فصل في تتبع كلامه على الطاعن على أبي بكر وما أجاب به عن مطاعنهم

الصفحة 57   

ابتدأ صاحب الكتاب في هذا الفصل (1) بذكر ميراث النبي صلى الله عليه وآله ورتب في ذلك كلاما لا نرتضيه (2) ونحن بعد نبين الترتيب فيه وكيفية التعلق به.

ثم أجاب عن ذلك بأن قال في الخبر الذي احتج به أبو بكر يعني قوله: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث): " لم يقتصر على روايته حتى استشهد عليه عمر وعثمان وطلحة والزبير وسعدا وعبد الرحمن فشهدوا به، فكان لا يحل لأبي بكر وقد صار الأمر إليه أن يقسم التركة ميراثا وقد خبر الرسول (3) صلى الله عليه وآله بأنه صدقة وليس بميراث، وأقل ما في هذا الباب أن يكون الخبر من أخبار الآحاد فلو أن شاهدين شهدا في التركة أن فيها حقا أليس كان يجب أن يصرفه عن الإرث؟ فعلمه بما قال

____________

(1) نقل ما في هذا الفصل من كلام قاضي القضاة في " المغني " ورد المرتضى عليه في " الشافي " ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ج 16 ص 237 - 286 فما ترى رمزه بحرف " ش " فهو للفروق المهمة في نقل ابن أبي الحديد، وكلام القاضي الذي أشار إليه المرتضى في " المغني " 20 ق 1 / 328.

(2) يعني المعتزلة والامامية.

(3) ش " رسول الله صلى الله عليه وآله ".

الصفحة 58   

الرسول صلى الله عليه وآله مع شهادة غيره أقوى من ذلك ولسنا نجعله مدعيا (1) لأنه لم يدع ذلك لنفسه وإنما بين أنه ليس بميراث وأنه صدقة، ولا يمتنع تخصيص القرآن بذلك كما يخص في العبد والقاتل وغيرهما وليس ذلك بنقص (2) للأنبياء بل هو إجلال لهم (3) يرفع الله به قدرهم عن أن يورثوا المال وصار ذلك من أوكد الدواعي إلى أن لا يتشاغلوا بجمعها (4) لأن الدواعي (5) القوية (6) إلى ذلك تركه على الأولاد والأهلين.

ولما سمعت فاطمة عليها السلام ذلك من أبي بكر كفت عن الطلب بما ثبت من الأخبار الصحيحة فلا يمتنع أن تكون غير عارفة بذلك فطلبت الإرث فلما روى لها ما روى كفت فأصابت أولا وأصابت ثانيا.

وليس لأحد أن يقول: كيف يجوز أن يبين النبي صلى الله عليه وآله ذلك للقوم ولا حق لهم في الإرث (7) ويدع أن يبين ذلك لمن له حق في الإرث مع أن التكليف يتصل به. وذلك لأن التكليف في ذلك يتعلق بالامام فإذا بين له جاز أن لا يبين لغيره ويصير البيان له بيانا لغيره، وإن لم تسمع من الرسول صلى الله عليه وآله لأن هذا الجنس من البيان يجب أن يكون بحسب المصلحة " ثم حكي عن أبي علي أنه قال: " أتعلمون كذب أبي بكر في هذه الرواية أم تجوزون كذبه وصدقه " (8) قال: قد علم أنه لا

____________

(1) غ " بدعيا ".

(2) في المغني " بنقض للآية " وتحير المحقق في التوجيه وتركه على ما هو عليه.

(3) غ " حلال لهم " ويختل المعنى بذلك.

(4) بجمعه خ ل.

(5) ش " أحد الدواعي ".

(6) في المغني " البشرية " بدل " القوية ".

(7) غ " يتبرع " وهو تصحيف.

(8) في المغني " أتعلمون صدق أبي بكر في هذه الرواية أم تجوزون صدقه؟ ". وفي ش " أم تجوزون أن يكون صادقا ".

الصفحة 59   

شئ يعلم به قطعا كذبه فلا بد من تحريز كونه صادقا، وإذا صح ذلك قيل لهم فهل كان يحل له مخالفة رسول الله صلى الله عليه وآله.

فإن قالوا: لو كان صدقا لظهر واشتهر.

قيل لهم: إن ذلك من باب العمل فلا يمتنع أن يتفرد بروايته جماعة يسيرة (1) مثل الواحد والاثنان مثل ساير الأحكام ومثل الشهادات.

فإن قالوا: نعلم أنه لا يصح لقوله تعالى في كتابه: " وورث سليمان داود) (2) قيل لهم: ومن أين أنه ورثه الأموال مع تجويز أن يكون المراد ورثه العلم والحكمة.

فإن قالوا: إطلاق الميراث لا يكون إلا في الأموال.

قيل لهم: إن كتاب الله يبطل قولكم لأنه قال: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا) (3) والكتاب ليس بمال، ويقال في اللغة ما ورث الآباء الأبناء شيئا أفضل من أدب (4) حسن وقالوا (العلماء ورثة الأنبياء) وإنما ورثوا منهم العلم دون المال على أن في آخر الآية (5) ما يدل على ما قلناه وهو قوله تعالى: (يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شئ إن هذا لهو الفضل المبين) (6) فنبه على أن الذي ورث هو هذا العلم وهذا الفضل وإلا لم يكن لهذا القول تعلق بالأول.

____________

(1) غ " بل الواحد " الخ.

(2) النمل 16.

(3) فاطر 32.

(4) ش " ما ورث الأبناء عن الآباء ".

(5) غ " على إن في الكتاب ".

(6) النمل 16.

 

 

 

 

الصفحة 60   

فإن قالوا: فقد قال تعالى: (فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب) (1) وذلك يبطل الخبر.

قيل لهم: ليس في ذلك بيان المال أيضا وفي الآية ما يدل على أن المراد النبوة والعلم لأن زكريا خاف على العلم أن يندرس.

وأما قوله: (وإني خفت الموالي من ورائي) يدل على ذلك لأن الأنبياء لا تحرص على الأموال حرصا يتعلق خوفها بها وإنما أراد خوفه على العلم أن يضيع فسأل الله تعالى وليا يقوم الدين مقامه.

وقوله: (ويرث من آل يعقوب) يدل على أن المراد العلم والحكمة لأنه لا يرث أموال آل يعقوب في الحقيقة وإنما يرث ذلك غيره، فأما من يقول: المراد في (إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة) لا يدل على إنا لا نورث الأموال فكأنه أراد أن ما جعلوه صدقة في حال حياتهم لا يورثون فركيك (2) من القول لأن إجماع الصحابة بخلافه لأن أحدا لم يتأوله على هذا الوجه لأنه لا يكون في ذلك تخصيص للأنبياء ولا مزية لهم ولأن قوله: (ما تركناه صدقة) جملة من الكلام مستقلة بنفسها ولا وجه إذا لم يكن ذلك فيها أن يجعل من تمام الكلام الأول فكأنه عليه السلام مع بيانه (3) أنهم لا يورثون بين جهة المال الذي خلفوه لأنه كان يجوز أن لا يكون ميراثا ويصرف إلى وجه آخر (4).

____________

(1) مريم 5 و 6.

(2) غ " فباطل ".

(3) المغني 20 ق 1 / 330.

(4) أي " ما تركناه صدقة " جملة مستقلة أتى به أي بهذا القول مع بيان أنه ليس ميراثا لنفي جواز أن يصرف في وجهه.

الصفحة 61   

فأما خبر السيف والبغلة (1) والعمامة وغير ذلك فقد قال أبو علي إنه لم يثبت أن أبا بكر دفع ذلك إلى أمير المؤمنين عليه السلام (2) على جهة الإرث، وكيف يجوز ذلك مع الخبر الذي رواه؟ وكيف يجوز لو كان وارثا أن يخصه بذلك ولا إرث له مع العم لأنه عصبة (3) فإن كان وصل إلى فاطمة عليها السلام فقد كان ينبغي أن يكون العباس شريكا في ذلك وأزواج النبي صلى الله عليه وآله، ولوجب أن يكون ذلك ظاهرا مشهورا ليعرف أنهم أخذوا نصيبهم من غير ذلك، أو بدله ولا يجب إذا لم يدفع أبو بكر إليه على جهة الإرث أن لا يحصل في يده، لأنه قد يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وآله نحله (4) ويجوز أيضا أن يكون أبو بكر رأى الصلاح في ذلك أن يكون بيده لما فيه من تقوية الدين وتصدق ببدله بعد التقويم لأن للإمام أن يفعل ذلك) (5).

وحكي عن أبي علي في البردة والقضيب (إنه لا يمتنع أن يكون جعله عدة في سبيل الله وتقوية على المشركين فتداولته الأئمة (6) لما فيه من التقوية ورأى أن ذلك (7) أولى من أن يتصدق به إن ثبت أنه عليه السلام لم يكن قد نحله غيره في حياته) (8) ثم عارض نفسه بطلب أزواج النبي صلى الله

____________

(1) غ " النعل ".

(2) غ " إلى علي عليه السلام ".

(3) العصبة - بالتحريك - قرابة الرجل لأبيه سموا بذلك لأنهم عصبوا به، أي أحاطوا.

(4) النحلى - بضم النون، وقصر آخرها، والنحلة - بكسر النون -: العطية عن طيب نفس.

(5) المغني 20 ق 1 / 331.

(6) غ " الأمة " تصحيف.

(7) غ " أقوى ".

(8) المغني 20 ق 1 / 333.

الصفحة 62   

عليه وآله الميراث وتنازع أمير المؤمنين عليه السلام والعباس فيه بعد موت فاطمة عليها السلام.

وأجاب عن ذلك بأن قال: (يجوز أن يكونوا لم يعرفوا رواية (1) أبي بكر وغيره للخبر.

وقد روي أن عائشة لما عرفتهن الخبر أمسكن (2) وقد بينا أنه لا يمتنع في مثل ذلك أن يخفى على من يستحق الإرث ويعرفه من يتقلد الأمر كما تعرف العلماء والحكام (3) من أحكام المواريث ما لا يعلمه أرباب الإرث وقد بينا أن رواية أبي بكر مع الجماعة أقوى من شاهدين لو شهدا على التركة بدين (4) وهو أقوى من رواية سلمان وابن مسعود ولو رويا ذلك عند القوم كان يجب أن يقبل منهما).

قال: (ومتى تعلقوا بعموم القرآن أريناهم جواز التخصيص بهذا الخبر كما إن عموم القرآن يقتضي كون الصدقات للفقراء وقد ثبت أن آل محمد صلوات الله عليهم لا يحل لهم الصدقة...) (5) يقال له: نحن نبين أولا ما يدل على أنه صلى الله عليه وآله يورث المال، ونرتب الكلام في ذلك الترتيب الصحيح، ثم نعطف على ما أورده ونتكلم عليه.

والذي يدل على ما ذكرناه قوله تعالى مخبرا عن زكريا عليه السلام

____________

(1) في المغني " إن ثبت ذلك فلأنهم لم يعرفوا رواية... ".

(2) غ " لما عرفتهم أمسكوا ".

(3) غ " والحكماء ".

(4) غ " بان بعض تركته في دين ".

(5) المغني 20 ق 1 / 333.

الصفحة 63   

(وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا) (1) فخبر أنه خاف من بني عمه لأن الموالي ها هنا هم بنو العم بلا شبهة، وإنما خافهم أن يرثوا ماله فينفقوه في الفساد، لأنه كان يعرف ذلك من خلائقهم وطرائقهم فسأل ربه ولدا يكون أحق بميراثه منهم، والذي يدل على أن المراد بالميراث المذكور في الآية ميراث المال دون العلم والنبوة على ما يقولون، إن لفظة الميراث في اللغة والشريعة جميعا لا يعهد (2) إطلاقها إلا على ما يحق وأن ينتقل على الحقيقة من المورث إلى الوارث كالأموال وما في معناها، ولا يستعمل في غير المال إلا تجاوزا واتساعا، ولهذا لا يفهم من قول القائل:

لا وارث لفلان إلا فلان، وفلان يرث مع فلان بالظاهر، والاطلاق إلا ميراث الأموال والأعراض دون العلوم وغيرها، وليس لنا أن نعدل عن ظاهر الكلام وحقيقته إلى مجازه بغير دلالة، وأيضا فإنه تعالى خبر عن نبيه صلوات الله عليه أنه اشترط في وارثه أن يكون رضيا، ومتى لم يحمل الميراث في الآية على المال دون العلم والنبوة لم يكن للاشتراط معنى، وكان لغوا عبثا، لأنه إذا كان إنما سأل من يقوم مقامه ويرث مكانه فقد دخل الرضا وما هو أعظم من الرضا في جملة كلامه وسؤاله، فلا معنى (3) لاشتراطه ألا ترى أنه لا يحسن أن يقول اللهم ابعث إلينا نبيا واجعله عاقلا ومكلفا فإذا ثبتت هذه الجملة صح أن زكريا موروث ماله، وصح أيضا بصحتها أن نبينا صلى الله عليه وآله ممن يورث المال، لأن الإجماع واقع على أن حال نبينا عليه السلام لا يخالف حال الأنبياء المتقدمين في

____________

(1) مريم 5 و 6.

(2) ش " لا يفيد ".

(3) ش " فلا مقتضى لاشتراطه ".

الصفحة 64   

ميراث المال، فمن مثبت للأمرين وناف للأمرين.

ومما يقوي ما قدمناه أن زكريا خاف بني عمه فطلب وارثا لأجل خوفه، ولا يليق خوفه منهم إلا بالمال دون النبوة والعلم. لأنه عليه السلام كان أعلم بالله تعالى من أن يخاف أن يبعث نبيا من ليس بأهل للنبوة وأن يورث علمه وحكمه من ليس أهلا لها، ولأنه إنما بعث لإذاعة العلم ونشره في الناس فلا يجوز أن يخاف من الأمر الذي هو الغرض في بعثته.

فإن قيل: فهذا يرجع عليكم في الخوف من وراثة المال (1) لأن ذلك غاية الضن (2) والبخل.

قلنا: معاذ الله أن يستوي الحال لأن المال قد يصح أن يرزقه الله تعالى المؤمن والكافر، والعدو والولي، ولا يصح ذلك في النبوة وعلومها. وليس من الضن أن يأسى على بني عمه وهم من أهل الفساد أن يظفروا بماله فينفقوه على المعاصي، ويصرفوه في غير وجوهه المحبوبة، بل ذلك هو غاية الحكمة وحسن التدبير في الدين. لأن الدين يحظر تقوية الفساق وإمدادهم بما يعينهم على طرائقهم المذمومة، وما يعد ذلك شحا ولا بخلا إلا من لا تأمل له.

فإن قيل: فالا جاز أن يكون خاف من بني عمه أن يرثوا علمه وهم من أهل الفساد على ما ادعيتم فيستفسدوا به الناس ويموهونه عليهم؟

قلنا: لا يخلو هذا العلم الذي أشرتم إليه من أن يكون هو كتب علمه وصحف حكمته لأن ذلك قد يسمى علما على طريق المجاز، أو أن

____________

(1) ش " عن إرث المال ".

(2) الضن - بالضاد -: البخل، فالكلمتان مترادفتان على معنى واحد.

الصفحة 65   

يكون هو العلم الذي يحل القلوب، فإن كان الأول فهو يرجع إلى معنى المال ويصحح أن الأنبياء عليهم السلام يورثون أموالهم وما في معناها، وإن كان الثاني لم يخل هذا العلم من أن يكون هو العلم الذي بعث النبي صلوات الله عليه بنشره وأدائه، أو أن يكون علما مخصوصا لا يتعلق بالشريعة ولا يجب اطلاع جميع الأمة عليه كعلم العواقب وما يجري في المستقبل من الأوقات وما جرى مجرى ذلك والقسم الأول لا يجوز على النبي صلى الله عليه وآله أن يخاف من وصوله إلى بني عمه وهم من جملة أمته الذين بعث إلى أن يطلعهم (1) على ذلك ويؤديه إليهم وكأنه على هذا الوجه يخاف مما هو الغرض في بعثته.

والقسم الثاني فاسد أيضا لأن هذا العلم المخصوص إنما يستفاد من جهته ويوقف عليه باطلاعه وإعلامه، وليس هو مما يجب نشره في جميع الناس فقد كان يجب إذا خاف من إلقائه إلى بعض الناس فسادا أن لا يلقيه إليه فإن ذلك في يده ولا يحتاج إلى أكثر من ذلك. ومما يدل على أن الأنبياء عليهم السلام يورثون قوله تعالى: (وورث سليمان داود) (2) والظاهر من إطلاق لفظ الميراث يقتضي الأموال وما في معناها على ما دللنا عليه (3) من قبل، ويدل أيضا على ذلك قوله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) (4) الآية وقد أجمعت الأمة على عموم هذه اللفظة إلا من أخرجه الدليل فيجب أن يتمسك بعمومها لمكان هذه الدلالة، ولا يخرج عن حكمها إلا من أخرجه دليل قاطع فأما تعلق

____________

(1) ش " لاطلاعهم وتأديته إليهم ".

(2) النمل 16.

(3) ش " به من قبل ".

(4) النساء 11.

الصفحة 66   

صاحب الكتاب بالخبر الذي رواه أبو بكر وادعاه وأنه استشهد عمر وعثمان وفلانا وفلانا فأول (1) ما فيه أن الذي ادعاه من الاستشهاد غير معروف.

والذي روي أن عمر استشهد هؤلاء النفر لما نازع (2) أمير المؤمنين عليه السلام العباس في الميراث فشهدوا بالخبر المتضمن لنفي الميراث، وإنما معول مخالفينا في صحة الخبر الذي رواه أبو بكر عند مطالبة فاطمة عليها السلام بالميراث على إمساك الأمة عن النكير عليه والرد لقضيته (3) ولو سلمنا استشهاد من ذكر على الخبر لم يكن فيه حجة، لأن الخبر على كل حال لا يخرج من أن يكون غير موجب للعلم، وهو في حكم أخبار الآحاد، وليس يجوز أن يرجع عن ظاهر القرآن بما يجري هذا المجرى، لأن المعلوم لا يخص إلا بمعلوم، وإذا كانت دلالة الظاهر معلومة لم يجز أن يرجع (4) عنها بأمر مظنون، وهذا الكلام مبني على أن التخصيص للكتاب والسنة المقطوع بها (5) بأخبار الآحاد وهو المذهب الصحيح، وقد أشرنا إلى ما يمكن أن يعتمد في الدلالة عليه من أن الظن لا يقابل العلم ولا يرجع عن المعلوم بالظن (6)، وليس لهم أن يقولوا: إن

____________

(1) في الأصل " فالأول ما فيه " وصححناه عن ابن أبي الحديد.

(2) ش " تنازع أمير المؤمنين عليه السلام والعباس ".

(3) علق ابن أبي الحديد على ذلك بقوله: " صدق المرتضى رحمه الله فيما قال، أما عقيب وفاة النبي صلى الله عليه وآله ومطالبة فاطمة عليها السلام بالإرث، فلم يرو الخبر غير أبي بكر وحده، وقيل: إنه رواه معه مالك بن أوس بن الحدثان أما المهاجرون الذين ذكرهم قاضي القضاة، فإنما شهدوا في الخبر في خلافة عمر " (الشرح 16 / 245).

(4) ش " يخرج عنها ".

(5) في الأصل " بهما " وآثرنا نقل ابن أبي الحديد، لأن أخبار الآحاد من السنة ولكن غير مقطوع بها.

(6) ش " بالمظنون ".

الصفحة 67   

التخصيص بالأخبار الآحاد (1) مستند أيضا إلى علم وإن كان الطريق مظنونا، ويشيروا إلى ما يدعونه من الدلالة على وجوب العمل بخبر الواحد في الشريعة (2) وإنه حجة لأن ذلك مبني من قولهم على ما لا نسلمه، وقد دل الدليل على فساده (3) من صحة العمل بخبر الواحد، والكلام في أن خبر الواحد يقبل في الشريعة أولا يقبل لا يليق بكتابنا هذا.

والكلام فيه معروف على أنه لو سلم لهم أن خبر الواحد يعمل به في الشرح لاحتاجوا إلى دليل مستأنف على أنه يقبل في تخصيص القرآن لأن ما دل على العمل به في الجملة لا يتناول هذا الموضع كما لا يتناول جواز النسخ به.

وهذا يسقط قول صاحب الكتاب " إن شاهدين لو شهدا أن في التركة حقا لكان يجب أن يصرف عن الإرث، وذلك أن الشهادة وإن كانت مظنونة فالعمل بها استند إلى علم (4)، لأن الشريعة قد قررت العمل بالشهادة ولم تقرر العمل بخبر الواحد وليس له أن يقيس خبر الواحد على الشهادة من حيث اجتمعا في غلبة الظن لأنا لم نعمل على الشهادة من حيث غلبة الظن دون ما ذكرناه من تقرير الشريعة العمل بها، ألا ترى إنا قد نظن صدق الفاسق والمرأة والصبي وكثير ممن يجوز صدقه (5) ولا يجوز العمل بقوله، فبان أن المعول في هذا على المصلحة التي نستفيدها على

____________

(1) في شرح النهج " أخبار الآحاد " على الإضافة لا الصفة.

(2) ش " في الشرع ".

(3) أي حجية خبر الواحد.

(4) ش " استند ".

(5) " ممن يجوز صدقه " ساقطة من شرح نهج البلاغة.

الصفحة 68   

طريق الجملة من دليل الشرع وأبو بكر في حكم المدعي لنفسه، والجار إليها بخلاف ما ظنه صاحب الكتاب، وكذلك من شهد له إن كانت شهادة قد وجدت، وذلك أن أبا بكر وسائر المسلمين سوى أهل بيت الرسول صلوات الله عليهم يحل لهم الصدقة، ويجوز أن يصيبوا منها، وهذه تهمة في الحكم والشهادة.

وليس له أن يقول: فهذا يقتضي أن لا يقبل شهادة شاهدين في تركة بأن فيها صدقة لمثل ما ذكرتم، وذلك لأن الشاهدين إذا شهدا بالصدقة فحظهما منها كحظ صاحب الميراث، بل سائر المسلمين وليس كذلك حال تركة الرسول صلى الله عليه وآله لأن كونها صدقة يحرمها على ورثته ويبيحها لسائر المسلمين.

فأما قوله: (نخص القرآن بذلك كما خصصنا في العبد والقاتل) (1) فليس بشئ لأن من ذكر إنما خصصناهما بدليل مقطوع عليه معلوم (2) وليس هذا في الخبر الذي ادعاه.

فأما قوله: (وليس ذلك ينقص للأنبياء عليهم السلام بل هو إجلال لهم) فمن الذي قال له: إنه نقص؟ وكما إنه لا نقص فيه فلا إجلال فيه ولا فضيلة، لأن الداعي وإن كان قد يقوى إلى جمع المال ليخلف على الورثة فقد يقويه أيضا إرادة صرفه في وجوه الخير والبر، وكلا الأمرين يكون داعيا إلى تحصيل المال، بل الداعي الذي ذكرناه أقوى فيما يتعلق بالدين.

فأما قوله: (إن فاطمة عليها السلام لما سمعت ذلك كفت عن

____________

(1) يعني في عدم استحقاقهما في الميراث.

(2) ش " لأنا قد خصصنا من ذكر بدليل معلوم ".

الصفحة 69   

الطلب فأصابت أولا وأصابت آخرا) فلعمري أنها كفت عن الطلب الذي هو المنازعة والمشاحة لكنها انصرفت مغضبة متظلمة متألمة والأمر في غضبها وسخطها أظهر من أن يخفى على منصف، فقد روى أكثر الرواة الذين لا يتهمون بتشيع ولا عصبية فيه من كلامها عليها السلام في تلك الحال، وبعد انصرافها عن مقام المنازعة والمطالبة ما يدل على ما ذكرناه من سخطها وغضبها ونحن نذكر من ذلك ما يستدل به على صحة قولنا، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عمران المرزباني (1) قال [ حدثني محمد بن أحمد الكاتب ] (2) حدثنا أحمد بن عبيد بن ناصح النحوي (3) قال حدثنا الزيادي (4) قال حدثنا الشرقي بن القطامي (5) عن محمد بن إسحاق (6)

____________

(1) المرزباني: محمد بن عمران، يعد من محاسن الدنيا، صادق اللهجة.

ثقة في الحديث، واسع المعرفة رواية للأدب، وقيل: هو أول من أسس علم البيان ودونه، وبهذا تعرف أنه سابق لعبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني المتوفى سنة 471 في هذا العلم، وللمرزباني من المؤلفات (كتاب ما نزل في القرآن في علي عليه السلام) وهو أول من جمع شعر يزيد بن معاوية بن أبي سفيان واعتنى به، وهو من مشائخ المفيد، وقد أكثر السيد الشريف المرتضى النقل عنه في " الغرر والدرر " توفي المرزباني سنة 384 (انظر مصادر نهج البلاغة وأسانيده).

(2) الزيادة من ابن أبي الحديد، والكاتب هو أبو طاهر محمد بن أحمد بن محمد الكاتب من شيوخ ابن مندة (انظر ابن خلكان 6 / 169).

(3) أحمد بن عبيد بن ناصح أبو جعفر المعروف بأبي عصيدة أديب ديلمي الأصل من موالي بني هاشم تولى تأديب المعتز العباسي من كتبه " عيون الأخبار والأشعار " و " الزيادات في معاني الشعر لابن السكيت في إصلاحه " توفي سنة 273 (انظر الأعلام للزركلي 1 / 159).

(4) الزيادي: عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي النحوي من الموالي من أهل البصرة توفي سنة 129 (خزانة الأدب 1 / 115، وتهذيب التهذيب: 5 / 148).

(5) الشرقي بن القطامي: كوفي اسمه الوليد بن الحصين، والشرقي لقب غلب عليه كان عالما بالنسب وافر الأدب أقدمه المنصور بغداد وضم إليه المهدي ليأخذ من أدبه توفي حدود سنة 155 (تاريخ بغداد 9 / 279 ولسان الميزان 3 / 142).

(6) محمد بن إسحاق بن يسار أبو بكر القرشي بالولاء إمام أصحاب السير، من بحور العلم، ثبت في الحديث، عده الشيخ الطوسي ممن أسند عن الإمام الصادق عليه السلام نشأ بالمدينة، واضطر إلى الخروج منها إلى مصر بسبب تشيعه، ثم قدم على أبي جعفر المنصور وهو بالحيرة، وكتب له المغازي، وسمع منه أهل الكوفة بهذا السبب، وكتابه في السيرة إلى قسمين " مبتدأ الخلق " و " المغازي " والظاهر أنه لم يبق من هذين الكتابين إلا ما اختاره ابن هشام من سيرة النبي صلى الله عليه وآله، وما نقله أصحاب الكتب منهما كالطبري وابن أبي الحديد، توفي ابن إسحاق بغداد سنة 151 ودفن بمقبرة الخيزران في الجانب الشرقي (انظر رجال الطوسي وابن خلكان 4 / 276، تأسيس الشيعة 232).

الصفحة 70   

قال: حدثنا صالح بن كيسان (1) عن عروة (2) عن عائشة قال المرزباني وحدثنا أبو بكر أحمد بن محمد (3) المكي قال: حدثنا أبو العينا محمد بن القاسم السيمامي (4) قال حدثنا ابن عائشة (5) قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله أقبلت فاطمة عليها السلام في لمة (6) من حفدتها إلى أبي بكر، وفي الرواية الأولى قالت عائشة: لما سمعت فاطمة عليها السلام

____________

(1) قال الذهبي " صالح بن كيسان أحد الثقاة والعلماء (ميزان الاعتدال 2 / 299).

(2) هو عروة بن الزبير بن العوام أبو عبد الله المدني ولد في أوائل خلافة عمر وتوفي سنة 94 وقد عده ابن أبي الحديد في شرح النهج من المنحرفين عن علي عليه السلام.

(3) أحمد بن محمد بن أبي الموت المكي روى عن البغوي صاحب المسند (انظر ميزان الاعتدال 1 / 151).

(4) أبو العيناء هو عبد الله بن محمد بن القاسم بن خلاد الأهوازي البصري كان أديبا ماهرا، وكان من الظرفاء والأذكياء حاضر النكتة، سريع الجواب نقل ابن خلكان كثيرا من أجوبته ونوادره، وأضر وهو في حدود الأربعين من عمره فسئل يوما:

ما ضرك من العمى، قال شيئان. أحدهما فاتني السبق بالسلام، والثاني ربما ناظرت فهو يكفهر وجهه ويظهر الكراهية حتى لا أراه وأقطع الكلام توفي بالبصرة سنة 283 أو 284.

