الإمام الشافعي

الإمام الشافعي

 

تمهيد

مرّ بنا من قبل أنّ البحث عن حياة أئمّة المذاهب الأربعة معقد يحتاج إلى مزيد من العناية; لكثرة الحكايات والقصص التي لا تتّسق مع الواقع ولا أثر لها في تمييز الطابع الذي طبع عليه، لذلك نرى من الحقّ علينا أن نتناول دراسة حياة كلّ واحد منهم من طرقها المختلفة، لكي يتسنّى لنا الوقوف على الواقع بعد التمحيص والتثبّت في جميع ما ورد بمختلف المصادر، من اُمور متباينة وأقوال متناقضة، كان مبعثها اندفاع بعض معتنقي المذهب وراء العاطفة، والخروج عن حدود الواقع، إذ العاطفة تغلب على العقل فتعطّله، وتطغى على الواقع فتخفيه، وتجعل الاُمور الوهمية كحقائق لا تقبل النقاش والجدل، وبذلك تضاعفت تلك الصعوبات التي تقف أمام الباحث، وها نحن أمام البحث عن حياة الإمام الشافعي، وقد وقفنا على كثير من الزوائد فأهملنا ذكرها، وإنّ من الغريب أن يجمد بعض أساتذة العصر الحاضر على ما وقفوا عليه في دراسة حياة الإمام الشافعي بدون تمحيص، وكان الواجب يقضي عليهم أن يتتبعوا الحقائق التاريخية ولا يقتنعوا بكلّ ما ورد، واليك مثلاً من ذلك:

الاُستاذ علي فكري الأمين الأول لدار الكتب المصرية يحدّثنا أنّ الشافعي سافر إلى العراق في حياة الإمام مالك ودخل الكوفة واجتمع بأبي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني، وجرت بينهم مناظرات ومسائل، ونزل في الكوفة ضيفاً على محمد بن الحسن ونسخ كتبه. ثم ذكر رحلته إلى بلاد فارس وما حولها من بلاد العجم، ثم سافر الى بلاد ربيعة ومضر وشمال العراق حتى وصل الى جنوب بلاد الروم - وهي الأناضول الآن - وعرّج على حرّان وأقام فيها زمناً، ثم سافر منها إلى فلسطين وأقام في الرملة في جنوب بيت المقدس. وقد استغرقت هذه السياحة حولين كاملين من سنة (172 هـ) إلى سنة (174هـ). ثم رجع إلى المدينة لرؤية مالك. إلى آخر ما ذكره.(203)

وجميع ما ذكره لا أصل له، والاُستاذ عوّل على مخيّلته أو على كتب لا يعتمد عليها. وكان بوسعه - وهو الأمين الأول لمكتبة عامة - أن يراجع ويبحث وينقّب عن مصادر يستمدّ منها ما يكتب.

كان بوسع الاُستاذ أن يقف على الحقائق التاريخية، وأن يعلم أنّ رحلة الشافعي كانت لبغداد لا للكوفة، وذلك سنة (184 هـ)، وهي الرحلة الأولى، وأنّ وفاة أبي يوسف كانت سنة (182 أو 183هـ)، أي قبل دخول الشافعي لبغداد بأكثر من سنة.

وكان بوسع الاُستاذ أن يعرف وفاة الإمام مالك وهي سنة (179 هـ)، وأنّ رحلة الشافعي سنة (184 هـ)، ليتّضح له أنّ رحلة الشافعي كانت بعد وفاة مالك بخمس سنوات.

ولعلّه استند في بعض ما نقله إلى الرحلة التي وضعها عبد الله بن محمد البلوي، وهي مكذوبة لا أصل لها، كما نصّ على ذلك حفّاظ الحديث، كأبي نعيم، والفخر الرازي، وابن حجر وابن القيم وغيرهم. وكثيراً من الاُمور التي تخالف الواقع أوردوها على علاّتها في ترجمة الشافعي بدون تثبّت وترو.

وعلى أيّ حال فإنّ من الحقّ أن نتناول دراسة حياة الإمام الشافعي من مختلف المصادر، ولنا الحقّ في التنبيه إلى بعض ما يخالف الواقع خدمة للعلم وطلباً للحقّ، والله هو المسدّد للصواب.

نسبه ونشأته

أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب ابن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف.

ولد سنة (150 هـ) نهار الجمعة آخر يوم من رجب، وقيل في اليوم الذي مات فيه أبو حنيفة، وقيل غير ذلك على اختلاف الأقوال.

واختلفوا في محل ولادته فقيل بغزة، أو عسقلان، أو اليمن وهنا قول شاذ: أنّه ولد بمكة، وقد اجهد أصحاب المناقب أنفسهم بالجمع بين هذه الروايات ولا حاجة لذكرها هنا.

أما وفاته فكانت سنة (204 هـ) بمصر، وحمل على الأعناق من فسطاط حتى دفن في مقبرة بني زهرة، وتعرف بتربة ابن عبد الحكم وفيه يقول الشاعر :

أكرم به رجلاً ما مثله رجلٌ *** مشارك لرسول الله في نسبه

أضحى بمصر دفيناً في مقطمها *** نعم المقطم والمدفون في تربه

والمطلب الذي ينتهي اليه الشافعي هو أحد أولاد عبد مناف الأربعة، وهم: المطلب وهاشم وعبد شمس جد الاُمويين ونوفل. والمطلب هو الذي ربّى عبد المطلب ابن أخيه هاشم جد النبي(صلى الله عليه وآله).

فالشافعي بهذا السياق قرشيّ النسب، يلتقي مع النبي(صلى الله عليه وآله) في عبد مناف. هذا ما عليه الأكثر.

وذهب بعضهم أنّ الشافعي لم يكن قرشيّاً بل كان قرشيّاً بالولاء. فهو مولى لهم وليس منهم، لأن شافعاً جدّه كان مولىً لأبي لهب، فطلب من عمر أن يجعله من موالي قريش فامتنع، فطلب من عثمان ذلك ففعل، فعلى هذا التقدير يكون الشافعي من موالي قريش، كما ذكر ذلك بعض المالكية والحنفية(204).

وأما اُمّه فهي من الأزد وكنيتها اُم حبيبة كما ذكر ذلك الساجي، والأبري والبيهقي والخطيب والاردستاني وغيرهم.

وقيل: إنّها أسدية، مستدلّين على ذلك بما روي عن الشافعي: أنّه لما قدم مصر سأله بعضهم أن ينزل عنده فأبى وقال: أنزل على أخوالي الأسديين فنزل عليهم.(205)

وقيل : إنّها فاطمة بنت عبد الله، أو عبيد بن الحسين بن الحسن بن علي بن أبي طالب، قال الرازي: وهذا القول شاذّ رواه الحاكم، وضعّفه البيهقي، وذهب المقري الى نفيه، ولكنّ السبكي ذهب الى تأييده وليس له شاهد على ذلك.(206)

وقيل أيضاً: إنّها فاطمة بنت عبد الله بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أو أنها بنت عبدالله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط.(207)

وعلى أيّ حال أنّ الادعاء بكرامة قرشية علويّة مخالف لما عليه الإجماع وعلماء النسب، ولكنّ ذلك تعصب محض وادعاء يخالف ما جاء عن الشافعي في عدّة روايات: أنّ اُمّه أزدية لا قرشية وانعقد الإجماع على ذلك.

أمّا أبوه إدريس فلم يفصح التاريخ عن شيء من حياته وسيرته ووفاته، ولم يحتفظ إلا بالاسم فقط; فليس له ترجمة في جميع الكتب التي ذكرت الشافعي، ولا في غيرها من كتب الحديث والرجال والأدب.

وبذلك حرمنا معرفة كثير من الاُمور التي نودّ أن نعرفها عن حياة إدريس والد هذا الإمام العظيم. وقد ذكر بعضهم أشياء مرتجلة لا صحّة لها كقول هداية الله الحسيني :إنّ والد الشافعي سلّمه للتفقه إلى مسلم بن خالد الزنجي مفتي مكة، وهذا غير صحيح بالإجماع، لأنّ جميع الروايات متضافرة على أنّ الشافعي نشأ يتيماً في حجر اُمه، وتولّت تربيته عندما خشيت عليه الضيعة فأرسلته الى مكة وهو ابن عشر سنين.

فالشافعي إذاً لم يَتَرَبَّ في ظلال أبيه ولم يتولّ ذلك إلا اُمّه، ولا نعلم أنّه عرف أباه وحدّث عنه، كما لا نعلم هل ولد الشافعي في حياة أبيه أم أنّه مات أبوه وهو حمل في بطن اُمه؟ وهل أنّ إدريس كان في مكة ورحل الى اليمن. وما هي أسباب رحلته؟ كلّ ذلك مجهول وفي ذمة التاريخ.

وجاء في مقدمة كتاب الاُم: أنّ والد الشافعي كان رجلاً حجازياً فقيراً خرج مهاجراً من مكة الى الشام وأقام بـ "غزة" و"عسقلان" ببلاد فلسطين، ثم مات بعد ولادة الشافعي بقليل.

ولكن هذا القول لم يستند الى نصّ تاريخي، وأيّاً كان فالروايات مختلفة والأقوال متفرّقة في ولادته ومحلّها، وهجرته ووقتها وكذلك رحلاته المتعددة وتحصيله للعلم بأيّ زمن. فهل كان من صغر سنه أم بعد نشأته. وكذلك دخوله إلى مكة فقيل: إنّه لما بلغ من العمر سنتين وأصبح قرة عين والدته، فرأت اُمّه أن تحمله الى مكة المكرمة، صوناً لنسبه من الضياع إذا بقي في غزة فهاجرت به، ونزلت بجوار الحرم بحيّ يقال له "شعب الخيف" ولمّا ترعرع أرسلته اُمه الى الكتاب وحفظ القرآن وعمره سبع سنوات. وقيل: إنّ الشافعي ولد بغزة وحمل إلى عسقلان ودخل مكة وهو ابن عشر .(208)

طلبه العلم في مكة 

كان دخول الشافعي الى مكة وهو صغير السن، ولمّا ترعرع سلّمته اُمّه إلى الكتّاب فحفظ القرآن الكريم، وتعلّم الكتابة، وكان حريصاً على استماع الحديث، وكان يكتب على الخزف مرة وعلى الجلود اُخرى.

وخرج الى البادية فلازم هذيلاً، وحفظ الأشعار وكان يرحل برحيلهم وينزل بنزولهم، فرجع الى مكة ينشد الأشعار ويذكر الآداب والأخبار، وقد تأثر بالبداوة واكتسب من هذيل فصاحتهم، كما يحدّث عن نفسه .(209)

ويظهر أنّ مقامه في البادية كان أكثر من عشر سنين، وفي إحدى الروايات أنّه أقام عشرين سنة(210) وفي اُخرى سبع عشرة سنة، كما حدّث هو عن نفسه(211).

وفي هذه المدة لم تكن له شهرة علمية ولم يتجه لطلب الفكر ولم يعرف به.

قال النووي: كان الشافعي في ابتداء أمره يطلب الشعر وأيام العرب والأدب ثم أخذ في الفقه، ثم ذكر سبب ذلك.(212)

وأفاد كثيراً من ملازمته أهل البادية، وظهر عليه ذلك بقدرته الشعرية وتمكّنه من اللغة والمعرفة بفنونها ممّا لا يخفى في بعض إجاباته وأقواله وما روي عنه من شعره.

وقد صرّح الشافعي بسبب اتّجاهه لطلب الفقه فيما يروى عنه أنّه قال بعد أن ذكر ابتداء تعلّمه للقرآن والكتابة في مكة: ثم إنّي خرجت عن مكة فلزمت هذيلاً في البادية أتعلّم كلامها، وآخذ طبعها، وكانت أفصح العرب، فبقيت فيهم سبع عشرة سنة، أرحل برحيلهم وأنزل بنزولهم، فلمّا رجعت إلى مكة جعلت أنشد الأشعار وأذكر الآداب والأخبار وأيام العرب، فمرّ بي رجل من الزبيريين من بني عمّي، فقال لي: يا أبا عبد الله، عزّ عليّ أن لا يكون مع هذه اللغة وهذه الفصاحة والذكاء فقه (213). فهو لهذا الحدّ وطول ذلك الزمن لم يعرف الفقه، وكان قول الزبيري سبباً لتوجيهه إلى طلب الفقه والحديث، فقصد لمجالسة مسلم بن خالد الزنجي مفتي مكة المتوفى سنة (180 هـ) وهو أوّل شيوخ الشافعي.

وروى النووي عن مصعب بن عبد الله الزبيري، قال: كان الشافعي في ابتداء أمره يطلب الشعر وأيام العرب، ثم أخذ في الفقه، وكان سبب ذلك: أنّه كان يسير يوماً وخلفه كاتب لأبي فتمثّل الشافعي ببيت شعر فقرعه الكاتب بسوطه ثم قال: مثلك يذهب بمروته؟ أين أنت من الفقه؟ فهزه ذلك فقصد مجالسة مسلم بن خالد الزنجي.(214)

والذي نستظهره من مجموع الروايات، أنّ اتّجاه الشافعي لطلب العلم كان في العقد الثالث من عمره، وعلى رواية ابن كثير أنّ بقاءه في البادية عشرين سنة. فيكون طلبه للفقه في العقد الرابع، أي بعد تجاوزه الثلاثين من عمره، فتكون ملازمته لمسلم بن خالد الزنجي قصيرة جداً.

فما يُروى عن الحميدي، أنّه قال: سمعت خالداً الزنجي وقد مرّ على الشافعي وهو يفتي، وهو ابن خمس عشرة سنة، فقال: يا أبا عبد الله، إفت فقد آن لك أن تفتي، فإنّه لا أصل له; نظراً لما بين أيدينا من الأدلة التاريخية المصرّحة بأنّ الشافعي لم يعرف بالفقه إلا من بعد مدة طويلة، مع أنّ الحميدي لم يدرك مثل هذا التاريخ. قال الخطيب البغدادي بعد نقل هذه الحكاية: "وليس ذلك بمستقيم، لأنّ الحميدي كان يصغر عن إدراك الشافعي وله تلك السن".(215)

ومن الغريب إرسال ذلك إرسال المسلّمات، وقد جعلوا هذا النقل من المؤيّدات لعلم الشافعي وعلوّ منزلته، لأنّه كان يفتي وهو ابن خمس عشرة سنة. وبعضهم يرجع إلى الوراء فيقول: إنّه كان يفتي وهو ابن عشر سنين، وكلّ ذلك غير صحيح; لأنّ المشهور عن الشافعي أنّه قدم مكة وهو ابن عشر سنين أو أكثر وتعلّم القرآن فيها، وانصرف إلى حفظ الأشعار، ولازم هذيلاً، وكان مقامه في البادية أكثر من عشر سنين، وقيل عشرين سنة، وقيل سبع عشرة سنة كما تقدّم بيانه.

ومهما يكن من أمر فإنّ الشافعي لم يعرف الفقه والحديث وهو في مكة، ولكنه اتّصل بعد ذلك بمالك بن أنس، ورحل إلى المدينة لتعلّم الفقه والحديث، وواصل دراسته فكانت له تلك الشهرة بعد مدة طويلة.

قال ابن حجر: انتهت رياسة الفقه في المدينة إلى مالك، ورحل الشافعي إليه ولازمه، وأخذ عنه، وانتهت رياسة الفقه إلى أبي حنيفة، فأخذ عن صاحبه محمد حملاً ليس فيها شيء إلاّ وقد سمعه عليه، فاجتمع له علم أهل الرأي وعلم أهل الحديث.

وكان محمد يواسيه بالبر ويتعاهده بالأعطيات بخمسين ديناراً فما فوقها بين حين وآخر، وبمحمد اكتمل بدر الشافعي، وبه تخرّج حتى أصبح له شأن في العلم...(216)

طلبه العلم في المدينة 

اتّجه الشافعي لطلب الفقه، وحضر على بعض علماء مكة كخالد الزنجي وسعيد بن سالم القداح، واشتهر مالك بن أنس في المدينة وشاع ذكره، فتاقت نفس الشافعي إلى الهجرة للمدينة طلباً للعلم والحضور عند مالك بن أنس، فأخذ وصية من والي مكة إلى والي المدينة يطلب منه إيصال الشافعي إلى مالك.

قال الشافعي: فأوصلت الكتاب إلى الوالي، فلما أن قرأه قال: يافتى، إنّ مشيي من جوف المدينة إلى جوف مكة حافياً راجلاً أهون عليَّ من المشي الى باب مالك بن أنس، فلست أرى الذلة حتى أقف على بابه، فقلت: أصلح الله الأمير إن رأى يوجه إليه ليحضر، قال: هيهات ليت إنّي إذا ركبت أنا ومن معي وأصابنا من تراب العقيق نلنا بعض حاجاتنا.

قال: فواعدته العصر وركبنا جميعاً فوالله لكان كما قال. فتقدّم رجل فقرع الباب، فخرجت إلينا جارية سوداء، فقال لها الأمير: قولي لمولاك إنّي بالباب، فدخلت فأبطأت ثم خرجت فقالت: إنّ مولاي يقرؤك السلام ويقول: إن كانت لك مسألة فارفعها في رقعة يخرج إليك الجواب، وإن كان للحديث فقد عرفت يوم المجلس فانصرف. فقال: قولي له إنّ معي كتاب والي مكة إليه في حاجة مهمة، فدخلت وخرجت وفي يدها كرسيّ فوضعته ثم إذا أنا بمالك قد خرج وعليه المهابة، فرفع إليه الوالي الكتاب.(217)

وهنا يحدّثنا الشافعي عن انتقاد مالك له بحمله الكتاب من الوالي وتأثّره من ذلك، يقول الشافعي: إنّ مالكاً عندما قرأ الكتاب رمى به من يده، ثم قال: سبحان الله أو صار علم رسول الله يُؤخذ بالوسائل؟ فأجابه الشافعي معتذراً وأخبره بقصّته.

اتّصل الشافعي بمالك وأخذ عنه وقرأ الموطأ، ولا نعرف بالضبط متى كان قدوم الشافعي إلى المدينة وحضوره عند مالك وكم كانت سنّه يوم ذاك والأخبار مضطربة مشوّشة جداً لانكاد نلمس الواقع منها، فالحكايات الواردة عن الشافعي مختلفة، فمرّة أنّه اتّجه لمالك بعد عودته من البادية، واُخرى بعد وفاة خالد الزنجي.

وعلى أيّ حال: فالمحصّل من مجموع الروايات أنّه قدم على مالك وقد تجاوز عمره الثلاثين سنة. وما يرويه ابن حجر في مناقب الشافعي أنّه حضر عند مالك وعمره ثلاث عشرة سنة هو خطأ بيّن ونقل بدون تثبّت، إذ لا خلاف بأنّ وروده على مالك كان بعد عودته من البادية، وقد مكث فيها مدة تزيد على خمس عشرة سنة .

ومن المحقّق أنّ ملازمته لمالك كانت أربع سنوات وتوفي مالك سنة (179هـ) فيكون عمر الشافعي (29 سنة). وبقي الشافعي بعده في ضنك من العيش، وبسبب ذلك كانت رحلته إلى اليمن مع واليها وليس له ما يستعين به من المال فرهن داره وأخذ ثمنها.(218)

 

 ولاية الإمام الشافعي

نشأ الشافعي يتيماً في حجر اُمّه كما تقدّم، ولمّا اتصل بمالك اتّسعت حاله بواسطته، لأنّه كان يرعاه ويقوم بشؤونه، فلما توفي مالك سنة (179 هـ) اشتد الأمر عليه وضاقت حالته، فاتفق أنّ والي اليمن قدم المدينة فكلّمه بعض القرشيين في أن يصحبه. فأخذه ذلك الوالي معه واستعمله في أعمال كثيرة(219). فبقي في العمل خمس سنوات، وبهذه المدة كان متّجهاً للعمل والولاية، وخمد ذلك النشاط الذي في نفسه نحو الاتجاه لطلب العلم، لأنّه مشغول في تدبير شؤون السلطان ومعاملة الناس إلى سنة (184 هـ) وهي السنة التي قدم فيها لبغداد المرة الأولى بسبب المحنة واتهامه بالميل للعلويين. وأنّ مطرفاً كتب إلى الرشيد: إن أردت اليمن لا تفسد عليك فاخرج محمد بن إدريس فحمل الى بغداد، وقد جاء عن الشافعي: أنّه نقل من اليمن إلى ولاية نجران فأحسن السيرةهناك.(220)

الإمام الشافعي في بغداد 

قدم الشافعي العراق ثلاث مرات: الأولى سنة (184 هـ) حمل من اليمن إلى بغداد بسبب اتهامه بالميل للعلويين، والثانية سنة (195 هـ) بعد أن مات هرون الرشيد، والثالثة سنة (198 هـ).

