الإمام أحمد بن حنبل

 

الإمام أحمد بن حنبل نسبُه ونشأتُهُ 

 

تمهيد

نحن الآن مع الإمام أحمد بن حنبل، الإمام الرابع من أئمة المذاهب الإسلامية، وقد حاولنا قدر الجهد والإمكان التعرّف على كلّ واحد من أئمة المذاهب الأربعة، في دراسة مجرّدة عن التحيّز، كما أهملنا الكثير من الزوائد التي لا نلمس من ورائها شيئاً جوهرياً عن شخصيّة كل واحد منها، فهناك كثير من الأساطير التي وضعت في ظروف خاصة، حول تكوين تلك الشخصية، وإبرازها في اطار الإعجاب، والخروج عن حدود الواقع.

وقد ظهر لنا فيما سبق أسباب إيجاد تلك الاُمور، كما وقفنا على عوامل انتشار مذاهبهم، دون غيرهم، ولنا فيما سبق من البحث في الأجزاء السابقة كفاية عن الإطالة، وقد بقيت اُمور تتعلق في البحث عنهم ستأتي في الأجزاء القادمة إن شاء الله.

أمّا الإمام أحمد فإنّ دراسة حياته لا تخلو من الأساطير والحكايات والأطياف، التي جعلت في جدول تكوين شخصيته، ممّا لا تتفق مع الواقع، ولا يمكن قبولها من دون تمحيص، ولا بدّ لنا من الوقوف على الحقيقة من طريق البحث العلمي، لا التخمين والوهم.

كما أنّ هناك آراء وعقائد نسبها الحنابلة الى أحمد بن حنبل، وهي بعيدة عن الاعتقاد الصحيح، وقد عدّ هذا من ابتلاء أحمد في أصحابه، لأنّ نسبتها إليه مما يثير الشك والريبة في أمره.

وفي عصر أحمد ماجت المدن الإسلامية بعناصر مختلفة، من اُمم متباينة الأرومة، وترجمت العلوم الفلسفية من اللغة السريانية واليونانية وغيرهما، وامتزجت مدنيّات وتصادمت حضارات.

ومن طبيعة العصر الذي تكثر فيه المنازعات، ويضطرم باحتكاك المدنيات المختلفة بعضها ببعض، أن تظهر فيه آراء وأخلاق منحرفة، ويكثر الشذوذ الفكري والشذوذ الاجتماعي، حتى يصبح الشاذ هو الكثير، والغريب هو المألوف.

فالبحث عن شخصية علمية عاشت في ذلك العصر، المائج بالاختلاف وشذوذ الآراء، لا بدّ من أن يتصف بصعوبة أمام الباحث الذي يتجرّد عن العاطفة، والغلوّ والتحيّز.

ونحن الآن ندرس حياة الإمام أحمد على ضوء الواقع، تاركين وراءنا كثيراً من زوائد المغالين، لأنها لا تكشف عن ناحية من نواحي تلك الشخصية التي يتطلّبها البحث المتجرّد عن العاطفة.نسبه

هو أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن حيان بن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة ابن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن قصي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار.

هكذا ساق ابن الجوزي هذا النسب في مناقب أحمد (269) وكذلك ذكره القاضي ابن أبي يعلى في الطبقات .(270)

وقد اختلف في مازن بن ذهل بن شيبان، فبعضهم يقول: مازن بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة. وبعضهم يقول: مازن بن شيبان بن ثعلبة، ولا يهمّنا هذا الاختلاف فقد ورد نسبه بهذه الصورة، ولكن المهم في ذكر هذا النسب على طوله، والاختلاف فيه، أنّه جعل من مناقب أحمد ومن مؤهلاته العلمية.

يقول ابن رجب بعد ذكر هذه السلسلة: وهذا النسب فيه منقبة عميمة، ورتبة من وجهين:

أحدهما حيث تلاقى في نسب رسول الله (صلى الله عليه وآله): لأنّ نزاراً - وهو الجدّ السابع والعشرين لأحمد - كان له ابنان أحدهما مضر ونبينا من ولده والآخر ربيعة وإمامنا أحمد من ولده.

والوجه الثاني أنّه عربيّ صحيح النسب، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أحبّ العرب لثلاث: لأني عربي، والقرآن عربي، ولسان أهل الجنة عربي.(271)

فهذا النسب على ما ذكروه هو أول مناقب أحمد، لأنّ الاتصال برسول الله(صلى الله عليه وآله)وإن بعدت الواسطة، واتسعت الدائرة، هو منقبة عظيمة، ولعلّ ذلك هو أحد المرجّحات عندهم لمذهبه، ولزوم اتباعه، ونحن لا ننكر أنّ الاتصال برسول الله (صلى الله عليه وآله) شرف عظيم، ولكنّنا نستغرب هذا التمحّل في الاستدلال والتكلّف في الإثبات، لأنّ هذا أمر لا يختص به أحمد بن حنبل، فهو شامل لملايين من البشر، فلا يمكن جعله مرجحاً لمذهبه وعدّه في مناقبه.

وأما الوجه الثاني وهو كونه عربياً ليكون الحديث المذكور كالبشارة بأحمد ولزوم محبته، مع أنّ هذا الحديث قد نصّ كثير من الحفاظ على وضعه (272)، ومع صحته فليس من الصحيح الاستدلال به، وجعله من مقوّمات شخصية الإمام أحمد.

ولادته ونشأته

ولد أحمد في المشهور في ربيع الأول من سنة (164) من الهجرة النبوية، وقد ذكر ذلك ابنه صالح وحكاه ابنه عبد الله أيضاً، قال: سمعت أبي يقول: ولدت في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين; وذلك في عهد المهدي. واختلفت الروايات في محل ولادته، فقيل إنه ولد ببغدد، إذ جاءت به اُمه حملاً من مرو، وقيل إنها ولدته في مرو، والأوّل أشهر كما تضافرت الروايات في ذلك، وقد روي عنه أنّه قال: قدمت بي اُمي حملاً من خراسان، وولدت سنة (164 هـ).

وفي رواية اُخرى، أنّه قال: قدم بي من خراسان وأنا حمل، ولم أر جدّي ولا أبي.(273)

وروى صالح العجلي عن أبيه: أنّ أحمد بن حنبل سدوسي بصري، من أهل خراسان، ولد ببغداد ونشأ بها.

وقول العجلي أنّه بصري: لأنّ شيبان كانت منازلها بالبصرة وباديتها، وكان أحمد إذا جاء الى البصرة صلى في مسجد مازن، وهم من بني شيبان، فقيل له في ذلك فقال: مسجد آبائي .(274)

أما اُمّه فيقال: أنّها شيبانية أيضاً، واسمها صفية بنت ميمونة بنت عبد الملك الشيباني، وقيل إنّها ليست بشيبانية.(275)

وعلى الجملة فقد نشأ أحمد يتيماً في حجر اُمّه، وهي التي تولّت تربيته، لأنّها دخلت به بغداد حملاً فولدته، وليس له كافل غيرها، وما يقال: من أنّه كان يعيش على عقار أبيه في بغداد (276)، فهو قول بغير مستند.

ولا نعلم هل أنّ عمه تولى شؤونه لأنّه كان حيّاً عندما قدمت اُم أحمد من خراسان، وكان عمله إيصال الأخبار الى الولاة بأحوال بغداد، ليعلم بها الخليفة إذا كان غائبا عنها؟ وكان أحمد يتورّع عن حملها، وإيصالها الى الولاة.

ونشأ أحمد ببغداد وتربّى بها تربيته الاُولى، وكانت بغداد حاضرة العالم الإسلامي، وعاصمة دولته، وهي تموج باُناس اختلفت مشاربهم، وتخالفت مآربهم، وزخرت بأنواع المعارف والفنون، وكانت تموج برجال العلم وحملة الحديث، ففيها القرّاء والفقهاء والمتصوفة، وعلماء اللغة، والفلاسفة، والمحدثون، وقد توجه الى علم الحديث، بعد أن قرأ القرآن وتعلّم اللغة والكتابة، ولقد قال هو في ذلك: كنت وأنا غلام أختلف الى الكتاب، ثم اختلفت الى الديوان وأنا ابن عشر سنين.(277)

ثم إتّجه الى طلب العلم وهو ابن خمس عشرة سنة، وبعد ذلك رحل الى الأقطار، وكتب عن شيوخها وأخذ عن الشافعي واتّصل به اتصالاً وثيقاً، وقويت بينهم عرى المودّة، ولازمه مدّة إقامته في بغداد، وكان يعترف للشافعي بعلوّ المنزلة ويقول : ما من أحد مسّ بيده محبرة وقلماً إلاّ وللشافعي في عنقه منه. وقال: إنّه لم يبت مدة ثلاثين سنة إلاّ ويدعو الله للشافعي ويستغفر له.

وكان أوّل تلقّيه العلم على القاضي أبي يوسف صاحب أبي حنيفة المتوفى سنة (182 هـ) فقد قال : أوّل من كتبت عنه الحديث أبو يوسف .(278)

وابتدأ رحلاته لتلقي الحديث في سنة 186 هـ، فرحل الى الحجاز، والبصرة واليمن، والكوفة وكان يودّ أن يرحل الى الري ليستمع إلى جرير بن عبد الحميد، ولم يكن قد رآه في بغداد، ولكن أقعده عن الرحلة إليه عظيم النفقة عليه في هذا السبيل، وكان يقول (279) : لو كان عندي تسعون درهماً; لخرجت إلى جرير بن عبد الحميد، لأنّه كان في ضنك عيش، يتحمل في سبيل ذلك المتاعب ،إذ لم يكن له كافل من اُسرته، كما تقدّم بيانه. كما أنّه لم يتمكن من الرحلة الى الشافعي في مصر إذ وعده بذلك.

نبوغه وشهرته

ونبغ أحمد في مجتمعه وعُرف بين أقرانه، ولكن شهرته لم تكن تبلغ حدّها الذي بلغت إليه في آخر حياته إلاّ بعد وقوع المحنة، فهو في ذلك المجتمع الذي كان يزخر برجال العلم وحملة الحديث لم يكن مبرزاً، أو له شهرة تفوق غيره، لذلك لم يكن في أول الأمر معدوداً في قائمة الرجال من أهل العلم الذين تهتم الدولة في مواقفهم بمشكلة خلق القرآن، أو يسوؤها مخالفتهم، فقد جاء في كتاب المأمون الأوّل ذكر جماعة من العلماء، ولم يكن أحمد فيهم، ولكنّه ورد بعد ذلك.

ومهما يكن من أثر الأسباب في شهرة أحمد، فإنّ ذلك لا يتعدّى حدود صموده في الامتناع عن القول بخلق القرآن، وكما سيأتي أنه لم يكن الوحيد في ذلك، فإنّ جماعة من العلماء، قد وقفوا موقفاً مشهوداً، وقد تحمّلوا في سبيل ذلك الأذى، وقد تجرّعوا الغصص، وكانت خاتمة المطاف أن لقوا حتفهم في السجون، وتحت ضرب السياط وحد السيوف.

وبطبيعة الحال أن يكون ذلك الصراع العقائدي، قد فسح المجال لمعرفة الأشخاص الذين يبرزون في هذا الميدان، ومن حسن الحظ أن يبقى أحمد إلى عهد المتوكل، الذي غيّر مجرى الحوادث بمحاولته جلب الرأي العام الذي كان مستاءً من تصرفات المعتزلة، وشدّة سطوتهم، وتنكيلهم بمن يخالف عقيدتهم، فكان انتصار المتوكل للمحدثين قد أحدث انقلاباً في سياسة الدولة وتوجيه الرأي العام، فانهزم المعتزلة، وانتصر المحدثون، وسطع نجم أحمد في ذلك الاُفق المتلبّد بسحب الخلافات والمنازعات العقائدية، واتجه الرأي العام الى تعظيمه، والالتفاف حوله، وقد أبدى المتوكل عنايته التامة في احترام أحمد وتعظيمه، وأصبحت له منزلة سامية، وظهر أتباعه بمظهر العظمة. كما ظهر المتوكل بمظهر محيي السُنة وراحوا يمجّدون عرشه ويبالغون في مدحه ولم يقصر هو في رعايتهم والاعتماد عليهم فبدأت موجة من الكبت والاضطهادات كانت ردّ فعل لما وقع فيه المعتزلة الذين كانوا يدعون الى حرية الرأي واحترام العقل، لكن السلطة عدلت بهم الى السياسة التي كانوا يستنكرونها وكان بطل هذا الدور القاضي أحمد بن أبي داود.

وكان المتوكل يصل أحمد بصلات سنية، ويعطف عليه، وعيّن له في كلّ شهر أربعة آلاف درهم (280) وطلبه إلى سامراء ليتبرك برؤياه، وينتفع بعلمه فامتنع أحمد، ولكنّه أجبر على الموافقة.