(5) ابن عائشة: عبيد الله بن محمد بن حفص التيمي نسبة إلى عائشة بنت طلحة لأنها من جداته قال في تقريب التهذيب: ثقة جواد رمي بالقدر ولم يثبت مات سنة 228.

(6) اللمة - بالضم والتخفيف: الترب والشكل.

الصفحة 71   

إجماع أبي بكر على منعها فدك لاثت خمارها على رأسها، واشتملت بجلبابها (1) وأقبلت في لمة من حفدتها [ ثم اجتمعت الروايتان من هاهنا ] (2) ونساء قومها تطأ ذيولها ما تخرم (3) مشيتها مشية رسول الله صلى الله عليه وآله حتى دخلت على أبي بكر وهو في حشد (4) من المهاجرين والأنصار وغيرهم فنيطت دونها ملاءة (5) ثم أنت أنة أجهش القوم لها بالبكاء (6) وارتج المجلس، ثم أمهلت هنيئة (7) حتى إذا سكن نشيج القوم وهدأت فورتهم (8) افتتحت كلامها بالحمد لله عز وجل والثناء عليه والصلاة على رسوله صلى الله عليه وآله ثم قالت: (9)

____________

(1) الجلباب: الملحفة، والجمع جلابيب.

(2) ما بين المعقوفين من شرح نهج البلاغة.

(3) لم تخرم لم تنقص، يقال ما خرم منه شيئا أي ما نقص.

(4) الحشد - كفلس -: الجماعة.

(5) نيطت: علقت ووصلت، والملاءة: الريطة والأزار أيضا.

(6) أجهش بالبكاء: تهيأ له.

(7) ح " هنيهة " والمعنى واحد.

(8) الفورة: الجيشان.

(9) خطبة الزهراء سلام الله عليه في شأن فدك رواها الخلف عن السلف من العلويين في جميع الأجيال إلى زمن الأئمة من أهل البيت عليهم السلام. وكان مشائخ آل أبي طالب يروونها عن آبائهم ويعلمونها أبناءهم وهم من محاسن الخطب وبدائعها، وفيها عقبة من أريج الرسالة. كما أخرجها من إثبات الرواة غير الشيعة، فقد روى ابن أبي الحديد فصولا منها ضمن جملة من أخبار فدك وما جرى في شأنها وقال في مقدمة ذلك: " الفصل الأول فيما ورد من الأخبار والسير المنقولة من أفواه أهل الحديث وكتبهم. لأن من كتب الشيعة ورجالهم. لأنا مشترطون على أنفسنا أن لا نحفل بذلك، (شرح نهج البلاغة ج 16 / 210) ثم نقل أسانيد لهذه الخطبة تنتهي إلى زينب بنت أمير المؤمنين والإمامين الباقر والصادق وزيد بن علي بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين وإلى عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي عليهم السلام مضافا إلى الأسانيد الأخرى التي ينتهي بعضا إلى عروة بن الزبير عن خالته أم المؤمنين عائشة (رض) والخطبة تجدها كاملة في الجزء الأول من الاحتجاج للطبرسي في باب احتجاج فاطمة عليها السلام وقال أبو الحسن علي بن عيسى بن أبي الفتح الأربلي المتوفى سنة 693، في كتابه " كشف الغمة في معرفة الأئمة " ج 2 / 108 " نقلتها - أي خطبة الزهراء عليها السلام - من كتاب " السقيفة " لأبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري عن عمرو بن شبة - توفي سنة 262 - من نسخة مقروءة على مؤلفها المذكور، قرئت في ربيع الآخر سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة روى عن رجاله من عدة طرق أن فاطمة عليها السلام لما بلغها إجماع أبي بكر على منعها فدكا لاثت خمارها وأقبلت في لميمة من حفدتها الخ " ويظهر من هذا أن الجوهري كان حيا سنة 322.

الصفحة 72   

(لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) (1) فإن تعزوه (2) تجدوه أبي دون آبائكم، وأخا ابن عمي دون رجالكم، فبلغ الرسالة صادعا بالنذارة (3) مائلا عن سنن المشركين ضاربا ثبجهم (4) يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة آخذا بأكظام (5) المشركين يهشم الأصنام ويفلق الهام، حتى انهزم الجمع، وولوا الدبر، وحتى تفرى (6) الليل عن صبحه، وأسفر الحق عن محضه، ونطق زعيم الدين، وخرست شقاشق (7) الشياطين، وتمت كلمة الاخلاص وكنتم على شفا حفرة من النار نهزة الطامع (8) ومذقة الشارب (9) وقبسة العجلان (10) وموطأ الأقدام، تشربون الطرق (11)

____________

(1) التوبة / 128.

(2) تعزوه: تسندوه.

(3) صدع بالأمر: تكلم به جهارا.

(4) الثبج - بفتحتين - ما بين الكاهل إلى الظهر، وقيل: ثبج كل شئ وسطه.

(5) الأكظام جمع كظم - بالتحريك -: مخرج النفس.

(6) تفرى الليل عن صبحه: انشق.

(7) الشقاشق - جمع شقشقة - الجلدة الحمراء التي يخرجها البعير من جوفه عند هيجانه.

(8) النهزة كالفرصة وزنا ومعنى.

(9) اللبن الممزوج بالماء.

(10) قبسة العجلان مثل في الاستعجال تشبيها بالمقتبس الذي يدخل الدار ريثما يقبس الجذوة من النار.

(11) الطرق - بفتح وسكون - والمطروق أيضا: ماء الغدران الذي تبول فيه الإبل وتبعر.

الصفحة 73   

وتقتاتون القد (1) أذلة خاسئين، يتخطفكم الناس من حولكم، حتى أنقذكم الله عز وجل برسوله صلى الله عليه وآله بعد اللتيا والتي (2) وبعد أن مني بسهم الرجال (3) وذؤبان العرب (4) ومردة أهل النفاق (5) (كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله) (6) ونجم قرن للشيطان (7) أو فغرت للمشركين فاغرة (8) قذف أخاه في لهواتها، فلا ينكفئ حتى يطأ صماخها بأخمصه (9) ويطفئ عادية لهبها، (10) أو قالت: ويخمد لهبهتا بحده مكدودا في ذات الله (11) وأنتم في رفاهية فكهون آمنون وادعون) (12) إلى هاهنا انتهى خبر أبي العيناء عن ابن عائشة، وزاد عروة ابن

____________

(1) القد - بالكسر -: سير يقد من جلد غير مدبوغ.

(2) اللتيا - بالفتح والتشديد - والمراد باللتيا والتي الداهية الصغيرة والكبيرة، وكنى عن الكبيرة بالتصغير تشبيها بالحية فإنها إذا كثر سمها صغرت لأنهم يزعمون أن السم يأكل جسدها، والأصل في المثل أن رجلا من جديس تزوج امرأة قصيرة فقاسى منها الشدائد فطلقها وتزوج طويلة فكانت أشد من الأولى فطلقها فقيل له: ألا تتزوج قال: أبعد اللتيا والتي فذهبت مثلا.

(3) بهم الرجال: شجعانهم.

(4) ذؤبان العرب: لصوصهم وصعاليكهم.

(5) المردة - جمع مارد وهو العاتي.

(6) المائدة / 64.

(7) نجم: ظهر وطلع.

(8) فاغرة المشركين: جماعتهم، والمعنى مجازي مأخوذ من فغر فاه إذا فتحه.

(9) الصماخ - بالكسر - خرق الأذن، وقيل: هو الأذن نفسها والسين لغة فيه والأخمص: ما دخل من باطن القدم فلم يصب الأرض.

(10) العادية: الشر.

(11) مكدودا: متعبا.

(12) الرفاهية والرفاهة من العيش: السعة، والفكه: طيب النفس والودع والوديع الساكن.

الصفحة 74   

الزبير عن عائشة.

(حتى إذا اختار الله لنبيه دار أنبيائه ظهرت حسيكة النفاق (1) وسمل جلباب الدين (2) ونطق كاظم الغاوين (3) ونبغ خامل الآفكين (4) وهدر فنيق المبطلين، فخطر في عرصاتكم (5) وأطلع الشيطان رأسه صارخا بكم، فدعاكم فألفاكم لدعوته مستجيبين، وللغرة (6) ملاحظين، ثم استنهضكم فوجدكم خفافا، وأحمشكم (7) فألفاكم غضبا فوسمتم (8) غير إبلكم، ووردتم غير شربكم، هذا والعهد قريب والكلم رحيب (9) والجرح لما يندمل (10) إنما زعمتم ذلك خوف الفتنة (ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين) (11) فهيهات منكم وأنى بكم وأنى تؤفكون (12) وكتاب الله بين

____________

(1) الحسيكة والحسكة والحساكة: الحقد والعداوة وقد وردت الرواية باللفظتين الأوليين.

(2) سمل: أخلق، والجلباب الملحفة والجمع جلابيب.

(3) كاظم - هنا - فاعل الكظوم وهو السكوت.

(4) نبغ الشئ: ظهر، والخامل: الساقط الذي لا نباهة له.

(5) هدر البعير: ردد صوته في حنجرته، والفنيق: الفحل من الإبل، وخطر: اهتز في مشيه تبخترا وهي هنا مجازية، والعرصة - بوزن ضربة - كل بقعة بين الدور واسعة ليس بها بناء والجمع عراص - بكسر العين - وعرصات.

(6) تروى بإعجام الأول وإهمال الثاني كما تروى بالعكس ومعنى الأولى الغفلة والمراد طلبها ومعنى الثانية الحمية والأنفة.

(7) أحمشكم - هنا هيجكم.

(8) الوسم: الكي، وهو علامة كانت العرب تستعملها للإبل.

(9) الكلم: الجرح، والرحيب: الواسع.

(10) اندمل الجرح وأدمل: تماثل وتراجع إلى الشفاء.

(11) التوبة / 49.

(12) هيهات - بتثليث الآخر - اسم فعل بمعنى بعد، وأنى: ظرف مكان بمعنى أين. والإفك: الكذب.

الصفحة 75   

أظهركم، زواجره بينة، وشواهده لائحة، وأوامره واضحة، أرغبة عنه تريدون، أم بغيره تحكمون (بئس للظالمين بدلا) (1) (ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) (2) ثم لم تلبثوا إلا ريث أن تسكن نفرتها تسرون حسوا في ارتغاء (3) ونصبر منكم على مثل حز المدى (4) وأنتم الآن تزعمون ألا إرث لنا (أفحكم الجاهلية تبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يؤمنون) (5).

يا ابن أبي قحافة أترث أباك ولا أرث أبي (لقد جئت شيئا فريا) (6) فدونكها مخطومة مرحولة (7) تلقاك يوم حشرك، فنعم الحكم الله، والزعيم محمد، والموعد القيامة، وعند الساعة يخسر المبطلون (ولكل نبأ مستقر وسوف تعلمون) (8) ثم انكفأت إلى قبر أبيها فقالت:

 

قد كان بعدك أنباء وهنبثة       لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب (9)

إنا فقدناك فقد الأرض وابلها   واختل قومك فاشهدهم ولا تغب (10)

 

____________

(1) الكهف / 50.

(2) آل عمران / 85.

(3) الحسو: الشرب شيئا فشيئا، والارتغاء: شرب الرغوة وهي ما يطفو على فوق اللبن من الماء المشوب به، والمثل يضرب لمن يظهر شيئا ويريد غيره.

(4) الحز: القطع، والمدى جمع مدية وهي السكين.

(5) المائدة: 50.

(6) مريم 27 والفري: الأمر المختلق.

(7) مخطومة من الخطام وهو كل ما يوضع في أنف البعير ليقاد به، والرحل للناقة كالسرج للفرس.

(8) الأنعام / 67.

(9) الهنبثة جمعها هنابث: الأمر الشديد والاختلاط في القول.

(10) في الشعر أقواء وتروى " فاشهدهم قد انقلبوا ".

 

 

 

 

الصفحة 76   

وروى جرمي بن أبي العلا مع هذين البيتين بيتا ثالثا، وهو:

 

فليت قبلك كان الموت صادفنا لما قضيت وحالت دونك الكثب (1)

 

قال: فحمد الله أبو بكر وصلى على محمد وآله وقال: يا خير النساء، وابنة خير الأنبياء، والله ما عدوت رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عملت إلا بإذنه وإن الرائد لا يكذب أهله، وإني أشهد الله وكفى بالله شهيدا. وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: (إنا معاشر الأنبياء لا نورث ذهبا ولا فضة، ولا دارا ولا عقارا. وإنما نورث الكتاب والحكمة، والعلم والنبوة).

قال: فلما وصل الأمر إلى علي بن أبي طالب عليه السلام كلم (2) في رد فدك، فقال: إني لأستحي من الله أن أرد شيئا منع منه أبو بكر وأمضاه عمر.

وأخبرنا أبو عبد الله المرزباني، قال: حدثني علي بن هارون، قال: أخبرني عبد الله بن أحمد بن أبي طاهر عن أبيه قال: ذكرت لأبي الحسين زيد بن [ علي بن الحسين بن زيد بن ] (3) علي بن الحسين بن زيد ابن علي كلام فاطمة عليها السلام عند منع أبي بكر إياها فدك، وقلت له: إن هؤلاء يزعمون إنه مصنوع وإنه كلام أبي العيناء، لأن الكلام منسوق البلاغة فقال لي: رأيت مشائخ آل أبي طالب يروونه عن آبائهم.

ويعلمونه أولادهم، وقد حدثني به أبي عن جدي يبلغ به فاطمة عليها

____________

(1) الكثب جميع كثيب وهو من الرمل ما اجتمع.

(2) على البناء للمجهول.

(3) التصحيح بين المعقوفين عن المخطوطة والمراد به زيد الأصغر وهو من أصحاب الإمام علي بن محمد الهادي عليه السلام إذ لا يعقل تأخر زيد الشهيد من أبي العيناء انظر تهذيب التهذيب 30 / 420 وإرشاد المفيد ص 332.

الصفحة 77   

السلام على هذه الحكاية، ورواه مشائخ الشيعة وتدارسوه بينهم قبل أن يولد جد أبي العينا وقد حدث الحسين بن علوان عن عطية العوفي (1) إنه سمع عبد الله بن الحسن (2) ذكر عن أبيه هذا.

ثم قال أبو الحسين: وكيف ينكر من هذا كلام فاطمة عليها السلام وهم يروون من كلام عائشة عند موت أبيها ما هو أعجب من كلام فاطمة عليها السلام فيحققونه، لولا عداوتهم لنا أهل البيت؟

ثم ذكر الحديث بطوله على نسقه وزاد في الأبيات بعد البيتين الأولين:

 

ضاقت علي بلادي بعد ما رحبت        وسيم سبطاك خسفا فيه لي نصب (3)

فليت قبلك كان الموت صادفنا قوم تمنوا فاعطوا كلما طلبوا  

تجهمتنا رجال واستخف بنا     مذغبت عنا وكل الإرث قد غصبوا (4)

 

قال: فما رأيت يوما كان أكثر باكيا وباكية من ذلك اليوم.

____________

(1) عطية بن سعد بن جنادة العوفي الكوفي ولد في أيام علي عليه السلام من رجال الحديث، خرج مع ابن الأشعث فكتب الحجاج إلى محمد بن القاسم الثقفي:

ادع عطية فإن سب علي بن أبي طالب وإلا فاضربه أربعمائة سوط واحلق رأسه ولحيته فاستدعاه فأبي أن يسب فأمضى حكم الحجاج فيه ثم خرج إلى خراسان فلم يزل بها حتى ولى عمر بن هبيرة العراق فقدمها فلم يزل بها إلى أن توفي سنة 111 أو 127 (انظر تهذيب التهذيب 7 / 224 - 226).

(2) عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام أبو محمد تابعي من أهل المدينة أمه فاطمة بنت الحسين بن علي عليهما السلام كان من العباد وكان له شرف وعارضة وهيبة توفي في حبس المنصور وهو ابن سبعين سنة سنة 145 قبل قتل ولده محمد بأشهر انظر تهذيب التهذيب 5 / 186.

(3) الخسف: الذل والظلم والمراد الثاني، يقال سامه خسفا أي أراده عليه.

(4) تجهمتنا: استقبلتنا بوجه كريه.

الصفحة 78   

وقد روي هذا الكلام على هذا الوجه من طرق مختلفة ووجوه كثيرة، فمن أرادها أخذها من مواضعها فقط طولنا بذكرنا ما ذكرناه منها لحاجة مست إليه فكيف يدعى أنها كفت راضية، وأمسكت قانعة لولا البهت وقلة الحياء.

فأما قوله: (إنه يجوز أن يبين أنه لا حق في ميراثه لورثته لغير الورثة ولا يمتنع أن يرد من جهة الآحاد لأنه من باب العمل) فكل هذا بناء منه على أصوله الفاسدة في أن خبر الواحد حجة في الشرع وأن العمل به وجب، ودون صحة ذلك خرط القتاد.

وإنما يجوز أن يبين من جهة دون جهة إذا تساويا في الحجة ووقوع العلم. فأما مع تباينهما فلا يجوز التخيير فيهما وإذا كان ورثة النبي صلى الله عليه وآله متعبدين بأن لا يرثوه فلا بد من إزاحة علتهم في هذه العبادة بأن يوقفهم على الحكم بعينه، ويشافههم به أو بأن يلقيه إلى من تقوم الحجة عليهم بنقله، وكل ذلك لم يكن.

فأما قوله: (تجوزون صدقه في الرواية أم لا تجوزون ذلك) فالجواب إنا لا نجوزه، لأن كتاب الله أصدق منه وهو يدفع روايته ويبطلها.

فأما اعتراضه على قولنا: إن إطلاق الميراث لا يكون إلا في الأموال بقوله تعالى: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا) (1) وقولهم:

" ما ورثت الأبناء من الآباء شيئا أفضل من أدب حسن " وقولهم: " العلماء ورثة الأنبياء " فعجيب لأن كل ما ذكر مقيد غير مطلق، وإنما قلنا: إن مطلق لفظ الميراث من غير قرينة ولا تقييد يفيد بظاهره ميراث الأموال

____________

(1) فاطر / 32.

الصفحة 79   

فبعد ما ذكره وعارض به لا يخفى على متأمل.

فأما استدلاله على أن سليمان ورث داود علمه دون ماله بقوله: (يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شئ إن هذا لهو الفضل المبين) (1) وإنما المراد أنه ورث العلم والفضل، وإلا لم يكن لهذا القول تعلق بالأول، فليس بشئ يعول عليه لأنه لا يمتنع أن يريد أنه ورث المال بالظاهر والعلم بهذا المعنى من الاستدلال فليس يجب إذ دلتنا الدلالة في بعض الألفاظ على معنى المجاز أن نقتصر بها عليه، بل يجب أن نحملها على الحقيقة التي هي الأصل إذا لم يمنع من ذلك مانع، على أنه لا يمتنع أن يريد ميراث المال خاصة ثم يقول: إنا مع ذلك علمنا منطق الطير، ويشير بالفضل المبين إلى العلم والمال جميعا فله بالأمرين جميعا فضل على من لم يكن عليهما وقوله: (وأوتينا من كل شئ) يحتمل المال كما يحتمل العلم فليس بخالص ما ظنه.

فأما قوله في قصة زكريا (إنه خاف على العلم أن يندرس لأن الأنبياء لا تحرص (2) على الأموال، وإنما خاف أن يضيع العلم، فسأل الله تعالى وليا يقوم بالدين مقامه) فقد بينا أن الأنبياء عليهم السلام وإن كانوا لا يحرصون على الأموال ولا يبخلون بها، فإنهم يجتهدون في منع المفسدين من الاستعانة بها على الفساد، ولا يعد ذلك حرصا، ولا بخلا، بل فضلا ودينا، وليس يجوز من زكريا أن يخاف على العلم أن يندرس ويضيع (3) لأنه يعلم أن حكمة الله تعالى تقتضي حفظ العلم الذي هو

____________

(1) النمل / 16.

(2) ش " لا يحرصون ".

(3) شس " يخاف على العلم الاندراس والضياع ".

الصفحة 80   

الحجة على العباد، وبه تنزاح علتهم في مصالحهم، فكيف يخاف ما لا يخاف من مثله.

فإن قيل: فهبوا أن الأمر على ما ذكرتم من أن زكريا كان يأمن على العلم أن يندرس، أليس لا بد أن يكون مجوزا لأن يحفظه الله تعالى بمن هو من أهله وأقاربه كما يجوز أن يحفظه بغريب أجنبي؟ فما أنكرتم أن يكون خوفه من بني عمه أن لا يتعلموا العلم. ولا يقوموا فيه مقامه.

 

فسأل الله تعالى ولدا يجمع فيه هذه العلوم حتى لا يخرج العلم عن بيته.

ويتعدى إلى غير قومه، فيلحقه بذلك وصمة.

قلنا: أما إذا رتب السؤال هذا الترتيب فالجواب عنه ما أجبنا به صاحب الكتاب، وهو أن الخوف الذي أشاروا إليه ليس من ضرر ديني وإنما هو من ضرر دنيوي والأنبياء عليهم السلام إنما بعثوا لتحمل المضار الدنيوية ومنازلهم في الثواب إنما زادت على كل المنازل لهذا الوجه، ومن كانت حاله هذه الحال فالظاهر من خوفه إذا لم يعلم وجهه بعينه أن يكون محمولا على مضار الدين، لأنها هي جهة خوفهم. والغرض في بعثتهم تحمل ما سواها من المضار، فإذا قال النبي صلى الله عليه وآله: أنا خائف ولم يعلم جهة خوفه على التفصيل، يجب أن يصرف خوفه بالظاهر إلى مضار الدين دون الدنيا، لأن أحوالهم وبعثهم تقتضي ذلك. فإذا كنا لو اعتدنا من بعضنا الزهد في الدنيا وأسبابها والتعفف عن منافعها. والرغبة في الآخرة والتفرد بالعمل لها لكنا نحمل ما يظهر لنا من خوفه الذي لا يعلم وجهه بعينه على ما هو أشبه وأليق بحاله، ونضيفه إلى الآخرة دون الدنيا، وإذا كان هذا واجبا فيمن ذكرناه فهو الأنبياء عليهم السلام أوجب.

فأما قوله متعلقا في أن الميراث محمول على العلم بقوله: (ويرث

الصفحة 81   

من آل يعقوب): (لأنه لا يرث أموال يعقوب في الحقيقة، وإنما يرث ذلك غيره) فبعيد من الصواب لأن ولد زكريا يرث بالقرابة من آل يعقوب أموالهم، على أنه لم يقل: يرث آل يعقوب، بل قال: يرث من آل يعقوب، منبها بذلك على أنه يرث من كان أحق بميراثه بالقرابة.

فأما طعنه على من تأول الخبر بأنه عليه السلام لا يورث ما تركه للصدقة بقوله: (إن أحدا من الصحابة لم يتأوله على هذا الوجه) فهذا التأويل الذي ذكرناه أحد ما قاله أصحابنا في هذا الخبر فمن أين له إجماع الصحابة على خلافه؟ وإن أحدا لم يتأوله على هذا الوجه.

فإن قال: (لو كان ذلك لظهر وانتشر، ولوقف أبو بكر عليه) فقد مضى من الكلام فيما يمنع من الموافقة على هذا المعنى ما فيه كفاية، وقوله (إنه لا يكون في ذلك تخصيص للأنبياء ولا مزية) ليس بصحيح.

وقد قيل في الجواب عن هذا: إنه صلى الله عليه وآله يجوز أن يريد أن ما تنوى فيه الصدقة وتفرده لها من غير أن تخرجه عن أيدينا لا يناله ورثتنا وهذا تخصيص لهم ومزية ظاهرة.

فأما قوله: (إن قوله: " ما تركناه صدقة " جملة من الكلام مستقلة فلا وجه لأن يجعل من تمام الكلام الأول) فكلام في غير موضعه لأنها إنما تكون مستقلة بنفسها إذا كانت لفظة " ما " مبتدأ مرفوعة ولم تكن منصوبة بوقوع الفعل عليها وكانت لفظة " صدقة " أيضا مرفوعة غير منصوبة وفي هذا وقع النزاع فكيف يدعي أنها جملة مستقلة بنفسها ونحن نخالف في الإعراب الذي لا يصح استقلالها بنفسها إلا مع تغيره وأقوى ما ذكروه ما نقوله (1) أن الرواية جاءت في لفظة الصدقة بالرفع وعلى ما تأولتموه لا

____________

(1) ش " وأقوى ما يمكن أن نذكره أن نقول ".

الصفحة 82   

يكون إلا منصوبة.

والجواب عن ذلك أنا لا نسلم الرواية بالرفع، ولم تجر عادة الرواة بضبط ما جرى هذا المجرى من الإعراب والاشتباه يقع في مثله، فمن حقق منهم وصرح أن الرواية بالرفع يجوز أن يكون اشتبه عليه فظنها مرفوعة وهي منصوبة.

فأما حكايته عن أبي علي أن أبا بكر لم يدفع إلى أمير المؤمنين عليه السلام السيف والبغلة والعمامة على سبيل الإرث وقوله: (وكيف يجوز ذلك مع الخبر الذي رواه وكيف خصصه بذلك دون العلم الذي هو العصبة) (1) فما نراه زاد على التعجب ومما عجب منه عجبنا ولم يثبت عصمة أبي بكر فننفي عن أفعاله التناقض.

وقوله: (يجوز أن يكون [ النبي صلى الله عليه وآله نحله إياه فتركه أبو بكر ] (2) في يده لما فيه من تقوية الدين وتصدق ببدله) فكل ما ذكره جائز إلا أنه قد كان يجب أن يظهر أسباب النحلة والشهادة بها والحجة عليها، ولم يظهر من ذلك شئ فنعرفه.

ومن العجائب أن تدعي فاطمة عليها السلام فدك نحلة وتستشهد على قولها أمير المؤمنين عليه السلام وغيره فلا يصغى إليها وإلى قولها، ويترك السيف والبغلة والعمامة في يد أمير المؤمنين عليه السلام على سبيل النحلة بغير بينة ظهرت، ولا شهادة قامت، على أنه كان يجب على أبي بكر أن يبين ذلك، ويذكر وجهه بعينه أي شئ كان لما نازع العباس

____________

(1) المغني 20 ق 1 / 331.

(2) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل وأعدناه من " شرح نهج البلاغة ".

الصفحة 83   

فيه، فلا وقت لذكر الوجه في ذلك أولى من هذا الوقت (1) والقول في البردة والقضيب إن كان نحلة أو على الوجه الآخر (2) يجري مجرى ما ذكرناه من وجوب الظهور والاستشهاد، ولسنا نرى أصحابنا - أي المعتزلة - (3) يطالبون خصومهم (4) في هذه المواضع بما يطالبونا بمثله إذا ادعينا وجوها وأسبابا وعللا مجوزة، لأنهم لا يقنعون منا بما يجوز ويمكن بل يوجبون فيما ندعيه الظهور والاستشهاد، وإذا كان هذا عليهم نسوه أو تناسوه.

فأما قوله: (إن أزواج النبي صلى الله عليه وآله إنما طلبن الميراث لأنهن لم يعرفن رواية أبي بكر للخبر وكذلك إنما نازع العباس أمير المؤمنين عليه السلام بعد موت فاطمة عليها السلام في الميراث لهذا الوجه) فمن أقبح ما يقال في هذا الباب وأبعده من الصواب، وكيف لا يعرف أمير المؤمنين عليه السلام رواية أبي بكر وبها دفعت زوجته عن الميراث؟

وهل مثل ذلك المقام الذي قامته، وما رواه أبو بكر في دفعها يخفى على من هو في أقاصي البلاد فضلا عمن هو في المدينة حاضر شاهد يعنى

____________

(1) أنكر ابن أبي الحديد أن يكون النزاع بين العباس وعلي عليه السلام في البغلة والعمامة ونحوهما وقع في أيام أبي بكر وإنما كان النزاع في أيام عمر (انظر شرح النهج 16 / 261).

(2) النحلة: العطية، والمراد بالوجه الآخر - على ما يراه أبو علي - أن يكون أبو بكر رأى الصلاح في ذلك أن يكون بيده لما فيه من تقوية الدين، كما مر ذلك في كلام القاضي.

(3) الجملة بين الخطين ساقطة من " الشافي " وأعدناها من " شرح نهج البلاغة " ومعنى كلام المرتضى أصحابنا وهو يقصد المعتزلة من قبيل (قال له صاحبه وهو يحاوره) لأن العادة أن المؤلف إذا قال " أصحابنا " فإنه يقصد أصحابه في المذهب والاعتقاد.

