اختلاف الفقهاء في الفتوى

اختلاف الفقهاء في الفتوى 

ونظراً للاختلاف الحاصل من تفهّم أدلة الاستنباط، فقد انفرد رؤساء المذاهب بمسائل لا يقول بها صاحب المذهب الآخر، كما انفرد بعض أعيان المذاهب بأقوال لا يقول بها رئيس مذهبه ولا غيره، وهذا شيء كثير يمكن حصره من تتبع الأقوال المختلفة.

وقد حاول بعضهم حصر تلك الأقوال المنفردة، ولكن التتبع يضيف إلى ذلك كثيراً منها. وقد نقل صاحب كتاب الفوائد العديدة عن كتاب الإفصاح للوزير عون الدين يحيى بن هبيرة، ما انفرد كلّ مذهب فيه عن سائر المذاهب، ونظراً لما في ذلك من الفائدة والإيضاح ننقل هنا تلك الأقوال التي اختص بها كلّ واحد عن غيره، بدون تعليق على ذلك أو بيان لما يحتاج إلى بيان.

أبو حنيفة

قال في الإفصاح: اعلم أنّ الإمام أبا حنيفة تفرد بخمس عشرة مسألة:

1 ـ العفو عن مقدار الدرهم من النجاسات، والأئمة يوافقونه في الدم.

2 ـ عدم النية في الوضوء والطهارة.

3 ـ جواز التوضؤ بالمائعات.

4 ـ الخروج من الصلاة بما ليس منها.

5 ـ عدم الطمأنينة فيها، إلاّ ما رواه أبو يوسف.

6 ـ كل إهاب يطهر بالدباغ عنده.

7 ـ جواز الربا في دار الحرب.

8 ـ إن للمرأة ولاية النكاح.

9 ـ قتل النفس بالنفس مطلقاً.

10 ـ عدم جواز الوقف في المنقول.

11 ـ عدم القضاء على الغائب.

12 ـ ميراث الذين عقدت أيمانكم.

13 ـ طهارة الخمر بالمعالجة.

14 ـ عدم جواز الجمع إلاّ في عرفة ومزدلفة.

15 ـ ثبوت الربا في الجص، والنورة، والزرنيخ. (306)

مالك بن أنس

وأما ما اختص به الإمام مالك:

1 ـ الإرسال في الصلاة (أي إرسال اليدين).

2 ـ طهارة الكلب.

3 ـ جواز القراءة للحائض خوف النسيان.

4 ـ عدم التوقيت للمسح على الخفين.

5 ـ قتل المرتد من غير استتابة.

6 ـ وجوب الغسل للجمعة.

8 ـ تفضيل المدينة على مكة.

9 ـ تجاوز الميقات بلا إحرام، إذا مر عليه ولم يكن له.(307)

الإمام الشافعي

وأما ما اختص به الإمام الشافعي:

1 ـ وجوب قراءة الفاتحة على المأموم.

2 ـ وجوب التشهد الأخير.

3 ـ زواج البنت من الزنا.

4 ـ اتخاذ أواني الذهب والفضة من غير استعمال.

5 ـ لعب الشطرنج.

6 ـ نجاسة الأوراق مطلقاً. (308)

أحمـد

وأما ما اختص به الإمام أحمد:

1 ـ وجوب المضمضة والاستنشاق.

2 ـ وجوب غسل اليدين عند القيام من النوم.

3 ـ الاقتصار على المفصل في اليد في مسح التيمم قياساً على السرقة.

4 ـ مؤاخذة المقر بإقراره، وإن استثنى أنّه أعطى فلا يقبل منه وإن كانت البينة.(309)

ما انفرد به ابن تيمية

1 ـ القول في قصر الصلاة في كل ما يسمى سفراً طويلا كان أو قصيراً، وهو مذهب الظاهرية.

2 ـ إنّ البكر لا تستبرئ وإن كانت كبيرة، وهو قول ابن عمر واختاره البخاري.

3 ـ إنّ سجود التلاوة لا يشترط له وضوء، وهو مذهب ابن عمر واختاره البخاري.

4 ـ القول بأن من أكل في شهر رمضان معتقداً أنّه ليل، فبان نهاراً لا قضاء عليه، كما هو الصحيح عن عمر، وذهب إليه بعض الفقهاء والتابعين.

5 ـ إنّ المتمتع يكفيه سعي واحد بين الصفا والمروة، كالقارن والمفرد وهو قول ابن عباس ورواية عن أحمد.

6 ـ جواز المسابقة بلا محلل.

7 ـ القول باستبراء المختلعة بحيضة، وكذلك الموطوءة بشبهة، والمطلقة آخر ثلاث تطليقات.

8 ـ إباحة وطء الوثنيات بملك اليمين.

9 ـ جواز عقد الرداء في الإحرام ولا فدية.

10 ـ جواز طواف الحائض ولا شيء عليها إذا لم يمكنها أن تطوف طاهرة.

11 ـ القول بجواز بيع الأصل بعصيره كالزيت بالزيتون والسمسم بالشيرج.

12 ـ جواز الوضوء بكلّ ما يسمى ماء مطلقاً كان أو مقيداً.

13 ـ جواز بيع ما يتخذ من الفضة للتحلي وغيره بالفضة متفاضلا وجعل الزيادة في الثمن في مقابلة الصنعة.

14 ـ المائع لا ينجس بوقوع النجاسة فيه إلاّ أن يتغير قليلا كان أو كثيراً.

15 ـ جواز التيمم لمن خاف فوات العيد والجمعة باستعمال الماء.

16 ـ جواز التيمم في مواضع معروفة.

17 ـ الجمع بين الصلاتين في أماكن مشهورة.

18 ـ وكان يميل أخيراً إلى القول بتوريث المسلم من الكافر.

19 ـ ومن أقواله المشهورة التي جرى بسببها والإفتاء بها محن: قوله بالتكفير بالحلف، وإن الطلاق لا يقع إلاّ واحدة، وإن الطلاق المحرم لا يقع وإنّ جميع أيمان المسلمين مكفر (310).

الخلاف بين المذاهب

وإذا أردنا أن نتابع للوقوف على الأقوال التي ربّما يقال: إنّ أصحابها انفردوا عن مذاهبهم بالذهاب إليها، فإنّ طول المسافة يبعدنا عن الهدف المقصود. كما أنّ الخلاف بين المذاهب بعضهم مع بعض شيء لا يمكن إنكاره لكثرته . وقد اُحصي الخلاف بين مذهب أحمد بن حنبل ومذهب الشافعي فكانت المسائل المختلف فيها أكثر من عشرة آلاف مسألة.

وصنّف القاضي عز الدين الحنبلي في المفردات المخالف للمذاهب الثلاثة كتاباً ذكر فيه أكثر من ثلاثة آلاف مسألة.(311)

وذكر صاحب الفواكه العديدة: أنّ مذهب الإمام أحمد وسط بين المذاهب في كثير من المسائل ممّا تدعو حاجة الناس إليه من مذهب الإمام أحمد؛ منها:

1 ـ القول بطهارة بول جميع الحيوانات المأكولة اللحم، وروثها كالغنم، والبقر، والخيل، والدجاج، والإبل، والأوز، وغير ذلك.

2 ـ إن مني الآدمي ومني ما يؤكل لحمه طاهر وهذا أيضاً فيه رخصة.

3 ـ جواز المسح على العمامة والجورب وفيه أيضاً رخصة.

4 ـ صوم رمضان بالغيم والقتر ليلة الثلاثين من شعبان.

5 ـ صحة البيع بالمعاطاة.

6 ـ للوالد أن يتملك من مال ولده ما شاء.

7 ـ إن الخلع فسخ لا ينقص به عدد الطلاق.

8 ـ عدم وقوع الطلاق من السكران.

9 ـ الرد في باب الفرائض وتوريث ذوي الأرحام.

10 ـ إن الكافر إذا مات حكم بإسلام من لم يبلغ من ولده.

11 ـ جواز الاستمناء(312) باليد ونحوها لمن خاف العنت وهي رخصة عظيمة وكذلك المرأة بشيء.

12 ـ جواز الوقف في إحدى الروايتين عن أحمد.

13 ـ جواز بيع الوقف والمناقلة إذا تعطلت منافعه وبيع المسجد ونقله إذا تعطل نفعه أو لم ينتفع به.

14 ـ فسخ النكاح لعدم النفقة والوطء.

15 ـ الحكم بالشهادة على الخط وغير ذلك.

وعلى أيّ حال: فإنّ الاختلاف بين المذاهب في الفقه أمر لا يمكن حصره، ونحن بهذا العرض نحاول إعطاء صورة عن البعض من ذلك، وقد ألّف علماؤنا الأعلام كتباً في الخلافات الفقهية بين السنة والشيعة،(313) وبين المذاهب السنية أنفسها.

ولمّا كان هذا الموضوع من أهم الاُمور التي يلزمنا البحث فيها، رأينا أن نختصر البحث، فيها، رأينا أن نختصر البحث، ونقتصر على ما يتعلق بالصلاة ومقدماتها، وأفعالها، ونذكر طرفاً من مسائل الطهارة في هذا الجزء، وأفعال الصلاة في الجزء السادس، ونستدرك بقيّة المباحث الفقهية في كتاب مستقل يرتبط بهذه السلسلة كمستدرك لها، وإنّي لا أضمن لنفسي السلامة من الخطأ، فربما يكون هناك شيء لم أتعمده، وأمر لم أقصده، ومن الله أطلب التسديد وعليه أتوكل وهو حسبي ونعم الوكيل.

 

الطهارة "الوضوء والغسل والتيمم" 

(يَـأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ وَإِنْ كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَر أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَاءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَايُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَج وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَـلَّكُمْ تَشْكُرُونَ )المائدة: 6

أجمع المسلمون على وجوب الطهارة للصلاة وهي في اللغة (314) النظافة والنزاهة من الأدناس، وفي الشرع: اسم للوضوء، أو الغسل أو التيمم، على وجه له تأثير باستباحة الصلاة.

وعرّفها الشهيد الأول: بأنّها استعمال طهور مشروط بالنية، والطهور هو الماء والتراب (315).

وقال في التذكرة: إنّها وضوء وغسل، وتيمم يستباح به عبادة شرعية. (316)

وقال القرطبي: الطهارة من الحدث ثلاثة أصناف: وضوء، وغسل، وبدل منهما، وهو التيمم. وقال ابن حمدان الحنبلي: الطهارة تحصل عند وجود سببها قصداً واتفاقاً. (317)

وقال الشوكاني: إنّها صفة حكمية تثبت لموصوفها جواز الصلاة به أو فيه أوله.(318)

وقال في الروض الندي: هي ارتفاع حدث وما في معناه، وزوال خبث أو ارتفاع حكم ذلك. (319)

وقال في شرح مراقي الفلاح: حكم يظهر بالمحل الذي تتعلّق به الصلاة لاستعمال المطهر. (320)

والطهور اسم للماء والتراب لقوله تعالى: (وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءً طَهُورًا)

وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): "جُعلَت لِي الأرضُ مَسجِداً وَطَهُوراً" وسيأتي بيان ذلك.

ومهما يكن من اختلاف في تعبير الفقهاء في تعريف الطهارة، فلا خلاف بينهم في وجوبها للصلاة، وأنّها اسم للوضوء، والغسل، والتيمم، وإنّ الصلاة تتوقف على إزالة الحدث في ذلك.

وقد وقع الخلاف في هذه الأشياء لا من حيث وجوبها، بل من حيث موجبها وواجباتها وسننها وشرائطها.

الوضوء

لا خلاف بين جميع المسلمين في وجوب الوضوء للصلاة لقوله تعالى:

(إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ).(321) ولقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ. (322)

كما لا خلاف بينهم في أنّ أعضاء الوضوء مغسولة وممسوحة، وإنّما الخلاف في الرجلين، كما سيأتي.

وللوضوء فروض، وسنن، وشروط وقد وقع الخلاف في ذلك بين جميع المذاهب.

فروضـه

فروض الوضوء عند الشيعة خمسة:1 ـ النية: وهي الإرادة، أو القصد إلى الفعل؛ على أن يكون الباعث إليه أمر الله تعالى، ولابدّ فيها من الإخلاص، فلو لم يكن مخلصاً لا يصحّ على تفصيل يذكره الفقهاء في باب النية بداعي امتثال أمر الله، وإطاعته.

2 ـ غسل الوجه: وهو ما دارت عليه الإبهام، والوسطى عرضاً، وما بين قصاص الشعر إلى طرف الذقن طولا، ويجب الابتداء بأعلى الوجه إلى الأسفل.

3 ـ غسل اليدين من المرفقين إلى أطراف الأصابع، والمرفق مجمع عظمي الذراع والعضد ويجب غسله مع اليد.

4 ـ مسح مقدم الرأس ويكفي فيه المسمّى، ولو قدر أصبع إلى ثلاثة أصابع.

5 ـ مسح الرجلين من أطراف الأصابع إلى الكعبين، وهما قبتا القدم.

وشرائط الوضوء طهارة الماء وإطلاقه، وعدم استعماله في التطهير من الخبث، وطهارة أعضاء الوضوء، وعدم المانع من استعمال الماء لمرض أو عطش، والموالاة والترتيب كما سيأتي بيانه.

هذه هي فروض الوضوء عند الشيعة كما دلّت عليه الأدلة من الكتاب والسنة النبوية بما هو مذكور في محله من كتب الفقه(323)، فهم يتفقون مع المذاهب في اُمور ويفترقون عنها في اُمور، فلننظر في ذلك لنرى مدى الاتفاق والافتراق بينهم وبين غيرهم من المذاهب، كما ننظر إلى الاتفاق والافتراق بين المذاهب الأربعة نفسها.

اتفق جميع العلماء على اشتراط النية في الوضوء وغيره من أنواع الطهارة من الحدث، وإنّها فرض كما تقول به الشيعة، إلاّ أبا حنيفة فإنّه لم يشترط النية في الوضوء والغسل واشترطها في التيمم.(324)

وحجته أنّ المكلف إنّما أمر بغسل جسمه أو غسل هذه الأعضاء، ولو غسلهما للتبرد أو التنظيف فقد فعل ما أمر به، وقاس ذلك على إزالة النجاسة، فإنّها تجزي بلا نية عند الجميع.

وقال مالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، والليث بن سعد: بوجوب النية.

وعقد الإجماع على اشتراط النية لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّما الأعمال بالنيّات ولكلّ امرئً مانوى.(325)

غسل الوجه

لا خلاف بين جميع المسلمين في وجوب غسل الوجه مرّةً واحدة وقد اختلفوا في تحديده.

فمذهب الشيعة: أنّ حدّه من قصاص الشعر إلى منتهى الذقن طولاً، وما دارت عليه الإبهام والوسطى عرضاً.

ومذهب مالك أنّ البياض الذي بين العذار والأذن ليس من الوجه، وبهذا يتفق مع الشيعة، ولكنّه فرّق بين الأمرد والملتحي، كما هو مذكور في محله(326).

وذهب أبو حنيفة، والشافعي (327)، وأحمد إلى أنّ البياض الذي بين العذار والاُذن من الوجه فيجب غسله (328).

وكذلك اختلفوا فيما تحت الذقن، فالمشهور عن الشافعي أنّه يوجب غسل ما تحت الذقن، وعند الحنفية أنّ حدّ الوجه ما بين قصاص الشعر وأسفل الذقن طولاً وشحمتي الاُذنين(329) عرضاً.

وسبب هذا الاختلاف هو خفاء تناول إسم الوجه لهذه المواضع.

غسل اليدين

اتفق المسلمون على أنّ غسل اليدين والذراعين من فروض الوضوء، واختلفوا في موضعين:الأوّل: في إدخال المرافق فيهما، فذهب الجمهور، ومالك، والشافعي، وأبو حنيفة(330) وأحمد بن حنبل(331)، إلى وجوب إدخالهما في الغسل، وهو مذهب الشيعة وذهب بعض أهل الظاهر؛ وبعض متأخري أصحاب مالك، وزفر بن الهذيل ـ من أصحاب أبي حنيفة ـ والطبري إلى أنّه لا يجب ادخالهما في الغسل.(332)الثاني: كيفية الغسل، فمذهب الشيعة أنّ الابتداء بالغسل من المرافق إلى أطراف الأصابع، ولا يجوز غسلها من الأصابع إلى المرافق، لأن "إلى" في الآية الكريمة بمعنى "مع" كقوله تعالى: (وَلاَتَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ )(333)وقوله تعالى: (قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ)(334) وأراد بذلك "مع".

وإنّها لبيان المغسول لا لكيفية الغسل ويحتاج ذلك إلى بيان، وقد ثبت عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) من طريق أهل البيت أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) غسل من المرافق إلى أطراف الأصابع.(335)

مسح الرأس

أجمع المسلمون على وجوب مسح الرأس للآية الشريفة ولفعل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)في ذلك، ولكنّهم اختلفوا في مقدار المسح فهل يمسح كلّه أو بعضه؟.

فالإمامية أوجبوا مسح البعض من مقدم الرأس وقالوا: يجزي ما يسمّى مسحاً، ويشترطون أن يكون ذلك بنداوة الوضوء، فلو استأنف ماءً جديداً بطل الوضوء. واحتجوا بقوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ)(336) والباء للتبعيض.

ولأنّ ذلك من المعروف من فعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما رواه المغيرة بن شعبة أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) توضّأ فحسر العمامة عن رأسه ومسح على ناصيته (337).

وروي عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام) قال: يجزي من المسح على الرأس موضع ثلاث أصابع(338).

وعن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال :إمسح على مقدم الرأس وامسح على القدمين وابدأ بالشقّ الأيمن (339)

ووافقهم الشافعية في ذلك، إذ الواجب عندهم ما يقع عليه اسم المسح وإنقلّ.

قال أبو العباس بن القاص، أقلّه ثلاث شعرات؛ كما نقول في الحلق في الإحرام.

وقال في المهذّب: إنّه لا يتقدر لأنّ الله أمر بالمسح وذلك يقع على القليل والكثير والمستحب أن يمسح جميع الرأس (340).

أمّا الحنفية فاختلفوا في المقدار، فعن أبي حنيفة وأبي يوسف أنّ المفروض ربع الرأس، وعن محمد بن الحسن أنّ المفروض ثلاثة أصابع إذا اعتبر الممسوح به عشرة أصابع، وربعها إصبعان ونصف، إلاّ أنّ الإصبع الواحد لا يتجزأ فجعل المفروض ثلاثة أصابع (341).

وقال زفر: يجوز أن يمسح بإصبع واحد مقدار ربع الرأس (342).

وذهب مالك إلى أنّ الواجب مسح الرأس كلّه، وخالفه بعض أصحابه وجعل فرض المسح بعض الرأس، ومن أصحاب مالك من حدّ هذا البعض بالثلث وبعضهم بالثلثين (343).

وأوجب الحنابلة مسح جميع الرأس، ويكره غسله بدلاً من المسح إن أمرّ يديه(344). وفي إحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل أنّه اكتفى بمقدم الرأس(345).

قال النووي في شرح مسلم: وأجمعوا على وجوب مسح الرأس واختلفوا في قدر الواجب فيه، فذهب الشافعي في جماعة إلى أنّ الواجب ما يطلق عليه الاسم ولو شعرة واحدة، وذهب مالك وأحمد إلى وجوب استيعابه، وقال أبو حنيفة في رواية الواجب ربعه (346).

وكذلك وقع الاختلاف في عدد المسح، فقال الشافعي وجماعة أنّ المستحب ثلاث مرات، وذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد إلى أنّ السنة مرّة واحدة ولا يزاد عليها.(347)

وقال الإمامية: لاتكرار في المسح. (348)

الأرجل

اختلف علماء الإسلام في نوع طهارة الأرجل من أعضاء الوضوء، فذهب الكثيرون منهم إلى وجوب الغسل، ومنهم الأئمة الأربعة، إلاّ ما ينقل عن أحمدبن حنبل في إحدى الروايات، بأنّه جوّز المسح (349).

وعند الأوزاعي، والثوري، وابن جرير، والجبائي، والحسن البصري أنّ الإنسان مخيّر بين الغسل وبين المسح(350) وقال بعض علماء أهل الظاهر بوجوب المسح والغسل (351).

وأجمعت الشيعة تبعاً لأهل البيت على وجوب المسح، ودليلهم على ذلك كتاب الله وسنة نبيه(صلى الله عليه وآله وسلم) لما روي عن الأئمة(عليهم السلام) في بيان كيفية وضوء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وأنّه مسح على رجليه،(352) كما يأتي.

أما الكتاب فقوله تعالى: (وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) قرئ بنصب أرجل وخفضها، أمّا قراءة الخفض فهي الحجة، وأمّا النصب فكذلك منصوبة إمّا على إسقاط الخافض أو أنّها بفعل محذوف.

فأوجب سبحانه وتعالى على الوجوه بظاهر اللفظ الغسل، ثم عطف الأيدي على الوجوه، وأوجب لها بالعطف مثل حكمها وهو الغسل، فكأنه قال: اغسلوا وجوهكم واغسلوا أيديكم، ثم أوجب مسح الرؤوس بصريح اللفظ، كما أوجب غسل الوجوه كذلك، ثم عطف الأرجل على الرؤوس، فوجب أن يكون لها حكم الرؤوس وهو المسح بمقتضى العطف، ولو جاز أن يخالف في الحكم المذكور الرؤوس الأرجل جاز أن يخالف حكم الأيدي في الغسل الوجوه.

وسواء قرئ بنصب الأرجل أم خفضها فكلا القراءتين يدلان على وجوب المسح، كما ذهب إليه كثير من الصحابة والتابعين(353)، ودلّت عليه الآثار الصحيحة(354) من صفة وضوء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّه مسح على رجليه، كما روى ذلك عنه أهل بيته صلوات الله عليهم أجمعين.

وأمّا القول بأنّ قراءة الخفض في أرجلكم إنّما كان للمجاورة فهو غير صحيح، لأنّ ذلك لا يجوز إلاّ مع ارتفاع اللبس، فأمّا مع حصوله فلا يجوز(355).

وأمّا حمل بعضهم الأمر بالمسح هنا على الغسل فهو بعيد جداً وهو تعسف وصرف لظواهر الكتاب عمّا تدل عليه.

وعلى كلّ حال فإن كلا القراءتين يفهم منهما وجوب مسح الرجلين وقد وافقنا على ذلك جماعة من علماء المسلمين ممّن لا يقول به ولنترك الحديث لبعضهم.

قال الفخر الرازي في تفسيره حول الاحتجاج بهذه الآية الكريمة: حجّة من قال بوجوب المسح مبني على القراءتين المشهورتين في قوله تعالى "وأرجلكم" فقرأ ابن كثير، وحمزة، وأبو عمر، وعاصم ـ في رواية أبي بكر ـ بالجر، وقرأ نافع، وابن عامر، وعاصم ـ في رواية حفص عنه ـ بالنصب.

ثم قال: فنقول أمّا القراءة بالجرّ فهي تقتضي كون الأرجل معطوفة على الرؤوس، فكما وجب المسح في الرأس فكذلك في الأرجل.

