي يشهد وأم

____________

(1) إبراهيم بن محمد بن سعيد الثقفي الكوفي المتوفى سنة 283 صاحب كتاب " الغارات المعروف " بابن هلال الثقفي، والمظنون أن الرواية المذكورة رواها في كتاب " المعرفة " فهي بموضوعه أشبه خصوصا وأن المرتضى من رواة كتب إبراهيم المذكور كما في الفهرست للشيخ الطوسي.

(2) هو إبراهيم بن محمد بن ميمون، قال عنه الذهبي في ميزانه: " من أجلاد الشيعة " وكثيرا ما يعبر. عن رجال الشيعة بهذا التعبير فيقول إذا ذكر أحدهم " رافضي جلد، أو شيعي جلد " والجلد - بفتحتين -: الصلابة وظن بعضهم أن " أجلاد " تصحيف " أجلاء " والصحيح ما ذكرناه، وظن بعضهم أنه متحد مع إبراهيم بن ميمون الكوفي، بياع الهروي الذي عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق عليه السلام إذ من البعيد جدا أن يروي إبراهيم الثقفي المتوفى سنة 283 عن رجل كان في زمن الصادق عليه السلام.

(3) عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عليه السلام عده الطوسي من مصنفي الإمامية وقال: له كتاب (الفهرست 116).

(4) ش " وعلي وأم أيمن: يشهدان " وأم أيمن.

(5) ش " ما كنت لتقولي على أبيك إلا الحق ".

(6) الأدم: باطن الجلد، والمراد هنا جلد رقيق وهو المعروف بالرق - بفتح الراء - كانوا يكتبون به.

الصفحة 98   

أيمن فأعطانيها وكتبها لي (1) فأخذ عمر منها الكتاب، ثم رجع إلى أبي بكر فقال: أعطيت فاطمة فدك وكتبت بها لها؟ قال: نعم قال عمر: علي يجر إلى نفسه وأم أيمن امرأة، وبصق في الصحيفة ومحاها (2).

وقد روي هذا المعنى من وجوه مختلفة، من أراد الوقوف عليها واستقصاءها أخذها من مواضعها.

وليس لهم أن يقولوا: إنها أخبار آحاد لأنها وإن كانت كذلك فأقل أحوالها أن توجب الظن، وتمنع من القطع على خلاف معناها.

وليس لهم أن يقولوا: كيف يسلم إليها فدك وهو يروي عن الرسول صلى الله عليه وآله أن ما خلفه صدقة؟ وذلك أنه لا تنافي بين الأمرين لأنه إنما سلمها على ما وردت به الرواية على سبيل النحل، فلما وقعت المطالبة بالميراث روى الخبر في معنى الميراث فلا اختلاف بين الأمرين.

فأما إنكار صاحب الكتاب كون فدك في يدها عليها السلام فما رأيناه اعتمد في إنكار ذلك على حجة، بل قال: (لو كان ذلك في يدها لكان الظاهر أنها لها) والأمر على ما قال فمن أين إنها لم تخرج عن يدها على وجه يقتضي الظاهر خلافه، وقد روي من طرق مختلفة من غير طريق أبي سعيد الذي ذكره صاحب الكتاب أنه لما نزل قوله تعالى: (وآت ذا القربى حقه) (3) دعا النبي صلى الله عليه وآله فاطمة عليها السلام فأعطاها فدك وإذا كان ذلك مرويا فلا معنى لدفعه بغير حجة.

____________

(1) ش " وعلي وأم أيمن يشهدان لي فأعطانيها، وكتب لي بها ".

(2) ش " وبسق في الكتاب فمحاه وخرقه ".

(3) الاسراء / 26.

الصفحة 99   

وقوله: (لا خلاف أن العمل على الدعوى لا يجوز) صحيح، وقد بينا أن قولها عليها السلام إذا كان معلوما صحته وجب العمل به.

وبينا أنه معلوم صحته.