(4) شس " نفوسهم " وهي أوجه مما في المتن.

الصفحة 84   

بالأخبار ويراعيها، إن هذا الخروج في المكابرة عن الحد، وكيف يخفى على الأزواج ذلك حتى يطلبنه مرة بعد أخرى، ويكون عثمان المترسل (1) لهن والمطالب عنهن، وعثمان على زعمهم أحد من شهد أن النبي صلى الله عليه وآله لا يورث، وقد سمعن على كل حال أن بنت النبي صلى الله عليه وآله لم تورث ماله، ولا بد أن يكن قد سألن عن السبب في دفعها فذكر لهن الخبر، فكيف يقال: إنهن لم يعرفنه والإكثار في هذا الموضع يوهم أنه موضع شبهة وليس كذلك.

فإن قيل: إذا كان أبو بكر قد حكم بخطأ في دفع فاطمة عليها السلام عن الميراث، واحتج بخبر لا حجة فيه، فما بال الأمة أقرته على هذا الحكم، ولم تنكر عليه وفي رضاها وإمساكها دليل على صوابه.

قلنا: قد مضى أن ترك النكير لا يكون دليل الرضا إلا في الموضع الذي لا يكون له وجه سوى الرضا، وبينا في الكلام على إمامة أبي بكر هذا الموضع بيانا شافيا وقد أجاب أبو عثمان الجاحظ في كتاب " العباسية " عن هذا السؤال جوابا جيد (2) المعنى واللفظ، نحن نذكره على وجهه لنقابل بينه وبين كلامه في " العثمانية " وغيرها.

قال: " وقد زعم ناس أن الدليل على صدق خبرهما يعني أبا بكر وعمر في منع الميراث، وبراءة ساحتهما ترك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله النكير عليهما ".

ثم قال: " فيقال لهم: لئن كان ترك النكير دليلا على صدقهما ليكونن ترك النكير على المتظلمين منهما، والمحتجين عليهما، والمطالبين لهما، دليلا على صدق دعواهم، واستحسان مقالتهم، ولا سيما وقد

____________

(1) ش " الرسول ".

(2) ش " حسن المعنى ".

الصفحة 85   

طالت المحاجات (1) وكثرت المراجعة والملاحاة، وظهرت الشكية، واشتدت الموجدة، وقد بلغ ذلك من فاطمة عليها السلام حتى أنها أوصت أن لا يصلي عليها أبو بكر، ولقد كانت قالت له حين أتته طالبة بحقها، ومحتجة برهطها: (من يرثك يا أبا بكر إن مت؟) قال: أهلي وولدي، قالت: (فما بالنا لا نرث النبي صلى الله عليه وآله؟) فلما منعها ميراثها وبخسها حقها. واعتل عليها، وجلح (2) في أمرها وعاينت التهضم وآيست من النزوع (3) ووجدت مس الضعف، وقلة الناصر، قالت: (والله لأدعون الله عليك) قال: والله لأدعون الله لك، قالت (والله لا أكلمك أبدا) قال: والله لا أهجرك أبدا فإن يكن ترك النكير منهم على أبي بكر دليلا على صواب منعه، إن كان في ترك النكير على فاطمة عليها السلام دليلا على الصواب طلبها، وأدنى ما كان يجب عليهم في ذلك تعريفها ما جهلت، وتذكيرها ما نسيت، وصرفها عن الخطأ، ورفع قدرها على البذاء، وأن تقول هجرا (4) وتجور عادلا (5) أو تقطع واصلا، فإذا لم نجدهم أنكروا على الخصمين جميعا فقد تكافأت الأمور، واستوت الأسباب، والرجوع إلى أصل حكم الله في المواريث أولى بنا وبكم، وأوجب علينا وعليكم ثم قال: (6) " فإن قالوا: كيف نظن بأبي بكر (7) ظلمها، والتعدي عليها، وكلما ازدادت فاطمة عليها السلام عليه غلظة ازداد لها لينا ورقة، حيث تقول: (والله لا أكلمك

____________

(1) ش " والمناجاة " وكذلك في ع.

(2) جلح: جاهر.

(3) التهضم: الظلم، والنزع: الرجوع، وفي ش " التورع ".

(4) البذاء: الفحش، والهجر - بضم الهاء - القبيح من الكلام.

(5) تجور عادلا: تجعله جائرا.

(6) أي الجاحظ.

(7) ش " تظن به ".

الصفحة 86   

أبدا) فيقول: والله لا أهجرك أبدا، ثم تقول: (والله لأدعون الله عليك) فيقول: والله لأدعون الله لك، ثم يحتمل هذا الكلام الغليظ، والقول الشديد في دار الخلافة، وبحضرة قريش والصحابة مع حاجة الخلافة إلى البهاء والرفعة وما يجب لها من التنزيه والهيبة، ثم لم يمنعه ذلك أن قال متعذرا أو متقربا كلام المعظم لحقها المكبر لمقامها والصائن لوجهها، والمتحنن عليها، ما أحد أعز علي منك (1) فقرا ولا أحب إلي منك غنى، ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: (إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا فهو صدقة) قيل لهم: ليس ذلك بدليل على البراءة من الظلم، والسلامة من العمد، وقد يبلغ من مكر الظالم، ودهاء الماكر، إذا كان أديبا، وللخصومة معتادا، أن يظهر كلام المظلوم، وذلة المنتصف، وحدب الوامق، ومقة المحق، (2) وكيف جعلتم ترك النكير حجة قاطعة، ودلالة واضحة، وقد زعمتم أن عمر قال على منبره " متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله متعة النساء ومتعة الحج أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما " فما وجدتم أحدا أنكر قوله، ولا استشنع مخرج نهيه، ولا خطأه في معناه، ولا تعجب منه، ولا استفهمه؟ وكيف تقضون في معناه بترك النكير، وقد شهد عمر يوم السقيفة وبعد ذلك، أن النبي صلى الله عليه وآله قال: (الأئمة من قريش) ثم قال في شكاته: لو كان سالم (3) حيا، ما يخالجني فيه شك "

____________

(1) عز عليه كذا أي عظم.

(2) المراد بالحدب هنا العطف، والوامق: المحب، والمقة: الحب والفاعل وامق.

(3) سالم بن معقل مولى أبي حذيفة من أهل فارس من كبار الصحابة معدود في المهاجرين وكان يؤم المهاجرين بقبا وفيهم أبو بكر وعمر قال ابن عبد البر " وكان عمر يفرط في الثناء عليه " استشهد يوم اليمامة سنة 12 (انظر الاستيعاب 4 / 70 والإصابة حرف السين ق 1) والشكاة: المرض، ويريد لما طعن.

الصفحة 87   

حيث أظهر الشك في استحقاق كل واحد من الستة الذين جعلهم شورى، وسالم عبد لامرأة من الأنصار وهي أعتقته، وحازت ميراثه، ثم لم ينكر ذلك من قوله منكر، ولا قابل إنسان بين خبريه، ولا تعجب منه، وإنما يكون ترك النكير على من لا رغبة له ولا رهبة عنده، دليلا على صدق قوله، وصواب عمله، فأما ترك النكير على من يملك الضعة والرفعة، والأمر والنهي، والقتل والاستحياء (1) والحبس والاطلاق، فليس بحجة تقي (2) ولا دلالة تضي قال: وقال آخرون: بل الدليل على صدق قولهما، وصواب عملهما، إمساك الصحابة عن خلعهما، والخروج عليهما، وهم الذين وثبوا على عثمان في أيسر من جحد التنزيل، ورد المنصوص (3)، ولو كانا كما يقولون وما يصفون ما كان سبيل الأمة فيهما إلا كسبيلهم فيه وعثمان كان أعز نفرا، وأشرف رهطا، وأكثر عددا وثروة، وأقوى عدة.

قلنا: إنهما لم يجحدا التنزيل، ولم ينكرا المنصوص (4)، ولكنهما بعد إقرارهما بحكم الميراث وما عليه الظاهر من الشريعة ادعيا رواية، وتحدثا بحديث لم يكن بمحال كونه، ولا يمتنع في حجج العقول مجيئه، وشهد لهما عليه من علته مثل علتهما فيه ولعل بعضهم كان يرى التصديق للرجل إذا كان عدلا في رهطه، مأمونا في ظاهره، ولم يكن قبل ذلك عرفه بفجره (5).

____________

(1) الاستحياء: الابقاء.

(2) ش " تشفى ".

(3) ش " النصوص ".

(4) ش " النصوص ".

(5) الفجرة: الانبعاث في المعاصي والفجور.

الصفحة 88   

ولا جرت عليه غدره، فيكون تصديقه له على جهة حسن الظن، وتعديل الشاهد، ولأنه لم يكن كثير منهم يعرف حقائق الحجج، والذي يقطع بشهادته على الغيب (1) وكان ذلك شبهة على أكثرهم، فلذلك قل النكير.

وتواكل الناس، واشتبه الأمر، فصار لا يتخلص إلى معرفة حق ذلك من باطله إلا العالم المتقدم، والمؤيد المسترشد، ولأنه لم يكن لعثمان في صدور العوام، وفي قلوب السفلة والطغام (2) ما كان لهما من الهيبة والمحبة، ولأنهما كانا أقل استئثارا بالفئ، وأقل تفكها (3) بما الله منه، ومن شأن الناس إهمال السلطان (4) ما وفر عليهم أموالهم، ولم يستأثر بخراجهم، ولم يعطل ثغورهم، ولأن الذي صنع أبو بكر من منع العترة حظها (5) والعمومة ميراثها، قد كان موافقا لجلة قريش (6) وكبراء العرب، ولأن عثمان أيضا كان مضعوفا في نفسه، مستخفا بقدره، لا يمنع ضيما، ولا يقمع عدوا، ولقد وثب ناس على عثمان بالشتم والقذف والتشنيع والنكير لأمور لو أتى عمر أضعافها وبلغ أقصاها لما اجترأوا على اغتيابه، فضلا من مبادأته، والإغراء به ومواجهته، كما أغلظ عيينة بن حصن (7) له فقال له: أما إنه لو كان عمر لقمعك ومنعك، فقال عيينة: عمر كان

____________

(1) المغيب، خ ل.

(2) الطغام - بفتح الطاء المهملة -: الأوغاد والأدنياء من الناس، الواحد والجمع فيه سواء.

(3) المراد بإهمال السلطان: ترك التعرض، والسكوت عنه.

(4) ش " تفضلا بمال الله ".

(5) ش " حقها ".

(6) جلة قريش: عظماؤها.

(7) عيينة بن حصن الفزاري يكنى أبا مالك أسلم قبل الفتح وشهد الفتح مسلما وشهد حنينا والطائف وكان من المؤلفة قلوبهم ومن الأعراب الجفاة، وكان ممن ارتد وتبع طليحة الأسدي وقاتل معه فأخذ أسيرا وحمل إلى أبي بكر فأطلقه (انظر ترجمته في أسد الغابة 4 / 167).

الصفحة 89   

خيرا لي منك وهبني فاتقاني (1) ".

ثم قال: " والعجب إنا وجدنا جميع من خالفنا في الميراث على اختلافهم في التشبيه والقدر والوعيد يرد كل صنف منهم من أحاديث مخالفيه وخصومه ما هو أقرب إسنادا، وأصح (2) رجالا، وأحسن اتصالا، حتى إذا صاروا إلى القول في ميراث النبي صلى الله عليه وآله نسخوا الكتاب وخصوا الخبر العام بما لا يداني بعض ما رووه وأكذبوا ناقليه، وذلك أن كل إنسان منهم إنما يجري إلى هواه ويصدق ما وافق رضاه " مضى ما أردنا حكايته من كلام الجاحظ (3) فإن قيل: ليس ما عارض به الجاحظ من الاستدلال بترك النكير، وقوله: كما لم ينكروا على أبي بكر فلم ينكروا أيضا على فاطمة عليها السلام ولا على غيرها من المطالبين بالميراث كالأزواج وغير هن معارضة صحيحة وذلك أن نكير أبي بكر لذلك، ودفعه والاحتجاج عليه يكفيهم ويغنيهم عن تكلف نكير آخر، ولم ينكر على أبي بكر ما رواه منكر فيستغنوا بإنكاره.

قلنا: أول ما يبطل هذا السؤال أن أبا بكر لم ينكر عليها ما أقامت عليه بعد احتجاجها بالخبر من التظلم والتألم والتعنيف والتبكيت (4) وقولها - على ما روي -: لأدعون الله عليك ولا كلمتك أبدا، وما جرى هذا المجرى فقد كان يجب أن ينكره غيره فمن المنكر الغضب على المنصف

____________

(1) ش " أرهبني فاتقاني ".

(2) في ش وع " وأوضح ".

(3) ش " هذا آخر كلام الجاحظ ".

(4) التبكيت: التقريع والتعنيف، وفي الأصل " التنكيب " وهو الميل والإعراض وآثرنا المنقول في " شرح نهج البلاغة ".

الصفحة 90   

وبعد فإن كان إنكار أبي بكر مقنعا أو مغنيا عن إنكار غيره من المسلمين.

فإنكار فاطمة عليها السلام حكمة، ومقامها على التظلم منه يعني عن نكير غيرها، وهذا واضح لمن أنصف من نفسه.

قال صاحب الكتاب: (شبهة لهم أخرى، وأحد ما طعنوا به وعظموا القول فيه أمر فدك (1) قالوا: قد روي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: " لما نزلت (وآت ذا القربى حقه) (2) أعطى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة عليها السلام فدك، ثم فعل عمر بن عبد العزيز مثل ذلك ورده (3) على ولدها، قالوا: ولا شك أن أبا بكر أغضبها، إن لم يصح كل الذي روي في هذا الباب، وقد كان الأجمل أن يمنعهم التكرم مما ارتكبوا (4) فضلا عن الدين، ثم ذكروا أنها استشهدت أمير المؤمنين عليه السلام وأم أيمن فلم تقبل شهادتهما، هذا مع تركه أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حجرهن ولم يجعلها صدقة، وصدقهن في أن ذلك لهن ولم يصدقها).

ثم قال: (الجواب عن ذلك أن أكثر ما يروون في هذا الباب غير صحيح، ولسنا ننكر صحة ما روي من ادعائها فدك فأما إنه كان في يدها فغير مسلم بل لو كانت في يدها لكان الظاهر أنه لها، فإذا كان في جملة التركة فالظاهر أنه ميراث، وإذا كان كذلك فغير جائز لأبي بكر قبول دعواها لأنه لا خلاف أن العمل على الدعوى لا يجوز، وإنما يعمل

____________

(1) ش " ما عظمت الشيعة القول في أمر فدك " علما بأن أول هذه الشبهة ساقط من " المغني ".

(2) الاسراء / 26.

(3) ش " وردها " والضمير لفدك.

(4) ش " ارتكبوا منها ".

الصفحة 91   

على (1) ذلك متى علم (2) صحته بمشاهدة أو ما يجري مجراها، أو حصل بينة أو إقرار) ثم ذكر (إن البينة لا بد منها وإن أمير المؤمنين عليه السلام لما خاصمه اليهودي حاكمه (3) وإن أم سلمة التي يطبق على فضلها لو ادعت نحلا لما قبلت دعواها).

ثم قال: (لو كان أمير المؤمنين عليه السلام هو الإمام (4) بعده ولم يعلم صحة هذه الدعوى ما الذي كان يجب أن يعمل؟

فإن قلتم: (يقبل الدعوى فالشرع بخلاف ذلك، وإن قلتم:

يلتمس بينة فهو الذي فعله أبو بكر) ثم تشاغل بالكلام على من تعلق بأن أبا بكر قضى دين رسول الله صلى الله عليه وآله، وذلك مما لا حجة فيه ولا تعلق لنا به.

ثم قال: (وأما قوله: رجل مع رجل وامرأة مع امرأة، فهو الذي يوجبه الدين ولم يثبت أن الشاهد في ذلك كان أمير المؤمنين عليه السلام، بل الرواية المنقولة أنه شهد لها عليها السلام مولى رسول الله مع أم أيمن، وليس لأحد أن يقول: فلماذا ادعت ذلك ولا بينة معها، لأنه لا يمتنع أن تجوز أن يحكم أبو بكر بالشاهد واليمين، وتجوز عند شهادة من شهد لها أن يتذكر غيره فيشهد، وهذا هو الواجب على ملتمس الحق فلا

____________

(1) ش " على مثل ذلك ".

(2) ش " علمت ".

(3) في قضية الدرع المعلومة.

(4) ش " الوالي " والضمير في " بعده، للنبي صلى الله عليه وآله.

الصفحة 92   

عتب عليها في ذلك، ولا على أبي بكر في التماس البينة، وإن لم يحكم لما لم يتم (1) ولم يكن لها هناك خصم لأن التركة صدقة على ما ذكرنا فكان لا يمكن (2) أن يعول في ذلك على يمين أو نكول فلم يكن الأمر (3) إلا ما فعله.

وقد أنكر أبو علي ما قاله السائل من أنها لما أرادت فدك وردت في دعوى النحلة ادعته إرثا وقال: كان طلب الإرث قبل ذلك فلما سمعت منه الخبر كفت ثم ادعت النحلة.

فأما فعل عمر بن عبد العزيز فلم يثبت أنه رده على سبيل النحلة، بل عمل في ذلك ما فعله عمر بن الخطاب بأن أقره في يد أمير المؤمنين عليه السلام ليصرف غلاتها في الموضع (4) الذي كان يجعلها رسول الله صلى الله عليه وآله فيه فقام بذلك مدة ثم ردها إلى عمر في آخر سنيه وكذلك فعل عمر بن عبد العزيز، ولو ثبت أنه فعل بخلاف ما فعله السلف لكان هو المحجوج بقولهم وفعلهم، وأحد ما يقوى ما ذكرناه إن الأمر لما انتهى إلى أمير المؤمنين عليه السلام ترك فدك على ما كانت (5) ولم يجعلها ميراثا لولد فاطمة عليها السلام، وهذا يبين أن الشاهد كان غيره.

لأنه لو كان هو الشاهد لكان الأقرب أن يحكم بعلمه، على أن الناس اختلفوا في الهبة إذا لم تقبض، فعند بعضهم تستحق بالتسليم، وعند بعضهم يصير وجوده كعدمه، فلا يمتنع من هذا الوجه أيضا أن يمتنع

____________

(1) ش " لم يتبين ".

(2) غ " لا ينكر ".

(3) ش " في الأمر ".

(4) غ " في المواضع التي ".

(5) غ " ترك أمر فدك على ما كان ".

الصفحة 93   

أمير المؤمنين عليه السلام من ردها، وإن صح عقد لهبته (1)، وهذا هو الظاهر لأن التسليم لو كان وقع لظهر أنه كان في يدها فكان ذلك كافيا في الاستحقاق.

فأما حجر أزواج النبي صلى الله عليه وآله فإنما تركت في أيديهن لأنها كانت لهن، ونص الكتاب يشهد بذلك. وهو قوله: (وقرن في بيوتكن) (2) وروي في الأخبار أن النبي صلى الله عليه وآله قسم ما كان له من الحجر على نسائه وبناته، ونبين صحة ذلك أنه لو كان ميراثا أو صدقة لكان أمير المؤمنين عليه السلام لما أفضى الأمر إليه لغيره، وليس لأحد أن يقول: إنما لم يغير ذلك لأن الملك قد صار إليه فتبرع به، وذلك أن الذي يحصل له ليس إلا ربع ميراث فاطمة عليها السلام، وهو الثمن من ميراث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقد كان يجب أن ينتصف لأولاد العباس وأولاد فاطمة عليها السلام منهن في باب الحجر، ويأخذ هذا الحق منهن فتركه ذلك يدل على صحة ما قلناه، وليس يمكنهم بعد ذلك إلا التعلق بالتقية التي هي مفزعهم عند لزوم الكلام، ولو علموا ما عليهم في ذلك لاشتد هربهم منه، لأنه إن جاز للأئمة التقية وحالهم في العصمة ما يقولون ليجوزن ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتجويز ذلك فيه يوجب ألا يوثق بنصه على أمير المؤمنين عليه السلام لتجويز التقية، ومتى قالوا: يعلم بالمعجز إمامته فقد أبطلوا كون النص طريقا للإمامة، والكلام مع ذلك لازم لهم بأن يقولوا (3) جوزوا مع

____________

(1) غ " وإن صح عنده عقد الهبة ".

(2) الأحزاب / 33.

(3) غ " بل يقال ".

 

 

 

 

الصفحة 94   

ظهور المعجز أن يدعي الإمامة تقية، وأن يفعل سائر ما يفعله تقية.

وكيف يوثق مع ذلك بما ينقل عن الرسول صلى الله عليه وآله وعن الأئمة؟

وهلا جاز أن يكون أمير المؤمنين عليه السلام نبيا بعد الرسول صلى الله عليه وآله وترك ادعاء ذلك تقية وخوفا فإن الشبهة (1) في ذلك أوكد من النص، لأن التعصب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في النبوة أعظم من التعصب لأبي بكر وغيره في الإمامة. فإن عولوا في ذلك على علم الاضطرار فعندهم أن الضرورة في النص على الإمامة قائمة، وإن فزعوا في ذلك إلى الإجماع، فمن قولهم: إنه لا يوثق به، ويلزمهم في الإجماع أن يجوز أن يقع على طريق التقية، لأنه لا يكون أوكد من قول الرسول صلى الله عليه وآله وقول الإمام عندهم. وبعد فقد ذكر الخلاف في ذلك كما ذكر الخلاف في أنه إله فلا يصح على شروطهم أن يتعلقوا بذلك...) (2).

يقال له: نحن نبتدئ فندل على أن فاطمة عليها السلام ما ادعت من نحلة فدك إلا ما كانت مصيبة فيه. وأن مانعها ومطالبها بالبينة متعنت عادل عن الصواب لأنها لا تحتاج إلى شهادة ولا بينة، ثم نعطف على ما ذكرناه على التفضيل فنتكلم عليه.

أما الذي يدل على ما ذكرناه (3) أنها كانت عليها السلام معصومة من

____________

(1) غ " بل الشبهة ".

(2) انظر المغني 20 ق 1 / 332 و 333.

(3) أي على أن فاطمة عليها السلام كانت مصيبة في ما ادعته.

الصفحة 95   

الغلط مأمونا منها فعل القبيح. ومن هذه صفته لا يحتاج فيما يدعيه إلى شهادة ولا بينة.

فإن قيل: دللوا على الأمرين.

قلنا: أما الذي يدل على عصمتها قوله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) (1) وقد بينا فيما سلف من هذا الكتاب أن هذه الآية تتناول جماعة منهم فاطمة عليها السلام [ بما تواترت الأخبار في ذلك ] (2) وأنها تدل على عصمة من تناولته وطهارته وأن الإرادة ها هنا دلالة (3) على وقوع الفعل المراد ولا طائل في إعادته، ويدل أيضا على عصمتها قوله عليه السلام (فاطمة بضعة مني فمن أذى فاطمة فقد آذاني من آذاني فقد آذى الله عز وجل) (4) وهذا يدل على عصمتها لأنها لو كانت ممن يقارف الذنوب لم يكن من يؤذيها مؤذيا له على كل حال بل كان فعل المستحق من ذمها وإقامة الحد [ عليها ] - إن كان الفعل يقتضيه - سارا له ومطيعا، على أنا لا نحتاج فيما نريد أن نبنيه (5) على هذا الكلام إلى القطع على عصمتها. بل يكفي في هذا الموضع العلم بصدقها فيما ادعته، وهذا لا خلاف فيه بين المسلمين، لأن أحدا لا يشك أنها عليها السلام لم تدع ما ادعته كاذبة، وليس بعد أن لا تكون كاذبة إلا أن تكون صادقة، وإنما اختلفوا في أنه هل يجب مع العلم بصدقها تسليم

____________

(1) الأحزاب / 33.

(2) التكملة من " شرح نهج البلاغة " والمعنى: بل كان من فعل بها عليها السلام ما استحقت من الذم وإقامة الحد عليها - لو صدر منها ما يستوجبه - سارا لرسول الله صلى الله عليه وآله ومطيعا له بذلك.

(3) دالة خ. ل.

(4) ش " فاطمة بضعة مني، من آذاها فقد آذاني " الخ.

(5) ش " أن ننبهه في هذا الموضع على الدلالة على عصمتها ".

الصفحة 96   

ما ادعته بغير بينة أم لا يجب ذلك: والذي يدل على الفصل الثاني (1) أن البينة إنما تراد ليغلب في الظن صدق المدعي، ألا ترى أن العدالة معتبرة في الشهادة لما كانت مؤثرة في غلبة الظن لما ذكرناه. ولهذا جاز أن يحكم الحاكم بعلمه من غير شهادة، لأن علمه أقوى من الشهادة، ولهذا كان الاقرار أقوى من البينة من حيث كان أبلغ في تأثير غلبة الظن، وإذا قدم الاقرار على الشهادة لقوة الظن عنده فأولى أن يقدم العلم على الجميع، وإذا لم يحتج مع الاقرار إلى شهادة لسقوط حكم الضعيف مع القوي فلا يحتاج أيضا مع العلم إلى ما يؤثر الظن من البينات والشهادات.

والذي يدل أيضا على صحة ما ذكرناه أنه لا خلاف بين أهل النقل في أن أعرابيا نازع النبي صلى الله عليه وآله في ناقة فقال صلى الله عليه وآله: (هذه لي وقد خرجت إليك من ثمنها) فقال الأعرابي: من يشهد لك بهذا فقام خزيمة بن ثابت فقال: أنا أشهد بذلك فقال النبي صلى الله عليه وآله: (من أين علمت أحضرت ابتياعي لها) (2) فقال: لا ولكن علمت ذلك من حيث علمت أنك رسول الله فقال النبي صلى الله عليه وآله: (قد أجزت شهادتك وجعلتها شهادتين) فسمي خزيمة بذلك ذا الشهادتين، وهذه القصة مشبهة لقصة فاطمة عليها السلام لأن خزيمة بن ثابت اكتفي في العلم بأن الناقة له عليه السلام وشهد بذلك من حيث علم أنه رسول الله صلى الله عليه وآله. ولا يقول إلا حقا وأمضى النبي صلى الله عليه وآله ذلك على هذا الوجه فلم يدفعه عن الشهادة من حيث لم يحضرا ابتياعه، فقد كان يجب على من علم أن فاطمة عليها

____________

(1) وهو من كان بهذه الصفة لا يحتاج فيما يدعي إلى بينة وأن مطالبه بها عادل عن الصواب.

(2) ش " من أين علمت وما حضرت ذلك؟ " وانظر أسد الغابة بترجمته.

الصفحة 97   

السلام لا تقول إلا حقا ألا يستظهر عليها بطلب شهادة أو بينة.

هذا وقد روي أن أبا بكر لما شهد لها أمير المؤمنين عليه السلام كتب بتسليم فدك إليها فاعترض عمر قضيته فخرق ما كتبه، روى إبراهيم بن محمد الثقفي (1) عن إبراهيم بن ميمون (2) قال حدثنا عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب (3) عن أبيه عن جده عن جد أبيه علي عليهم السلام قال جاءت فاطمة عليها السلام إلى أبي بكر وقالت: إن أبي أعطاني فدكا وعلي يشهد لي وأم أيمن (4) قال ما كنت لتقولي إلا الحق (5) نعم قد أعطيتك إياها، ودعا بصحيفة من أدم (6) فكتب لها فيها فخرجت فلقيت عمر فقال: من أين جئت يا فاطمة قالت من عند أبي بكر أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وآله أعطاني فدك وعلي يشهد وأم

____________

(1) إبراهيم بن محمد بن سعيد الثقفي الكوفي المتوفى سنة 283 صاحب كتاب " الغارات المعروف " بابن هلال الثقفي، والمظنون أن الرواية المذكورة رواها في كتاب " المعرفة " فهي بموضوعه أشبه خصوصا وأن المرتضى من رواة كتب إبراهيم المذكور كما في الفهرست للشيخ الطوسي.

(2) هو إبراهيم بن محمد بن ميمون، قال عنه الذهبي في ميزانه: " من أجلاد الشيعة " وكثيرا ما يعبر. عن رجال الشيعة بهذا التعبير فيقول إذا ذكر أحدهم " رافضي جلد، أو شيعي جلد " والجلد - بفتحتين -: الصلابة وظن بعضهم أن " أجلاد " تصحيف " أجلاء " والصحيح ما ذكرناه، وظن بعضهم أنه متحد مع إبراهيم بن ميمون الكوفي، بياع الهروي الذي عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق عليه السلام إذ من البعيد جدا أن يروي إبراهيم الثقفي المتوفى سنة 283 عن رجل كان في زمن الصادق عليه السلام.