فإن قيل: لم لايجوز أن يقال: هذا كسر على المجاورة كما يقال: جحر ضب خرب؟

قلنا: هذا باطل من وجوه: الأوّل أنّ الكسر على الجوار معدود في اللحن الذي قد يتحمل لأجله لضرورة في الشعر، وكلام الله منزّه عنه.وثانيها: أنّ الكسر على الجوار إنّما يصار حيث يحصل الأمن من الالتباس، كما في قوله: جحر ضبّ خرب، فإنّ من المعلوم بالضرورة، أنّ الخرب لا يكون نعتاً للضبّ بل للجحر، وفي هذه الآية الأمن من الالتباس غير حاصل.وثالثها: أنّ الكسر بالجوار إنّما يكون بدون حرف العطف، وأمّا مع حرف العطف فلم تتكلم به العرب.

وأمّا القراءة بالنصب فقالوا أيضاً توجب المسح، وذلك لأنّ قوله: (وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ) فرؤوسكم في محل النصب بامسحوا لأنّه المفعول به، ولكنّها مجرورة لفظاً بالباء، فإذا عطفت الأرجل على محل الرؤوس جاز في الأرجل النصب عطفاً على محل الرؤوس، وجاز الجرّ عطفاً على الظاهر.

فإذا ثبت هذا فنقول: ظهر أنّه يجوز أن يكون عامل النصب في قوله تعالى: وأرجلكم هو قوله: وأمسَحُوا ويجوز أن يكون هو قوله: فاغسلوا لكن العاملان إذا اجتمعا على معمول واحد كان إعمال الأقرب أولى، فوجب أن يكون عامل النصب في قوله تعالى: وأرجلكم هو قوله تعالى: وامسحوا.

فثبت أنّ قراءة وأرجلكم بنصب اللام توجب المسح أيضاً(356).

هذا ما قرّره عالم من كبار علماء الشافعية، ومن أشهر المفسرين، وهو موافق لما يذهب إليه الشيعة، وما أجمعوا عليه من وجوب المسح للأرجل، كما دلت عليه آية الوضوء، وإن كان هذا العالم ذهب إلى الغسل نظراً لوجود أخبار تدل عليه إذ يقول:

إنّ الأخبار الكثيرة وردت بإيجاب الغسل، والغسل مشتمل على المسح، ولا ينعكس، فكان الغسل أقرب إلى الاحتياط، فوجب المصير إليه، وعلى هذا الوجه يجب القطع بأنّ غسل الرجل يقوم مقام مسحها(357).

وأنت ترى ما في هذا الاستدلال من البعد عن الواقع، وهو تمحّل وتكلّف، وستأتي الإشارة إلى الأخبار في هذا الباب.

وقال الجصّاص أحمد بن الرازي الحنفي المتوفى سنة (370 هـ) في كتابه أحكام القرآن:

ولا يختلف أهل اللغة أنّ كلّ واحدة من القراءتين محتملة للمسح بعطفها على الرأس، ويحتمل أن يراد بها الغسل بعطفها على المغسول، لأنّ قوله تعالى: وأرجلكم، بالنصب يجوز أن يكون مراده فاغسلوا أرجلكم، ويحتمل أن يكون معطوفاً على الرأس فيراد بها المسح، وإن كانت منصوبة فيكون معطوفاً على المعنى لا على اللفظ، لأن الممسوح مفعول به كقول الشاعر:

معاوي إننا بشر فاسجح *** فلسنا بالجبال ولا الحديدا

فنصب الحديد وهو معطوف على الجبال بالمعنى.

ويحتمل قراءة الخفض معطوفة فيراد به المسح، ويحتمل عطفه على الغسل، ويكون مخفوضاً بالمجاورة، كقوله تعالى: (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ)(358)، ثم قال تعالى: (وَحُور عِين)فخفضهم بالمجاورة.

إلى أن يقول: فثبت بما وصفنا احتمال كلّ واحدة من القراءتين للمسح والغسل(359).

وقال إبراهيم الحلبي

قرأ السبعة بالنصب والجر، والمشهور أنّ النصب بالعطف على وجوهكم والجر على الجوار، والصحيح أنّ الأرجل معطوفة على "برؤوسكم" في القراءتين، ونصبها على المحل، وجرّها على اللفظ، وذلك لامتناع العطف على المنصوب للفصل بين العاطف والمعطوف بجملة أجنبية، والأصل أن لا يفصل بينهما بمفرد فضلا عن الجملة، ولم يسمع فيالفصيح نحو ضربت زيداً ومررت بعمرو وبكراً، بعطف بكر على زيد، وأما الجرّ على الجوار فإنّما يكون على قلة في النعت كقول بعضهم: هذا جحر ضب خرب، بجر خرب، وفي التأكيد كقول الشاعر:

يا صاح بلغ ذويالزوجات كلّهم *** أن ليس وصل إذا أنحلت عرى الذنب

بجرّ كلّهم على ما حكاه القراء.

وأمّا في عطف النسق فلا يكون، لأنّ العاطف يمنع المجاورة(360).

وقال ابن حزم

وأمّا قولنا في الرجلين فإنّ القرآن نزل بالمسح، قال الله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ) وسواء قرئ بخفض اللام أو بفتحها هي على كلّ حال عطف على الرؤوس: إمّا على اللفظ وإمّا على الموضع لايجوز غير ذلك، لأنّه لايجوز أن يحال بين المعطوف والمعطوف عليه بقضية مبتدأة، وهكذا جاء عن ابن عباس: نزل القرآن بالمسح. يعني في الرجلين في الوضوء(361).

الأخبار

إنّ أخبار الغسل لا يمكن أن يخصص بها الكتاب، إذ هي أخبار آحاد، ومنها مالا دلالة فيه على المدّعي، كخبر عبد اللّه بن عمرو بن العاص في الصحيحين أنّه قال: تخلف عنّا النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)الأخبار في سفر سافرنا معه فأدركنا وقد حضرت صلاة العصر، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى ويل للأعقاب من النار(362).

وهذا الخبر كما ترى يدلّ على مسح الأرجل وشهرته بين المسلمين، ولم يصدر من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إنكار عليه، وإنّما أنكر عليهم قذارة أعقابهم، ولا سيما في السفر، وقد نالها في الطريق أوساخ وقذارات لا يجوز الدخول في الصلاة معها، إذ فيهم أعراب جفاة، لا يتنزّهون عن قذارة.

ويؤيّد هذا ما قاله ابن رشد القرطبي بعد إيراد هذ الحديث، قال: وهذا الأثر وإن كانت العادة قد جرت بالاحتجاج به في منع المسح، فهو أدلّ على جوازه منه في منعه، لأنّ الوعيد إنّما تعلّق فيه بترك التعميم، لا بنوع الطهارة، بل سكت عن نوعها، وذلك دليل على جوازه ووجوب المسح هو أيضاً مروي عن بعض الصحابة والتابعين(363).

ومنها ما حكاه حمران مولى عثمان بن عفان من وضوء مولاه عثمان، وأنّه غسل كلّ رجل ثلاثاً، ثم قال رأيت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يتوضأ مثل وضوئي.

ومثله ما روي عن عبدالله بن زيد بن عاصم، وقد قيل له توضأ لنا وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فتوضأ ثم غسل رجليه إلى الكعبين، كما روى ذلك مسلم في صحيحه(364).

والحاصل أنّ عمدة ما في الباب هو هذه الأخبار، والأصل المعتمد عليه هو خبر حمران مولى عثمان بن عفان: وكلّ ذلك لا يصلح أن يكون مقابلا لحكم الآية أو ناسخاً لها.

وعليه فقد صرّح بالمسح جماعة من السلف كابن عباس، وأنس بن مالك والشعبي وعكرمة وغيرهم.

وقد اشتهر عن ابن عباس إنكاره على من يغسل رجليه فكان يقول: الوضوء غسلتان ومسحتان.

وكان يقول: افترض الله غسلتين، ومسحتين، ألا ترى أنّه ذكر التيمم فجعل مكان الغسلتين، وترك المسحتين(365)؟

وقال الشعبي: إنما هو المسح على الرجلين، ألا ترى أن ما كان عليه الغسل جعل عليه التيمم وما كان عليه المسح أهمل؟

وقال عكرمة: ليس في الرجلين غسل، إنّما نزل فيهما المسح(366).

وقال موسى بن أنس لأنس: يا أبا حمزة، إنّ الحجاج خطبنا بالأهواز ونحن معه فذكر الطهور فقال: اغسلوا حتى ذكر الرجلين وغسل العراقيب.

فقال أنس: صدق الله وكذب الحجاج. قال الله سبحانه: (فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ).

فكان أنس إذا مسح قدميه بلّهما، وقال نزل القرآن بالمسح. وجاءت السنة بالغسل (367).

ونحن لا نستبعد تدخل السلطات في هذه القضية، فالحجاج عندما يأمر الناس بحكم فبدون شك أنّه لا يوجد من يخالف، وكثير من يؤيّده، ومن تكلّم بغير ما يأمر فمصيره إلى الفناء، وليس لمحتج عليه من سبيل، ولا لقائل على خلاف قوله إلاّ أن يكذب، إن كانت له بقيّة من حياة وامتداد في عمر.

وعلى أيّ حال: فإنّ لنا بكتاب الله العزيز، وما ورد عن عترة رسوله العظيم، ما يكفينا عن الاستدلال في الحكم، فإنّ القرآن ناطق بذلك ولا سبيل إلى صرفه إلى غيره ولا تنسخه أخبار آحاد لا تصلح للاستدلال.

وقد أخرج أبو داود من حديث أوس بن أبي الثقفي أنّه قال: رأيت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أتى كِضامة قوم ومسح على نعليه وقدميه(368).

وجاء من طريق همام عن إسحاق بن أبي عبدالله: حدثنا علي بن خلاد عن أبيه عن عمّه ـ هو رفاعة بن رافع ـ أنّه سمع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: إنّها لا تجوز صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله عزّوجلّ: يغسل وجهه ويديه ويمسح رأسه ورجليه إلى الكعبين.

وعن إسحاق بن راهويه: حدثنا عيسى بن يونس، عن عبد خير عن علي(عليه السلام): كنت أرى باطن القدمين أحق بالمسح، حتى رأيت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يمسح ظاهرهما.(369)

وروى شعبة عن عبد الملك بن ميسرة، عن النزال بن ميسرة أنّ علياً(عليه السلام)صلّى الظهر ثم قعد في الرحبة، فلما حضرت العصر، دعا بكوز من ماء فغسل يديه ووجهه، وذراعيه، ومسح برأسه ورجليه وقال: هكذا رأيت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فعل(370).

وروى الحسن بن علي الطوسي في مجالسه عن أبيه بسند عن أبي إسحاق الهمداني، عن أمير المؤمنين(عليه السلام) في عهده إلى محمد بن أبي بكر حين ولاه مصر أن قال فيه: وانظر إلى الوضوء فإنه من تمام الصلاة، تمضمض ثلاث مرات، واستنشق ثلاثاً، واغسل وجهك، ثم يدك اليمنى ثم اليسرى ثم امسح رأسك ورجليك؛ فإني رأيت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يصنع ذلك، واعلم أنّ الوضوء نصف الإيمان(371).

وأمّا ما أخرجه ابن ماجة من طريق أبي إسحاق عن أبي حيّة قال: رأيت علياً(عليه السلام)توضأ فغسل قدميه إلى الكعبين ثم قال: أردت أن اُريكم طهور نبيّكم(372). فهو ممّا تفرد به أبو إسحاق، وقد ترك الناس حديثه؛ لأنّه اختلط ونسي، وأنّ أبا حيّة، وراوي هذا الحديث، نكرة لا يعرف (373)، ولا ذكر له في رواة الحديث، ولعلّه شخصية وهمية برزت في إطار الخيال لغاية في نفس المصوّر لها.

وروى الكليني بسند عن بكير بن أعين أنّ أبا جعفر الباقر(عليه السلام)قال: ألا اُحكي لكم وضوء رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فأخذ بكفه اليمنى كفاً من ماء فغسل به وجهه، ثم أخذ بيده اليسرى كفّاً من ماء فغسل به يده اليمنى، ثم أخذ بيده اليمنى كفاً من ماء فغسل به يده اليسرى، ثم مسح بفضل يديه رأسه ورجليه (374).

ومثله عن زرارة بن أعين ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام).

وروى الكليني بسند عن حماد بن عثمان قال: كنت قاعداً عند أبي عبدالله الصادق(عليه السلام) فدعا بماء فملأ به كفّه فعمّ به وجهه، ثم ملأ كفه فعمّ به يده اليمنى، ثم ملأ كفه فعمّ به يده اليسرى، ثم مسح على رأسه ورجليه (375).

وفي الخصال للصدوق بإسناده عن الأعمش عن جعفر بن محمد الصادق(عليه السلام)أنّه قال: هذه شرائع الدين لمن أراد أن يتمسّك بها وأراد الله هداه: إسباغ الوضوء كما أمر الله في كتابه الناطق، غسل الوجه واليدين إلى المرفقين، الرأس والقدمين إلى الكعبين مرّةً مرة، ومرتان جائز، ولا ينقض الوضوء إلاّ البول والريح والنوم والغائط والجنابة.

ومن مسح على الخفين فقد خالف الله ورسوله وكتابه، ووضوؤه لم يتم (376).

المسح على الخفين

هذه المسألة من المسائل التي وقع الخلاف فيها بين الشيعة وغيرهم من المذاهب، وقد تطوّرت الحالة حتى أصبح المسح على الخفين من علامة السنة، وعدمه من علامات البدعة، وأصبحت هذه المسألة من اُصول الاعتقاد.

ونحن نذكر ذلك بإيجاز.

قالت الشيعة، لا يجوز المسح على الخفين، أو الجورب مطلقاً، سواء في حضر أم سفر، لأنّ ذلك خلاف ما نزل به القرآن في بيان الوضوء، وهو قوله تعالى: (وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ) فأوجب تعالى إيقاع الفرض على ما يسمّى رِجلا والخف لا يسمى بذلك، كما أنّ العمامة لاتسمى رأساً.

كما أنّ الأخبار الواردة في ذلك لا تقابل دلالة الآية على وجوب المسح على الرجل، وعمدة ما في الباب هو حديث جرير بن عبدالله:

روى الجماعة أنّ جريراً بال ثم توضأ ومسح على خفيه، فقيل له تفعل هكذا؟ قال: نعم رأيت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بال ثم توضأ، ومسح خفيه،(377) وقد أنكر المسح على الخفين جماعة من الصحابة، وكان علي(عليه السلام) يقول: سبق الكتاب المسح على الخفّين(378)

وروى زرارة عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام) قال، سمعته يقول: جمع عمر بن الخطاب أصحاب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وفيهم علي عليه الصلاة والسلام، فقال:ما تقولون في المسح على الخفين؟ فقام المغيرة بن شعبة وقال: رأيت رسول الله يمسح على الخفين. فقال علي(عليه السلام)قبل المائدة أو بعدها؟ فقال المغيرة: لا أدري. فقال علي(عليه السلام): إنما نزلت المائدة قبل أن يقبض النبيّ بشهرين أو ثلاثة (379).

وقال أبو الورد: قلت لأبي جعفر الباقر(عليه السلام): إنّ أبا ضبيان حدثني أنّه رأى علياً(عليه السلام)أراق الماء ثم مسح على الخفين، فقال(عليه السلام): كذب أبوضبيان... الحديث(380).

وروى إسحاق بن عمار عن الإمام الصادق(عليه السلام): النهي عن المسح على الخفين.(381).

وعن الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن المسح على الخفّين فقال: لا تمسح وقال: إنّ جدي قال: سبق الكتاب(382)

فالشيعة الإمامية يذهبون ـ تبعاً للعترة الطاهرة ـ إلى عدم جواز المسح على الخفّين لما ذكرناه وما سيأتي بعد.

وقد وقع الاختلاف في هذه المسألة على أقوال:

1ـ الجواز مطلقاً سفراً وحضراً.

2ـ الجواز في السفر دون الحضر.

3ـ عدم الجواز بقول مطلق لعدم ثبوته في الدين، وأنّ القرآن على خلافه، وعلى كل حال فإنّ الاختلاف في هذه المسألة وقع في الصدر الأول، فمنهم من يرى عدم مشروعية المسح على الخفّين، وما يُروى في ذلك معارض لآية الوضوء، وهي متأخرة عمّا يُروى في ذلك، ولم تكن منسوخة إذ المائدة لم تنسخ منها آية واحدة.

وكان في طليعة المنكرين لذلك الإمام(عليه السلام) وكفى بذلك ردّاً للمدّعي، إذ هو باب مدينة علم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو أعرف الناس بما يصدر عن الرسول، لملازمته إياه في حضره وسفره، ولما سئلت عائشة عن المسح على الخفّين قالت: سلوا علياً فإنّه كان أكثر سفراً مع رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وقد ثبت عن علي (عليه السلام)أنّه كان ينهى عن المسح على الخفّين.(383)

وكذلك حبر الاُمة عبد اللّه بن عباس، فقد ورد عنه أنّه كان يقول: لئن أمسح على جلد حمار أحبّ إليَّ من أن أمسح على الخفّين.

وكانت عائشة تنكر المسح على الخفّين أشدّ الإنكار وتقول: لئن تقطع قدماي أحبّ إليَّ من أن أمسح على الخفّين، وفي لفظ: لئن أقطع رجلي أحبّ إليَّ من أن أمسح عليهما(384).

وكان ابن عمر يخالف الناس في المسح على الخفين، وإن ادعى أنّه رجع عن ذلك قبل موته فهي دعوى لم تثبت.(385)

وسئل ابن عباس: هل مسح رسول اللّه على الخفّين؟ فقال: واللّه ما مسح رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) على الخفّين بعد نزول المائدة، ولئن أمسح على ظهر عير في الفلاة أحبّ إليَّ من أن أمسح على الخفين، وفي رواية: لئن أمسح على جلد حمار أحبّ إليَّ من أن أمسح على الخفّين.(386)

وقد روي عن مالك بن أنس في العتيبية ما ظاهره المنع من المسح على الخفين. وقال الشيخ أبو بكر في شرح المختصر الكبيرإنّه روي عن مالك: لايمسح المسافر ولا المقيم، وكذلك روي عن ابن وهب في النوادر عن مالك أنّه قال: لا مسح في سفر ولا حضر، ويقال إنّ منعه كان على وجه الكراهية لما لم ير أهل المدينة يمسحون، ثم رأى الآثار فأباح المسح على الإطلاق(387).

وعلى كلّ حال: فإنّ فعل جرير واستنكار الناس عليه عندما مسح على الخفين، يؤيّد أنّ هذا لم يكن معهوداً، ومثله يلزم أن يكون مشهوراً شهرة عظيمة، لا تخفى على الأكثرين.

وإنّ ما ذهبت إليه الشيعة في عدم الجواز مطلقاً هو الموافق لكتاب الله، ومبرئ للذمة، لأنّ المسح على الخفين لايصدق عليه مسحاً على الرجلين لا لغة ولا شرعاً، كما أنّ العمامة لا تسمّى رأساً، والبرقع لا يسمى وجهاً، وما يقال في الاحتجاج بصحة القول: وطأت كذا برجلي. وإن كان لابساً للخفّ فإنّ ذلك مجاز واتساع بلا خلاف. والمجاز لا يحمل عليه الكتاب، إلاّ بدليل ظاهر.

وقد صحّ عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه لم يمسح على خفيه، وربّما وقع اشتباه من الراوي في مسحه(صلى الله عليه وآله وسلم) على رجله، وهو لابس للحذاء، الذي لا يمنع من المسح، وإن كان هذا بعيداً، لأنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) مشرّع ووضوؤه لابد أن يأتي بصورة أكمل وبيان أفضل.

ثمّ إنّ الوضوء لم يكن من الأعمال التي يمكن أن تخفى لكثرة تردده واستعماله حتى يختصّ جرير بن عبد الله بهذا الحكم، ويتفرد بهذا البيان كما تقدم.

وعلى كلّ حال فالشيعة لم تنفرد بالمنع، ولم يستدلوا في هذا الحكم بغير الكتاب وسنة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، وكفى بذلك أمناً من العقاب وبراءة للذمة.

ومهما يكن من أمر فقد وقع الاختلاف بين القائلين بجواز المسح من حيث توقيته وكيفيته ممّا لا حاجة إلى ذكره.

والشيء الذي نودّ التنبيه عليه هو أنّ مسألة المسح على الخفين أصبح لها أثر في المجتمع الإسلامي، ممّا دعا إلى حجر الأفكار عن الخوض في صحتها، حتى ادعي أنّ روايتها متواترة، وأنّها ناسخة لكتاب الله، مع أنّها متقدمة على نزول الآية.

وكان مالك لا يرى جواز المسح على الخفين ولكنه يجيزه لأصحابه، وقد جعل إنكار المسح طعناً على الصحابة، ونسبتهم إلى الخطأ، ولهذا قال الكرخي: أخاف الكفر على من لا يرى المسح على الخفين (388).

وأنّ المسح على الخفين من شرائط السنة، وقال أبو حنيفة: من شرائط السنة والجماعة تفضيل الشيخين، ومحبة الختنين، وأن ترى المسح على الخفين، وأن لا تحرّم نبيذ التمر(389).

وقال ابن العربي: إذا ثبت وجه التأويل في المسح على الخفين، فإنّهما أصل في الشريعة، وعلامة مفرقة بين أهل السنة والبدعة (390).

وذلك أنّ ابن العربي قد أوّل قراءة الخفض في أرجلكم، وهي قوله تعالى: (وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ) بكسر لام أرجلكم، إنّ ذلك لبيان أنّ الرجلين يمسحان حال الاختيار على حائل، وهما الخفان بخلاف سائر الأعضاء، فعطف بالنصب مغسولاً على مغسول ـ أي الوجه والأيدي ـ وعطف بالخفض ممسوحاً على ممسوح ـ أي الرأس والخفين ـ وصحّ المعنى.

وأنت ترى ما في هذا التأويل من البعد عن الحقّ، فالله سبحانه وتعالى يقول: رؤوسكم وأرجلكم وهم يقولون رؤوسكم ونعالكم.

وإنّ هذه القضية قد ارتكب فيها ما لا يتفق مع الحقيقة والواقع، إذ أصبحت بشكل يدعو إلى الاستغراب والتعجب، حتى ذهب بعضهم إلى لزوم الأخذ والالتزام بما يدل على مسح الخفين مهما كان، هو أفضل لأنّ فيه تأييداً للسنة(391) وطعناً في البدعة.

قال ابن المنذر: اختلف العلماء أيهما أفضل المسح على الخفين أم نزعهما، وغسل القدمين؟ والذي أختاره أنّ المسح أفضل، لأجل من طعن فيه من أهل البدع والروافض، وإحياء ما طعن فيه المخالفون من السنن أفضل من تركه(392).

فلا نستغرب إذاً عندما يدّعى إجماع الصحابة على جواز المسح من مخالفة أكثرهم، إن لم نقل كلّهم إلاّ فرداً نادراً.

وليس من الغريب على من يجوز نصر السنة ومحاربة البدعة ـ كما يقولون ـ مع مخالفة الواقع أن ينسب جواز المسح للإمام عليّ(عليه السلام) مع أنّ المقطوع به أنّه لايجوِّز ذلك، وكان ينكر على من يقول به.