وأما قوله: (إنما يعمل على ذلك متى علم صحته بمشاهدة أو ما يجري مجراها (1) أو حصلت بينة أو إقرار) فيقال له: أما علم مشاهدة فلم يكن هناك، وأما بينته فقد كانت على الحقيقة، لأن شهادة أمير المؤمنين عليه السلام من أكبر البينات وأعدلها، ولكن على مذهبك أنه لم يكن هناك بينة، فمن أين زعمت أنه لم يكن هناك علم؟ وإن كان لم يكن عن مشاهدة فقد أدخلت ذلك في جملة الأقسام.

فإن قال: لأن قولها بمجرده لا يكون جهة للعلم.

قيل له: ولم قلت ذلك أوليس قد دللنا على أنها كانت معصومة، وأن الخطأ مأمون عليها، ثم لو لم يكن كذلك لكان قولها في تلك القضية معلوما صحته على كل حال، لأنها لو لم تكن مصيبة لكانت مبطلة عاصية فيما ادعته، إذ الشبهة لا تدخل في مثل ذلك، وقد أجمعت الأمة على أنها عليها السلام لم يظهر منها بعد الرسول صلى الله عليه وآله معصية بلا شك وارتياب، بل أجمعوا على أنها لم تدع إلا الصحيح. وإن اختلفوا فمن قائل يقول: مانعها مخطئ، وآخر يقول: هو أيضا مصيب لفقد البينة وأن علم صدقها.

فأما قوله: (إنه عليه السلام لو حاكم غيره لطولب بالبينة) فقد تقدم في هذا ما يكفي وقصة خزيمة بن ثابت، وقبول شهادته تبطل هذا

____________

(1) كالعلم الحاصل من الشياع والتواتر.

الصفحة 100 

الكلام.

وأما قوله: (إن أمير المؤمنين عليه السلام حاكم يهوديا على الوجه الواجب في سائر الناس) فقد روي ذلك، إلا أن أمير المؤمنين عليه السلام لم يفعل ذلك وهو واجب عليه وإنما تبرع به، واستظهر بإقامة الحجة فيه، وقد أخطأ من طالبه ببينة كائنا من كان.

فأما اعتراضه بأم سلمة فلم يثبت من عصمتها ما ثبت من عصمة فاطمة عليها السلام فلذلك احتاجت في دعواها إلى بينة.

فأما إنكاره وادعاؤه أن الشاهد في ذلك لم يثبت أنه أمير المؤمنين عليه السلام فلم يزد في ذلك على مجرد الدعوى والانكار، والأخبار مستفيضة بأنه شهد لها فدفع ذلك باقتراح (1) ولا يغني شيئا.

وقوله: (إن الشاهد لها مولى لرسول الله صلى الله عليه وآله) هو المنكر الذي ليس بمعروف.

وأما قوله: (إنها عليها لسلام جوزت أن يحكم أبو بكر بالشاهد واليمين) فطريف مع قوله فيما بعد: (إن التركة صدقة ولا خصم فيها ولا يدخل اليمين في مثلها) أفترى أن فاطمة عليها السلام لم تكن تعلم من الشريعة هذا المقدار الذي نبه صاحب الكتاب عليه! ولو لم تعلمه أما كان أمير المؤمنين عليه السلام وهو أعلم الناس بالشريعة يوقفها!.

وقوله: (إنها جوزت عند شهادة من شهد لها أن يتذكر غيرهم فليشهد) باطل لأن مثلها لا يتعرض للظنة والتهمة ويعرض قوله للرد، وقد كان يجب أن تعلم من يشهد لها ممن لا يشهد حتى تكون دعواها على

____________

(1) ح " فدفع بزيغ ".

الصفحة 101 

الوجه الذي يجب معه القبول والامضاء، ومن هو دونها في الرتبة والجلالة والصيانة من أفناء الناس لا يتعرض لمثل هذه الخطة ويتورطها للتجويز الذي لا أصل له، ولا إمارة عليه.