(3) عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عليه السلام عده الطوسي من مصنفي الإمامية وقال: له كتاب (الفهرست 116).

(4) ش " وعلي وأم أيمن: يشهدان " وأم أيمن.

(5) ش " ما كنت لتقولي على أبيك إلا الحق ".

(6) الأدم: باطن الجلد، والمراد هنا جلد رقيق وهو المعروف بالرق - بفتح الراء - كانوا يكتبون به.

الصفحة 98   

أيمن فأعطانيها وكتبها لي (1) فأخذ عمر منها الكتاب، ثم رجع إلى أبي بكر فقال: أعطيت فاطمة فدك وكتبت بها لها؟ قال: نعم قال عمر: علي يجر إلى نفسه وأم أيمن امرأة، وبصق في الصحيفة ومحاها (2).

وقد روي هذا المعنى من وجوه مختلفة، من أراد الوقوف عليها واستقصاءها أخذها من مواضعها.

وليس لهم أن يقولوا: إنها أخبار آحاد لأنها وإن كانت كذلك فأقل أحوالها أن توجب الظن، وتمنع من القطع على خلاف معناها.

وليس لهم أن يقولوا: كيف يسلم إليها فدك وهو يروي عن الرسول صلى الله عليه وآله أن ما خلفه صدقة؟ وذلك أنه لا تنافي بين الأمرين لأنه إنما سلمها على ما وردت به الرواية على سبيل النحل، فلما وقعت المطالبة بالميراث روى الخبر في معنى الميراث فلا اختلاف بين الأمرين.

فأما إنكار صاحب الكتاب كون فدك في يدها عليها السلام فما رأيناه اعتمد في إنكار ذلك على حجة، بل قال: (لو كان ذلك في يدها لكان الظاهر أنها لها) والأمر على ما قال فمن أين إنها لم تخرج عن يدها على وجه يقتضي الظاهر خلافه، وقد روي من طرق مختلفة من غير طريق أبي سعيد الذي ذكره صاحب الكتاب أنه لما نزل قوله تعالى: (وآت ذا القربى حقه) (3) دعا النبي صلى الله عليه وآله فاطمة عليها السلام فأعطاها فدك وإذا كان ذلك مرويا فلا معنى لدفعه بغير حجة.

____________

(1) ش " وعلي وأم أيمن يشهدان لي فأعطانيها، وكتب لي بها ".

(2) ش " وبسق في الكتاب فمحاه وخرقه ".

(3) الاسراء / 26.

الصفحة 99   

وقوله: (لا خلاف أن العمل على الدعوى لا يجوز) صحيح، وقد بينا أن قولها عليها السلام إذا كان معلوما صحته وجب العمل به.

وبينا أنه معلوم صحته.

وأما قوله: (إنما يعمل على ذلك متى علم صحته بمشاهدة أو ما يجري مجراها (1) أو حصلت بينة أو إقرار) فيقال له: أما علم مشاهدة فلم يكن هناك، وأما بينته فقد كانت على الحقيقة، لأن شهادة أمير المؤمنين عليه السلام من أكبر البينات وأعدلها، ولكن على مذهبك أنه لم يكن هناك بينة، فمن أين زعمت أنه لم يكن هناك علم؟ وإن كان لم يكن عن مشاهدة فقد أدخلت ذلك في جملة الأقسام.

فإن قال: لأن قولها بمجرده لا يكون جهة للعلم.

قيل له: ولم قلت ذلك أوليس قد دللنا على أنها كانت معصومة، وأن الخطأ مأمون عليها، ثم لو لم يكن كذلك لكان قولها في تلك القضية معلوما صحته على كل حال، لأنها لو لم تكن مصيبة لكانت مبطلة عاصية فيما ادعته، إذ الشبهة لا تدخل في مثل ذلك، وقد أجمعت الأمة على أنها عليها السلام لم يظهر منها بعد الرسول صلى الله عليه وآله معصية بلا شك وارتياب، بل أجمعوا على أنها لم تدع إلا الصحيح. وإن اختلفوا فمن قائل يقول: مانعها مخطئ، وآخر يقول: هو أيضا مصيب لفقد البينة وأن علم صدقها.

فأما قوله: (إنه عليه السلام لو حاكم غيره لطولب بالبينة) فقد تقدم في هذا ما يكفي وقصة خزيمة بن ثابت، وقبول شهادته تبطل هذا

____________

(1) كالعلم الحاصل من الشياع والتواتر.

الصفحة 100 

الكلام.

وأما قوله: (إن أمير المؤمنين عليه السلام حاكم يهوديا على الوجه الواجب في سائر الناس) فقد روي ذلك، إلا أن أمير المؤمنين عليه السلام لم يفعل ذلك وهو واجب عليه وإنما تبرع به، واستظهر بإقامة الحجة فيه، وقد أخطأ من طالبه ببينة كائنا من كان.

فأما اعتراضه بأم سلمة فلم يثبت من عصمتها ما ثبت من عصمة فاطمة عليها السلام فلذلك احتاجت في دعواها إلى بينة.

فأما إنكاره وادعاؤه أن الشاهد في ذلك لم يثبت أنه أمير المؤمنين عليه السلام فلم يزد في ذلك على مجرد الدعوى والانكار، والأخبار مستفيضة بأنه شهد لها فدفع ذلك باقتراح (1) ولا يغني شيئا.

وقوله: (إن الشاهد لها مولى لرسول الله صلى الله عليه وآله) هو المنكر الذي ليس بمعروف.

وأما قوله: (إنها عليها لسلام جوزت أن يحكم أبو بكر بالشاهد واليمين) فطريف مع قوله فيما بعد: (إن التركة صدقة ولا خصم فيها ولا يدخل اليمين في مثلها) أفترى أن فاطمة عليها السلام لم تكن تعلم من الشريعة هذا المقدار الذي نبه صاحب الكتاب عليه! ولو لم تعلمه أما كان أمير المؤمنين عليه السلام وهو أعلم الناس بالشريعة يوقفها!.

وقوله: (إنها جوزت عند شهادة من شهد لها أن يتذكر غيرهم فليشهد) باطل لأن مثلها لا يتعرض للظنة والتهمة ويعرض قوله للرد، وقد كان يجب أن تعلم من يشهد لها ممن لا يشهد حتى تكون دعواها على

____________

(1) ح " فدفع بزيغ ".

الصفحة 101 

الوجه الذي يجب معه القبول والامضاء، ومن هو دونها في الرتبة والجلالة والصيانة من أفناء الناس لا يتعرض لمثل هذه الخطة ويتورطها للتجويز الذي لا أصل له، ولا إمارة عليه.

فأما إنكار أبي علي لأن يكون ادعاء النحل قبل ادعاء الميراث وعكسه الأمر فيه، فأول ما فيه أنا لا نعرف له غرضا صحيحا في إنكار ذلك لأن كون أحد الأمرين قبل الآخر لا يصحح له مذهبا، ولا يفسد على مخالفيه مذهبا.

ثم إن الأمر في أن الكلام في النحل كان المتقدم ظاهرا، والروايات كلها به واردة، وكيف يجوز أن يبتدئ بالميراث فيما تدعيه بعينه نحلا؟

أوليس هذا يوجب أن يكون قد طالبت بحقها من وجه لا تستحقه منه مع الاختيار! وكيف يجوز ذلك والميراث يشركها فيه غيرها (1) والنحل تنفرد به؟ ولا ينقلب مثل ذلك علينا من حيث طالبت بالميراث بعد النحل لأنها في الابتداء طالبت بالنحل وهو الوجه الذي تستحق منه فدك، فلما دفعت عنه طالبت ضرورة بالميراث لأن للمدفوع عن حقه أن يتوصل إلى تناوله بكل وجه وسبب، وهذا بخلاف ما قاله أبو علي لأنه أضاف إليها عليها السلام ادعاء الحق من وجه لا تستحقه منه، وهي مختارة.

فأما إنكاره أن يكون عمر بن عبد العزيز رد فدك على وجه النحل، ثم ادعاؤه أنه فعل في ذلك مثل ما فعله عمر بن الخطاب من إقرارها في يد أمير المؤمنين عليه السلام ليصرف غلاتها في جهاتها، فأول ما فيه أنا لا نحتج عليه بفعل عمر بن عبد العزيز على أي وجه وقع، لأن فعله ليس

____________

(1) يقصد أزواج النبي صلى الله عليه وآله لا غير لأنه لا يقول بالتعصيب، أو من باب الالزام.

الصفحة 102 

بحجة، ولو أردنا الاحتجاج بهذا الجنس من الحجج لذكرنا فعل المأمون.

فإنه رد فدك بعد أن جلس مجلسا مشهورا حكم فيه بين خصمين نصبهما أحدهما لفاطمة عليها السلام والآخر لأبي بكر وردها بعد قيام الحجة.

ووضوح الأمر (1) ومع ذلك فإنه أنكر من فعل عمر بن عبد العزيز ما هو معروف مشهور بلا خلاف بين أهل النقل فيه.

وقد روى محمد بن زكريا الغلابي (2) عن شيوخه عن أبي المقدام هشام بن زياد مولى آل عثمان (3) قال لما ولي عمر بن عبد العزيز فرد فدك على ولد فاطمة عليها السلام وكتب إلى واليه على المدينة أبي بكر بن عمر

____________

(1) نقل ابن أبي الحديد في شرح النهج 16 / 217، من كتاب أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في السقيفة وفدك، بسنده عن مهدي بن سابق، قال: " جلس المأمون للمظالم، فأول رقعة وقعت في يده نظر فيها وبكى، وقال للذي على رأسه: ناد أين وكيل فاطمة؟ فقام شيخ عليه دراعة وعمامة وخف تعزي (نسبة إلى تعز في اليمن) فتقدم فجعل يناظره في فدك والمأموم يحتج عليه، وهو يحتج على المأمون ثم أمر أن يسجل لهم بها، فكتب السجل وقرئ عليه، فأنفذه، فقام دعبل إلى المأمون فأنشده الأبيات التي أولها:

 

أصبح وجه الزمان قد ضحكا    برد مأمون هاشم فدكا

 

فلم تزل في أيديهم حتى كان في أيام المتوكل فاقطعها عبد الله بن عمر البازيار وكانت فيها إحدى عشرة نخلة غرسها رسول الله صلى الله عليه وآله بيده، فكانوا بنو فاطمة، يأخذون ثمرها، فإذا قدم الحجاج أهدوا إليهم من ذلك التمر فيصلونهم، فيصير إليهم من ذلك مال جزيل جسيم، فصرم عبد الله بن عمر البازيار ذلك التمر، وجه رجلا يقال له بشر بن أبي أمية الثقفي إلى المدينة فصرمه ثم عاد إلى البصرة ففلج ".

(2) محمد بن زكريا الغلابي مولى بني غلاب إخباري إمامي من أهل البصرة من كتبه الأجواد " و " أخبار فاطمة ومنشئها ومولدها " و " كتاب صفين " توفي سنة 298 (انظر الأعلام 6 / 364).

(3) أبو المقدام هشام بن زياد بن أبي يزيد القرشي مولى عثمان، (تهذيب التهذيب 11 / 38).

الصفحة 103 

ابن حزم (1) يأمره بذلك فكتب إليه إن فاطمة عليها السلام قد ولدت في آل عثمان وآل فلان وآل فلان (2) فكتب إليه، أما بعد فإني لو كنت كتبت إليك آمرك أن تذبح شاة لسألتني جماء أو قرناء (3)، أو كتبت إليك أن تذبح بقرة لسألتني ما لونها، فإذا ورد عليك كتابي هذا فاقسمها بين ولد فاطمة من علي، والسلام.

قال أبو المقدام: فنقمت بنو أمية ذلك على عمر بن عبد العزيز وعاتبوه فيه، وقالوا له: هجنت (4) فعل الشيخين وخرج إليه عمرو بن عبس (5)، في جماعة من أهل الكوفة فلما عاتبوه على فعله، قال: أنكم جهلتم وعلمت، ونسيتم وذكرت، إن أبا بكر محمد بن عمرو بن حزم حدثني عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: (فاطمة بضعة مني يسخطني ما يسخطها ويرضيني ما يرضيها) (6) وإن فدك كانت صافية (7) على عهد أبي بكر وعمر ثم صار أمرها إلى مروان فوهبها لأبي عبد العزيز فورثتها أنا وإخواني، فسألتهم أن يبيعوني حصتهم منها فمنهم من

____________

(1) الصحيح كما في الجرح والتعديل للرازي 9 / 227: أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وهو قاضي المدينة وقد ولاه عمر بن عبد العزيز عليها ولم يكن على المدينة أنصاري أميرا غيره.

(2) في مروج الذهب 3 / 194 " إن عليا قد ولد له في عدة قبائل من قريش " وفيه " فاقسم في ولد علي من فاطمة ".

(3) الجماء: الملساء، والقرناء: ذات القرن.

(4) تهجين الأمر: تقبيحه.

(5) ح " عمر بن قيس " وهو الأظهر انظر لسان الميزان 4 / 374.

(6) هذا الحديث رواه أصحاب الحديث كافة مع اختلاف في اللفظ واتفاق في المعنى وسبب الاختلاف في اللفظ أن رسول الله صلى الله عليه وآله قاله في مواطن عديدة وأزمان مختلفة.

(7) صافية: المعروف " صفية " والجمع صفايا وهي ما يصطفيه الرئيس لنفسه من المغنم.

الصفحة 104 

باعني، ومنهم من وهب لي، حتى استجمعتها فرأيت أن أردها على ولد فاطمة عليها السلام، فقالوا: إن أبيت إلا هذا فأمسك الأصل، وأقسم الغلة ففعل.

فأما ما ذكره من ترك أمير المؤمنين عليه السلام فدك لما أفضى الأمر إليه، واستدلاله بذلك على أنه لم يكن الشاهد فيها، فالوجه في تركه عليه السلام رد فدك هو الوجه في إقراره أحكام القوم، وكفه عن نقضها وتغييرها، وقد بيناه في هذا الكتاب مجملا ومفصلا، وذكرنا أنه عليه السلام كان في انتهاء الأمر إليه في بقية من التقية قوية.

فأما استدلاله على أن حجر أزواج النبي صلى الله عليه وآله كانت لهن بقوله عز وجل: (وقرن في بيوتكن) (1) فمن عجيب الاستدلال، لأن هذه الإضافة لا تقتضي الملك. بل العادة جارية فيه بأنها تستعمل من جهة السكنى، ولهذا يقال: هذا بيت فلان ومسكنه ولا يراد بذلك الملك، وقد قال الله تعالى: (لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) (2) ولا شبهة في أنه تعالى أراد منازل الأزواج التي يسكنون فيها زوجاتهم، ولم يرد بهذا الإضافة الملك.

فأما ما رواه من أن رسول الله صلى الله عليه وآله قسم حجره على بناته ونسائه فمن أين له إذا كان هذا الخبر صحيحا أن هذه القسمة على جهة التمليك دون الاسكان والانزال؟ ولو كان قد ملكهن ذلن لوجب أن يكون ظاهرا مشهورا.

فأما الوجه في ترك أمير المؤمنين عليه السلام لما صار الأمر إليه في يده

____________

(1) الأحزاب 33.

(2) الطلاق 1.

الصفحة 105 

منازعة الأزواج في هذه الحجر فهو ما تقدم وتكرر (1).

فأما قوله: " إذا جازت التقية للأئمة وحالهم في العصمة ما تدعون جازت على الرسول صلى الله عليه وآله " فالفرق بين الأمرين واضح لأن الرسول صلى الله عليه وآله مبتدئ بالشرع، ومفتتح لتعريف الأحكام التي لا تعرف إلا من جهته وبيانه، فلو جازت عليه التقية لأخل ذلك بإزاحة علة المكلفين، ولفقدوا الطريق إلى معرفة مصالحهم الشرعية التي قد بينها أنها لا تعرف إلا من جهته والإمام، بخلاف هذا الحكم لأنه منفذ للشرائع التي قد علمت من غير جهته، وليس يقف العلم بها والحق فيها، على قوله دون غيره، فمن اتقى في بعض الأحكام لسبب يوجب ذلك لم يخل تقية بمعرفة الحق، وإمكان الوصول إليه، والإمام والرسول وإن استويا في العصمة فليس يجب أن يستويا في جواز التقية للفرق الذي ذكرناه، لأن الإمام لم تجز التقية عليه لأجل العصمة، وليس للعصمة تأثير في جواز التقية ولا نفي جوازها.

فإن قيل: أليس من قولكم: إن الإمام حجة في الشرائع؟ وقد يجوز عندكم أن ينتهي الأمر إلى أن يكون الحق لا يعرف إلا من جهته وبقوله، بأن يعرض الناقلون عن النقل فلا يرد إلا من جهة من لا تقوم الحجة بقوله، وهذا يوجب مساواة الإمام للرسول فيما فرقتم بينهما فيه.

قلنا: إذا كانت الحال في الإمام على ما صورتموه، وتعينت الحجة في قوله، فإن التقية لا تجوز عليه كما لا تجوز على النبي.

فإن قيل: فلو قدرنا أن النبي صلى الله عليه وآله قد بين جميع

____________

(1) أي إقرار أحكام من تقدمه تقية.

الصفحة 106 

الشرائع والأحكام التي يلزمه بيانها حتى لم يبق شبهة في ذلك ولا ريب، لكان يجوز والحال هذه عليه التقية في بعض الأحكام.

قلنا: ليس يمتنع عند قوة أسباب الخوف الموجبة للتقية أن يتقي إذا لم تكن التقية مخلة بالوصول إلى الحق، ولا منفرة عنه.

ثم يقال لصاحب الكتاب: أليست التقية عندك جائزة على جميع المؤمنين عند حصول أسبابها وعلى الإمام والأمير؟

فإن قال: هي جائزة على المؤمنين وليست جائزة على الإمام والأمير.

قلنا: وأي فرق بين ذلك والإمام والأمير عندك ليسا بحجة في شئ كما أن النبي صلى الله عليه وآله حجة فتمنع من ذلك لمكان الحجة بقولهما فإن اعترف بجوازها عليهما.

قيل له: فألا جاز على النبي صلى الله عليه وآله قياسا على الأمير والإمام؟

فإن قال: لأن قول النبي صلى الله عليه وآله حجة، وليس الأمير والإمام كذلك.

قيل له: وأي تأثير للحجة في ذلك إذا لم تكن التقية مانعة من إصابة الحق ولا مخلة بالطريق إليه؟ وخبرنا عن الجماعة التي نقلها في باب الأخبار حجة لو ظفر بهم جبار ظالم متفرقين أو مجتمعين فسألهم عن مذاهبهم وهم يعلمون أو يغلب في ظنونهم أنهم متى ذكروها على وجهها قتلهم، وأباح حريمهم، أليست التقية جائزة على هؤلاء، مع أن الحجة في أقوالهم؟ فإن منع من جواز التقية على ما ذكرناه دفع ما هو معلوم.

قيل له: وأي فرق بين هذه الجماعة وبين من نقص عن عدتها في جواز

الصفحة 107 

التقية؟ فلا يجد فرقا، فإن قال: إنما جوزنا التقية على من ذكرتم لظهور الاكراه والأسباب الملجئة إلى التقية، ومنعناكم من مثل ذلك لأنكم تدعون تقية لم تظهر أسبابها ولا الأمور الحاملة عليها من إكراه وغيره.

قيل له: هذا اعتراف بما أردنا من جواز التقية عند وجود أسبابها.

وصار الكلام الآن في تفصيل هذه الجملة، ولسنا نذهب في موضع من المواضع إلى أن الإمام اتقى بغير سبب موجب لتقيته، وحامل على فعله والكلام في التفصيل غير الكلام في الجملة، وليس كل الأسباب التي توجب التقية تظهر لكل أحد ويعلمها جميع الخلق، بل ربما اختلفت الحال فيها، وعلى كل حال فلا بد من أن تكون معلومة لمن أوجب تقية ومعلومة أو مجوزة لغيره، ولهذا قد نجد بعض الملوك يسأل رعيته عن أمر فيصدقه بعضهم عن ذلك، ولا يصدقه آخرون ويستعملون ضربا من التورية وليس ذلك إلا لأن من صدق لم يخف على نفسه ومن جرى مجرى نفسه ومن ورى فلأنه خاف على نفسه. وغلب في ظنه وقوع الضرر به متى صدق عما سئل فيه، وليس يجب أن يستوي حال الجميع، وأن يظهر لكل أحد السبب في تقية من اتقى ممن ذكرناه بعينه حتى تقع الإشارة إليه على سبيل التفصيل وحتى يجري مجرى العرض على السيف في الملأ من الناس، بل ربما كان ظاهرا كذلك، وربما كان خاصا.

فإن قيل: مع تجويز التقية على الإمام كيف السبيل إلى العلم بمذاهبه واعتقاده، وكيف يخلص لنا ما يفتي به على سبيل التقية من غيره.

قلنا: أول ما نقوله في ذلك أن الإمام لا يجوز أن يتقي فيما لا يعلم إلا من جهته، ولا طريق إليه إلا من ناحية قوله، وإنما يجوز التقية عليه فيما قد بان بالحجج والبينات، ونصبت عليه الدلالات حتى لا يكون فتياه

الصفحة 108 

فيه مزيلة الطريق إصابة الحق وموقعة للشبهة، ثم لا يتقي في شئ إلا ويدل على خروجه منه مخرج التقية، أما لما يصاحب كلامه أو يتقدمه أو يتأخر عنه، ومن اعتبر جميع ما روي عن أئمتنا عليهم السلام على سبيل التقية وجده لا يعري ما ذكرناه، ثم إن التقية إنما تكون من العدو دون الولي، ومن المتهم دون الموثوق به، فما يصدر عنهم إلى أوليائهم وشيعتهم ونصحائهم في غير مجالس الخوف يرتفع الشك في أنه على غير جهة التقية وما يفتون به العدو أو يمتحنون به في مجالس الخوف يجوز أن يكون على سبيل التقية كما يجوز أن يكون على غيرها، ثم نقلب هذا السؤال على المخالف فيقال له: إذا أجزت على جميع الناس التقية عند الخوف الشديد، وما يجري مجراه فمن أين تعرف مذاهبهم واعتقادهم؟ وكيف يفصل بين ما يفتي به المفتي منهم على سبيل التقية وبين ما يفتى به وهو مذهب له يعتقد صحته، فلا بد ضرورة من الرجوع إلى ما ذكرناه.

 

فإن قال: أعرف مذهب غيري وإن أجزت عليه التقية بأن يضطرني إلى اعتقاده وعند التقية لا يكون ذلك.

قلنا: وما المانع لنا من أن نقول هذا بعينه فيما سألت عنه.

فأما ما تلا صاحب الكتاب كلامه الذي حكيناه عنه به (1) من الكلام في التقية.

وقوله: (إن ذلك يوجب أن لا يوثق بنصه على أمير المؤمنين عليه السلام) فإنما بناه على أن النبي صلى الله عليه وآله يجوز عليه التقية على كل حال، وقد بينا ما في ذلك واستقصيناه.

____________

(1) " به " متعلق ب " تلا ".

الصفحة 109 

وقوله: (ألا جاز أن يكون أمير المؤمنين عليه السلام نبيا وعدل عن ادعاء ذلك تقية؟) فيبطله ما ذكرناه من أن التقية لا تجوز على النبي والإمام فيما لا يسلم إلا من جهته، ويبطله زائدا على ذلك ما نعلمه نحن وكل عاقل ضرورة من أن نفي النبوة بعده على كل حال من دين الرسول صلى الله عليه وآله (1).

وقوله: (إن عولوا على علم الاضطرار فعندهم أن الضرورة في النص على الإمام قائمة) فمعاذ الله أن ندعي الضرورة في العلم بالنص على من غاب عنه فلم يسمعه والذي نذهب إليه أن كل من لم يشهده لا يعلمه إلا باستدلال، وليس كذلك نفي النبوة لأنه معلوم من دينه عليه السلام ضرورة، ولو لم يشهد بالفرق بين الأمرين إلا اختلاف العقلاء في النص مع تصديقهم بالرسول صلى الله عليه وآله ولم يختلفوا في نفي النبوة ولا اعتبار بقول صاحب الكتاب: (إن في ذلك خلافا قد ذكر كما ذكر في أنه عليه السلام إله) لأن هذا الخلاف لا يعتد به والمخالف فيه خارج عن الاسلام فلا يعتبر في إجماع المسلمين بقول من خالف في أنه إله على أن من خالف وادعى نبوته لا يكون مصدقا للرسول صلى الله عليه وآله ولا عالما بنبوته ولا ندعي علم الاضطرار في أنه لا نبي وبعده وإنما نعلم ضرورة من دينه صلى الله عليه وآله نفي النبوة بعده.

فأما قوله: (إن الإجماع لا يوثق به عندهم) فمعاذ الله أن نطعن في الإجماع وكونه حجة، فإن أراد أن الإجماع الذي لا يكون فيه قول إمام ليس بحجة فذلك ليس بإجماع عندنا وعندهم، وما ليس بإجماع فلا حجة فيه، وقد تقدم عند كلامنا في الإجماع من هذا الكتاب ما فيه كفاية،

____________

(1) لما تواتر عنه صلى الله عليه وآله (لا نبي بعدي).

الصفحة 110 

وقوله (لتجوزن أن يقع الإجماع على طريق التقية لأنه لا يكون أوكد من قول الرسول أو قول الإمام عندهم) باطل لأنا قد بينا أن التقية لا تجوز على الرسول والإمام على كل حال وإنما تجوز على حال دون حال أخرى على أن القول بأن الأمة بأسرها تجمع على طريق التقية طريق لأن التقية سببها الخوف من الضرر العظيم وإنما يتقي بعض الأمة من بعض لغلبته عليه وقهره له وجميع الأمة لا تقية عليها من أحد.

فإن قيل: يتقى من مخالفيها في الشرائع.

قلنا: الأمر بالضد من ذلك لأن من خالطهم وصاحبهم من مخالفيهم في الملل أقل عددا وأضعف بطشا منهم. فالتقية لمخالفيهم منهم أولى وهذا أظهر من أن يحتاج إلى الإطالة فيه والاستقصاء.

قال صاحب الكتاب: (ومن جملة ما ذكروه [ من الطعن (1) ] ادعاؤهم أن فاطمة عليها السلام لغضبها على أبي بكر وعمرا وصت أن لا يصليا عليها وأن تدفن سرا منهما فدفنت ليلا وادعوا برواية رووها عن جعفر بن محمد عليه السلام وغيره أن عمر ضرب فاطمة عليها السلام بالسوط وضرب الزبير بالسيف وذكروا أن عمر قصد منزلها وعلي والزبير والمقداد وجماعة ممن تخلف عن بيعة أبي بكر مجتمعون هناك فقال لها: ما أحد بعد أبيك أحب إلينا منك، وأيم الله لئن اجتمع هؤلاء النفر عندك لنحرقن عليهم فمنعت القوم من الاجتماع). ثم قال: (الجواب عن ذلك أنا لا نصدق ذلك ولا نجوزه (2).

فأما أمر الصلاة فقد روي أن أبا بكر هو الذي صلى على فاطمة

____________

(1) الزيادة من المغني.

(2) أي التهديد بالتحريق وفي المغني " ولا نجوزه عليها، عليها السلام ".

الصفحة 111 

عليها السلام وكبر أربعا وهذا أحد ما استدل به كثير من الفقهاء في التكبير على الميت ولا يصح أنها دفنت ليلا وإن صح ذلك فقد دفن رسول الله صلى الله عليه وآله ليلا وعمر دفن ابنه ليلا وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يدفنون بالنهار ويدفنون بالليل، فما في هذا مما يطعن به بل الأقرب في النساء أن دفنهن ليلا أستر وأولى بالسنة).

ثم حكي عن أبي علي تكذيب ما روي من الضرب بالسوط قال:

وهذا المروي عن جعفر بن محمد من ضرب عمر لا أصل له بل المروي من جعفر بن محمد عليه السلام أنه كان يتولى أبا بكر وعمر ويأتي القبر فيسلم عليهما (1) مع تسليمه على رسول الله صلى الله عليه وآله، روى ذلك عباد بن صهيب (2) وشعبة (3) بن الحجاج ومهدي بن هلال (4) والدراوردي وغيرهم، وقد روي عن أبيه وعن علي بن الحسين مثل ذلك، فكيف يصح ما ادعوه؟ وهل هذه الرواية إلا كروايتهم [ عن جعفر في أخبار لهم ] (5) أن علي بن أبي طالب هو إسرافيل والحسن ميكائيل والحسين جبرائيل وفاطمة ملك الموت وآمنة أم النبي ليلة القدر فإن صدقوا ذلك صدقوا هذا أيضا.