وكان الاُمراء يدخلون عليه ويبلغونه سلام الخليفة، ولا يدخلون عليه حتى ينزعو ما عليهم من الزينة، وقد بلغ من تقدير المتوكل لأحمد واحترامه أنه أصبح لا يسمع عليه وشاية، ولا يصغي لقول خصم فيه، إلاّ الاتهام بالميل للعلويين، فإنّ المتوكل كان يأخذ في ذلك على الظنّة والتهمة، وقد تمكّن الوشاة بأن يبلغوا المتوكل عن أحمد بالميل للعلويين، وأنّه يبايع لرجل منهم سراً، فكبست داره وفتشت أدق تفتيش (281). فلم يجدوا ما يدلّ على ذلك.

وبهذا برأت ساحته من هذه التهمة، التي كادت أن تطيح بكيانه، وتعود عليه بالعذاب والنكال، شأنه شأن غيره من العلماء، الذين اُخذوا بهذا الاتهام، الذي ليس من ورائه إلاّ القتل بدون رحمة.

صلته بالمتوكّل

وكان المتوكل يوصي الاُمراء باحترام أحمد وتقديره، ولما مرض أحمد كان المتوكل يبعث إليه برسله يستعلم أخباره، ويسأل عن حاله، ولما مات اهتم أمير البلد بأمره، وتولّت رجال الدولة القيام بواجب تجهيزه، وحضر من بني العباس نحو مائة رجل مع سائر القواد والأعيان والوزراء فكان يوماً مشهوداً.

والذي يظهر من سيرة أحمد أنّه كان منكمشاً من المتوكل غير مرتاح الى مودته، فهو لا يقبل هديته إلاّ خوفاً، ويقال: أنّه كان يفرّقها سراً على المحتاجين، ولا يجلس على بساطه ولم يظهر عليه ذلك أو يتظاهر بالمخالفة، ولكنه كان يذهب الى صحة خلافته وإمامته ولزوم طاعته.

لم تكن عناية المتوكل هذه بالإمام أحمد لدافع ديني فهو أبعد الناس عن تعاليم الدين، ولكنها اُمور سياسية دعت لذلك، وظروف خاصة اقتضت إظهار هذه المودة، لأنّ العامة أصبح لهم تعلق بشخصية أحمد، الأمر الذي جعل الدولة تلحظ ذلك، وتقيم له وزناً، كما أنّه كان يساير الدولة.

ولقد كانت سياسة الدولة العباسية أبّان قوتها تؤكد طابعها الديني، فقرّبت إليها العلماء والفقهاء، والمشتغلين بالعلوم الإسلامية، وكانت ترقب أيضاً حركات فريق منهم، ممن يؤدي اشتهارهم بالعلم والورع الى تعلّق الجماهير بهم، إذ قد يؤثر ذلك في مركز الخلفاء، وقد يزعزع ولاء المسلمين لهم، فكان الخلفاء يهتمّون بما يجري في حلقات الفقهاء والمحدّثين، ويراقبون من يتعرض منهم بالنقد للنظام القائم وقد يبطشون به، كما رأينا في إهتمام المنصور بأمر الإمام الصادق (عليه السلام)، ومحاولة القضاء عليه عندما وقف (عليه السلام)موقف المعارضة لحكمهم، ووصفهم بحكام جور، وأئمّة ضلال، وأمر بمقاطعتهم والابتعاد عنهم.

وكذلك فعل الرشيد مع الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)، فقد اهتم بأمره وسجنه وعذّبه، حتى مات في السجن مسموماً.

وقد رأينا ما لقيه أحمد نفسه من تعذيب وتنكيل عندما خالف رأي الدولة، وأنّه اُمتحن ونكل به، كما ستقف عليه قريباً، وبعد أن اتحد الرأي وتغيّر الوضع، فلم يكن من أمر أحمد ما يخشى منه على الدولة، بل كان يؤيد موقفها ويشدّ أزرها، فقد جاء في إحدى رسائله: والسمع والطاعة للأئمة، وأمير المؤمنين، البر والفاجر، ومن ولي الخلافة فاجتمع الناس عليه، ورضوا به ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة، وسمي أمير المؤمنين، والغزو ماض مع الاُمراء الى يوم القيامة، البر والفاجر، وقسمة الفيء، وإقامة الحدود الى الأئمة ماض ليس لأحد أن يطعن عليهم ولا ينازعهم، ودفع الصدقات إليهم جائزة نافذة، من دفعها إليهم اُجزأت عنه، براً كان أو فاجراً، وصلاة الجمعة خلفه، وخلف كلّ من ولي جائزة إمامته، ومن أعادها فهو مبتدع تارك للآثار، مخالف للسنة، ليس له من فضل الجماعة شيء، إذ لم ير الصلاة خلف الأئمة من كانوا، برهم وفاجرهم، فالسنة أن تصلي معهم ركعتين، وتدين بأنّها تامة، لا يكن في صدرك شك، ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين، وقد كان الناس اجتمعوا عليه، وأقرّوا له بالخلافة بأيّ وجه كان بالرضا أو الغلبة; فقد شقّ عصى المسلمين، وخالف الآثار عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فإن مات الخارج عليه مات ميتة جاهلية.(282)

فأقوال أحمد ناطقة نطقاً صريحاً، بأنّه يرى لزوم الطاعة لمن يتولى الأمر، لا فرق بين البر والفاجر، فطاعة الكلّ لازمة حتى في أمر محض للمعصية، ولكن يؤخذ من أفعاله الخاصة، كما أسندوا إليه ذلك، أنّه لا يرى الطاعة في المعصية. أما أقواله فهي عامة لا تخصيص فيها، ولم يكن له موقف معارضة أو دعوة الى مخالفة.

ويقول محمد أبو زهرة: لم يؤثر عنه أنه عمد الى دعوة الاُمراء والحكام الى الامتناع عن الظلم والى توجيههم الى إقامة السنة، بل كان موقفه سلبياً، لا يسايرهم فيما هم فيه، ولا يدعوهم بالقول الى غيره، فهل كان ناشئاً من أنّه كان يمتنع عن الخوض في السياسة، ومعالجة شؤونها، وترك الأمر والدعوة الى السياسة الصالحة للصالحين من أهل الخبرة فيها؟(283)

وقد عرض القضاء على أحمد بن حنبل فرفض قبوله، وذلك أن الشافعي رشّحه للقضاء في اليمن عندما سافر أحمد إليها، للاستماع من عبد الرزاق بن همام، وكان الشافعي هناك يتولّى بعض وظائف الدولة، فامتنع أحمد عن القبول، ولم يكن امتناعه لعدم شرعية الدولة، فهو يرى أنّ الخلافة في ذلك الوقت صحيحة ويجب الطاعة لمن يتولّى الأمر براً كان أم فاجراً، وذلك بخلاف امتناع الإمام أبي حنيفة عن تولي القضاء في عهد الدولة الاُموية، وقد ضربه ابن هبيرة ليرضخه على قبول هذه الوظيفة فامتنع، وفي أيام المنصور عرض عليه القضاء فرفضه حتى سجنه المنصور وضربه بالسياط، وكان ذلك سبب موته، كما يقال: لأنّ أبا حنيفة لا يرى صحة خلافة العباسيين والاُمويين وكان رأيه عدم المعاونة معهم .(284)

ولكن الإمام أحمد يرى لزوم المعاونة ووجوب الطاعة، فامتناعه عن قبول القضاء يبعث على التساؤل، ولعلّ هذه القضية لا أصل لها.

 

الإمام أحمد بن حنبل في محنته

 

المحنة

ظهرت مقالة القول بخلق القرآن في بداية القرن الثاني للهجرة، فقد أعلن بها الجعد بن درهم، وقتل من أجلها، قتله خالد بن عبدالله القسري حاكم العراق(285).

وبقيت هذه الفكرة في طي الكتمان، ولم يكن لها أيّ أثر أو تطوّر في التأريخ، إلى زمن هارون الرشيد عندما نبغت المعتزلة، ونشطت الحركة الفكرية وثاروا على الجمود، ولم يستطيعوا أن يجاهروا في ذلك; لأنّ هارون الرشيد كان يحارب هذه الفكرة، حتى أنّه قال يوماً: بلغني أنّ بشر المريسي يقول: القرآن مخلوق، والله والله لئن أظفرني الله به لأقتلنّه قتلة ماقتلها أحد. ولمّا علم بشر بذلك ظل متوارياً أيام الرشيد(286).

وقال بعضهم: دخلت على الرشيد وبين يديه رجل مضروب العنق، والسياف يمسح سيفه في قفا الرجل المقتول، فقال الرشيد: قتلته لأنّه قال القرآن مخلوق(287).

واستمرّت المسألة في دور الكتمان والتستر إلى زمن المأمون، ولما ظهرت الفلسفة، واُثيرت مسائل حول صفات الله من المتكلمين والمعتزلة، كان أهمّها مسألة كلام الله، وخلق القرآن، وهي أبرز شيء في تأريخ المعتزلة، لما اتصل بها من أحداث تاريخية وسياسية.

وكما قلنا أنّ المسألة وجدت في آخر الدولة الاُموية، وبقيت تنمو ويدور حولها الجدل، وتتسع فيها المناظرة، وتؤلّف فيها الكتب حتى جاء عصر المأمون، فإنّه كان يميل إلى حرية الفكر، وبذلك استطاع المعتزلة أن يواصلوا نشاطهم فقد كانوا يتحرقون إلى نشر اُصولهم، فوجدوا في المأمون بغيتهم، ونظروا إليه بعين الإكبار; لأنّ الاصلاح الذي يرومونه يتحقق على يديه فالتفّوا حوله، إذ وجدوا فيه ركناً شديداً.

فكان مذهبهم أقرب المذاهب إلى نفس المأمون، فقرّبهم وأصبحوا ذوي نفوذ في القصر، وكان من أظهرهم ثمامة بن الأشرس، وأحمد بن أبي داود، وكان هو حامل لوائهم إذ رجحت كفته وتولى القضاء، وبقيت هذه المسألة من سنة (218 هـ) إلى (234 هـ) وسميت في التاريخ بالمحنة وهي في الأصل الخبرة.

واستغل المعتزلة الموقف، واغتنموا فرصة استمالة المأمون والمعتصم والواثق لهم، فأطلقوا أيديهم في السياسة، فنكّلوا بخصومهم وأذاقوا الناس العذاب، إذ هم لم يقولوا بخلق القرآن، وأقاموا ضجّة ليس لها مثيل من محاكم تقام، ويعرض فيها على العلماء والقضاء القول بخلق القرآن، فمن لم يقل عذّب واُهين، وسمّى المؤرخون هذه الفترة بمحنة خلق القرآن، وكانت سطوتهم ـ أي المعتزلة ـ في ذلك بلغت الذروة، فلمّا بلغوها أخذوا ينحدرون عنها.

وجاء المتوكل فرأى ناراً تُقد في كل مكان وامتحانات ومحاكمات، وضرباً، ونفياً وتشريداً، والرأي العام ساخط على هذه الحالة، ومن لم يقل بخلق القرآن وتحمل العذاب عدّ بطلاً.

فأراد الخليفة المتوكل أن يحتضن الرأي العام وأن يكتسب تأييده، فأبطل القول بخلق القرآن، وأبطل الامتحانات والمحاكمات ونصر المحدثين(288).

اتسع الاُفق أمام المعتزلة، وواصلوا نشاطهم العلمي والسياسي، عند ماعزل يحيى بن أكثم عن منصب قاضي القضاة سنة (217 هـ) وتولى مكانه ابن أبي داود، وهو كبير المعتزلة وفي رعيلهم الأوّل، وفي سنة (206 هـ) مات يزيد بن هارون، وكان هو ويحيى بن أكثم يحولان بين المأمون وبين إظهار القول بخلق القرآن، فقد جاء في تصريح للمأمون قال فيه: "لولا يزيد بن هارون(289)لأظهرت القول بخلق القرآن".

فقال له بعض جلسائه: ومن يزيد بن هارون حتى يتّقيه أمير المؤمنين؟

فقال المأمون: إني أخاف إن أظهرته يردّ علي فيختلف الناس فتكون فتنة وأنا أكره الفتنة(290).

وبهذا يظهر أن الفكرة اُخذت من المأمون مكانها من قديم، ولكنّه كان يمانع من قبل خواصه، وهو يحذر الفرقة ويخشى الفتنة، وبعد أن وجد الطريق قد مهّد لذلك أعلن رأيه وحمل الناس بالقوة إلى تأييده واتباع رأيه، وبدأ بذلك في سنة (218 هـ).

وعلى أيّ حال فإنّ المأمون قد اشتد في امتحان الناس ولزوم إقرار الفقهاء بما يراه، فجعل يرسل لعامله الكتب وكانت تزداد شدّة وعنفاً، وتهديداً وتوعيداً، وكان من نتائج هذا الامتحان أن أجاب جميع الفقهاء لذلك، ولم يمتنع منهم إلاّ نفر قليل، منهم أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح، وأحمد بن نصر الخزاعي، وأبويعقوب البويطي، ونعيم بن حماد، وهؤلاء قد ذاقوا حتفهم لامتناعهم عن الإجابة، وبقي أحمد ولم يكن حظّه كحظهم من السجن والقتل، فتركزت شخصية أحمد، فكانت أنظار المحدثين تتجه إليه، بعد أن غلبوا على أمرهم وأصبحوا مضطهدين أمام ذلك التيار الذي يحاول القضاء على الجمود الفكري، واعطاء العقل حرية التصرف في نصوص الشريعة، إن لم تكن مؤيدة بالكتاب، أو صحيحة السند من السنة.