فأما إنكار أبي علي لأن يكون ادعاء النحل قبل ادعاء الميراث وعكسه الأمر فيه، فأول ما فيه أنا لا نعرف له غرضا صحيحا في إنكار ذلك لأن كون أحد الأمرين قبل الآخر لا يصحح له مذهبا، ولا يفسد على مخالفيه مذهبا.

ثم إن الأمر في أن الكلام في النحل كان المتقدم ظاهرا، والروايات كلها به واردة، وكيف يجوز أن يبتدئ بالميراث فيما تدعيه بعينه نحلا؟

أوليس هذا يوجب أن يكون قد طالبت بحقها من وجه لا تستحقه منه مع الاختيار! وكيف يجوز ذلك والميراث يشركها فيه غيرها (1) والنحل تنفرد به؟ ولا ينقلب مثل ذلك علينا من حيث طالبت بالميراث بعد النحل لأنها في الابتداء طالبت بالنحل وهو الوجه الذي تستحق منه فدك، فلما دفعت عنه طالبت ضرورة بالميراث لأن للمدفوع عن حقه أن يتوصل إلى تناوله بكل وجه وسبب، وهذا بخلاف ما قاله أبو علي لأنه أضاف إليها عليها السلام ادعاء الحق من وجه لا تستحقه منه، وهي مختارة.

فأما إنكاره أن يكون عمر بن عبد العزيز رد فدك على وجه النحل، ثم ادعاؤه أنه فعل في ذلك مثل ما فعله عمر بن الخطاب من إقرارها في يد أمير المؤمنين عليه السلام ليصرف غلاتها في جهاتها، فأول ما فيه أنا لا نحتج عليه بفعل عمر بن عبد العزيز على أي وجه وقع، لأن فعله ليس

____________

(1) يقصد أزواج النبي صلى الله عليه وآله لا غير لأنه لا يقول بالتعصيب، أو من باب الالزام.

الصفحة 102 

بحجة، ولو أردنا الاحتجاج بهذا الجنس من الحجج لذكرنا فعل المأمون.

فإنه رد فدك بعد أن جلس مجلسا مشهورا حكم فيه بين خصمين نصبهما أحدهما لفاطمة عليها السلام والآخر لأبي بكر وردها بعد قيام الحجة.

ووضوح الأمر (1) ومع ذلك فإنه أنكر من فعل عمر بن عبد العزيز ما هو معروف مشهور بلا خلاف بين أهل النقل فيه.

وقد روى محمد بن زكريا الغلابي (2) عن شيوخه عن أبي المقدام هشام بن زياد مولى آل عثمان (3) قال لما ولي عمر بن عبد العزيز فرد فدك على ولد فاطمة عليها السلام وكتب إلى واليه على المدينة أبي بكر بن عمر

____________

(1) نقل ابن أبي الحديد في شرح النهج 16 / 217، من كتاب أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في السقيفة وفدك، بسنده عن مهدي بن سابق، قال: " جلس المأمون للمظالم، فأول رقعة وقعت في يده نظر فيها وبكى، وقال للذي على رأسه: ناد أين وكيل فاطمة؟ فقام شيخ عليه دراعة وعمامة وخف تعزي (نسبة إلى تعز في اليمن) فتقدم فجعل يناظره في فدك والمأموم يحتج عليه، وهو يحتج على المأمون ثم أمر أن يسجل لهم بها، فكتب السجل وقرئ عليه، فأنفذه، فقام دعبل إلى المأمون فأنشده الأبيات التي أولها:

 

أصبح وجه الزمان قد ضحكا    برد مأمون هاشم فدكا

 

فلم تزل في أيديهم حتى كان في أيام المتوكل فاقطعها عبد الله بن عمر البازيار وكانت فيها إحدى عشرة نخلة غرسها رسول الله صلى الله عليه وآله بيده، فكانوا بنو فاطمة، يأخذون ثمرها، فإذا قدم الحجاج أهدوا إليهم من ذلك التمر فيصلونهم، فيصير إليهم من ذلك مال جزيل جسيم، فصرم عبد الله بن عمر البازيار ذلك التمر، وجه رجلا يقال له بشر بن أبي أمية الثقفي إلى المدينة فصرمه ثم عاد إلى البصرة ففلج ".