أمّا الأولى: فكانت بسبب اتّهامه بالميل للعلويين، أو أنّ عامل اليمن تغيّر عليه وثقل مقامه هناك، لأنّ الشافعي كان يعارض ظلم ذلك الوالي وينبّه الناس على مؤاخذته. وأنّ الشافعي أحسن إدارة العمل ونال ثناء الناس ممّا أوجب تغير قلب الوالي عليه واتهامه بالميل للعلويين، وذلك أعظم جرم تعاقب عليه الدولة، وإن كان هذا الاتهام وتلك القضية أشبه شيء بالأساطير.

وعلى أيّ حال فقد حمل الشافعي إلى بغداد بتهمة المخالفة للدولة والانضمام لجانب العلويين. وتعرّض بتلك التهمة إلى خطر شديد، ولكنّه دافع عن نفسه، وتوسّط له الفضل بن الربيع وتشفّع له، فنجا بعد أن قتل من كان معه. وسيأتي البحث عن أسباب التشيّع وعن ميله للعلويين.

وإذا أردنا البحث عن محنة الشافعي وقدومه لبغداد، وما قابل به الرشيد عند اجتماعه، ومناظرته مع محمد بن الحسن الشيباني، فالأمر يستدعي إطالة البحث واتساع شقّة المناقشة، للمناقضات في تلك الرحلة المروية عن الشافعي. ففي بعضها: أنّه ناظر أبا يوسف (221)، وهذا غير صحيح لأنّ وفاة أبي يوسف كانت سنة (182 ـ 183 هـ) أي قبل ورود الشافعي بسنتين أو بأكثر من سنة.

وفي بعضها: أنّ محمد بن الحسن انتصر للشافعي، واُخرى أنّه حرّض الرشيد على قتله، ووصفه بأنه يريد الخروج على الدولة، وأنّ الرشيد سأل أبايوسف عن صدق هذه الدعوة فأيّدها.

وهناك اختلاف في حمله الى العراق، هل كان من اليمن أم من مكة؟ فابن عبد البر، يروي بسند عن المزني عن الشافعي أنّه قال: رفع إلى هارون الرشيد أنّ بمكة قوماً من قريش استدعوا رجلاً علوياً كان باليمن، فاجتمع إليه من قريش فتية جماعة، يريدون أن يبايعوه ويقوموا به، فأمر الرشيد يحيى بن خالد بن برمك أن يكتب إلى عامله بمكة أن يبعث إليه ثلاثمائة رجل كلّهم من قريش، مغلولة أيديهم الى أعناقهم. قال الشافعي: فأشخصت فيمن أشخص مغلولاً، فلما وردنا العراق أتي بنا إلى دار يحيى بن خالد وقال لنا: يامعشر قريش، قد رفع عليكم أمر كبير وعسى الله أن ينجيكم من البلاء إن كنتم قد بغي عليكم، والذي أراه أن تقدموا من أنفسكم رجلاً يخاطب الرشيد عنكم وعن نفسه، فقالوا كلّهم: هذا الشافعي يخاطبه. ثم حكى عن نفسه دفاعه عنها وعنهم، فكانت النتيجة أن عفى الرشيد عن الجميع وأمر لهم بجائزة.(222)

وبصورة اُخرى: إنّه حمل من الحجاز مع تسعة من العلويين فضربت أعناقهم، ونجا الشافعي وأكرمه الرشيد.

وفي الحلية : أنّ السّبب في حمله من اليمن : أنّ خارجيّاً خرج على هارون الرشيد، فأرسل الرشيد إليه جيشاً فقبض عليه وحمل الى العراق ومعه الشافعي، وأحضروا جميعاً وأمر بقتلهم، فعرض الشافعي عليه قصّته مع الخارجي، وبيّن له نسبه، وذكر كلاماً استحسنه الرشيد وطلب اعادته، وقال له: كثّر الله في أهل بيتي مثلك (223). وعفى عنه، إلى آخر الاختلاف في الصور، والزمان والأسباب .

ومهما يكن من أمر فإنّ الغرض من اتساع هذا الحادث، وإيراده بصور مختلفة هو التعصّب للشافعي، ووصفه بعلوّ المنزلة واتّساع العلم وقوة الحجة، ونبوغه على القرشيين، كما رأيت في الصورة المتقدمة بأن اُولئك القرشيين الذين حملوا معه وكانوا ثلاثمائة رجل كأنّ الله سلب منهم كلّ موهبة الدفاع عن النفس، وقوّة الحجة، وطلاقة اللسان، وبلاغة البيان وهم أهله، فليس لهم قابلية على الدفاع، ولم يملكوا من الشجاعة والجرأة قليلاً أو كثيراً فيها، وانفرد الشافعي بالجرأة وقوّة البيان وثبات القلب، وهو شاب قد تجاوز الثلاثين من عمره، وحاشى قريشاً أن يمثّلوا موقفاً كهذا الموقف، ولكن دائرة الاختراع واسعة، والتقوّلات لا حدّ لها. وقد اعترف الشافعي نفسه بقصوره عن إدارك منزلة الطالبيين وإحجامه عن الكلام بحضورهم كما يُروى: أنّه حضر الشافعي مجلساً فيه بعض الطالبيين فقال: لا أتكلم في مجلس أجدهم أحقّ بالكلام مني، ولهم الرياسة والفضل.(224)

وقد وضع عبد الله بن محمد البلوي صورة لهذه الرحلة تتضمن أشياء كثيرة لا أصل لها (225) وهي طويلة، ذكر فيها دخول الشافعي على الرشيد مقيداً بالحديد، وسؤال الرشيد له بمختلف العلوم والفنون، وجواب الشافعي له، ووعظه، وبكاء الرشيد ومن حضر، إلى آخر ما فيها من الاُمور المكذوبة التي لا تمت بالواقع وقد نص ابن حجر (226) وابن قيم الجوزية (227) وغيرهما على وضعها.

وخلاصة القول: انّ مجموع الروايات في محنة الشافعي وحمله لبغداد مضطربة كلّ الاضطراب، وتشتمل على أشياء لا صحة لها، كما تشتمل على ما لا يصحّ صدوره من الشافعي كما نقلوا عنه في جوابه للرشيد - عند الدفاع عن نفسه من تهمة المبايعة للعلويين - أنّه قال للرشيد: أأدع من يقول أنّي ابن عمّه (يعني الرشيد) وأصير إلى من يقول إنّي عبده (يعني العلويين)؟...

إنّ هذا من التجني على الحقائق والتهجّم على الواقع بأن ينسب العلويين إلى اتخاذ المسلمين عبيداً، وأنّهم يسيرون تحت طغيان الأنانية التي لا توضّح لهم إلاّ طريق الاستعباد للناس، والاستعلاء عليهم والاحتقار لهم، وحاشاهم من ذلك وهم أبعد ما يكون عن اتّصافهم بما يخالفون ما طبعوا عليه، من اتباع نظم الإسلام، وأنّ الناس عندهم سواسية لا يتفاضلون إلاّ بالأعمال الصالحة، وهم لم يكونوا كغيرهم ممن ولي أمر المسلمين الذين لا يشعرون إلاّ بوجودهم الخاص، ولا يفكرون إلاّ نحو مايعود عليهم بالنجاح، ولا يرون إلاّ مصلحة أنفسهم، ولا يقيمون لمصالح الاُمة وزناً.

كلّ هذا لم يكن له أثر عند العلويين، وحاشاهم من إرتكاب ما يخالف نظام الإسلام وأحكامه. وصدور مثل هذا القول من الشافعي، تقوّل عليه بالباطل، ولا يصحّ ذلك عنه. وقد صح عنه أنّه بايع ليحيى بن عبد الله بن الحسن المثنى.

قال ابن العماد: قام يحيى بن عبدالله بن الحسن المثنى وبثّ دعاته في الأرض، وبايعه كثير من أهل الحرمين واليمن ومصر والعراقين، وبايعه من العلماء محمد بن إدريس الشافعي، وسليمان بن حرير.(228)

وفي هذه المحنة التي امتحن بها الشافعي كان له اُسوة بمن قبله من أئمة المذاهب، فأبو حنيفة قتل مسموماً بدعوى أنه لم يقبل القضاء، ومالك بن أنس ضرب بالسياط لفتوى تخالف رأي السلطان، وليس ببعيد أنّ مخترع هذه المحنة أراد مساواة الشافعي بمن قبله وبمن بعده، فإنّ أحمد بن حنبل امتحن في مسألة خلق القرآن، وكذلك قالوا إنّ الشافعي امتحن باتهامه بالميل للعلويين وذكروها بصورة موسعة وألفاظ مختلفة. وهي من تصرّف كتاب المناقب والمنتصرين للمذهب.

الإمام الشافعي في مصر 

قدم الشافعي إلى مصر سنة (198 هـ)، ونزل بالفسطاط ضيفاً كريماً على محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، فأكرم مثواه وآزره، وكانت لمحمد بن عبد الله مكانة في مصر ورياسة علمية، وكان أهل مصر لا يعدلون به أحداً، وتأكّدت بينه وبين الشافعي مودة وإخاء، وقام في معاونة الشافعي ومؤازرته ونشر علمه. وكان قدوم الشافعي إلى مصر في صحبة الوالي من قبل المأمون، وهو العباس بن موسى بن العباس، فلقى هناك إقبالاً من المالكية، لأنّه من أشهر تلامذة مالك بن أنس، وكان يقول: هذا قول اُستاذنا (يعني مالكاً).

ولما استقل بآرائه ووضع الكتب في الردّ على مالك، تنكر له المالكية وعارضوه وأرادوا إخراجه من مصر واتهموه بالتشيع مرة، وبمقاومة السلطة اُخرى، حتى اغتالوه فمات بسبب ضربة على رأسه سنة (204 هـ).

والذي يظهر أن الشافعي عاد إلى مكة وبقي مدة، ثم رجع سنة (200 هـ) وفيها سطع نجمه وكثر أتباعه رغم تعصّب الحنابلة عليه وإيذائه له.(229)

 

الإمام الشافعي وحياته العلميّة مناقبه 

إنّ من الحقّ والإنصاف أن نعطي شخصية كلّ واحد من أئمة المذاهب الأربعة حقّها من الدراسة والعناية العلمية، وأن نتناول سيرهم من غير تعصّب وتحيّز، وننظر إلى ما كتب عنهم بعين تبصر الحقيقة، وتبرز جوهر تلك الشخصيات التي أخذت محلّها من التشريع الإسلامي.

ومهما يكن من أمر فإنّ المؤثرات الاجتماعية والأحداث السياسية تشوه سير البحث، ولا يستنتج الباحث منها الغاية المطلوبة، إذ أنّ أكثرها مبالغات أوجدها التعصّب الطائفي، عندما كثر الجدل وعظم الخلاف بين أنصار المذاهب، وخاصة المؤرخين والراوين الذين ساروا على ما تقتضيه ظروفهم المعاشية أو السياسية لا لما يقتضيه واقع الأئمة الملموس، وقد وصفوهم بصفات بعيدة عن الحقيقة، إذ جعلوهم في أعلى درجة من الكمال، وأرفع منزلة من العلم. بحيث يمتنع على أيّ مخلوق أن يصل إلى تلك المنزلة.

ولا حاجة بنا إلى إعادة النظر في الاُمور، ولسنا نرغب أن نستقصي القول فيما ادعي للشافعي من تلك المناقب الموضوعة، نعم لا بدّ لنا من التعرّض للأحاديث التي استدلوا بها على تقديم الشافعي على غيره، وترجيح مذهبه على سواه، في لزوم الأخذ به، ووجوب اتّباعه، والاقتداء به، وإلى القارئ طرفاً من تلك الأحاديث :

1 - من يرد هوان قريش أهانه الله.

2 - من أحبّ قريشاً أحبّه الله، ومن أبغض قريشاً أبغضه الله.

3 - إذا اجتمعت جماعات من قريش فالحقّ مع قريش، وهي مع الحقّ.

4 - إنّما نحن وبنو المطلب هكذا - وشبك بين أصابعه.

5 - أمان أهل الأرض من الاختلاف الموالاة لقريش.

6 - هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد إلا أكبّه الله على منخريه.

7 - الأئمة من قريش.

8 - إنّ الله يبعث لهذه الاُمة على كلّ مائة سنة من يجدّد لها دينها.(230)

وبهذه العمومات بنوا حصر الأخذ عن الشافعي ووجوب الرجوع إليه.

قال السبكي بعد إيراد هذه الأحاديث: والغرض الأعظم تبيين أنه - أي الشافعي - قرشيّ مطلبي، وذلك أمر قطعي، ومن أجله سقنا ما أوردناه من الأحاديث. ثم يمضي في الاستدلال على انحصار هذه الأحاديث وتخصيص عموماتها في الشافعي، وهي حصر المبتدأ بالخبر.(231)

والواقع غير هذا، فإنّ هذه الأحاديث مع فرض صحّتها هي عامة شاملة، ولا سبيل إلى حصرها بالشافعي، والاستدلال بها غير وجيه. وقد فرّعوا على هذه الأحاديث أشياء كثيرة :

منها حرمة نسبة الخطأ للشافعي في مسألة ما، لأنّ ذلك إهانة له، وإهانة القرشي غير جائزة.

ومنها وجوب الحذر من معاندة الشافعي وبغضه وعداوته .(232)

ومنها لزوم تقديم الشافعي، والابتداء بذكره لقول النبي (صلى الله عليه وآله) "قدّموا قريشاً وتعلّموا من قريش". إلى آخر ما هنالك من اُمور أثبتوها في تقديم الشافعي على غيره.

وكان إمام الحرمين، وابن السمعاني، والكيا الهراسي، وغيرهم يقولون لتلامذتهم: يجب عليكم التقيّد بمذهب إمامكم الشافعي، ولا عذر لكم عند الله تعالى في العدول عنه.(233)

ومهما يكن من أمر فإنّ هذه الأحاديث لاتنهض حجة على المطلوب، وليس فيها ما يصلح لإثبات المدّعى، وقد أجاب عنها أصحاب المذاهب الاُخرى بأجوبة كثيرة، منها :

1 - إنّ المراد بحديث "قدّموا قريشاً" إنّما هو في الخلافة لا العلم.

2 - إنّ قوله: "تعلّموا من قريش ولا تعلموها" فهذا الخبر لا أصل له.

وكيف يظن به - عليه الصلاة والسلام - أن يقول: اُتركوا جهال قريش على جهلهم فلا تعلّموها، هذا محال.

ثم قالوا: إنّ الشافعي كان قرشيّاً، ولم يكن له معلم من قريش وإنّما أخذ علمه من غير قريش، كمالك بن أنس، ومحمد بن الحسن، وخالد الزنجي، وهؤلاء من غير قريش .(234)

3 - وقال ابن الجوزي: فأمّا قوله : قدّموا قريشاً فقد قال إبراهيم الحربي: سئل أحمد بن حنبل عن ذلك، فقال: يعني الخلافة .

ويقول : فإن قالوا - أي الشافعية - إنّ الشافعي كان فصيحاً فمسلّم، وذلك لا يعطي التقدّم على غيره، لأنّ التقدّم بكثرة العلم. على أنّه قد أخذ عليه كلمات فقالوا: قد قال: ماء مالح. وإنّما يقال ماء ملح.

وقال: إذا أشلا كلباً يريد "أغراه" وإنّما الإشلاء عند العرب الاستدعاء. وقال: ثوب يسوى كذا، والعرب تقول: يساوي. ثم ذكر ابن الجوزي أدلة ترجيح أحمد بن حنبل على الشافعي بالعلم.(235)

وصفوة القول: إنّ ادعاء الشافعية بالأحاديث، في لزوم اتباع الشافعي لا يقرّها المنطق الصحيح، وأنّ جميع حججهم لاتنهض في إثبات المدّعى. على أنّنا نناقش في أصل لزوم الرجوع إلى مذهب معيّن، وأنّه أمر لا دليل عليه. وقد بيّنا ذلك في البحث السابق، بإشارة موجزة حول الاجتهاد والتقليد.

فإذا كان أصل الإلتزام لا أصل له فلا حاجة إلى هذا التكلّف. كما لا حاجة إلى ذكر كثير من المناقب التي أسندوها للشافعي وغيره من منامات وغيرها، تدلّ بمؤدّاها على لزوم اتباعه والأخذ بمذهبه.

والخلاصة: أنّ أتباع كلّ إمام قد أحاطوا شخصية إمامهم بهالة من التقديس، وسلكوا سبلاً مختلفة وطرقاً متعددة، لإقامة الدليل على أعلمية إمامهم، وأولويته بالاتّباع دون غيره، فنشبت خلافات وظهرت ضغائن ومرّت الاُمة نتيجة ذلك بفترة محزنة، توتّرت فيها العلاقات الاجتماعية، وصبغت بالحدّةوالعنف.

ولقد كان الهدف الأوّل لاختراع تلك الاُمور ونشرها هو إثبات أعلمية ذلك الإمام، وأهليّته للاتّباع، لينتشر المذهب ويكتب له النجاح.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل امتدّت الحركة الادعائية هذه لترتكز على قاعدة قوية يكون لها أثرها في رسوخ المذهب وثبوته في القلوب، وذلك ادّعاؤهم بالبشائر النبويّة، فكلّ سلك جانباً من الادّعاء على صاحب الرسالة، وقد ساهم القصاصون وأعوان السلطة بنشر تلك الأكاذيب.

شيوخه وتلامذته

تلقّى الشافعي الفقه والحديث على شيوخ من مكة، والمدينة، واليمن، وبغداد، وقد ذكر ابن حجر منهم عدداً يتجاوز الثمانين(236)، أمّا غيره فاقتصر على المشهورين منهم. ونحن نشير اليهم هنا بترجمة قصيرة وهم تسعة عشر: خمسة من مكة، وستة من المدينة، واربعة من اليمن، واربعة من العراق. وقد ترك الفخر الرازي ذكر محمد بن الحسن الشيباني تعصّباً، ولا مجال لتركه فإنّ الشافعي قد اعترف بأخذه العلم عنه، وأنّه حمل عنه علماً كثيراً ونمت مواهبه في ملازمته، ويعدّ في الواقع من أشهر شيوخه، بعد مالك بن أنس، وأوّل شيخ تلقّى الشافعي عنه العلم هو :

1 - مسلم بن خالد المخزومي أبو خالد المكي، المعروف بالزنجي المتوفى سنة (180 هـ) وهو من موالي مخزوم، وهو أوّل شيوخ الشافعي ، وابتدأ بأخذ الفقه والحديث عنه، ثم انتقل إلى المدينة وحضر عند مالك، ولم يكن مسلم بن خالد ممّن يعتمد عليه في الحديث، فقد طعن عليه وضعّفه كثير من الحفاظ، كأبي داود، وأبي حاتم، والنسائي، خرّج حديثه ابن ماجة وأبو داود .(237)

2 - سعيد بن سالم القداح، أبو عثمان الخراساني، ثم المكي المتوفى سنة (171 هـ) وكانت له حلقة مسلم بن خالد الزنجي، بعد أن توفي مسلم، وقد أخذ الشافعي عنه وروى حديثه، وكان سعيد يُرمى بالإرجاء (أي أنّه من المرجئة).(238)

3 - داود، بن عبد الرحمن العطّار المتوفى سنة (175 هـ).

قال الشافعي: ما رأيت أورع منه، ووثّقه ابن معين .(239)

ولم تكن ملازمة الشافعي له كغيره من شيوخه، ولعلّ أخذه عنه كان قليلاً.