ومن العجيب ارتكاب أعظم المخالفات في التفسير، لما ورد عن أبي اُمامة في صفة وضوء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كما أخرجه أبو داود من أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يمسح على المأقين، وهما مؤخر العين، ففسروا المأقين بالخفين (393) حتى تكون فيه دلالة جواز المسح عليهما وأين المأقين(394) من الخفين؟

والتحكم ظاهر إن تسامحنا في القول وإلاّ فهو اختلاق تمّ اللجوء إليه لمعالجة وضوح السياق الذي يناقض مدّعاهم. على أن من قلّدهم من الاُمة لم يتخلص من دلالة الصحة في قول من خالفهم، فيروى أنّ أحد علمائهم سئل عن الرجل يرى المسح على الخفين إلاّ أنّه يحتاط وينزع خفّيه عند الوضوء ولا يمسح عليهما؟ فقال: أحبُ إليّ أن يمسح على خفّيه إما لنفي التهمة عن نفسه أن يكون من الروافض، وإمّا لأنّ قوله تعالى: (وأرجُلَكُمْ) قرئ بالخفض والنصب، فينبغي أن يغسل حال عدم اللبس ويمسح على الخفين حال اللبس ليصير عاملاً بالقراءتين(395).

فانظر كيف تحمل الاُمة على الحرج وتدفع الى المشقة مكابرة وعناداً. وما أولى العلماء برفع الالتباس وبيان الغامض لا خلق الاختلاف والتلبيس وجعل الحرج في الدين والمشقة في أداء الفرائض (َمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج).

مسح الأُذنين

اختلف الفقهاء في مسح الاُذنين هل هو سنة أم فريضة؟ وهل يجدد له الماء أم لا؟

ذهب الإمامية إلى أنّه لا يجوز مسح الاُذنين ولا غسلها في الوضوء، لأنّ الآية لم تتعرض لذلك، ولم يثبت من فعل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه مسح اُذنيه، ولما ورد عن أهل البيت(عليهم السلام) في ذلك:

روى زرارة، قال سألت أبا جعفر الباقر(عليه السلام): أنّ اُناساً يقولون: إنّ بطن الاُذنين من الوجه وظهرهما من الرأس. فقال(عليه السلام): ليس عليهما غسل ولا مسح (396).

وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنّ مسح الاُذنين سُنة إلاّ أنّهما يمسحان مع الرأس بماء واحد(397). وقد نسب ابن رشد (398) إلى أبي حنيفة وأصحابه أنّ مسح الاُذنين فرض والصحيح ما نقلناه.

والحنابلة يوجبون مسح الاُذنين مع الرأس. قال ابن قدامة في صفة الوضوء: ثم يمسح رأسه مع الاُذنين يبدأ بيده من مقدمه، ثم يمرّهما من قفاه، ثم يردهما إلى مقدمه ثم يغسل رجليه... (399)

والمعروف عن مالك أنّ الاُذنين من الرأس، واختلف أصحابه بين الفرض والسنة (400).

قال ابن ماجة بعد أن أورد حديث ابن عباس: ولا يعرف مسح الاُذنين من وجه يثبت إلاّ من هذا الطريق، وقال ابن الصلاح: إنّ الأخبار ضعفها لاينجبر بكثرة الطرق، وقال ابن حزم في المحلّى: وأمّا مسح الاُذنين فليسا هما فرضاً، ولا هما من الرأس، لأنّ الآثار في ذلك كلّها واهية، وقد ذكرنا فسادها في غير هذا المكان.

وقال: فلو كان الاُذنان من الرأس لوجب حلق شعرهما في الحج، وهم لا يقولون هذا، وقد ذكرنا البرهان على صحة الإقتصار على بعض الرأس في الوضوء، فلو كان الاُذنان من الرأس؛ لأجزأ أن يمسحا بدلاً عن مسح الرأس وهذا لا يقوله أحد.

ويقال لهم: إن كانتا من الرأس فما بالكم تأخذون لهما ماء جديداً، وهما بعض الرأس؟ وأين رأيتم عضواً يجدد لبعضه ماء غير الماء الذي مسح به سائره؟ !(401).

وقال الشوكاني: قال من أثبت الوجوب: إنّ أحاديث الاُذنين من الرأس يقوي بعضها بعضها، وقد تضمّنت أنّهما من الرأس، فيكون الأمر بمسح الرأس أمراً بمسحهما، فيثبت وجوبه بالنص القرآني.

واُجيب بعدم انتهاض الأحاديث الواردة لذلك، والمتيقن الاستحباب، فلا يصار إلى الوجوب إلاّ بدليل ناهض، وإلاّ كان من التقوّل على الله بما لم يقل(402).

وقال الشافعي: السنّة أن يأخذ لكلّ واحد منهما ماءً جديداً.

وقال الكاساني: وجه قول الشافعي: أنّهما عضوان منفردان وليسا من الرأس حقيقة وحكماً، أمّا الحقيقة فإنّ الرأس منبت الشعر ولا شعر عليهما، وأما الحكم فلأنّ المسح عليهما لا ينوب عن مسح الرأس، ولو كانا في حكم الرأس لناب المسح عليهما عن مسح الرأس كسائر أجزاء الرأس (403).

وقال القاضي أبو الوليد المالكي: فهل يمسحان فرضاً أم نفلاً؟ ذهب محمد ابن مسلمة وأبو بكر الأبهري إلى أنّهما يمسحان فرضا. وذهب سائر أصحابنا ـ أي المالكة ـ أنّهما يمسحان نفلاً وهو الظاهر من مذهب مالك(404).

المسح على العمامة

لا يجوز المسح على العمامة والقناع وغير هما من الحائل عند الشيعة إجماعاً؛ لأنّ الله تعالى أمر بمسح الرؤوس، والعمامة ليست من الرأس. ولأنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)كان يمسح على ناصيته، وعلى رأسه العمامة. قال أنس بن مالك: رأيت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وعليه عمامة قطرية، فأدخل يده تحت العمامة، فمسح بمقدم رأسه، ولم ينقض العمامة (405).

وسئل جابر بن عبدالله عن المسح على العمامة فقال: لا حتى يمسح الشعر بالماء. أخرجه مالك. (406)

وسئل الإمام الصادق(عليه السلام): عن رجل توضأ وهم معتم وثقل عليه نزع العمامة، فقال: ليدخل إصبعه (407).

وبه قال أبو حنيفة، والشافعي، ومالك. وجوزه الحنابلة بثلاثة شروط:

أحدها كون العمامة على ذكر. الثاني كونها محنكة ـ أي ذات حنك ـ . الثالث أن تستر غير ما جرت العادة بكشفه (408).

وقال ابن قدامة في عمدة الفقه الحنبلي: ويجوز المسح على العمامة إذا كانت ذات ذوابة ساترة لجميع الرأس، إلاّ ما جرت العادة بكشفه(409).

فظهر أنّ الخلاف فيهذه المسألة لم يكن إلاّ من الحنابلة، وأمّا بقيّة المذاهب فمتفقة على ما تقول به الشيعة.

قال الكاساني الحنفي: لا يجوز المسح على العمامة، والقلنسوة، لأنهما يمنعان إصابة الماء الشعر (410).

وقال أبو إسحاق الشيرازي الشافعي: وإن كان على رأسه عمامة ـ أي المتوضئ ـ ولم يرد نزعها مسح بناصيته، والمستحب أن يتمم المسح بالعمامة، لما روى المغيرة: أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) توضأ ومسح بناصيته، وعلى عمامته، فإن اقتصر على مسح العمامة لم يجزه، لأنّها ليست برأس، ولا تلحق المشقة بإيصال الماء إليه(411).

وسئل مالك عن المسح على العمامة والخمار فقال: لا ينبغي أن يمسح الرجل ولا المرأة على عمامة، ولا خمار، وليمسحا على رؤوسهما (412).

وقال الترمذي (413): وقال غير واحد من الصحابة لا يمسح على العمامة، إلاّ أن يمسح على رأسه مع العمامة، وهو قول سفيان الثوري: ومالك بن أنس، وابن المبارك، والشافعي، وإليه أيضاً ذهب أبو حنيفة، واحتجوا بأنّ الله فرض المسح على الرأس، والحديث في العمامة محتمل التأويل، فلا يترك المتيقن للمحتمل، والمسح على العمامة ليس بمسح على الرأس.

وأما ما ورد من الأخبار في جواز ذلك فهي أخبار آحاد معلولة لا تصلح للاستدلال، كحديث المغيرة بن شعبة الذي أخرجه مسلم في صحيحه، فقد نصّ ابن عبد البر على علته(414).

وما روي عن سلمان الفارسي في جواز المسح على الخف وعلى العمامة، فهو غير صحيح لأنّ في إسناده أبا شريح، وهو مجهول لا يعرف، كما قال البخاري، وفيه أيضاً أبو مسلم مولى زيد، وهو مجهول كذلك. (415).

وأمّا حديث ثوبان الذي رواه أحمد وأبو داود من أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أمرهم أن يمسحوا على العصائب، فإنّه معلول، لأن الراوي عن ثوبان راشد بن سعد، وقد قال فيه أحمد: لا ينبغي أن يكون راشد سمع من ثوبان لأنّه مات قديماً.(416)

مسح العنق

وهو المعروف بالتطويق فلم يرد فيه أثر، قال أحمد بن شهاب الرملي المعروف بالشافعي الصغير في شرحه لمنهاج النووي: ولا يسنّ مسح الرقبة، بل قال المصنف إنّه بدعة قال النووي: وأما خبر مسح الرقبة أمان من الغسل فموضوع(417).

وقال بعض الحنفية: إنّه أدب وليس بسنة. وقال قاضي خان: إنّه ليس بأدب ولا سنة(418).

وقال ابن تيمية: لم يصح عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إنّه مسح على عنقه في الوضوء، بل ولا رويَ عنه ذلك في حديث صحيح، بل الإحاديث الصحيحة التي فيها صفة وضوء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن يمسح على عنقه، ولهذا لم يستحب ذلك جمهور العلماء كمالك والشافعي وأحمد، في ظاهر مذهبهم، ومن استحبّه فاعتمد على أثر يروى عن أبي هريرة، أو حديث يضعف نقله، أنّه مسح رأسه حتى بلغ القذال، ومثل ذلك لا يصلح أن يكون عمدة، ولا يعارض ما دلّت عليه الأحاديث، ومن ترك مسح العنق فوضوؤه صحيح باتفاق العلماء (419).

وقال ابن القيم الجوزية: ولم يصح عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) في مسح العنق حديث البتّة. وقال السيد علي زاده من الحنفية: وأما مسح الحلقوم فمكروه. كذا في النقاية، وتحفة الفقهاء، وغنية الفتاوى(420).

الموالاة

وهي التتابع بين الأعضاء في الغسل والمسح بنحو لا يلزم جفاف تمام السابق في الحال المتعارفة، فلا يقدح الجفاف لأجل حرارة الهواء أو البدن الخارجة عن المتعارف وهي واجبة عند الإمامية. (421)

والحنابلة يوافقونهم في ذلك، قال في غاية المنتهى: وهي ـ أي الموالاة ـ أن لا يؤخر غسل عضو حتى يجفّ ما قبله بزمن معتدل (422) ـ أي معتدل الحرارة والبرودة.

وقال فيالعمدة: وترتيب الوضوء على ما ذكرناه أن لا يؤخّر غسل عضو حتى ينشف ما قبله (423).

وللشافعي قولان: ففي القديم أنّ عدم الموالاة مبطل للطهارة، لأنّها عبادة يبطلها الحدث، فأبطلها التفريق كالصلاة. وفي الجديد أنّ التفريق غير مبطل، لأنّها عبادة لا يبطلها التفريق القليل، فلا يبطلها التفريق الكثير كتفرقةالزكاة(424).

وعند الحنفية أنّ الموالاة سنة وليس بفرض (425).

وعند مالك هي فرض لا سنة (426) وذكر الشيخ خليل أنّ فيها خلافاً بين أصحاب مالك.

فظهر مما ذكرناه أنّ الاتفاق حاصل في وجوب الموالاة في الوضوء إلاّ من الحنفية، فإنّهم يذهبون إلى الاستحباب.

الترتيب

وهو البدء بالوجه فاليدين، فالرأس فالرجلين، وقد أجمعت الإمامية على وجوب الترتيب، للآية الكريمة (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ)(427). فبدأ تعالى في إيجاب الطهارة بغسل الوجه، ثم عطف باقي الأعضاء على بعضها بالواو، وكذلك يدلّ عليه فعل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وما جاء عن آل بيته عليهم السلام فيما روي عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام)أنّه قال لزرارة: ابدأ بالوضوء كما قال الله تعالى.

ثم قال(عليه السلام): ابدأ بالوجه، ثم باليدين ثم امسح الرأس والرجلين، ولا تقدمن شيئاً بين يدي شيء تخالف ما أمرت به، فإن غسلت الذراع قبل الوجه فابدأ بالوجه، ثم أعد على الذراع، وإن مسحت بالرجل قبل الرأس فامسح على الرأس قبل الرجل، ثم أعد على الرجل ابدأ بما بدأ الله تعالى به (428).

والحنفية لم يشترطوا الترتيب في الوضوء فهو سنة لا فرض، واستدلوا بما رواه أبو داود في سننه أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) تيمم فبدأ بذراعيه ثم بوجهه، والخلاف فيهما واحد... إلى آخره. وعندهم أنّ من بدأ بغسل رجليه وختم بوجهه فوضوؤه صحيح(429).

أما الشافعية فقد ذهبوا إلى أنّ الترتيب واجب. (430).

وكذلك الحنابلة وأنّه فرض لا سنة (431)، وقد خالف أبو الخطاب وهو أحد أعيان المذهب الحنبلي، فذهب إلى عدم وجوب الترتيب، وأنه خرّج رواية عن أحمد في ذلك. ووافقه ابن عقيل واتفقا على تخريجها من رواية سقوط الترتيب بين المضمضة والاستنشاق، وسائر أعضاء الوضوء(432)، ولكن المشهور عندهم خلافه.

وذهب مالك إلى أنّ الترتيب من الشروط. روى علي بن زياد عن مالك أنّ الترتيب شرط في صحة الطهارة، وذهب بعض أصحاب مالك إلى أنّه ليس بشرط في صحة الطهارة، مستدلّين بأنّ العطف بالواو في الآية الكريمة لأعضاء الوضوء بعضها على بعض، لا يدلّ على الترتيب، وأنّها تقتضي الجمع دون الترتيب(433).

وقد ردّ ابن حزم في المحلّى على المالكية لعدم اشتراطهم الترتيب بقوله: ومن عجب أنّ المالكية أجازوا تنكيس الوضوء الذي لم يأت نص من الله تعالى ولا من رسوله فيه، ثم أتوا ما أجاز الله تنكيسه فمنعوا من ذلك، وهو الرمي والحلق والنحر والطواف والذبح... الخ(434).

وقال الفخر الرازي في ردّه على الحنفية لعدم اشتراطهم النية والترتيب في الوضوء، للمقارنة بين مذهب الشافعي ومذهب أبي حنيفة، وترجيح مذهب الشافعي.

المسألة الثانية: مذهب الشافعي أنّه لايجوز الوضوء إلاّ مع النية والترتيب، وقالوا: ـ أي الحنفية ـ يجوز؛ ودليلنا أنّ وضوء رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كان منوياً مرتباً، فوجب وضوؤنا كذلك.

بيان الأول: أنّه لو كان غير مرتب ولا منوي لوجب علينا كذلك لقوله تعالى: فاتبعوه. وحيث لم يجب ذلك علمنا أنه كان منوياً مرتباً، وإذ ثبت هذا وجب أن يجب علينا لقوله تعالى: فاتبعوه، وأقصى ما في الباب أنّ قوله تعالى: فاتّبعوه عام مخصوص، لكن العام المخصوص حجة في غير محل الخصوص، وإذا ثبت الوجوب ثبت أنّه شرط، لأنّه لا قائل بالفرق. ثم نقول:

سواء صحّ هذا المذهب أو فسد، فإنّ العمل به متروك، فإنّك لا ترى أحداً في الدنيا من العوام فضلا عن العلماء أن يأتي بوضوء خال من النية والترتيب، بل لو رأوا إنساناً يأتي بوضوء منكس لتعجّبوا منه، فكان مذهبه ـ أي أبو حنيفة ـ في هاتين المسألتين متروكاً غير معمول به البتة (435).

وقال أيضاً: إنّ الوضوء شطر الإيمان بفتوى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ومعلوم أنّه إنما يكون كذلك إذا كان مقروناً بالنية، لأنّه على هذا التقدير يكون الوضوء عبادة، فيكون جعل الوضوء شطر الإيمان، وعلى هذا التقدير فإنّ إيمان أصحابنا أكمل وعبادتهم أشرف، وإنّ الوضوء العاري عن النية والترتيب والموالاة ليس إلاّ اعمالاً أربعة، ومع هذه الأعمال سبعة والأكثر أشق، والأشق أكثر ثواباً، وإنّ النية عمل بالقلب، وهو أفضل من عمل الجوارح، لقوله تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)(436) فكان الإخلاص كالروح لجميع الأعمال، فالوضوء مع النية كالجسد مع الروح، والوضوء بدون النية كالجسد الخالي عن الروح، والعين الخالية عن النور...الخ(437).

نواقض الوضوء

النواقض: جمع ناقض وهو مأخوذ من الإزالة، والنقض إزالة الشيء من أصله، والمراد بها هنا الأسباب الموجبة للوضوء.

وقد وقع الاختلاف فيها بين المسلمين، فمنها ما هو مجمع عليه كالنوم وخروج الريح والبول والغائط مع خلاف بينهم في كيفية النوم الناقض.

والنواقض للوضوء عند الشيعة خمسة:

1 ـ 2 ـ البول والغائط، من الموضع المعتاد بالأصل أو بالعارض.

3 ـ الريح الخارج من مخرج الغائط.

4 ـ النوم الغالب على العقل، ويعرف بغلبته على السمع من غير فرق بين أن يكون قائماً أو قاعداً ومثله كلما غلب على العقل، من جنون أو إغماء، أو سكر أو غير ذلك.

5 ـ الاستحاضة كما يأتي بيانها.

النوم

اتفق المسلمون على أنّ النوم ناقض للوضوء في الجملة إلاّ أنّهم اختلفوا في الكيفية الموجبة لنقض الوضوء فيه، وهناك قول شاذّ بعدم ناقضيته مطلقاً.

ومذهب الشيعة أنّ النوم ناقض مطلقاً، من غير فرق بين الاضطجاع وغيره إجماعاً(438).

قال الإمام الصادق(عليه السلام): من نام وهو راكع، أو ساجد، أو ماش أو على أيّ الحالات فعليه الوضوء (439).

وعن زيد الشحام قال: سألت أبا عبدالله الصادق(عليه السلام) عن الخفقة والخفقتين؟ فقال(عليه السلام): ما أدري ما الخفقة والخفقتين، إنّ الله تعالى يقول: (بل الإنسان على نفسه بصيرة)فإنّ علياً كان يقول من وجد طعم النوم قائماً، أو قاعداً فقد وجب عليه الوضوء(440).

وقد اختلف العلماء في مسألة ناقضية النوم على مذاهب ثمانية ذكرها النوويفي شرح صحيح مسلم:

1 ـ إنّ النوم لا ينقض الوضوء على أيّ حال كان، وهذا محكي عن أبي موسى الأشعري، وسعيد بن المسيب، وأبي مجلز، وحميد الأعرج، وشعبة.

2 ـ إنّ النوم ينقض الوضوء بكلّ حال، وهو مذهب الحسنالبصري والمزني والقاسم بن سلام، وإسحاق بن راهويه، وهو قول غريب للشافعي، قال ابن المنذر وبه أقول، وروى معناه عن ابن عباس وأبي هريرة.

3 ـ إنّ كثير النوم ينقض بكلّ حال وقليله لا ينقض بحال، وهذا مذهب الزهري، وربيعة، والأوزاعي، ومالك، وأحمد في إحدى الروايتين.

4 ـ إنّه إذا نام على هيئة من هيئات المصلين، كالراكع، والساجد، والقائم، والقاعد، لا ينقض وضوؤه، سواء كان في الصلاة أو لم يكن، وإن نام مضطجعاً، أو مستلقياً على قفاه انتقض، وهذا مذهب أبي حنيفة، وداود، وهو قول للشافعي غريب.

5 ـ إنّه لا ينقض إلاّ نوم الراكع والساجد، وروي هذا عن أحمد بن حنبل.

6 ـ إنّه لا ينقض إلاّ نوم الساجد، وروي أيضاً عن أحمد.

7 ـ إنّه لا ينقض النوم في الصلاة بكلّ حال، وينقض خارج الصلاة، وهو قول ضعيف للشافعي.

8 ـ إذا نام جالساً ممكناً مقعدته من الأرض لم ينتقض وإلاّ انتقض، سواء قلّ أو كثر، وسواء كان في الصلاة أو خارجها، وهذا مذهب الشافعي، وعنده أنّ النوم ليس حدثاً في نفسه، وإنّما هو دليل على خروج الريح، فإذا نام غير ممكن المقعدة غلب على الظن خروج الريح فجعل الشرع هذا الغالب كالمحقق، وأما إذا كان ممكناً فلا يغلب على الظن الخروج والأصل بقاء الطهارة(441).

وقال النووي: واتفقوا على أنّ زوال العقل بالجنون والإغماء والسكر بالخمر أو بالبنج، أو الدواء ينقض الوضوء، سواء قل أو كثر، سواء كان ممكناً المقعدة أو غير ممكنها(442).

هذا ما ذكره النووي عن مذاهب العلماء في ناقضية الوضوء أوردناه بطوله، لننبه على أمرين:الأوّل: اختلاف أقوال العلماء وموافقة أكثرهم لما تقول به الشيعة، وأنّ في هذه المسألة للشافعي أربعة أقوال ولأحمد قولين.الثاني: إنّ بعضهم نسب إلى الشيعة القول بعدم ناقضية الوضوء مطلقاً، وهو على العكس، فإنّ الشيعة أجمعوا على ناقضية الوضوء كما تقدم.

ومنشأ هذا هو الاشتباه الحاصل ممّا ذكره النووي في بيان المذهب الأول، وهو قوله: إنّ النوم لا ينقض الوضوء على أيّ حال كان، وهذا محكي عن أبي موسى الأشعري، وسعيد الأعرج وأبي مجلز وشعبة.

فاشتبه الأمر على الشوكاني، وجعل اسم شعبة شيعة، فذكر ذلك في كتابه نيل الأوطار، وإليك نصّ قوله في بحث ناقضية النوم للوضوء: وقد اختلف الناس في ذلك على ثمانية مذاهب ذكرها النووي في شرح مسلم ـ الأول: أنّ النوم لا ينقض الوضوء على أيّ حال كان، وهو محكي عن أبي موسى الأشعري، وسعيد بن المسيب، وأبي مجلز والشيعة يعني الإمامية، وزاد في البحر عمر بن دينار واستدلوا بحديث أنس (443).

فصاحب نيل الأوطار قد اشتبه عليه الأمر بين كلمة الشيعة وكلمة شعبة بن الحجاج العتكي المتوفى سنة (160 هـ) وهو أحد الأعلام المشهورين، فظنّ أنّ هذا القول هو للشيعة، وأضاف منه بأنّهم الإمامية.