أدوار المحنة

كانت الخطوة الاُولى التي خطاها المأمون ليضمن انصياع رعيته بالنحلة التي انتحلها، والرأي الذي ارتآه، أن دعا الفقهاء والمحدثين إلى أن يقولوا بمقالته في خلق القرآن، فيقولوا إنّ القرآن محدث، كما يقول المعتزلة الذين اختار منهم وزراءه وصفوته، وجعلهم بمنزلة نفسه، فأرسل كتاباً إلى عامله على بغداد: إسحاق بن إبراهيم، وهو ابن عم طاهر بن الحسين، وقد أمره فيه أن يشخّص لديه القضاة والمحدثين، وأن يمتحنهم في موضوع خلق القرآن. كما أرسل كتبه إلى الأقطار لحمل الناس على ذلك، وإرغامهم على الأخذ بهذه الآراء، واتّباع الأمر الذي يدعو فيه إلى التفكير الحر، واستخدام العقل في فهم العقائد الدينية، كما تشير لذلك كتبه، وخاصة كتابه الأوّل الذي أطال فيه بذكر السبب الذي ألجأه إلى حمل الناس على القول بخلق القرآن، حيث قال فيه: "إنّ خليفة المسلمين واجب عليه حفظ الدين وإقامته، والعمل بالحقّ في الرعية، وقد عرف أمير المؤمنين أنّ الجمهور الأعظم والسواد الأكبر من حشو الرعية، وسفلة العامة، ممن لا نظر له ولا روية، ولا استدلال له بدلالة الله وهدايته، ولا استضاء بنور العلم وبرهانه، في جميع الأقطار والآفاق أهل جهالة بالله وعمى عنه، وضلالة عن حقيقة دينه وتوحيده، والإيمان به، ونكوب عن واضحات أعلامه، وواجب سبيله، وقصور عن أن يقدروا الله حقّ قدره، ويعرفونه كنه معرفته، ويفرّقوا بينه وبين خلقه، لضعف آرائهم ونقص عقولهم، وجفائهم عن التفكّر والتذكّر، وذلك أنّهم ساووا بين الله تبارك وتعالى وما أنزل من القرآن، فأطبقوا مجتمعين على أنّه ـ أي القرآن ـ قديم أزلي لم يخلقه الله ويحدثه ويخترعه.

وقد قال الله عزّ وجلّ في محكم كتابه الذي جعله لما في الصدور شفاء، وللمؤمنين رحمة:(إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيّاً) (291). فكل ما جعله الله فقد خلقه.

وقال:(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَـوَاتِ وَالاَْرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ)(292).

وقال عزّ وجلّ: (كَذالِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ) (293)

فأخبر أنه قصص لاُمور قد أحدثها، وتلا به متقدمها، فقال تعالى: (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيم خَبِير) (294). وكلّ محكم مفصل، والله محكم كتابه ومفصله، فهو خالقه ومبتدعه، ثم هم الذين جادلوا بالباطل فدعوا إلى قولهم، ونسبوا أنفسهم إلى السنة، وفي كلّ فصل من كتاب الله قصص من تلاوته، مبطل قولهم ومكذّب دعواهم، يرد عليهم قولهم ونحلتهم، ثم أظهروا ذلك أنّهم أهل الحقّ والدين والجماعة، وأنّ من سواهم أهل الباطل والكفر والفرقة، فاستطالوا بذلك على الناس، وغرّوا بهم الجهال، حتى مال قوم من أهل السمت الكاذب، والتخشّع لغير الله، والتقشّف لغير الدين، إلى موافقتهم عليه، ومواطأتهم على سيء آرائهم، تزيّناً بذلك عندهم، وتصنّعاً للرياسة والعدالة فيهم، فتركوا الحقّ إلى باطلهم، واتخذوا دون الله وليجة إلى ضلالتهم".

ثم ذكر أنّ هؤلاء قد زكّوا أمثالهم، وقبلت شهادتهم، ونفذت الأحكام بهم، مع دغل دينهم وفساد عقيدتهم:

"واُولئك شرّ الاُمة، ورؤوس الضلالة المنقرضون من التوحيد، وأحقّ من يتهم في صدقه وتطرح شهادته، ولا يوثق بقوله ولا عمله، فإنّه لا عمل إلاّ بعد يقين، ولا يقين إلاّ بعد استكمال حقيقة الإسلام واخلاص التوحيد".

ثم قال: "فاجمع من بحضرتك من القضاة، واقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين هذا إليك، فابدأ بامتحانهم فيما يقولون، وتكشيفهم عمّا يعتقدون في خلق الله القرآن وإحداثه، وأعلمهم أنّ أمير المؤمنين غير مستعين في عمله، ولا واثق فيما قلّده الله واستحفظه من اُمور رعيّته بمن لا يوثق بدينه، وخلوص توحيده ويقينه، فإذا أقرّوا بذلك; فمرهم ومن بحضرتهم من الشهود على الناس، ومسألتهم من علمهم في القرآن وترك إثبات شهادة من لم يقر أنه مخلوق محدَث... واُكتب إلى أمير المؤمنين بما يكون في ذلك إن شاء الله"(295).

فكان هذا الكتاب خطوة أولى لامتحان الرعية في انصياعهم وتسليمهم لما ينتحله من هذه المقالة، التي يرى القيام بها واجباً عليه; لأنّ ذلك يستلزم تصحيح عقائد الناس، ولا سيّما إذا تغلغل الفساد إلى أصل من اُصول الدين، كالإشراك مع الله شيئاً آخر وهو القرآن، وبهذا لا يصحّ أن يستقضي من ضعفت عقيدته، ولا تقبل شهادته، إذ لا يوثق بمن ضعف إيمانه، ولا سلطان لمن لا تصح عقيدته وإشراك في توحيده، فهو غير مأمون من الظلم والحيف على الرعية، والسلطان مسؤول عنه أمام الله.

وهذه الخطوة مقصورة على التوعيد والعزل عن القضاء، وعدم قبول شهادة من لا يتبع رأي الخليفة، فلا تعذيب ولا تنكيل، فهو يحاول الاصلاح بهذه الاُمور، وإن تعذّر ذلك فإنّه يستعمل القوة.

وأرسل نسخة من الكتاب إلى مصر، وكان قاضيها يومئذ هارون بن عبدالله الزهري، فأجاب لذلك، كما أجاب الشهود المعتمدون، ومن توقّف منهم اُسقطت عدالته، واُبطلت شهادته.

وقد أصدر المأمون أمراً عاماً يأخذ الناس بالمحنة في كافة أرجاء المملكة الإسلامية، ففي سنة (218 هــ) ذهب المأمون بنفسه إلى دمشق، وربّما كان في طريقه وهو ذاهب إلى حملته الأخيرة على آسيا الصغرى. وهنالك في دمشق أشرف بنفسه على امتحان الفقهاء والعلماء، في مسائل حرية الإرادة، ووحدانية الذات الإلهية، أي العدل والتوحيد، وعنده أنّ عقيدة التوحيد تعدّ اختباراً يؤدي إلى القول بخلق القرآن، وبذلك سمّى المعتزلة أنفسهم أهل التوحيد والعدل.

وسارع إسحاق بن إبراهيم والي بغداد إلى تنفيذ رغبة المأمون، فأحضر المحدّثين والفقهاء والمفتين، وأنذرهم بالعقوبة الصارمة والعذاب العتيد، إن لم يقرّوا بما يطلب منهم، وينطقوا بما سئلوا أن ينطقوا به، ويحكموا بالحكم الذي ارتآه المأمون من غير تردّد أو مراجعة، فنطقوا جميعاً بما طلب منهم وأعلنوا اعتناق ذلك المذهب (296).

ويعلّل ابن كثير: أنّ إجابتهم كانت مصانعة، لأنّهم كانوا يعزلون من لا يجيب عن وظائفه، وإن كان له رزق على بيت المال قطع، وإن كان مفتياً منع من الافتاء، وإن كان شيخ حديث ردع عن الاستماع(297).

وإليك ثبتاً في أسماء بعض من أجاب من العلماء منهم :

يحيى بن معين المتوفى سنة (232 هـ)، وهو من شيوخ أحمد بن حنبل والبخاري وغيرهم، وقال فيه أحمد: حديث لا يعرفه يحيى فليس بحديث(298).

وإسماعيل بن أبي مسعود البصري المتوفى سنة (248 هـ).

وعلي بن الجعد الهاشمي مولاهم أبو الحسن الجوهري المتوفى سنة(230هـ).

وأبو حسان الزيادي المتوفى سنة (242 هـ).

وعلي بن مقاتل.

وأبو معمر القطيفي المتوفى سنة (236 هـ).

وأحمد بن الجواري المتوفى سنة (246 هـ).

ومحمد بن سعد كاتب الواقدي مؤلف الطبقات المتوفى سنة (230 هـ).

وأبو خيثمة زهير بن حرب المتوفى سنة (234 هـ).

وأبو مسلم المستميلي.

وأحمد بن الدورقي المتوفى سنة (246 هـ).

وقتيبة بن سعيد المتوفى سنة (240 هـ).

وبشر بن الوليد الكندي المتوفى سنة (238 هـ).

وأبو علي بن عاصم.

وأبو شجاع.

وإسحاق بن إسرائيل المتوفى سنة (225 هـ).

وسعدويه الواسطي المتوفى سنة (225 هـ).

ومحمد بن حاتم بن ميمون المتوفى سنة (235 هـ).

وغيرهم: كابن العوام، ويحيى بن حميد العمري، وأبي نصر التمار.

وقد ذكر ابن كثير منهم النظر بن شميل، وهذا خطأ لأن ابتداء الدعوة إلى القول بخلق القرآن كانت في سنة (218 هـ) وكانت وفاة النظر في سنة (203هـ) أي قبل المحنة بخمس عشرة سنة (299).

امتحان أحمد بن حنبل

جاء في كتاب المأمون الرابع لعامله إسحاق يأمره بأن يستدعي بشر بن الوليد، فإن أصرّ على الامتناع تضرب عنقه، وكذلك أمره في إبراهيم بن المهدي، وأما الباقون يعيد عليهم الكرّة فمن أبى منهم يحمل موثقاً إلى عسكر المأمون مع من يقوم بحفظهم.

فجمعهم إسحاق وقرأ عليهم كتاب المأمون، فأجاب كافة الفقهاء ماعدا أحمد ابن حنبل، وسجادة والقواريري، ومحمد بن نوح، فأمر بهم إسحق بن إبراهيم فشدوا في الحديد، فلما أصبحوا أعاد امتحانهم، فاعترف سجادة بخلق القرآن فأطلقه. وبعد يوم آخر أجاب القواريري بأن القرآن مخلوق فأخلى سبيله، ولم يبق إلاّ أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح (300).

فكتب حاكم بغداد إلى المأمون بذلك فأمره بأن يشخص إليه أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح موثقين في الأغلال، ولما وصلا في طريقهما إلى قرب الأنبار، وفي أثناء الطريق جاءهم نعي المأمون.

فأمّا محمد بن نوح فقد مات وهو عائد إلى بغداد بعد موت المأمون، ففك قيده وصلّى عليه أحمد بن حنبل (301)، وبهذا ينتهي دور أحمد في عصر المأمون.

في عهد المعتصم

لم تنقطع المحنة عن العلماء بوفاة المأمون بل اتّسع نطاقها، وزادت ويلاتها، وكانت شرّاً مستطيراً، فقد بلغ البلاء أشدّه، والمحنة أقصاها في عهد المعتصم، ثم في عهد الواثق.

لقد أوصى المأمون قبل وفاته أخاه المعتصم بالاستمساك بمذهبه في القرآن، ودعوة الناس إليه بقوة السلطة، وكأنه فهم أن تلك الفكرة دين واجب الأتباع، لا يبرأ عنقه منها من غير أن يوصي خلفه به فوصاه، فقد جاء في مطلع وصيته: هذا ماأشهد عليه عبدالله بن هارون الرشيد. أمير المؤمنين بحضرة من حضره، أشهدهم جميعاً على نفسه. أنه يشهد هو ومن حضره، أن الله عزّ وجلّ وحده لا شريك له في ملكه، ولا مدبر لأمره غيره، وأنّه خالق، وماسواه مخلوق، ولا يخلو القرآن أن يكون شيئاً له مثل كلّ شيء، ولا شيء مثله تبارك وتعالى.

وجاء في وسط الوصية: ياأبا إسحاق، أدن مني ـ كنية المعتصم ـ واتعظ بما يرى وخذ بسيرة أخيك في خلق القرآن(302).

فاشتدّ المعتصم في امتحان الناس، اتباعاً لسيرة أخيه وجرياً على نهجه الذي لم يتصف بصفة الرأفة، ولا يحول بينه وبين إيقاع المكروه بمن يريد أيّ حائل، مع ما فيه من النشاط العسكري، وقوّة الإرادة والشجاعة التي امتاز بها، ولم يكن رجل علم، بل رجل سيف لا يضعه عن عاتقه.