4 - سفيان بن عيينة ابن أبي عمران المتوفى سنة (198 هـ)(240)تقدّمت ترجمته في هذا الكتاب في اسماء تلامذة الإمام الصادق(عليه السلام)، وهو من رؤساء المذاهب البائدة(241).

5 - مالك بن أنس الأصبحي المتوفى سنة (179 هـ)(242)، تقدّمت ترجمته في الجزء الأول والثاني(243).

6 - عبد الله بن نافع الصائغ، مولى بني مخزوم المتوفى سنة (206 هـ).(244)

7 - يحيى بن حسان بن حيان، البكري المصري المتوفى سنة (208 هـ).(245)

8 - إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى أبو اسحق المدني المتوفى سنة(184هـ)(246).

وقد أكثر الشافعي من الرواية عنه. وهو عندهم ضعيف. وقد رموه بالكذب. وطعنوا على الشافعي بالأخذ عنه، ولكن الشافعي كان يرى إبراهيم صدوقاً، وإنّما رمي بالكذب لغايات هناك، وقد روى الربيع بن سليمان عن الشافعي أنّه كان يقول: لئن ينحر إبراهيم من بعد أحبّ إليه من أن يكذب وكان ثقة في الحديث.

وإبراهيم هذا كان من تلامذة الإمام الصادق (عليه السلام) وخرّيج مدرسته، وكان يروي أحاديث أهل البيت(عليهم السلام)، وله مؤلّف مبوّب في الحلال والحرام على مذهب أهل البيت، وهو اُستاذ الواقدي، وكتب الواقدي أكثرها مأخوذة عنه. وحيث كان الشافعي يعتمد على كتبه ورواياته، فكان مرة يصرّح باسمه ومرة اُخرى يورّي عنه فيقول: حدثني الثقة، حدثني من لا اتهمه.(247)

9 - حماد بن اُسامة الكوفي، مولى بني هاشم المتوفى سنة (201 هـ).(248)

10 - وكيع بن الجراح بن مليح الرواسي، أبو سفيان الكوفي المتوفى سنة(196 هـ).(249)

11 - إبراهيم بن سعد الأنصاري الزهري، المتوفى سنة (183 هـ) تقدّمت ترجمته في تلامذة الإمام الصادق (عليه السلام).(250)

12 - محمد بن الحسن الشيباني القاضي، تلميذ أبي حنيفة، قال الشافعي: حملت عن محمد بن الحسن الشيباني حمل بختي (نوع من الابل، ليس عليه إلاّ سماعي) وقال: كان محمد بن الحسن جيد المنزلة، فاختلفت إليه فلزمته وكتبت كتبه.(251) ولذلك قالوا: إنّ محمد بن الحسن اغزر منه - أي من الشافعي - علماً وأخطر أثراً، وإنّ علم الشافعي راجع إليه ومأخوذ عنه.

13 - عبد الوهاب بن عبد المجيد بن الصلت البصري المتوفى سنة(194هـ)(252)، تقدّمت ترجمته في هذا الكتاب في تلامذة الإمام الصادق(عليه السلام).(253)

14 - هشام بن يوسف أبو عبد الله قاضي صنعاء، المتوفى سنة (197 هـ) وهو من الأبناء، سمع معمراً، وابن جريح، وأخذ عنه ابن المدايني، توفي قبل عبد الرزاق بن همام .(254)

15 - إسماعيل بن إبراهيم الأسدي القرشي. مولاه أبو بشر البصري المتوفى سنة (193 هـ) ويعرف بابن عليّة. وهي اُمه، مولاة لبني أسد بن خزيمة ولمّا ولي إسماعيل بن عليّة القضاء كتب إليه ابن المبارك :

ياجاعل العلم له بازياً *** يصطاد أموال المساكين

تحتال للدنيا ولذاتها *** بحيلة تذهب بالدين

فصرت مجنوناً بها بعد ما *** كنت دواء للمجانين

أين رواياتك فيما مضى *** عن ابن عون وابن سيرين

أين رواياتك في سردها *** في ترك أبواب السلاطين

إن قلت اُكرهت فذا باطل *** زل حمار العلم في الطين(255)

تلامذته ورواة مذهبه

نقل مذهب الشافعي عن طريقين: أحدهما تلامذته. والثاني كتبه، أمّا رواة مذهبه فمنهم من العراق. ومنهم من مصر (256) والعراقيون هم:

1 - خالد اليماني الكلبي، أبو ثور البغدادي المتوفى سنة (240 هـ) وقد تقدّمت ترجمته في المذاهب البائدة، والحقّ أنّ عدّه في رواة مذهب الشافعي غير صحيح، فإنّ الرجل كان مجتهداً مطلقاً، وله مذهب قد اعتنقه كثير من الناس، واشتهر الأخذ به في القرن الثاني، ولكنه اندرس، شأنه شأن غيره من المذاهب التي لم تحظ بتشجيع فيكتب لها البقاء، وله كثير من المسائل قد خالف فيها الشافعي، وسيأتي بيانها.

2 - الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني البغدادي المتوفى سنة (260هـ) وهو أثبت رواة المذهب القديم للشافعي، وكان يذهب مذهب أهل العراق، فتركه وتفقه للشافعي.

3 - الحسن بن علي الكرابيسي تفقه أولاً على مذهب العراقيين، ثم تفقه للشافعي وسمع منه ومن غيره وقد تجنب الناس روايته; لأنّ أحمد بن حنبل طعن عليه في مسألة اللفظ، لأنّه كان يقول: لفظي بالقرآن مخلوق.

4 - أحمد بن عبد العزيز البغدادي كان من كبار أصحاب الشافعي الملازمين له ببغداد، ثم صار من أصحاب ابن داود وتبعه على رأيه، وله مسائل خالف بها الشافعي.

5 - أبو عبد الرحمن أحمد بن محمد بن يحيى الأشعري البصري، كان يشبّه بالشافعي ويوصف به، لأنه انتصر للمذهب ودافع عن أصحابه، لمكانته من السلطان، وعلو منزلته في الدولة، فقد كان رفيع المنزلة عندهم، له جاه عظيم. وقد أجهد نفسه في نصرة مذهب الشافعي وانتشاره، حتى وصف بما اشرنا إليه.

6 - أحمد بن محمد بن حنبل إمام المذهب الحنبلي، - ستأتي ترجمة حياته-.

والشيء الذي نودّ الإشارة اليه هو أنّ الحنابلة يجعلون الشافعي تلميذ أحمد بن حنبل، ويعدّونه في عداد من أخذ عنه وتعلّم منه، ويستدلّون بقول أبي حاتم: إنّ أحمد بن حنبل أكبر من الشافعي. تعلّم الشافعي أشياء من معرفة الحديث من أحمد بن حنبل، وكان الشافعي فقيهاً، ولم تكن له معرفة بالحديث، فربّما قال لأحمد هذا الحديث محفوظ؟ فإذا قال أحمد: نعم، جعله أصلاً وبنى عليه.

وقال إسحق بن حنبل: كان الشافعي يأتي أبا عبد الله أحمد بن حنبل عندنا ههنا عامة النهار يتذاكرون الفقه.

وقال أبو بكر الأثرم فيما كتبه إلى المروزي: واخبرت أنّ الشافعي له معرفة بالحديث ممّا تعلمه منه - أي من أحمد بن حنبل - .

وعن عبد الله بن أحمد قال: قال لنا الشافعي: أنتم أعلم بالحديث والرجال مني، فإذا كان الحديث صحيحاً فأعلموني أن يكون كوفياً، أو بصرياً، أو شامياً، حتى أذهب اليه اذا كان صحيحاً.

هكذا ذكر ابن رجب في طبقات الحنابلة (257) وقال ابن الجوزي: وممّن حدث عن أحمد بن حنبل الشافعي، وقد ذكره في عداد تلامذته. ولكنّ الشافعية جعلوا أحمد بن حنبل تلميذاً للشافعي.(258)

7 - داود بن علي الظاهري، إمام أهل الظاهر، أخذ عن الشافعي، ولكنه لم يكن من رواة المذهب وناشريه، بل كان له مذهب مستقل وله أتباع، ولا زال مذهبه معمولاً به مدة من الزمن وكان من أشهر علماء المذهب ابن حزم صاحب كتاب المحلّى.

 

المصريـون

وانتشر مذهب الشافعي في مصر أكثر من غيره، لأنّ أصحاب الشافعي في مصر قاموا بنشر المذهب، وتأليف الكتب، وقد ساعدت الظروف على ذلك كما يأتي، فكان للشافعي أصحاب من مصر لهم يد في نشر مذهبه، وله تلامذة كثيرون، كان أشهرهم :

1 - يوسف بن يعقوب البويطي أو يعقوب المصري، المتوفى سنة (231هـ) في سجن بغداد، لأنّه لم يقل في مسألة خلق القرآن.

وكان البويطي من أكبر أصحاب الشافعي، وناشري مذهبه، وهو خليفته على حلقة درسه، وكان الشافعي يحيل عليه في الفتيا إذا جاءته مسألة، ويعدّ في الواقع من أكبر أنصار المذهب ودعاته، فقد كان يدني الغرباء ويقرّبهم، ويعرّفهم فضل الشافعي وكتبه، حتى كثر الطالبون لكتب الشافعي، وكان يقول: كان الشافعي يأمر بذلك ويقول لي: أصبر للغرباء. وغيرهم من التلاميذ حتى كثر أتباعه وقوي انتشار المذهب، فحسده ابن أبي الليث الحنفي، قاضي مصر وعاداه، وبسبب ذلك أخرجه أيام المحنة في خلق القرآن، وحمل مع من حمل من أهل مصر، وحبس ببغداد ومات في السجن سنة (231 هـ) .(259)

2 - إسماعيل بن يحيى المزني أبو إبراهيم المصري، المتوفى سنة (264هـ)، كان من أكبر أنصار الشافعي وناشري مذهبه، حتى قال الشافعي في حقّه: المزني ناصر مذهبي. وقال أيضاً في وصفه: لو ناظر الشيطان لغلبه .(260)

وله في مذهب الشافعي كتب كثيرة، منها: الجامع الكبير، والجامع الصغير والمختصر، والمنثور، والمسائل المعتبرة، والترغيب في العلم، وكتاب الوثائق، وكتاب نهاية الاختصار .

واشتهر كتاب المختصر بين الناس وامتلأت به البلدان، وكان للناس فيه اعتقاد شديد حتى أنّ المرأة إذا جهّزت للدخول على زوجها حمل في جهازها مصحف ونسخة مختصر المزني(261)، وكان المزني من المجتهدين في المذهب، وممّن له حرية الاستنباط. وكان ممن ينهى عن التقليد والجمود كما جاء في مقدمة المختصر .

3 - الربيع بن سليمان بن عبد الجبار بن كامل المرادي المتوفى سنة (270هـ) كان من موالي مراد، ومؤذّن جامع الفسطاط، وهو راوي كتب الشافعي، وثّقوه في الحديث على غفلة فيه، وتُقدم روايته على غيره، فلو تعارض هو والمزني في رواية قدّم أصحاب الشافعي روايته على رواية المزني، وقد رحل الناس إليه لتلقي كتب الشافعي، وكان الشافعي يحبه حتى قال له: لو قدرت ان اطعمك العلم لأطعمتك إياه .(262)

4 - الربيع بن سليمان بن داود الجيزي، أبو محمد الأزدي مولاهم المصري المتوفى سنة (256 هـ)، روى عن الشافعي أحاديثاً، ولم يرو كتبه، وكان ضعيفاً في الحديث .(263)

ومن المصريين أيضاً: حرملة بن يحيى بن حرملة، أبو حفص المصري المتوفى سنة (266 هـ) صحب الشافعي وروى عنه كتباً لم يروها الربيع بن سليمان. ومنهم :

قحزم بن عبد الله بن قحزم، أبو حنيفة القبطي المتوفى سنة (271 هـ) صحب الشافعي وأخذ عنه وكتب كثيراً من كتبه، وروى عنه عشرة أجزاء في السنن والأحكام.(264)

يونس بن عبد الأعلى الصدفي المصري ولد سنة (170 هـ) وتوفي سنة (264هـ) وسمع الحديث من ابن عيينه وابن وهب، وتفقّه على الشافعي، وانتهت إليه رياسة العلم المصري. وفيه يقول الشافعي: ما رأيت بمصر أحداً أعقل من يونس بن عبد الأعلى .(265)

محمد بن عبد الله بن الحكم المتوفى سنة (268 هـ)، كان من أصحاب الشافعي، وكان أهل مصر لا يعدلون به أحداً. قال المزني: نظر إليه الشافعي فأتبعه بصره، وقال: "وددت لو أنّ لي ولداً مثله وعليَّ ألف دينار". وقال أبو إسحاق الشيرازي: انتهت إليه رياسة العلم بمصر، وكانت بينه وبين الشافعي مؤاخاة صادقة، ومودة صافية. ولما مرض الشافعي، وأحس بدنوّ منيّته، وطلب إليه أصحابه أن يذكر من يخلفه في حلقته أشار إلى البويطي، دون ابن عبد الحكم، وكان قد استشرف لها وأرادها، فأغضبه ذلك وترك مذهب الشافعي، وانتصر لمذهب مالك، وأخذ يرد على الشافعي، فهو إذاً من تلامذة الشافعي ولم يكن من ناشري المذهب.(266)

هؤلاء هم أشهر أصحاب الشافعي، الذين انتشر بهم علمه بما ألّفوا وصنّفوا.

كتبه وآثاره

يمتاز الشافعي عن غيره من أئمة المذاهب الأربعة بنسبة الكتب التي عرف انّه صنّفها بنفسه، فكان عليها اعتماد المتمذهبين بمذهبه كرسالة أدلة الاحكام، وهي رسالة اُصولية، وكتاب اختلاف الحديث، وكتاب المسند، والأمالي، ومجمع الكافي، وعيون المسائل، والبحر المحيط، وهذه الكتب الأربعة تعرف بالقديم.

وإنّ من سبقه من الأئمة لم يظهر له مثلما ظهر للشافعي، فمالك بن أنس له كتاب الموطأ فحسب، وأبو حنيفة ليس له شيء من التأليف إلاّ ما يقال من نسبة كتاب العالم والمتعلّم، وقد تقدّم الخلاف في ذلك، وسيأتي الكلام حول كتب الإمام أحمد.

أمّا أهم كتاب ينسب إلى الشافعي فهو كتاب "الاُم" المطبوع في ستة مجلدات، وهو المرجع لفقه الشافعي قديمه وجديده.

وأهمّ شيء نودّ الوقوف عليه في هذا البحث هو: هل الاُم من تأليف الشافعي أو هو لغيره ونسب إليه؟

كتاب الاُم

لقد وقع الخلاف حول هذا الكتاب، وكثر الجدل في نسبته للشافعي، وأنّه أكبّ على تأليفه بنفسه، فبعضهم يذهب إلى ذلك. والبعض الآخر ينفي ذلك، ويذهب إلى عدم نسبته للشافعي.

ونحن إذا أردنا أن نلحظ الكتاب في قراءة موضوعية نجد أنّنا كثيراً ما نصطدم بعبارات توجب التشكيك في صحة القول بأنّ الشافعي هو مؤلّف هذا الكتاب. ولعلّ من الخير أن نضع بين يدي قرائنا المحترمين، بعضاً من الشواهد على ذلك: منها : افتتاح كثير من فصوله بهذه العبارة: "أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي كما ورد في مطلع الجزء الأول وكثير من فصول الكتاب، وفي كتاب الحيض والاستحاضة في عدّة موارد، وفي ص 58 (267) قال: قال الربيع: قال الشافعي، وهو الذي نقول به: انّ أقل الحيض يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر.

وفي كثير من فصول الكتاب، يحكي الربيع بن سليمان أقوال الشافعي وآراءه كما في ص 60 ج 1 وكذلك في ص 67 و 72 و 73 إلى غير ذلك.(268)

وإنّ المؤيدات لنفي دعوى تأليف الشافعي كثيرة لا تحصى، ففي ص 74 في باب الأذان قال الربيع: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد(269)وغيره، عن جعفر بن محمد (عليه السلام) إلى أن يقول : قال الشافعي: وبهذا كلّه نأخذ(270).

ومن أهمّ المؤيدات، أنّ الربيع كان ينصّ في بعض الموارد على سماعه من الشافعي، وفي بعضها أنّه لم يسمع ذلك منه. وورد في باب غسل الميت ص248 أخبرنا الربيع بن سليمان أنّه قال: لم أسمع هذا الكتاب من الشافعي، وإنما أقرأه على المعرفة.(271)

وتقع في الكتاب عبارة: قيل للشافعي فأجاب بكذا، كما تكثر فيه عبارة: "سألت الشافعي بكذا فأجاب بكذا" كما في السؤال عن ولوغ الكلب في الإناء ج 7 ص 94 وغيره .(272)

ويأتي أيضاً: قلت للشافعي كذا فأجابه بكذا. إلى آخر ما هنالك من الشواهد والتعليقات للربيع وللبويطي، كما في ج 5 ص 59، 144، 145، 183، أكبر دليل على ذلك .(273)

ويجد المتتبع لفصول الكتاب، صراحة في عدم تأليف الشافعي لهذا الكتاب، كما في باب الصلح، والحوالة، والوكالة، والوليمة، وإقرار الوارث وغيرها.

وعلى أيّ حال: فإنّ للقول في عدم نسبة الكتاب للشافعي مجالاً. وأنّه لم يؤلّفه بنفسه، ولا أكبّ على كتابته، ولكن أقرب الاحتمالات: إنّ الكتاب هو مجموعة آرائه وأقواله دوّنها تلامذته، كغيره من أئمة المذاهب، مع زيادات في التخريج على اُصول المذهب. و على الأقل فإنّ القطع بعدم نسبة جميع الكتاب للشافعي لا مجال لإنكاره، فهو إمّا تأليف البويطي أو الربيع بن سليمان. وقد أيّد ذلك الغزالي في الأحياء وأبو طالب المكي في قوت القلوب.

قال أبو حامد الغزالي :كان الشافعي (رحمه الله) أخا محمد بن عبد الحكم، وكان يقرّبه ويقبل عليه ويقول: ما يقيمني بمصر غيره، فاعتلّ محمد فعاده الشافعي(رحمه الله)فقال :

مرض الحبيب فعدته *** فمرضت من حذري عليه

وأتى الحبيب يعودني *** فبرئت من نظري إليه

وظنّ الناس من صدق مودتهما أنّه يفوض أمر حلقته إليه بعد وفاته، فقيل للشافعي في علّته التي مات فيها: إلى من نجلس بعدك يا أبا عبد الله؟ فأستشرف له محمد بن عبد الحكم وهو عند رأسه ليومئ إليه، فقال الشافعي سبحان الله! أيُشك في هذا! أبو يعقوب البويطي. فانكسر لها محمد، ومال أصحابه إلى البويطي، مع أنّ محمداً قد حمل عنه مذهبه كلّه.

لكن البويطي كان أفضل وأقرب إلى الزهد، فنصح الشافعي لله وللمسلمين وترك المداهنة، ولم يؤثر رضا الخلق على رضا الله تعالى.

فلما توفي، انقلب محمد بن عبد الحكم عن مذهبه، ورجع إلى مذهب أبيه. ودرس كتب مالك. وآثر البويطي الزهد والخمول، ولم يعجبه الجمع والجلوس في الحلقة، واشتغل بالعبادة، وصنّف كتاب الاُم الذي ينسب الآن إلى الربيع بن سليمان ويعرف به، وإنّما صنّفه البويطي، ولكن لم يذكر نفسه فيه، ولم ينسبه إلى نفسه، فزاد الربيع فيه وتصرّف.(274)

هذا هو النصّ الذي أورده الغزالي، على نفي نسبة كتاب الاُم للشافعي، وإنّما ألّفه البويطي، ثم نسبه الربيع بن سليمان الى نفسه، وزاد فيه وتصرف. والغزالي هو من أئمة الشافعية الذين عليهم المعوّل.