كما اشتبه الأمر على صاحب كتاب البحر الزّخار: يحيى بن أحمد الزيدي المتوفى سنة (957 هـ) فإنّه بعد أن ذكر نسبة القول بعدم ناقضية النوم للوضوء إلى أبي موسى، وحميد الأعرج ـ كما ذكره النووي ـ قال: والإمامية(444) ولم يذكر اسم شعبة بل ذكر مكانه الشيعة الإمامية اشتباهاً منه.

وعلى كلّ حال: فإنّ العلماء قد اختلفوا في ناقضية النوم على أقوال كثيرة، فمنهم من يرى ناقضيته بمجرد حصوله، إذ هو حدث برأسه، كما هو أحد قولي الشافعي، وإذا نام على الأرض فله فيه قولان.

والذي يظهر من الشافعية أنّ النوم لم يكن حدثاً برأسه، بل هو مظنة لخروج الريح من غير شعور به، فإذا نام ممكناً مقعده من الأرض فلا ينتقض وضوؤه(445). ولهذا ذهب الحنفية بأنّ من نام مضطجعاً انتقض وضوؤه، لأنّ الاضطجاع سبب لارتخاء المفاصل(446) ، ومنه ذهبوا إلى ناقضية ما يزيل العقل بأنّه ناقض في جميع الحالات، لأنّه في استرخاء المفاصل فوق النوم(447).

وذهب أبو يوسف إلى أنّ الإنسان إذا نام ساجداً غير متعمد فوضوؤه باق، وإن تعمّد ذلك فوضوؤه غير باق.

وعن أحمد بن حنبل روايات المختار منها: أنّه إذا طال نوم القائم، أو القاعد، والراكع والساجد فعليه الوضوء.

قال الخطابي هذا أصحّ الروايات(448)، وقال الدمشقي في الزوائد: إذا تغيّر النائم عن هيئته انتقض وضوؤه.(449) وفي غاية المنتهى: أنّ النوم اليسير من جالس لا ينقض، وينقض اليسير منه وضوء الراكع، والساجد، أو المضطجع، أو المتكئ(450).

أما الخارج من السبيلين: فقد أجمع الفقهاء على ناقضيته، إلاّ المني فإنه عند الشافعي غير ناقض، وإن أوجب الغسل.

أما الودي والوذي(451) فهما غير ناقضين عند الشيعة، ووافقهم مالك في غير المعتاد.

واختلف العلماء في انتقاض الوضوء ممّا يخرج من النجس من غير السبيلين على ثلاثة مذاهب: فاعتبر قوم في ذلك وحده من أي موضع، وعلى أيّ جهة خرج، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، فإنّهم يوجبون الوضوء من كلّ نجاسة تسيل من الجسد، وتخرج منه، كالدم، والرعاف الكثير والفصد، والحجامة، وخالفهم زفر بن الهذيل، فإنّه ذهب إلى نقض الوضوء بهذه الأشياء سواء سالت أو لم تسل، وكذلك القيء ناقض بمجرد حصوله، وعند أصحابه الثلاثة لا يكون ناقضاً إلاّ إذا ملأ الفم(452).

وذهب الشافعي وأصحابه إلى عدم اعتبار ما يخرج من غير السبيلين من النجاسة، وغيرها. وكلّ شيء يخرج منهما من دم، أو حصاة، أو بلغم، وعلى أيّ وجه خرج على سبيل الصحة أو على سبيل المرض فهو ناقض (453).

وذهب مالك وأصحابه إلى عدم ناقضية الوضوء بالقيء وغيره، ولا ينقضه خروج نجاسة من غير السبيلين، وقالوا باستحباب المضمضة من القيء(454).

واعتبر الحنابلة خروج النجاسة من غير السبيلين كما ذهب إليه الحنفية ولم يعتبروا القيء ناقضاً(455).

وذهب أبو حنيفة إلى ناقضية الوضوء بالقهقهة في الصلاة استحباباً والأثر الوارد في ذلك صحيح، كما ذكر في محله، وقد انفرد بهذا كما انفرد من بين المذاهب بجواز الوضوء بنبيذ التمر، وخالفه أبو يوسف وقال: لا يجوز التوضؤ به، وذكر في الجامع الصغير: أنّ المسافر إذا لم يجد الماء ووجد نبيذ التمر توضأبه(456).

كما أجاز أبو يوسف أن يتوضأ الإنسان بماء العنب الذي يخرج من دون علاج، وكذلك يجوز عندهم الوضوء بماء خالطه شيء طاهر فغيّر أحد أوصافه، كاللبن، أو الزعفران، أو الصابون، أو الأشنان(457).

وعلى هذا فلا ينتقل حكم من لم يجد ماء إلى التيمم مع وجود ماء العنب أو نبيذ التمر، أو الماء مع اللبن والزعفران والصابون والأشنان، فإنّه يجوز التوضؤ بهذه الأشياء، ويأتي حكم التيمم بعد ذلك، وهو خلاف ما أمر الله به لقوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا)(458) فإنّه تعالى نقل الحكم من الماء المطلق إلى التراب، ولا يجوز أن ينقل الحكم من النبيذ أو ماء العنب أو غيرها إلى التراب. وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله.

 الشـك

من تيقن الطهارة وشك في الحدث بني على طهارته، ولا يجب عليه الوضوء، ومن تيقّن الحدث وشك في الطهارة تطهر عملاً باليقين، وإلغاء الشك بدون خلاف بين الشيعة.

قال الإمام الصادق(عليه السلام) لبكير: إذا استيقنت أنّك توضأت، فإياك أن تحدث وضوءاً أبداً، حتى تستيقن، أنك قد أحدثت(459).

وقال عبد الرحمن بن الحجاج سألت أبا عبدالله الصادق(عليه السلام): أجد الريح في بطني حتى أظنّ أنّها قد خرجت.

فقال(عليه السلام): ليس عليك وضوء، حتى تسمع الصوت أو تجد الريح(460).

وعن زرارة عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام): لا ينقض اليقين أبداً بالشكّ، ولكن ينقضه بيقينآخر(461).

ويظهر أنّه لا خلاف بين المسلمين: أنّ من تيقن الطهارة وشك في الحدث حكم ببقائه على الطهارة، ولا فرق بين حصول هذا الشك في نفس الصلاة، وحصوله خارج الصلاة.

وعن مالك روايتان: إحداهما أنّه يلزمه الوضوء إن كان شكّه خارج الصلاة، ولا يلزمه إن كان في الصلاة، والثانية يلزمه بكلّ حال، والذي يظهر من عبارة الشيخ عبد الباري المالكي: أنّ الشك في الطهارة ناقض للوضوء عند المالكية(462).

وقد فصّل القاضي أبو الوليد المالكي الأقوال في هذه المسألة واختلاف الروايات عن مالك، ومنها ما هو موافق لمذهب الشيعة (463).

أمّا الشافعية فالظاهر إجماعهم على ذلك كما ذكر النووي بقوله: إنّ من تيقن الطهارة وشك في الحدث حكم ببقائه على الطهارة، ولا فرق بين حصول هذا الشك في نفس الصلاة، وحصوله خارج الصلاة، هذا مذهبنا، ومذهب جماهير العلماء من السلف(464).

وقال أبو إسحاق الشيرازي: ومن تيقن الطهارة وشكّ في الحدث بنى على يقين الطهارة، لأنّ الطهارة يقين فلا يزول ذلك بالشك، وإن تيقن الحدث وشك في الطهارة بنى على يقين الحدث...الخ(465)، من حيث أثرها في النقض وعدمه.

السنن أو المستحبّات

ونرى من اللازم ذكر السنن أو المستحبات للوضوء، عند المذاهب الخمسة، إتماماً للفائدة وبياناً لبعض الاختلافات في ذلك.

الشيعة

يستحب عندهم للوضوء أشياء منها:

1 ـ السواك وهو دلك الأسنان بعود، وأفضله الغصن الأخضر، وأكمله الأراك، وهو سنة مطلقاً، ولكنه يتأكد في الوضوء.

2 ـ وضع الإناء الذي يغترف منه على اليمين.

3 ـ التسمية وصورتها: بسم الله وبالله. ويستحب إتّباعها بقوله: اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين.

4 ـ غسل اليدين من الزندين قبل ادخالهما الإناء الذي يغترف منه لحدث البول مرة، وللغائط مرتين.

5 ـ المضمضة والاستنشاق وتثليثهما، وتقديم المضمضة.

6 ـ تثنية الغسلات.

7 ـ بدأة الرجل بظاهر ذراعيه، والمرأة تبدأ بالباطن(466).

الحنفية

سنن الوضوء أو مستحباته عندهم أشياء منها:

1 ـ غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء ثلاثاً إلى الرسغ(467).

2 ـ السواك، وعند فقده يستاك بالإصبع.

3 ـ المضمضة والاستنشاق.

4 ـ النية إذ هي ليست بواجبة عندهم، وكذلك الترتيب والموالاة كما تقدّم.

5 ـ تكرار الغسل إلى الثلاث.

6 ـ استيعاب المسح للرأس.

7 ـ التسمية (468).

المالكية

1 ـ التسمية.

2 ـ غسل اليدين ثلاثاً.

3 ـ المضمضة والاستنشاق.

4 ـ تثليث الغسلات وتكره الرابعة.

5 ـ السواك ولو بإصبع.

6 ـ الابتداء بالميامن.

7 ـ مسح وجهي كل اُذن، وتجديد مائهما (469).

الشافعية

1 ـ السواك عرضاً بكلّ خشن لا أصبعه.

2 ـ التسمية في أوله فإنّ ترك ففي أثنائه.

3 ـ غسل كفيه فإن لم يتيقن طهرهما كره غمسهما في الإناء.

4 ـ المضمضة والاستنشاق.

5 ـ تثليث الغسل. والمسح المفروض، والمندوب.

6 ـ مسح كلّ رأسه، ثم اُذنيه ظاهرهما وباطنهما. بماء جديد، ولا يسن مسح الرقبة فإنّه بدعة.

7 ـ تخليل اللحية الكثة من كلّ الشعر ويكتفي بغسل ظاهره، وتخليل أصابعه.

8 ـ غسل الزائد على الواجب من جميع جوانبه، وكذلك اليدين والرجلين.

9 ـ الموالاة وهي التتابع، وفي قول الشافعي القديم: إنّها واجبة.

10 ـ ترك الاستعانة بصبّ الماء عليه من غير عذر.

11 ـ الدعاء بعد الوضوء(470).

الحنابلة

1 ـ استقبال القبلة.

2 ـ السواك.

3 ـ غسل اليدين لحدث النوم، والمبالغة في المضمضة والاستنشاق.

فـرع

من كان على بعض أعضاء وضوءه جبيرة، فإن تمكّن من غسل ما تحتها بنزعها أو بغمسها بالماء وجب، وإن لم يتمكن لخوف الضرر، أو لعدم إمكان إزالة النجاسة، أو لعدم إمكان ايصال الماء تحت الجبيرة اجتزأ بالمسح عليها وصلى، ولا إعادة لقوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج)(471).

وفي الصحيح عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه سئل عن الرجل تكون به القرحة في ذراعه، أو نحو ذلك من مواضع الوضوء فيعصبها بالخرقة ويتوضأ ويمسح عليها إذا توضأ؟

فقال(عليه السلام): إن كان يؤذيه الماء فليمسح على الخرقة، وان كان لا يؤذيه الماء فلينزع الخرقة ثم ليغسلها(472).

وعن الإمام الصادق(عليه السلام) أيضاً أنّه قال له عبد الأعلى مولى آل سام: عثرت فانقطع ظفري فجعلت على إصبعي مرارة فكيف أصنع بالوضوء؟

فقال(عليه السلام): يعرف هذا وأشباهه من كتاب الله. قال الله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى الدِّينِ مِنْ حَرَج) إمسح عليه.(473)

وليس عليه إعادة الصلاة، إذ لا دليل عليه، والأصل براءة الذمة...

وقالت الحنفية: ويجوز المسح على الجبائر وإن شدّها على غير وضوء، فإن سقطت عن غير برء لم يبطل المسح، وإن سقطت عن برء بطل المسح؛ لزوال العذر.(474)

وقال السرخسي: وإن كانت الجبائر في موضع الوضوء مسح عليها، والأصل فيه ما روي أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) شج وجهه يوم أحد فداواه بعظم بال، وعصب عليه، فكان يمسح على العصابة، ولما كسرت إحدى زندي علي رضي الله تعالى عنه يوم حنين حتى سقط اللواء من يده، قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): اجعلوها في يساره، فإنّه صاحب لوائي في الدنيا والآخرة.

فقال (علي): ماذا أصنع بجبائري؟قال: إمسح عليها (475).

وأجاز ذلك الحنابلة، قال ابن قدامة: يجوز المسح على الجبيرة إذا لم يتعد بشدّها موضع الحاجة إلى أن يحلّها(476).

والشافعية يرون لزوم التيمم مع المسح، قال ابن القاسم في شرحه لغاية الاختصار: وصاحب الجبائر جمع جبيرة بفتح الجيم، وهي أخشاب أو قصب تسوّى وتشدّ على موضع الكسر ليلتحم يمسح عليها بالماء إن لم يمكنه نزعها لخوف ضرر مما سبق ويتيمم صاحب الجبائر في وجهه ويديه(477).

الغسل والتيمّم

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَتَقْرَبُواْ الصَّلاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَاتَقُولُونَ وَلاَجُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيل حَتَّى تَغْتَسِلُواْ وَإِنْ كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَر أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَاءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا)(478).

اتفّق المسلمون على أنّ الغسل منه واجب، ومنه مستحب، ولا خلاف بينهم في وجوب غسل الجنابة، والحيض، والنفاس، والأموات.

واختلفوا فيما عدا هذه الأربعة، فأوجب الشيعة غسل مس الأموات وغسل الاستحاضة كما يأتي بيان ذلك.

وأوجب الحنابلة والمالكية غسل الكافر، وذهب الشافعية إلى استحباب ذلك، والحنفية يوجبون الغسل للكافر إن أسلم جنباً أو أسلمت الكافرة حائضاً، وقيل يجب غسل النفاس عليها أيضاً.

والكلام هنا يقع في غسل الجنابة، وموجباته، وشرائطه، ومستحباته.

الجنابة

لا خلاف في وجوب الغسل لحدث الجنابة لقوله تعالى: (وَإِنْ كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ)(479) وقوله تعالى:(إِلاَّ عَابِرِي سَبِيل حَتَّى تَغْتَسِلُواْ).

والغسل اسم لإجراء الماء على المحل، وهو بفتح الغين مصدر غسل، واسم مصدر لاغتسل، وبضمها مشترك بينها وبين الماء الذي يغتسل به، وبكسر الغين اسم لما يغسل به الرأس من سدر و نحوه.

والجنابة دالة على البعد ومنه قوله تعالى:(وَالْجَارِ الْجُنُبِ)(480) أي البعيد في نسبه وإن كان قريباً في داره.

وعن الشافعي أنّه قال: إنّما سمي جنباً من المخالطة. ومن كلام العرب: أجنب الرجل إذا خالط امرأته(481).

وكيف كان فإن موجبها عند الشيعة أمران: الأول خروج المني. والثاني: الجماع ولو لم ينزل، فإذا تحقق ذلك وجب الغسل للفاعل والمفعول.

لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): إذا التقى الختانان وجب الغسل(482).

واجباته

1ـ النية، ولا بد من استدامتها إلى آخر الغسل.

2ـ غسل ظاهر البشرة على وجه يتحقق به مسمّى الغسل، ولا بد من تخليل ما يمنع وصول الماء إليها.

3 ـ أن يبدأ أولاً بغسل الرأس والرقبة، ثم يغسل الجانب الأيمن، ثم الجانب الأيسر، ويسقط الترتيب بالارتماس.

ويشترط فيه إطلاق الماء وطهارته وإباحته، وإباحة الآنية والمصب، وأن يباشر الغسل بنفسه إلاّ في حالة الاضطرار، وأن لا يكون هناك مانع من استعمال الماء لمرض ونحوه، وأن يكون العضو طاهراً.

ويستحب فيه غسل اليدين من الزندين، وقيل من المرفقين ثلاثاً، والمضمضة ثم الاستنشاق ثلاثاً ثلاثاً، والاستبراء بالبول قبل الغسل، وفائدته أنّ البلل المشتبه لا يحكم بأنه مني، لعدم بقاء شيء منه في المجرى بعد الاستبراء.

هذا موجز ما عليه مذهب الشيعة في موجبات غسل الجنابة، وواجباته بدون إطاله وتفصيل، وذلك مذكور في كتبهم الفقهية المتكفّلة لبسط الكلام وذكر الأقوال والآراء من حيث الأدلة والتفريع، وجميع ما يتعلق به من الكلياتوالجزئيات(483).

وكيف كان فإنّ أكثر المذاهب تتفق مع الشيعة في كثير من الاُمور المذكورة، وتختلف عنها في بعضها، كما تختلف بعضها عن بعض في ذلك.

وقد اتفق الجميع على إيجاب الغسل بمجرد الإدخال، وعقد الإجماع على ذلك، ولم يشترطوا إنزال المني.

واتفقوا على أنّ خروج المني بشهوة يوجب الغسل، ولكنهم اختلفوا في انفصال المني عن شهوة، وخروجه لا عن شهوة، فأبو حنيفة يوجب الغسل، ووافقه صاحبه محمد بن الحسن، وخالفه أبو يوسف في ذلك إذ لم يوجب الغسلفيه(484).

والحنابلة يختلفون لاختلاف الروايات عن أحمد في إيجاب الغسل وعدمه، وكذلك المالكية، لاختلاف الروايات عن مالك (485).

أما إذا انفصل المني لا عن شهوة، فالشافعية يوافقون الشيعة في إيجاب الغسل، وخالفهم الحنفية، والمالكية في ذلك، لأنّهم يشترطون اقتران الشهوة في إيجاب الغسل.

وذهب الحنفية إلى عدم إيجاب الغسل بإدخال الذكر في الفرج ملفوفاً بخرقة، كما ذكره ابن عابدين في حاشيته وغيره؛ كما لا يوجبون الغسل بمجرد الإدخال في الميتة والبهيمة، وربما وافقهم الحنابلة في مسألة الخرقة، كما هو ظاهر عبارة الروض الندي(486).

ومن الشافعية من يذهب إلى ذلك، فلا يوجب الغسل ولا الحدّ على من لفّ ذكره بحريرة وأولجه في فرج ولم ينزل(487)، وسيأتي الكلام حول هذا المسألة في باب النكاح إن شاء الله.

 

الغسل

اتفق الجميع على وجوب النية في الغسل إلاّ الحنفية (488)، فلم يوجبوا النيّة كما تقدّم في الوضوء، وقال بعضهم: لو احتاج إلى نيّة لاحتاجت النية إلى نية وهكذا.

وهذا القول مردود بالتزامهم وجوب النية للتيمم. وللصلاة، فما هو الفارق؟

وجميع المذاهب يوافقون الشيعة في وجوب النية لغسل الجنابة، وأنّها شرط في صحة الغسل كما هو مفصل في محله.

أما الترتيب: فقد أوجبه الشيعة وهو الابتداء بغسل الرأس، ثم الجانب الأيمن، ثم الجانب الأيسر، لأنّه الثابت من فعل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، كما تدل عليه الأخبار الصحيحة، وقد خالف الحنفية فذهبوا إلى عدم الوجوب، مع أن الثابت عندهم أن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)كان يفعل ذلك(489) وقد جعلوه من السنن لا من الفروض.

واختلفت أقوالهم في الابتداء، وأنّه بالجانب الأيمن مرة، وبالرأس مرة أخرى، وهو الأصح عندهم(490).

وقسّم الحنابلة الغسل إلى قسمين: كامل ومجزي: فالكامل: هو ما يحصل به الترتيب كما ذهب إليه الشيعة، والمجزي: هو أن ينوي، وسمّي، ويعم بالماء بدنه(491) وقالوا إنّ الغسل الكامل: هو أن يأتي بالنية والتسمية، وغسل يديه ثلاثاً، وغسل ما به من أذى ويحثي على رأسه ثلاثاً، ويفيض الماء على سائر جسده، ويبدأ بشقه الأيمن... وهذا هو الغسل الأكمل والأفضل.

أما إذا غسل مرة، وعم بالماء رأسه وجسده، ولم يتوضأ أجزأه بعدأن يتمضمض ويستنشق وينوي به الغسل، وكان تاركاً للاختيار(492).

وقال المالكية: باستحباب الترتيب، للأخبار الواردة عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في غسله بتقديم الرأس وبدئه بالميامن، ومع ثبوت ذلك فالترتيب عندهم غير واجب(493).

وقال الشافعية: باستحباب الترتيب، وتقديم الشق الأيمن على الأيسر(494)، وأنّ ذلك هو الغسل الكامل كما قال النووي في شرح صحيح مسلم(495).

أما وجوب الدلك فلم يقل به إلاّ مالك بن أنس والمزني من أصحاب الشافعي، وذهب الجميع إلى استحبابه، وكذلك الوضوء في غسل الجنابة، فلم يوجبه أحد من أئمة المذاهب إلاّ داود الظاهري، فإنه أوجبه، ومن سواه يقولون هو سُنة، فلو أفاض الماء على جميع بدنه من غير وضوء صح غسله.

واستباح به الصلاة، وغيرها، ولكن الأفضل عندهم أن يتوضّأ، وتحصل الفضيلة بالوضوء قبل الغسل أو بعده(496).

وعلى هذا فإن غسل الجنابة لا يحتاج معه إلى وضوء للصلاة، وهو مذهب الشيعة.

هذا في الغسل الترتيبي، وأما الارتماس فالظاهر أنّه لا خلاف بين الجميع بالاكتفاء به إذا استوعب جميع البدن ونوى الغسل.

الأحكام

يحرم عند الشيعة على الجنب اُمور:

1 ـ الصلاة مطلقاً عدا صلاة الجنائز لقوله تعالى: (وَإِنْ كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ)

وذلك بعد قوله تعالى:(يَـا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ)(497).

وعلى هذا إجماع المسلمين.

2 ـ اللبث في المساجد بل مطلق الدخول فيها، إلاّ اجتيازاً بحيث يدخل من باب، ويخرج من آخر، أو لأخذ شيء منها بدون مكث، إلاّ المسجدين الشريفين في مكة والمدينة، فإنّه لا يجوز الاجتياز بهما ولا المكث.

وذهب الحنفية إلى عدم الدخول إلى المساجد، ولكنه إذا احتاج إلى ذلك يتيمّم سواء كان لقصد المكث أو للاجتياز(498).

وقال الشافعي يجوز له الدخول بدون تيمّم إذا كان مجتازاً. لقوله تعالى: (وَلاَجُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيل حَتَّى تَغْتَسِلُواْ)(499) والمراد من الصلاة في الآية مكانها، وهو المسجد كما روي عن ابن مسعود(500).

وأجاز أحمد بن حنبل المكث للجنب في المسجد بشرط أن يتوضّأ، ولو كان الغسل يمكنه بدون مشقة(501) وإذا احتاج إلى اللبث جاز عندهم بدون تيمم(502).

وذهب مالك إلى عدم جواز المرور في المسجد، ولكنه إذا اضطر إليه وجب التيمم(503).