(2) محمد بن زكريا الغلابي مولى بني غلاب إخباري إمامي من أهل البصرة من كتبه الأجواد " و " أخبار فاطمة ومنشئها ومولدها " و " كتاب صفين " توفي سنة 298 (انظر الأعلام 6 / 364).

(3) أبو المقدام هشام بن زياد بن أبي يزيد القرشي مولى عثمان، (تهذيب التهذيب 11 / 38).

الصفحة 103 

ابن حزم (1) يأمره بذلك فكتب إليه إن فاطمة عليها السلام قد ولدت في آل عثمان وآل فلان وآل فلان (2) فكتب إليه، أما بعد فإني لو كنت كتبت إليك آمرك أن تذبح شاة لسألتني جماء أو قرناء (3)، أو كتبت إليك أن تذبح بقرة لسألتني ما لونها، فإذا ورد عليك كتابي هذا فاقسمها بين ولد فاطمة من علي، والسلام.

قال أبو المقدام: فنقمت بنو أمية ذلك على عمر بن عبد العزيز وعاتبوه فيه، وقالوا له: هجنت (4) فعل الشيخين وخرج إليه عمرو بن عبس (5)، في جماعة من أهل الكوفة فلما عاتبوه على فعله، قال: أنكم جهلتم وعلمت، ونسيتم وذكرت، إن أبا بكر محمد بن عمرو بن حزم حدثني عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: (فاطمة بضعة مني يسخطني ما يسخطها ويرضيني ما يرضيها) (6) وإن فدك كانت صافية (7) على عهد أبي بكر وعمر ثم صار أمرها إلى مروان فوهبها لأبي عبد العزيز فورثتها أنا وإخواني، فسألتهم أن يبيعوني حصتهم منها فمنهم من

____________

(1) الصحيح كما في الجرح والتعديل للرازي 9 / 227: أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وهو قاضي المدينة وقد ولاه عمر بن عبد العزيز عليها ولم يكن على المدينة أنصاري أميرا غيره.

(2) في مروج الذهب 3 / 194 " إن عليا قد ولد له في عدة قبائل من قريش " وفيه " فاقسم في ولد علي من فاطمة ".

(3) الجماء: الملساء، والقرناء: ذات القرن.

(4) تهجين الأمر: تقبيحه.

(5) ح " عمر بن قيس " وهو الأظهر انظر لسان الميزان 4 / 374.

(6) هذا الحديث رواه أصحاب الحديث كافة مع اختلاف في اللفظ واتفاق في المعنى وسبب الاختلاف في اللفظ أن رسول الله صلى الله عليه وآله قاله في مواطن عديدة وأزمان مختلفة.

(7) صافية: المعروف " صفية " والجمع صفايا وهي ما يصطفيه الرئيس لنفسه من المغنم.

الصفحة 104 

باعني، ومنهم من وهب لي، حتى استجمعتها فرأيت أن أردها على ولد فاطمة عليها السلام، فقالوا: إن أبيت إلا هذا فأمسك الأصل، وأقسم الغلة ففعل.

فأما ما ذكره من ترك أمير المؤمنين عليه السلام فدك لما أفضى الأمر إليه، واستدلاله بذلك على أنه لم يكن الشاهد فيها، فالوجه في تركه عليه السلام رد فدك هو الوجه في إقراره أحكام القوم، وكفه عن نقضها وتغييرها، وقد بيناه في هذا الكتاب مجملا ومفصلا، وذكرنا أنه عليه السلام كان في انتهاء الأمر إليه في بقية من التقية قوية.