وقال أبو طالب المكي: إنّ البويطي هو الذي ألّف كتاب الاُم وأعطاه الربيع، وصار يُعرف به لأنه اعتزل الناس بالبويطة من سواد مصر، وصنّف كتاب الاُم الذي ينسب الآن للربيع بن سليمان ويعرف به، و إنّما هو جمع البويطي، لم يذكر نفسه فيه، وأخرجه إلى الربيع فزاد فيه .(275)

وهذا نصّ صريح في تأكيد المدّعى، وقد مرّت العصور على نسبة الكتاب للشافعي، وأنّه أكبّ على تأليفه، مع وجود هذه النصوص والشواهد التي يتجلى منها عدم صحة هذه النسبة، لمن يتتبع فصول الكتاب، من وجود تلك العبارات الدالة بصراحة على نفي تلك النسبة كما قدّمناه، وكذلك في بقيّة الأبواب المسبوقة بعبارة "أخبرنا الربيع بن سليمان قال: أخبرنا الشافعي"، كما في باب الصلح، والحوالة، والوكالة، والوليمة، وإقرار الوارث وغيرها.(276)

وتسمية هذا الكتاب باسم الاُم تسمية جديدة، وأحياناً ما يرد ذكره في الكتاب ولعلّه من فعل الشرّاح.(277)

وبهذه الاُمور أصبح التشكيك في نسبة الكتاب للشافعي، بل جزم أكثرهم بأنّ الشافعي لم يؤلّفه. وحقيقة أنّه جامع لأقواله وآرائه التي لم يقصد منها تصنيف كتاب بعينه ولو قدّم كذلك لسلّم ما فيه من علم من التشكيك ورفع عنه التردد.

الاختلاف حول كتاب الاُم

وقد ثار الخلاف في مصر حول هذه المسألة، وكثر الجدل فيها، وهو: هل أنّ كتاب "الاُم" ألّفه الشافعي أو ألّفه البويطي؟

فمنهم، من ينفي تأليف الشافعي لهذا الكتاب، وانّه عكف على كتابته وتأليفه في هذا الموضع النهائي.

ومنهم، من يرى أنّ الشافعي أملاه على تلامذته في حلقة درسه، وقسم آخر يرى أنّ الشافعي أملى مسائل، وكتب مسائل، وتحدث بمسائل، ثم ترك علمه ورسائله وأماليه وديعة في خزائن اصحابه وصدورهم بعد موته، فجاء البويطي فصنّف من ذلك كلّه كتاب الاُم وأعطاه الربيع، فزاد فيه وتصرّف. ولكلّ قول مرجحات ومؤيدات.

يقول الدكتور أحمد أمين: "فليس يستطيع أحد أن يقول أنّ ما بين دفتي الكتاب الذي بين أيدينا هو تأليف الشافعي، وأنّه عكف على كتابته وتأليفه في هذا الموضع النهائي. كما أنّه لا يستطيع أحد أن ينكر أنّ في "الاُم" مذهب الشافعي بقوله وعبارته، فالظاهر أنّها أمالي أملاها الشافعي في حلقته، وكتبها عنه تلاميذه، وأدخلوا عليها تعليقات من عندهم، واختلفت رواياتهم بعض الاختلاف".(278)

وكتب الدكتور زكي مبارك رسالة خاصة في هذه المسألة تحت عنوان: "إصلاح أشنع خطأ في تاريخ التشريع الإسلامي، كتاب الاُم لم يؤلّفه الشافعي، وإنّما ألّفه البويطي وتصرف فيه الربيع بن سليمان".

يقول في المقدمة: "وملك الدنيا بأسرها لا يساوي عندي تصحيح هذه الغلطة التي درج عليها الناس منذ أجيال; وهي نسبة كتاب الاُم إلى الشافعي (رحمه الله)، مع أنّ الشافعي لم يؤلّف ذلك الكتاب، ولم يعرفه على الاطلاق لأنّه ألّف بعد وفاته بسنين" .

ويقول: إنّ الفرق عظيم بين كتاب يؤلفه الشافعي أو يمليه ويرويه عنه أصحابه، وكتاب يؤلف بعد وفاته بسنين. الفرق عظيم جداً بين هذين في التأليف والتصنيف، إلاّ أن تكون الحقائق الأدبية في مصر ممّا يكال ويوضع في الأعدال .

ويستمر الاُستاذ مبارك في مناقشته، وبحثه حول الكتاب، وهو المعروف بدقّة البحث وسلامة الذوق، ويقيم الأدلة على مايدّعيه، من اثبات تأليف الكتاب للبويطي، لا للشافعي، ويصف لنا مهاجمة الناس له، وقيام المعركة حول إثارة هذه المسألة وأنّ المعركة تنتهي على أنّ الشافعي لم يعرف كتاب الاُم بصورته، وأنّه لا مفرّ من الاعتراف بأثر أبي يعقوب البويطي، والربيع بن سليمان في تأليف ذلك الكتاب.

ويقول: كتب الله لنا النصر في تلك الحرب الشعواء، واعترف خصومي بأنّ الشافعي لم يعرف كتاب الاُم في حياته، اعترفوا في محادثات شخصية وتلفونية، وسألتهم أن يذيعوا ما اقتنعوا به فلم يفعلوا; لأنّ الاعتراف بالهزيمة يصعب على كثير من الناس.

ولكنّهم لم يكونوا جميعاً في درجة واحدة من المكابرة، فقد تفرّد الرجل الفاضل الاُستاذ محمد عرفة - وكيل كلية الشريعة - بكلمة وقعت منه قضاءً وقدراً، في مقال نشره بالبلاغ في مساء السبت 28 شعبان سنة (1352 هـ) إذ قال: "إلاّ أنّه يحتمل أن يكون الشافعي أملى كتابه الاُم كتباً متفرقة ومسائل مجزّأة، والذي جمعه وجعله كتاباً مستقلاً، وسمّاه بهذا الاسم هو الربيع بن سليمان، ونحن نرجّح هذا الاحتمال".

هذا كلام وكيل كلية الشريعة بالجامع الأزهر، فماذا ينتظر الناس من الفوز لرأي زكي مبارك، من أن يوافقه وكيل كلية الشريعة من حيث لا يحتسب؟

ويختم الاُستاذ زكي مبارك رسالته، التي نشرها حول إثارة هذا الموضوع فيقول:

وأظهر ما تكون عقبة التوحيد في الفقه الاسلامي، فقد رأينا كيف يتفق فقهاء الشافعية على اضافة مؤلفات أصحاب الشافعي إلى الشافعي، ومضوا على ذلك الرأي الموحّد إلى اليوم، حتى رأينا من فقهاء عصرنا من يضجر ويحزن ويكتئب حين يسمع من يقول: إنّ للبويطي والربيع بن سليمان يداً في تأليف كتاب الاُم لأنّ في ذلك اشراكاً بالشافعي (رحمه الله)!

ولا ننسى أنّ من فقهاء الشافعية جماعة أنطقت الرسول (عليه السلام) بمدح الشافعي قبل ان يولد بزمان، فزعمت أنّه قال: "عالم قريش يملأ طباق الأرض علماً" وأن المقصود بهذا الحديث محمد بن إدريس الشافعي. إلى أن يقول: لقد مرّت أجيال والمسلمون يعتقدون أنّه ليس لأحد بعد الأئمة الأربعة أن يجتهد في الشريعة الإسلامية. والخارج عن المذاهب الأربعة - وهو رأي الجمهور - صاحب بدعة ، وكلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار.

ومن المؤسف، أن تتغلغل هذه العقيدة في الجماهير الإسلامية، حتى نجد من يسأل عن مذهب رسول الله (صلى الله عليه وآله) أشافعي هو أم مالكي؟ وغفلة العوام فرع عن غفلة الخواص.

فإن لم يكن ذلك كذلك - كما كانوا يعبرون - فلم يصرخ بعض الناس فيقولوا في جريدة يومية : أنّه يعزّ عليه أن ينسب كتاب الاُم إلى غير الشافعي؟ مع أنّ في فحول المتقدمين من نسبه الى البويطي والربيع، مع أنّ الأدلة تظافرت على أنّه ألّف بعد وفاة الشافعي بسنين؟

يقولون، إنّ أصحاب الشافعي كانوا جميعاً عالة عليه، ونحن نقول: لولا أصحاب الشافعي لكان مصيره مصير الليث بن سعد، فقد كان من كبار الأئمة، ولكن قعد عنه أصحابه فضاع. وفي عصرنا شاهد لذلك! فلولا رشيد رضا لما كان محمد عبده، وهل استطاع الشيخ محمد عبده أن يظفر بكلمة ثناء؟ وهل جرى في الدنيا أنّه الاُستاذ الإمام وأنّه (لوثر) هذا الجيل; لولا عناية رشيد رضا بطبع مؤلفاته وإذاعة ما وعى عنه من مختلف الأقوال؟

إنّ التلميذ المخلص شريك اُستاذه في الفضل، فلا تغضّوا من قيمة أصحاب الشافعي لتصح لكم في الشافعي عقيدة التوحيد، فبعض التوحيد وثنية لو تعلمون. إنتهى. وفي الرسالة مباحث قيّمة لم يتّسع الوقت لإعطاء صورة عنها.

وبهذا ينتهي بحثنا حول شبهة كتاب الاُم. ونسبته للشافعي، وللشافعي كتب اُخرى في علوم مختلفة، كالتفسير واللغة وغيرهما، كما أنّهم نسبوا إليه معرفة كثير من العلوم، والتحقيق لايقرّ ذلك، والتتبع لا يثبته، فمن ذلك:

إنّ بعض من درسوا الشافعي ينسبون إليه تعلّم اليونانية، معتمدين على ما نقله الرازي عن الشافعي: أنّه عندما دخل على الرشيد بتلك التهمة، سأله الرشيد عن علمه، فكان ممّا جاء في هذه المحاورة: قال الرشيد : فكيف علمك بالطب؟ قال الشافعي: أعرف ما قالت الروم، مثل ارسطاطاليس. وجالينوس، وقرقوريوس، وأبو قليس، بلغاتها وما نقله أطباء العرب، وقنّنه فلاسفة الهند، ونمقته علماء الفرس.

والقصة مكذوبة لا يعتمد عليها، لاشتمالها على اُمور متناقضة وأشياء مكذوبة، وأوضح ما فيها من الكذب أنّ السؤال من الرشيد كان بمحضر أبي يوسف، مع القطع بأنّ الشافعي دخل بغداد بعد وفاة أبي يوسف، ولم يجتمع به قط. وكذلك تشتمل القصة على مناقشات فقهية تخالف مذهب الشافعي قديمه وجديده.(279)

فليس من التحقيق العلمي التمسك بشيء ممّا جاء في هذه القصة; لأنّ راويها كذّاب وضّاع، وهو محمد بن عبد الله البلوي، وحاله أشهر من أن يذكر(280) ولم نجد نسبة تعلمه للطب واللغة اليونانية إلاّ في هذه الرواية التي لا يعتمد عليها، ونصّ على ذلك كثير من المحققين.

وليس لنا غرض في نفي ذلك عنه، إلاّ الالتزام بشرط الدراسة من التعرّض لكثير من الاُمور التي هي بعيدة عن الواقع.

أما الكلام حول علم الاُصول، وهل كان الشافعي هو الواضع له، أو أنّه أوّل من ألّف فيه؟! فذلك ما يستدعي بيانه الإطالة في البحث لاستلزامه الرجوع إلى البحث عن تاريخ علم الاُصول ونشأته، وهو متأخر عن علم الفقه; لأنّه ميزان له، فالفقه هو المادة التي توزن والمادة سابقة على الميزان.

وقد أشرنا في الجزء الثاني في فصل تدوين العلم: أنّ الإمام الباقر (عليه السلام) كان هو الواضع الأول لقواعده وأسسه، وقد ألّف تلامذته رسائل في مسائله.

ومهما يكن من أمر فلا مجال إلى الاعتراف بوضع الشافعي لعلم الاُصول، ولا يمكن التمسك بما نقله البعض في ذلك، لبعده عن الحقيقة، وعدم مطابقته للواقع، لأنا نجد من كان قبل عصر الشافعي من علماء الإسلام من كان يستعمل في استنباطه للحكم كثيراً من القواعد الاُصولية، للوقوف على حقيقة الحكم الوارد من الشارع.

وكان لكلّ مذهب اُصول وقواعد، وقد ألّف أبو يوسف كتاباً في اُصول الفقه، كما أنّ قواعد اُصول الفقه المالكي كانت سابقة على الشافعي، وقد ألف محمد بن الحسن الشيباني كتاباً أسماه اُصول الفقه، وتدّعي الحنفية أنّ أول من وضع الكتب في اُصول الفقه على مذهب أبي حنيفة هو أبو يوسف.(281)

وذكر ابن النديم كثيراً من كتب الاُصول لمن هو أسبق في التأليف من الشافعي من معاصريه وغيرهم.

وقد تقدّم القول بأنّ الإمام الباقر (عليه السلام) هو الذي وضع قواعد علم الاُصول وفتح أبوابه، وأوّل من صنّف فيه هو هشام بن الحكم المتوفى سنة (179 هـ)، صنّف كتاب "الألفاظ ومباحثها"، ثم من بعده يونس بن عبد الرحمن مولى آليقطين، وهو مبحث تعارض الحديثين، ومسائل التعادل والتراجيح. وقد ذكر ابن النديم مؤلفات الشيعة في الاُصول لمن هو أسبق من الشافعي، وقد مرّ البحث في ذلك في الجزء الثاني من هذا الكتاب(282).

ونحن لا ننكر أنّ الشافعي له يد في علم الاُصول، وأنّه وسّع الدائرة في بعض المسائل، إلاّ أنّه لم يكن واضعاً لهذا العلم، بل هو مؤلف وله الرسالة المشهورة، وقد تصدّى أبو سهل النوبختي، وهو من علماء الشيعة فنقضها وبيّن أخطاء الشافعي، فيما كتب عن علم الاُصول. ولكنّنا ننكر أن يكون هو الواضع الأوّل لعلم الاُصول وهو ادّعاء لا يثبت أمام التفاصيل، التي حوتها كتب الشيعة والتي تبيّن الأبواب التي جرى عليها الإمام الباقر، في مسائله وأقواله وتظهر القواعد التي وضعها في استخراج الأحكام وتصنيف المسائل، والتي برزت أيضاً بمنهج الإمام الصادق ومدرسته الكبرى.

بين قديم وجديد

تختلف أقوال الشافعي وفتاواه في كثير من الموارد، وقد عُرف عنه أنّه عدل عن فتواه في العراق، وعرفت بالمذهب القديم، وهو الذي تحمّله عنه تلامذته في العراق وأخذوا عنه، وحفظوا مسائله، ودوّنوا كتبه كالزعفراني والكرابيسي وغيرهما. ومن كتب المذهب القديم المنسوبة للشافعي: الأمالي، ومجمع الكافي.

ولما دخل مصر رجع عمّا أفتاه في العراق، وما دوّن عنه، حتى روى البويطي، أنّ الشافعي قال: لا أجعل في حلّ من روى عني كتابي البغدادي(283)، هذا مع العلم بأنّ تلك الآراء والأقوال قدّ انتشرت وأخذها من تتلمذ عليه في بغداد، ولا نعلم معنى هذا النهي ومؤدّاه - إن صح عنه - فهل كان الرجوع عنها لعدم مطابقتها للحقّ؟ أم أنّ استعداده الاجتهادي كان قاصراً عن إدراك الواقع الذي ادركه في مصر؟!

وصفوة القول: أنّ ما تقدم يضع بين يدي الباحث حقيقة مذهبية طريفة هي تأثر ذهنية الفقيه بالمحيط الجغرافي، وهذا ما لم يصل إليه التصور أو الإدراك، فالشافعي صاحب المذهب المعروف هو الذي تفرّد مذهبه بهذه الصبغة - صفة الجديد وصفة القديم - فمذهبه الجديد هو ما أملاه في مصر، وأخذ عنه تلامذته هناك، والقديم هو مذهبه في بغداد، وقد عدل عنه ونهى عن نقله، ولكنّ تلامذته في بغداد لم يبلغهم نهيه وعدوله، فدوّنوها وتناقلوها وانتشرت بينهم، ولهذا تجد الأقوال عن الشافعي مختلفة. فيأتي في المسألة قولان أو أكثر، وقد يثبت رجوعه عن أحدها أولا يثبت، فيبقى القولان ثابتين في المذهب منسوبين إليه، كما جاء في كتاب الاُم وغيره. وقد يعتبر هذا الاختلاف دليلاً على النقص في اجتهاد الشافعي، لأنّ عدم الجزم دليل على نقص العلم.

ذكر الفخر الرازي في المسألة الحادية عشرة: أنّهم - أي العلماء القائلون بنقص اجتهاد الشافعي - قالوا: أنه - أي الشافعي - ما كان كاملاً في الاجتهاد لأنه توقف في أكثر مسائل الفقه. وتساوت عنده الأدلة، وذلك يدل على ضعف الرأي وقلة الفقه.(284)

واعتذر الرازي: بأنّ هذا يوجد عند أبي حنيفة أيضاً في مسألة الماء المستعمل في الوضوء، فقد نقلوا عن أبي حنيفة ثلاث روايات :

1 - رواية محمد بن الحسن عن أبي حنيفة أنّه طاهر.

2 - رواية أبي يوسف أنه نجس نجاسة خفيفة .

3 - رواية الحسن أنّه نجس نجاسة غليظة، ولهم من هذا الباب مسائل كثيرة، فثبت أنّ هذا الاشكال مشترك من الجانبين (أي من الشافعي وأبي حنيفة في اختلاف الأقوال).

وسنوقف القارئ الكريم على كثير من ذلك. وقد جعلوا قول الشافعي الجديد ناسخاً لقوله القديم، كما أنّهم قد اكثروا من الاعتذار عن وجود هذا الاختلاف الذي جعله بعض العلماء نقصاً في اجتهاد الشافعي وإدراكه.

قال أبو منصور البغدادي: وليس الشافعي أجلّ من رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين سئل عن قذف الرجل امرأته، حتى نزلت آية اللعان، وقد روي أنّ المؤمن وقاف والمنافق وثاب(285).

وأنت ترى أنّ هذا النوع من الدفاع عن الشافعي لا موجب له، وهو تعصّب محض وقياس مع الفارق، فليس من الصحيح أن تقاس حوادث الشافعي بالنبي(صلى الله عليه وآله) الذي كان يستمدّ تعاليمه من السماء، وأنّه لا ينطق عن الهوى، إن هو إلاّ وحي يوحى. على أنّ الشافعي قد أراحهم من هذا التكلف، فإنّه لم يدّع العصمة والكمال، وقد دلّت أقواله على خلاف ما يدّعونه له، من صفة الإنسان الكامل الذي لا يعتريه الخطأ والنسيان، كما تقدّم بيانه.

وحدّث البويطي عن الشافعي أنّه قال: صنفت هذه الكتب فلم آل فيها الصواب، فلا بدّ وأن يوجد فيها ما يخالف كتاب الله وسنة رسوله، فما وجدتم فيه ما يخالف كتاب الله وسنة رسوله فإنّي راجع عنه الى كتاب الله وسنة رسوله.

وقال المزني: قرأت كتاب الرسالة على الشافعي ثمان مرات، فما من مرة إلاّ وقد كان يقف على خطأ، فقال لي الشافعي: أبى الله أن يكون كتاباً صحيحاً غير كتابه تعالى. فقول أبي منصور في نصرة الشافعي خطأ محض وجرأة على مقام الرسالة، وليس بغريب على من انغمس في بحر التعصّب للمذهب بأن تصدر منه أمثال هذه المخالفات ، فقد ترك قول النبي (صلى الله عليه وآله) لقول صاحب المذهب، وقد مرّ أنّ بعضهم يسأل عن مذهب النبي (صلى الله عليه وآله) هل كان حنفياً أم شافعياً؟(286)

ولسنا الآن بصدد البحث عن هذا، ولكنّ الغرض أنّ أقوال الشافعي قد اختلفت في كثير من المسائل، فهو قد أفتى في بغداد بمسائل، ثم أعرض عنها في مصر، فسميت تلك الأقوال بالمذهب القديم.

وإنّ أقواله القديمة منشورة في أبواب الفقه المختلفة، وأخذ العلماء يوازنون بينها، واختلفت ترجيحاتهم وتصحيحاتهم فيها، بل تناولوا ما رجّحه الشافعي نفسه بالدراسة والفحص، فكانوا يرجّحون القول الآخر إذا وجدوا حديثاً صحيحاً سيراً على قاعدة الشافعي التي سنّها لنفسه "إذا صحّ الحديث فهو مذهبي".