3 ـ يحرم مسّ كتابة القرآن، أو شيء عليه اسم الله تعالى، تعظيماً له وإجلالا حتى الدراهم التي عليها اسمه تعالى، قال الإمام الصادق(عليه السلام): لا يمس الجنب درهماً ولا ديناراً عليه اسم الله(504).

4 ـ يحرم قراءة سور العزائم. وهي: الم السجدة، وحم السجدة، والنجم، والعلق حتى البسملة منها، وقيل إنّما يحرم قراءة آية السجدة فقط.

ويكره قراءة غيرها من القرآن.

والقول بالكراهة مروي عن جماعة من الصحابة والتابعين للأصل، ولقوله تعالى: (فَاقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ)(505). وكان ابن عباس لم ير في القراءة للجنب بأساً.

وفي الباب أخبار تدلّ على الحرمة مطلقاً، ولكنّها أخبار لم تسلم من خدشة وطعن في السند، كحديث ابن عمر عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئاً من القرآن(506).

وقد تكلّم العلماء في هذا الحديث لأنّ في رواته من ليس بثقة، وفيه إسماعيل بن عياش، ورواياته عن الحجازيين ضعيفة.

وقال أبو حاتم: إن هذا ليس بحديث ولكنه من كلام ابن عمر.

وقال أحمد بن حنبل: هذا حديث باطل أنكره على إسماعيل بن عياش، وأمّا ما يروى عن علي(عليه السلام) أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كان لا يحجزه عن القرآن شيء ليس الجنابة(507)، فقد قال الشافعي: أهل الحديث لا يثبتونه.

وقال الخطابي: كان أحمد يوهن هذا الحديث. وقال الشوكاني: إنّ هذا الحديث ليس فيه ما يدل على التحريم، لأنّ غايته أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ترك القراءة حال الجنابة، ومثله لا يصلح مستمسكاً للكراهة فكيف يستدل به على التحريم؟(508).

وكيف كان فإنّ الشيعة يذهبون إلى كراهة قراءة ما زاد على سبع آيات، ويحرمون قراءة سور العزائم،(509) وغيرهم من المذاهب لم يفرقوا بين العزائم وغيرها.

وذهب الحنفية إلى منع الجنب من القراءة، وأجاز أبو يوسف كتابة القرآن للجنب، وذهب محمد بن الحسن الشيباني إلى الكراهة، لأنّ الكتابة تجري مجرى القراءة. وزاد بعضهم تحريم مس التوراة، والإنجيل، وسائر الكتب الشرعية (510).

ومنع الشافعي القراءة مطلقاً، إذا كان بقصد التلاوة، أما إذا قصد الذكر لا التلاوة فيجوز له ذلك، ويظهر من الحنابلة موافقتهم له.

أما مالك فقد منع ذلك إلاّ المتيمم، فيجوز له أن يقرأ حزبه من القرآن، ويتنفل ما لم يجد ماء (511).

5 ـ يحرم على الجنب تعمد البقاء على الجنابة لمن وجب عليه الصوم، كما يأتي تفصيل ذلك في محله، وكذلك الطواف الواجب إن شاء الله.

وأما ما يكره للجنب فهي أشياء منها الأكل والشرب والنوم، ما لم يتوضأ، وتفصيل ذلك في الرسائل العملية لعلماء الشيعة وغيرها من كتبهم الاستدلالية ليس هذا محل ذكرها (512).

وأمّا السنن عند المذاهب الاُخرى لغسل الجنابة فهي كثيرة لا مجال لذكرها، إذ الخلاف في ذلك غير مهم والله الموفق للصواب.

غسل الحيض

وهو واجب عند الجميع وكيفيته كغسل الجنابة، وهو في اللغة السيل، تقول العرب: حاضت الشجرة إذا سالت رطوبتها، وحاض الوادي إذا سال، وفي الشرع هو الدم الذي له تعلق بانقضاء العدة، إما بظهوره أو انقطاعه، وقيل: إنّه اسم لدم مخصوص من موضع مخصوص. كما عرفه السرخسي. وله تعاريف اُخرى لا حاجة لبيانها.

والكلام هنا يقع بما وقع الخلاف فيه، وهو تحديد مدّته وزمانه والأحكام المتعلقة به على وجه الإجمال.

مدّته

اختلف العلماء في مدة الحيض، فقال الإمامية: بأن أقل مدة الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة. وما نقص عن الثلاثة أو زاد عن العشرة فليس بحيض إجماعاً،(513) ووافقهم الحنفية في ذلك.

وكان أبو حنيفة يقول: إنّ أقل الحيض يوم وليلة، وأكثره خمسة عشريوماً ثم رجع(514) إلى ما قلناه من موافقة ما يقوله الشيعة، بأنّ أقلّه ثلاثة أيام، وأكثره عشرة.

وقال الشافعي: إنّ أقله يوم وليلة وأكثره خمسة عشر يوماً، وقيل: يوماً واحداً وقال أصحابه: هما قولان له ومنهم من قال: هو قول واحد لدخول الليلة في اليوم(515).

وقال مالك: إنّه بقدر ما يوجد ولو ساعة، لأنّه حدث لا يتقدر أقلّه بسائر الأحداث(516) ويروى عنه أنه قال: لا وقت لقليل الحيض ولا لكثيره.

وحكى عبد الرحمن بن المهدي عنه بأنّه كان يرى أنّ أكثر الحيض خمسة عشر يوماً (517).

وقال أحمد بن حنبل: انّ أقلّ الحيض يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يوماً، وقال الخلال: إنّ مذهب أحمد لا اختلاف فيه، أن أقل الحيض يوم وأكثره خمسة عشر يوماً(518).

وقيل عنه: إن أكثره سبعة عشر يوماً(519) وبهذا القول يخالف ما ذهب إليهالشافعي.

أيام الطهر

قال الشيعة بأن أقل الطهر عشرة أيام، فإذا رأت دم الحيض وانقطع مدة عشرة أيام، فالثاني حيض مستقل، وليس لأكثره حد (520).

وقال أبو حنيفة: أقل الطهر خمسة عشر يوماً. وبه قال الشافعي(521).

وقال مالك بن أنس: بعدم التوقيت. وفي روايه عبدالملك بن حبيب عنه أنّ الطهر لا يكون أقل من خمسة عشر يوماً(522).

وعند الحنابلة: أنّ أقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوماً، لأنّ كلام أحمد لا يختلف أنّ العدة تصحّ أن تنقضي في شهر واحد إذا قامت به البينة(523)، وقال إسحاق بن راهويه: وتوقيت هؤلاء بالخمسة عشر باطل(524).

سن الحائض

وهو الزمان الذي يحكم على الدم الخارج من المرأة بصفات الحيض أنّه حيض، فقد اتفق المسلمون على أنّ ما تراه الاُنثى قبل بلوغها تسع سنين لا يكون حيضاً، وكذا ما تراه بعد اليأس.

ومن الحنفية من قدر سن الحائض بسبع سنين، مستدلاً بقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): مروهم بالصلاة إذا بلغوا سبعاً، والأمر حقيقة للوجوب، وذلك بعد البلوغ.

وسئل أبو نصر عن ابنة ست سنين: إذا رأت الدم هل يكون حيضاً؟

فقال: نعم إذا تمادى بها مدة الحيض(525).

أما سن اليأس: فقد وقع الخلاف فيه بين المسلمين:

فذهب الشيعة: إلى أنّ الحد الذي يتحقق فيه اليأس هو بلوغ سن المرأة خمسين سنة، إن لم تكن قرشية، وهو المروي عن أبي عبدالله الصادق(عليه السلام) أنّه قال: حدّ التي تيأس من الحيض خمسون (526).

وعنه أيضاً: المرأة التي تيأس من الحيض حدّها خمسون سنة(527).

وقال(عليه السلام): إذا بلغت المرأة خمسين سنة لم تر حمرة إلاّ أن تكون امرأة من قريش(528)

وذهب الحنفية إلى أنّ حدّ اليأس خمس وخمسون سنة، وفي رواية عن أبي حنيفة: أنّ اليأس لا يحدّ بحد، بل هو أن تبلغ من السن ما لا تحيض مثلها(529).

وقال محمد بن الحسن الشيباني: إنّ العجوز الكبيرة إذا رأت الدم مدة الحيض كان حيضاً. وكان محمد بن مقاتل الرازي يقول: هذا إذا لم يحكم بأياسها، أمّا إذا انقطع الدم زماناً حتى حكم بأياسها، وكانت بنت تسعين سنة أو نحو ذلك فرأت الدم بعد ذلك لم يكن حيضاً(530).

وذهب الشافعية إلى أنّ حدّ اليأس إثنتان وستون سنة، ويلغى هذا التحديد إن رأت دماً فيحكم بكونه حيضاً(531).

وعند المالكية أنّ حد اليأس سبعون سنة قطعاً، وإن بلغت الخمسين ورأت دماً يسأل عنه النساء، فإن جزمن بأنه حيض أو شككن فهو حيض، وإلاّ فلا، أمّا إذا بلغت السبعين فليس بحيض قطعاً(532).

واختلفت الروايات عن أحمد بن حنبل فمنها: أنّ المرأة لا تيأس من الحيض يقيناً إلى ستين سنة، وما تراه فيما بين الخمسين والستين مشكوك فيه لا تترك له الصلاة ولا الصوم، لأنّ وجوبهما متيقن فلا يسقط بالشك.

ومنها: أنّه جعل الحدّ خمسين سنة، لأن المرأة بعد الخمسين لا تحيض، وبهذا قال إسحاق بن راهويه: بأنّه لا يكون حيضاً بعد الخمسين، ويكون حكمها فيما تراه من الدم حكم المستحاضة، لما روي عن عائشة رضي الله عنها أنّها قالت: "إذا بلغت خمسين سنة خرجت من حدّ الحيض"(533).

والذي يظهر أنّ العمل عندهم على رواية الخمسين لإطلاق بعضهم ذلك بدون ذكر لمورد الشك، قال موفق الدين بن قدامة: كلّ دم تراه الاُنثى قبل تسع سنين وبعد الخمسين فليس بحيض(534)، وكذلك قال صاحب الروض الندي ولم يقيّد بالشك(535).

وعلى كلّ حال فهم يوافقون ما عليه المشهور عند الشيعة من تحديد اليأس بالخمسين في غير القرشية.

أما في القرشية فقد قال في المغني: إنّ نساء الأعاجم ييأسن من المحيض في خمسين، ونساء بني هاشم وغيرهم من العرب إلى ستين سنة، وهو قول أهل المدينة، لما روى الزبير بن بكار في كتاب النسب، عن بعضهم أنّه قال: لا تلد لخمسين سنة إلاّ العربيه، ولا تلد لستين إلاّ قرشية.

وقال أحمد في امرأة من العرب رأت الدم بعد الخمسين: إن عاودها مرتين أو ثلاثاً فهو حيض، وذلك لأنّ المرجع في هذا إلى الوجود، وقد وجد حيض من نساء ثقات اخبرن به عن أنفسهن بعد الخمسين، فوجب الاعتقاد بكونه حيضاً، كما قبل الخمسين(536).

والمشهور عند الشيعة في القرشية أنّها لا تيأس، إلاّ إذا بلغت ستين، وقد وردت بذلك عن أهل البيت(عليهم السلام) أخبار كما تقدم.

الأحكام

أجمع المسلمون على أنّ الحائض يحرم عليها العبادة المشروطة بالطهارة، كالصلاة، والصوم، والطواف.

كما أجمعوا على أنّها تقضي الصوم دون الصلاة، والخوارج يخالفون المسلمين بوجوب قضاء الصلاة عليها.

وكيف كان فإنّ العلماء اتفقوا على تحريم اُمور على الحائض كمس كتابة القرآن، واللبث في المساجد، وغير ذلك.

أمّا قراءة القرآن فقد حرّم الشيعة سور العزائم أو آيات السجدات فقط، كما تقدّم في الوضوء، أما قراءة غيرها على كراهية، وأجاز مالك بن أنس قراءة القرآن للحائض دون الجنب، لأنّ الجنب قادر على تحصيل صفة الطهارة بالاغتسال، فيلزمه تقديمه على القراءة، والحائض عاجزة عن ذلك، فكان لها أن تقرأ، وقد تقدّم الكلام في بحث الجنابة، وإنّ عمدة ما يستدل به المانعون هو حديث ابن عمر، وقد ذكرنا ما فيه من عدم صلاحيته للاستدلال، وكلّ حكم بلا دليل إنّما هو تحكّم.

ولا حاجة إلى بسط القول في الموضوع. بقي الكلام في حرمة وطء الحائض ووجوب الكفارة في ذلك.

حرمة الوطء

اتفق المسلمون على حرمة وطء الحائض، واختلفوا في جواز الاستمتاع فيها بما دون ذلك. كما اختلفوا في جواز الوطء بعد انقضاء الحيض وقبل الغسل.

أما حرمة وطئها. فمجمع عليه، لأنّ الله تعالى أمر باعتزال النساء بقوله عزّ اسمه: (قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاءَ)(537) قيل المراد: أنّ الأذى يكون في موضع الدم، وهو منهي عنه، ومأمور بالاعتزال منه، أما سائر جسدها فغير مشمول. وقيل بالعموم إلاّ ما خصصته السنة كما سيأتي.

وكيف كان فإن من وطأ زوجته في زمان الحيض عالماً بالحكم والموضوع، فإنّ عليه الكفارة، وهي دينار في أوله، ونصف دينار في وسطه، وربع دينار في آخره، يتصدّق به عيناً أو قيمة. هذا هو المشهور عند الشيعة(538).

أما الحنفية فالمروي عن أبي حنيفة أنّه قال لا كفارة، وذهب أكثر علماء الحنفية إلى استحباب التصدق بدينار أو نصفه، ويتوب ويستغفر.

وصرّح بعض الحنفية بكفر مستحل الوطء في الحيض، وقيل لا يكفر؛ وعليه العمل عندهم.

وقال الحصكفي في شرح التنوير: ويندب تصدقه بدينار، أو نصفه، ومصرفه كالزكاة. وهل على المرأة تصدق؟ قال في الضياء: لا (539).

وعند المالكية: أنّ الوطء ممنوع، فمن فعل ذلك أثم، ولا غرم عليه، ودليلهم من جهة القياس أنّ هذا محرم لا لحرمة عبادة، فلم تجب فيه كفارة كالزنا(540).

وللشافعي قولان: أحدهما ليس عليه كفارة، والآخر أنّ عليه كفارة وهي دينار، يتصدق به، إن كان في أوله، وإن كان في آخره يتصدق بنصف دينار، لما روي عن ابن عباس أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: "في الذي يأتي امرأته وهي حائض يتصدق بدينار أو بنصف دينار"(541).

وبهذا قال أحمد بن حنبل في إحدى الروايات عنه، لما رواه النسائي وأبو داود في ذلك (542).

قال ابن قدامة: وفي قدر الكفارة روايتان:

إحداهما أنّها دينار أو نصف دينار، على سبيل التخيير أيّهما أخرج اجزأ. روي ذلك عن ابن عباس.

والثانية: أنّ الدم إن كان أحمر فهي دينار، وإن كان أصفر فنصف دينار وهو قول إسحاق.

وقال النخعي إن كان في فور الدم فدينار، وإن كان في آخره فنصف دينار، لما روى ابن عباس عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: إن كان دماً أحمر فدينار، وإن كان دماً أصفر فنصف دينار، رواه الترمذي (543)

قبل الاغتسال

واختلف الفقهاء في وطء الحائض في طهرها وقبل الاغتسال،فذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن ذلك جائز، إذا طهرت لأكثر أمد الحيض، وهو عنده عشرة أيام وبه قال الأوزاعي(544).

وذهب مالك والشافعي وأحمد إلى عدم الجواز حتى تغتسل وسبب اختلافهم الاحتمال الذي في قوله تعالى: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَــاتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ)(545) فهل المراد به الطهر الذي هو انقطاع دم الحيض أم الطهر بالماء؟

ثم إن كان الطهر بالماء فهل المراد طهر جميع الجسد أم طهر الفرج. كما ذهب إليه الأوزاعي؟ لأنّ الطهر في كلام العرب وعرف الشرع اسم مشترك يقال على هذه المعاني الثلاثة.

وقد رجّح المانعون بأن صيغة التفعل إنّما تنطلق على ما يكون من فعل المكلفين لا على ما يكون من فعل غيرهم، فيكون قوله تعالى: "فإذا تطهرن" أظهرفي معنى الغسل بالماء منه في الطهر الذي هو انقطاع الدم، والأظهر يجب المصير إليه حتى يدل الدليل على خلافه (546).

وغسل الحيض كغسل الجنابة في الكيفية من الارتماس والترتيب، نعم المشهور عندالشيعة أنّه لا يجزي عن الوضوء (547).

الاستحاضة

اختلف المسلمون في وجوب غسل الاستحاضة، فمنهم من أوجبه لكلّ صلاة، ومنهم من لم يوجبه، ومنهم من أوجب عليها طهراً واحداً في اليوم والليلة، ومنهم من أوجب عليها ثلاثة أطهار: للصبح غسل، ولصلاة الظهر والعصر غسل، ولصلاة المغرب والعشاء غسل، وبهذا قال الشيعة وأو جبوه في الاستحاضة الكثيرة (548).

أمّا المتوسطة فعليها مع الوضوء غسل واحد لصلاة الصبح فقط، والقليلة منها ليس عليها شيء إلاّ الوضوء لكل صلاة، فريضة كانت أو نافلة، كما هو مذكور مفصل في محله من كتب الفقه.

وكيف كان فإنّ الشيعة يذهبون لوجوب غسل الاستحاضة إن كانت متوسطة أو كثيرة مع الوضوء، وإن كانت قليلة فلا يجب إلاّ الوضوء كما تقدم.

وقال بوجوب الغسل جماعة من السلف كابن الزبير وعطاء بن أبي رباح وعائشة، وهو المروي عن علي(عليه السلام)(549).

وقال سعيد بن المسيب والحسن البصري: بوجوب الغسل من صلاة الظهر إلى صلاة الظهر(550).

وفي الباب أحاديث صحيحة تدل على وجوب الغسل، ولكنّهم حملوها على الاستحباب، منها حديث عائشة أنّها قالت: استحيضت زينب بنت جحش فقال لها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): اغتسلي لكلّ صلاة(551) فكانت عائشة تذهب إلى وجوب الاغتسال كما في بعض الروايات عنها.

ومنها حديث أسماء بنت عميس: أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أمر فاطمة بنت أبي حبيش أن تغتسل للظهر وللعصر غسلا واحداً، وتغتسل للمغرب والعشاء غسلاً واحداً، وتغتسل للفجر غسلاً واحداً(552) أخرجه أبو داود.

ومنها حديث عائشة عن أم حبيبة بنت جحش أنّها استحاضت فأمرها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أن تغتسل لكلّ صلاة(553).

ومنها حديث عائشة أيضاً قالت: استحيضت امرأة على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فأمرت أن تعجل العصر، وتؤخر الظهر حتى تغتسل لهما غسلا، وأن تؤخر المغرب وتعجل العشاء وتغتسل لهما غسلا، وتغتسل لصلاة الصبح غسلا(554).

ومثله حديث سهلة بنت سهيل أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أمرها أن تجمع بين الظهر والعصر بغسل، والمغرب والعشاء بغسل، وتغتسل للصبح (555).

فإنّ هذه الأحاديث وغيرها تدل بمجموعها على التفصيل الذي ذهبت إليه الشيعة، مضافاً لما وردعن أهل البيت(عليهم السلام) بالطرق الصحيحة، من حيث وجوب الغسل على المستحاضة كما ذهب إليه كثير من علماء السلف.

قال ابن رشد القرطبي: فلما اختلفت ظواهر هذه الأحاديث ذهب الفقهاء في تأويلها أربعة مذاهب: مذهب النسخ، ومذهب الترجيح، ومذهب الجمع، ومذهب البناء، والفرق بين الجمع والبناء: أنّ الباني ليس يرى أن هناك تعارضاً فيجمع بين الحديثين، وأمّا الجامع فهو يرى أنّ هنالك تعارضاً في الظاهر...الخ(556).

وقال ابن دقيق العيد: وذهب قوم إلى أن المستحاضة تغتسل لكلّ صلاة، وقد ورد الأمر بالغسل لكل صلاة في رواية ابن إسحاق خارج الصحيح، والذين لم يوجبوا الغسل لكلّ صلاة حملوا ذلك ـ أي الأخبار الدالة على الوجوب ـ على مستحاضة ناسية للوقت والعدد، يجوز في مثلها أن ينقطع الدم عنها في وقت كلّ صلاة(557).

وعلى كلّ حال فإنّ التفصيل الذي ذهب إليه الشيعة في الاستحاضة، ووجوب الغسل عليها لم يذهب إليه أحد من أئمة المذاهب، وحملوا أخبار الوجوب على الاستحباب، أو أنّهم ذهبوا إلى الترجيح، وأنّ الأصل عدم الوجوب.

قال النووي: واعلم أنّه لايجب على المستحاضة الغسل لشيء من الصلاة، ولا في وقت من الأوقات، إلاّ مرّة واحدة في وقت انقطاع حيضها، وبهذا قال جمهور العلماء من السلف والخلف، وهو مروي عن علي وابن مسعود، وابن عباس، وعائشة رضي الله عنهم، وهو قول عروة بن الزبير، وأبي سلمة ومالك وأبي حنيفة وأحمد (558).

وروي عن ابن عمر، وابن الزبير، وعطاء بن أبي رباح أنّهم قالوا: يجب عليها أن تغتسل لكلّ صلاة، وروي هذا أيضاً عن علي وابن عباس.

وروي عن عائشة أنّها قالت: تغتسل كلّ يوم غسلا واحداً، وعن المسيب والحسن قالا: تغتسل من صلاة الظهر دائماً (559).

وقال ابن حزم بعد أن أورد الأخبار الدالة على وجوب الغسل: هذه آثار في غاية الصحة، رواها عن رسول الله أربع صواحب: عائشة اُم المؤمنين، وزينب بنت اُم سلمة، وأسماء بنت عميس واُم حبيبة بنت جحش، ورواها عن كلّ واحدة من عائشة واُم حبيبة: عروة، وأبو سلمة، ورواه أبو سلمة عن زينب بنت اُمسلمة، ورواه عروة عن أسماء، وهذا نقل تواتر يوجب العلم.

وبعد أن ذكر الأخبار التي تدل على ما أفتى به بعض الصحابة في وجوب الغسل، كعليّ(عليه السلام) وابن عباس، واُم حبيبة، وابن الزبير، وابن عمر.

ثم قال: فهؤلاء من الصحابة: اُم حبيبة وعلي بن أبي طالب وابن عباس، وابن عمر، لا مخالف لهم يعرف من الصحابة رضي الله عنهم، إلاّ رواية عائشة أنّها تغتسل كلّ يوم عند صلاة الظهر، ورويناه هكذا من طريق معمر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مبيّناً: كلّ يوم عند صلاة الظهر.

ومن التابعين عطاء، وسعيد بن المسيب والنخعي وغيرهم، كل ذلك بأسانيد في غاية الصحة.

ثم أخذ ابن حزم في الرد على من يترك الأخذ بالسنة الصحيحة تقليداً لإمامه، وتوجيهاً لموافقة آرائه، وبيّن في ردّه فساد أدلّتهم على عدم الوجوب (560).