فأما استدلاله على أن حجر أزواج النبي صلى الله عليه وآله كانت لهن بقوله عز وجل: (وقرن في بيوتكن) (1) فمن عجيب الاستدلال، لأن هذه الإضافة لا تقتضي الملك. بل العادة جارية فيه بأنها تستعمل من جهة السكنى، ولهذا يقال: هذا بيت فلان ومسكنه ولا يراد بذلك الملك، وقد قال الله تعالى: (لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) (2) ولا شبهة في أنه تعالى أراد منازل الأزواج التي يسكنون فيها زوجاتهم، ولم يرد بهذا الإضافة الملك.

فأما ما رواه من أن رسول الله صلى الله عليه وآله قسم حجره على بناته ونسائه فمن أين له إذا كان هذا الخبر صحيحا أن هذه القسمة على جهة التمليك دون الاسكان والانزال؟ ولو كان قد ملكهن ذلن لوجب أن يكون ظاهرا مشهورا.

فأما الوجه في ترك أمير المؤمنين عليه السلام لما صار الأمر إليه في يده

____________

(1) الأحزاب 33.

(2) الطلاق 1.

الصفحة 105 

منازعة الأزواج في هذه الحجر فهو ما تقدم وتكرر (1).

فأما قوله: " إذا جازت التقية للأئمة وحالهم في العصمة ما تدعون جازت على الرسول صلى الله عليه وآله " فالفرق بين الأمرين واضح لأن الرسول صلى الله عليه وآله مبتدئ بالشرع، ومفتتح لتعريف الأحكام التي لا تعرف إلا من جهته وبيانه، فلو جازت عليه التقية لأخل ذلك بإزاحة علة المكلفين، ولفقدوا الطريق إلى معرفة مصالحهم الشرعية التي قد بينها أنها لا تعرف إلا من جهته والإمام، بخلاف هذا الحكم لأنه منفذ للشرائع التي قد علمت من غير جهته، وليس يقف العلم بها والحق فيها، على قوله دون غيره، فمن اتقى في بعض الأحكام لسبب يوجب ذلك لم يخل تقية بمعرفة الحق، وإمكان الوصول إليه، والإمام والرسول وإن استويا في العصمة فليس يجب أن يستويا في جواز التقية للفرق الذي ذكرناه، لأن الإمام لم تجز التقية عليه لأجل العصمة، وليس للعصمة تأثير في جواز التقية ولا نفي جوازها.

فإن قيل: أليس من قولكم: إن الإمام حجة في الشرائع؟ وقد يجوز عندكم أن ينتهي الأمر إلى أن يكون الحق لا يعرف إلا من جهته وبقوله، بأن يعرض الناقلون عن النقل فلا يرد إلا من جهة من لا تقوم الحجة بقوله، وهذا يوجب مساواة الإمام للرسول فيما فرقتم بينهما فيه.

قلنا: إذا كانت الحال في الإمام على ما صورتموه، وتعينت الحجة في قوله، فإن التقية لا تجوز عليه كما لا تجوز على النبي.

فإن قيل: فلو قدرنا أن النبي صلى الله عليه وآله قد بين جميع

____________

(1) أي إقرار أحكام من تقدمه تقية.

الصفحة 106 

الشرائع والأحكام التي يلزمه بيانها حتى لم يبق شبهة في ذلك ولا ريب، لكان يجوز والحال هذه عليه التقية في بعض الأحكام.

قلنا: ليس يمتنع عند قوة أسباب الخوف الموجبة للتقية أن يتقي إذا لم تكن التقية مخلة بالوصول إلى الحق، ولا منفرة عنه.

ثم يقال لصاحب الكتاب: أليست التقية عندك جائزة على جميع المؤمنين عند حصول أسبابها وعلى الإمام والأمير؟

فإن قال: هي جائزة على المؤمنين وليست جائزة على الإمام والأمير.

قلنا: وأي فرق بين ذلك والإمام والأمير عندك ليسا بحجة في شئ كما أن النبي صلى الله عليه وآله حجة فتمنع من ذلك لمكان الحجة بقولهما فإن اعترف بجوازها عليهما.