قال البجرمي: الفتوى على ما في الجديد دون القديم، وقد رجع الشافعي عنه، وهذا كلّه قديم لم يعضده حديث، فإن اعتضد بحديث فهو مذهب الشافعي، فقد صحّ عنه أنّه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي، واضربوا بقولي عرض الحائط .(287)

ولكن بعض الشافعية تردّد في الأخذ بالحديث إن عارض قول الشافعي، لأنه عساه يكون منسوخاً في نظره أو مؤولاً، أو صحّ عند غيره بطريق أقوى من طريقه، وبعضهم إذا وجد حديثاً يخالف رأياً مأثوراً عن الشافعي يأخذ بالحديث الصحيح، ويترك رأي الشافعي.

وقد افتى المتقدّمون من فقهاء الشافعية بعدة مسائل في القديم، وترجيحها على الجديد، واختلفوا في عددها، وحاولوا حصرها في عدد قليل أو أكثر، وقد منع بعضهم الحصر. وحصرها بعضهم في اثنين وعشرين منها :

عدم وجوب التباعد عن النجاسة في الماء الراكد الكثير، والتثويب في الأذان، وعدم انتقاض الوضوء بمس المحارم، وطهارة الماء الجاري ما لم يتغير، وعدم الاكتفاء في الاستنجاء بالحجر إذا انتشر البول، وتعجيل صلاة العشاء، وعدم مضي وقت المغرب بمضي خمس ركعات، وعدم قراءة السورة في الأخيرتين، والمنفرد إذا أحرم الصّلاة ثم انشأ القدوة - أي جواز ذلك - وكراهية تقليم أظافر الميت ، وعدم اعتبار النصاب في الركاز، وشرط التحليل في الحج بعذر المرض، وتحريم جلد الميتة بعد الدباغ، ولزوم الحد بوطء المحرم بملك اليمين، وقبول شهادة فرعين على كلّ من الأصلين. إلى آخر ما ذكر.

وصفوة القول: إنّ اختلاف الشافعية في أقوال الشافعي المختلفة قد فتحت لهم أبواب الترجيح، والتخريج، والموازنة بين أقواله وتطبيقها على الأحاديث، فما كان له شاهد من الحديث قدّم على مالم يكن له شاهد، واشترطوا لذلك شروطاً يأتي بيانها.

وهاتان الناحيتان - القديم والجديد - تظهران جليّاً في كتاب الاُمّ، وفي اختلاف الشافعية المتأخرين، إذ يذكرون للمسألة قولين، ويقصدون القديم والجديد، وقد مرّ أنّ أتباع أئمة المذاهب يجعلون أقوالهم هي بمنزلة أقوال النبي (صلى الله عليه وآله)، وربّما ترك قوله (صلى الله عليه وآله) لقولهم.

وقد قيل في أسباب تحول الشافعي عن أقواله في بغداد: أنّ إنتقاله من بغداد إلى مصر، وتقلبه في عادات جديدة أثّر ذلك في تبدل رأيه.

وغير بعيد أنّ الشافعي عندما كان في بغداد كان يرى نفسه تلميذاً لمالك ابن أنس، وبعد ذهابه لمصر بقي مدة ينقل أقوال اُستاذه، ثم تحول إلى مرحلة النضوج الاجتهادي في تعمّقه ودراسته، فهجر ما قاله أوّلاً وانتقد اُستاذه مالكاً، ووضع الكتب في الردّ عليه، وأعلن بحرمة العمل في قوله الأوّل، ومنع من نقله عنه.

ولكن مدة بقائه بمصر لا تساعده على اكتساب تلك الملكة الاجتهادية، وذلك الاُفق الواسع من العلم كما ينقل عنه.

آراؤُه في القرآن

قيل إنّ الشافعي كان يرى أنّ القرآن كلام الله غير مخلوق ويقول: إنّ الله سبحانه وتعالى يقول: (وكلّم الله موسى تكليما)(288).

ومسألة خلق القرآن من المشاكل المهمّة التي حلّت بالجامعة الإسلامية، والتي أدّت موجة كلامية في تاريخ الإسلام، نجم من ورائها تباعد وعداء، واتّهام بالكفر، ورمي بالزندقة والإلحاد، وإثارة الفتن، وإيقاد نار البغضاء، حتى عدّ من لم يقل بخلق القرآن خارجاً عن الدين ويقتل.

وقد تطوّرت هذه المسألة بعد وفاة الشافعي، وظهر الامتحان بها في سنة (218 هـ) ففيها دعا المأمون المحدّثين والقضاة الى القول بخلق القرآن، محتجاً على أنّه محدث، وكلّ محدث مخلوق، وهذا الرأي السائد عند كثير من علماء عصره. وكان معارضو هذا الرأي يقولون: إنّ القرآن كلام الله تعالى: القائم بذاته المقدسة، وما كان قائماً بذاته لا يكون مخلوقاً.(289)

وأخذ المأمون جماعة من الفقهاء فحبسهم وماتوا في السجن(290).

وأجاب كثير منهم تقيّة. طمعاً في الوظائف، وإبقاء على النفس. ويتجاوز عدد الذين أجابوا أكثر من ستين عالماً كلّهم من كبار المحدثين، كيحيى بن معين المتوفى سنة (233 هـ). ومحمد بن سعد صاحب الطبقات المتوفى سنة (230هـ) وقتيبة بن سعيد المتوفى سنة (240 هـ) وغير هؤلاء يأتي الكلام عليهم إن شاء الله تعالى.

ولقد تجاوز أكثر الفقهاء الحدّ في هذه المسألة، فذهبوا إلى كفر من قال بخلق القرآن، وبطلان نكاحه، وأنّ امرأته قد بانت منه، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، ولا يدفن في مقابر المسلمين.

وقال: إنّ من وقف وقال: لا أقول أنّ القرآن مخلوق أو غير مخلوق فقد ضاهى بالكفر، ومن زعم أنّ لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع، لا يجالس ولا يكلّم.

وكان أحمد بن حنبل لم يقبل توبة أحد ممن يقول بخلق القرآن، بل كان يرتب عليهم آثار الكفر وأحكامه، فلم يشيّع جنائزهم، ولم يُصلّ على واحد منهم، وحرّم الكلام معهم.

ولقد أخذت هذه المسألة دورها في ذلك العصر، حتى أنّ امرأة جاءت إلى القاضي فقالت: طلقني فإن زوجي يقول بخلق القرآن.

ثم اتسعت الحالة فخرجت عن اعتقاد البشر الى الجنّ، وأنّهم يقولون بذلك إلى آخر مافيها من تطور وتأزم كما سيأتي في الجزئين: الرابع والسابع إن شاء الله.

وبالجملة، فإنّي أرى أنّ ما ينقل عن الشافعي من التشدد في هذه المسألة لا يخلو بعضه من مبالغة، كما لا يخلو من زيادة - نسبة للظروف المتأخرة - إذ المسألة في عصر الشافعي لم تأخذ أثرها في المجتمع بذلك الشكل الذي يجعلنا نثق بصحة كل ما جاء عن الشافعي فيه، مع أنّا لا نريد ان ندفع عن الشافعي ما كان يراه، أو نقول بعدم صحة النقل عنه، ولكنّا نشكّ في تشدّده في أمر من يقول بخلق القرآن.

قال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي يقول: من حلف باسم من أسماء الله فحنث فعليه الكفّارة، لأنّ اسم الله غير مخلوق، ومن حلف بالكعبة أو بالصفا والمروة فليس عليه كفارة، لأنّه مخلوق وذاك غير مخلوق .(291)

وقال الربيع بن سليمان: حدّثني من أثق به، قال: كنت حاضراً في المجلس فقال حفص الفرد: القرآن مخلوق، فقال الشافعي: كفرت بالله العظيم .

وقال الربيع أيضاً: حضر عبد الله بن عبد الحكم، ويوسف بن عمر، وحفص الفرد، وكان الشافعي يسمّيه حفص المنفرد، فسأل حفص عبد الله بن عبد الحكم وقال: ما تقول في القرآن؟ فأبى أن يجيبه، ثم سأل يوسف بن عمر فلم يجبه، وكلاهما أشارا للشافعي، فسأل الشافعي فاحتجّ عليه الشافعي، وأقام الحجّة عليه بأنّ القرآن كلام الله غير مخلوق، وكفّر الشافعي حفصاً. قال الربيع: فلقيت حفصاً في المجلس فيما بعد فقال: أراد الشافعي قتلي.(292)

رأيه في الرؤية

قال الربيع: كنت يوماً عند الشافعي، وجاءه كتاب من الصعيد يسألونه عن قوله تعالى: (كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئذ لَّمَحْجُوبُونَ)(293).

فكتب الشافعي: لمّا حجب قوماً بالسخط، دلّ على أنّ قوماً يرونه بالرضا، قال الربيع: أو تدين بذلك ؟

قال: والله لو لم يدن محمد بن إدريس أنّه يرى ربّه في المعاد لما عبده في الدنيا.(294)

وبهذا يتضّح لنا رأي الشافعي: أنّ الرؤية محقّقة في الآخرة، ولولا ذلك لما عبد الله في الدنيا.

وقد اختلف المسلمون في رؤية الله تعالى، فذهب قوم الى جوازها في الدنيا والآخرة، ومنعها آخرون في الدنيا ووقوعها في الآخرة، كما هو مذهب الشافعي.(295)

وذهب أهل البيت(عليهم السلام)وشيعتهم إلى استحالة الرؤية في الدنيا والآخرة، وعدم امكانها لأنه تعالى (لاَّتُدْرِكُهُ الاَْبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الاَْبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)(296) لأنّ الأبصار إنّما تتعلّق بما كان في جهة أصلاً أو تابعاً، كالأجسام، والهيئات، وعلل ذلك بأنّ الباصرة لا تكون في حيّز الممكنات مالم تتصل أشعة البصر بالمرئي، ويمتنع اتصال شيء ما بذاته جلّ وعلا.

وللإمام أبي الحسن الهادي (عليه السلام) اُسلوب آخر في تقرير هذا الوجه، يوافق رأي الفلاسفة من أهل هذا العصر. أخرج الكليني في باب إبطال الرؤية،من كتاب التوحيد من اُصول الكافي، بسنده إلى أحمد بن إسحاق قال: كتبت إلى أبي الحسن الثالث أسأله عن الرؤية؟ فكتب (عليه السلام): لا تجوز الرؤية - عقلاً - ما لم يكن بين الرائي والمرئي هواء(297) ينفذ البصر، فإذا انقطع الهواء عن الرائي أو المرئي لم تصحّ الرؤية.(298)

قال سيدنا شرف الدين (299) : إنّ العقل الذي عرفنا الله تعالى به يحكم مستقلاً بامتناع رؤية الباري سبحانه، سواء أكانت الرؤية بصرية، أم قلبية، أم خيالية، أم وهمية، لامتناع لوازمها بحكم العقل.

نعم، ندرك بأبصارنا آيات الله في عجائب مخلوقاته (إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَـوَاتِ وَالاَْرْضِ وَاخْتِلافِ الَّليْلِ وَالنَّهَارِ لاَيَات لاُِّوْلِى الاَْلْبَابِ)(300).

وفي كلّ شيء له آية *** تدلّ على أنّه واحدُ

وندرك ببصائرنا أنّه هو الله، الذي لا إله إلاّ هو، عالم الغيب والشهادة، هو الرحمن الرحيم.

وعن الإمام الرضا (عليه السلام) أخرجه الكليني في اُصول الكافي بسنده إلى صفوان ابن يحيى قال: سألني أبو قرة المحدث أن أدخله على الإمام أبي الحسن الرضا(عليه السلام)فاستأذنته في ذلك، فأذن لي، فأدخلته عليه فسأله عن الحلال والحرام حتى بلغ سؤاله إلى التوحيد، فقال أبو قرة: إنّا روينا أنّ الله قسّم الرؤية والكلام بين النبيين، فقسم الكلام لموسى، ولمحمد الرؤية.

فقال الإمام (عليه السلام): فمن المبلّغ عن الله إلى الثقلين من الإنس والجن في أنّه لا تدركه الأبصار، ولا يحيطون به علماً، وليس كمثله شيء؟ أليس هومحمد(صلى الله عليه وآله)؟.

قال أبو قرة: بلى.

قال (عليه السلام): كيف يجيء رجل إلى الخلق جميعاً فيخبرهم: أنّه جاء من عند الله، وأنّه يدعوهم إلى الله بأمر الله، ويقول لهم عن الله: أنّه لا تدركه الأبصار، ولا يحيطون به علماً، وليس كمثله شيء؟ ثم يقول لهم: أنا رأيت الله بعيني، وأحطت به علماً، وهو على صورة البشر. أما تستحون؟! ما قدّرت الزنادقة أن ترميه (صلى الله عليه وآله) بهذا، ان يكون يأتي من عند الله بشيء ثم يأتي بخلافه!..

قال له أبو قرة: فإنّه تعالى يقول: (لَقَد رآه نُزلةً اُخرى).

فقال الإمام (عليه السلام): أن بعد هذه الآية ما يدل على ما رأى (صلى الله عليه وآله)، حيث قال تعالى: (ما كَذَبَ الفُؤاد مَا رأى) يقول: ما كذب فؤاد محمد ما رأت عيناه، ثم أخبر بما رأى فقال: (لَقَد رَأى مِن آياتِ ربّه الكُبرى) فآيات الله غير الله تعالى. وقد قال عزّ من قائل: (ولا يُحيطونَ بِهِ عِلماً) فإذا رأته الأبصار فقد أحيط به علماً. قال أبو قرة: أفتكذب الروايات؟.

قال الإمام: إذا كانت الروايات مخالفة للقرآن كذبتها، وقد أجمع المسلمون على أنّه لا يحاط به علماً، ولا تُدركه الأبصار، وليس كمثله شيء.(301)

ودخل رجل من الخوارج على محمد الباقر (عليه السلام) فقال له: أيّ شيء تعبد فقال(عليه السلام): الله.

قال الرجل: رأيته؟

قال: بلى، لم تره العيون بمشاهدة الأبصار ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان، لا يُعرف بالقياس، ولا يُدرك بالحواس، ولا يُشبه بالناس ، موصوف بالآيات، معروف بالدلالات، ذلك الله لا إله إلاّ هو(302).

ولا حاجة إلى الاسترسال بذكر الشواهد على خطأ هذه الفكرة بما ورد عن أهل البيت(عليهم السلام)من تنزيه الله عزّ وجلّ عن إدراك البصر له وتحديده فهو لا يحويه مكان ولا يخلو منه مكان.

أما ما ورد عن الشافعي في هذا فهو يوافق اغلبية الجمهور، وقد نقلوا عنه غير ذلك، وأنه لا يرى هذا الرأي، واتّبع في نفي الرؤية لله تعالى اُستاذه مسلم ابن خالد الزنجي، وإبراهيم الأسلمي، وقد نقل ذلك الهمداني في طبقات المعتزلة. وأنّ الشافعي لم يصرّح بأن الرؤية تكون بالباصرة، بل كان يطلق ذلك ويقول: إنّ الله يراه أولياؤه في الآخرة (303) والروايات عنه مضطربة ولكنّ أصحابه جعلوا رأيه الصحيح هو ما عليه أغلب بقية المذاهب من الرؤية والإدراك بالحواس.

رأيه في الصفات

عن يونس بن عبد الأعلى المصري، قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن إدريس الشافعي يقول وقد سئل عن صفات الله وما ينبغي أن يؤمن به: لله تبارك وتعالى أسماء وصفات جاء بها كتابه، وأخبر بها نبيّه (صلى الله عليه وآله) اُمته، لا يسمع أحداً ممن خلق الله قامت عليه الحجة: أنّ القرآن نزل به وصحّ عنه بقول النبي(صلى الله عليه وآله)، فما روي عنه العدل، فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجّة عليه فهو والله كافر، فأمّا قبل ثبوت الحجة عليه من جهة الخبر فمعذور بالجهل، لأنّ علم ذلك لايدرك بالعقل ولا بالرؤية والفكر، ونحو ذلك اخبار الله سبحانه وتعالى، أتانا أنّه سميع وأنّ له يدين، بقوله: (بل يَداهُ مَبسُوطَتان) وأنّ له يميناً بقوله: (والسَّمَاوَاتُ مَطويَّاتٌ بِيَمِينه) وأنّ له وجهاً، بقوله: (كُلّ شَيء هَالِكٌ إلاّ وَجهَهُ)وقوله: (وَيَبقَى وَجهُ رَبّك ذو الجلالِ والإكرام) وأنّ له قدماً، بقول النبي (صلى الله عليه وآله): "حتى يضع الربّ فيها قدمه" يعني جهنم. وأنّه يضحك من عبده المؤمن بقول النبي (صلى الله عليه وآله)- للذي قتل في سبيل الله - : أنّه لقي الله وهو يضحك إليه(304) وأنّه يهبط كلّ ليلة إلى سماء الدنيا بخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأنّه ليس بأعور، بقول النبي (صلى الله عليه وآله) - إذ ذكر الدجال - فقال: "إنّه أعور، وأنّ ربّكم ليس بأعور، وأنّ المؤمنين يرون ربّهم يوم القيامة بأبصارهم، كما يرون القمر ليلة البدر" وأنّ له اصبعاً، بقول النبي(صلى الله عليه وآله): "ما من قلب إلا هو بين اصبعين من أصابع الرحمن عزّ وجلّ".(305)

فإنّ هذه المعاني التي وصف الله بها نفسه، ووصفه بها رسوله. ممّا لا تدرك حقيقته بالرؤية والفكر، فلا يكفر بالجهل بها أحد إلا بعد انهاء الخبر إليه بها.

فإن كان الوارد بذلك خبراً يقوم في الفهم مقام المشاهدة في السماع، وجبت الدينونة على سامعه بحقيقته والشهادة عليه، كما عاين وسمع من رسولالله(صلى الله عليه وآله). ولكن يثبت هذه الصفات وينفي التشبيه، كما نفى ذلك عن نفسه تعالى ذكره، فقال: (لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيع البَصِيرُ).(306)

رأيه في الإمامة

كان الشافعي يرى أنّ الإمامة في قريش، ولا يشترط البيعة، روى عنه تلميذه حرملة أنّه قال: كلّ شيء غلب على الخلافة بالسيف، واجتمع عليه الناس فهو خليفة (307) فالعبرة عنده في الخلافة بأمرين: كون المتصدّي لها قرشيّاً، واجتماع الناس عليه، سواء أكان الاجتماع سابقاً على إقامته خليفة، كما في حال الانتخاب والبيعة، أم لاحقاً لتنصيبه نفسه خليفة، كحال التغلب، وهذا لا يُسمّى اجتماعاً.

ولم يشترط الهاشمية، بل القرشية كافية. وكان يرى: أنّ علي بن أبي طالب هو الإمام الحقّ في عصره، وأن معاوية وأصحابه كانوا الفئة الباغية، ولذلك اتخذ في كتاب السير سنّة عليّ (عليه السلام) في معاملة البغاة، كما هو مدون ثابت في كتاب (الاُم) وغيره من كتب الشافعية، لذلك اتهم الشافعي بأنه رافضي. كما تقدم بيانه.