وعلى كلّ حال: فإنّ مسألة وجوب غسل الاستحاضة قد وردت فيه نصوص صريحة تقول بالوجوب كما مرّ بيانه، والقول بأنّ الأصل عدم الوجوب لعدم ورود أمر من الشارع في ذلك مردود بالسنة الصحيحة، والمسألة تحتاج إلى مزيد بيان لايسمح به الوقت ولا يتسع له المجال.

النفاس

قال الجرجاني: هو دم يعقب الولادة، وقيل: إنّه مشتق من تنفس الرحم به، وقيل هو النفس الذي هو عبارة عن الدم، وقيل هو من النفس التي هي الولد، فخروجه لا ينفكّ عن دم يتعقبه، وقيل: إنّه دم حيض مجتمع يخرج بعد فراغ جميع الرحم. وقيل: غير ذلك (561).

اتفق الجميع على وجوب غسل النفاس، واختلفوا في تحديده قلة وكثرة، فالشيعة يقولون: لا حدّ لقليله، وحد كثيره عشرة أيام من حين الولادة لا قبلها،وإذا رأته بعد العشرة لم يكن نفاساً، وكذا إن لم تر دماً أصلا (562).

هذا هو المشهور عند الشيعة، ووافقهم الشافعية، والمالكية، والحنابلة.

أما الحنفية فقد نقل عن أبي حنيفة أنّه قال: إنّ أقل مدة النفاس خمسة وعشرون يوماً، ونقل عن أبي يوسف أنّه قال: إنّ أقله أحد عشر يوماً، ذكر ذلك أبو موسى في مختصره، وابن رشد في بداية المجتهد(563).

ولكن الحنفية اتفقوا على عدم التحديد(564) وقالوا: إنّ المراد بقول أبي حنيفة إنّ أقله خمسة وعشرون يوماً هو إذا وقعت الحاجة إلى نصب العادة لهذا في النفاس، لا ينقص ذلك من خمس وعشرين يوماً إذا كانت عادتها في الطهر خمسة عشر، لأنّه لو نصب لها دون هذا القدر أدّى إلى نقص العادة...الخ(565).

وبهذا فقد حصل الاتفاق من الجميع على عدم التحديد، لأقلّ مدة النفاس.

واختلفوا في أكثره فقال الشيعة: بأنّ أكثره عشرة أيام. وما ذكره صاحب البحر: من أنّ أكثره عند الإمامية نيف وعشرون يوماً(566)، وتبعه الشوكاني في قوله: وقالت الإمامية نيف وعشرون والنص يرد عليهم(567)، فهو غير صحيح إذ المشهور عند الإمامية أنّه أكثر النفاس عشرة أيام، نعم هناك قول متروك ينسب إلى ابن أبي عقيل أنّه قال: إنّ أيّامها أيام حيضها، وأكثره واحد وعشرون يوماً(568).

وإن نسبة ذلك إلى جميع الشيعة، وإنّه مذهبهم فغير صحيح، وأمثال هذه الاُمور التي تنسب إلى الشيعة بدون صحة كثيرة، وسنفرد لها فصلاً خاصاً إن شاء الله تعالى.

وكذلك نسب صاحب البحر(569)، وتبعه الشوكاني(570)، إلى الإمام موسى بن جعفر(عليهما السلام) أنّه قال: أكثر النفاس سبعون يوماً. وهو غير صحيح، ولم يثبت عن الإمام موسى ذلك.

وذهب الحنفية إلى أنّ أكثر النفاس أربعون يوماً، وما زاد فهو استحاضة على خلاف بين أبي حنيفة وأصحابه في تخلل الطهر الفاصل بين هذهالمدة(571).

وقالوا: إنّ أكثر أيام النفاس أربعة أمثال أكثر الحيض(572)، وهم يقولون بأنّ أكثر أيام الحيض عشرة. ومن يقول بأنّ أكثره خمسة عشر يلزمه القول بأنّ أكثر أيام النفاس ستون.

والمالكية عندهم أنّ أكثر مدة النفاس ستون يوماً، وهو أحد أقوال مالك، ومرة يقول: إنّه أربعون، ورجع عن ذلك؛ وقال: تسأل النساء عن ذلك، وأصحابه ثابتون على القول الأول (573) وهو الستون.

والشافعية يوافقون المالكية في ذلك، وقال المزني بقول الحنفية إنّه أربعون، وكذلك الحنابلة يقولون: إنّه أربعون يوماً، فإن تجاوز دمها الأربعين وصادف عادة حيضها ولم يزد، أو زاد ولم يجاوز أكثره فحيض، وإلاّ فاستحاضة (574).

وهذا الاختلاف حاصل لعدم ورود حديث صحيح عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في ذلك، وما روي عن اُم سلمة أنّها قالت: كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)أربعين يوماً، وكنّا نطلي وجوهنا بالورس من الكلف.

رواه الخمسة إلاّ النسائي فقد ناقش الحفاظ هذا الحديث وضعّفوه، لأنّ فيه من هو ضعيف الرواية، ومنهم مجهول الحال (575).

وروي من طريق آخر كما أخرجه ابن ماجة من طريق سلام عن حميد عن أنس وسلام هذا ضعيف، كذّبه ابن معين (576).

وفي الباب عن أبي الدرداء وأبي هريرة قالا: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): تنتظر النفساء أربعين يوماً. وفيه العلاء ابن كثير وهو ضعيف جداً (577)، وبهذا لا يصح أن يقال بورود أثر صحيح.

قال ابن رشد: وسبب الخلاف عسر الوقوف على ذلك بالتجربة، لاختلاف أحوال النساء في ذلك، ولأنّه ليس هناك سُنّة يُعمل عليها، كالحال في اختلافهم في أيام الحيض والطهر (578).

وقال ابن حزم: فأمّا من حد ستين يوماً فما نعلم لهم حجة: وأمّا من قال: أربعين يوماً فإنّهم ذكروا روايات عن اُم سلمة من طريق مسة الأزدية، وهي مجهولة...الخ.

وقال: فلما لم يأت في مدة النفاس نصّ قرآن، ولاسُنة، وكان الله تعالى قد فرض عليها الصلاة والصيام بيقين، وأباح وطأها لزوجها لم يجز لها أن تمتنع من ذلك، إلاّ حيث يمتنع بدم الحيض، لأنّه حيض (579).

وعلى أيّ حال: فإنّ القول بالتحديد المذكور إمّا على القياس وهو باطل، أو اعتماد على أثر وهو غير صحيح.

أما الشيعة فقد صح عندهم ما روي عن أهل البيت صلوات الله عليهم.

قال شيخنا المحقق في المعتبر: لنا مقتضى الدليل لزوم العبادة وترك العمل به في العشرة إجماعاً فيما زاد، ولأنّ النفاس حيضة حبسها الاحتياج إلى غذاء الولد، فانطلاقها باستغنائه عنها، وأقصى الحيضة عشرة (580). ويؤيّد ذلك المستفيض عن أهل البيت: منه ما رواه الفضيل عن أحدهما ـ الباقر أو الصادق(عليها السلام) ـ قال: النفساء تكف أيام أقرائها التي كانت تمكث فيها، ثم تغتسل، وتعمل ما تعمله المستحاضة(581)

والخلاصة أنّ المشهور عند الشيعة أن أكثره عشرة أيام لورود النصوص المستفيضة عن أهل البيت، وإن كان هناك ما يدلّ على الأكثر فلم يشتهر بها العمل.

والنفساء بحكم الحائض، فيحرم عليها ما يحرم على الحائض، ويكره لها ما يكره للحائض، وتقضي الصوم دون الصلاة، ولا يصح طلاقها الى غير ذلك من أحكام الحائض.

غسل الأموات

اتفق الجميع على وجوب غسل الميت المسلم، ما عدا الشهيد المقتول في المعركة في حفظ بيضة الإسلام، واتفقوا على أنّ غير المسلم لا يجوز تغسيله، وأجاز الشافعية ذلك (582).

واختلفوا في نزع قميص الميت هل ينزع إذا غسل، أم يغسل في قميصه؟

فقال الشيعة: ينزع قميصه من طرف رجليه، وإن استلزم فتقه، بشرط إذن الوارث، وتستر عورته.

وقال مالك: تنزع ثيابه وتستر عورته، وبه قال أبو حنيفة. أمّا الشافعي فقال: يغسل الميت في قميصه(583).

وقال الحنابلة: باستحباب تجريده من ثيابه، وستر ما بين سرته وركبته، وستره عن العيون تحت ستر أو سقف(584).

وكيف كان فالكلام هنا يقع في أمرين وقع الاختلاف فيهما بين الشيعة وغيرهم من المذاهب وهما: كيفية غسل الميت، ووجوب الغسل على من مسّميتاً.

1 ـ كيفية الغسل

أمّا كيفيّة الغسل ففيه واجب ومستحب: أمّا الواجب عند الشيعة فهو إزالة النجاسة عن جميع بدن الميت قبل الشروع، كما يجب فيه طهارة الماء وإباحته، وإباحة السدر والكافور. بل الفضاء الذي يشغله الغسل.

وأن يغسل ثلاث مرات: الأولى بماء السدر، والثانية بماء الكافور ويعتبر في كل من السدر والكافور ألا يكون كثيراً بمقدار يوجب خروج الماء عن الإطلاق إلى الإضافة، ولا قليلاً بحيث لا يصدق أنّه مخلوط بالسدر والكافور.

والثالثة بماء القراح، ويشترط فيه الترتيب: بأن يغسل في كل مرّة رأسه ثمّ الجانب الأيمن، ثم الجانب الأيسر، ولا بدّ فيه من النيّة.

ويستحب أن يغسل رأسه برغوة السدر وأن يبدأ بغسل يديه إلى نصف الذراع، وأن يقف الغاسل على الجانب الأيمن من الميت،وغير ذلك مما ذكره العلماء.

ويكره إقعاده حال الغسل وترجيل شعره، وقصّ أظافره، وحلق عانته، وقصّ شاربه، وغسله بالماء الساخن، وجعله بين رجلي الغاسل.

أمّا المذاهب الاُخرى فلم يوجبوا شيئاً من ذلك، وإنّما هي اُمور مستحبة، لأنّ الأكثر منهم لا يرون وجوب كيفية خاصة لغسل الميت، بل المطلوب هو تطهيره بالماء(585).

وما ذهبوا إليه من الغسل بالسدر والكافور، فهو عل جهة الاستحباب، والحنفية يوجبون النية لإسقاط الفرض عن الجميع؛ لأنّه واجب كفائي، وإذا وجد غريق فإنّه يجزي في غسله عندهم أن يحرك في الماء بنية الغسل (586).

وقال في مراقي الفلاح: والنية في تغسيله لاسقاط الفرض عنا، حتى إذا وجدغريقاً يحرك في الماء بنية غسله (587).

وعلى قول أبي يوسف أنّه يحرّك ثلاثاً كما في الفتح، وعن محمد الشيباني أنّه إن نوي الغسل عند الإخراج من الماء يغسل مرّة على وجه السنّة، والفرض قد سقط بالنية عند الإخراج (588).

وقال الكاساني: الواجب هو الغسل مرّة واحدة، والتكرار سنة، وليس بواجب حتى لو اكتفي بغسلة واحدة، أو غسلة واحدة في ماء حار، لأنّ الغسل إن وجب لإزالة الحدث ـ كما ذهب إليه بعضهم ـ فقد حصل بالمرّة الواحدة كما في غسل الجنابة، وإن وجب لإزالة النجاسة المتسرّبة كرامة له على ما ذهب إليه العامة، فالحكم بالزوال بالغسل مرّة واحدة أقرب إلى معنى الكرامة، ولو أصابه المطر لا يجزي عن الغسل، لأنّ الواجب فعل الغسل، ولم يوجد ولو غرق في الماء فاُخرج إن كان المخرج حركه كما يحرك الشيء بقصد التطهير سقط الغسل، وإلاّ فلا...(589).

والشافعية لا يوجبون النية في غسل الميت في قول، لأنّ القصد منه التنظيف فلم تجب فيه النية كإزالة النجاسة. وقول: بأنّها تجب، لأنّه تطهير لا يتعلق بإزالة عين، فوجبت فيه النية كغسل الجنابة (590).

ولهذا اختلفوا في الغريق فقول: بأنّه لا يغسل، وغرقه يكفي عن غسله، إذ النية ليست بشرط. وقول آخر أنّه يجب غسل الغريق(591).

والغسل الأكمل عندهم أن يغسل بسدر وكافور بماء بارد، خلافاً للحنفية إذ قالوا باستحبابه واستحباب الترتيب في الغسل، وتنظيف أسنانه ومنخريه إلى آخر ما ذكروه من المستحبات.

المالكية

قال مالك: ليس لغسل الميت عندنا شيء موصوف، ولا لذلك صفة معلومة ولكن يغسل ويطهر.

قال القاضي أبو الوليد الباجي: هذا ـ كما قال مالك : إنّه ليس لغسل الميت صفة لا يجوز أن تتعدى فتكون شرطاً في صحة غسله، لكن الغرض من ذلك تطهيره، ويستحب أن يبدأ في المرة الأولى من غسله فيصبّ عليه الماء، ويبدأ بغسل رأسه ولحيته، ثم بجسده يبدأ بشقه الأيمن ثم الأيسر(592).

وعلى هذا فالغسل عند المالكية هو تطهير جسد الميت بالماء كيف اتفق، وليس له صفة مخصوصة.

والحنابلة يشترطون النية في الغسل كبقية المذاهب في الاكتفاء بمجرد الغسل بالماء، ولا يجب فيه فعل مخصوص، فلو ترك الميت تحت ميزاب ونحوه وحضر من يصلح لغسله، ونوى ومضى زمن يمكن غسله فيه صح (593).

وعلى هذا فإنّ كلّ ما يجرونه في غسل الميت هو على طريق الاستحباب لا الوجوب، كغسله بماء السدر والكافور عند الجميع، والترتيب فيه، أمّا بقية الاُمور من تقليم الأظفار وتسخين الماء عند الحنابلة والحنفية، فقد كرهها المالكية والشافعية إلى غير ذلك من الاُمور الاستحسانية في زيادة تطهيره.

فتبين مما ذكرناه أنّ الشيعة لا تتفق مع جميع المذاهب في حكم غسل الميت، في أنّ المطلوب هو تطهيره بدون صفة خاصة، كما تطهر الأشياء النجسة بأي كيفية اتفق مع اشتراط النية من المطهر عند بعضهم، بل الواجب عند الشيعة تطهير الميت بصفة خاصة، بيّنها الشارع المقدس فوجب اتباعه.

أخرج مسلم في صحيحه بسند عن اُم عطية الأنصارية قالت: دخل علينا النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ونحن نغسل ابنته ـ زينب ـ فقال(صلى الله عليه وآله وسلم):اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر ـ إن رأيتن ذلك ـ بماء وسدر، واجعلن في الأخيرة كافوراً أو شيئاً من كافور...الحديث(594).

ومثله عن يحيى بن يحيى، عن حفصة بنت سيرين، وبهذا اللفظ أخرجه مسلم أيضاً عن أيوب، عن محمد، عن اُم عطية، وبه في حديث ابن علية(595).

وأخرجه الجماعة بهذا اللفظ، وفي رواية لهم: ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها.(596)

وبهذا استدل جماعة على وجوب غسل الميت بالسدر والكافور، كما هو ظاهر الأمر على ذلك.

قال ابن دقيق العيد: والاستدلال بصيغة هذا الأمر على الوجوب عندي يتوقف على مقدمة اُصولية، وهي جواز إرادة المعنيين المختلفين بلفظة واحدة من حيث إنّ قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) ثلاثاً غير مستقل بنفسه، فلا بد أن يكون داخلاً تحت صيغة الأمر، فتكون محمولة فيه على الاستحباب، وفي أصل الغسل على الوجوب، فيراد بلفظ الأمر على الوجوب بالنسبة إلى أصل الغسل، والندب بالنسبة إلى الإيثار(597).

وقال الأمير الصنعاني في تعليقته: أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قيد بقوله اغسلنها فهو داخل تحت الأمر، أي مأمور به (598).

وقال الزين بن المنير في هذا الحديث: ظاهره أنّ السدر يخلط في كل مرّة من مرات الغسل، لأنّ قوله بماء وسدر يتعلّق بقوله اغسلنها. قال وهو مشعر بأن غسل الميت للتنظيف لا للتطهير، لأنّ الماء المضاف لا يتطهر به.

وتعقبه الحافظ بمنع لزوم مصير الماء بذلك، لاحتمال أن لا يغير السدر وصف الماء بأن يمعك بالسدر ثم يغسل بالماء في كلّ مرة، فإنّ لفظ الخبر لا يأباه(599).

وأخرج أحمد عن ابن عباس قال: بينما رجل واقف بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته ـ أي صرعته فكسرت عنقه ـ فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): اغسلوه بماء وسدر وكفّنوه في ثوبيه ولا تحنّطوه(600)

وفي هذا دليل على وجوب الغسل بالماء والسدر، وأنّ المحرم لا يحنّط كما هو مذهب الشيعة، ووافقهم الشافعي لأنّ عنده المحرم إذا مات يبقى في حقّه حكم الإحرام، وخالف في ذلك مالك، وأبو حنيفة، وهو مقتضى القياس عندهم لانقطاع العبادة بزوال محل التكليف، وهو الحياة، ولكن الشافعي اتبع الحديث، وهو مقدم على القياس عنده. وبذلك قالت الحنابلة (601).

والخلاصة أنّ الأثر الوارد عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بالأمر في غسل الميت، هو بالكيفية التي عليها مذهب الشيعة مضافاً إلى ما استفاض عن أهل بيت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)في ذلك.

قال الإمام الصادق(عليه السلام) في كيفية غسل الميت: اغسله بماء وسدر، ثم اغسله على أثر ذلك مرّةً اُخرى بماء وكافور، وذريرة إن كانت، واغسله الثالثة بماء قراح ثلاث غسلات لجسده(602)

وقال(عليه السلام): يغسل الميت ثلاث غسلات، مرّة بالسدر ومرّة بالماء يطرح فيه الكافور ومرّة اُخرى بالماء القراح(603)

هذا ما يتعلّق بالأمر الأول ممّا اختلف فيه، ذكرناه بصورة موجزة، أما الأمر الثاني فهو غسل المس.

2 ـ غسل المس

أوجب الشيعة الغسل على من مسّ ميتاً من الناس بعد برده وقبل تطهيره،(604) وذهب بقيّة المذاهب إلى الاستحباب، وقال الشافعي في الجديد: الغسل من غسل الميت آكد من غسل الجمعة، لأنّ غسل الجمعة غير واجب، والغسل من غسل الميت متردد بين الوجوب وغيره.

وقال البويطي: إن صح الحديث قلت بوجوبه (605) وهو ما رواه أبو هريرة عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: من غسّل ميتاً فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ، أخرجه الجماعة، ولم يذكر ابن ماجة الوضوء(606).

وقد وقع الاختلاف في صحة هذا الحديث، فحسنه الترمذي، والحافظ بن حجر، وقال الذهبي: هو أقوى من عدة أحاديث احتج بها الفقهاء، وذكر الماوردي: أنّ بعض أصحاب الحديث خرّج لهذا الحديث مائة وعشرين طريقاً(607).

والحديث يدل على وجوب الغسل. وفي الباب عن علي(عليه السلام) عند أحمد أنّه قال: "من غسل ميتاً فليغتسل". ورواه أبو داود، والنسائي، وأبو يعلى والبزار، والبيهقي(608).

وعن مكحول أنّ حذيفة سأله رجل مات أبوه. فقال حذيفة اغسله، فإذا فرغت فاغتسل(609).

وعن عائشة عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: يغتسل من أربع: من الجمعة، والجنابة والحجامة، وغسل الميت (610)

وقد ورد عن أهل البيت ذلك، قال الإمام الصادق(عليه السلام): من غسّل ميتاً فليغتسل. فقال له حريز، فمن مسه؟ قال(عليه السلام): فليغتسل (611).

وقال(عليه السلام): من مسّه ـ أي ميت الإنسان ـ وهو سخن فلا غسل عليه، فإذا برد عليه الغسل. إلى غير ذلك من النصوص المتواترة في وجوب الغسل على من مس ميتاً، وهو المشهور عند الشيعة، بل قيل إنّه إجماع. إلاّ ما ذهب إليه السيد المرتضى من القول بالاستحباب (612).

ولا يعارض هذه الأدلة ما ورد عن أسماء بنت عميس أنّها غسلت أبا بكر؛ فلما فرغت قالت لمن حضرها من المهاجرين: إنّي صائمة، وإنّ هذا يوم شديد البرد. فهل عليّ من غسل؟ قالوا: لا،(613) وغير ذلك مما يمكن أن يتمسك به المانعون.

فإنّ حديث أسماء بعد التسليم بأنّها تولت غسل الخليفة دون غيرها من المهاجرين والأنصار، وأقربائه من الصحابة، فإنّ ذلك لا يثبت للمانعين به شيئاً، لأنّ الراوي له هو القاضي عبدالله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم ولا يصح ذلك عنه؛ لأنه ولد سنة (65) من الهجرة، وكانت هذه القضية سنة (13) من الهجرة أي سنة وفاة أبي بكر فكيف تصح روايته عن أسماء بنت عميس وهو من لم يولد بعد! والقضية قبل ولادته باثنتين وخمسين سنة.

وحديث أسماء هو عمدة ما في الباب، وهو كما ترى من عدم الصحة على ما فيه من موهنات اُخرى.

والحاصل أنّ بعضهم حمل أحاديث الباب على المعنى المجازي، لما فيه من الجمع بين الأدلة بوجه مستحسن عندهم، وهو الاستحباب، وبه قال مالك وأصحاب الشافعي، (614) والحنابلة.

وقال أبو حنيفة وأصحابه: إنّه لا يجب ولا يستحب، لحديث: لا غسل عليكم من غسل الميت. كما أخرجه البيهقي عن ابن عباس (615) ولم يرفعه إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ولا حجة في ذلك، ولا يصلح لصرف تلك الأحاديث الصحيحة عن معناها الحقيقي، وهو الوجوب، ولو حملها على الاستحباب كغيره لكان أليق.

وعلى كل حال: فإنّ مس ميتة الإنسان توجب الغسل على الماس، اختياراً كان المس أم لا، وسواء كان صغيراً أم كبيراً، وكذلك يجب الغسل بمس القطعة المبانة من الحي أو الميت، إذا كانت مشتملة على العظم دون الخالية منه، ودون العظم المجرّد من الحي هذا هو المشهور عند الشيعة (616).

وهم يعتبرون مسّ الميت كحكم الحدث الأصغر، فيمنع من الأعمال التي يشترط فيها الوضوء فقط، فيجوز لمن عليه غسل المس دخول المساجد، والمكث فيها، وقراءة العزائم، ولا يجوز مسّ كتابة القرآن ونحوها، مما لا يجوز للمحدث.

الصّـلاة

أمّا الصّلاة على الميت فقد وقع الخلاف بين الشيعة وغيرهم من المذاهب في عدد التكبيرات، إذ الشيعة يوجبون خمس تكبيرات (617). وغيرهم يراها أربعاً(618)، كما اختلفت المذاهب فيما بينها في قراءة الفاتحة في الأولى، كما ذهب الشافعي(619) لذلك، وبه قالت الحنابلة(620).