قيل له: فألا جاز على النبي صلى الله عليه وآله قياسا على الأمير والإمام؟

فإن قال: لأن قول النبي صلى الله عليه وآله حجة، وليس الأمير والإمام كذلك.

قيل له: وأي تأثير للحجة في ذلك إذا لم تكن التقية مانعة من إصابة الحق ولا مخلة بالطريق إليه؟ وخبرنا عن الجماعة التي نقلها في باب الأخبار حجة لو ظفر بهم جبار ظالم متفرقين أو مجتمعين فسألهم عن مذاهبهم وهم يعلمون أو يغلب في ظنونهم أنهم متى ذكروها على وجهها قتلهم، وأباح حريمهم، أليست التقية جائزة على هؤلاء، مع أن الحجة في أقوالهم؟ فإن منع من جواز التقية على ما ذكرناه دفع ما هو معلوم.

قيل له: وأي فرق بين هذه الجماعة وبين من نقص عن عدتها في جواز

الصفحة 107 

التقية؟ فلا يجد فرقا، فإن قال: إنما جوزنا التقية على من ذكرتم لظهور الاكراه والأسباب الملجئة إلى التقية، ومنعناكم من مثل ذلك لأنكم تدعون تقية لم تظهر أسبابها ولا الأمور الحاملة عليها من إكراه وغيره.

قيل له: هذا اعتراف بما أردنا من جواز التقية عند وجود أسبابها.

وصار الكلام الآن في تفصيل هذه الجملة، ولسنا نذهب في موضع من المواضع إلى أن الإمام اتقى بغير سبب موجب لتقيته، وحامل على فعله والكلام في التفصيل غير الكلام في الجملة، وليس كل الأسباب التي توجب التقية تظهر لكل أحد ويعلمها جميع الخلق، بل ربما اختلفت الحال فيها، وعلى كل حال فلا بد من أن تكون معلومة لمن أوجب تقية ومعلومة أو مجوزة لغيره، ولهذا قد نجد بعض الملوك يسأل رعيته عن أمر فيصدقه بعضهم عن ذلك، ولا يصدقه آخرون ويستعملون ضربا من التورية وليس ذلك إلا لأن من صدق لم يخف على نفسه ومن جرى مجرى نفسه ومن ورى فلأنه خاف على نفسه. وغلب في ظنه وقوع الضرر به متى صدق عما سئل فيه، وليس يجب أن يستوي حال الجميع، وأن يظهر لكل أحد السبب في تقية من اتقى ممن ذكرناه بعينه حتى تقع الإشارة إليه على سبيل التفصيل وحتى يجري مجرى العرض على السيف في الملأ من الناس، بل ربما كان ظاهرا كذلك، وربما كان خاصا.

فإن قيل: مع تجويز التقية على الإمام كيف السبيل إلى العلم بمذاهبه واعتقاده، وكيف يخلص لنا ما يفتي به على سبيل التقية من غيره.

قلنا: أول ما نقوله في ذلك أن الإمام لا يجوز أن يتقي فيما لا يعلم إلا من جهته، ولا طريق إليه إلا من ناحية قوله، وإنما يجوز التقية عليه فيما قد بان بالحجج والبينات، ونصبت عليه الدلالات حتى لا يكون فتياه

الصفحة 108 

فيه مزيلة الطريق إصابة الحق وموقعة للشبهة، ثم لا يتقي في شئ إلا ويدل على خروجه منه مخرج التقية، أما لما يصاحب كلامه أو يتقدمه أو يتأخر عنه، ومن اعتبر جميع ما روي عن أئمتنا عليهم السلام على سبيل التقية وجده لا يعري ما ذكرناه، ثم إن التقية إنما تكون من العدو دون الولي، ومن المتهم دون الموثوق به، فما يصدر عنهم إلى أوليائهم وشيعتهم ونصحائهم في غير مجالس الخوف يرتفع الشك في أنه على غير جهة التقية وما يفتون به العدو أو يمتحنون به في مجالس الخوف يجوز أن يكون على سبيل التقية كما يجوز أن يكون على غيرها، ثم نقلب هذا السؤال على المخالف فيقال له: إذا أجزت على جميع الناس التقية عند الخوف الشديد، وما يجري مجراه فمن أين تعرف مذاهبهم واعتقادهم؟ وكيف يفصل بين ما يفتي به المفتي منهم على سبيل التقية وبين ما يفتى به وهو مذهب له يعتقد صحته، فلا بد ضرورة من الرجوع إلى ما ذكرناه.