____________

(1) في المغني " كان يترك أبا بكر وعمر ويأتي القبر فيسلم عليها " والتحريف بين.

(2) عباد بن صهيب البصري في لسان الميزان 3 / 230: " متروك الحديث يروي أشياء إذا سمعها المبتدي بهذه الصفاعة شهد لها بالوضع، مات قريبا من سنة 212 ".

(3) في المغني " وسعيد محرف شعبة ".

(4) مهدي بن هلال أبو عبد الله البصري روى عن يعقوب بن أبي عطاء ويونس بن عبيد وروى عنه جماعة في لسان الميزان 6 / 106 " كذبه يحيى بن سعيد وابن معين. صاحب بدعة يضع الحديث، عامة ما يرويه لا يتابع عليه، من المعروفين بالكذب ووضع الحديث الخ ".

(5) أي للشيعة وجعفر هو الإمام الصادق عليه السلام.

 

 

 

 

الصفحة 112 

قيل لهم: فعمر بن الخطاب كيف يقدر على ضرب ملك الموت وإن قالوا: لا نصدق ذلك فقد جوزوا رد هذه الروايات وصح أنه لا يجوز التعويل على هذا الجنس وإنما يتعلق بذلك من غرضه الالحاد كالوراق وابن الراوندي [ فلا يتألون مهما يوردون ليقع التنفير به ] لأن غرضهم القدح في الاسلام).

وحكي عن أبي علي أنه قال: (لم صار غضبها لو ثبت كأنه كأنه غضب رسول الله صلى الله عليه وآله من حيث قال: " فمن أغضبها فقد أغضبني " أولى من أن يقال: من أغضب أبا بكر وعمر فقد نافق وفارق الدين لأنه روي عنه عليه السلام أنه قال: " حب أبي بكر وعمر إيمان وبغضهما نفاق " ومن يورد مثل هذه فقصده الطعن في الاسلام وأن يوهم الناس أن أصحاب النبي نافقوا مع مشاهدة الأعلام ليضعفوا دلالة العلم في النفوس...) (1).

قال: (فأما ما ذكروه من حديث عمر في باب الاحراق (2)، فلو صح لم يكن طعنا على عمر لأن له أن يهدد من امتنع عن المبايعة إرادة للخلاف على المسلمين لكنه (1) غير ثابت لأن أمير المؤمنين قد بايع، وكذلك الزبير والمقداد والجماعة، وقد بينا القول في ذلك فيما تقدم وأن التمسك بما تواتر به الخبر من بيعتهم أولى من هذه الروايات الشاذة) (3).

____________

(1) المغني 20 ق 1 / 335 و 336.

(2) في المغني " لكن ذلك غير ثابت " وحديث التهديد بالاحراق رواه جماعة منهم ابن عبد ربه في العقد الفريد 4 / 259، الإمامة والسياسة 1 / 18.

(3) المغني 20 ق 1 / 337.

الصفحة 113 

ثم كرر حاكيا عن أبي علي أن أمير المؤمنين عليه السلام إنما تأخر عن البيعة من أجل استبدادهم بالرأي عليه، وأنهم لم يشاوروه وأنه بعد ذلك بايع ورضي، وإن كان في مدة تأخره عن البيعة مسلما راضيا (1).

يقال له: أما قولك (2): (إنا لا نصدق ذلك، ولا نجوزه) فإنك لم تسند إنكارك إلى حجة أو شبهة فنتكلم عليها، والدفع لما يروى بغير حجة لا يلتفت إليه.

فأما ما ادعيت من أن أبا بكر هو الذي صلى على فاطمة عليها السلام وكبر أربعا وأن كثيرا من الفقهاء يستدلون به في التكبير على الميت فهو شئ ما سمع إلا منك وإن كنت تلقيته عن غيرك فممن يجري مجراك في العصبية، وإلا فالروايات المشهورة وكتب الآثار والسير خالية من ذلك. ولم يختلف أهل النقل في أن أمير المؤمنين عليه السلام هو الذي صلى على فاطمة عليها السلام، إلا رواية شاذة نادرة وردت بأن العباس رضي الله عنه صلى عليها.

وروى الواقدي بإسناده عن عكرمة (3) قال: سألت ابن عباس متى دفنتم فاطمة؟ قال: دفناها بليل بعد هدأة قال: قلت: فمن صلى عليها؟

قال علي عليه السلام.

____________

(1) المغني 20 ق 1 / 337.

(2) في نقل ابن أبي الحديد: (أما قوله: الخ) وجميع الضمائر فيه وفيما بعده للغائب.

(3) عكرمة مولى ابن عباس أبو عبد الله أصله من البربر من المغرب، كان لحصين بن الحر العنبري فوهبه لابن عباس حين ولى البصرة واجتهد ابن عباس في تعليمه القرآن والسنن، كان يرى رأي الخوارج، وكان كثير التطواف والجولان في البلاد واختلف في سنة وفاته ما بين 104 - 115.

الصفحة 114 

* وروى الطبري عن الحرث بن أبي أسامة عن المدائني عن أبي زكريا العجلاني أن فاطمة عليها السلام عمل لها نعش قبل وفاتها فنظرت إليه، وقالت سترتموني ستركم الله، قال أبو جعفر محمد بن جرير: والثابت في ذلك أنها زينب لا فاطمة عليها السلام دفنت ليلا ولم يحضرها إلا العباس وعلي عليه السلام والمقداد * والزبير (1).

وروى القاضي أبو بكر أحمد بن كامل بإسناده في تاريخه عن الزهري قال حدثني عروة بن الزبير أن عائشة أخبرته أن فاطمة بنت رسول الله صلوات الله عليه وعليها عاشت بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ستة أشهر (2) فلما توفيت دفنها علي عليه السلام ليلا وصلى عليها علي بن أبي طالب، وذكر في كتابه هذا أن أمير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السلام دفنوها ليلا وغيبوا قبرها.

وروى سفيان بن عيينة عن عمرو عن الحسن بن محمد أن فاطمة عليها السلام دفنت ليلا، وروى عبد الله بن أبي شيبة عن يحيى بن سعيد العطار عن معمر عن الزهري مثل ذلك.

وقال البلاذري في تاريخه: أن فاطمة عليها السلام لم تر مبتسمة بعد وفاة رسول الله ولم يعلم أبو بكر وعمر بموتها، والأمر في هذا واضح، وأظهر من أن نطنب في الاستشهاد عليه، ونذكر الروايات فيه.

فأما قوله: (ولا يصح أنها دفنت ليلا، وإن صح فقد دفن فلان وفلان ليلا) فقد بينا أن دفنها ليلا في الصحة كالشمس الطالعة وأن منكر ذلك كدافع المشاهدات. ولم يجعل دفنها بمجرده هو الحجة فيقال: فقد

____________

(1) ما بين النجمتين ساقط من الطبري.

(2) نقله الطبري 3 / 240 حوادث سنة 11.

الصفحة 115 

دفن فلان وفلان ليلا، بل مع الاحتجاج بذلك على ما وردت به الروايات المستفيضة الظاهرة التي هي كالمتواتر أنها أوصت بأن تدفن ليلا حتى لا يصلي عليها الرجلان، وصرحت بذلك وعهدت فيه عهدا، بعد أن كانا استأذنا عليها في مرضها ليعوداها فأبت أن تأذن لهما فلما طال عليهما المدافعة رغبا إلى أمير المؤمنين عليه السلام في أن يستأذن لهما وجعلاها حاجة إليه فكلمها أمير المؤمنين عليه السلام في ذلك وألح عليها فأذنت لهما في الدخول ثم أعرضت عنهما عند دخولهما ولم تكلمهما فلما خرجا قالت لأمير المؤمنين عليه السلام أليس قد صنعت ما أردت؟ قال نعم قالت:

فهل أنت صانع ما آمرك قال: نعم قالت: فإني أنشدك الله أن لا يصليا على جنازتي ولا يقوما على قبري.

وروي أنه عليه السلام عمى على قبرها (1) ورش أربعين قبرا في البقيع ولم يرش على قبرها حتى لا يهتديا إليه، وإنما عاتباه على ترك إعلامهما بشأنها وإحضارهما الصلاة عليها فمن هاهنا احتججنا بالدفن ليلا، ولو كان ليس غير الدفن بالليل من غير ما تقدم عليه وتأخر عنه لم يكن فيه حجة.

فأما حكايته عن أبي علي إنكاره ما روي من ضربها وادعاؤه أن جعفر بن محمد عليه السلام كان يتولاهما وكان أبوه وجده كذلك، فأول ما فيه أن إنكار أبي علي لما وردت به الرواية من غير حجة لا يعتد به، وكيف لا ينكر أبو علي هذه الرواية وعنده أن القوم لم يجلسوا من الإمامة إلا مجلسهم، ولا تناولوا إلا بعض حقهم وأنهم كانوا على كثب (2) عظيم

____________

(1) ش " عفى قبرها ".

(2) الكثب - بالتحريك -: القرب.

الصفحة 116 

من التوفيق والتأييد، والتحري للدين ولو أخرج من قلبه هذه الاعتقادات المبتدأة لعرف أمثال هذه الرواية، أو الشك على أقل أحواله في صحتها وفسادها، وقد كنا نظن أن مخالفينا في الإمامة يقنعون فيما يدعونه على أبي عبد الله جعفر بن محمد وأبيه وجده عليهم السلام بأن لا يقولوا في القوم السوء ويكفوا عن الملامة فيهم، وإضافة المعايب إليهم، ففي هذا لو سلم لهم مقنع وبلاغ، وما كنا نظن أنهم يحملون أنفسهم على مثل ما ادعاه أبو علي، ومذاهب الناس إنما تؤخذ من خواصهم وأوليائهم، ومن ليس بمتهم عليهم، ولا يتلقى من أعدائهم والمنحرفين عنهم، وقد علمنا وعلم كل أحد أن المختصين بهؤلاء السادة قد رووا عنهم ضد ما ادعاه أبو علي، وإضافة إلى شعبة بن الحجاج (1) وفلان وفلان، وقولهم فيهما: هم أنهما أول من ظلمنا حقنا، وحمل الناس على رقابنا، وقولهم: إنهما أصفيا بإنائنا واضطجعا بسبيلنا وجلسا مجلسا نحن أحق به منهما، مشهور معروف إلى غير ذلك من فنون التظلم، وضروب الشكاية فيما لو أوردناه واستقصيناه لاحتاج إلى مثل حجم كتابنا، ومن أراد أن يعتبر ما روي عن أهل البيت في هذا المعنى فلينظر في كتاب المعرفة لأبي إسحاق إبراهيم بن سعيد الثقفي فإنه قد ذكر عن رجل رجل من أهل البيت عليهم السلام بالأسانيد البينة ما لا زيادة عليه.

وبعد، فأي حجة في رواية شعبة وأمثاله ما حكاه وهو مما يجوز أن يخرج مخرج التقية التي قدمنا جوازها على سادتنا عليهم السلام فكيف

____________

(1) شعبة بن الحجاج " أبو بسطام " " مولى الأشاقر " واسطي الأصل.

بصري الدار سمع قتادة ويونس بن عبيد وعبد الملك بن عمير وغيرهم وروى عنه أيوب السختياني والأعمش وغيرهم قدم بغداد فوهب له المهدي ثلاثين ألف درهم وأقطعه ألف جريب بالبصرة انظر ترجمته في تاريخ بغداد 9 / 255 وابن خلكان 2 / 469 وغيرهما.

الصفحة 117 

يعارض ذلك أخبارنا التي لا يجوز أن تصدر إلا عن الاعتقادات الصحيحة والمذاهب التي يدان الله تعالى بها (1) فأما قوله: (إن هذه الرواية كروايتهم أن علي بن أبي طالب عليه السلام هو إسرافيل وأن الحسن هو الميكائل إلى آخر كلامه) فمما كنا نظن أن مثل صاحب الكتاب يتنزه عن ذكره، والتشاغل بالاحتجاج به لأنا لا نعرف عاقلا يحتج عليه وله، ولا يذهب إلى ما حكاه، ومن ينتسب إلى التشيع رجلان مقتصد وغال فالمقتصد معلوم نزاهته عن مثل هذا القول، والغالي لم يرض إلا بالإلهية والربوبية، ومن قصر منهم ذهب إلى النبوة، فهذه الحكاية خارجة عن مذهب المقتصد، والغالي قد كان يجب لما أودعها كتابه محتجا بها أن يذكر قائلها، والذاهب إليها بعينها، والراوي لها باسمه، والكتاب الذي نقلها منه إن كان من كتاب.

وبعد فلو كانت هذه الحكاية صحيحة، وقد ذهب إليها ذاهب لكان من جملة مذاهب الغلاة الذين نبرأ إلى الله تعالى منهم، ولا نعدهم شيعة ولا مسلمين، فكيف تجري هذه الرواية مجرى ما حكاه عنا؟

ثم يقال له: ألست تعلم أن هذا المذهب يذهب إليه أصحاب الحلول، والعقل دال على بطلان قولهم؟ فهل العقل دال على استحالة ما روي من ضرب فاطمة عليها السلام فإن قال هما سيان، قيل له: فبين استحالة ذلك في العقل كما بينت استحالة الحلول، وقد ثبت مرادك، ومعلوم عجزك عن ذلك.

____________

(1) نقل ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة كل ما ذكر في هذا الموضع عن " الشافي " ج 16 ص 279 - 281، ولكن بتقديم وتأخير، واختلاف في بعض الألفاظ، ونقصان بعض العبارات، ولكن كل ذلك لم يختلف في المعنى عن المذكور هنا.

الصفحة 118 

وإن قال: العقل لا يحيل ما رويتموه وإنما يعلم فساده من جهة أخرى.

قيل له: فلم جمعت بين الروايتين وشبهت بين الأمرين وهما مختلفان متباينان؟

وبعد، فكما غلا قوم في أمير المؤمنين عليه السلام هذا الضرب من الغلو فقد غلا آخرون فيه بالعكس من هذا الغلو فذهبوا إلى ما تقشعر من ذكره الجلود، وكذلك قد غلا قوم ممن لا يرتضي صاحب الكتاب طريقته في أبي بكر وعمر وعثمان، وأخرجهم غلوهم إلى التفضيل لهم على سائر الملائكة، ورووا روايات معروفة تجري في الشناعة مجرى ما ذكره عن أصحاب الحلول، فلو عارضه معارض فقال له: ما روايتكم في علي ما تروونه إلا كرواية من روى كيت وكيت وذكر ما ترويه الشراة، وتدين به الخوارج، وما روايتكم في أبي بكر وعمر وعثمان ما تروونه من التفضيل والتعظيم إلا كمن روى كذا وكذا، وذكر طرفا مما يروونه الغلاة ما كان يكون جوابه، وعلى أي شئ يكون معتمده؟! فإنه لا تنفصل عن ذلك إلا بمثل ما انفصلنا عنه.

فأما حكايته عن أبي علي معارضته لمن ذهب إلى أن غضب فاطمة عليها السلام كغضب رسول الله صلى الله عليه وآله بما رواه من (أن حب أبي بكر وعمر إيمان وبغضهما نفاق) فمن بعيد المعارضة، لأنا إنما احتججنا بالخبر الذي حكيناه من حيث كان مجمعا عليه غير مطعون عليه لا محالة، ولا مختلف فيه، والخبر الذي رواه غير مجمع عليه وإنما يرويه قوم ويدفعه آخرون، ويقسمون على بطلانه، وكيف يعارض الأمران؟ وكيف يقابل المعلوم، والمجمع عليه، المتفق على تصديقه ما هو مدفوع مكذوب.

فأما قوله: (إن من يورد مثل ذلك إنما قصده تضعيف دلالة

الصفحة 119 

العلم، والمعجز في النفوس، من حيث أضاف النفاق إلى من شاهدها) فتشنيع في غير موضعه، واستناد إلى ما لا يجدي نفعا، لأن نفاق من شاهد الأعلام لا يضعفها، ولا يوهن دليلها، ولا يقدح في كونها حجة، لأن الأعلام ليست ملجئة إلى العلم، ولا موجبة لحصوله على كل حال، وإنما تثمر العلم لمن أنعم النظر فيها من الوجه الذي تدل منه، فمن عدل عن ذلك لسوء اختياره لا يكون عدوله مؤثرا في دلالتها فكم قد عدل من العقلاء وذوي الأحلام الراجحة والألباب الصحيحة عن تأمل هذه الأعلام، وأصابه الحق منها، ولم يكن ذلك عندنا وعند صاحب الكتاب قادحا في دلالة الأعلام، على أن هذا القول يوجب عليه أن ينفي النفاق والشك عن كل من صحب النبي وعاصره وشاهد أعلامه كعمرو بن العاص وأبي سفيان وفلان وفلان ممن قد اشتهر نفاقهم، وظهر شكهم في الدين وارتيابهم (1) وإن كانت إضافة النفاق إلى هؤلاء لا تقدح في دلالة الأعلام فكذلك القول في غيرهم.

فأما قوله: " إن حديث الاحراق ما صح، ولو صح لم يكن طعنا لأن له أن يهدد من امتنع من المبايعة إرادة للخلاف على المسلمين " فقد بينا أن خبر الاحراق قد رواه غير الشيعة ممن لا يتهم على القوم، وأن دفع الروايات بغير حجة أكثر من نفس المذاهب المختلف فيها لا يجدي شيئا، والذي اعتذر به من حديث الاحراق إذا صح طريف، وأي عذر لمن أراد أن يحرق على أمير المؤمنين وفاطمة عليهما السلام منزلهما؟ وهل يكون في مثل ذلك علة يصغى إليها أو تسمع وإنما يكون مخالفا على المسلمين وخارقا

____________

(1) إنما أورد هذا المثال لأن المعتزلة لا يذهبون إلى تعديل جميع الصحابة بل يذهبون إلى تفسيق بعضهم انظر شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 1 ص 9 و 3 / 315 و 20 ص 15 وغير ذلك.

الصفحة 120 

لإجماعهم، إذا كان الإجماع قد تقرر وثبت، وإنما يصح لهم الإجماع متى كان أمير المؤمنين عليه السلام ومن قعد عن البيعة ممن انحاز إلى بيت فاطمة عليها السلام داخلا فيه، وغير خارج عنه، وأي إجماع يصح مع خلاف أمير المؤمنين عليه السلام وحده فضلا عن أن يتابعه على ذلك غيره، وهذه زلة من صاحب الكتاب، وممن حكى احتجاجه.

وبعد، فلا فرق بين أن يهدد بالاحراق للعلة التي ذكرها وبين ضرب فاطمة عليها السلام لمثل هذه العلة، فإن إحراق المنازل أعظم من ضربه بالسوط وما يحسن الكبير ممن أراد الخلاف على المسلمين أولى بأن يحسن الصغير فلا وجه لامتعاض صاحب الكتاب من ضربة السوط، وتكذيب ناقلها، وعنده مثل هذا الاعتذار.

فأما ادعاؤه أن أمير المؤمنين عليه السلام قد بايع بعد ذلك ورضي وكذلك الجماعة التي أظهرت الخلاف، وأن امتناعه عليه السلام من البيعة إنما كان لأجل أن القوم لم يشاوروه، فقد مضى الكلام في ذلك فيما سلف من هذا الكتاب مستوفى ولا حاجة بنا إلى إعادته.

قال صاحب الكتاب: (شبهة لهم أخرى، قالوا: وكيف يصلح للإمامة من يخبر عن نفسه أن له شيطانا يعتريه، ومن يحذر الناس نفسه، ومن يقول: أقيلوني، بعد دخوله في الإمامة مع أنه لا يحل أن يكون الإمام يقول: أقيلوني البيعة).

ثم قال: (الجواب (1) ما ذكره شيخنا أبو علي من أن ذلك لو كان نقصا فيه لكان قوله تعالى في آدم وحواء: (فوسوس لهما الشيطان) وقوله

____________

(1) ش " أجاب قاضي القضاة فقال " والمظنون، أنه تصرف من ابن أبي أبي الحديد في كلام المرتضى ولكن لم يخرجه عن معناه.

الصفحة 121 

(فأزلهما الشيطان) وقوله: (وما أرسلنا قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته) يوجب النقص في الأنبياء، وإذا لم يجب ذلك فكذلك ما وصف به أبو بكر نفسه وإنما أراد أن عند الغضب يشفق من المعصية ويحذر منها، ويخشى أن يكون الشيطان يعتريه في تلك الحال فيوسوس إليه، وذلك منه على طريق الزجر لنفسه عن المعاصي [ والتفكر في أحواله ] (1) وقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه ترك مخاصمة الناس في حقوقه إشفاقا من المعصية وكان يولي ذلك عقيلا فلما (2) أسن عقيل كان يوليها عبد الله بن جعفر رحمهم الله أجمعين (3).

 

فأما ما روي من إقالة البيعة فهو خبر ضعيف وإن صح فالمراد به التنبيه على أنه لا يبالي لأمر يرجع إليه أن يقيله (4) الناس البيعة، وإنما يضرون بذلك أنفسهم، فكأنه نبه بذلك على أنه غير مكره لهم، وأنه قد خلاهم وما يريدون إلا أن يعرض ما يوجب خلافه، وقد روي أن أمير المؤمنين أقال عبد الله بن عمر البيعة حين استقاله، والمراد بذلك أنه تركه وما يختاره ولم يكرهه،...) (5) يقال له: أما قولك في ذلك فباطل لأن قول أبي بكر: وليتكم ولست بخيركم، فإن استقمت فاتبعوني وإن اعوججت فقوموني فإن لي شيطانا يعتريني عند غضبي، فإذا رأيتموني مغضبا فاجتنبوني، لا أؤثر في أشعاركم ولا أبشاركم " (6) فإنه يدل على أنه لا يصلح للإمامة من وجهين

____________

(1) التكملة من " المغني ".

(2) غ " وما أيس " تحريف ظاهر.

(3) المغني 20 ق 1 / 338.

(4) غ " يستقيله ".

(5) المغني 20 ق 1 / 339.

(6) أما قوله " ولست بخيركم " فقد تقدم تخريجه وفي الصواعق المحرقة ص 30 " أقيلوني أقيلوني فلست بخيركم " وأما قوله: " فإن استقمت فاتبعوني، وإن زغت فقوموني، ألا وإن لي شيطانا يعتريني فإذا أتاني فاجتنبوني لا أوثر في أشعاركم وأبشاركم " فقد رواه الطبري في التاريخ 4 / 224 حوادث سنة 91 بما لا يخرج عما نقله المرتضى ولكن مصدره غير الطبري قطعا.

الصفحة 122 

أحدهما أن هذه صفة من ليس بمعصوم، ولا يأمن الغلط على نفسه، ومن يحتاج إلى تقويم رعيته له إذا واقع المعصية، وقد بينا أن الإمام لا بد أن يكون معصوما مسددا موفقا، والوجه الآخر أن هذه صفة من لا يملك نفسه، ولا يضبط غضبه، ومن هو في نهاية الطيش والحدة، والخرق (1) والعجلة ولا خلاف أن الإمام يجب أن يكون منزها عن هذه الأوصاف غير حاصل عليها، وليس يشبه قول أبي بكر ما تلاه (2) من الآيات كلها، لأن أبا بكر خبر عن نفسه بطاعة الشيطان عند الغضب، وأن عادته بذلك جارية، وليس هذا بمنزلة من يوسوس له الشيطان ولا يطيعه، ويزين له القبيح فلا يأتيه، وليس وسوسته الشيطان بعيب على الموسوس له إذا لم يستزله ذلك عن الصواب، بل هو زيادة في التكليف، ووجه يتضاعف معه الثواب، وقوله تعالى: (ألقى الشيطان في أمنيته) (3) قيل: معناه في تلاوته، وقيل في فكرته على سبيل الخاطر، وأي الأمرين كان فلا عار في ذلك على النبي ولا نقص، وإنما العار والنقص على من يطيع الشيطان، ويتبع ما يدعو إليه، وليس لأحد أن يقول: هذا إن سلم لكم في جميع الآيات لم يسلم لكم في قوله: (فأزلهما الشيطان) (4) لأنه قد خبر عن تأثير غوايته ووسوسته بما كان منهما من الفعل، وذلك أن المعنى الصحيح في هذه الآية إن آدم وحواء كانا مندوبين

____________

(1) الخرق - بالضم -: ضد الرفق، وفاعله أخرق.

(2) الضمير في تلاه للقاضي.

(3) الحج / 52.

(4) البقرة / 26.

الصفحة 123 

إلى اجتناب الشجرة، وترك التناول منها، ولم يكن ذلك عليهما واجبا لازما، لأن الأنبياء لا يخلون بالواجب فوسوس لهما الشيطان حتى تناولا من الشجرة فتركا مندوبا إليه وحرما بذلك أنفسهما الثواب وسما إزلالا لأنه حط لهما عن درجة الثواب وفعل الأفضل، وقوله تعالى في موضع آخر:

(وعصى آدم ربه فغوى) (1) لا ينافي هذا المعنى، لأن المعصية قد يسمى بها من أخل بالواجب والندب معا، وقوله: (فغوى) أي خاب من حيث لم يستحق الثواب على ما ندب إليه، على أن صاحب الكتاب يقول: إن هذه المعصية من آدم كانت صغيرة لا يستحق بها عقابا ولا ذما، فعلى مذهبه أيضا تكون المفارقة بينه وبين أبي بكر ظاهرة، لأن أبا بكر خبر عن نفسه أن الشيطان يعتريه حتى يؤثر في الأشعار والأبشار، ويأتي ما يستحق به التقويم، فأين هذه من ذنب صغير لا ذم ولا عقاب عليه؟ وهو يجري من وجه من الوجوه مجرى المباح لأنه لا يؤثر في أحوال فاعله، وحط رتبته، وليس يجوز أن يكون ذلك منه على سبيل الخشية والاشفاق على ما ظن، لأن مفهوم خطابه يقتضي خلاف ذلك ألا ترى أنه قال إن لي شيطانا يعتريني، وهذا قول من قد عرف عادته، ولو كان على سبيل الاشفاق والخوف لخرج غير هذا المخرج، ولكان يقول: فإني لا آمن من كذا وكذا، وإني لمشفق منه.

فأما ترك أمير المؤمنين عليه السلام مخاصمة الناس في حقوقه، فإنما كان تنزها وتكرما، وأي نسبة بين ذلك وبين من صرح وشهد على نفسه بما لا يليق بالأئمة.

وأما خبر استقالة البيعة وتضعيف صاحب الكتاب له فهو أبدا

____________

(1) طه / 121.

الصفحة 124 

يضعف ما لا يوافقه من غير حجة يعتمدها في تضعيفه، وقوله: (إنه ما استقال على التحقيق وإنما نبه على أنه لا يبالي بخروج الأمر عنه وأنه غير مكره لهم عليه) فبعيد من الصواب لأن ظاهر قوله: " أقيلوني " أمر بالإقالة، وأقل أحواله أن يكون عرضا لها وبذلا وكلا الأمرين قبيح، ولو أراد ما ظنه لكان له في غير هذا القول مندوحة (1) ولكان يقول: إني ما أكرهتكم ولا حملتكم على مبايعتي، وما كنت أبالي ألا يكون هذا الأمر في ولا إلي وإن مفارقته تسرني لولا ما ألزمنيه الدخول فيه من التمسك به، ومتى عدلنا عن ظواهر الكلام بلا دليل جر ذلك علينا ما لا قبل لنا به.

فأما أمير المؤمنين عليه السلام فإنه لم يقل ابن عمر البيعة بعد دخوله فيها، وإنما استعفاه من أن يلزمه البيعة ابتداء فأعفاه قلة فكر فيه، وعلما بأن إمامته عليه السلام لا تثبت بمبايعة من يبايعه عليها، فأين هذا من استقالة بيعة قد تقدمت واستقرت؟

قال صاحب الكتاب: (شبهة لهم أخرى وطعنوا في إمامته بما روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرها فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه. فبين أنها خطأ وأنها شر، وبين أن مثلها يجب فيه المقاتلة، وليس في الذم والتخطئة أوكد من ذلك.

ثم قال: والجواب أنه لا يجوز لقول يحمل ترك ما يعلم ضرورة (2)، ومعلوم من حال عمر إعظام أبي بكر، والقول بإمامته، والرضا ببيعته، وذلك يمنع مما ذكروه لأن المصوب للشئ لا يجوز أن يكون مخطئا له. وحكي عن أبي علي أن الفلتة ليست هي الزلة والخطيئة.