أما المالكية(621) والحنفية(622) فهم يتفقون مع الشيعة في عدم وجوب قراءة الفاتحة، إذ لم يثبت ذلك بأثر صحيح.

أما التكبيرات فإنّ الشيعة يخالفون جميع المذاهب في وجوب الخَمس، لأن ذلك هو الثابت من فعل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأهل بيته، وكثير من أصحابه، كابن عباس، وأبي ذر، وزيد بن أرقم، وحذيفة اليماني وغيرهم (623).

وكبّر زيد بن أرقم على جنازة خمس تكبيرات، فسألوه فقال: كان رسول الله يكبرها. رواه مسلم والترمذي وأبو داود والنسائي (624).

وصلّى حذيفة على جنازة فكبّر خمساً، ثم التفت فقال: ما نسيت، ولا وهمت، ولكن كبرت كما كبّر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، صلّى على جنازة فكبر خمساً. رواه أحمد(625).

وروى ابن المنذر عن ابن مسعود: أنّه صلّى على جنازة رجل من بني أسد، فكبّر خمساً (626).

وغير ذلك من الآثار الدالة على تعيّن الخمس، مضافاً لما روي عن أهلالبيت(عليهم السلام) في ذلك (627).

وأمّا ما يروى من أن عمر بن الخطاب هو الذي جمع الناس على أربع تكبيرات، لاختلاف الناس في ذلك، كما رواه الطحاوي في معاني الآثار (628)، فهذا شيء لا يمكن الركون إليه، لعدم الثقة بالراوي وجهله أولا، وبتنزيه عمر عن إحداث فريضة لم تكن على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، إذ ليس له حقّ التشريع، ولو فعل فلا يجب اتّباعه، لأنّ ذلك من وظيفة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فنحن نتبع ماورد عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، دون سواه.

ولم يرد عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك وسيأتي تفصيل صلاة الميت في كتاب الصلاة.

ونلفت أنظار القراء الكرام إلى ما افتراه بعض الكتاب على الشيعة، بأنّ صلاة الميت عندهم تختلف عدد ركعاتها عليه، تبعاً لمكانته، وهذا شيء لم يقل به أحد منهم، وإجماعهم على وجوب خمس تكبيرات، كما ذكرنا وما يأتي تفصيله.

وإنّما اختلاف عدد الركعات عند غيرهم، ولكن اُولئك الكتاب لم يراعوا الصدق، ولم يحتفظوا بأمانة التاريخ، فويل لهم ممّا كسبت أيديهم من افتراء في القول، وكذب في النقل، وويل لهم مما يكتبون، بدون تثبت وعن غير دراية، وقد أشرنا لهذا القول من قبل.

أما الصّلاة على الغائب فذهب الشيعة إلى عدم جوازها(629)، ووافقهم الحنفية والمالكية (630)، وستأتي الإشاره لذلك إن شاء الله تعالى.

هذا ما يتعلق به الكلام في هذا الباب، وقد أعرضنا عن كثير من المسائل خشية الإطالة إذ الاستقصاء ليس من شرط هذا الكتاب.

التيمّم

وهو في اللغة القصد، يقال يَممت فلاناً أي قصدته (631). ومنه قول الشاعر:

تيممتكم لما فقدت أولي النهي *** ومن لم يجد ماء يتيمم بالترب

وفي الشرع: قصد الصعيد الطاهر، واستعماله بصفة مخصوصة، لإزالة الحدث، أو أنّه: مسح الوجه واليدين بالصعيد، وقيل: إيصال التراب إلى الوجه واليدين بشرائط مخصوصة، وقيل غير ذلك.

وقد أجمع المسلمون على مشروعية التيمم في الجملة. لقوله تعالى: (فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا)(632).

واختلفوا في مسوغاته وكيفيته، هل هو بدل عن الطهارة الكبرى والصغرى أم عن الصغرى فقط؟ وهل يصح قبل دخول الوقت أم لا؟ وهل هو رافع أم مبيح؟ إلى غير ذلك ممّا يطول الكلام فيه ونقتصر هنا على بيان مسوغاته وكيفيته.

مسوغاته

اتفقت المذاهب الإسلامية على أنّ عدم وجدان الماء، أو عدم التمكن من الوصول إليه، أو حصول الضرر في تحصيله أو استعماله مسوّغ للتيمّم.

واختلفوا في وجوب الطلب لفاقد الماء، فمنهم من لم يحدد مقداره، فذهب مالك أنّه لا يحدّ بحدّ. وقال: إنّه كلّ ما يشقّ على المسافر طلبه، والخروج إليه وإن خرج فاته أصحابه، والمشهور من مذهبه أن طلب الماء شرط في صحة التيمّم، وبه قال أبو حنيفة (633).

وقال الشافعي: يجب الطلب للماء بعد دخول الوقت، سواء في رحله أو مع رفقته، فيسأل رفيقه عن الماء، فان بذله لزمه قبوله فإنّه لا منة عليه، وكيفية الطلب أن ينظر عن يمينه، وشماله، وأمامه، ووراءه فإن كان بين يديه حائل من جبل أو غيره صعده(634).

وقال الحنفية: بوجوب الطلب على فاقد الماء في المصر مطلقاً. ظنّ قربه أو لم يظن، أما إذا كان مسافراً فإن ظنّ قربه منه بمسافة أقلّ من ميل وجب عليه.

وقال الكاساني: والأصح أنّه قدر ما لا يضر بنفسه ورفقته بالانتظار.

ونقل عن أبي يوسف أنّه قال: إن كان الماء بحيث لو ذهب إليه لا تنقطع عنه جلبة العير، ويحس بأصواتهم وأصوات الدواب، إلى آخر ما هنالك من الاختلاف عند الحنفية في تحديد الطلب (635).

والحنابلة يذهبون إلى وجوب مطلق الطلب، وهو شرط في جواز التيمّم، فلا يجوز التيمم حتى يطلب الماء في رحله ورفقته، وما قرب منه، فإن بذل له أو بيع بزيادة يسيرة على مثله لا يجحف بماله لزمه قبوله، وإن علم بماء لزمه قصده، ما لم يخف على نفسه وماله، ولم يفت الوقت (636) وخالفهم الشافعي فقال: لا يلزمه شراؤه بزيادة يسيرة ولا كثيرة لذلك (637).

وبهذا يظهر أنّ المذاهب تتفق مع الشيعة في وجوب الطلب، وهو الفحص عن الماء إلى اليأس أو ضيق الوقت، وإذا كان في مفازة فيكفي الطلب عندهم مقدار غلوة سهم في الأرض الحزنة، وغلوة سهمين في الأرض السهلة، في الجوانب الأربعة، بشرط وجود الماء في الجميع، والا اختص الطلب بما يحصل الرجاء به، وبشرط عدم الخوف في الطلب، على النفس، أو العرض، أو المال.

وذهب الشيعة أيضاً إلى أنّ وجدان المقدار من الماء غير الكافي للغسل أو الوضوء كعدمه، فيجب التيمم، ووافقهم الحنفية والمالكية في ذلك.(638)

وذهبت الشافعية والحنابلة إلى وجوب استعمال ما تيسر له منه، في بعض أعضاء طهارته، ثم يتيمم عن الباقي.

والحنابلة والشافعية يتفقون مع الشيعة بأن حصول المنّة والهوان في استيهاب الماء مسوغ للتيمّم (639).

واتفقوا على أن خوف الضرر من استعمال الماء مسوغ للتيمّم كمن يخاف حدوث المرض أو بطء البرء من استعماله.

وكيف كان فإنّ مسوغات التيمّم عند الشيعة سبعة، وهي: عدم ما يكفيه من الماء لوضوئه أو غسله، وعدم التمكن من الوصول إلى الماء لعجز أو خوف على نفسه أو ماله أو عرضه، ومنه ما لو كان الماء في إناء مغصوب، وأن يكون هناك واجب يتعين صرف الماء فيه على نحو لا يقوم غير الماء مقامه، مثل إزالة الخبث، وضيق الوقت عن تحصيل الماء أو عن استعماله بحيث يلزم من الوضوء وقوع الصلاة أو بعضها خارج الوقت، وتحصيل الماء على الاستيهاب الموجب للذلة والهوان، أو شرائه بثمن يضر بحاله، وخوف الضرر من استعمال الماء بحدوث مرض أو زيادته أو بطئه، وخوف العطش على نفسه أو على نفس محترمة.

وإذا لخصنا موارد الخلاف فإنّا نجد أنّ المذاهب تتفق كلّها في بعض المسوغات وتختلف في البعض الآخر، وكذلك خلافهم مع الشيعة مرّة واتفاقهم اُخرى، لاختلاف الآثار الواردة والمباني العامة.كيفيته

اتفّق المسلمون على أنّ الواجب في التيمّم هو مسح الوجه واليدين، ولكنّهم اختلفوا في كيفية المسح، هل يمسح الوجه كلّه أم بعضه؟ وهل تمسح اليدان كلّها إلى المرافق كما في الوضوء، أم يكفي مسح الكف؟ كما أنهم اختلفوا في عدد الضربات؛ هل تكفي الواحدة أم الإثنتان أو الثلاث؟

ولا بد لنا هنا من الوقوف على كيفية التيمم عند المذاهب، لنعرف مدى الخلاف بينهم.

الشيعة

قالوا: بأنّ كيفية التيمم: أن يضرب بيديه على الأرض دفعة واحدة، وأن يكون بباطنهما، ثم يمسح بهما جميعاً تمام جبهته، وجبينه من قصاص الشعر إلى الحاجبين، وإلى طرف الانف الأعلى المتصل بالجبهة، ثم مسح تمام ظاهر الكف اليمنى من الزند إلى أطراف الأصابع، ثم مسح تمام ظاهر الكف اليسرى كذلك بباطن الكف اليمنى (640).

الحنفية

وعند الحنفية: وضع اليدين على الأرض ثم يرفعهما وينفضهما، ويمسح بهما وجهه، ثم يضع يديه ثانية على الأرض، ثم يرفعهما فينفضهما ثم يمسح بهما كفيه وذراعيه من المرفقين (641).المالكية

وعند المالكية: أنّ التيمّم ضربة للوجه، وضربة لليدين، يمسحهما إلى المرفقين، وفي رواية أن فرض اليدين مسحهما إلى الكوعين (642) وهما طرف الزندين ممايلي الإبهام، وفسره في العشماوية: بأنه مفصل الكف من الساعد.

الشافعية

وعند الشافعية: التيمم مسح الوجه واليدين مع المرفقين بضربتين أو بأكثر. قال الشيرازي: والدليل عليه حديث أبي اُمامة وابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: التيمم ضربتان ضربة للوجه، وضربة لليدين.

وحكى بعض أصحابنا عن الشافعي رحمه الله قال في القديم: التيمّم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة للكفين (643).

وفي المنهاج أنّ الضرب مستحب، بل يكفي عندهم نقل التراب معالنية(644).

وقال النووي عن الشافعي: أنه يكفي مسح اليدين إلى الكوعين، وهما طرف الزندين، ورجّحه في شرح المهذب، والتنقيح، وقال في الكفاية: إنّه الذي يتعين ترجيحه (645).

الحنابلة

وعند الحنابلة: التيمّم مسح الوجه واللحية، حتى مسترسلها، لا ما تحت الشعر ومسح يديه إلى كوعيه (646).

وقال الخرقي: والتيمّم ضربة واحدة، يضرب بيديه على الصعيد الطيب وهو التراب، فيمسح بهما وجهه وكفيه.

وقال ابن قدامة: ويجب مسح اليدين إلى الموضع الذي يقطع منه السارق.

أومأ أحمد إلى هذا لما سئل عن التيمّم، فأومأ إلى كفه ولم يجاوزه، وقال: قال الله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) من أين تقطع يد السارق أليس من ههنا؟ وأشار إلى الرسغ (647).

والجميع يشترطون فيه النية، حتى الحنفية الذين لم يقولوا بوجوبها للوضوء والغسل، ولم يخالف منهم إلاّ زفر، فإنّه ذهب إلى أنّ النية ليست بشرط، والشيعة يشترطون الترتيب والموالاة ووافقهم المالكية، فإنهم يشترطونهما (648).

والشافعية يقولون بالموالاة للضرورة فتجب على صاحب الضرورة، وتندب لغيره، وفي قول للشافعي: إنّها تجب، أما الترتيب فيوجبونه بين الوجه واليدين، فيلزم تقديم الوجه، وأمااليدان فيستحب أن يقدم اليمنى على اليسرى(649).

والحنابلة يشترطون الترتيب والموالاة (650). أمّا الحنفية فإنّ الترتيب والموالاة عندهم من السنن لا الواجبات (651).

الاتفاق والافتراق بين المذاهب

رأينا فيما سبق من عرض صور كيفية التيمم أنّ الأكثر يتفق مع مذهب الشيعة فيه، فالمالكية لهم قول في الاكتفاء بمسح الكفين، وكذلك الشافعية على قول للشافعي، وأما الحنابلة فلا خلاف عندهم في وجوب مسح الكفين كما هو مذهب الشيعة.

نعم الحنفية يرون لزوم مسح اليدين إلى المرفقين، ولهم قول بالاكتفاء بمسح أكثر الوجه واليدين، وصحح هذا القول عندهم، وروى الحسن عن أبي حنيفة: أن مسح الكفين إلى الرسغين، وروى الحسن أيضاً عن أبي حنيفة: أن الاستيعاب ليس بواجب، حتى لو ترك شيئاً أقل من الربع من الوجه أو اليدين ـ الواجب مسحهما في التيمم ـ يجزيه (652).

وقد احتج القائلون بمسح اليد إلى المرفقين بالآية، وبالقياس على الوضوء بأن المرفقين ممسوحين في التيمم فكان في الوضوء كغسله، ولأنّ الله تعالى أمر بمسح الأيدي فلا يجوز التقيد بالرسغ ـ وهو ما بين الساعد والكف ـ إلاّ بدليل، وقد قام دليل التقيد بالمرفق، ويعنون بالدليل المقيّد بالمرفقين ما روي عن ابن عمر مرفوعاً بلفظ: ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين.

وقد تكلم الحفاظ فيه، وطعنوا في إسناده، لأنّ فيه علي بن ضبيان. وقال أبو زرعة: حديث باطل. وقال أحمد بن حنبل: ليس بصحيح عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إنّما هو عن ابن عمر. وهو عندهم حديث منكر.

وقال الخطابي: ـ هذا الحديث ـ يرويه محمد بن ثابت، وهو ضعيف.

وقال ابن عبد البر لم يروه غير محمد بن ثابت وبه يعرف، ومن أجله ضعف عندهم، وهو عندهم حديث منكر (653).

وكل ما ورد عن ابن عمر وغيره بتعين المسح إلى المرفقين، فهو غير صحيح كما نصّ عليه كثير من الحفاظ، وقد ناقش ابن حزم جميع الأحاديث التي احتجّ بها القائلون بالمسح إلى المرفقين (654) بما لا حاجة إلى التعرض لذكرها.

وقال الحافظ بن حجر في الفتح: لم يصح في التيمّم سوى حديث أبي جهم وحديث عمار، فحديث أبي جهم ورد مجملا، وحديث عمار يذكر الكفين في الصحيحين (655).

وقال الشافعي: وممّا يقوي الاقتصار على الوجه والكفين أنّ عماراً ما كان يفتي بعد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ بالوجه والكفين ضربة واحدة، وراوي الحديث أعرف بالمراد به من غيره، ولا سيما الصحابي المجتهد (656).

وباختصار أنّ عمدة ما يستدل به القائلون بوجوب المسح إلى المرافق، هو القياس على الأمر بالوضوء، وحديث ابن عمر وحديث أبي اُمامة. وحديث الأسلع بأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: في المسح إلى المرفقين.

وكل هذا لا حجة فيه: أمّا حديث ابن عمر فقد مرّت مناقشته، وأمّا حديث أبي اُمامة الباهلي يرويه جعفر بن الزبير عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبياُمامة، فإنّ جعفر بن الزبير ضعيف الحديث، بل وضاع كما قال ابن حيان: أنّه يروي عن القاسم وغيره أشياء موضوعة، وروى عن القاسم عن أبي اُمامة نسخة موضوعة، وقال شعبة: إنّه وضع على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أربعمائة حديث كذب(657).

وكذلك أن بين الراوي جعفربن الزبير وبين محمد بن عمر اليافعي رجل مجهول لم يسمه الراوي، بل قال: عن رجل عن جعفر بن الزبير.

وأمّا حديث الأسلع ـ أو الأشلع ـ كما في مبسوط السرخسي فهو حديث لا يصحّ الاحتجاج به، لأنّ سنده مظلم، وكلّهم لا يعتمد عليهم، ولأنّ اسلع شخصية يصعب إثباتها، إذ لم يعرفه حفاظ الحديث، ولم يرو عنه أحد إلاّ هذا الحديث رواه البيهقي، ومثل هذا لا يصح أن يعتمد عليه، ولا تصلح هذه الأحاديث الواهية لمعارضة حديث عمار بن ياسر رضوان الله عليه، الذي نصّ الحفاظ على أنّه أصح حديث في هذا الباب، أخرجه أصحاب الصحاح، وفيه أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قال له في صفة التيمّم: إنّما يكفيك هكذا وضرب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بكفّه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه(658).

وفي لفظ: إنّما يكفيك أن تضرب بكفيك في التراب، ثم تنفخ فيهما، ثم تمسح بهما وجهك وكفّيك إلى الرسغين. رواه الدار قطني بهذا اللفظ.

وقد أجاب الحنابلة على تلك الأحاديث التي جاء فيها ذكر المسح إلى المرفقين كما أشرنا لبعضه؛ وقال الخلال: الأحاديث في ذلك ضعيفة جداً لم يروِ منها أصحاب السنن إلاّ حديث ابن عمر.

وأجاب ابن قدامة عن الاحتجاج بالقياس بقوله: وقياسهم ينتقض بالتيمّم عن الغسل الواجب، فإنّه ينقص عن المبدل،وكذلك في الوضوء فإن فيه أربعة أعضاء والتيمم في عضوين، وكذا نقول في الوجه فإنّه لا يجب مسح ما تحت الشعور الخفيفة، ولا المضمضة والاستنشاق (659).

وأمّا إستيعاب الوجه في المسح كما ذهب إليه الشافعية، والحنابلة، والمالكية(660) فإنّهم وإن قالوا بوجوب مسح الوجه كلّه، إلاّ أنّهم لا يوجبون تتبع غضون الوجه، والحنفية يجوزون الإخلال ببعض الوجه، وكل ذلك لا يتفق مع مذهب الشيعة، فإنّهم أوجبوا مسح الجبين واستدلوا بالآية الكريمة (فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ) وإن الباء للتبعيض، ولو لم تكن للتبعيض لبطلت فائدتها، إذ لا وجه للزيادة؛ إذ الزيادة لها لغو، وإلغاؤها خلاف الأصل، وأنّها استعملت مع الفعل المتعدي للتبعيض، فيكون حقيقة فيه دفعاً للمجاز كما في قوله تعالى (وامسحوا برؤوسكم)(661) في آية الوضوء، والكل قائل بأنّ الواجب في المسح هو البعض، كما روي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ودلت الأخبار الواردة عن أهل البيت في ذلك؛ روي عن الإمام الباقر والصادق(عليها السلام)رواه الصدوق وغيره، في بيان كيفية التيمّم، وفيه مسح الجبهة، كما هو منصوص عليه ممّا يطول بيانه (662).

مع أنّ أخبار التيمّم لا تعين كيفية مسح الوجه هل كلّه أو بعضه؟ والآية دالة على التبعيض، وإنكار ورود الباء للتبعيض غير مسموع بشهادة أكثر اللغويين.

وقد قال الإمام الباقر(عليه السلام): إنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وصف التيمم لعمار بقوله: أفلا صنعت كذا؟ ثم أهوى بيديه إلى الأرض، فوضعهما على الصعيد، ثم مسح جبينيه بأصابعه، وكفّيه إحداهما بالاُخرى (663).

وعن زرارة أنّه سأل الإمام الصادق(عليه السلام) عن التيمم؛ فضرب(عليه السلام) بيديه الأرض، ثم رفعهما، ومسح بهما جبهته مرة واحدة (664).

كما أنّ العرف يقضي بأنّ اطلاق الوجه على الجبهة مستعمل كما يقال: سجد وجهي، وضرب وجهه.

وقال بعض الصحابة لرجل رآه ساجداً وقد جعل بينه وبين التراب وقاية: ترب وجهك (665). ولا يريد منه إلاّ وضع الجبهة على الأرض.

والخلاصة أنّ الخلاف في أنّ مطلق الوجه واليدين هل يدل على مجموع العضو فيلزم تعميمه بالمسح؟ وإذا كان كذلك لزم مسح اليد إلى الإبط كما ذهب إليه الزهري، ويلزم مسح الوجه حتى مواضع التحذيف، وهم لم يلتزموا بذلك؛ لأن اليد عند الإطلاق تحمل على الكفين، كما في آية السرقة، وقيل إن اليد حقيقة في الكف وفيما فوقها مجاز(666)، وقياس التيمم باطل كما تقدم، وقد ذهب الظاهرية إلى مسح الجبهة في التيمم، وما روي عن علي أنّه كان يرى مسح الذراعين في التيمم فذلك غير صحيح.

ما يصحّ التيمم به

اتفقت المذاهب الإسلامية على أنّ التيمّم لا يصح إلاّ بالصعيد، للآية الكريمة، والصعيد هو التراب أو وجه الأرض، لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): جُعِلَت لِي الأرضُ مَسجِداً وَطهُوراً(667).

وقد وقع الخلاف بينهم في مصداق اسم الأرض، هل هو التراب فقط؟ أم هو ما تصاعد عليها حتى الثلج والمعادن؟

أمّا الشيعة فقالوا: إنّه التراب أو ما يصدق عليه اسم الأرض سواء أكان تراباً، أم رملا أم جصّاً، مدراً أم صخراً أملس، وقيل منه أرض الجصّ والنورة قبل الاحراق. ولا يجوز التيمّم بما لا يصدق عليه اسم الأرض، وإن كان منها كالرماد والنبات، والمعادن كالعقيق والفيروزج ونحوهما. ممّا لا يُسمّى أرضاً ويشترط فيما يتيمّم به أن يكون طاهراً، ومباحاً، إذ لا يصحّ بالنجس ولا بالمغصوب (668).

أمّا الحنفية فجوزوا التيمّم بكلّ جنس الأرض: كالتراب والرمل والزرنيخ والنورة والمغرة ـ وهي الطين الأحمر ـ والكحل والكبريت، والفيروزج والعقيق وسائر أحجار المعادن، والملح الجبلي(669) على خلاف من أبي يوسف، فإنّه لايجوز إلاّ بالتراب والرمل. ثم رجع (670) إلى قول الشافعي بأنّه لا يجوز إلاّ بالتراب.

وأجاز أبو حنيفة التيمّم على حجر الجدران، وإن لم يكن فيها غبار، ولصاحبه محمد قولان: الجواز وعدمه.