فهو لا يبالي بأن يظهر حبّ آل محمد. وإن اعترضت حواجز في طريق إظهار الحبّ، كما شاءت السياسة بأن يرمى محبّ أهل البيت(عليهم السلام)بكلّ تهمة، ويكون عرضة للخطر. وقد أعلن الشافعي ذلك بقوله :

إن كان رفضاً حبُ آل محمد *** فليشهد الثقلان أني رافضي

وكان يذكر علياً بكل إعجاب وتقدير، وله أشعار في مدحه تأتي في محلّها. وسُئل يوماً عن عليّ (عليه السلام) فقال: ما أقول في رجل أخفت أولياؤه فضائله خوفاً، وأخفت أعداؤه حسداً، وشاع له من هذين ما ملأ الخافقين .(308)

وأخذ هذا المعنى السيد تاج الدين فقال:

لقد كتمت آثار آل محمد *** محبوهمو خوفاً وأعداؤهم بغضاً

فشاع لهم بين الفريقين نبذة *** بها ملأ الله السماوات والأرضا(309)

وحكى البيهقي في مناقب الشافعي: أنه قيل إن اُناساً لا يصبرون على سماع منقبة لأهل البيت(عليهم السلام)، فإذا أراد أحد أن يذكر شيئاً من ذلك قالوا تجاوزوا عن هذا فهو رافضي، فأنشأ الشافعي يقول :

إذا في مجلس ذكروا علياً *** وسبطيه وفاطمة الزكية

يقال تجاوزوا ياقوم هذا *** فهذا من حديث الرافضية

برئت إلى المهيمن من أناس *** يرون الرفض حبّ الفاطمية(310)

وسيأتي في باب اتّهامه بالتشيع زيادة بيان لهذا. هذا موجز البيان في رأيه في الإمامة. أمّا رأيه في الخلافة والخلفاء، فكان يقول: الخلفاء خمسة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعمر بن عبد العزيز (311)، أما الباقون في نظره فهم ملوك.

رأيه في علم الكلام

المعروف عن الشافعي أنّه كان يبغض علم الكلام وينهى عنه، حتى ذهب إلى عدم جعل كتب الكلام من كتب العلم، كما حدّث الربيع: أنّ الشافعي كان يقول: لو أنّ رجلاً أوصى بكتبه من العلم وفيها كتب الكلام لم تدخل كتب الكلام في تلك الوصية.(312)

وكان يرى لزوم تعزير أهل الكلام، وضربهم وإهانتهم، وأن يطاف بهم في العشائر. واشتهر عنه أنّه كان يقول: إيّاكم والكلام. وكان يقول: ولئن يبتلي الله المرء بكلّ ما نهى عنه - ماعدا الشرك به - خير من أن ينظر في الكلام.(313)

وهذا التشديد من الشافعي يدلّ على بغضه لعلم الكلام، وعدم الرضا بتعلّمه والنظر فيه، وهذا غريب جداً فإنّ العصر الذي نشأ فيه الشافعي قد نضج فيه الكلام، واتّسع نشاط المتكلمين وأثاروا في المجتمع مسائل كثيرة وقد كثر النقاش والجدل، وكان لابدّ لكلّ عالم أن يلتمس الدلائل والبراهين الفلسفية، لتقوية جانبه والرد على مخالفيه.

وكان لا بد من الانهزام أمام ذلك التيار; إذا لم يكن هناك استعداد وقابلية للمقابلة، والردّ عند خوض تلك المعارك التى دارت رحاها في عصره.

وقد علّل الرازي نهي الشافعي عن علم الكلام وبغضه: بأنّ المعتزلة قد حرّضوا الخلفاء على أذى العلماء، وقد كانوا هم القوامين على هذا العلم، وأنّ الفتن العظيمة وقعت في ذلك الزمان بسبب خوض الناس في مسألة خلق القرآن، وأهل البدع استعانوا بالسلطان وقهروا أهل الحقّ، ولم يلتفتوا إلى دلائل المحقّين، وتلك الحكايات والواقعات مشهورة ، فلما عرف الشافعي أنّ البحث عن هذا العلم في ذلك الزمان ليس لطلب الحقّ، وليس لله وفي الله، بل لأجل الدنيا والسلطنة، فلا جرم أنّه تركه واعرض عنه وحرّم من اشتغل به.(314)

وفي الواقع أنّ التعليل بعيد عن الواقع، لأنّ تلك الاُمور التي أشار إليها كانت بعد موت الشافعي، وأنّ أكثر ما ذكره يحتاج إلى إثبات.

وعلى أيّ حال: فهل كان الشافعي مع نهيه عن علم الكلام على جهل به؟ مع أنّا نرى له ما يدلّ أنه يتعاطاه ويناظر فيه.

وبهذا نكتفي عن بيان آرائه، وسنعود إن شاء الله تعالى.

 

تنبيـــه

لم أتعرّض لذكر حديث "عالم قريش" الذي استندت إليه الشافعية في البشارة بالشافعي; لأنّـي كنت مطمئنّاً من عدم صحة الاستدلال به - إن قلنا بصحته -، إذ لا مجال للمغالطة وتضييع الوقت في ذلك، ولكنّي رأيت كثيراً من علماء الشافعية قد أخذ هذا الحديث بعين الاعتبار، ورتّب عليه نتائج تلزم بوجوب اتباع الشافعي.

يقول بعضهم: في هذا الحديث - أي حديث عالم قريش - علامة بيّنه، إذا تأمله الناظر المميّز علم أنّ المراد به رجل من قريش ظهر علمه، وانتشر في البلاد، وكتب كما تكتب المصاحف، ودرسه المشايخ والشبان في مجالسهم، وأجروا أقاويله في مجالس الحكام والقراء، وأهل الآثار وغيرهم. وهذه صفة لا نعلمها في أحد غير الشافعي، فهو عالم قريش الأفضل.(315)

هكذا نظر هذا الإنسان لهذا الحديث، فتلقنها من جاء بعده، فإنّهم ينقلون هذه العبارة بالنص، وليس كلّ إنسان مصيباً في رأيه، فالنظر يصيب ويخطئ، وبدون شك أنّ هذا كان متأثراً بالبيئة التي يعيش فيها والمجتمع الذي يندمج فيه. ولا اُريد أن أتحدّث عن جميع فقرات هذه الكلمات التي أصبحت كمنهج متبع ولكني اُريد أن أتساءل :

هل كانت قريش على درجة من الانحطاط والخمول والجهل ليكون الشافعي حامل لواء نهضتها، ولسانها الناطق، وعالمها الأوحد؟

وهل بلغ الشافعي بعلمه تلك الدرجة التي لم ينالوها، وعرف من غوامض العلوم ما لم يعرفوه ؟

وهل كان انتشار علمه عن نفسه لنفسه، أو بمشجّع من عوامل لو تهيأت لمن هو دونه لكان علمه منتشراً مقبولاً ؟

أمّا الجواب عن هذه الأسئلة فيسير لا عناء في الحصول عليه، لأنّ التاريخ طافح بتكذيب تلك الادعاءات الكاذبة.

وحاشى قريشاً وهم أعلم الناس ومفخرة العرب أن تمرّ عليها قرون لا تعرف بالعلم، ولم ينشر لها شيء، إلاّ بعد أن بعث الشافعي فبعثها من رقدتها!

ونحن إذا أردنا أن نتصدّى للردّ ونتعرّض للنقد نخرج عن موضوع البحث.

وإنّ هذا الفهم الذي فهمه ذلك الإنسان وتابعه مقلّدوه. لم يكن فهم عقل وتفكير، بل هو فهم تلقين من ناحية معينة، والحقيقة شيء والعاطفة شيء آخر، لأنّ العاطفة طاغية تسيطر على العقل فتطفئ شعلته، وتطغى على الواقع فتضيعه، وتحكم على الفكر بالجمود، ولكن من أين يستطيع الوصول إلى الواقع من كبّلته قيود التقليد، وأثقلته أوزار التعصّب الممقوت؟!

أما الحديث الذي أشرنا إليه فهو: عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: "اللهم أهد قريشاً فإن عالمها يملأ طباق الأرض علماً".(316)

ومع التسليم بصحّة هذا الحديث، فإنّ انطباقه على الشافعي بعيد جداً لوجود الكثير من علماء قريش ممّن له أهليّة الإتصاف بذلك، ولكن أكثر علماء الحديث قد ذهبوا إلى وضع هذا الحديث، وقد نصّ على ذلك ابن أبي الحوت في "أسنى المطالب"(317) والاسفرائيني في "سفر السعادة"(318)وغيرهما.

عصر الإمام الشافعي وأحداثه

يمتدّ عصر الشافعي من آخر خلافة المنصور المتوفى سنة (158 هـ)، إلى أول خلافة المأمون، أي من سنة (150 هـ) إلى سنة (204 هـ)، وعلى هذا فقد أدرك الشافعي ثماني سنين من خلافة المنصور، وخلافة المهدي المتوفى سنة(165هـ) وخلافة الهادي المتوفى سنة (170 هـ)، وخلافة الرشيد المتوفى سنة(193 هـ)، والأمين المقتول سنة (198 هـ). وست سنين من خلافة المأمون.

ونحن إذا أردنا أن نلحظ أدوار الدولة العباسية، نجد هذه الفترة من أزهر العصور وأهمّها، وإن كانت لاتخلو من حوادث هامة، تهدّد كيان الدولة وتنغص عيش أربابها، ولكن تلك الحوادث كانت هينة بالنسبة لقوة الدولة، عندما استقرّ أمرها وتمكن سلطانها، وازدهرت حياتها في امتداد نفوذها، واتّساع دائرتها. فهي تمتدّ من الأندلس إلى الممالك التي تصاقب الصين شرقاً.

وكانت المملكة الإسلامية واسعة الأطراف، وقد أخذت المدن الإسلامية حضارتها في العلم، والتجارة، والصناعة، ونشطت الحركة العلمية، واقتبس العلماء من فلسفة اليونان.

كما نشطت حركة الترجمة، وانتشر علم الكلام. وقد ساهم الخلفاء بتشجيع تلك الحركة. إلى آخر ما هنالك من عوامل امتياز ذلك العصر، من مظاهر فكرية واجتماعية واقتصادية، وفي ذلك العصر بلغت الدولة العباسية أوج عظمتها، عندما استطاعت أن ترغم خصومها على عدم المعارضة، بوسائل البطش والإرهاب، واستعمال أنواع ألوان التعذيب، وكانت لاتعف عن ارتكاب أشنع وسائل العنف، تحقيقاً لسيادتها.

ويكفي أن نستدلّ على ذلك بما ارتكبوه في معاملة العلويين وأنصارهم ومن كانوا يخشون معارضته لسيرتهم الملتوية،، وأعمالهم الشاذة، عندما كبّلوا الاُمة بقيود جديدة من العبودية، وسلبوا حرية المجتمع، وتلاعبوا بالأموال، وجعلوها وقفاً على أنفسهم، ولا ينال منها إلاّ المتقرّبون منهم، وعامة الناس منها محرومون، وتفننوا بذاك الثراء الطائل في وجوه حياتهم، في الشراب والطعام، وغير ذلك من وسائل العيش. فكانت حياتهم مضرب المثل في الرغد والسرف والبذخ.

بذخ الدولة العباسية

تدفّقت الأموال على الدولة العباسية من جميع الاقطار، وامتلأت خزائنها بما يجبيه العمّال، بمختلف الطرق وشتّى الوسائل، حتى أنّهم كانوا يستولون على أموال الناس وأملاكهم بدون حقّ، لأنّهم لا يحاسبون على ذلك من قبل الخليفة. كما حدّث المسعودي: عن الرجل الهمداني الذي أراد والي همدان أن يغتصب ضيعته، التي تساوي ألف ألف درهم، فامتنع. فكبّله بالحديد، وحمله إلى المنصور، فأودع في السجن أربعة أعوام لا يُسأل عنه، ولا ينظر فيأمره.(319)

كما أنّ المنصور نفسه كان يأخذ أموال العمّال الذين يعزلهم ويجعلها في بيت خاص، وأوصى بتسليمها إليهم بعد موته، ولا نعرف أسباب المنع لها في حياته.

وقد جاء في وصيّته لولده المهدي: وقد جمعت لك من الأموال ما أن انكسر عليك الخراج عشر سنين كفاك لأرزاق الجند والنفقات، والذرية ومصلحة البعوث، فاحتفظ بها، فإنّك لا تزال عزيزاً ما دام بيت مالك عامراً، وما أظنّك تفعل.(320)

ولا نعلم مقدار هذه الثروة الطائلة، والوفر الهائل الذي كنزه المنصور من أموال الاُمة الإسلامية، وأبناؤها يعانون الحرمان، ويمنعون من حقّهم في بيت مال المسلمين.

ولمّا ولي المهدي(321) وكان عكس أبيه في إنفاق الأموال والإسراف، فإنّ المنصور كان أبخلهم، وفرّق المهدي من تلك الأموال التي جمعها المنصور في خزينة الدولة مائة ألف ألف، وستين ألف درهم، وأعطى شاعراً - مدحه - خمسين ألف دينار وأعطى لأعرابي - سقاه لبناً - خمسمائة ألف .(322)

ودخل عليه مروان بن حفص، فأنشده قصيدة يتعرّض بها لآل علي (عليه السلام)منها:

هل تطمعن من السماء نجومها *** بأكفّكم أو تسترون هلالها

أو تدفعون مقالة عن ربّكم *** جبريل بلّغها النبيّ فقالها

شهدت من الأنفال آخر آية *** بتراثهم فأردتمو إبطالها

فلمّا سمعها المهدي تزاحف من صدر مصلاّه، وأخذه الفرح، ثم قال له: كم هي؟ قال مائة بيت، فأمر له بمائة ألف درهم.(323)

واندفع الشعراء بدافع الطمع يمدحون العباسيين، ويضعون من العلويين طلباً للمادة وحبّاً للصلة، طالما كان صرف الأموال بغير حساب!!

ومضى عهد المهدي والهادي (324) والأموال تتضخم، وجاء دور الرشيد فكان عهده عهد رخاء وسعة إلى أبعد حد، وبالغ الرشيد في البذخ والترف، وتفنن في حياته حتى بلغ مبلغ الإسراف، وبلغت مظاهر الحياة عنده إلى غايتها، فكان في داره من الجواري والخصايا وخدمهن، وخدم زوجته واخواته أربعة آلاف جارية. وحضرن عنده يوماً فغنّته المطربات منهن، فطرب جداً وأمر بمال فنثر عليهن، وكان مبلغ ما حصل لكل واحدة منهن ثلاثة آلاف درهم.(325)

وغنّاه مسكين المدني فأطربه، فأمر له بأربعة آلاف دينار (326) وأضحكه ابن مريم فأعطاه ألف دينار. وكانت زوجته زبيدة لا تستطيع ان تقوم لكثرة ما عليها من المجوهرات والحلل، وقد سلكت في صرف الأموال طريقة الرشيد، فكانت تستهين بالأموال ولا تحسب لها أيّ حساب.

خرج الرشيد منها يوماً يضحك فسئل عن ذلك فقال: دخلت اليوم على هذه المرأة - يعني زبيدة - فأقلت عندها فما استيقظت إلا على صوت ذهب يصبّ، وقالوا هذه ثلاثمائة ألف دينار قدمت من مصر، فقالت زبيدة هبها لي يا ابن عم، فقلت: هي لك، فما خرجت من عندها حتى عربدت عليّ وقالت: أيّ خير رأيته منك .(327)

وأهدت لأبي يوسف القاضي لأجل فتوى أفتاها توافق مرادها فكان فيها: حقّ فضة فيه حقّان، في كلّ حقّ لون من الطيب، وجام ذهب فيه دراهم، وجام فضة فيه دنانير وغلمان وتخوت من ثياب وحمار وبغل (328).

واشترى الرشيد من مسلم بن عبد الله العراقي درّة بسبعين ألف دينار واشترى فص ياقوت أحمر بثمانين ألف دينار، وكان وزنه مثقالاً ونصفاً، وكانت بيده سبحة فيها مائة حبة كلّ حبة اشتريت بمائة ألف دينار.(329)

وهكذا كانت الأموال تنفق في البذخ والإسراف، وتوزّع بين طبقة خاصة من الناس، ويتنعّم بها أفراد قلائل، وقد استغل الولاة هذه الفرصة; فجمعوا الأموال الطائلة، وادخروا العروض وبنوا الأملاك، وقد ترك سليمان بن جعفر العباسي ستين ألف ألف دينار ما عدا المتاع والدواب.(330)

وهكذا غيره من الولاة والاُمراء ومن سار في ركاب الدولة من سائر الناس. على حين أنّ هناك آلافاً من المسلمين قد تلاطمت بهم أمواج العسرة، ولعبت بهم عوامل الفقر المدقع، لأنّ ثروة الاُمة وأموال المسلمين أصبحت تحت تصرف الطبقة الحاكمة من نساء ورجال، يتصرّفون بها في لذّاتهم بغير مانع ولا رادع، وكانوا يتفننون في الملبس والمأكل، فيجلبون لحوم الطيور ولو بعُد مكانها، فتأتيهم على البريد وينفقون على ذلك الأموال الطائلة، ليتنعّموا في المأكل(331) كما وقد جلبت لهم الفواكه من أقصى البلدان، واتخذوا الأسرّة الذهبية المرصّعة بالجوهر والحصر المنسوجة بالذهب المكلّلة بالدر والياقوت.(332)

وكان شغف نسائهم بالتفنن في ألوان الزينة يبعث على العجب والاستغراب، كما وأنهنّ اتّخذن من الأملاك ما كانت وارداته أكثر من ألف ألف وستمائة ألف دينار.

إلى جانب ذلك اتخاذهم مجالس الشرب والغناء، واغداقهم في العطاء على المغنّين، حتى أنّ بعض المغنّين الذي كان يغني لسيدة، أورث ابناً له أربعين ألف دينار.

وقد جعل الرشيد للمغنين مراتب وطبقات. وكان الأمين لا ينقطع عن الشراب. ووجّه إلى جميع البلدان في طلب المغنّين، وأجرى لهم الأرزاق وغنّاه أحد المغنّين فأعطاه أربعين ألف دينار.

كما وقد زاد نشاط الجواري لشغف الخلفاء بهنّ، فكان لهنّ نفوذ في المملكة وسلطة على الأمر. وكانت لهارون الرشيد جارية تسمى "هيلانة" لها منزلة عنده. فلمّا ماتت رثاها بأبيات من الشعر، كما رثاها الشعراء تبعاً لرغبته فأجاز بعضهم أربعين ألف دينار.(333)

هذا في الوقت الذي نجد رجال الاُمّة وصلحاءها والأحرار من أبنائها يتجرّعون غصص الحاجة، وكان نصيب أكثرهم الخوف والتشريد، وظلمة السجون والتعذيب والقتل. كما نجد ألوان العذاب تصبّ على رؤوس أهل الخراج من قبل عمال الدولة، ويعاملونهم أسوأ معاملة وأقساها.

ولا يسعنا المضي في الموضوع بأكثر من هذا. والغرض الذي سقنا لأجله هذه الاُمور، هو إعطاء صورة عن بذخ ذلك العصر، والإسراف الذي بلغ إلى أبعد حدّ، ولم يقتصر ذلك على عصر الرشيد بل اندفع أحفاده وأولاده إلى التبذير بصورة ربّما تكون أوسع وأكبر.

فإنّا نجد الأمين قد أسرف إلى أبعد حدّ. وكان المعتصم (334) لا يقل درجة عنه; فقد ترك ثروة طائلة كان منها ثمانية آلاف ألف دينار من الذهب، وثمانية عشر ألف ألف درهم، ومن الخيل ثمانين ألف فرس، ومن الجمال والبغال مثل ذلك، ومن المماليك ثمانية آلاف، ومثلهم من الجواري(335) وكذلك المتوكل، والواثق، وقد كان المتوكّل ينفق الأموال خاصة في مجالس الشرب، وبناء القصور، واتخاذ الجواري.

وإنّه لمن المؤسف حقّاً عدم انكار العلماء الذين نالوا رضا اُولئك الملوك وسعدوا بقربهم، وكيف ينتظر منهم الانكار وقد استخدموهم لمصالحهم الخاصة وأقاموا منهم ستاراً تُملى من ورائه إراداتهم، واستعانوا بهم في فسح المجال لمؤاخذة الخصوم بالاتهام والانتقاص، ولو أنّهم رفعوا أصواتهم بالانكار وانضمّوا لجانب المعارضين لهان الخطب واعتدل الأمر، سواء من ناحية أحوال العاملين في العلم والذين يتبوؤن مواقع الافتاء والإرشاد، أو من ناحية الحكم، لأنّ حضور العالم الذي يعرف ما عليه وهو عند الحاكم يجعل الحاكم يراعي ولو قليلاً مبادئ العدل ووصايا الإسلام في الرعية، ولقد ضمّت مسانيد وصحاح رؤساء المذاهب أحاديث مشهورة جمعت في هذه الفترة، ولم يكن الأمر غريباً على العلم ولا على سيرة العلماء في التصدّي للجائرين، فخير الشهداء من قال كلمة حقّ عند سلطان جائر. لذلك نرى أنّ تاريخ أهل البيت يثير في نفوس الحكام مشاعر القلق، وسير رجالهم المعاصرين تبعث فيهم الخوف. أضف الى أنّ نصيب من انتمى إليهم من العلماء يكون الضيق والسجن. وقد أشرنا الى وجود العالم عند الحاكم كما هو واقع الحال، أمّا الإسلام فيدعو الى احترام العلم وإجلال العلماء من قبل الحكام والعامة، وكان النبيّ(صلى الله عليه وآله)يشير الى هذا الأمر الذي سيحدث لمعالجته، وأنّ خير الحكام من كان على أبواب العلماء، وشر العلماء من كان على أبواب الحكام.