ولا حاجة لنا بذكر جميع أطراف المحنة، والمؤاخذة، ولكنّا نشير لما يخصّ صاحبنا ـ أحمد بن حنبل ـ في ذلك وموقفه في مجابهة تلك الشدّة، وكيف نجا من سطوة المعتصم، وشدّة ابن أبي داود، وهو كبير المعتزلة، وبطل هذه المعركة، فهل أجاب أحمد لما أراد الخليفة فخلّى سبيله؟ أم أنّ المعتصم خشي وقوع الفتنة عندما يقتله إن أصر على الامتناع؟ أم أنّه رق عليه وأعجب بشجاعته وثباته؟ وقد ذكر بعض المؤرخين أنّ أحمد أجاب في المحنة وانقطع عن المناظرة كما سنبيّنه قريباً.

وعلى وجه الإجمال فإنّ المعتصم اشتّد في امتحان الناس، وكان أحمد سجيناً عنده فأمر بحمله إليه، وقال حاكم البلد: إنّ الخليفة قد أقسم إلاّ أن يقتله بالسيف، وأنّه سوف يضربه ضرباً بعد ضرب، وانه سيزجه في مكان مظلم لا يرى فيه النور. وسار أحمد إلى المعتصم، فلما دخل عليه وابن أبي داود وأصحابه في حضرته، والدار غاصة بأهلها وبالقضاة والفقهاء من أتباع الدولة، فناظروه ولم يستطيعوا اخضاعه.

فقال ابن أبي داود: يا أمير المؤمنين، "أنّه ضالّ مضلّ مبتدع".

وبقي أحمد ثلاثة أيام يؤتى به كلّ يوم للمناظرة، عسى أن يرضخ أحمد لحكم السلطة ولكنّه استعصم ولم يجب، فلما يئس المعتصم منه أمر بضربه بالسياط، وقد اختلف في عددها فقيل ثمانية وثلاثين وقيل أقل من ذلك(303).

وعلى أيّ حال: فإنّ تعذيب أحمد لم يدم، بل إنّ المعتصم أطلق سراحه، وخلع عليه، وقد ذكر بعضهم أنّ السبب هو أنّ العامة قد تجمّعوا على دار السلطان أو همّوا بالهجوم، فأمر المعتصم بإطلاقه وهذا لا يتمشى مع واقع الأمر، فإنّ المعتصم لم يعرف بضعف الإرادة، وكانت دولته في إبّان عظمتها وقوة سلطانها فلا يؤثر فيها استنكار عدد قليل من الناس، على ما يفعله من الاُمور.

وذهب بعض إلى أنّ أحمد أجاب الخليفة فأطلق سراحه كما جاء في رسالة الجاحظ التي تمثل وجهة نظر المعتزلة تمثيلاً صادقاً، فهي تنسب لأحمد انقطاعه عندما ناقشه أحمد بن أبي داود بمحضر المعتصم، وأقام عليه أدلّة من الكتاب وأدلّة عقلية.

قال الجاحظ في رسالته مخاطباً لأهل الحديث، بعد أن ذكر المحنة والامتحان: وقد كان صاحبكم هذا ـ أي الإمام أحمد - يقول: لا تقيّة إلاّ في دار الشرك، فلو كان ما أقرّ به من خلق القرآن، كان منه على وجه التقية، فلقد أعملها في دار الإسلام. وقد أكذب نفسه، وإن كان ما أقر به على الصحة والحقيقة فلستم منه وليس منكم، على أنّه لم ير سيفاً مشهوراً، ولا ضرب ضرباً كثيراً، ولا ضرب إلاّ بثلاثين سوطاً مقطوعة الثمار، مشبعة الأطراف، حتى أفصح بالإقرار مراراً، ولا كان في مجلس ضيّق ولا كانت حاله مؤيسة، ولا كان مثقلاً بالحديد، ولا خلع قلبه بشدة الوعيد.

ولقد كان ينازع بألين الكلام ويجب بأغلظ الجواب، ويرزنون ويخفّ ويحلمون ويطيش(304).

هذا ماأردنا إثباته من هذه الرسالة التي تعتبر وثيقة معاصرة نجت ممّا أتلفه أهل السنة من مؤلفات المعتزلة، وهي تدلّنا على إقرار أحمد واعترافه بأنّ القرآن مخلوق، مؤيدة بما ذكره اليعقوبي في تاريخه:

وامتحن المعتصم أحمد بن حنبل في خلق القرآن، فقال أحمد: أنا رجل علمت علماً ولم أعلم فيه بهذا، فأحضر له الفقهاء وناظره عبد الرحمن بن إسحاق وغيره، فامتنع أن يقول إن القرآن مخلوق، فضرب عدّة سياط، فقال إسحاق بن إبراهيم: ولني ياأمير المؤمنين مناظرته. فقال: شأنك به فقال إسحاق: هذا العلم الذي علمته نزل به عليك ملك أو علمته من الرجال؟

فقال أحمد: بل علمته من الرجال.

فقال إسحاق : شيئاً بعد شيء أو جملة؟

قال: علمته شيئاً بعد شيء.

قال إسحاق : فبقي عليك شيء لم تعلمه.

قال أحمد: بقي عليّ شيء لم أعلمه.

قال إسحاق: فهذا ممّا لم تعلمه، وعلمكه أمير المؤمنين.

قال أحمد: فإني أقول بقول أمير المؤمنين.

قال إسحاق: في خلق القرآن؟

قال أحمد: في خلق القرآن. فأشهد عليه وخلع عليه وأطلقه إلى منزله.

هذا مايستدل به على إجابة أحمد للمعتصم، من أقوال رجال، هم أقرب الناس من عهده، وأطلعهم على حوادثه(305).

وبدون شك أنّ امتحان أحمد كان من أكبر العوامل لإنتشار ذكره واتجاه الناس إليه، وأنّه بعد أن استقر في بيته بعدما عفى عنه المعتصم، التفّ حوله جماعة للسماع منه في المسجد يدرس مدة بقاء المعتصم، وبعد وفاته تقلّد ولده الواثق الخلافة صار أحمد محدثاً مشهوراً، فعظم ذلك على قاضي بغداد الحسن بن علي بن الجعد، فكتب إلى أبي داود(306) بذلك، فلما سمع أحمد امتنع من تلقاء نفسه.

ولما قام الواثق بالأمر، أعاد امتحان أحمد، ولكنه لم يتناوله بأذى، كما فعل المعتصم، واكتفى بمنعه من الاجتماع بالناس، فأقام أحمد مختفياً لا يخرج إلى صلاة ولا غيرها حتى مات الواثق.

ومن الحقّ والإنصاف أن نقول : إنّ المحنة لم تكن مقصورة على أحمد بن حنبل، وإن كان تصوير موقفه قد أخذ يتّسع ويتطور، وحيكت حوله أساطير وأقوال، فإنّ هناك من فقهاء ذلك العصر من كان موقفهم أشدّ من موقف أحمد في الامتناع، ومواجهة الخطر، ومكابدة المحنة، فقد استشهد الكثير منهم في سبيل معتقده، وقاوم حتى لقي حتفه، كما رأينا في موقف محمد بن نوح وموته، وهو مثقل بالحديد، وإليك ذكر البعض منهم.

شركاء في المحنة

1 - أحمد بن نصر بن مالك الخزاعي المقتول سنة (231 هـ)، وهو مروزي من مدينة مرو، ينتمي لإحدى العشائر الكبيرة في قبيلة خزاعة، ومن تلامذة مالك بن أنس، روى عنه ابن معين ومحمد بن يوسف الطباع.

وكان من أهل العلم، صلباً في عقيدته، قوياً في معارضته، وقال أحمد بن حنبل فيه بعد أن قتل: "لقد جاد بنفسه"، كما أنّ له مكانة في المجتمع، فقد شغل أبوه وجدّه المناصب العالية في عهد الخلفاء العباسيين، كما اشتهر هو في الوقت بالأمانة، والعدالة بين المحدثين من أهل السنة.

قبض عليه والي بغداد وامتحنه الواثق وسأله: ما تقول في القرآن؟

قال: كلام الله ليس بمخلوق. فحمله أن يقول أنّه مخلوق فأبى.

وسأله عن رؤية الله يوم القيامة - والمعتزلة ينكرونها- فقال بها، وروى له الحديث في ذلك.

فقال الواثق: ويحك! هل يُرى كما يُرى المحدود المتجسم، ويحويه مكان، ويحصره الناظر، إنّما كفرت بربّ هذه صفته.

ولما أصرّ أحمد الخزاعي على رأيه، دعا الخليفة بالسيف المسمّى الصمصامة وقال: إني احتسب خطاي إلى هذا الكافر الذي يعبد ربّاً لا نعبده، ولا نعرفه بالصفة التي وصفه بها، ثم مشى إليه بنفسه، فضرب عنقه، وأمر به فحمل رأسه إلى بغداد، فنصب بالجانب الشرقي أياماً، ثم بالجانب الغربي أياماً، ولما صلب كتب الواثق ورقة وعلقت في رأسه: "هذا رأس أحمد بن نصر بن مالك دعاه عبدالله الإمام هارون - وهو الواثق - إلى القول بخلق القرآن ونفي التشبيه فأبى إلاّ المعاندة فعجّل الله به إلى ناره.

ووكّل بالرأس من يحفظه ويصرفه عن القبلة(307)، وقد تنوقلت قصّة خرافية فحواها: أنّ الرأس منذ أن نصب إلى أن دفن كان يتلو القرآن، وتضاهيها قصة اُخرى تحكى: أنّه بعد مقتل أحمد بن نصر بسنين طويلة وجد رأس أحمد بن نصر وجسده مطمورين في الرمال، لم يلحقهما أي أثر (308).

وقتل أحمد بن نصر في آخر شعبان سنة (231 هـ)، وظلّ رأسه والجذع الذي نصب عليه معروضين للأنظار طيلة ست سنوات، ولا يعقل ترك رأس قتل لجريمة الكفر في نظر الدولة، وهو يتلو القرآن طيلة هذه المدة، ممّا يدل على فضيحة تلك الدعوى، واستنكار الناس، ولكن الاندفاع العاطفي خلق حول كثير من الأشخاص أساطير وخرافات يكذّبها الوجدان.

2 - يوسف بن يحيى البويطي تلميذ الشافعي وخليفته على حلقة درسه، حمل من مصر إلى بغداد، مثقلاً بأربعين رطلاً من الحديد، وامتحن فأبى أن يقول : إنّ القرآن مخلوق، وقال: والله لأموتن في حديدي هذا، حتى يأتي من بعدي قوم يعلمون أنّه قد مات في هذا الشأن قوم في حديدهم، ولئن دخلت عليه ـ يعني الواثق ـ لأصدقنه، ومضى على امتناعه حتى مات في سجنه سنة(232هـ).

وكان وهو في الحبس يغتسل كلّ جمعة ثم يخرج إلى باب السجن إذا سمع النداء، فيردّه السجان ويقول له: ارجع رحمك الله، فيقول البويطي: اللهم إنّي أجبت داعيك فمنعوني(309).

3 - عمرو بن حماد بن زهير التيمي مولى آل طلحة الكوفي، المتوفى سنة (219 هـ)، وهو من شيوخ أحمد والبخاري، ويحيى بن معين، وقد امتحن وعذب لأجل امتناعه عن القول بخلق القرآن، لمّا بلغ كتاب المأمون إلى الكوفة، سئل عن فحواه، فقال: إنّما هو ضرب الأسواط، ثم أمسكهم بزر ثوبه، وقال: رأسي أهون عليّ من هذا، ولم يزل مصرّاً على امتناعه حتى مات سنة(219 هـ)(310).

4 - نعيم بن حماد بن معاوية بن الحرث الخزاعي أبو عبد الله المروزي، المتوفى سنة (228 هـ)، كان من الذين ثبتوا في المحنة، ولم يجب إلى ماطلب منه عندما أمر الواثق بحمله من مصر، وامتحن في القول بخلق القرآن، فلم يقل: إنّ القرآن مخلوق، وأصرّ على التمسك بعقيدته، فزج في السجن إلى أن مات فيه.

ونعيم هذا هو الذي قد ألف كتاباً في الرد على أبي حنيفة، وكان يعرف بوضع الحديث في تقوية السنة في مقابل المعتزلة وغيرهم(311).

5 - عفان بن مسلم بن عبدالله الأنصاري أبو عثمان البصري الصفار، أحد الأئمة الأعلام، ومن رجال الصحاح الستة، وعنه أخذ أحمد بن حنبل والبخاري، وابن معين، وابن المديني، قال أبو حاتم: هو إمام ثقة متقن متين. وقال ابن عدي: عفان أوثق من أن يقال: فيه شيء(312).

نزل عفان بغداد، ونشر بها علمه، وحدث عن شعبة وأقرانه، قال يحيى بن معين: أصحاب الحديث خمسة: ابن جريح، ومالك، والثوري، وشعبة.

قال حنبل: كتب المأمون إلى متولي بغداد يمتحن الناس فامتحن عفان.