____________

(1) يقال: له عن هذا الأمر مندوحة ومنتدح أي سعة.

(2) العلم الضروري الذي لا يمكن من علمه أن ينفيه بوجه من الوجوه.

الصفحة 125 

بل هي البغتة، وما وقع فجأة من غير روية ولا مشاورة (1) واستشهد بقول الشاعر:

 

من يأمن الحدثان بعد صبيرة القرشي ماتا        سبقت منيته المشيب وكان ميتته افتلاتا (2)

 

بمعنى نعتة من غير مقدمة، وحكي عن الرياشي (3) أن العرب تسمي آخر يوم من شوال فلتة من حيث أن من لم يدرك ثاره وطلبه فيه فاته، لأنه كانوا إذا دخلوا في الأشهر الحرم لا يطلبون الثأر، وذو القعدة من أشهر الحرم، وإنما سموه فلتة لأنهم أدركوا فيه ما كاد يفوتهم، فأراد عمر على هذا أن بيعة أبي بكر تداركها بعد ما كادت تفوت، وقوله: وقى الله شرها، دليل على التصويب لأن المراد بذلك أنه تعالى دفع شر الاختلاف فيها.

فأما قوله: " فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه " (4) فالمراد من عاد إلى

____________

(1) غ " بل يجب أن تكون محمولة - على ما نقل أهل اللغة - من أن المراد بها بغتة وفجأة من غير روية ومشاورة ".

(2) في المغني هكذا: " هربا من الحدثان بعد جبيرة القرشي ماتا سبقت منه المشيب وكا، وعلق محقق المغني على هذا البيت بقوله: " تحريف أضاع منه الوزن والمعنى، ولو أنه جعل " ماتا " في الشطر الأول لاستقام الوزن، ولو كلف نفسه البحث عن البيتين لوجدهما في الكامل للمبرد 1 / 348 وظهر له المعنى.

(3) غ " أو على ما ذكره عسكر عن الرياشي " والذي عند ابن أبي الحديد " قال شيخنا أبو علي رحمه الله ذكر الرياشي ".

(4) علق ابن أبي الحديد على كلام شيخه هذا بقوله: " واعلم أن هذه اللفظة من عمر مناسبة للفظات كثيرة كان يقولها بمقتضى ما جبله الله تعالى عليه من غلطة الطينة، وجفاء الطبيعة، ولا حيلة له فيها، لأنه مجبول عليها لا يستطيع تغييرها، ولا ريب عندنا أنه كان يتعاطى أن يتلطف، وأن يخرج ألفاظه مخارج حسنة لطيفة، فينزع به الطبع الجاسي، والغريزة الغليظة إلى أمثال هذه اللفظات، ولا يقصد بها سوء، ولا يريد بها ذما ولا تخطئة كما قدمنا من قبل في اللفظة التي قالها في مرض النبي صلى الله عليه وآله، وكاللفظات التي قالها عام الحديبية وغير ذلك والله تعالى لا يجازي المكلف إلا بما نواه، ولقد كانت نيته من أطهر النيات، وأخلصها لله تعالى وللمسلمين، ومن أنصف علم أن هذا الكلام حق، وأنه يغني عن تأويل شيخنا أبي علي، شرح نهج البلاغة 2 / 27 ".

الصفحة 126 

مثلها من غير مشاورة ولا عدة ولا ضرورة ثم بسط يده على المسلمين ليدخلهم في البيعة قهرا فاقتلوه وإذا احتمل ذلك وجب حمله على المقدمة التي ذكرنا ولم نتكلف ذلك لأن قول عمر يطعن في بيعة أبي بكر، ولا أن قوله حجة عند المخالف (1) ولكن تعلقوا به وليوهموا أن بيعته غير متفق عليها، وأن أول من ذمها من عقدها...) (2) يقال له: أما ما تعلقت به من العلم الضروري برضى عمر ببيعة أبي بكر وإمامته، فالمعلوم ضرورة بلا شبهة أنه كان راضيا بإمامته، وليس كل من رضي شيئا كان متدينا به، معتقدا لصوابه، فإن كثيرا من الناس يرضون بأشياء من حيث كانت دافعة لما هو أضر منها وإن كانوا لا يرونه صوابا، ولو ملكوا الاختيار لاختاروا غيرها، وقد علمنا أن معاوية كان راضيا ببيعة يزيد وولايته العهد من بعده، ولم يكن متدينا بذلك، ومعتقدا صحته، وإنما رضي عمر ببيعة أبي بكر من حيث كانت حاجزة عن بيعة أمير المؤمنين عليه السلام ولو ملك الاختيار لكان مصير الأمر إليه آثر في نفسه، وأقر لعينه فإن ادعى أن المعلوم ضرورة تدين عمر ببيعة أبي بكر وأنه أولى بالإمامة منه فهو مدفوع عن ذلك أشد دفع، مع أنه قد كان يبدر منه - أعني عمر - في وقت بعد آخر ما يدل على ما ذكرناه، وقد روى الهيثم بن عدي (3) عن عبد الله بن عياش الهمداني (4) عن سعيد بن جبير

____________

(1) غ " ولا عند المخالف قوله حجة ".

(2) المغني 20 ق 1 / 340.

(3) الهيثم بن عدي الطائي الكوفي من رواة الأخبار روى عن هشام بن عروة وعبد الله بن عياش ومجالد توفي سنة 206.

(4) عبد الله بن عياش الهمداني الكوفي كان راوية للأخبار والآداب توفي سنة 185.

الصفحة 127 

قال: ذكر أبو بكر وعمر عند عبد الله بن عمر فقال رجل: كانا والله شمسي هذه الأمة ونوريها، فقال له ابن عمر: وما يدريك؟ فقال له الرجل: أوليس قد ائتلفا؟ فقال ابن عمر: بل اختلفا لو كنتم تعلمون، وأشهد أني عند أبي يوما وقد أمرني أن أحبس الناس عنه، فاستأذن عبد الرحمن بن أبي بكر (1) فقال عمر دويبة سوء ولهو خير من أبيه، فأوحشني ذلك منه، فقلت: يا أبه عبد الرحمن خير من أبيه! فقال:

ومن ليس خيرا (2) من أبيه لا أم لك! ائذن لعبد الرحمن، فدخل عليه فكلمه في الحطيئة الشاعر (3) أن يرضى عنه - وكان عمر قد حبسه في شعر قاله - فقال عمر: إن الحطيئة لبذي فدعني أقومه (4) بطول الحبس (5) فألح عليه عبد الرحمن وأبي عمر، وخرج عبد الرحمن فأقبل علي أبي وقال:

أفي غفلة أنت إلى يومك هذا على ما كان من تقدم أحيمق بني تيم علي وظلمه لي؟ فقلت: يا أبه لا علم لي بما كان من ذلك، فقال: يا بني وما عسيت أن تعلم، فقلت: والله لهو أحب إلى الناس من ضياء أبصارهم، قال: إن ذلك لكذلك على رغم أبيك وسخطه، فقلت: يا أبه أفلا

____________

(1) عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي قحافة. صحابي اسمه في الجاهلية عبد الكعبة فجعله رسول الله عبد الرحمن، حضر اليمامة وشهد غزو إفريقية وحضر الجمل مع عائشة مات بمكة سنة 53 (انظر الأعلام للزركلي 4 / 83).

(2) في شرح نهج البلاغة: " ومن ليس بخير من أبيه ".

(3) الحطيئة العبسي.

(4) في الأصل " احبسه " والتصحيح عن ابن أبي الحديد.

(5) في شرح نهج البلاغة " إن في الحطيئة أودأ فدعني أقومه بطول الحبس " والأود: الاعوجاج.

الصفحة 128 

تحكي (1) عن فعله بموقف في الناس تبين ذلك لهم، قال: وكيف لي بذلك مع ما ذكرت أنه أحب إلى الناس من ضياء أبصارهم، إذن يرضخ رأس أبيك بالجندل (2) قال ابن عمر: ثم تجاسر والله فجسر فما دارت الجمعة حتى قام خطيبا في الناس فقال: يا أيها الناس إن بيعة أبي بكر كانت فلتة، وقى الله شرها فمن دعاكم إلى مثلها فاقتلوه (3).

وروى الهيثم بن عدي أيضا عن مجالد بن سعيد (4) قال غدوت يوما إلى الشعبي وإنما أريد أن أسأله عن شئ بلغني عن ابن مسعود أنه كان يقول فأتيته في مسجد حيه (5) وفي المسجد قوم ينتظرونه فخرج فتعرفت إليه وقلت: أصلحك الله كان ابن مسعود يقول: ما كنت محدثا قوما حديثا لا يبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة، قال: نعم، قد كان ابن مسعود يقول ذلك، وكان ابن عباس يقوله أيضا وكان عند ابن عباس دفائن علم يعطيها أهلها ويصرفها عن غيرهم، فبينا نحن كذلك إذ أقبل رجل من الأزد فجلس إلينا، فأخذنا في ذكر أبي بكر وعمر، فضحك الشعبي وقال: لقد كان في صدر عمر ضب (6) على أبي بكر، فقال الأزدي: والله ما رأينا ولا سمعنا برجل قط كان أسلس قيادا لرجل ولا أقوله بالجميل فيه من عمر في أبي بكر، فأقبل على عامر الشعبي فقال هذا

____________

(1) وفيه " تجلي ".

(2) يرضخ: يكسر، والجندل: الحجر.

(3) انظر شرح نهج البلاغة 2 / 28.

(4) مجالد بن سعيد بن عمير الهمداني الكوفي مات سنة 144 وهو ضعيف عند أهل الحديث.

(5) حيه أي الحي الذي كان نازلا فيه وفي الأصل " حبسه " والتصحيح عن ابن أبي الحديد.

(6) الضب: الحقد والغيظ، وجمعه ضباب.

الصفحة 129 

مما سألت عنه، ثم أقبل على الرجل فقال يا أخا الأزد كيف تصنع بالفلتة التي وقى الله شرها أترى عدوا يقول في عدو ويريد أن يهدم ما بنى لنفسه في الناس أكثر من قول عمر في أبي بكر؟ فقال الرجل: سبحان الله يا با عمرو أنت تقول ذلك! فقال الشعبي: أنا أقوله قاله عمر بن الخطاب على رؤوس الاشهاد فلمه أودعه، فنهض الرجل مغضبا وهو يهمهم بشئ لم أفهمه في الكلام، فقال مجالد: فقلت للشعبي: ما أحسب هذا الرجل إلا سينقل عنك هذا الكلام إلى الناس ويبثه فيهم، قال إذا والله لا أحفل بذلك شيئا لم يحفل به ابن الخطاب حين قام على رؤوس المهاجرين والأنصار أحفل به وأنتم أيضا فأذيعوه عني ما بدا لكم (1) وقد روى شريك بن عبد الله النخعي (2) عن محمد بن عمرو بن مرة عن أبيه عن عبد الله بن سلمة عن أبي موسى الأشعري قال:

حججت مع عمر بن الخطاب فلما نزلنا وعظم الناس خرجت من رحلي وأنا أريد عمر، فلقيني المغيرة بن شعبة فرافقني ثم قال: أين تريد؟

فقلت: أمير المؤمنين، فهل لك؟ قال: نعم، فانطلقنا نريد رحل عمر، فإنا لفي طريقنا إذ ذكرنا تولي عمر وقيادته بما هو فيه، وحياطته على الاسلام، ونهوضه بما قبله من ذلك، ثم خرجنا إلى ذكر أبي بكر، ثم قال: فقلت للمغيرة: يا لك الخير لقد كان أبو بكر مسددا في عمر كأنه ينظر إلى قيامه من بعده، وجده واجتهاده وعنائه في الاسلام، فقال

____________

(1) انظر شرح نهج البلاغة 2 / 29.

(2) شريك بن عبد الله النخعي أبو عبد الله الكوفي، قال عنه ابن المبارك:

" أعلم بحديث الكوفيين من الثوري وقال عنه ابن معين: صدوق ثقة إلا أنه إذا خالف فغيره أحب إلينا منه " (انظر تهذيب التهذيب 4 / 335) ولعل قول ابن معين هذا سببه اتهام شريك بالتشيع، مات سنة 177.

 

 

 

 

الصفحة 130 

المغيرة: لقد كان ذلك، وإن كان قوم كرهوا ولاية عمر ليزووها عنه، وما كان لهم في ذلك من حظ، فقلت له: لا أبا لك! ما نرى القوم الذين كرهوا (1) ذلك من عمر، فقال لي المغيرة: لله أنت كأنك في غفلة لا تعرف هذا الحي من قريش، وما قد خصوا به من الحسد! فوالله لو كان هذا الحسد يدرك بحساب لكان لقريش تسعة أعشار الحسد وللناس عشر بينهم، فقلت: مه يا مغيرة! فإن قريشا قد بانت بفضلها على الناس، ولم نزل في ذلك حتى انتهينا إلى عمر بن الخطاب أو إلى رحله (2) فلم نجده، فسألنا عنه فقيل خرج آنفا، فمضينا نقفو أثره حتى دخلنا المسجد فإذا عمر يطوف بالبيت فطفنا معه، فلما فرغ دخل بيني وبين المغيرة فتوكأ على المغيرة، ثم قال من أين جئتما؟ فقلنا: يا أمير المؤمنين خرجنا نريدك فأتينا رحلك فقيل لها: خرج يريد المسجد فاتبعناك، قال: تبعكما الخير، ثم أن المغيرة نظر إلي فتبسم، فنظر إليه عمر (3) فقال: مم تبسمت أيها العبد! فقال: من حديث كنت أنا وأبو موسى فيه آنفا في طريقنا إليك، فقال: وما ذاك الحديث فقصصنا عليه الخبر حتى بلغنا ذكر حسد قريش وذكر من أراد صرف أبي بكر عن ولاية عمر فتنفس عمر الصعداء (4) ثم قال: ثكلتك أمك يا مغيرة وما تسعة أعشار الحسد، إن فيها لتسعة أعشار الحسد، وتسعة أعشار العشر، وفي الناس عشر العشر وقريش شركاؤهم في عشر العشر أيضا، ثم سكت مليا وهو يتهادى (5) بيننا، ثم قال: ألا أخبركما بأحسد قريش كلها؟ قلنا: بلى يا أمير المؤمنين، قال:

____________

(1) في الشرح " ومن القوم الذين كرهوا ".

(2) وفيه " حتى انتهينا إلى رحل عمر فلم نجده ".

(3) وفيه " فرمقه عمر؟؟ ".

(4) الصعداء بضم الصاد والمد -: تنفس ممدود.

(5) مليا: طويلا، ويتهادى: يسير بهدوء.

الصفحة 131 

وعليكما ثيابكما، قلنا نعم، قال: وكيف بذلك وأنتما ملبسان ثيابكما؟

قلنا له: يا أمير المؤمنين وما بال الثياب؟ قال: خوف الإذاعة من الثياب، فقلت له: أتخاف الإذاعة من الثياب فأنت والله من ملبسي الثياب أخوف وما الثياب أردت! قال: هو ذاك، فانطلق وانطلقنا معه حتى انتهينا إلى رحله فخلى أيدينا من يده، ثم قال: لا تريما (1) ثم دخل، فقلت للمغيرة: لا أبا لك لقد عثرنا بكلامنا وما كنا فيه، وما أراه حبسنا إلا ليذاكرنا إياها قال: فإنا لكذلك إذ خرج علينا آذنه فقال:

ادخلا فدخلنا، فإذا عمر مستلق على برذعة الرحل (2) فلما دخلنا أنشأ يتمثل بيت كعب بن زهير (3):

 

لا تفش سرك إلا عند ذي ثقة  أولى وأفضل ما استودعت أسرارا

صدرا رحيبا وقلبا واسعا صمتا  لا تخش منه إذا أودعت اظهارا (4)

 

فلما سمعناه يتمثل بالشعر علمنا أنه يريد أن نضمن له كتمان حديثه، فقلنا له: يا أمير المؤمنين أكرمنا وخصنا ووصلنا قال: بماذا يا أخا الأشعرين (5)؟ قلنا: بإفشاء سرك إلينا وأشركنا في همك فنعم المستسران (6) نحن لك، فقال: إنكما لكذلك، فاسألا عما بدا لكما.

____________

(1) لا تريما: لا تبرحا، وفي الأصل لا تريحا، فآثرنا نقل ابن أبي الحديد.

وكذلك في حاشية ع.

(2) البرذعة - بالفتح -: الجلس الذي يلقى تحت الرحل.

(3) كعب بن زهير بن أبي سلمى صحابي صاحب " بانت سعاد " انظر ترجمته في أسد الغابة 4 / 240.

(4) في رواية ابن أبي الحديد:

 

صدرا وقلبا واسعا فمنا  ألا تخاف متى أودعت إظهارا

 

(5) الأشعرين بحذف ياء النسبة قال في اللسان: " تقول العرب: جاء بك الأشعرون، بحذف ياء النسبة ".

(6) في الشرح " المستشاران لك وما في المتن أرجح.

الصفحة 132 

قال: فقام إلى الباب ليغلقه فإذا آذنه الذي أذن لنا عليه في الحجرة، فقال: امض عنا لا أم لك، فخرج وأغلق الباب خلفه، ثم أقبل إلينا فجلس معنا، فقال: سلا تخبرا قلنا: نريد أن تخبرنا بأحسد قريش الذي لم تأمن ثيابنا عليه أن تذكره لنا، فقال: سألتما عن معضلة، وسأخبر كما فلتكن عندكما في ذمة منيعة، وحرز ما بقيت، فإذا مت فشأنكما وما أحببتما من إظهار أو كتمان، قلنا: فإن لك عندنا ذلك.

قال أبو موسى: وأنا أقول في نفسي: ما أظنه يريد إلا الذين كرهوا من أبي بكر استخلافه عمر، وكان طلحة أحدهم فأشاروا عليه ألا يستخلفه لأنه فظ غليظ، ثم قلت في نفسي: قد عرفنا هؤلاء القوم بأسمائهم وعشائرهم، وعرفهم الناس، وإذا هو يريد غير ما نذهب إليه منهم فعاد عمر إلى النفس، ثم قال: من تريانه؟ قلنا: والله ما ندري إلا ظنا، قال: ومن تظنان، قلنا: نراك تريد القوم الذين أرادوا أبا بكر على صرف هذا الأمر عنك قال كلا، بل كان أبو بكر أعق وأظلم، هو الذي سألتما عنه كان والله أحسد قريش كلها، ثم اطرق طويلا فنظر إلي المغيرة ونظرت إليه، وأطرقنا لإطراقه، وطال السكوت منا ومنه حتى ظننا أنه قد ندم على ما بدا منه، ثم قال: وا لهفاه على ضئيل بني تيم بن مرة! لقد تقدمني ظالما، وخرج إلي منها آثما، فقال له المغيرة: هذا يقدمك ظالما قد عرفنا فكيف خرج إليك منها آثما؟ قال: ذاك لأنه لم يخرج إلي منها إلا بعد يأس منها، وأما والله لو كنت أطعت زيد بن الخطاب وأصحابه لم يتلمظ (1) من حلاوتها بشئ أبدا، ولكني قدمت وأخرت وصعدت وصوبت (2) ونقضت وأبرمت فلم أجد إلا الاغضاء على ما نشبت منه فيها، والتلهف

____________

(1) تلمظ: تتبع بقية الطعام في فمه وأخرج لسانه فمسح به شفتيه.

(2) صعد: تأمله بالنظر من أعلاه وصوب: خفض رأسه ليتأمله من أسفله.

الصفحة 133 

على نفسي (1) وأملت إنابته ورجوعه، فوالله ما فعل حتى فغر بها بشما (2)، فقال له المغيرة بن شعبة: فما منعك منها وقد عرضها عليك يوم السقيفة بدعائك إليها؟ ثم أنت الآن تنقم بالتأسف عليه! فقال له:

ثكلتك أمك يا مغيرة إن كنت لأعدك من دهاة العرب كأنك كنت غائبا عما هناك، إن الرجل كادني فكدته، وماكرني فماكرته، وألفاني أحذر من قطاة، إنه، لما رأى شغف الناس به، وإقبالهم بوجوههم عليه أيقن أن لا يريدوا به بدلا فأحب لما رأى من حرص الناس عليه، وشغفهم به، أن يعلم ما عندي، وهل تنازع إليها نفسي، وأحب أن يبلوني (3) بأطماعي فيها، والتعريض لي بها، وقد علم وعلمت لو قبلت ما عرض علي منها لم يجبه الناس إلى ذلك، فألقاني قائما على أخمصي متشوزا (4) حذرا ولو أجبته إلى قبولها لم يسلم الناس إلى ذلك واختبأها ضغنا علي في قلبه، ولم آمن غائلته (5) ولو بعد حين مع ما بدا لي من كراهية الناس، أما سمعت نداءهم من كل ناحية عند عرضها علي لا نريد سواك يا أبا بكر أنت لها، فرددتها عليه فعند ذلك رأيته وقد التمع وجهه لذلك سرورا، ولقد عاتبني مرة على شئ بلغه عني، وذلك لما قدم بالأشعث بن قيس أسيرا فمن عليه وأطلقه وزوجه أخته أم فروة بنت أبي قحافة (6) فقلت للأشعث

____________

(1) والتلهف فلم تجبني نفسي، خ. ل.

(2) فغر: فتح فاه، وفي رواية ابن أبي الحديد " نغر " أي امتلأ، والبشم:

التخمة.

(3) يبلوني: يختبرني.

(4) مستوشز: " مستوفزا " والمستوفز من قعد منتصبا غير مطمئن، عند ابن أبي الحديد.

(5) الغائلة والمغالة: الشر والداهية.

(6) وذلك أن الأشعث بن قيس ارتد مع من ارتد من بني وليعة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وتوجوه عليهم ملكا كما يتوج الملك من قحطان واجتمعوا حوله وأظهروا الشماتة بوفاة رسول الله صلى الله علي وآله وسلم، وخضبوا الأيدي وضربت بغاياهم بالدفوف، وتوجهت إليهم جيوش المسلمين بقيادة زياد بن لبيد البياضي والي حضرموت وأعانه المهاجر بن أبي أمية والي صنعاء فانهزم الأشعث، وفر أصحابه، ولجأوا إلى الحصن المعروف النجير، فحاصرهم المسلمون حصارا شديدا حتى ضعفوا فنزل الأشعث ليلا وكلم زيادا والمهاجر وسألهما الأمان لنفسه وعشر من أهل بيته حتى يقدموا بهم على أبي بكر فيرى فيهم رأيه على أن يفتح لهم باب الحصن وتسلم إليهم من فيه فأمناه وأمضيا شرطه ففتح لهم الحصن، واستنزلوا من فيه، وأخذوا أسلحتهم ثم قتلوا منهم ثمانمائة وحملوا الأشعث وأهل بيته إلى المدينة فعفا أبو بكر عنه وعن هم وزوجه أخته أم فروة فكان الأشعث يسمى بعد ذلك عرف النار، قال الطبري في التاريخ 3 / 275: " وكان الأشعث يلعنه المسلمون ويلعنه الكافرون وسماه قومه عرف النار، كلام يماني يسمون به الغادر عنهم.

الصفحة 134 

وهو بين يدي أبي بكر: يا عدو الله أكفرت بعد إسلامك! وارتددت كافرا ناكصا على عقبيك؟ فنظر إلى الأشعث نظرا شزرا علمت له أنه يريد كلاما يكلمني به، ثم سكت فلقيني بعد ذلك في بعض سكك المدينة فرافقني. ثم قال لي: أنت صاحب الكلام يا ابن الخطاب؟ قلت: نعم يا عدو الله، ولك عندي شر من ذلك، فقال: بئس الجزاء هذا لي منك؟

فقلت: على م تريد مني حسن الجزاء؟ قال: لا نفتي لك من اتباع هذا الرجل - يريد أبا بكر - وما جرأني على الخلاف عليه إلا بقدمه عليك وتخلفك عنها، ولو كنت صاحبها ما رأيت مني خلافا عليك، قلت: قد كان ذلك فما تأمر الآن؟ قال: ما هذا وقت أمر إنما هو وقت صبر، حتى يأتي الله بفرج ومخرج، فمضى ومضيت، ولقي الأشعث بن قيس الزبرقان بن بدر السعدي (1) فذكر له ما جرى بيني وبينه، فنقل

____________

(1) الزبرقان بن بدر السعدي: صحابي من رؤساء قومه، قيل: اسمه الحصين ولقب بالزبرقان، وهو من أسماء القمر، لحسن وجهه، ولاه رسول الله صلى الله عليه وآله صدقات قومه، فثبت إلى أيام عمر وكف بصره في آخر عمره، وكان شاعرا فصيحا، فيه جفاء الأعراب. توفي سنة 45 (الإصابة حرف الزاي والأعلام 3 / 72).

الصفحة 135 

الزبرقان إلى أبي بكر الكلام فأرسل إلي فأتيته فذكر لي ذلك ثم قال: إنك لمتشوف (1) إليها يا ابن الخطاب فقلت وما يمنعني من التشوف لذلك فذكر أحق به فمن غلبني عليه، أما والله لتكفن أو لأقولن كلمة بالغة بي وبك في الناس يحملها الركبان حيث ساروا، وإن شئت استدمنا ما نحن فيه عفوا، فقال: إذا نستديمها على أنها صائرة إليك إلى أيام، فما ظننت أنه يأتي عليه جمعة حتى يردها على فتغافل والله فما ذكر لي والله بعد ذلك المجلس حرفا حتى هلك، ولقد مد في أمدها عاضا على نواجذه حتى حضره الموت فأيس منها فكان منه ما رأيتما، ثم قال: اكتما ما قلت لكما عن بني هاشم (2) خاصة وليكن منكم حيث أمرتكما إذا شئتما على بركة الله فمضينا ونحن نعجب من قوله، ووالله ما أفشينا سره حتى هلك (3) فكأني بهم عند سماع هذه الأخبار يستغرقون ضحكا تعجبا، واستبعادا وانكارا، ويقولون: كيف نصغي إلى هذه الأخبار، ومعلوم ضرورة تعظيم عمر لأبي بكر ووفاقه له، وتصويبه لإمامته، وكيف يطعن عمر في إمامة أبي بكر وهي أصل لإمامته، وقاعدة لولايته، وليس هذا بمنكر ممن طمست العصبية على قلبه وعينه، فهو لا يرى ولا يسمع إلا ما يوافق اعتقادات مبتدأة قد اعتقدها، ومذاهب فاسدة قد انتحلها، فما بال هذه الضرورة تخصهم ولا تعم من خالفهم، ونحن نقسم بالله على أنا لا نعلم ما يدعونه، ونزيد على ذلك بأنا نعتقد أن الأمر بخلافه، وليس في طعن عمر على بيعة أبي بكر ما يؤدي إلى فساد إمامته، لأنه يمكن أن يكون

____________

(1) تشوف إلى الشئ: تطلع.

(2) في رواية ابن أبي الحديد " عن الناس كافة وعن بني هاشم خاصة ".

(3) انظر شرح نهج البلاغة 2 / 33،

الصفحة 136 

ذهب إلى أن إمامته لم تثبت إلا بالنص عليه، وإنما ثبتت بالإجماع من الأمة والرضا، فقد ذهب إلى ذلك جماعة من الناس، ويرى أن إمامته أولى من حيث لم تقع بغتة ولا فجأة، ولا اختلف الناس في أصلها وامتنع كثير منهم من الدخول فيها، حتى أكرهوا وتهددوا وخوفوا.

فأما الفلتة فإنها وإن كانت محتملة للبغتة على ما حكى صاحب الكتاب وللزلة أيضا والخطيئة فالذي يخصصها بالمعنى الذي ذكرناه قوله: " وقى الله شرها فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه " وهذا الكلام لا يليق بالمدح وهو بالذم أشبه فيجب أن يكون محمولا على معناه.