وصفوة القول أنّ الدولة العباسية قد سارت على طريقة لا تتفق مع نظام الإسلام، مع أنّهم قطعوا على أنفسهم عهوداً تبعث بمؤدّاها على الارتياح بتحقيق مطاليب الاُمة، وجعل نفوذهم السياسي يتمشّى مع تعاليم الاسلام جنباً الى جنب، ولكن تلك العهود ذهبت مع الريح، وكانت أقوالاً فارغة وادعاءات جوفاء.

والذي نودّ الإشارة إليه هو أنّ ذاك الوفر وتلك الثروة الطائلة كان أكثره يصرف في تشجيع معارضة العلويين، والوقوف أمام نفوذهم، فكانوا يجيزون الشعراء الذين ينالون من العلويين أموالاً طائلة.

هذا بشار بن برد المعروف بالزندقة والإلحاد، يتقدم الى المهدي بأبياتمنها:

أنّى يكون وليس ذاك بكائن *** لبني البناتِ وراثة الأعمام

فيجيزه بسبعين ألف درهم .

ويقف آخر وهو مروان بن أبي الجنوب، فينشد هذه الأبيات بين يدي الخليفة التي جاء فيها:

لكمو تراث محمّد *** وبعدلكم تشقى الظلامة

الى أن يقول :

ما للذين تنحلوا *** ميراثكم إلاّ الندامة

فيخلع عليه أربع خلع، وينثر ثلاثة آلاف دينار ويأمر بالتقاطها، ويعطي عشرة آلاف درهم، ويعقد له على ولاية البحرين واليمامة(336) وكثير من أمثال هذا الشاعر من الذين دفعهم الطمع، وساقهم الشيطان حبّاً في الصلة ورغبة في المال، وارضاءً للسلطة وإن غضب الله عليهم.

اضطهاد الدولة العباسية للعلويين

أمّا العلويون فكانوا يلاقون أنواع العذاب، ويتجرّعون غصص الفاقة، ويتحمّلون كلّ ذلك اعتزازاً بأنفسهم وحفظاً لكرامتهم، ولم يخضعوا يوماً لينالوا من ذلك النعيم، أو يهنأوا بذلك العيش. فكان نصيب زعمائهم القتل والسجن والتشريد، وكانوا بين آونة واُخرى عرضة لصدور الأمر من عاصمة الملك بتسفيرهم من الاطراف وإليها، ليكونوا تحت الرقابة، وينالوا العقاب هناك، ويصدر مرسوم من بغداد الى مصر بأن لا يقبل علوي ضيعة، ولا يركب فرساً، ولا يسافر من الفسطاط، أو الى طرف من أطرافها، وأن يُمنعوا من اتخاذ العبيد إلاّ العبد الواحد ، وإن كانت بين علويّ وبين أحد من الناس خصومة، فلا يقبل قول العلوي، ويقبل قول خصمه بدون بيّنة.(337)

وأمر الرشيد عامله على المدينة بأن يضمن العلويون بعضهم بعضاً، وكانوا يعرضون على السلطات كلّ يوم فمن غاب منهم عوقب، وكانت هذه الأوامر تصدر من المهدي والهادي قبله.

وما زال آل أبي طالب يكفل بعضهم بعضاً ويعرضون، فغاب أحدهم عن العرض، فطولب به الحسين صاحب فخّ ويحيى بن عبد الله كافلاه، وأغلظ الوالي لهما فحلف يحيى أنّه يأتيه به من ليلته، أو يدقّ عليه الباب يؤذنه به، وذلك إشارة للخروج وإعلان الثورة التي كان من المقرر القيام بها أيام الموسم،ولكن سوء معاملة الوالي أعجلهم على الخروج في تلك الليلة، واقتحموا المسجد وأعلنوا الثورة، وبايع الناس الحسين المعروف بصاحب فخّ ولقّبوه بالمرتضى.

الحسين صاحب فخّ

هو الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) .(338)كانت نهضته سنة (169 هـ)، وكان الحسين من رجال بني هاشم وساداتهم، وكان ممّن روى الحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) وله منزلة علمية، وكانت أسباب نهضته: أنّه لقي عنتاً من والي المدينة وهو عبد العزيز بن عبد الله من ذرية عمر بن الخطاب، وكان العمري يسيء الى الطالبيين، وأفرط في التحامل عليهم، وطالبهم بالعرض في كلّ يوم، فكانوا يعرضون في المقصورة، وأخذ كلّ واحد منهم بكفالة قرينه ونسيبه. واشتدّ العمري في أمر العرض وولّى على الطالبيين رجلاً يعرف بعيسى الحائك، فحبسهم في المقصورة. إلى آخر ما كان يعاملهم به ذلك الرجل. فثار آل أبي طالب واجتمع اليهم ناس كثيرون. فتحصّن منهم عاملها، فكسروا السجون وأخرجوا من كان بها، وبويع الحسينبن علي بن الحسن(عليه السلام) وعظم شأنه، وبقي الحسين واحداً وعشرين يوماً في المدينة وارتحل إلى مكة فأقام بها الى زمن الحج، فجهّز إليه الهادي جيشاً فالتقوا بموضع يقال له "فخ" بين مكة والمدينة، فقتل الحسين ومعه جماعة من العلويين (339) وحمل رأس الحسين إلى القائد العباسي، حمله رجل خراساني وهو ينادي بالبشارة، حتى ألقى الرأس بين يديه، وهو مضروب على الجبهة والقفى فجمعت رؤوس القتلى فكانت مائة ونيفاً(340) وافلت إدريس بن عبدالله، فأتى مصر وعلى بريدها أفلح مولى صالح بن منصور، فحمله إلى المغرب فبايعه الناس وأسس هناك دولة.(341)

حدّث أبو القرنا،ء قال: أرسلني موسى بن عيسى - قائد الجيش - فقال: اذهب الى عسكر الحسين حتى تراه وتخبرني بكلّ ما رأيت. فذهبت فدرت: فما رأيت خللاً ولا فللاً، ولا رأيت إلاّ مصلّياً أو مبتهلاً أو ناظراً في مصحف أو معدّاً لسلاح، قال فجئت فقلت: ما أظنّ القوم إلاّ منصورين، فقال: وكيف؟ قال: فأخبرته، فضرب يداً على يد وبكى حتى ظننت أنّه سينصرف، ثم قال: هم والله أكرم خلق الله وأحقّ بما في أيدينا منّا.

كان هذا الحادث من أهم الحوادث التي شغلت بال الدولة، وأقضّت مضاجع ذوي الأمر، لأنّها كانت في أهمّ مركز إسلامي وهو الحجاز. لذلك اسرع الهادي في مقاومة تلك الحركة خوفاً من اتّساعها في البلاد الإسلامية.

وتتابعت ثورات العلويين غضباً للحقّ، ومن أهمها - أيضاً - ثورة يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب في الديلم، وقد قويت شوكته فاحتال الرشيد عليه بإعطائه الأمان، ونقضه بعد ذلك، فسجنه وضيّق عليه إلى أن مات في السجن، ووجد جسده معلّقاً قد سمرت يداه.

ومضى العبّاسيون في سفك دماء العلويين، وشرّدوهم في البلاد بدون رحمة ولا وازع ديني.

وعلى أيّ حال فقد كان مجتمع ذلك العصر يموج بعناصر مختلفة، وكانت بغداد هي موطن الحكم وعاصمة المملكة، وحاضرة العالم الإسلامي، وقد قصدها كثير من علماء اليونان والفرس والهنود، ونقلت كتب الفلسفة إلى العربية. وظهر علم الكلام ونضج، فكثرت حلقات الجدل والخصومات، وظهرت آراء شاذة، وعقائد فاسدة أثّرت على عقول من لا تقوى نفوسهم على هضمها واحتمالها، فكوّنت هناك فوضى فكرية واضطراباً وحيرة. ونشطت هنالك حركة المتدخلين في الاسلام، لبثّ تلك الآراء التي يأملون من ورائها القضاء على العقيدة الاسلامية، أو إثارة فتن بين المجتمع الإسلامي على الأقل.

وقد نبغ رجال من علماء المسلمين في علم الكلام، وعرفوا بقوة المناظرة والتفوق في الحجة، وعقدت المجالس والحلقات للمناظرة دفاعاً عن المبادئ الصحيحة والعقائد الاسلامية، وقابلوا تلك النزعات التي نشرت لواء الشك في عقائد ذلك المجتمع، وكان النصر لمن قرّبهم الخلفاء وأدنوا مجالسهم وفتحوا لهم باب قصورهم، أمّا الذين لم يكونوا كذلك فتردّ أقوالهم ولا يصغى لما يدلون به من الحجاج، وما يقيمونه من الأدلة القوية ذوداً عن الإسلام وذبّاً عن حياضه.

وأستطيع أنّ أؤكّد أنّ تلك الحركات الفكرية كانت لها صلة وثيقة بالسياسة، وهي التي تدير كفّتها لتلعب دورها من وراء الستار.

وكانت هذه الناحية وذلك التطور في الآراء والعقائد من أخطر العوامل التي نجم من ورائها تفكك في المجتمع، وتكوين جماعات تختلف في الآراء، وكلٌ يذهب إلى أنّ الحق في جانبه دون غيره.

الزندقة في عرف العباسيين

ومن المشاكل ذات الخطورة في ذلك العصر، مشكلة ظهور الزنادقة وانتشارهم. وأهمّ من ذلك هو أنّ تشخيص الزنديق بطابعه الخاص، الذي يكشف عن شخصيته، لم يكن واضحاً عندما أصبح انطباق هذه اللفظة على معان مختلفة، لأنّ الاتهام بالزندقة كان لأسباب سياسية، عندها اتخذها الخلفاء وسيلة للقضاء على خصومهم، بل كان هناك من الوزراء من يتّخذون من الاتهام بالزندقة سبيلاً للكيد والوقيعة بنظرائهم الذين يحقدون عليهم. لذلك أصبح لفظ الزنديق لفظاً مشتركاً غامضاً، فأطلق على معان مختلفة بعد أن كان يطلق على من يؤمن بالمانوية ويثبت أصلين أزليين للعالم : هما النور، والظلمة، وهذا المعنى هو المطلوب أولاً وبالذات، ثم اتّسع المعنى حتى أطلق على كلّ صاحب بدعة وكلّ ملحد، بل انتهى به الأمر أخيراً إلى أن يطلق على من يكون مذهبه مخالفاً لمذهب أهل السنة، أو حتى من كان يحيى حياة المجون.

كان شريك بن عبد الله القاضي لا يرى الصلاة خلف المهدي، فأحضره وتكلّم معه، فقال له المهدي في جملة كلامه: يا ابن الزانية! فقال شريك: مه مه يا أمير المؤمنين، فلقد كانت صوّامة قوّامة.

فقال له المهدي: يا زنديق لأقتلنّك، فضحك شريك وقال: يا أمير المؤمنين، إنّ للزنادقة علامات يعرفون بها: شربهم القهوات واتخاذهم القينات. فأطرق المهدي.(342)

فنرى أنّ المهدي كان يطلق كلمة زنديق على من لم يعترف بخلافته أو عدالته، وما أكثر الذين يذهبون لذلك من رجال الاُمة وعلمائها، كما أنّ شريكاً القاضي أطلق لفظ الزندقة على من كان يحيى حياة المجنون. وأنّ من أوضح الاُمور انطباق ذلك على المهدي نفسه، فهو الشخص الوحيد الذي يمثّل دور المجون والاستهتار، فاطلق عليه شريك لفظ الزندقة بالتلميح.

وكذلك أطلق لفظ الزندقة على من يناقش أحاديث الصحابة أو يردّها لعدم صحتها .(343)

وكذلك أطلق لفظ الزندقة على المفكّرين الذين يقفون أمام الحوادث التأريخية موقف تثبّت، لاستجلاء الواقع ومعرفة الحقيقة. فالأمر الذي يتعلّق بالبحث حول بعض الصحابة وما صدر منهم قد أصبح محظوراً، فلا يمكن إلاّ التسليم بصحة ما صدر منهم - وإن خالف الشرع - لأنّ البحث عن ذلك أمر يستوجب الاتهام بالزندقة، وليس وراء ذلك إلاّ السيف. حتى أصبح ذلك من القواعد المقررة المعمول بها طبقاً لإرادة الدولة، وتلك القاعدة هي: إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) فاعلم أنّه زنديق .(344)

يقول الدكتور أحمد أمين: "إنّ الاضطهاد والرّمي بالزندقة عنوان الشخصية. فالرجل إن كان ضعيف الهمّة، فائل الرأي، أو ذا رأي ولكنّه ملق يكلّم كلّ إنسان بما يحبّ فلم يضطهد; وإذا كان يسير في العلم حسب رأي الأغلبية، ويرى من النظريات والقواعد والتعاليم ما يراه الناس في عصره فلم يضطهد. إنّما يضطهد القويّ في الرأي، لايتنزل عنه لسلطان أو أمير، المستقل الفكر يؤديه فكره إلى نتائج قد يخالف فيها أهل عصره جميعاً، فلا يعبأ بمخالفتهم ولا يأبه لنقدهم... إذ ذاك يكون الاضطهاد وتكون الحرب العوان بين الآراء، فيقف ذو الشخصية وأتباعه القليلون في جانب، وذوو الجاه والسلطان أحياناً في جانب آخر، ويكون النضال وتكون الدسائس والمؤامرات، وما شئت من صنوف القتال!"(345).

فلهذه الأسباب كان الاتهام على الزندقة لأقلّ شبهة، وقد سجّل التاريخ كثيراً من تلك الحوادث التي كان مبعثها الحقد والانتقام والتشفّي.

وصفوة القول: إنّ تلك الحملة على الزنادقة لو تجرّدت عن تلك الزوائد لكان أثرها أكثر نفعاً لتطهير المجتمع الإسلامي من اُولئك النفر الذين لعبوا دوراً هاماً في نشر الخرافات والأساطير، والتحلل من قيود الشريعة الإسلامية، ممّن هم زنادقة فعلاً عندما وجد أكثرهم طريقاً يسلكون فيه، وكان منهم ذوو مكانة في الدولة: كمطيع بن أياس، وابن المقفع، وابن أبي العوجاء، وقد وضعوا حوادث وأحاديث يقصدون بها إفساد الرأي العام، وعندما قدّم ابن أبي العوجاء للقتل قال: "أما والله لئن قتلتموني لقد وضعت أربعة آلاف حديث أحرّم فيه الحلال واُحل فيه الحرام، والله لقد فطرتكم يوم صومكم وصومتكم في يوم فطركم"(346) كما أنّهم وضعوا كثيراً من القصص في المجون والهزل، وخلقوا شخصيات لا وجود لها، واخترعوا حوادث لا واقع لها، كما أنّهم ترجموا كتب الزنادقة ونشروها في المجتمع للتضليل والخداع، وقد قام جماعة منهم - وعلى رأسهم سيف بن عمرو - بالدس الشائن في تاريخ الإسلام فحوّروا وبدّلوا واخترعوا، وقد اشتهر كتاب الردة لسيف بن عمرو، وأصبح مصدراً لكثير من المؤرخين، وسيف هو رأس الزنادقة والكذابين، كما نصّ عليه علماء الرجال واشتهر عنه ذلك.

وكيف كان فإنّ وضعهم سيّء واثرهم في المجتمع أسوأ، وكما قلنا إنّ لفظ الزندقة أو الاتّهام بها لم يكن على واقعه كما يرام، فقد أتّهم أبرياء وقتل صلحاء تحت غبار هذه الحملة، واطلقت هذه اللفظة على بعض من لم يصحّ أن يكون موضوعاً لمحمولها; ولكنّ ذلك كان لأسباب سياسية، أو أغراض انتقامية، كما قدّمنا.

وقد اعتمد عليها أكثر الباحثين، فلم يكلّفوا أنفسهم بالبحث عن الحقائق لمعرفة الأسباب، والوقوف على العوامل التي دعت إلى اتهام الكثيرين من رجال الاُمة وصلحائها بالزندقة، والحكم عليهم بدون مبرر، لأنّ تلك اللفظة قد اتّسع معناها إلى حدّ لا يسمح بتحديده تحديداً دقيقاً. وأصبح الزنديق الواقعي آمناً إن أمنت السلطة سطوته.

وهذا ما حمل الكثيرين من الكتّاب إلى إيجاد رابطة بين الزندقة وبين التحرر الفكري والنقد للأوضاع، ذهولاً منهم عن التوصل الى الحقيقة، وقصوراً عن الوصول إلى معرفة الأسباب، التي جعلت الانتساب إلى التشيّع دليلاً على الزندقة، وداعياً إلى الاتهام بها، ولا شيء هناك إلا عدم إرتباط العقائد بالدولة، وأنّ انفصالهم الروحي وعدم امتزاجهم بالسلطان وأعوانه لأكبر دليل على الاستهانة بتوجيه الأسباب التي توجب اتّهامهم بذلك، وأهمّ شيء اتّهامهم بسبّ الشيخين، فإنّ هذه التهمة هي فوق جريمة الإلحاد، فإنّ المتّهم بالزندقة تقبل توبته، أمّا المتّهم بهذه التهمة فلا تقبل توبته، ويحكم بكفره وإلحاده مع إيمانه بالله ورسوله وإقامة الفرائض، ولكن للسياسة حكم فوق ما يثبته الواقع ويقرّه الحقّ، إذ هي عمياء لا تبصر، ولهذه المشاكل كان ذلك العصر يموج بحوادث لها أهميّتها في تاريخ الإسلام.

نشاط العلماء وتأييد الدولة

وكان من أهم مظاهر ذلك العصر انصراف علماء الإسلام إلى دراسة العلوم المختلفة، كما اتّسعت حركة التأليف، وزاد نشاط العلماء في تدوين علوم الإسلام، ورتّبوا أبواب الفقه وأنواع الحديث. وكان الخلفاء ـ مع إنغماسهم في الشهوات والترف وارتكابهم المحرّمات ـ يتظاهرون بخدمة العلماء ويتحلّون بالنزعة الدينية، وبهذا تمكّنوا من استخدام رجال منهم وسيلة لتوطيد استبدادهم، وذريعة لإخضاع العامّة لهم، وأنّهم ملزمون بإطاعة السلطان إطاعة عمياء، وأنّ تصرفه لا يجوز الاعتراض عليه وإن انْحَرف عن حدود طاعة الله، وبهذا وقع تطور أوجد مشاكل خطيرة، فكانت في ذلك العصر للفقهاء والمحدّثين درجات عالية عند الخلفاء، وقد كثر الجدل والنقاش في أهمّ المسائل الفقهية، كما كثر في العقائد والمسائل الكلامية. كما وقد اشتدّت قضية أهل الرأي وأهل الحديث، وأصبح لكل جانب أنصار، وهم يقيمون الحجج والبراهين على ما يذهبون إليه. إلى غير ذلك من مميّزات ذلك العصر الذي نشأ فيه الشافعي.

كما وقد اُثيرت هناك مسائل كثيرة تتعلق بالتوحيد وبالصفات. ورؤية الله بالأبصار، وغيرها من المسائل ذات الأهمية في ذلك العصر. كالبحث حول الحديث وصحته، والاجتماع وكيفية الاستدلال به. ولقد جاء عن الشافعي في كتاب الاُم أنّه ناظر في كثير من هذه المسائل، وقد كانت طريقة الشافعي في النقل عن كثير من المناظرات، نقل الحجة عن لسان واحد بدون تعيين، ولعلّ ذلك طريقة علميّة للتوصل الى إيضاح الأمر وبيانه.