أمّا المالكية فيجوزونه على التراب والرمل والحجارة، وكلّ ما تصاعد من الأرض من ثلج أو سبخة، أو خضخاض ـ وهو المكان المترب تبله الأمطار ـ وبكل معدن غير نقد وجوهر، إلاّ أن لا يجد غيرهما وأدركته الصلاة، وهو بأرض ذهب وفضة أو جوهر فيتيمّم عليها (671).

وذهب مالك إلى أنّ العادم للماء والتراب كالمريض والمربوط لا تجب عليه الصلاة، لأنّه محدث لا يقدر على رفع الحدث، ولا استباحة الصلاة بالتيمّم، فلم تكن عليه صلاة كالحائض (672).

والشافعية يجوزونه بكلّ تراب طاهر حتى ما يداوى به ـ كالأرمي والسبخ الذي لا ينبت ـ وبالرمل إن كان فيه غبار ولا يصح عندهم بالمعدن، ولا بسحاقة الخزف، ولا المختلط بدقيق ونحوه، وقيل: إن قل الخليط جاز(673).

والحنابلة يوافقون الشافعية في اشتراط التراب، ويجوزونه في الرمل على رواية عن أحمد، ورواية اُخرى أنّه جوز التيمّم في السبخة والرمل، وإذا اضطر يجوز له في النورة والجص (674).

وقال ابن قدامة: فإن ضرب بيده على لبد أو ثوب أو جوالق، أو برذعة، أو في شعير فعلق يده غبار فتيمّم به جاز. نص على ذلك أحمد (675).

وانفرد أحمد بن حنبل بأنّ المكلف إذا كانت على بدنه نجاسة وعجز عن غسلها لعدم الماء تيمّم لها وصلّى، إذ هو بمنزلة الجنب عنده(676).

نواقضه

ينتقض التيمّم بما ينتقض به الوضوء والغسل من الأحداث، كما أنّه ينتقض بوجدان الماء، أو زوال العذر (677).

هذا هو المشهور عند الشيعة وادعى عليه الإجماع، وقد اتفقت المذاهب على ذلك، واختلفوا في جواز الجمع بين صلاتين بتيمّم واحد، فأجازه الحنفية ومنعه المالكية، وقال الحنابلة: في جواز الجمع في القضاء لا في الأداء، وزاد بعض الحنابلة: أن التيمّم ينتقض بظن وجود الماء، وقال بعضهم: إنّه لو نزع عمامة، أو خفاً يجوز المسح عليه فإنه يبطل تيمّمه. نصّ على ذلك أحمد، لأنه مبطل للوضوء فأبطل التيمّم كسائر المبطلات(678).

هذا ما يتعلق الكلام به حول التيمّم، وما وقع الاختلاف في بعض مسائله، وما اتفقوا عليه، وقد تركنا كثيراً من ذلك، لضيق المجال والاكتفاء بالبعض عن ذكر الجميع.

النجاسات

النجاسة في اللغة اسم لكلّ مستقذر (679). وفي الشرع: قذارة خاصة، اقتضت وجوب هجرها في موارد مخصوصة، فكلّ جسم خلي عن تلك القذارة فهو طاهر. وقيل هي الخبث. وهي كلّ عين مستقذرة شرعاً، إلى غير ذلك من التعريفات.

والفقهاء يقسّمون النجاسة إلى قسمين: نجاسة حكمية. ونجاسة حقيقية. وكذلك قسموا الطهارة إلى قسمين: طهارة حكمية. وهي الطهارة عن الحدث وقد مر الكلام حولها. والقسم الثاني هي الطهارة الحقيقية، وهي الطهارة عن الخبث.

والحنفية قسّموا النجاسة إلى قسمين: غليظة: باعتبار قلة المعفو عنها كالخمر، والدم المسفوح، ولحم الميتة وإهابها قبل دبغه. وخفيفة: باعتبار كثرة المعفو عنه منها بما ليس في المغلظة: كبول الفرس، وبول ما يؤكل لحمه من النعم الأهلية، والوحشية كالغنم، والغزال... الخ.

وعلى كلّ حال فإنّ الخلاف بين المذاهب في تعداد النجاسة، وكيفية تطهيرها، وما يتعلق بذلك أمر يطول البحث باستقصائه، وليس من غرضنا ذلك، ولكننا نستعرض المهم في الموضوع من بيان الخلاف بين المذاهب أجمع، بعد أن نعطي صورة موجزة عمّا ذهب إليه الشيعة في تعداد الأعيان النجسة، ثم نستعرض ما اتفقوا عليه وما اختلفوا فيه لنعرف مدى الخلاف في ذلك، بدون إطالة واستقصاء.

 

 

 

 (306) الصراط المستقيم ج 3 ص 196 ـ 200.

(307) الصراط المستقيم ج3 ص220 ـ 222، المغني لابن قدامة ج1 ص70.

(308) الصراط المستقيم ج3 ص217 ـ 220.

(309) رحمة الاُمة ص 14 و 17.

(310) الفوائد العديدة في المسائل المفيدة لأحمد بن محمد التيمي النجدي ص 48 ـ 50 نقلا عن كتاب الإفصاح للوزير عون الدين يحيى بن هبيرة.

(311) اُنظر صفة صلاة النبي للألباني ص 37.

(312) الاستمناء باليد هو المعروف بالعادة السرية المنهي عنها شرعاً وقد أيّد الطب ذلك وأنها تورث (الهستيريا) ولعل المراد بقوله ونحوها هو جواز التفكر بجمال امرأة أو النظر اليها لإنزال الشهوة أو العبث بالذكر وقد جوّز الأحناف ذلك لمن كان أعزب لتسكين شهوته، كما جاء في شرح مراقي الفلاح ص17 وعندنا كلّ ذلك حرام مخالف للأدلة.

(313) كالخلاف تأليف شيخ الطائفة الطوسي المتوفى سنة (460 هـ) وتذكرة الفقهاء للعلاّمة الحلّي وغيرهما.

(314) لسان العرب ج 8 ص 210 ـ 212 مادة طهر.

(315) اللمعة الدمشقية للشهيد الأوّل ص15.

(316) تذكره الفقهاء ج 1 ص 7.

(317) بداية المجتهد ج 1 ص 30.

(318) نيل الأوطار ج 1 ص 14.

(319) الروض الندي ص 21.

(320) شرائع الإسلام للمحقق الحلي ج1 ص8، وشرح اللمعة الدمشقية للشهيد الثاني ج1 ص245 ـ 248. ط مصر وتذكرة الفقهاء ج1 ص2 وبداية المجتهد للقرطبي ص6 والروض الندي شرح كافي المبتدي ص21 والفواكه العديدة ص6وشرح مراقي الفلاح ص 2. وغيرها.

(321) المائدة 6.

(322) كنز العمال ج 9 ص 280 ح 26018.

(323) شرائع الاسلام للمحقق الحلي والتذكرة للعلامة الحلي والخلاف للشيخ الطوسي والعروة الوثقى للسيد اليزدي والمستمسك للسيد الحكيم والمختصر النافع للمحقق وغيرها من كتب الفقه.

(324) المجموع ج1 ص313 فتح العزيز ج1 ص 310، بداية المجتهد ج1 ص 8.

(325) صحيح مسلم ج 3 ص 151 ج7 ص190، نيل الأوطار ج 1 ص 163، رحمة الاُمة ج1 ص17 مغني المحتاج ج1ص 47.

(326) المنتقى في شرح موطأ مالك ج1 ص35.

(327) بداية المجتهد ج1 ص10.

(328) الروض الندي ص 35.

(329) غنية المتملي في شرح منية المصلي ص 8.

(330) بداية المجتهد ج 1 ص 10 ـ 11.

(331) الروض الندي ص 36.

(332) المبسوط للسرخسي ج1 ص6، بدائع الصنائع ج1 ص4.

(333) النساء 2 .

(334) آل عمران 52.

(335) ذكرى الشيعة ج1 ص130 ـ 132.

(336) المائدة 6.

(337) سنن أبي داود ج 1 ص 38، ح150.

(338) الكافي ج3 ص29 ح1.

(339) الكافي ج 3 ص 29.

(340) المهذب للشيرازي ج1 ص17.

(341) النظر المبسوط للسرخسي ج 1 ص 65.

(342) بدائع الصنائع ج 1 ص 5.

(343) بداية المجتهد ج 1 ص 11.

(344) غاية المنتهى ص 31.

(345) نيل الأوطار ج 1 ص 155.

(346) شرح صحيح مسلم للنووي ج 4 ص 107.

(347) المغني لابن قدامة ج 1 ص 114.

(348) ذكرى الشيعة ج 1 ص 192.

(349) رحمة الاُمة في اختلاف الأئمة ج 1 ص 19 بهامش ميزان الشعراني.

(350) نيل الأوطار للشوكاني ج1 ص114.

(351) الكافي ج3 ص25 ح4.

(352) فقه القرآن للقطب الراوندي ج1 ص19، الذكرى للشهيد الأوّل ص88 .

(353) المجموع ج1 ص418 المغني لابن قدامة ج1 ص150 ـ 151 المحلّى ج 2 ص 56 أحكام القرآن لابن عربي ج 2 ص 557.

(354) وسائل الشيعة ج 1 ص 387 أبواب الوضوء ص 15.

(355) اُنظر هذا المبحث في كتاب المسائل الناصرية وكتاب الانتصار للسيد المرتضى وتفسير التبيان لشيخ الطائفة محمد ابن الحسن الطوسي ج 3 ص 152 ـ 157 وتفسير مجمع البيان لأبي علي بن الفضل بن الحسن الطبرسي ج 6 ص 37 ط دار الفكر والغنية لأبي المكارم عزّ الدين حمزة بن علي بن زهرة الحلبي وغيرها من كتب الفقه والتفسير.

(356) تفسير الرازي ج 3 ص 37.

(357) تفسير الرازي ج11 ص161 و162 .

(358) الإنسان 20.

(359) أحكام القرآن للجصاص ج2 ص422.

(360) هامش غنية المتملي ص 8.

(361) المحلى لابن حزم ج 1 ص 207.

(362) صحيح مسلم ج1 ص214 ح214، صحيح البخاري ج1 ص52، سنن ابن ماجة ج1 ص55 ح450.

(363) بداية المجتهد ج1 ص15.

(364) صحيح مسلم شرح النووي ج 4 ص 121 ـ 123.

(365) تفسير الخازن ج2 ص16، معالم التنزيل للبغوي ج1 ص16 بهامش الخازن.

(366) تفسير الخازن ج2 ص16.

(367) أحكام القرآن لابن العربي ج2 ص574.

(368) سنن أبي داود ج1 ص41 ح160.

(369) مسند أحمد ج1 ص124.

(370) سنن البيهقي ج1 ص121 ـ 122 / 254.

(371) الوسائل ج1 ص377.

(372) سنن بن ماجة ج1 ص155 ح456.

(373) ميزان الاعتدال ج7 ص360 / 10146.

(374) الكافي ج3 ص24.

(375) الكافي ج3 ص27.

(376) الوسائل طبع مصر ج1 ص376 ـ 377.

(377) صحيح الترمذي ج1 ص137 ح93، سنن ابن ماجة ج1 ص435 ح543.

(378) التهذيب ج1 ص361 ح1091.

(379) التهذيب ج1 ص361 ح1091.

(380) التهذيب ج1 ص362 ح1092.

(381) الكافي ج3 ص32 ح1.

(382) التهذيب ج1 ص361 ح1091

(383) التهذيب ج1 ص32 ح1091.

(384) نيل الأوطار ج1 ص177، تفسير الرازي ج3 ص371، بداية المجتهد ج1 ص17.

(385) المغني لابن قدامة ج1 ص384.

(386) بدائع الصنائع للكاساني ج 1 ص 7.

(387) المنتقى لابن الباجي ج 1 ص 77.

(388) بدائع الصنائع ج1 ص7.

(389) المصدر السابق.

(390) أحكام القرآن ج2 ص576.

(391) لاندري ما هو المقصود من السنّة؟ هل هو مسح الخفين الذي لم يثبت من القرآن بل الثابت في القرآن الكريم مسح الأرجل، وهو كما ترى، وأيضاً ما هي البدعة أهي جواز المسح على الأرجل تبعاً للقرآن الكريم ووفقاً للصحابة، إذا كانت البدعة هي موافقة الكتاب والأصحاب ، إذن لا نبالي بأخذها.

(392) الشوكاني ج1 ص176.

(393) تيسير الوصول للشيباني ج3 ص76.

(394) انظر النهاية لابن الأثير ج 4 ص 289 مادة مأق.

(395) شرح العناية على الهداية للبابرتري ج1 ص100 .

(396) الخلاف للشيخ الطوسي ج1 ص 6.

(397) الهداية في شرح بداية المبتدي ج1 ص4.

(398) بداية المجتهد ج1 ص40.

(399) عمدة الفقه على مذهب أحمد ص 9.

(400) بداية المجتهد ج 1 ص 13.

(401) المحلى لابن حزم ج2 ص56.

(402) نيل الأوطار للشوكاني ج1 ص161.

(403) بدائع الصنائع للكاساني ج1 ص23.

(404) المنتقى ج 1 ص 75.

(405) تيسير الوصول ج3 ص77.

(406) الموطأ ج1 ص35 ح 38.

(407) الخلاف للشيخ الطوسي ص6.

(408) الروض الندي ص38.

(409) عمدة الفقه ص 10.

(410) بدائع الصنائع ج1 ص50.

(411) المهذب ج1 ص18.

(412) المنتقى ج1 ص75.

(413) صحيح الترمذي ج1 ص146.

(414) الاستذكار لابن عبدالبر ج1 ص211، باب ما جاء في المسح بالرأس.

(415) تهذيب التهذيب ج 9 ص 16 / 23.

(416) العلل ج1 ص104.

(417) نهاية المحتاج ج1 ص177.

(418) المنية ص11.

(419) فتاوى ابن تيمية ج1 ص47.

(420) كتاب شرعة الإسلام ص92.

(421) ذكرى الشيعة ج2 ص164.

(422) غاية المنتهى ص25.

(423) عمدة الفقه ص10.

(424) المهذب لابي إسحاق الشيرازي ج 1 ص 19.

(425) غنية المتملي ص11.

(426) بدائع الصنائع للكاساني ج1 ص22.

(427) المائدة: 6.

(428) التهذيب ج1 ص97 ح251.

(429) المبسوط للسرخسي ج1 ص55، الهداية ج1 ص5 وغيرها.

(430) نهاية المحتاج للرملي ج1 ص160، عمدة الفقه لابن قدامة ص4.

(431) عمدة الفقه ص8، زوائد الكافي والمحرر على المقنع ص7.

(432) ذيل طبقات الحنابلة ج1 ص271.

(433) المنتقى للباجي ج1 ص47.

(434) المحلّى لابن حزم ج2 ص68.

(435) مناقب الشافعي للرازي ص148.

(436) البينة: 5.

(437) مناقب الشافعي للرازي ص154.

(438) تذكرة الفقهاء ج1 ص102 مسألة 28.

(439) التهذيب ج1 ص6 ح3.

(440) الوسائل ج1 ص242.

(441) المجموع ج2 ص14، الوجيز ج ص16، كتاب الاُم ج1 ص12، فتح العزيز ج1 ص21.

(442) شرح صحيح مسلم ج4 ص73.

(443) نيل الأوطار للشوكاني ج1 ص190.

(444) البحر الزخار ج1 ص88.

(445) مغني المحتاج للنووي ج1 ص34.

(446) شرح الهداية ج1 ص6.

(447) بدائع الصنائع للكاساني ج1 ص30.

(448) رحمة الاُمة ص14.

(449) زوائد الكافي لعبد الرحمن الحنبلي ص8.

(450) غاية المنتهى ص37.

(451) الودي ماء كدر يخرج عقيب البول أحياناً والوذي "بالمعجمة" ماء يخرج بعد خروج المني والمذي ماء لزج يخرج بلا شهوة.

(452) بدائع الصنائع للكاساني ج1 ص26، الاختيار لتعليل المختار ج1 ص9.

(453) المهذّب للشيرازي ج1 ص24.

(454) الجواهر الزكية في حل الفاظ العشماوية ص26.

(455) العمدة لابن قدامة ص11، التنقيح ص26.

(456) الجامع الصغير ص74.

(457) شرح فتح القدير ج1 ص69 ـ 71.

(458) المائدة 6.

(459) التهذيب ج1 ص102 ح268.

(460) التهذيب ج1 ص347 ح1008.

(461) التهذيب ج1 ص8 ح11.

(462) حاشية الصفتي على الجواهر السنية في حل ألفاظ العشماوية ص36.

(463) المنتقى ج1 ص54 تجد البحث مفصلا.

(464) شرح صحيح مسلم للنووي ج4 ص49.

(465) المهذب ج1 ص5.

(466) اللمعة الدمشقية للشهيد الأول وشرحهاللشهيد الثاني والشرائع والبيان والمختصر النافع للمحقق الحليوالنهاية للشيخ الطوسي والغنية لعز الدين زهرة الحلي والمقنع للشيخ الصدوق وغيرها من كتب الفقه عند الشيعة.

(467) مفصل ما بين الساعد والكف، والساق والقدم، كتاب العين للفراهيدي ج4 ص377.

(468) البحر الزاخر لأبيبكر البزار، وكتاب الاختيار لتعليل المختار لعبدالله الموصلي (أبوالفضل مجدالدين)، ومراقي الفلاح للشرنبلالي المصري (حسن بن عمار بن علي) وغيرها.

(469) المختصر ص8، الجواهر الزكية في حل ألفاظ العشماوية.

(470) منهاج الطالبيين للنووي ص4، نهاية المحتاج لابن شهاب الرملي ج1 ص162.

(471) الحج: 78.

(472) الكافي ج3 ص33 ح3.

(473) التهذيب ج1 ص363 ح1097.

(474) القدوري ص9 طبع الهند، بدائع الصنائع للكاساني ج1 ص51.

(475) المبسوط للسرخسي ج 1 ص 73 ـ 74.

(476) عمدة الفقه ص11.

(477) غاية الاختصار لابن القاسم، مخطوط ص11.

(478) النساء: 43.

(479) المائدة: 6.

(480) النساء: 4.

(481) كتاب الاُم ج1 ص36.

(482) مسند أحمد ج6 ص239.

(483) كتاب مدارك الأحكام للسيد محمد بن علي الحسيني العاملي ورياض المسائل في بيان الأحكام بالدلائل للسيد علي الطباطبائى وجواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام للشيخ محمد حسن صاحب الجواهر وهداية الأنام للشيخ محمد حسين الكاظمي ومستمسك العروة الوثقى للسيد محسن الحكيم ونهاية الشيخ الطوسي وشرائع الإسلام ونكت النهاية لأبي القاسم جعفر بن سعيد الحلي وكتاب الوسيلة لعماد الدين جعفر محمد بن علي بن حمزة وغيرها من كتب الفقه الشيعي.

(484) الشرح الصغير ص61.

(485) المغني لابن قدامة ج 1 ص 198.

(486) الروض الندي ص43.

(487) طبقات الشافعية ج3 ص241.

(488) المغني لابن قدامة ج 1 ص 91 رحمة الاُمة ج 1 ص 71 فتح العزيز ج 1 ص 310.

(489) حاشية الطحاوي على مراقي الفلاح 55 ـ 57، باب فرائض الغسل، وباب سنن الغسل، الطبعة الثالثة، المطبعة الأميرية، بولاق مصر.

(490) حاشية ابن عابدين ج1 ص164.

(491) الروض الندي ص45.

(492) المغني لابن قدامة ج1 ص217 ـ 215.

(493) المنتقى ج1 ص96.

(494) ابن القاسم على غاية الاختصار ص8 .

(495) شرح النووي لمسلم ج3 ص289.

(496) شرح النووي لمسلم ج3 ص229.

(497) المائدة: 6.

(498) الكاساني ج1 ص38.

(499) النساء: 43.

(500) الكاساني ج1 ص38.

(501) حاشية نهاية المحتاج ج1 ص302.

(502) غاية المنتهى ص46.

(503) المنتقى ج1 ص112.

(504) التهذيب ج1 ص126 ح340.

(505) المزّمل: 20.

(506) أخرجه أبو داود والترمذي ج1 ص131، وابن ماجة ج1 ص196، ح596.

(507) أخرجه الخمسة. سنن ابن ماجة ج1 ص195 وص594، سنن النسائي ج1 ص144، سنن أبي داود ج1 ص59 ح229، مسند أحمد ج1 ص124، صحيح الترمذي ج1 ص190 ح146.

(508) نيل الأوطار ج1 ص226، سنن النساني ج1 ص144.

(509) تذكرة الفقهاء ج1 ص235 مسألة 68.

(510) كتاب ضوء الشمس لأبي المدى ج 1 ص 148.

(511) المنتقى ج1 ص112.

(512) انظر العروة الوثقى ج 1 ص 219 وسيلة النجاة ج 1 ص 48 تحرير الوسيلة ج 1 ص 34.

(513) تذكرة الفقهاء ج1 ص256 مسألة 83.

(514) أحكام القرآن للجصاص ج1 ص400.

(515) المهذب ج1 ص38.

(516) المبسوط للسرخسي ج3 ص147.

(517) الجصاص ج1 ص400.

(518) المغني لابن قدامة ج1 ص320.

(519) المغني لابن قدامة ج1 ص308.

(520) تذكرة الفقهاء ج 1 ص 257 و 259.

(521) كتاب الاُم ج1 ص68، المجموع ج2 ص376 و 380.

(522) المدونة الكبرى ج1 ص49، بداية المجتهد ج1 ص50.

(523) المغنى لابن قدامة ج1 ص310.

(524) المغني لابن قدامة ج1 ص322.

(525) المبسوط للسرخسي ج1 ص149.

(526) التهذيب ج1 ص397 ح1237.

(527) التهذيب ج1 ص397 ح1235.

(528) التهذيب ج1 ص397 ح1236.

(529) حاشية ابن عابدين ج1 ص212.

(530) المبسوط للسرخسي ج1 ص149 ـ 150.

(531) نهاية المحتاج ج1 ص308.

(532) الجواهر الزكية ص84.

(533) المغني لابن قدامة ج1 ص263.

(534) كتاب الهادي أو عمدة الحازم ص14.

(535) الروض الندي ص54.

(536) المغني ج1 ص263.

(537) البقرة 222.

(538) تذكرة الفقهاء ج1 ص266 و 227.

(539) الدر المختار الحصفكي ج1 ص322، وفيه (ويندب تصدقه).

(540) المنتقى ج1 ص117.

(541) المهذب للشيرازي ج 1 ص 38.

(542) سنن النسائي ج1 ص188، سنن أبي داود ج1 ص69 ح264.

(543) المغني ج 1 ص 236، سنن الترمذي ج1 ص91، باب ما جاء في الكفارة، ح137 .

(544) مراقي الفلاح ص 44 وملتقى الأبحر ص 7.

(545) البقرة 222.

(546) ابن رشد في البداية ج 1 ص 56.

(547) رياض المسائل ج 1 ص 317.

(548) تذكرة الفقهاء ج 1 ص 281 مسألة 91.

(549) صحيح مسلم شرح النووي ج4 ص19.

(550) المعني لابن قدامة ج 1 ص 374، عمدة القاري ج3 ص277.

(551) سنن أبي داود ج 1 ص 68.

(552) سبل السلام للأمير الصنعاني ج 1 ص 101.