وقال المأمون: فإن لم يجب عفان فاقطع رزقه، وكان له في الشهر خمسمائة درهم، فلم يجبهم عفان لذلك وقال: (وَفِى السَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ) (313).

فقطع المأمون رزقه الذي كان يتقاضاه منه، وثبت على عقيدته في المحنة، وقد غضب عليه أهل بيته، لأنّه حرمهم بامتناعه ممّا يقيم أودهم، إذ كان يعول أربعين نفساً، ولكن ذلك لم يقع عنده موقع الاهتمام، وأصرّ على امتناعه، إلى أن مات سنة (220 هـ)(314).

6 - عبد الأعلى بن مسهر الغساني أبو مسهر الدمشقي، المتوفى سنة (218هـ)، عالم الشام وعظيم القدر عند أهلها، ولعظيم مكانته عندهم أنّه كان إذا خرج اصطف الناس يقبلون يده، وهو من رجال الصحاح الستة، ومن شيوخ أحمد بن حنبل، وابن معين. قال أحمد: ما كان أثبته. وقال ابن معين:

منذ خرجت من باب الأنبار إلى أن رجعت لم أر مثل أبي مسهر. وقال أبو حاتم: ما رأيت أفصح منه وما رأيت أحداً في كورة من الكور، أعظم قدراً ولا أجلّ عند أهلها من أبي مسهر بدمشق، إذا خرج اصطف الناس يقبلون يديه.

وقد ثبت عبد الأعلى ولم يجب في المحنة فحبسه المأمون ببغداد في شهر رجب لمحنة القول بخلق القرآن، ومات في الحبس سنة (218 هـ) (315)، وأما قول ابن سعيد أنّه مات سنة (210 هـ)، فهو خطأ، لأنّ المحنة ابتدأت في سنة(218هـ)(316).

هؤلاء الرجال هم أشهر من وقف في ذلك المعترك العقائدي، الذي أثارته الدولة، وحملت الناس على الخضوع لإرادتها بالتهديد والتوعيد، والضرب بالسياط، والقتل والسجن. وإنّ من ظلامة التاريخ أن تخصّ هذه المحنة بأحمد ابن حنبل فيكون فارسها المحنك، وبطلها الأوّل، وموقفه الوحيد في نصرة الإسلام منذ بزوغ شمسه في الجزيرة العربية، ونحن لا ننكر موقفه ولا نبخس حقّه، ولكنّا نقول: أنّ هناك زوائد يجب أن تهمل، واطياق وأساطير لا تزيد البحث إلاّ تعقيداً كما نشير إليها في المناقب.

أوضاع المحنة في عصر الإمام أحمد

إنّ ما يمتاز به عصر أحمد وجود معسكرين متخاصمين، كلّ يحاول أن ينال السبق والتغلّب، ويحاول القضاء على الطرف الآخر، وهم المعتزلة وأهل الحديث. ولقد بلغ الصراع أشدّه، وقامت ثورة فكرية، وعاطفية. والسياسة من وراء ذلك تلعب دورها، وكان كلّ من المعسكرين، يأمل آمالاً واسعةً، فالمعتزلة كانوا يأملون أن يصبح الاعتزال مذهب الدولة الرسمي، كما أنّ الإسلام دينها الرسمي، فإذا تمّ ذلك; انتشر الاعتزال تحت حماية الدولة، وأصبح أكثر المسلمين معتزلة، فوحدوا الله كما يوحدون، واعتنقوا اُصول الاعتزال كما يعتنقون، وتحرر المسلمون في أفكارهم، فأصبح المشرعون لا يتقيدون بالحديث تقيد المحدثين، وإنّما يستعملون العقل، ويزنون الاُمور بالمصالح العامة، ولا يرجعون إلى نص إلاّ أن يكون قرآناً أو حديثاً مجمعاً عليه، وتحرر عقول المؤرخين من المسلمين، فيتعرّضون للأحداث الإسلامية، بعقل صريح، ونقل حر، فيشرحون أعمال الصحابة والتابعين، ويضعونها في نفس الميزان الذي توزن به أعمال غيرهم من الناس (317).

ولقد تدخّلت الحكومة في مناصرة المعتزلة، وأخذوا الناس إلى اتّباع آرائهم بالقوة. ومرّ المعتزلة في نشاطهم أيام المأمون والمعتصم والواثق، وكان المحدثون يقفون أمام هذا الرأي بشتى الأساليب، وظهر القول بخلق القرآن وقدمه، فكانت هناك محنة عامة، فأجاب من أجاب وامتنع من امتنع، حتى جاء عهد المتوكل فأراد أن يستجلب الرأي العام، لأنّ المسألة بلغت إلى أقصى حدّ من العنف والشدّة، فأعلن إبطال ذلك في سنة (234 هـ) وهدد من أثار هذه المسألة، وأظهر الميل للمحدثين، ووقف بجانبهم فكانت لأصحابهم الغلبة، وفي ذلك العهد طلع نجم أحمد بن حنبل، وظهر اسمه لأنه بقية الرجال المبرزين، الذين امتنعوا من الإجابة كما هو المشهور.

وانتصر المحدثون وشملهم المتوكل بعطفه ورعايته وأشخص منهم مائتين، وكان فيهم مصعب الزبيري، وإسحق بن أبي إسرائيل، وإبراهيم بن عبد الله الهروي، وعبد الله وعثمان ابنا أبي شيبة، فقسمت بينهم الجوائز، واُجريت عليهم، وأمرهم المتوكل أن يجلسوا للناس، وأن يحدثوا بالأحاديث التى فيها الرد على المعتزلة والجهمية، وأن يحدثوا بالأحاديث في الرؤية، فجلس عثمان بن أبى شيبة في مدينة المنصور، ووضع له منبر واجتمع عليه الناس، وجلس أبو بكر بن أبي شيبة في مسجد الرصافة، وقام القصاصون بنشاط واسع، ووضعت الأحاديث عن صاحب الرسالة (صلى الله عليه وآله)ونسبوا له زوراً أنه صلى الله عليه وآله قال: "ما قيل من قول حسن فأنا قلته"(318).

والتف الناس حول أنصار الدولة من المحدثين، واستمعوا إلى القُصّاص الآمنين من المؤاخذات، لأنّ الدولة لهم تحرسهم والظروف تساعدهم، وقد أنكر أحمد بن حنبل على ابن أبي شيبة، وعلى مصعب والهروي وضعفهم، وكان انتصار المتوكل للمحدثين حدثاً هاماً، فقد أفل نجم المعتزلة، وسقطت دولتهم، وقام أهل الحديث باغتنام هذه الفرصة، فارتفع لواؤهم وتبوأوا المكانة الرفيعة، وانتقموا من خصومهم المعتزلة، بل من كل من يتهم بالميل إليهم، وحدثت حوادث إنتقامية بدون تدبر وترو، وهكذا شأن من انتصر بعد ظلم، واعتز بعد ذلة، فأوقع الحنابل نقمتهم على كثير ممن لم يشارك المعتزلة في سلطانهم.

أمّا الإمام أحمد فقد علت منزلته عند المتوكل وقرّبه إليه وطلب منه أن يتولّى تعليم ولي العهد، كما كان يتعاهده بالإكرام ويشيد بذكره ويتشوق لرؤيته، وطلب أن يزوره في عاصمة ملكه ليراه ويتبرك بقربه.

وعندما لمس الناس هذا العطف من المتوكل الذي عرف بقساوة القلب، والظلم والاستبداد وسفك الدماء، والانهماك في الشهوات; إنهال الناس على أحمد من مناصريه وغيرهم، وازدحموا على بابه، وتهافت رجال الدولة وأعيانها عليه، فكان الطريق إلى بيته مزدحماً بالناس، وإذا سار في الطريق احتشدوا خلفه، وتحدّثوا في الأندية والمجتمعات عن عظمته وعلوّ مكانته، ويأتون إليه بالمنامات المبشّرة والحوادث الدالة على عظمته، فهذا يقول: إنّ اُمي كانت مقعدة فأقسمت على الله باسم أحمد بن حنبل فعوفيت(319).

وهذا يقول: إنّ الجندي المسلم في غزو الروم أيام أحمد إذا رمى وذكر اسم أحمد أصاب، وإن الفارس الرومي المتحصّن بدرعه وترسه وخوذته لا يصيبه السهم إلاّ إذا ذكر اسم أحمد(320).

ومن الغرائب أنّه زار تلميذه (بقي بن مخلد) في خان بأطراف بغداد، فازدحم الناس عليه، وبعد أن رجع أحمد تهافت الناس على ذلك الخان للتبرك بالمكان الذي جلس فيه، والمكان الذي وقف فيه، فربح صاحب الخان لكثرة الوفود وكتب ألواحاً وعلّقها وفيها: هنا جلس أحمد، وهنا تكلّم، وهنا وقف(321)، إلى غير ذلك من الاُمور التي شاعت في بغداد.

 

الإمام أحمد بن حنبل حياته العلمية

 

مناقبه

تقدّم الكلام حول المناقب والمؤلفين فيها، وأنّهم جاءوا بأشياء لا واقع لها، وأنّها من نسيج الوهم وتصوير الخيال، وأنّ أكثرهم اندفع وراء العاطفة العمياء، فحال بينهم وبين التفكير الحرّ والوصول إلى الواقع، حتى جعلوا من لا شيء شيئاً، ووضعوا أحاديث تدلّ بمنطوقها على عظمة الشخصية التي يحاولون إبرازها في إطار العظمة التي خرجت بهم عن نطاق البشرية، وارتفعت بها إلى أسمى رتبة من الكمال النفساني.

وقد تعرّضنا في الأجزاء السابقة إلى ذكر بعض المناقب لرؤساء المذاهب الثلاثة بصورة إجمالية، وأنّهم أوردوا أحاديث مبشرات عن النبي (صلى الله عليه وآله)، كلّ ذلك نتيجة التطاحن الطائفي والصراع العقائدي.

أمّا الحنابلة فلم يأتوا بشيء من تلك المبشرات تصريحاً، لتكون في قائمة المرجّحات للاتّباع، ولكنّهم استندوا إلى البعض منها تلميحاً، أو على وجه العموم دون تخصيص، ولكنهم امتازوا بوضع المنامات، وكثرة الأطياف، ولعلّ الكثير منهم جعلها هي المرجحة لاتّباع أحمد واعتناق مذهبه، ويشهد لذلك قول أبي الخطاب المتوفى سنة (476 هـ):

وعن مذهبي إن تسألوا فابن حنبل *** به أقتدي مادمت حياً اُمتّع

وذاك لأني في المنام رأيته *** يروح ويغدو في الجنان ويرتع(322).

ويقول بعضهم: رأيت أبا الخطاب في المنام فقلت: مافعل الله بك؟ فأنشد:

أتيت ربي بمثل هذا *** فقال ذا المذهب السديد

محفوظ ثم في الجنان حتى *** ينقلك السائق الشهيد(323). ومحفوظ هو اسمه وهو من كلواذ، وكان من شيوخ الحنابلة وأعيانهم، لمّا مات دفن إلى جنب قبر أحمد.

وكثرت المنامات التي تعطي بمؤدّاها صورة عن عظمة شخصية أحمد، وتعلّق العامة به.

نقل ابن الجوزي عن علي بن إسماعيل، أنّه قال: رأيت أنّ القيامة قد قامت وكأنّ الناس قد جاءوا إلى موضع عند قنطرة، لا يترك أحد يجوز حتى يجيء بخاتم، ورجل ناحية يختم للناس ويعطيهم، فمن جاء بخاتم جاز، فقلت: من هذا الذي يعطي الخواتيم؟ فقالوا: هذا أحمد بن حنبل(324).

وقد سبقتهم الحنفية لهذه المنقبة في الاختراع، فقد ذكر المكي في المناقب أن أبا حنيفة رؤي على سرير في بستان، ومعه رق يكتب جوائز قوم، فسئل عن ذلك فقال : إنّ الله قبل عملي ومذهبي وشفّعني في اُمتي، وأنا أكتب جوائزهم.

فقيل له: إلى أيّ غاية يكون علمه حتى تكتب جائزته؟

فقال أبو حنيفة : إذا علم أن التيمّم لا يجوز بالرماد (325). وناهيك ما لهذه الاُمور من أثر في توجيه شعور العامة. وتعلّق قلوبهم بمن يكون اتّباعه نجاة من عذاب يوم القيامة، وما أكثر هذه الترغيبات في كتب المناقب، والتساهل في نقلها، كما أنّ المالكية يدّعون أنّ مالكاً يمنع منكراً ونكيراً عن مساءلة أصحابه في القبر. ونحن لا نطيل الحديث عن هذه الاُمور، ولكنا نشير للبعض منها ممّا جعل كالبشارة بأحمد وترجيح اتّباعه.

ويقول الأسود بن سالم: أتاني آت وقال لي يا أسود الله يقرأ عليك السلام ويقول لك هذا أحمد بن حنبل يرد الاُمة عن الضلالة فما أنت فاعل؟ وإلاّ هلكت.

ويقول الحسن الصواف: رأيت ربّ العزّة في المنام فقال لي يا حسن، من خالف أحمد بن حنبل عذّب(326).