وقوله: (إن المراد وقى الله شرها، إنه دفع شر الاختلاف فيها) وعدل عن الظاهر، لأن الشر في ظاهر الكلام مضاف إليها دون غيرها، وأبعد من هذا التأويل قوله: (إن المراد من عاد إلى مثلها من غير ضرورة وأكره المسلمين عليها فاقتلوه) لأن ما جرى هذا المجرى لا يكون مثلا لبيعة أبي بكر عندهم. لأن كل ذلك ما جرى على مذاهبهم فيها وقد كان يجب على هذا أن يقول: من عاد إلى خلافها فاقتلوه، وليس له أن يقول: إنما أراد بالتمثيل وجها واحدا، وهو وقوعهما من غير مشاورة لأن ذلك إنما تم في أبي بكر خاصة لظهور أمره، واشتهار فضله، ولأنهم بادروا إلى العقد خوفا من الفتنة، وذلك أنه غير منكر أن يتفق من ظهور فضل غير أبي بكر بالعقد له واشتهار أمره، وخوف الفتنة ما اتفق لأبي بكر فلا يستحق قتلا ولا ذما على أن قوله: " مثلها " يقتضي وقوعها على الوجه الذي وقعت عليه وكيف يكون ما وقع من غير مشاورة لضرورة داعية وأسباب موجبة مثلا لما وقع بلا مشاورة، ومن غير ضرورة ولا أسباب! والذي رواه عن أهل اللغة من أن آخر يوم من شوال يسمى فلتة من حيث لم يدرك فيه ثاره فإنا لا نعرفه، والذي نعرفه من القوم أنهم يسمون الليلة التي ينقضي بها أحد

الصفحة 137 

الشهور الحرم ويتم فلتة، وهي آخر ليلة من ليالي الشهر لأنه ربما رأى قوم الهلال لتسع وعشرين ولم يبصره الباقون فيغير هؤلاء على أولئك وهم غارون (1)، فلهذا سميت هذا الليلة فلتة، على إنا قد بينا أن مجموع الكلام يقتضي ما ذكرناه من المعنى، ولو سلم له ما رواه عن أهل اللغة في احتمال هذه اللفظة (2).

وقوله في أول الكلام: (وليست الفلتة الزلة والخطيئة) إن أراد أنها لا تختص بذلك صحيح، وإن أراد أنها لا تحملها فهو ظاهر الخطأ لأن صاحب " العين " قد ذكر في كتابه: إن الفلتة من الأمر الذي يقع على غير أحكام.

وبعد، فلو كان عمر لم يرد بقوله توهين بيعة أبي بكر بل أراد ما ظنه المخالفون لكان ذلك عائدا عليه بالنقص، لأنه وضع كلامه في غير موضعه، وأراد شيئا فعبر عن خلافه، فليس يخرج هذا الخبر من أن يكون طعنا على أبي بكر إلا بأن يكن طعنا على عمر.

قال صاحب الكتاب: (شبهة لهم أخرى، قالوا: قد روي عن أبي بكر أنه قال عند موته: ليتني كنت سألت رسول الله صلى الله عليه وآله عن ثلاثة فذكر في أحدها ليتني كنت سألته هل للأنصار في هذا الأمر حق، وذلك أنه يدل على شكه في بيعة (3) نفسه وربما قالوا قد روي أنه قال في مرضه: ليتني كنت تركت بيت فاطمة عليها السلام لم أكشفه، وليتني

____________

(1) غارون: غافلون.

(2) نقل ذلك ابن أبي الحديد عن " الشافي " بتحوير واختلاف يسير في بعض الحروف والكلمات (انظر شرح نهج البلاغة 2 / 34 و 35).

(3) في المغني " في صحة بيعة نفسه ويمنع من كونها صوابا ".

الصفحة 138 

في ظلة بني ساعدة كنت ضربت على يد أحد الرجلين، فكان هو الأمير وكنت الوزير، قالوا: وذلك يدل على ما روي من إقدامه على بيت فاطمة عليها السلام عند اجتماع أمير المؤمنين عليه السلام والزبير وغيرهما فيه، ويدل على أنه كان يرى الفضل لغيره لا لنفسه [ ولا يدل على أنه لم يكن عالما ] (1).

ثم قال: (الجواب عن ذلك أن قوله: ليتني، لا يدل على الشك فيما تمناه، وقول إبراهيم عليه السلام: (رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي) (2) أقوى من ذلك على الشبهة (3) ثم حمل تمنيه على أنه أراد سماع شئ مفصل أو أراد ليتني سألته عند الموت لقرب العهد لأن ما قرب عهده لا ينسى ويكون أردع للأنصار لما حاولوه) ثم قال: (على أنه ليس في ظاهره أنه تمنى أن يسأل (4) هل لهم حق في الإمامة أم لا لأن الإمامة قد يتعلق بها حقوق سواها) ثم دفع الرواية المتعلقة ببيت فاطمة عليها السلام وقال: (فإن تمنيه أن يبايع غيره فلو ثبت لم يكن ذما لأن من شهد التكليف عليه فهو يتمنى خلافه)...) (5).

يقال له: ليس يجوز أن يقول أبو بكر: ليتني سألت عن كذا إلا مع الشك والشبهة لأن مع العلم واليقين لا يجوز مثل هذا القول هكذا يقتضي الظاهر فأما قول إبراهيم عليه السلام فإنما ساغ أن يعدل عن

____________

(1) الزيادة من المغني.

(2) البقرة / 62.

(3) غ " في الشبهة ".

(4) غ " يشك " تصحيف.

(5) المغني 20 ق 1 / 341.

الصفحة 139 

ظاهره لأن الشك لا يجوز على الأنبياء عليهم السلام ويجوز على غيرهم على أنه عليه السلام قد نفى عن نفسه الشك بقوله: (بلى ولكن ليطمئن قلبي) وقد قيل إن نمرود قال له: إذا كنت تزعم أن لك ربا يحيي الموتى فسله أن يحيي لنا ميتا إن كان على ذلك قادرا فإن لم يفعل ذلك فقتلتك فأراد بقوله (ولكن ليطمئن قلبي) أي لآمن توعد عدوك لي بالقتل وقد يجوز أن يكون طلب ذلك لقومه وقد سألوه أن يرغب إلى الله فيه فقال: (ليطمئن قلبي) إلى إجابتك لي وإلي إزاحة علة قومي ولم يرد ليطمئن قلبي إلى أنك تقدر أن تحيي الموتى لأن قلبه بذلك مطمئن وأي شئ يريد أبو بكر من التفضيل أكثر من قوله: إن هذا الأمر لا يصلح إلا لهذا الحي من قريش [ والأئمة من قريش ] (1) وأي فرق بين ما يقال عند الموت وما يقال قبله إذا كان محفوظا معلوما لم يرفع حكمه ولم ينسخ، وبعد فظاهر الكلام لا يقتضي هذا التخصيص ونحن مع الإطلاق والظاهر، وأي حق يجوز أن يكون للأنصار في الإمامة غير أن يتولاها رجل منهم حتى يجوز أن يكون الحق الذي تمنى أن يسأل عنه غير الإمامة، وهل هذا إلا تعسف وتكلف، وأي شبهة تبقى بعد قول أبي بكر: ليتني كنت سألته هل للأنصار في هذا الأمر شئ فكنا لا ننازعه أهله، ومعلوم أن التنازع لم يقع بينهم إلا في الإمامة نفسها لا في حق آخر من حقوقها.

فأما قوله: (إنا قد بينا أنه لم يكن منه في بيت فاطمة عليها السلام ما يوجب أن يتمنى أن لم يفعله) فقد بينا فساد ما ظنه في هذا الباب، ومضى الكلام فيه مستقصى.

فأما قوله: (إن من اشتد التكليف عليه قد يتمنى خلافه) فليس بصحيح لأن ولاية أبي بكر إذا كانت هي التي اقتضاها الدين والنظر

____________

(1) ما بين المعقوفين من المغني.

الصفحة 140 

للمسلمين في تلك الحال، وما عداها كان مفسدة ومؤديا إلى الفتنة فالتمني بخلافها لا يكون إلا قبيحا.

قال صاحب الكتاب بعد أن ذكر شيئا لا يتعلق به من أن أبا بكر نص على عمر، وترك التأسي بالرسول صلى الله عليه وآله لأنه لم يستخلف وأجاب عنه (وربما قالوا في الطعن عليه: إنه ولى عمر ولم يوله رسول الله صلى الله عليه وآله شيئا من أعماله إلا ما ولاه يوم خيبر فرجع منهزما وولاه الصدقة فلما شكى إليه (1) العباس عزله).

ثم أجاب (بأن تركه عليه السلام أن يوليه لا يدل على أنه لا يصلح لذلك لأنه قد ولى خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، ولم يدل على أنهما يصلحان للإمامة وكذلك تركه أن يولي لا يدل على أنه غير صالح للإمامة بل المعتبر بالصفات التي بها يصلح للإمامة فإذا كملت صلح لذلك ولي من قبل أو لم يول [ فإذا كان لو كان قد ولاه لم يدل على صلاحه للإمامة كما ذكرنا في خالد وغيره. فتركه لأن يوليه لا يدل على ما قالوه ] (2) وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله ترك أن يولي أمير المؤمنين ولايات كثيرة، ولم يجب أن لا يصلح لها [ بل معتبر بالصفات التي لها تصلح للإمامة ] (2) وثبت أن أمير المؤمنين عليه السلام لم يول الحسين عليه السلام ولم يمنع ذلك من أن يصلح للإمامة) وحكي عن أبي علي (على أن ذلك إنما كان يصح أن يتعلق به لو ظفروا بتقصير من عمر فيما يتولاه، فأما وأحواله معروفة في قيامه بالأمر حين يعجز غيره فكيف يصح ما قالوه، وبعد فهلا دل ما روي من قوله: (وإن وليتم عمر تجدوه قويا في أمر الله قويا في ندبه)

____________

(1) غ " شكاه ".

(2) التكملة تحت هذا الرقم من " المغني ".

الصفحة 141 

على جواز ذلك وإن ترك أن يوليه لأن هذا القول أقوى من الفعل...) (1).

يقال له: قد علمنا من العادة أن من يرشح لكبار الأمور لا بد من أن يدرج إليها بصغارها لأن من يريد بعض الملوك تأهيله للأمر بعده لا بد أن ينبه عليه بكل قول وفعل يدل على ترشيحه لهذه المنزلة، ويستكفيه من أموره وولاياته ما يعلم عنده أو يغلب في الظن صلاحه لما يريده له، وأن من يرى أن الملك مع حضوره، وامتداد الزمان وتطاوله ولا يستكفيه شيئا من الولايات ومتى ولاه عزله وإنما يولي غيره ويستكفي سواه لا بد أن يغلب في الظن أنه ليس بأهل للولاية وإن جوزنا أنه لم يوله لأسباب كثيرة سوى أنه لا يصلح للولاية إلا أن مع هذا التجويز لا بد أن يغلب الظن بما ذكرناه.

فأما خالد وعمرو فإنما لم يصلحا للإمامة لفقد شروط الإمامة فيهما وإن كانا يصلحان لما ولياه من الإمارة، فترك الولاية مع امتداد الزمان، وتطاول الأيام، وجميع الشروط التي ذكرناها تقتضي غلبة الظن لفقد الصلاح والولاية لشئ لا يدل على الصلاح لغيره إذا كانت الشرائط في القيام بذلك الغير معلوما فقدها، وقد نجد الملك يولي بعض أموره من لا يصلح الملك بعده لظهور فقد الشرائط فيه ولا يجوز أن يكون بحضرته من يرشحه للملك بعده ولا يوليه على تطاول الزمان شيئا من الولايات، فبان الفرق بين الولاية وتركها فيما ذكرناه.

فأما أمير المؤمنين عليه السلام وإن لم يتول جميع أمور النبي صلى الله

____________

(1) المغني 20 ق 1 / 342.

الصفحة 142 

عليه وآله في حياته فقد تولى أكثرها وأعظمها، وخلفه عليه السلام بالمدينة وكان الأمير على الجيش المبعوث إلى خيبر وجرى الفتح على يديه بعد انهزام من انهزم عنها وكان المؤدي عنه سورة براءة بعد عزل أبي بكر عنها وارتجاعها (1) منه إلى غير ذلك من عظيم الولايات والمقامات مما يطول بذكره الشرح ولو لم يكن إلا أنه لم يول عليه واليا لكفى.

فأما اعتراضه بأن أمير المؤمنين لم يول الحسين فبعيد من الصواب، لأن أيام أمير المؤمنين عليه السلام لم تطل حتى يتمكن فيها من مراداته وكانت على قصرها منقسمة بين قتال الأعداء، ولأنه عليه السلام لما بويع لم يلبث أن خرج عليه أهل البصرة فاحتاج إلى قتالهم، ثم انكفأ من قتالهم إلى قتال أهل الشام (2) وتعقب ذلك قتال أهل النهروان، فلم يستقر به الدار ولا امتد له الزمان وهذا بخلاف أيام النبي صلى الله عليه وآله التي تطاولت وامتدت على إنه قد نص عليه بالإمامة بعد أخيه الحسن، وإنما يطلب الولايات لغلبة الظن بالصلاح للإمامة فإذا كان هناك وجه يقتضي العلم بالصلاح لها كان أولى من طريق الظن، على أنه لا خلاف بين المسلمين بأن الحسين عليه السلام كان يصلح للإمامة وإن لم يوله أبوه الولايات وفي مثل ذلك خلاف من حال عمر فافترق الأمران.

فأما قوله: (في أنه لم يعثر على عمر بتقصير في الولاية فمن سلم ذلك أوليس يعلم أن مخالفته تعد تقصيرا كثيرا ولو لم يكن إلا ما اتفق عليه من خطئه في الأحكام ورجوعه من قول إلى غيره واستفتائه الناس في الصغير والكبير وقوله " كل الناس أفقه من عمر " لكان فيه كفاية، وليس

____________

(1) في شرح النهج " بعد عزل من عزل عنها ".

(2) في الأصل " إلى قبائل أهل الشام " فآثرنا ما في شرح نهج البلاغة.

الصفحة 143 

كل النهوض بالإمامة يرجع إلى حسن التدبير والسياسة الدنياوية ورم العمال والاستظهار في حياته الأموال وتمصير الأمصار، ووضع الأعشار، بل حظ الإمامة من العلم بالأحكام والفتيا بالحلال والحرام والناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه أقوى فمن قصر في هذا لم ينفعه أن يكون كاملا في ذلك.

فأما قوله: فالأدل ما روي من قوله: (وإن وليتم عمر تجدوه قويا في أمر الله قويا في بدنه) فهذا لو ثبت لدل وقد تقدم الكلام على هذا الخبر وأمثاله فيما سلف من هذا الكلام، وأقوى ما يبطله عدول أبي بكر عن ذكره والاحتجاج به، لما أراد النص على عمر فعوتب على ذلك، وقيل له: ما تقول لربك إذا وليت علينا فظا غليظا؟ ولو كان صحيحا لكان يحتج به ويقول: وليت عليكم من عهد النبي صلى الله عليه وآله بأنه قوي في أمر الله قوي في بدنه وقد قيل فيما يطعن (1) على هذا الخبر أن ظاهره يقتضي تفضيل عمر على أبي بكر والاجماع (2) بخلاف ذلك لأن القوة في الجسم فضل، قال الله تعالى: (إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم) (3) وبعد فكيف يعارض ما اعتمدناه من عدوله عليه السلام عن ولايته وهو أمر معلوم بهذا الخبر المردود المدفوع (4).

____________

(1) ش " وقد قيل في الطعن على صحة هذا الخبر ".

(2) أنكر ابن أبي الحديد هذا الإجماع وقال معلقا على كلام المرتضى: " إن كتب الكلام والتصانيف المصنفة في المقالات مشحونة بذكر الفرقة العمرية، وهم القائلون: إن عمر أفضل من أبي بكر، وهي طائفة عظيمة من المسلمين، يقال: إن عبد الله بن مسعود منهم، وقد رأيت جماعة من الفقهاء يذهبون إلى هذا ويناظرون عليه " (شرح نهج البلاغة 17 / 174).

(3) البقرة / 247.

(4) كلام قاضي القضاة هنا في تولية عمر (رض) ونقض المرتضى له نقله ابن أبي الحديد في شرح النهج ج 17 ص 168 - 171.

الصفحة 144 

قال صاحب الكتاب: (شبهة لهم أخرى) قال: (وأحد ما طعنوا به في إمامته حديث أسامة بن زيد (1) وذكروا أنه كان في جيشه وأن رسول الله صلى الله عليه وآله كرر حين موته الأمر بتنفيذ جيش أسامة فتأخره يقتضي مخالفة الرسول صلى الله عليه وآله، فإن قلتم: إنه لم يكن في الجيش، قيل لكم: لا شك أن عمر بن الخطاب كان في الجيش وأنه حبسه ومنعه من النفوذ مع القوم، وهذا كالأول في أنه معصية، وربما قالوا: إنه جعل في جيش أسامة هؤلاء القوم ليبعدوا بعد وفاته [ عن المدينة ] (2) ولا يقع منهم توثب على الإمامة، ولذلك لم يجعل أمير المؤمنين، عليه السلام في ذلك الجيش، وجعل فيه أبا بكر وعمر وعثمان وغيرهم، وذلك من أوكد الدلالة على أنه لم يرد أن يختاروا للإمامة) (3) ثم أجاب عن ذلك بأن أنكر أو لا أن يكون أبو بكر في جيش أسامة، وأحال على كتب المغازي ثم سلم ذلك [ وقال: إن الأمر لا يلزم الفور فلا يلزم من تأخر أبي بكر عن النفوذ أن يكون عاصيا) ثم قال: (إن ] (4) خطابه عليه السلام بتنفيذ الجيش يجب أن يكون متوجها إلى القائم بعده بالأمر لأنه من خطاب الأئمة، وهذا يقتضي أن لا يدخل المخاطب بالإنفاذ في الجملة)

____________

(1) أسامة بن زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وآله استعمار النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو ابن ثمان عشرة سنة في علته التي توفي فيها توفي آخر أيام معاوية (انظر أسد الغابة 1 / 66).

وكلام القاضي في هذه المسألة ونقض المرتضى له نقله ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ج 17 ص 175 - 181.

(2) التكملة من " شرح نهج البلاغة ".

(3) المغني 20 ق 1 / 344 مع اختلاف في الألفاظ وتفاق في المغني.

(4) ما بين المعقوفين ساقط من " الشافي " وأعدناه من " المغني " وهو منقول عن " الشافي " في " شرح نهج البلاغة 17 / 175 ".

الصفحة 145 

ثم قال (هذا يدل على إنه لم يكن هناك إمام منصوص عليه لأنه لو كان كذلك لا قبل بالخطاب عليه وخصه بالأمر بالإنفاذ دون الجميع...) (1) ثم ذكر أن أمره صلى الله عليه وآله بالإنفاذ لا بد أن يكون مشروطا بالمصلحة، وبأن لا يعرض ما هو أهم منه، لأنه لا يجوز أن يأمرهم بالنفوذ وإن أعقب ضررا في الدين، وقواه بأنه لم ينكر على أسامة تأخره وقوله: لم أكن لأسأل عنك الركب وأكد كون الأمر مشروطا بكلام كثير لا طائل فيه، وفي حكايته وقال: (لو كان الإمام منصوصا عليه - كما يقولون - (2) لجاز أن يسترد جيش أسامة أو بعضه لنصرته فكذلك إذا كان بالاختيار) (3) وحكي عن أبي علي استدلاله أن أبا بكر لم يكن في جيش أسامة بأنه ولاه الصلاة في مرضه مع تكرره أمر الجيش بالنفوذ والخروج) (4) ثم ذكر (إن الرسول صلى الله عليه وآله إنما يأمر بما يتعلق بمصالح الدنيا من الحروب وغيرها عن اجتهاده، وليس بواجب أن يكون ذلك عن وحي كما وجب في الأحكام الشرعية وإن اجتهاده يجوز أن يخالف بعد وفاته، وإن لم يجز في حياته لأن اجتهاده في الحياة أولى من اجتهاد غيره) (5) ثم ذكر (إن العلة في احتباس عمر عن النفوذ مع الجيش حاجة إليه (6) وقيامه بما لا يقوم به غيره وإن ذلك أحوط للدين من نفوذه) ثم

____________

(1) المغني 20 ق 1 / 345.

(2) الجملة المعترضة من " المغني ".

(3) المغني 20 ق 1 / 346.

(4) المغني نفس الصفحة.

(5) غلق أب أبي الحديد على كلام شيخه هذا بقوله: " فليس يكاد يظهر لأن اجتهاده وهو ميت أولى أيضا من اجتهاد غيره " قال " ويغلب على ظني أنهم فرقوا بين حالتي الحياة والموت، فإن في مخالفته وهو حي نوعا من أذى له وأذاه محرم لقوله تعالى:

(وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله) والأذى بعد الموت لا يكون فافترق الحالان "!!

واترك للقارئ الكريم الحكم في هذا الاجتهاد المزعوم والتعليق على هذا التفريق.

(6) غ " حاجة أبي بكر إليه ".

الصفحة 146 

ذكر: (إن أمير المؤمنين عليه السلام حارب معاوية بأمر الله تعالى وأمر رسوله ومع هذا فقد ترك محاربته في بعض الأوقات ولم يجب بذلك ألا يكون ممتثلا للأمر وذكر توليته عليه السلام أبا موسى الأشعري وتولية الرسول صلى الله عليه وآله خالد بن الوليد (1) مع ما ظهر منهما وإن كل ذلك يقتضي الشروط) ثم ذكر (إن من يصلح للإمامة ممن ضمه جيش أسامة يجب تأخره ليختار للإمامة أحدهم لأن ذلك أهم من نفوذهم، فإذا جاز لهذه العلة التأخر قبل العقد جاز التأخر بعده للمعاضدة وغيرها) وطعن في قول من جعل إخراجهم في الجيش على طريق الابعاد ليؤمن بحضوره أمر النص بأن قال: (إن بعدهم لا يمنع من أن يختاروا للإمامة ولأنه عليه السلام لم يكن قاطعا على موته لا محالة لأنه لم يرد نفذوا جيش أسامة في حياتي).

ثم ذكر إن ولاية أسامة عليهما لا تقتضي فضله وإنهما دونه، وذكر ولاية عمرو بن العاص عليهما وإن لم يكونا دونه في الفضل وإن أحدا لم يفضل أسامة عليهما.

ثم ذكر أن السبب في كون عمر من جملة جيش أسامة أن عبد الله ابن أبي ربيعة المخزومي (2) قال عند ولاية أسامة تولي علينا شابا حدثا

____________

(1) يريد تولية: أبي موسى في التحكيم وتولية خالد السرية إلى الغميصاء وهو الموضع الذي أوقع خالد فيه ببني جذيمة وتبرأ رسول الله صلى الله عليه وآله من فعله، وقال: (اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد) وأرسل إليهم عليا وودى لهم كل شئ حتى مليغة الكلب، والقضية رواها عامة أهل السير وانظر (سيرة ابن هشام).

(2) نقل ابن أبي الحديد عن الواقدي " إن المنكر لإمارة أسامة عياش بن أبي ربيعة " قال " وغير الواقدي يقول عبد الله بن أبي عياش وقد قيل عبد الله بن أبي ربيعة أخو عياش " (الشرح 17 / 182).

 

 

 

 

الصفحة 147 

ونحن مشيخة قريش؟ فقال عمر: " يا رسول الله مرني حتى أضرب عنقه ".

فقد طعن في إمارته (1) ثم قال عمر أنا أخرج في جيش أسامة، تواضعا وتعظيما لأمره له عليه السلام (2).

يقال له: أما كون أبي بكر في جملة جيش أسامة فظاهر قد ذكره أصحاب السير والتواريخ (3) وقد روى البلاذري في تاريخه وهو معروف الثقة والضبط ويرى من مماثلة الشيعة ومقاربتها أن أبا بكر وعمر كانا معا في جيش أسامة والانكار لما يجري هذا المجرى لا يغني شيئا، وقد كان يجب على من أحال بذلك على كتب المغازي في الجملة أن يومي إلى الكتاب المتضمن لذلك بعينه ليرجع إليه.

فأما خطابه بالتنفيذ للجيش فالمقصود به الفور دون التراخي، أما من حيث مقتضى الأمر على مذهب من رأى ذلك لغة أو شرعا (4) من حيث وجدنا جميع الأمة من لدن الصحابة إلى هذا الوقت يحملون أوامره ونواهيه عليه السلام على الفور، ويطلبون في تراخيها الأدلة ثم لم يثبت كل ذلك لكان قول أسامة: لم أكن لأسأل عنك الركب، أوضح دليل على أنه

____________

(1) ش " بتأميرك إياه ".

(2) كل ما نقله الشريف هنا نقله باختصار وإن كان لم يترك المهم من كلام القاضي انظر المغني 20 ق 1 / من ص 246 - 349.

(3) قال ابن أبي الحديد: إن الأمر عندي في هذا الموضع مشتبه والتواريخ مختلفة في هذه القضية فمنهم من يقول: إن أبا بكر كان في جملة الجيش، ومنهم من يقول: لم يكن، وما أشار إليه قاضي القضاة بقوله: في كتب المغازي، لا ينتهي إلى أمر صحيح (الشرح 17 / 182).

(4) علق ابن أبي الحديد على ذلك بقوله: " أما قول المرتضى: الأمر على الفور أما لغة عند من قال به وشرعا لإجماع الكل على أن الأوامر الشرعية على الفور إلا ما خرج بالدليل، فالظاهر في هذا الموضع صحة ما قاله المرتضى ".

الصفحة 148 

عقل من الأمر الفور لأن سؤال الركب عنه عليه السلام لا معنى له بعد الوفاة وقول صاحب الكتاب: (فلم ينكر على أسامة تأخره) ليس بشئ وأي إنكار أبلغ من تكراره الأمر وترداده القول في حال يشغل عن المهم، ويقطع عن الفكر إلا فيها؟ وقد ينكر الأمر على المأمور تارة بتكرار الأمر وأخرى بغيره، وإذا سلمنا أن أمره عليه السلام كان متوجها إلى القائم بالأمر بعده لتنفيذ الجيش بعد الوفاة لم يلزم ما ذكره من خروج المخاطب بالإنفاذ عن الجملة، فكيف يصح ذلك وهو من جملة الجيش والأمر متضمن لتنفيذ الجيش؟ فلا بد من خروج كل من كان في جملته لأن تأخر بعضهم يسلب الخارجين اسم الجيش على الإطلاق، أوليس من مذهب صاحب الكتاب أن الأمر بالشئ أمر بما لا يتم إلا معه، وقد اعتمد على هذا في مواضع كثيرة، وإن كان خروج الجيش ونفوذه لا يتم إلا بخروج أبي بكر فالأمر بخروجه أمر لأبي بكر بالنفوذ والخروج وكذلك لو أقبل عليه على سبيل التخصيص وقال: (نفذوا جيش أسامة) وكان هو في جملة الجيش فلا بد من أن يكون ذلك أمرا له بالخروج واستدلالا له على أنه لم يكن هناك إمام منصوص عليه لعموم الأمر بالتنفيذ، ليس بصحيح لأنا قد بينا أن الخطاب إنما توجه إلى الحاضرين ولم يتوجه إلى الإمام بعده، على أن هذا لازم له، لأن الإمام بعده لا يكون إلا واحدا فلم عمم صاحب الكتاب الخطاب ولم يفرد به الواحد فيقول: لينفذ القائم بالأمر بعدي جيش أسامة؟ فإن الحال لا يختلف في كون الإمام بعده عليه السلام واحدا بين أن يكون منصوصا عليه أو مختارا.

وأما ادعاؤه الشرط في أمره عليه السلام بالنفوذ فباطل لأن إطلاق الأمر يمنع من إثبات الشرط، وإنما يثبت من الشروط ما يقتضي العقل إثباتها من التمكن والقدرة، لأن ذلك شرط ثابت في كل أمر ورد من حكيم والمصلحة بخلاف ذلك، لأن الحكيم لا يأمر بشرط المصلحة بل

الصفحة 149 

إطلاق الأمر منه يقتضي ثبوت المصلحة (1) وانتفاء المفسدة، وليس كذلك التمكن وما يجري مجراه، ولهذا لا يشترط أحد في أوامر الله تعالى ورسوله بالشرائع المصلحة وانتفاء المفسدة، وشرطوا في ذلك التمكن ورفع التعذر، ولو كان الإمام منصوصا عليه بعينه واسمه لما جاز أن يسترد جيش أسامة بخلاف ما ظنه ولا أن يعزل من ولاه صلى الله عليه وآله، ولا يولي من عزله للعلة التي ذكرناها.

فأما استدلال أبي علي على أن أبا بكر لم يكن في الجيش بحديث الصلاة فأول ما فيه أنه اعتراف بأن الأمر بتنفيذ الجيش كان في الحال دون بعد الوفاة، وهذا ناقض لما بنى صاحب الكتاب عليه أمره صلى الله عليه وآله، ثم إنا بينا أنه صلى الله عليه وآله لم يوله الصلاة، وذكرنا ما في ذلك، ثم ما المانع من أن يوليه تلك الصلاة إن كان ولاه إياها ثم يأمره بالنفوذ من بعد مع الجيش؟ فإن الأمر بالصلاة في تلك الحال لا يقتضي أمره بها على التأييد.