الخلاصة

والخلاصة، أنّ العصر الذي نشأ فيه الشافعي كان أزهر العصور من جهة، ومن جهة اُخرى كان عصر مشاكل للاُمة عندما استبدّ ولاة الأمر باُمور المسلمين، فاستأثروا بالأموال وتحكّموا بالرقاب وخالفوا حدود الله مع ادعائهم - الأجوف - بالمحافظة عليها، وقد تجاوزوا الحدّ في تعدي حدود الله ومخالفة أحكامه حتى لقد استعملوا في معاملة الرعية أشدّ أنواع التعسّف والجور، الأمر الذي دعا رجال الاصلاح والمحافظين على نواميس الإسلام إلى متابعة الإنكار ورفع اصواتهم بالمؤاخذة، فكان نصيبهم القتل والتشريد وظلمة السجون.

وقد أدّى ذلك الظلم إلى عواقب وخيمة، كان من ورائها عدم استقرار الأمر وضياع الحقّ، وقد حاولنا أن نلمس موقف الشافعي وسط ذلك المعترك، ومواجهته تلك الأوضاع الشاذة، وهو ذلك الرجل الطموح الذي كان يتحسس إلى النهوض في وجه الظلم، بانضمامه لجانب العلويين كما نقل عنه. فإنّا لم نجد للشافعي موقفاً يدلّنا بصراحة على إنكاره للأوضاع، ولعلّ قضية اتّهامه بذلك حالت بينه وبين نشاطه وشعوره المتوقد، هذا إن كان لقضية الاتهام أصل، وإلاّ فلا شيء يدلّ على أيّ أثر هناك، لأنّ القضية مكذوبة ولا أصل لها.

ولا تهمّنا هذه الجهة، ولكن يهمّنا معرفة تأثره بطابع ذلك العصر، من حيث النشاط العلمي، والتقدم بين أقرانه، لما أتّصف به من ذكاء وفطنة. ونحن عندما ندرس تلك الجهة عن طريق المعجبين به نجد أنّ له نشاطاً عظيماً وتقدّماً فائقاً يوم كان ببغداد، ولكن هناك أيضاً من ينفي هذا ويصفه بالانسحاب عن ميدان المقابلة لعلماء عصره، ويجعل ذلك سبباً لخروجه إلى مصر .

يقول البزاز: كان الشافعي (رضي الله عنه) بالعراق يصنّف الكتب، وأصحاب محمد - أي الشيباني - يكسرون عليه أقاويله بالحجج ويضعّفون أقواله، وقد ضيّقوا عليه، وأصحاب الحديث أيضاً لا يلتفتون إلى قوله، ويرمونه بالاعتزال، فلما لم يقم له بالعراق سوق خرج إلى مصر، ولم يكن فقيه معلوم، فقام بها سوقه .(347)

ويقول أيضاً : عن علي بن حسين الرازي قال: اجتمع في عرس هو وسفيان بن سحبان، وفرقد، وعيسى بن أبان، وأخذوا في مسألة غامضة وفيهم الشافعي،فدخل في نكتة من المسألة غامضة، فظنّ الإمام الشافعي أنّه فطن للمسألة - ولم يكن كذلك -، فجرّه سفيان إلى أغمض منها حتى تحيّر، ولم يتهيأ له الكلام، فحكى ذلك لمحمد فقال: إرفقوا به فإنه جالسنا وصحبنا، ولا تفعلوا به هذا.(348)

أمّا الأولون، فقد وصفوه بأنّه قد أحدث في بغداد تغيراً محسوساً، وقد ثقل مقامه على أهل الرأي، لأنّه كان ينتصر لمذهب اُستاذه مالك ويدفع عنه، وحوّل أكثر المبرزين منهم الى حلقته.

حدّث الفضل الزجاج فقال: لمّا قدم الشافعي إلى بغداد سنة (195 هـ) وكان في الجامع إمّا نيف وأربعون حلقة، أو خمسون حلقة. فلما دخل بغداد مازال يقعد في حلقة حلقة ويقول لهم: قال الله وقال الرسول، وهم يقولون: قال اصحابنا. حتى مابقي في المسجد حلقة غيره.(349)

ومعنى هذا أنّ الدراسة توحّدت للشافعي، ولم يبق لأهل الرأي مجال لمقابلة ذلك النشاط الذي لقيه الشافعي. وهذا أمر موكول إلى صحة أحد القولين، ولا مجال لنا في تأييد جانب دون آخر، على أنّنا لا ننكر منزلة الشافعي العلميّة، كما لا ننكر مقابلته لأهل الرأي، مع أنّا نعلم أنّه أخذ أكثر معلوماته عن محمد بن الحسن الشيباني.

وعلى أيّ حال: فإنّ أكثر الروايات حول الشافعي مضطربة - كما قدّمت - ولكن مقتضى شرطنا في هذه الدراسة التعرّض لكثير من ذلك، ولنا الحقّ في المناقشة، وقد رأينا ترك هذا الموضوع، ونريد أن نلتحق بركب صاحبنا لمعرفة أخباره، وأكثرها كانت في مصر، ولنأخذ على ضوئها صورة عن طابع شخصيته.

أخبـاره

نشأ الشافعي يتيماً في حجر اُمّه، وقدمت به مكة خوفاً عليه من الضيعة، وليتلقّى دراسته، فاستقبل عهد دراسته على خالد الزنجي ومالك، وكان بطبيعة الحال شديد الحاجة الى ما يساعده على مواصلة دراسته، لأنّه كان فقيراً لا يجد ثمن القرطاس الذي يكتب عليه دروسه، فكان يتعوّض عنه بأكتاف الغنم.

وقد ساعده مالك بن أنس لسعة حاله، وبعد وفاة مالك إلتجأ الى الوساطة لأن يلي عملاً للدولة، ليستعين به على زمانه، فعيّن في اليمن، وحمل منها أو من مكة الى بغداد بتهمة التشيّع أو غير ذلك، وكانت بغداد في عنفوان نهضتها العلميّة وحركتها الثقافية، واتّجاهها الفكري الى مختلف العلوم.

وكان الفقهاء في ذلك العصر قد انقسموا إلى أهل رأي يعتمدون في نهضتهم على سرعة أفهامهم، ونفاذ عقولهم وقوّتهم في الجدل، وأهل حديث يعتمدون على السنن والآثار، ولا يأخذون من الرأي إلاّ ما تدعو إليه الضرورة.

وكان الشافعي قد تفقّه على أهل الحديث من علماء مكة، وعلى مالك من علماء المدينة. وكان يعترف لمالك بالفضل والمنّة فكان يقول: إذا ذكر العلماء فمالك النجم، ما أحد أمنّ عليّ من مالك بن أنس.

ولمّا ذهب الى العراق استرعى نظره تحامل أهل الرأي على اُستاذه والمنعم عليه مالك بن أنس وعلى مذهبه. وكان أهل الرأي أقوى سنداً وأعظم جاهاً بما لهم من المكانة عند الخلفاء، وبتوليتهم شؤون القضاء، ذلك لأنّهم أوسع حيلة في الجدل من أهل الحديث وأنفذ بياناً(350). وقد وقعت لكثير من الخلفاء وغيرهم مشاكل، فكان لها مخرج عند أهل الرأي، لذا كانت منزلتهم في الدولة أعظم من غيرهم.

وكان الشافعي قد لازم محمد بن الحسن عند قدومه العراق، ودرس كتبه وأخذ عنه الشيء الكثير، واطلع على كتب فقهاء العراق، فأضاف ذلك إلى ماعنده من طريقة أهل الحديث.

وعاد الشافعي من العراق الى الحجاز، واستمر بمكة يواصل استفادته من الوافدين الى مكة من علماء الأمصار، واختلط بهم ثم عاد الى العراق مرة ثانية سنة (195 هـ) في خلافة الأمين، وهناك أملى على من التفّ حوله كتبه التي كتبها في مذهبه في العراق - وهو المعروف بمذهبه القديم - وقد رجع عن ذلك عندما نزل في مصر وحرّم الرواية لذلك عنه، وكان نزوله في هذه القدمة على محمد بن أبي الحسن الزيادي، ومقامه هناك سنتان.

وقد توفّي محمد بن الحسن، وقام مقامه، من أصحاب أبي حنيفة الحسن ابن زياد اللؤلؤي، ثم عاد إلى الحجاز، وفي سنة 198 هـ قدم العراق قدمته الثالثة فأقام هناك أشهراً، ومن العراق سافر الى مصر فنزل في الفسطاط ضيفاً كريماً على عبد الله بن عبد الحكم.

كانت الأسباب التي حملت الشافعي للرحيل الى مصر كثيرة مختلفة، فبعض يقول: إنّه كان يتشوق إلى مصر دائماً، ورووا له ذلك شعراً:

أرى النفس قد اضحت تتوق الى مصر *** ومن دونها قطع المهامه والقفر

فو الله ما أدري أللفوز والغنى *** أساق إليها أم أساق إلى القبر؟(351)

وهذه الأبيات تنسب إلى الحسن بن هاني وهو المعروف بأبي نؤاس، وأنّ الشافعي تمثّل بها، ذكر ذلك أبو بكر أحمد بن محمد الهمداني المعروف بابن الفقيه في كتاب البلدان.(352)

وقيل: إنّه قدم مصر رغبة منه في معارضة انتشار أقوال أبي حنيفة ومالك، كما حدّث الربيع قال: سألني الشافعي عن أهل مصر فقلت: هم فرقتان: فرقة مالت إلى قول مالك وناضلت عليه، وفرقة مالت إلى قول أبي حنيفة وناضلت عليه. فقال: أرجو أن أقدم مصر إن شاء الله، فآتيهم بشيء أشغلهم به عن القولين.

فهو إذ ذاك سلك طريقاً وسطاً، فلم يكن على رأي مالك في الحديث وتشدّده، ولا كأصحاب الرأي يتساهلون في الحديث ويكتفون بشهرته، ويقدّمون القياس على خبر الآحاد وان صحّ سنده.

فانتقد مالكاً لأنّه ترك احياناً حديثاً صحيحاً، لقول واحد من الصحابة، أو التابعين، أو لرأي نفسه. وكان أشدّ نقد لمالك قد وجّهه الشافعي، أنّه ترك قول ابن عباس الى قول عكرمة في مسألة، مع أنّ مالكاً كان يسيء القول في عكرمة.

الإمام الشافعي في مصر

وكان قدوم الشافعي لمصر، وقد انتشر مذهب مالك وتركّزت دعائمه على أيدي تلامذته، الذين كان لهم في مصر مكانة عظيمة، فأصبح اعتقاد الناس في مالك عظيماً، ويقدّمون قوله على السنة إذ يقال لهم: قال رسول الله، فيقولون: قال مالك. وكانت له قلنسوة يستسقون بها، وقد غلوا بكتابه غلوّاً عظيماً حتى قالوا: ما على ظهر الأرض كتاب بعد كتاب الله أصحّ من كتاب مالك. وفي لفظ آخر: ما على الأرض كتاب أقرب إلى القرآن من كتاب مالك.(353)

ونزل الشافعي ضيفاً كريماً على محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وكان من أكبر أنصار مذهب مالك، وكانت له مكانة ورياسة، وكان أهل مصر لا يعدلون به أحداً، فأكرم مثوى الشافعي ووازره، وتأكّدت بينهما مودّة وإخاء. وقد عرف الشافعي بأنّه تلميذ مالك وناصر مذهبه والمدافع عنه، وكان هذا أحد الأسباب التي هيّأت النجاح للشافعي.

يضاف إلى ذلك أنّه قدم مصر مزوّداً بتوصية من خليفة العصر الى أمير مصر، أو أنّه جاء بصحبته على ما في القضية من اختلاف الأسباب. يقول ابن حجر: إنّ الرشيد سأل الشافعي أن يوليه القضاء فامتنع، فقال سل حاجتك، قال: حاجتي أن أعطي من سهم ذوي القربى بمصر وأخرج إليها، ففعل ذلك وكتب له إلى أميرها.(354)

وقيل : إنه خرج إلى مصر مع أميرها العباس بن عبد الله بن العباس بن موسى العباسي، وكان العباس هذا خليفة أبيه على مصر، وقد صحبه جماعة من أعيان أهل مصر، كبني عبد الحكم، والربيع بن سليمان، وذلك بعد وفاة الرشيد سنة (199 هـ).

فكان الشافعي موضع عناية أصحاب مالك، لأنّه من أشهر تلاميذه والمناصرين له فوازروه، وأخذ الشافعي في نشر مذهبه الجديد. ووضع الكتب في الردّ على مالك ومعارضة أقواله.

قال الربيع: سمعت الشافعي يقول: قدمت مصر ولا أعرف أنّ مالكاً يخالف من أحاديثه إلاّ ستة عشر حديثاً، فنظرته فإذا هو يقول بالأصل ويدع الفرع، ويقول بالفرع ويدع الأصل. ثم ذكر الشافعي في ردّه على مالك المسائل التي ترك الأخبار الصحيحة فيها بقول واحد من الصحابة أو بقول واحد من التابعين أو الرأي نفسه.

وذكر الساجي: أنّ الشافعي إنّما وضع الكتب على مالك بسبب أنّه بلغه أن قلنسوة لمالك يستسقى بها، وكان يقال لهم: قال رسول الله فيقولون: قال مالك، فقال الشافعي: إنّما مالك بشر يخطئ فدعاه ذلك إلى تصنيف الكتاب في اختلافه معه، وكان يقول: استخرت الله في ذلك مدّة سنة.

وقال أبو عمر: وتكلّم في مالك ايضاً فيما ذكره الساجي في كتاب العلل، عبدالعزيز بن أبي سلمة، وعبدالرحمن بن زيد، وعابوا أشياء من مذهبه .إلى أن يقول: وتحامل عليه الشافعي وبعض أصحاب أبي حنيفة في شيء من رأيه حسداً لموضع إمامته.(355)

فهو قد جعل رد الشافعي على مالك تحاملاً عليه وحسداً له، ولما وضع الكتاب على مالك تعصّب المالكية عليه وسعوا به عند السلطان وقالوا له: أخرجه وإلاّ افتتن به البلد، فأتاه الشافعي فكلّمه فامتنع الوالي وقال: إنّ هؤلاء كرهوك وأخشى الفتنة، فقال له الشافعي: أجلني ثلاثة أيام فمات الوالي فيها.(356)

وقال ياقوت: كان بمصر من أصحاب مالك رجل يقال له فتيان، فيه حدة وطيش، وكان يناظر الشافعي كثيراً ويجتمع الناس عليهما، فتناظرا في مسألة بيع الحرّ - وهو العبد المرهون - إذا اعتقه الراهن ولا مال له غيره، فأجاب الشافعي بجواز بيعه على أحد أقواله ومنع فتيان منه... فضاق فتيان بذلك ذرعاً فشتم الشافعي شتماً قبيحاً. فلم يرد عليه الشافعي فرفع ذلك رافع إلى السري -الوالي - فدعا الشافعي وسأله عن ذلك وعزم عليه، فأخبره بما جرى وشهد الشهود على فتيان بذلك، فقال السري: لو شهد آخر مثل الشافعي على فتيان لضربت عنقه، وأمر بفتيان فضرب بالسياط وطيف به على جمل، وبين يديه مناد ينادي: هذا جزاء من سبّ آل رسول الله (صلى الله عليه وآله) .

ثم إنّ قوماً تعصّبوا لفتيان، من سفهاء الناس، وقصدوا حلقة الشافعي حتى خلت من اصحابه وبقي وحده، فهجموا عليه وضربوه فحمل الى منزله، فلم يزل فيه عليلاً حتى مات.(357)

إنّ هذه الرواية تدلّ على أنّ سبب موت الشافعي هو ذلك الضرب المنبعث عن التعصّب، وقد نصّ ابن حجر على أنّهم ضربوه بمفتاح حديد فمات(358)، بعد ذلك الضرب بقليل، كما جاء في رثاء الشافعي.

قال ابن حجر عند ذكره لهذا الحادث: وقد ضمّن ذلك شيخ شيوخنا أبو حيان في قصيدته التي مدح بها الشافعي. ثم ذكر القصيدة. ونذكر منها محل الشاهد:

ولمّا أتى مصر إنبرى لأذائه *** اُناس طووا كشحاً على بغضه طيا

أتى ناقداً ما حصلوه وهادماً *** لما أصّلوا إذ كان بنيانهم وهيا

فدسّوا عليه عندما إنفردوا به *** شقياً لهم شل الإله له اليديا

فشجّ بمفتاح الحديد جبينه *** فراح قتيلاً لا بواك ولا نعيا

نعم قد نعاه الدين والعلم والحجا *** وترداد صوت في الدجا يسرد الوحيا(359)

فالشافعي إذاً ذهب ضحية التعصب من المالكية، لأنه كان يعارض اقوال مالك ويرد عليه، وقد وضع كتاباً في ذلك، كما وضع كتاباً في الرد على أبي حنيفة.(360)

مذهبه الجديد

وكيف كان فقد جاء الشافعي بمذهبه الجديد، وكان قد درس المذهبين : مذهب أهل الرأي ومذهب أهل الحديث، وقد لاحظ ما فيهما من نقص، فبدا له أن يكمل ذلك النقص، وأخذ ينقض بعض التعريفات من ناحية خروجها من متابعة نظام متحد في طريقة الاستنباط، وذلك يشعر باتّجاهه في الفقه اتجاهاً جديداً، الذي لا يكاد يعنى بالجزئيات والفروع.

ولعلّ خير ما يلخّص مسلكه في منحاه الاجتهادي هو أنّه قال: الأصل قرآن وسنة، فإن لميكن فقياس عليهما، وإذا اتصلالحديث عن رسولالله(صلى الله عليه وآله)، وصحّ الاسناد عنه فهو سنّة، والاجماع أكبر من الخبر المفرد، والحديث على ظاهره، وما احتمل معاني فما اشتبه منها ظاهر أولاها به وإذا تكافأت الأحاديث فأصحها إسناداً أولاها، وليس المنقطع بشيء ما عدا منقطع ابن المسيب، ولا يقاس أصل على أصل، ولا يقال للأصل "لِمَ" و "كيف". وإنّما يقال للفرع "لِم"، فإذا صحّ قياسه صحّ وقامت به الحجة.

فهو بهذه الخطة الجديدة قد هاجم مالكاً، لتركه الأحاديث الصحيحة لقول واحد من الصحابة أو التابعين أو لرأي نفسه.

وهاجم أبا حنيفة وأصحابه، لأنّهم يشترطون في الحديث أن يكون مشهوراً، ويقدّمون القياس على خبر الآحاد وإن صحّ سنده، وأنكر عليهم تركهم لبعض السنن لأنّها غير مشهورة، وعملهم بأحاديث لم تصح عند علماء الحديث، بدعوى أنها مشهورة، ووقف في القياس موقفاً وسطاً فلم يتشدّد فيه تشدد مالك، ولم يتوسع فيه توسع أبي حنيفة.(361)

وقال إمام الحرمين (362): فمالك أفرط في مراعاة المصالح المطلقة المرسلة، غير المستندة إلى شواهد الشرع، وأبو حنيفة قصر نظره على الجزئيات والفروع والتفاصيل من غير مراعاة القواعد والاُصول، والشافعي (رضي الله عنه) جمع بين القواعد والفروع، فكان مذهبه أقصد المذاهب ومطلبه أسدى المطالب كما يقول إمام الحرمين.

هذا عرض موجز لما يتعلق بحياة الشافعي وأخباره من حيث اتجاهه الفقهي، ومخالفته لأهل الرأي وأهل الحديث.

وتدلّنا الحوادث بوضوح أنّه لقي أذىً كثيراً في اظهار مخالفته لمالك وردّه عليه، كما أنّه لم يلق في مصر ذلك الاقبال المطلوب الذي كان يأمله رجل مثله، فقد جفاه الناس ولم يجلس إليه أحد، فقال له بعض من قدم معه: لو قلت شيئاً يجتمع إليك الناس، فقال: إليك عني وأنشأ :

أأنثر دراً بين سارحة النعم *** وأنظم منثوراً لراعية الغنم(363)