ويقول أبو عبدالله السجستاني: رأيت رسول الله في المنام، فقلت: يا رسول الله، من تركت لنا في عصرنا هذا من اُمتك نقتدي به في ديننا؟ قال : عليك بأحمد بن حنبل (327).

إلى غير ذلك من المنامات والأطياف التي وضعها أنصار المذهب الحنبلي، ليوجّهوا الناس إليه في عصر طغى فيه تيار التعصّب وجعلت الطائفية أداة لأغراض الولاة، وستاراً تعمل من ورائه الأيدي العابثة التي تحمل معول الهدم وأداة التخريب.

وقد حبذوا القصاصين في استخدام هذه الوسائل تحقيقاً للهدف، ونيلاً للغرض الذي يحصل من وراء ذلك. فتراهم يقومون في الأندية، والمساجد والطرقات، يحدّثون بما يعضد المذهب وانتشاره، فهذا يقصّ عمّن لا يعرفه: بأنه رأى في المنام بعض الصالحين في النوم، فقيل له: مافعل الله بك؟ فقال: غفر لي.

قيل: من وجدت أكثر أهل الجنة؟ قال: أصحاب الشافعي، فقال له: فأين أصحاب أحمد بن حنبل; فأجابه: إنك سألتني عن أكثر أهل الجنة، وماسألتني عن أعلى عليين، أصحاب أحمد في أعلى أهل الجنة، وأصحاب الشافعي أكثر أهل الجنة(328).

ويقول الحسين بن أحمد الحربي: رأيت في المنام كأني في الجماعة، وكأنّا قد اعتقلنا، وكأنّي مكروب من الاعتقال، فإذا بقائل يقول: أيّ شيء أنتم؟ فقلت: حنابلة. فقال: قوموا فإنّ الحنابلة لا يعتقلون، وكأن قائلاً يقول: مامن أحد اشتمل على هذا المذهب فحوسب(329).

وعن يحيى الحماني، قال: رأيت في المنام كأني في صفة لي إذ جاء النبي(صلى الله عليه وآله)فأخذ بعضادتي الباب، ثم أذّن وأقام، وقال: نجا الناجون وهلك الهالكون.

فقلت: من الناجون؟ قال: أحمد بن حنبل وأصحابه(330).

وبهذا النشاط استغل كثير من الكذابين وضع منامات لجلب قلوب العامة، كماترى من رواية الحماني، وهو المعروف بالوضع، والمشهور بالكذب، كما نصّ الحفاظ على ذلك(331).

وعلى وجه الإجمال فقد كثرت المنامات في شخصية أحمد مرة، وفي مذهبه اُخرى، وفي قبره وفضل زيارته ثالثة. وبذلك انتشر لأحمد ذكر ورفعوه عن مستوى البشر.

قال أحمد بن حسين: سمعت رجلاً من خراسان يقول : عندنا أحمد بن حنبل يرونه أنّه لا يشبه البشر، يظنون أنّه من الملائكة. وقال رجل: نظرة عندنا من أحمد تعدل عبادة سنة(332).

وقال بعضهم: ما كنت أحبّ أن اُقتل في سبيل الله ولم أصلّ على الإمام أحمد(333). وآخر يقول يوم دفنه: دفن اليوم سادس خمسة وهم: أبو بكر وعمر، وعثمان، وعلي، وعمر بن عبد العزيز وأحمد بن حنبل(334).

إلى كثير من الأقوال التي صدرت عن اُناس تأثّروا بدعايات دعاة المذهب عندما سنحت الفرصة، ورجحت الكفّة وانتصر أهل السنة على خصومهم، وفسح الطريق أمامهم لمناصرة السلطة لهم بكلّ شيء.

يحدّثنا ابن الجوزي: أنّه ذكر عند المتوكل بعد موت أحمد أنّ أصحاب أحمد يكون بينهم وبين أهل البدع - وهم غيرهم من الطوائف - الشر، فقال لصاحب الخبر: لا ترفع إليّ من أخبارهم، وشدّ على أيديهم، فإنّهم وصاحبهم من سادة اُمة محمد.

وكذلك كان لا يصغي لقول أيّ أحد في أحمد عندما رفع منزلته وقرّبه. يحدثنا ابن كثير أنّ بعض الاُمراء أخبر المتوكل أن أحمد لا يأكل لك طعاماً، ولا يشرب لك شراباً، ولا يجلس لك على فراش، ويحرّم ما تشربه.

فقال المتوكل: والله لو نشر المعتصم، وكلّمني في أحمد ماقبلت منه(335).

وكتب رجل للمتوكل: أنّ أحمد يشتم آباءك ويرميهم بالزندقة، فكتب المتوكل جواباً يتضمّن عدم الاعتناء، وأمر أن يضرب الرجل الذي رفع إليه الرقعة مائتي سوط، فأخذه عبدالله بن إسحاق فضربه خمسمائة سوط، فقال له المتوكل: لم ضربته خمسمائة سوط؟

فقال: مائتين لطاعتك وثلثمائة لكونه قذف هذا الشيخ الصالح أحمد بن حنبل(336).

وكما ذكرنا أنّ المتوكل أمر القصاصين وبعض الفقهاء بالحديث عن الرؤية ومايتعلق بذم المعتزلة والجهمية، فلا غرابة أن يتقولوا على الشافعي، (أنه قال: من أبغض أحمد بن حنبل فهو كافر، فقيل له تطلق عليه اسم الكفر؟ فقال: نعم من أبغض أحمد بن حنبل عاند السنة، ومن عاند السنة، قصد الصحابة، ومن قصد الصحابة، أبغض النبي، ومن أبغض النبي (صلى الله عليه وآله) كفر بالله العظيم.

فيكون الناتج: من أبغض أحمد كفر بالله العظيم(337).

وبعد وفاته حدثوا عن رؤيتهم أحمد بن حنبل في النوم، عن إسحاق بن إبراهيم: رأيت أحمد بن حنبل في النوم فقلت: يا أبا عبدالله أليس قدْ مُتّ؟ قال: بلى. قلت: فما فعل الله بك؟ قال: غفر لي ولكلّ من صلّى عليّ. قلت: يا أبا عبدالله فقد كان فيهم أصحاب بدع؟ قال: اُؤلئك اُجرو(338).ولسنا نريد هنا استقصاء ماوضع في تلك الفترة حول شخصيّته، ولا نطيل الحديث في ذلك; بعد أن أظهر لنا التحقيق مدى ذلك النشاط الذي سار عليه كثير من رواة المناقب، فهي لا تعطي لنا صورة واقعية.

إنّنا نريد التعرّف على تلك الشخصيات من طريق الواقع، وستقف على أقوال العلماء في الإمام أحمد كما وقفت على أقوالهم في غيره.

شيـوخـه

ابتدأ أحمد في طلب العلم في سنة (179 هـ)، أي بعد مضي خمس عشرة سنة، وأوّل شيخ تلقّى عليه العلم هو هشيم بن بشير السلمي المتوفى سنة (183هـ)، أبو معاوية الواسطي نزل بغداد وكان مدلساً(339).

استغرقت دراسة أحمد على هشيم ثلاث سنوات أو أكثر، وقد كتب من إملاء هشيم كتاب الحج نحو ألف حديث، وجانباً من التفسير والقضاء وكتباً صغاراً.

وقد رحل أحمد في طلب الحديث إلى الكوفة والبصرة ومكة والمدينة واليمن والشام والعراق، وممّن تلقى عليهم: سفيان بن عيينة، وإبراهيم بن سعيد، ويحيى بن سعيد القطان المتوفى سنة (198 هـ)، ووكيع المتوفى سنة (196هـ)، وابن عليّة المتوفى سنة (193 هـ)، وابن مهدي المتوفى سنة (198هـ)، وعبد الرزاق بن همام المتوفى سنة (211 هـ)، وجرير بن عبد الحميد المتوفى سنة (188 هـ)، وعلي بن هشام بن البريد، ومعمر بن سليمان المتوفى سنة (187 هـ)، ويحيى بن أبي زائدة، وأبو يوسف القاضي المتوفى سنة (182هـ)، وابن نمير المتوفى سنة (206 هـ)، والحسن بن موسى الأشيب المتوفى سنة (209 هـ)، وإسحاق بن راهويه المتوفى سنة (238 هـ)، وعليبن المديني المتوفى سنة (234 هـ)، ويحيى بن معين المتوفى سنة (233هـ)(340).

واجتمع أحمد بالشافعي وأخذ عنه الفقه واُصوله، وبدأت علاقته بالشافعي في سنة (195 هـ)، حين قدم الشافعي بغداد، ودام هذا الاتصال إلى سنة (197هـ)، وهي السنة التي توجّه فيها الشافعي إلى مكة(341).

ولمّا كان أكثر هؤلاء المشايخ قد تعرّضنا لترجمتهم في أبحاثنا المتقدّمة في الأجزاء السابقة; فقد رأينا أن لا نتعرّض لترجمتهم هنا.

أما الشخصية الأولى التي استقبلته ووجهته ونمّت نزوعه. وجعلت منه طالب سنة، دؤوباً في طلبها، يجوب الأقطار، وهي شخصية هشيم بن بشير بن حازم المتولد سنة (104 هـ) والمتوفى سنة (183 هـ).

كان هشيم بخاري الأصل، أقام أبوه في واسط، وكان طبّاخاً للحجاج بن يوسف، ولما انتقلت أسرته إلى بغداد كان يصطنع هذه الصناعة، وقد اشتهر بإعداد بعض أنواع السمك وأجادته، فلما نزع ابنه منزع العلم لم يكن ذلك مألوفاً في أسرته. وقد تلقى هشيم على بعض التابعين كعمر بن دينار، والزهري، ومغيرة بن مقسم، وغيرهم.

وروى عنه شعبة وأحمد وعلي بن المثنى الموصلي وابن معين وخلق آخرون. وقد اختص به أحمد، مدة طويلة قبل أن يتصل بالشافعي، وبعد وفاة هشيم اتصل بالشافعي عندما إلتقى به في مكة، وأثار إعجابه به، فهو يعدّ الموجّه الثاني لأحمد بن حنبل، وكانت بينهما صلة ومودّة.

وقد ذكرنا أنّ أوّل شخصية تلقّى أحمد عنه العلم. هو أبو يوسف القاضي، ولكن لم تطل ملازمته له، كما لازم هشيماً والشافعي، فهما في طليعة شيوخه والموجهين له(342).

ولكنّ الغريب من الحنابلة هو جعل المشايخ تلاميذ، فقد ذكروا أنّ الشافعي، وعبد الرزاق بن همام، وابن مهدي، ويزيد بن هارون، والحسن بن موسى الأشيب، وهم من شيوخ أحمد، كانوا من تلامذته(343).

وذكروا أنّ البخاري من تلامذة أحمد، وأنّه روى عنه الحديث، مع أنّ البخاري لم يرو له إلاّ حديثاً واحداً في آخر كتاب الصدقات تعليقاً، وروى له مسلم وأبو داود في صحيحيهما والباقون لم يخرّجوا حديثه.

تلامـذتـه

كان لأحمد بن حنبل أصحاب كثيرون: منهم من روى الحديث عنه، ومنهم من روى الحديث والفقه، ومنهم من اشتهر برواية الفقه، وقد أحصاهم صاحب "المنهج الأحمد" في عدد كبير، ولعلّ الحنابلة يبالغون العدد، وأنّه إذا ذهب قدر المبالغة يبقى بعد كثيراً ولا يكون قليلاً(344).

ويجب أن نلحظ هنا أمراً هاماً وهو: أنّه لا خلاف بين العلماء في عدّ الإمام أحمد من المحدثين، لكن الخلاف في عدّه من الفقهاء، فإنّ أكثرهم لم يذكره في عداد الفقهاء، فابن جرير الطبري لم يعد مذهبه في الخلاف بين الفقهاء، وكان يقول: إنّما هو رجل حديث لا رجل فقه(345)، وثارت عليه الحنابلة من أجل ذلك، ولم يذكره ابن قتيبة في كتابه (المعارف) من الفقهاء، وذكره المقدسي(346) في المحدثين لا في الفقهاء، واقتصر ابن عبد البر في كتاب الانتقاء على الأئمة الثلاثة، أبي حنيفة ومالك والشافعي.

ومن هذا يتبيّن أنّ مدرسته الفقهية لم تكن ذات أثر في عصره، فمن الصعب تحديد نشاطها، واعطاء صورة عن رجالها في عصره، وإنّما اتسعت بعد مدة من وفاته. ولذلك كان موضوع درجه من المحدثين، وتردّد بعض الأعلام في عده من الفقهاء، فأحمد اعتنى جلّ العناية بالحديث، وصرف همّه الى الاهتمام بالرواية والحفظ، فكان مسنده حصيلة عمره، حرّر على يد غيره من تلامذته، ولقد كان شياع ذكره واحتلاله مكانته في بغداد ملابسات المحنة واحداث القول بخلق القرآن.