وأما ادعاؤه: أن النبي صلى الله عليه وآله يأمر بالحروب وما يتصل بها عن اجتهاد دون الوحي، فمعاذ الله أن يكون ذلك صحيحا لأن حروبه صلى الله عليه وآله لم تكن مما تختص مصالح الدنيا بل للدين فيها أقوى تعلق لما يعود على الاسلام وأهله بفتوحه من العز والقوة، وعلو

____________

(1) علق ابن أبي علي هذا بقوله: " فأما قول المرتضى: الأمر المطلق يدل على ثبوت المصلحة فقول جيد إذا اعترض به على الوجه الذي أورده قاضي القضاة " لكنه نكص بعد ذلك فقال: " فأما إذا أورده أصحابنا على وجه آخر فإنه يندفع كلام المرتضى، وذلك إنه يجوز تخصيص عمومات النصوص بالقياس الجلي، فلم لا يجوز لأبي بكر أن يخص عموم قوله: " أنفذوا جيش أسامة " لمصلحة غلبت على ظنه في عدم نفوذه نفسه " (شرح نهج البلاغة 17 / 188).

الصفحة 150 

الكلمة، وليس يجري ذلك مجرى أكله وشربه ونومه، لأن ذلك لا تعلق له بالدين، فيجوز أن يكون عن رأيه (1) ولو جاز أن تكون مغازيه وبعوثه مع التعلق القوي لها بالدين عن اجتهاد لجاز ذلك في الاحكام ثم لو كان ذلك عن اجتهاد لما ساغت مخالفته فيه بعد وفاته، كما لا تسوغ في حياته فكل علة تمنع من أحد الأمرين تمنع من الأخرى.

فأما الاعتذار في حبس عمر عن الجيش بما ذكره فباطل لأنا قد بينا أن ما يأمر به عليه السلام لا يسوغ مخالفته مع الامكان، ولا مراعاة لما عساه يعرض فيه من رأى غيره، وأي حاجة إلى عمر بعد تمام العقد واستقراره ورضا الأمة به على مذهب المخالف وإجماع الأمة عليه، ولم يكن هناك فتنة ولا تنازع ولا اختلاف يحتاج فيه إلى مشاورته وتدبيره وكل هذا تعلل بالباطل.

فأما محاربة أمير المؤمنين عليه السلام معاوية فلم يكن مأمورا بها إلا مع التمكن ووجود الأنصار، وقد فعل عليه السلام ما وجب (2) عليه لما تمكن منه فأما مع التعذر وفقد الأنصار فما كان مأمورا وليس كذلك القول في جيش أسامة لأن تأخر من تأخر عنه كان مع القدرة والتمكن.

فأما تولية أبي موسى فلا ندري كيف يشبه ما نحن فيه لأنه إنما ولاه بأن يرجع إلى كتاب الله فيحكم بما يقتضيه فيه وفي خصمه بالشرط الذي ولاه عليه، وأبو موسى فعل خلاف ما جعل إليه، فلم يمكن ممتثلا لأمر من ولاه وكذلك خالد بن الوليد إنما خالف ما أمره الرسول صلى الله عليه وآله به فتبرأ من فعله وكل هذا لا يشبه أمره عليه السلام بتنفيذ جيش أسامة

____________

(1) كيف وهو صلى الله عليه وآله في فعله وتقريره القدوة والأسوة.

(2) ش " من ذلك ما وجب ".

الصفحة 151 

أمر مطلقا وتأكيده ذلك وتكراره له.

فأما جيش أسامة فإنه لم يضم من يصلح للإمامة فيجوز تأخرهم ليختار أحدهم على ما ظنه صاحب الكتاب، على أن ذلك لو صح أيضا لم يكن عذرا في التأخر لأن من خرج في الجيش يمكن أن يختار وإن كان بعيدا ولا يمنع بعده من صحة الاختيار، وقد صرح صاحب الكتاب بذلك ثم لو صح هذا العذر لكان عذرا في التأخر قبل العقد فأما بعد إبرامه فلا عذر فيه، فالمعاضدة التي ادعاها قد بينا ما فيها.

فأما قول صاحب الكتاب رادا على من جعل إخراج القوم في الجيش ليتم أمر النص (إن بعدهم لا يمنع من أن يختاروا للإمامة) فيدل على أنه لم يتبين معنى هذا الطعن على حقيقته، لأن الطاعن به لا يقول إنه أنفذهم (1) لئلا يختاروا للإمامة، وإنما يقول إنه أبعدهم حتى ينتصب بعده في الأمر من نص عليه، ولا يكون هناك من يخالفه وينازعه.

فأما قوله: (إنه صلى الله عليه وآله لم يكن قاطعا على موته)، فذلك لا يضر تسليمه أليس كان خائفا ومشفقا وعلى الخائف أن يتجرد مما يخاف منه.

فأما قوله: (لم يرد نفذوا الجيش في حياتي) فقد بينا ما في ذلك فأما ولاية أسامة على من ولى عليه فلا بد من اقتضائها لفضله على الجماعة فيما كان واليا فيه، وقد دللنا فيما تقدم من الكتاب على أن ولاية المفضول على الفاضل فيما كان أفضل فيه منه قبيحة، وكذلك القول في ولاية عمرو بن العاص عليهما والقول في الأمرين واحد.

____________

(1) أبعدهم، خ ل.

الصفحة 152 

وقوله: (إن أحدا لم يدع فضل أسامة عليهما) فليس الأمر على ما ظنه لأن من ذهب إلى فساد إمامة المفضول لا بد من أن يفضل أسامة عليهما فيما كان واليا فيه.

وأما ما ادعاه من السبب في دخول عمر في الجيش فما نعرفه ولا وقفنا عليه إلا من كتابه، ثم لو صح لم يغن شيئا لأن عمر لو كان أفضل من أسامة لمنعه الرسول صلى الله عليه وآله من الدخول في إمارته، والمسير تحت لوائه، والتواضع لا يقتضي فعل القبيح، وهذه جملة كافية.

قال صاحب الكتاب: (شبهة أخرى لهم. وأحد ما طعنوا به في أبي بكر أنه عليه السلام لم يوله الأعمال، وولى غيره عليه ولما ولاه الحج بالناس وأن يقرأ عليهم سورة براءة عزله عن ذلك، وجعل الأمر إلى أمير المؤمنين عليه السلام وقال: (لا يؤدي عني إلا أنا ورجل مني) حتى رجع أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه وآله).

ثم أجاب عن ذلك أنه لو سلم [ إنه لم يوله ما كان يدل على نقص ولا على أنه لا يصلح للإمارة والإمامة بل لو قيل: ] (1) إنه لم يوله لحاجته إليه بحضرته وإن ذلك رفعة له لكان أقرب لا سيما وقد روى عنه صلى الله عليه وآله ما يدل على أنهما وزيراه فكان صلى الله عليه وآله محتاجا إليهما، وإلى رأيهما فلذلك لم يولهما، ولو كان للعمل على تركه فضل لكان عمرو ابن العاص وخالد بن الوليد وغيرهما أفضل من أكابر الصحابة لأنه صلى الله عليه وآله ولاهما وقدمهما وقد قدمنا أن توليته هي بحسب الصلاح، وقد يولي المفضول على الفاضل تارة والفاضل [ على المفضول ] أخرى وربما ولى الواحد لاستغنائه عنه بحضرته، وربما ولاه لاتصال بينه وبين من يولي

____________

(1) ما بين المعقوفين ساقط من المغني.

الصفحة 153 

عليه إلى غير ذلك...) (1).

ثم ادعى أن ولاية أبي بكر على الموسم والحج قد ثبتت بلا خلاف بين أهل الأخبار، ولم يصح أنه عزله ولا يدل رجوع أبي بكر إلى النبي صلى الله عليه وآله مستفهما عن القصة على العزل ثم جعل إنكار من أنكر حج أبي بكر في تلك السنة بالناس كإنكار عباد وطبقته أخذ أمير المؤمنين عليه السلام سورة براءة من أبي بكر، وحكي عن أبي علي أن المعنى في أخذ السورة من أبي بكر: (إن من عادة العرب أن سيدا من سادات قبائلهم إذا عقد عقد القوم فإن ذلك العقد لا ينحل إلا أن يحله هو أو بعض سادات قومه، فلما كان هذا عادتهم وأراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن ينبذ إليهم عهدهم وينقض ما كان بينه وبينهم علم أنه لا ينحل ذلك إلا به أو بسيد من سادات رهطه، فعدل عن أبي بكر إلى أمير المؤمنين عليه السلام للقرب في النسب (2) ثم ادعى أنه عليه السلام ولى أبا بكر في حال مرضه أن يصلي (3) بالناس وذلك أشرف الولايات وقال في ذلك: (يأبى الله ورسوله والمؤمنون إلا أبا بكر) ثم اعترض نفسه بصلاته عليه السلام خلف عبد الرحمن بن عوف وأجاب (بأنه عليه السلام صلى خلفه لا أنه ولاه الصلاة وقدمه فيها وإنما قدم عبد الرحمن عند غيبة النبي صلى الله عليه وآله بغير أمره وقد ضاق الوقت فجاء الرسول صلى الله عليه وآله فصلى خلفه) وتكلم على أن ولاية أبي بكر الصلاة لا تدل على النص بالخلافة عليه) بكلام لا طائل في حكايته (4).

____________

(1) المغني 20 ق 1 / 350.

(2) ش " للقرب بالنسب ".

(3) ش " الصلاة ".

(4) المغني 20 ق 1 / 350 و 351.

الصفحة 154 

يقال له: قد بينا أن تركه عليه السلام الولاية لبعض أصحابه مع حضوره وإمكان ولايته والعدول عنه إلى غيره مع تطاول الزمان وامتداده لا بد من أن يقتضي غلبة الظن بأنه لا يصلح للولاية، فأما من يدعي (1) أنه لم يوله لافتقاره إليه بحضرته وحاجته إلى تدبيره ورأيه فقد بينا أنه صلى الله عليه وآله ما كان يفتقر إلى رأي أحد لكماله ورجحانه على كل واحد وإنما كان يشاور أصحابه على سبيل التعليم لهم والتأديب أو لغير ذلك مما قد ذكر.

وبعد، فكيف استمرت هذه الحاجة واتصلت منه إليهما، حتى لم يستغن في زمان من الأزمان عن حضورهما فيوليهما، وهل هذا إلا قدح في رأي الرسول صلى الله عليه وآله ونسبته إلى أنه كان ممن يحتاج إلى أن يلقن، ويوقف على كل شئ، وقد نزهه الله تعالى عن ذلك.

فأما ادعاؤه أن الرواية وردت بأنهما وزيراه، وقد كان يجب أن يصحح ذلك قبل أن يعتمده ويحتج به، فإنا ندفعه عنه أشد دفع.

فأما ولاية عمرو بن العاص وخالد بن الوليد فقد تكلمنا عليها من قبل، وبينا أن ولايتهما تدل على صلاحهما لما ولياه، ولا يدل على صلاحهما للإمامة، لأن شرائط الإمامة لم تتكامل فيهما، وبينا أيضا أن ولاية المفضول على الفاضل لا تجوز بخلاف ما ظنه صاحب الكتاب.

فأما تعظيمه واستكباره قول من يذهب إلى أن أبا بكر عزل عن أداء سورة براءة والموسم معا وجمعهما لأمير المؤمنين عليه السلام وجمعه بين ذلك في البعد وبين إنكار عباد أن يكون أمير المؤمنين عليه السلام ارتجع سورة

____________

(1) ش " فأما ادعاؤه ".

الصفحة 155 

براءة من أبي بكر، فأول ما فيه أنا لا ننكر أن يكون أكثر الأخبار واردة بأن أبا بكر حج بالناس في تلك السنة، إلا أنه قد روى قوم من أصحابنا خلاف ذلك، وأن أمير المؤمنين عليه السلام كان أمير الموسم في تلك السنة، وأن عزله الرجل كان عن الأمرين، فاستكبار ذلك وفيه خلاف لا معنى له.

فأما ما حكاه من عباد فإنا لا نعرفه ولا أظن أحد يذهب إلى مثله، وليس يمكنه بإزاء ذلك جحد مذهب أصحابنا الذي حكيناه، وليس عباد ولو صحت الحكاية عنه بإزاء من ذكرناه، فهو ملئ بالجهالات ودفع الضرورات.

وبعد، فلو سلمنا أن ولاية الموسم لم تفسخ لكان الكلام باقيا لأنه إذا كان ما ولي مع تطاول الزمان إلا هذه الولاية ثم سلب شطرها والأفخم الأعظم منها فليس ذلك إلا تنبيها على ما ذكرناه.

فأما ما حكاه عن أبي علي من أن عادة العرب أن لا يحل ما عقده الرئيس منهم إلا هو أو المتقدم من رهطه، فمعاذ الله أن يجري النبي صلى الله عليه وآله سنته وأحكامه على عادات الجاهلية، وقد بين عليه السلام سببه لما رجع إليه أبو بكر فسأله عن أخذ السورة منه، فقال: (أوحي إلي أن لا يؤدي إلا أنا أو رجل مني (1)) ولم يذكر ما ادعاه أبو علي على أن هذه العادة قد كان يعرفها النبي صلى الله عليه وآله قبل بعثة أبي بكر بسورة براءة فما باله لم يعتمدها في الابتداء ولم يبعث من يجوز أن يحل عقده من قومه.

____________

(1) تقدم الكلام حول ذلك.

الصفحة 156 

فأما ادعاؤه من ولاية الصلاة فقد بينا فيما تقدم أنه عليه السلام ما ولاه ذلك * ولا أمره به واستقصينا ذلك استقصاء يغني عن إعادته * (1) فأما فصله بين صلاته عليه السلام خلف عبد الرحمن وبين صلاة أبي بكر فليس بشئ، لأنا إذا كنا قد دللنا على أنه عليه السلام ما قدمه في الصلاة فقد استوى الأمران.

وبعد، فأي فرق بين أن يصلي خلفه وبين أن يوليه ويقدمه ونحن نعلم أن صلاته خلفه إقرار لولايته ورضا بها فقد عاد الأمر إلى أن عبد الرحمن كأنه قد صلى بأمره وإذنه على أن قصة عبد الرحمن أوكد لأنه قد اعترف بأن الرسول صلى الله عليه وآله صلى خلفه ولم يصل خلف أبي بكر، وإن ذهب كثير من الناس إلى أنه قدمه وأمره بالصلاة قبل خروجه عليه السلام إلى المسجد وتحامله (2).

فإن قيل: ليس يخلو النبي صلى الله عليه وآله من أن يكون سلم في الابتداء سورة براءة إلى أبي بكر بأمر الله تعالى أو باجتهاده ورأيه، فإن كان بأمر الله تعالى فكيف يجوز أن يرتجع منه السورة قبل وقت الأداء وعندكم أنه لا يجوز نسخ الشئ قبل وقت فعله وإن كان باجتهاده عليه السلام فعندكم أنه لا يجوز أن يجتهد فيما يجري هذا المجرى؟

قلنا: ما سلم السورة إلى أبي بكر إلا بإذنه تعالى إلا أنه لم يأمره بأدائها ولا كلفه قراءتها على أهل الموسم لأن أحدا لا يمكنه أن ينقل عنه عليه السلام في ذلك لفظ الأمر والتكليف فكأنه عليه السلام سلم إليه سورة براءة لتقرأها على أهل الموسم ولم يصرح باسم القارئ المبلغ لها في

____________

(1) ما بين النجمتين ساقط من " شرح نهج البلاغة ".

(2) تحامل: تكلف الشئ على مشقة.

الصفحة 157 

الحال، ولو نقل عنه تصريح لجاز أن يكون مشروطا بشرط لم يظهره لأنه عليه السلام * ممن يجوز مثل ذلك عليه * (1).

فإن قيل: فأي فائدة في دفع السورة إلى أبي بكر وهو لا يريد أن يؤديها عنه ثم ارتجاعها منه، ولا دفعت في الابتداء إلى أمير المؤمنين عليه السلام.

قلنا: الفائدة في ذلك ظهور فضل أمير المؤمنين عليه السلام ومرتبته وأن الرجل الذي نزعت السورة منه لا يصلح لما يصلح له، وهذا غرض قوي في وقوع الأمر على ما وقع عليه * من دفعها إلى أبي بكر وارتجاعها منه * (1) قال صاحب الكتاب: (شبهة لهم أخرى (2) ثم ذكر ما روي عن أبي بكر في الكلالة (3) من قوله أقول فيها برأيي فإن يكن صوابا فمن الله وإن

____________

(1) ما بين النجمتين ساقط من " شرح نهج البلاغة ".

(2) هذه الشبهة أوردها القاضي في المغني ج 2 ق 1 / 352 ونقلها المرتضى هنا باقتضاب كما اقتضب ابن أبي الحديد كلام المرتضى أيضا يعرف ذلك عند المقارنة.

(3) الكلالة: الميت الذي لا والد ولا ولد في ورثته، كما يقال لورثته الكلالة، وفي السنن الكبرى للبيهقي 6 / 223 عن الشعبي قال: سئل أبو بكر رضي الله عنه فقال: إني سأقول فيها برأيي فإن يك صوابا فمن الله وإن يك خطأ فمني ومن الشيطان، ويرى بعضهم أنه لا عذر للخليفة في جهل الحكم بهذه المسألة وهو مرجع الأمة في الأحكام وفض التنازع في الخصام مع أن الله سبحانه أوضح حكمها في موضعين من كتابه الكريم قال تعالى: (وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس وإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث...) (النساء / 12) والمراد بالكلالة في هذه الآية الأخ والأخت من الأم، وقال تعالى في آية الصيف: (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فله نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا أخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين...) (سورة النساء / 176) قيل: وكيف يتردد في الحكم مع (ولا تقف ما ليس لك به علم...) (الاسراء / 26) (ولو تقول علينا بعض الأقاويل...) (الحاقة الآية: / 24) وقد وقع لعمر (رض) مثل ذلك، وأجاب عنه ابن حجر في فتح الباري 8 / 215 بجواب لا يقوم أمام ذلك الاعتراض.

الصفحة 158 

يكن خطأ فمني، ونحو ما رووه من أنه لم يعرف ميراث الجدة (1) وإن من هذه حاله لا يصلح للإمامة) وأجاب عن ذلك بأن الإمام لا يجب أن يكون محيطا بجميع أمور الدين، وإن القدر الذي يحتاج إليه الإمام فهو الذي يحتاج إليه الحاكم، وذكر أن القول بالرأي هو الواجب في ما لا نص فيه، وأن ذلك إجماع من الصحابة وادعا أن أمير المؤمنين عليه السلام قال بالرأي في بيع أمهات الأولاد (2) ومسألة الحرام والحد (3) والمشتركة (4) فإنه ذهب عليه بعض الأحكام نحو الكلام في العقل عن مولى صفيه حتى قطع عمر بن الخطاب التداعي بينه وبين الزبير بأن بين أن الميراث للمولى

____________

(1) في مسند أحمد 4 / 224 وسنن البيهقي 6 / 234 وبداية المجتهد 2 / 287 وغيرها عن أبي قبيصة بن ذويب قال: جاءت الجدة إلى أبي بكر الصديق (رض) تسأله عن ميراثها مالك في كتاب الله شئ، وما علمت لك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا فارجعي حتى اسأل الناس فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس قال: هل معك غيرك فقام محمد بن مسلمة الأنصاري فقال مثل ما قال المغيرة فأنفذه.

وروي عنه أيضا أنه أتته جدتان أم الأم وأم الأب فأعطى الميراث أم الأم دون أم الأب فقال له عبد الرحمن بن سهل أخو بني الحارث: يا خليفة رسول الله لقد أعطيت التي لو أنها ماتت لم يرثها فجعله أبو بكر بينهما يعني السدس (انظر الإصابة حرف العين ق 1 بترجمة عبد الرحمن بن سهل وأسد الغابة 3 / 299).

(2) تقدم الكلام على هذا وسيأتي قريبا طعن المرتضى في الرواية وانظر سنن البيهقي 10 / 348.

(3) يعني بإكرام الخمر والحد: حد الخمر فقد روى غير الإمامية أن عليا عليه السلام أشار على عمر بأن الحد في شرب الحرام حد المفتري وهو ثمانون جلدة مع أنه جلد الوليد بن عقبة بحضرة عثمان أربعين (انظر المغني لابن قدامة 8 / 306، والجوهر النقي لابن التركماني بحاشية السنن الكبرى للبيهقي 10 / 320).

(4) أي الجارية المشتركة والمعروف بين الإمامية عدم اختلاف حكم أمير المؤمنين فيها.

الصفحة 159 

والعقل للعصبة (1) والزم قياسا على الإمام في كمال العقل الأمير والحاكم وذكر أن معاذ وزيد بن ثابت كانا متقدمين في العلم بالحلال والحرام ثم لم يوجب ذلك أنهما أحق بالإمامة يقال له: قد دللنا فيما مضى من الكتاب على أن من شرائط الإمامة العلم بجميع أحكام الدين، وأن ذلك شرط واجب، فمن ظهر منه نقصان في هذا العلم لا يجوز أن يكون إماما، وقد ظهر عن أبي بكر في مسائل كثيرة الاعتراف على نفسه بأنه لا يعرف الحكم فيها، وبينا فيما مضى أيضا من الكتاب الفرق بين الأمير والحاكم، وبين الإمام من حيث كانت ولاية الإمام عامة وولاية من عداه خاصة، وبينا أن الحاكم والأمير يجب أن يكونا عالمين بالحكم في جميع ما أسند إليهما وأن لا يذهب عليهما شئ من ذلك، إلا أنهما لما كانت ولايتهما خاصة لم يجب أن يكون عالمين بجميع أحكام الدين، والإمام بخلاف ذلك لأن ولايته عامة.

فأما القول بالرأي الذي صححه وصوبه، فقد بينا في صدر الكتاب طرفا من الدلالة على فساده، واستقصينا الكلام في هذا الباب في باب المسائل الواردة من أهل الموصل (2) ولولا أن صاحب الكتاب أطال في هذا الباب على غير هذا الموضع من كلامه، واستعملنا مثل ما فعله لكنا لا نخلي هذا المكان من كلام في هذا المعنى.

فأما دعواه على أمير المؤمنين عليه السلام القول بالرأي في بيع أمهات الأولاد ومسألة الحرام والحد فما رأيناه عول على حجة ولا شبهة في ذلك، وقد كان يجب أن يبين من أين أنه عليه السلام قال في ذلك

____________

(1) تقدم الكلام على هذه القضية.

(2) مسائل أهل الموصل من رسائل المرتضى وقد مر ذكرها.

الصفحة 160 

بالرأي، فإن كان معوله على ما روى عن عبيدة السلماني من أنه سأله عن بيع أمهات الأولاد، فقال كان رأيي ورأي عمر ألا يبعن ورأيي الآن أن يبعن إلى آخر الخبر، فقد تكلمنا على هذه الشبهة فيما مضى من الكتاب، وبينا أن الخبر مطعون فيه غير صحيح، ولو صح لم يدل على صحة القول بالرأي الذي يذهبون إليه لأن الرجوع من قول إلى قول قد يكون سببه الاجتهاد، ويكون أيضا سببه الرجوع إلى النصوص والأدلة القاطعة وبينا أنه عليه السلام في الحقيقة لم يكن قوله إلا واحدا في الحالين وإن أظهر في أحدهما خلاف مذهبه للتقية، وليس في إضافة القول إلى الرأي دلالة على أنه معول من غير جهة النص والأدلة القاطعة، لأن هذه اللفظة تفيد المذهب والاعتقاد واللذان يستندان إلى ضروب الأدلة، وقد يقال: فلان يرى القدر وفلان يرى العدل، وفلان من رأيه التشبيه وفلان من رأيه التوحيد، وليس شئ من ذلك من جهة الاجتهاد والظنون.

فأما مسألة الحرام والحد والمشتركة فلسنا نعلم ما شبهته في أنه عليه السلام قال فيها بالاجتهاد، فإن كان معوله على فقد النصوص التي لهذه الأحكام دخول فيها، وإنه لا وجه لقوله إلا من جهة الاجتهاد، فكل هذا تخيل لما لا أصل له، وليس إذا لم يعرف صاحب الكتاب طريقا في النصوص لهذه الأحكام لم يعرف ذلك غيره، وقد بينا في جواب أهل الموصل في هذا الموضع باستقصاء شديد، وكشفنا عن بطلان ادعائهم إجماع الصحابة على القول بالاجتهاد من وجوه شتى.

فأما دعواه على أمير المؤمنين عليه السلام أنه لم يعرف الحكم في عقل موالي صفية حتى قطع النزاع بينه وبين الزبير فيه عمر بن الخطاب، فطريف لأن أمير المؤمنين عليه السلام لم يسترشد في ذلك عمر، بل كان مصرحا بما يعتقده في هذه القضية وإنما حكم عمر بينه وبين الزبير في ذلك

الصفحة 161 

لأن الأمر في الحال كان إليه، ولم يمكنه عليه السلام دفع قضيته، وإن كان لا يراها صوابا للأحوال الظاهرة التي تمنع من ذلك، فكيف يتحصل من هذا الباب أن بعض الأحكام ذهب عليه، وهل اشتباه مثل ذلك إلا بعد عن الصواب؟

فأما معاذ وزيد فلم يكونا ممن يعلم أحكام الدين فيصلحا للإمامة، وإن كانا عالمين بالأكثر الأظهر، ولو كانا أيضا عالمين بالجميع لم يكونا أحق بالإمامة لفقد شرائط الإمامة فيهما وهذا واضح لمن تدبره.

قال صاحب الكتاب: (شبهة لهم أخرى، وذكروا قصة خالد بن الوليد وقتل مالك بن نويرة ومضاجعة امرأته من ليلته، وإن أبا بكر ترك إقامة الحد عليه، وزعم أنه سيف من سيوف الله سله الله على أعدائه، مع أن الله تعالى قد أوجب القود وحد الزناة عموما وأن عمر نبهه، وقال له اقتله فإنه قتل مؤمنا) (1) ثم قال: (الجواب عن ذلك ما قاله شيخنا أبو علي وهو أن الردة ظهرت من مالك لأن في الأخبار أنه رد صدقات قومه عليهم لما بلغه موت رسول الله صلى الله عليه وآله كما فعله سائر أهل الردة * فاستحق القتل ثم قال: فإن قيل فقد كان يصلي، قيل له (2) * كذلك سائر أهل الردة، وإنما كفروا بالامتناع من الزكاة وإسقاط وجوبها دون غيرها (3) فإن قيل: فلم أنكر عليه عمر، قيل: كان أمره إلى أبي بكر فلا وجه لإنكار عمر، وقد يجوز أن يعلم من حاله ما يخفى على عمر فإن قيل ما معنى ما روي عن أبي بكر من أن خالدا تأول فأخطأ بل أراد تأول في عجلته عليه بالقتل، فكان عنده الواجب أن يتوقف للشبهة

____________

(1) ش " مسلما ".

(2) ما بين النجمتين ساقط من المغني.

(3) ش " واعتقادهم إسقاط وجوب الزكاة دون غيره ".

الصفحة 162 

[ والاستتابة ] (1) واستدل على ردته بأن أخاه متمم بن نويرة (2) لما أنشد عمر مرثية أخاه فقال له عمر وددت أني أقول الشعر فأرثي أخي زيدا (3) كما رثيت أخاك، فقال له متمم: لو قتل أخي على مثل ما قتل عليه أخوك لما رثيته، فقال له عمر: ما عزاني أحد كتعزيتك، فدل هذا على أنه لم يقتل على الاسلام كما قتل زيد، ثم أجاب عن تزوجه بامرأته بأنه إذا قتل على الردة في دار الكفر جاز ذلك عند كثير من أهل العلم وإن كان لا يجوز أن يطأها إلا بعد الاستبراء) (4) وحكي عن أبي علي (إنه إنما قتله لأنه ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: صاحبك، وأوهم بذلك أنه ليس بصاحب له، وكان عنده أن ذلك ردة وعلم عند المشاهدة المقصد، وهو أمير القوم فجاز أن يقتله وإن كان الأولى أن لا يعجل، وأن يكشف الأمر في ردته حتى يتضح فلهذا لم يقتله به (5) فأما وطيه لامرأته فلم يثبت عنده، ولا يصح أن يجعل طعنا في هذا الباب...) (6).

يقال له: أما صنع خالد في قتل مالك بن نويرة واستباحة ماله وزوجته لنسبته إلى الردة التي لم تظهر بل كان الظاهر خلافها من الاسلام، فعظيم وي