 

فإن قال: أعرف مذهب غيري وإن أجزت عليه التقية بأن يضطرني إلى اعتقاده وعند التقية لا يكون ذلك.

قلنا: وما المانع لنا من أن نقول هذا بعينه فيما سألت عنه.

فأما ما تلا صاحب الكتاب كلامه الذي حكيناه عنه به (1) من الكلام في التقية.

وقوله: (إن ذلك يوجب أن لا يوثق بنصه على أمير المؤمنين عليه السلام) فإنما بناه على أن النبي صلى الله عليه وآله يجوز عليه التقية على كل حال، وقد بينا ما في ذلك واستقصيناه.

____________

(1) " به " متعلق ب " تلا ".

الصفحة 109 

وقوله: (ألا جاز أن يكون أمير المؤمنين عليه السلام نبيا وعدل عن ادعاء ذلك تقية؟) فيبطله ما ذكرناه من أن التقية لا تجوز على النبي والإمام فيما لا يسلم إلا من جهته، ويبطله زائدا على ذلك ما نعلمه نحن وكل عاقل ضرورة من أن نفي النبوة بعده على كل حال من دين الرسول صلى الله عليه وآله (1).

وقوله: (إن عولوا على علم الاضطرار فعندهم أن الضرورة في النص على الإمام قائمة) فمعاذ الله أن ندعي الضرورة في العلم بالنص على من غاب عنه فلم يسمعه والذي نذهب إليه أن كل من لم يشهده لا يعلمه إلا باستدلال، وليس كذلك نفي النبوة لأنه معلوم من دينه عليه السلام ضرورة، ولو لم يشهد بالفرق بين الأمرين إلا اختلاف العقلاء في النص مع تصديقهم بالرسول صلى الله عليه وآله ولم يختلفوا في نفي النبوة ولا اعتبار بقول صاحب الكتاب: (إن في ذلك خلافا قد ذكر كما ذكر في أنه عليه السلام إله) لأن هذا الخلاف لا يعتد به والمخالف فيه خارج عن الاسلام فلا يعتبر في إجماع المسلمين بقول من خالف في أنه إله على أن من خالف وادعى نبوته لا يكون مصدقا للرسول صلى الله عليه وآله ولا عالما بنبوته ولا ندعي علم الاضطرار في أنه لا نبي وبعده وإنما نعلم ضرورة من دينه صلى الله عليه وآله نفي النبوة بعده.

فأما قوله: (إن الإجماع لا يوثق به عندهم) فمعاذ الله أن نطعن في الإجماع وكونه حجة، فإن أراد أن الإجماع الذي لا يكون فيه قول إمام ليس بحجة فذلك ليس بإجماع عندنا وعندهم، وما ليس بإجماع فلا حجة فيه، وقد تقدم عند كلامنا في الإجماع من هذا الكتاب ما فيه كفاية،

____________

(1) لما تواتر عنه صلى الله عليه وآله (لا نبي بعدي).

الصفحة 110 

وقوله (لتجوزن أن يقع الإجماع على طريق التقية لأنه لا يكون أوكد من قول الرسول أو قول الإمام عندهم) باطل لأنا قد بينا أن التقية لا تجوز على الرسول والإمام على كل حال وإنما تجوز على حال دون حال أخرى على أن القول بأن الأمة بأسرها تجمع على طريق التقية طريق لأن التقية سببها الخوف من الضرر العظيم وإنما يتقي بعض الأمة من بعض لغلبته عليه وقهره له وجميع الأمة لا تقية عليها من أحد.