وعلى أيّ حال فإنّ أشهر أصحاب أحمد ورواة حديثه هم :

أحمد بن محمد بن هاني المعروف بالأثرم

المتوفّى سنة (261 - 262 هــ) الاسكافي، كان جليل القدر عظيماً عند الحنابلة، قال سعد بن عتاب: سمعت يحيى بن معين يقول: كان أحد أبوي الأثرم جنّيّا(347); وقال إبراهيم بن الأصبهاني: أحفظ من أبي زرعة وأتقن.

وقد نقل الأثرم عن أحمد بن حنبل مسائل كثيرة، كجواز المسح على العمامة، وإغنائه عن المسح على الرأس، وأنّ قراءة القرآن بالألحان بدعة لاتستحسن، وأنّ المضمضة والاستنشاق ركنان من أركان الوضوء، وغير ذلك من المسائل كما ذكر ابن أبي يعلى(348).

أحمد بن محمد بن الحجاج بن عبد العزيز المروزي

المتوفى سنة (275 هـ)، وكان أخصّ أصحاب أحمد به وأقربهم إليه، وأدناهم منه، وهو الذي تولّى غسله لما مات، وكان عنده أثيراً، وهو الذي روى كتاب الورع عن أحمد، ولقد نقل الخطيب البغدادي تكذيب رواية كتاب الورع عن غيره.

وكان أحمد يثق بورعه وعقله، حتى أنّه كان يقول : كلّ ما قلت على لساني فأنا قلته.

قال المروزي: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: أترى أن يكتب الرجل كتب الشافعي؟ قال: لا. قلت: أترى أن يكتب الرسالة - أي رسالة الشافعي-؟ قال: لا تسألني عن شيء محدث، قلت: كتبتها؟ قال: معاذ الله.

وقال أيضاً قال أحمد: لا تكتب كلام مالك، ولا سفيان، ولا الشافعي، ولا إسحاقبن راهويه، ولا أبي عبيد.

توفي المروزي في جمادى الأولى سنة (275 هـ)(349).

إبراهيم بن إسحاق الحربي

المتوفى سنة (285 هـ) كان من أعيان تلامذة أحمد والمختصّ به، وقد لازمه مدة عشرين سنة، وأخذ عنه الحديث والفقه وصنّف كتباً كثيرة منها: غريب الحديث، ودلائل النبوّة وكتاب الحمام، وسجود القرآن، وذم الغيبة، والنهي عن الكذب وغير ذلك(350).

صالح بن أحمد بن حنبل

وهو أكبر أولاده، وقد تلقّى الفقه والحديث عن أبيه، وعن غيره من معاصريه، ونقل إلى الناس كثيراً من مسائل الفقه التي أفتى فيها أبوه، وكان الناس يكتبون إليه من خراسان ليسأل أباه عن مسائل، فكان يرسل إليهم الأجوبة التي يتلقّاها عنه، وكان قد تولى القضاء بإصبهان وطرسوس ومات بأصبهان سنة(266 هـ)(351).

عبدالله بن أحمد بن حنبل

المتوفّى سنة (290 هـ) روى الحديث عن أبيه وعن كثيرين غيره، كعبد الاعلى بن حماد وكامل بن طلحة، ويحيى بن معين، وأبي الربيع وغيرهم(352).

وهو الذي روى المسند وتمّمه كما سيأتي بيانه، وقد روى عن أبيه مسائل كثيرة، ومن غريب مارواه عنه أنّه قال: قبور أهل السنة من أهل الكبائر روضة، وقبور أهل البدعة من الزهاد حفرة، فساق أهل السنة أولياء الله، وزهاد أهل البدعة أعداء الله (353).

وهذا القول لا يمكن أن يصدر من رجل كأحمد بن حنبل واتصافه بالورع والتقوى، فإنّ مؤدّى هذا القول إبطال العمل، وترك الواجبات، والتحلل من كلّ شيء، فإذا كان مرتكب الكبيرة هو ولي الله لأنّه من أهل السنّة، فما معنى السنة هنا وكيف يصحّ ذلك؟ والعهدة على الرواة.ولنكتفِ بذكر هؤلاء من أصحاب أحمد الذين نقلوا فقهه كأنموذج. وسنتعرّض لذكر آخرين عند حديثنا عن رجال المذهب والمؤلفين فيه.

كتبه وآثاره

لم يصنّف أحمد بن حنبل كتاباً في الفقه يعدّ أصلاً يؤخذ من مذهبه أو يعتبر مرجعه، ولم يكتب إلاّ الحديث، وقد ذكر العلماء أنّ له بعض كتابات في موضوعات فقهية منها المناسك الكبير، والمناسك الصغير ورسالة صغيرة في الصلاة قصيرة، ظهرت في عدّة طبعات في القاهرة.

وهذه الكتابة هي أبواب قد توافر فيها الأثر، وليس فيها رأي أو قياس أو استنباط فقهي، بل اتّباع لعمل، وفهم للنصوص.

فرسالته في الصلاة، والمناسك الصغير والكبير وهي كتب حديث، وإن كانت في موضوعات ممّا تناولها بالبسط والشرح (354).

وعلى الجملة فإنّ المشهور عن أحمد أنّه كان يكره وضع الكتب التي تشتمل على التفريع والرأي. فقد قال يوماً لعثمان بن سعيد: لا تنظر إلى مافي كتب أبي عبيد ولا فيما وضع إسحاق، ولا في ما وضع سفيان ولا الشافعي ولا مالك وعليك بالأصل (355).

قال ابن بدران الدمشقي: وحيث إنّ الإمام أحمد كان يحبّ توفر الالتفات إلى النقل، ويختار التواضع، استغل أوقاته في جمع السنة والأثر وتفسير كتاب الله، ولم يؤلف كتاباً في الفقه، غاية ماكتب فيه (رسالة في الصلاة)، كتبها إلى إمام صلّى وراءه فأساء في صلاته، وهي رسالة قد طبعت ونشرت في أيامنا هذه، فعلم الله من حسن نيّته وقصده فكتب عنه أصحابه من كلامه وفتواه أكثر من ثلاثين سفراً انتشرت كلّها في الآفاق.

ثم جاء أحمد بن هارون الخلال المتوفى سنة (331 هـ)، فصرف عنايته إلى جمع علوم أحمد وإلى كتابة ماروي عنه، وطاف لأجل ذلك البلاد، وسافر للاجتماع بأصحاب أحمد، وكتب ماروي عنه بالأسناد، وصنّف كتباً في ذلك(356).

والغرض أنّ أحمد كان ينهى عن التدوين لأقواله وآرائه، وقد صرّح بذلك مراراً.

روى ابن أبي يعلى: أنّ رجلاً قال لأبي عبدالله: اُريد أن أكتب هذه المسائل. فقال له أحمد: لا تكتب شيئاً فإني أكره أن أكتب رأيي. وأحس مرة بإنسان يكتب ومعه ألواح في كمّه. فقال أحمد: لا تكتب رأيي، لعلّي أقول الساعة بمسألة ثم أرجع غداً عنها.

وقال: إنّما كانوا يحفظون ويكتبون السنن إلاّ الواحد بعد الواحد الشيء اليسير منه، فأمّا هذه المسائل تدوّن وتكتب من ديوان الدفاتر فلست أعرف فيها شيئاً، وإنّما هو رأي لعله قد يدعه غداً، وينتقل عنه الى غيره... اُنظر الى سفيان ومالك حين أخرجا ووضعا الكتب والمسائل كم فيها من الخطأ؟ وإنمّا هو رأي يرى اليوم شيئاً وينتقل عنه غداً والرأي قد يخطئ(357). هذا ماعلّل به من كراهيته، ومرة اُخرى أنّه كان يرى أنّ كتابة الرأي محدثة أو بدعة.

مسند الإمام أحمد

والمسند هو مجموعة كبيرة من جملة اُصول السنة يشتمل على أربعين ألف حديث تكرر منها عشرة آلاف، ومنها ثلثمائة حديث ثلاثية الأسناد - أي بين رواتها والرسول ثلاث رواة - .

وقد سئل أحمد عن حديث فقال: اُنظروه فإن كان في المسند وإلاّ فليسبحجة(358).

وقد كان أحمد قد شرع في جمع المسند فكتبه في أوراق منفردة، وفرّقه في أجزاء متفرقة، فمات قبل تنقيحه وتهذيبه، فبقي على حاله ثم إنّ ابنه عبدالله ألحق به مايشاكله، وضمّ إليه من مسموعاته ما يشابهه ويماثله.

وكثر الخلاف حول المسند وأحاديثه، وجمعه وترتيبه، ورتبته من كتب الأسانيد.

وقد حكم ابن الجوزي على عدّة أحاديث بالوضع (359). وقال الذهبي في سيرة النبلاء: فيه - أي مسند أحمد - جملة من الأحاديث الضعيفة ممّا لا يسوغ نقلها، ولا يجب الاحتجاج بها، وفيه أحاديث معدودة شبيهة بالموضوعة، لكنها قطرة في بحر(360).

واعتذر ابن تيمية: بأنّ عبدالله بن أحمد قد زاد على مسند أحمد زيادات، وزاد أبو بكر القطيعي زيادات، وفي زيادات القطيعي أحاديث كثيرة موضوعة، فظنّ الجهال أنّه من رواية أحمد، رواها في المسند وهذا خطأ قبيح. وخالفه العراقي وادّعى أن في مسند أحمد موضوعات وصنّف جزءاً مستقلاً(361).

وصنّف الحافظ ابن حجر كتاب : (القول المسدّد في الذب عن مسند أحمد)، نقل فيه جزء شيخه العراقي حرفاً حرفاً، وأجاب عنه حديثاً حديثاً.

ورتبة مسند أحمد في الطبقة الثانية من كتب الأسانيد، ولا يلحق بالصحيحين وموطأ مالك، وقيل بعد الصحاح الخمسة، وبعد موطأ مالك، وصرّح الخطيب وغيره بأنّ الموطأ مقدّم على كلّ كتاب من الجوامع والمسانيد.

وقال ابن حزم: أولى الكتب الصحيحان، ثم صحيح سعيد بن السكن، والمنتقى لابن الجارود، ثم بعد هذه الكتب كتاب أبي داود، وكتاب النسائي، ومصنف الطحاوي، ومسانيد أحمد والبزار(362).

ونرى من المناسب نقل بعض ماذكره الاُستاذ محمود أبو رية في كتابه (أضواء على السنة المحمدية) بعد ذكره لرتبة بقية المسانيد:

أما مُسند أحمد خاصة فإنّنا ننقل بعض كلام أئمّة المحدثين فيه، مبتدئين بقول شيخ الإسلام وإمام الحنابلة بعد أحمد، ابن تيمية، وليس علينا بعد أن ننقل ماننقل أن يغضب أحد ممّن يدعون في عصرنا أنهم من رجال الحديث، لأنّ الحقّ أحقّ أن يتّبع، وماسوينا هذا الكتاب إلاّ لنرضي الحقّ وحده، فإذا ماغضب غاضب فليكن غضبه من الحقّ لا منّا(363).

قال ابن تيميّة من كلام له عن أبي نعيم: أنّه روى - أي أبو نعيم - كثيراً من الأحاديث التي هي ضعيفة، بل موضوعة باتفاق العلماء المحدثين أمثاله، يروون جميع مافي الباب لأجل المعرفة بذلك، وإن كان لا يحتجّ من ذلك إلاّ ببعضه، والناس في مصنّفاتهم، منهم من لا يروي عمّن يعلم انّه يكذب مثل مالك وشعبة وأحمد بن حنبل، فإنّ هؤلاء لا يروون عن شخص ليس بثقة عندهم، ولا يروون حديثاً يعلمون أنّه عن كذاب، من الذين يعرفون بتعمّد الكذب، لكن قد يتفق فيما يرون مايكون صاحبه أخطأ فيه، وقد يروي الإمام أحمد وإسحاق وغيرهما أحاديث تكون ضعيفة عندهم لإتهام رواتها بسوء الحفظ ونحو ذلك; ليعتبر بها ويستشهد بها، فإنّه قد يكون لذلك الحديث مايشهد له أنّه محفوظ، وقد يكون له مايشهد بأنّه خطأ، وقد يكون صاحبه كذاباً في الباطن، ليس مشهوراً بالكذب، بل يروي كثيراً من الصدق فيروى حديثه، وكثير من المصنّفين يعزّ عليه ذلك على وجهه، بل يعجز عن ذلك. فيروي ماسمعه كما سمعه، والدرك على غيره لا عليه (364). وقال: وليس كلّ مارواه أحمد في المسند وغيره يكون حجة عنده، بل يروي مارواه أهل العلم، وشرطه في المسند أن لا يروي عن المعروفين بالكذب عنده وإن كان في ذلك ماهو ضعيف... وأما كتب الفضائل فإنّه لم يقصد أن لا يروي في ذلك إلاّ ماثبت عنده. ثم زاد ابن أحمد زيادات، وزاد أبو بكر القطيعي زيادات، وفي زيادات القطيعي أحاديث كثيرة موضوعة(365).