فإن قيل: يتقى من مخالفيها في الشرائع.

قلنا: الأمر بالضد من ذلك لأن من خالطهم وصاحبهم من مخالفيهم في الملل أقل عددا وأضعف بطشا منهم. فالتقية لمخالفيهم منهم أولى وهذا أظهر من أن يحتاج إلى الإطالة فيه والاستقصاء.

قال صاحب الكتاب: (ومن جملة ما ذكروه [ من الطعن (1) ] ادعاؤهم أن فاطمة عليها السلام لغضبها على أبي بكر وعمرا وصت أن لا يصليا عليها وأن تدفن سرا منهما فدفنت ليلا وادعوا برواية رووها عن جعفر بن محمد عليه السلام وغيره أن عمر ضرب فاطمة عليها السلام بالسوط وضرب الزبير بالسيف وذكروا أن عمر قصد منزلها وعلي والزبير والمقداد وجماعة ممن تخلف عن بيعة أبي بكر مجتمعون هناك فقال لها: ما أحد بعد أبيك أحب إلينا منك، وأيم الله لئن اجتمع هؤلاء النفر عندك لنحرقن عليهم فمنعت القوم من الاجتماع). ثم قال: (الجواب عن ذلك أنا لا نصدق ذلك ولا نجوزه (2).

فأما أمر الصلاة فقد روي أن أبا بكر هو الذي صلى على فاطمة

____________

(1) الزيادة من المغني.

(2) أي التهديد بالتحريق وفي المغني " ولا نجوزه عليها، عليها السلام ".

الصفحة 111 

عليها السلام وكبر أربعا وهذا أحد ما استدل به كثير من الفقهاء في التكبير على الميت ولا يصح أنها دفنت ليلا وإن صح ذلك فقد دفن رسول الله صلى الله عليه وآله ليلا وعمر دفن ابنه ليلا وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يدفنون بالنهار ويدفنون بالليل، فما في هذا مما يطعن به بل الأقرب في النساء أن دفنهن ليلا أستر وأولى بالسنة).

ثم حكي عن أبي علي تكذيب ما روي من الضرب بالسوط قال:

وهذا المروي عن جعفر بن محمد من ضرب عمر لا أصل له بل المروي من جعفر بن محمد عليه السلام أنه كان يتولى أبا بكر وعمر ويأتي القبر فيسلم عليهما (1) مع تسليمه على رسول الله صلى الله عليه وآله، روى ذلك عباد بن صهيب (2) وشعبة (3) بن الحجاج ومهدي بن هلال (4) والدراوردي وغيرهم، وقد روي عن أبيه وعن علي بن الحسين مثل ذلك، فكيف يصح ما ادعوه؟ وهل هذه الرواية إلا كروايتهم [ عن جعفر في أخبار لهم ] (5) أن علي بن أبي طالب هو إسرافيل والحسن ميكائيل والحسين جبرائيل وفاطمة ملك الموت وآمنة أم النبي ليلة القدر فإن صدقوا ذلك صدقوا هذا أيضا.

____________

(1) في المغني " كان يترك أبا بكر وعمر ويأتي القبر فيسلم عليها " والتحريف بين.

(2) عباد بن صهيب البصري في لسان الميزان 3 / 230: " متروك الحديث يروي أشياء إذا سمعها المبتدي بهذه الصفاعة شهد لها بالوضع، مات قريبا من سنة 212 ".

(3) في المغني " وسعيد محرف شعبة ".

(4) مهدي بن هلال أبو عبد الله البصري روى عن يعقوب بن أبي عطاء ويونس بن عبيد وروى عنه جماعة في لسان الميزان 6 / 106 " كذبه يحيى بن سعيد وابن معين. صاحب بدعة يضع الحديث، عامة ما يرويه لا يتابع عليه، من المعروفين بالكذب ووضع الحديث الخ ".

(5) أي للشيعة وجعفر هو الإمام الصادق عليه السلام.