ويقول - اي ابن تيمية - يرد على من استشهد بحديث رواه أحمد وهو كذب: وبتقدير أن يكون أحمد روى الحديث، فمجرد رواية أحمد لا توجب أن يكون صحيحاً يجب العمل به، بل الإمام أحمد روى أحاديث كثيرة لتعرف ويبين للناس ضعفها. وهذا الكتاب - مسند أحمد - زاد فيه ابنه عبدالله زيادات، ثم أنّ القطيعي الذي روى عن ابنه عبدالله - أي ابن أحمد - زاد عن شيوخه زيادات فيها أحاديث موضوعة باتّفاق أهل المعرفة(366).

ثم ذكر بقية كلام ابن تيمية في كتاب التوسّل والوسيلة، وذكر قول ابن كثير في كتاب اختصار علوم الحديث، ثم قال:

وأما قول الحافظ بن موسى محمد بن أبي بكر المديني في مسند أحمد أنّه صحيح، فقول ضعيف، فإنّ فيه أحاديث ضعيفة بل موضوعة كأحاديث فضائل مرو، وعسقلان، والبرث الأحمر عند حمص، وغير ذلك، كما نبّه عليه طائفة من الحفاظ، ثم إن الإمام أحمد قد فاته في كتابه أحاديث كثيرة جداً، بل قد قيل: إنّه لم يقع له جماعة من الصحابة الذين في الصحيحين إلاّ قريباً من مائتين.

ثم قال: وقال بعض الناظرين في مسند أحمد: الحقّ أنّ في المسند أحاديث كثيرة ضعيفة، وقد بلغ بعضها في الضعف إلى أن اُدخلت في الموضوعات.ولمّا قال الإمام أحمد: هذا الكتاب جمعته وانتقيته من (750)ألف حديث، فما أختلف المسلمون من حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله)فارجعوا إليه، فإن وجدتموه وإلاّ فليس بحجة. قال الحافظ أبو عبدالله الذهبي: هذا القول منه على غالب الأمر، وإلاّ قلنا أحاديث قوية في الصحيحين والسنن والأجزاء ماهي في المسند، وقدر الله تعالى أنّ الإمام قطع الرواية قبل تهذيب المسند، وقبل وفاته بثلاث عشرة سنة، فنجد في الكتاب أشياء مكررة ودخول مسند في مسند، وسند في سند وهو نادر(367).

وللحافظ ابن الجوزي كلمة في كتابه (صيد الخاطر) بشأن المسند ننقلها بحروفها عن مقدمة الجزء الأوّل من المسند، طبع دار المعارف: قال، فصل: كان قد سألني بعض أصحاب الحديث : هل في مسند أحمد ماليس بصحيح؟ فقلت: نعم. فعظم ذلك على جماعة ينسبون إلى المذهب، فحملت أمرهم على أنّهم عوام، وأهملت فكر ذلك، وإذا بهم قد كتبوا فتاوى، فكتب فيها جماعة من أهل خراسان منهم أبو العلاء الهمداني، يعظّمون هذا القول ويردّونه ويقبحون قول من قاله، فبقيت دهشاً متعجباً. وقلت في نفسي: واعجباً، صار المنتسبون إلى العلم عامة أيضاً! وماذاك إلاّ أنّهم سمعوا الحديث ولم يبحثوا عن صحيحه وسقيمه، وظنّوا أنّ من قال ماقلته قد تعرّض للطعن فيما أخرجه أحمد وليس كذلك; فإنّ الإمام أحمد روى المشهور والجيد والرديء، ثم هو قد رد كثيراً ممّا روى ولم يقل به، ولم يجعله مذهباً له. أليس هو القائل في حديث الوضوء بالنبيذ مجهول؟ ومن نظر في كتاب (العلل) الذي صنفه أبو بكر الخلال رأى أحاديث كثيرة كلّها في المسند، وقد طعن فيها أحمد.

قال القاضي: وقد أخبر عن نفسه كيف طريقه في المسند، فمن جعله أصلاً للحصة فقد خالفه وترك مقصده.

قلت: - القول لابن الجوزي - قد غمّني في هذا الزمان (368) أنّ العلماء لتقصدهم في العلم صاروا كالعامة، وإذا مرّ بهم حديث موضوع قالوا: قد روي(369)، والبكاء ينبغي أن يكون على خساسة الهمم ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العليّ العظيم.

هذا مارأينا نقله ممّا قال الأئمة الكبار في مسند أحمد، وهو كاف في التعريف به وبيان قيمته فينفسه لا فيما هو مشهور عنه، وأنّه من المصادر التي لا يعول عليها أو يحتج بها شأنه شأن سائر المسانيد(370).

وأحاديث المسند تنقسم إلى ستة أقسام:

1 - قسم رواه عبدالله عن أبيه سماعاً وهو المسمى بمسند الإمام أحمد.

2 - وقسم سمعه عبدالله من أبيه ومن غيره.

3 - وقسم رواه عن غير أبيه وهو المسمى عند المحدثين بزوائد عبدالله، وهو كثير بالنسبة للأقسام كلّها عدا القسم الأوّل.

4 - وقسم قرأه عبدالله على أبيه ولم يسمعه منه وهو قليل.

5 - وقسم لم يقرأه ولم يسمعه، ولكنّه وجده في كتاب أبيه بخطّه.

6 - وقسم رواه أبو بكر القطيعي من غير عبدالله وأبيه، وكلّ هذه الأقسام من المسند إلاّ الثالث والسادس فإنّهما من زوائد عبدالله والقطيعي.

وقد تولّى شرحه واختصاره جماعة من العلماء: منهم أبو الحسن بن عبد الهادي السندي، المتوفى سنة (1129 هـ) نزيل المدينة المنورة.

واختصره زين الدين عمر بن أحمد السماع الحلبي وسمّى مختصره "در المنتقد من مسند أحمد"، ولذلك اختصره سراج الدين عمر بن علي المعروف بابن الملقني الشافعي المتوفى سنة 805 هـ.

 

الإمام أحمد بن حنبل عصره وحوادثه

 

عصـره

يمتدّ عصر الإمام أحمد من عهد المهدي العباسي إلى عهد المتوكل، أي من سنة (164 هـ) إلى سنة (241 هـ).

وكان عصره عصر ازدهار، فقد أخذت الدولة العباسية مكانتها في المجتمع، وثبتت قواعدها على عهد الرشيد، والمأمون، والمعتصم، فعظم شأنها وامتدّ سلطانها.

وفي عهده كانت حادثة الخلاف بين الأمين والمأمون سنة (195 هـ) وقيام حرب طاحنة بينهما على الملك، فسالت الدماء في العراق وخراسان، واستقر الأمر للمأمون بعد ذلك، وفي أيامه ابتدأت محنة القول في خلق القرآن سنة (218 هـ)، التي كانت من أعظم عوامل شهرة أحمد، كما قلنا أنّه لم يكن لأحمد نشاط يذكر في أيامه الأولى، أو اشتهر ذكره ونشر اسمه وإنّما شهرته كانت في أيام المحنة بعد عهد المأمون.

وقد كان عصره أزهر العصور لقوة الدولة، وامتداد سلطانها، وقد فاضت الثروة، وامتلأت خزائن الدولة، وزاد العمران، وامتدّت الحضارة، وتنعم أرباب المناصب والمقرّبون للسلطان بمباهج الحياة، ونعموا بخيرات البلاد وكانت لهم الثروات الطائلة، وعمرت مجالس العلم والأدب، وأمست دور الكبراء مدارس يغشاها أرباب الفكر وحملة الآثار والأشعار، وقادة الفكر، وأمراء البلاغة والبيان، كما وقد تفنّن أرباب النعيم وذوي الثراء في اتخاذ مجالس اللهو، وتباروا في اقتناء المغنيات، وتنافسوا في شرائها بأغلى الأثمان، كما كانت بيوت الخلفاء مجالس للغناء والشراب، يتبارى فيها المغنّون في إطراب الخلفاء، وفي اتحافهم بكلّ صوت.

وقد احتفظت كتب الأدب بكثير من أخبارهم، فهم يتذوقون الغناء ويطربون عليه، ويجيزون المغنين ويصلونهم بأسنى الصلات، وكان معظمهم يحسن الغناء ويعرف اُصوله، ويصنع أصواتاً يغنّيها هو أو يلقيها على جواريه أو على المغنين ليغنوها، كما كان هارون الرشيد والواثق أكثر ماكان في حاشيتهما من المغنين.

وكان إبراهيم بن المهدي أخو الرشيد قد بلغ منزلة في الغناء وعرف بشيخ المغنين، وكانت عليه بنت المهدي تغني أحسن غناء، وكان أخوها يعقوب يزمر لها على الغناء(371)، وكان الرشيد يعلم ذلك، وقد غنّت جارية ذات يوم:

يا موري الزند قد أعيت قوادحه *** إقبسْ إذا شئت من قلبي بمقياسِ

ما أقبح الناس في عيني وأسمجهم *** إذا نظرت فلم أبصرك في الناس

فأراد الرشيد أن يعرف لمن الصوت فأسرت إليه جارية إنّه لعلية أخته.

وروى أبو الفرج عن أحمد بن زيد قال حدثني أبي قال : كنّا عند المنتصر فغناه منان لحناً من الرمل الثاني.

ياربة المنزل بالبرك *** وربة السلطان والملك

تحرجي بالله من قتلنا *** لسنا من الديلم والترك

فضحكت، فقال لي: ممّ ضحكت؟ قلت: من شرف قائل هذا الشعر، وشرف من عمل اللحن فيه وشرف مستمعه.

قال: وماذاك؟ قلت: الشعر فيه للرشيد، والغناء لعلية بنت المهدي، وأميرالمؤمنين مستمعه(372).

وكان إهتمام الرشيد بالغناء والمغنين عظيماً، فقد قرّب منهم عدداً وافراً، وأجزل العطاء عليهم، وكان يجمعهم في مجلس واحد ويقترح عليهم في الأصوات ليطرب، فمن أطربه نال أسنى الجوائز وأعظم الصلات(373). وقد اختار له إسحاق الموصلي من الغناء مائة صوت، وقد عرفت بالأصوات المائة المختارة، التي وضع أبو الفرج الأصبهاني فيها كتاب الأغاني(374).

كما كانت في بغداد نواد للغناء واللهو، فيها القيان اللاتي يُحسنَّ الغناء، ويقصدهنَّ الفتيان الظرفاء يتغازلون ويشربون ويلهون.

وكان الأمين شديد الطرب إلى الغناء واسع العطاء إذا طرب، وقد وصفه إسحاق الموصلي فقال: ماكان - أي الأمين - يبالي أين قعد ومع من قعد، ولو كان بينه وبين ندمائه مائة حجاب خرقها كلّها، وألقاها عن وجهه حتى يقعد حيث قعدوا، وكان من أعطى الخلق لذهب وفضة، وأوهبهم للأموال إذا طرب أولَها، وقد رأيته أمر لبعض أهل بيته بحمل زورق ذهباً، وأمر لي ذات ليلة بأربعين ألف دينار.

وحتى في أعسر ساعات حياته عند مااُحيط به كان يستمع إلى الغناء.

فبينما كانت حجارة المنجنيق تصل بساطه كانت إحدى الجواري تغنيه(375).

وقد كان البذخ والإسراف وتبذير الأموال في وجوه الملذّات أمراً يبعث على الدهشة والاستغراب، وبلغ الترف إلى أقصى حدّ. ولم يكن هذا الترف والبذخ يعم طبقات الناس، بل كان هناك ملايين من أبناء الاُمة يعانون الحرمان، ويقاسون ألم الفاقة، ومنهم المظلومون الذين جار عليهم جباة الأموال فسلبوهم مايسدون به الحاجة، ومنهم من غصبهم السلطان وأعوانه أموالهم وضياعهم، ولا يجدون من يسمع أصواتهم إذا رفعوها بالتظلّم، كما ليس لهم طمع في ردّ ظلامتهم.

وسار العمال في إرهاق الرعيّة على الوجه الذي يخالف نظام الإسلام، فأصبحت الأموال تجبى بأقسى وسائل الظلم، وتصرف في ضروب من الإسراف وأنواع من الترف.أحداث عصره

وظهرت في عصر أحمد العصبية العنصرية، فاشتدّ النزاع بين العرب والفرس والترك، (وكان العرب قد ضعف أمرهم في نزاعهم مع الفرس فجاءت قوة الترك ضغثاً على إبالة).

واستولى الأتراك على الاُمور عندما كثر جمعهم وعظمت شوكتهم، وبدأت العصبية ضد الأتراك من عهد دخولهم بغداد في عهد المعتصم، وشكا إليه الناس من جورهم وسوء تصرّفهم، وقد هجاه دعبل الخزاعي بقوله:

لقد ضاعأمرالناس حيث يسوسهم *** وصيف واشناس وقد عظمالخطب

وإني لأرجو أنترى من مغيبها *** مطالع شمس قد يغصّ بها الشرب

وهمك تركي عليه مهانة *** فأنت له اُمّ وأنت له أب(376)

واشتدت محنة أهل بغداد من عبث الأتراك وتعسّفهم، وكانوا لا يستطيعون مقابلتهم، لأنّ السلطان قد لحظهم بالعناية وجعلهم محل ثقته، حتى بلغ الأمر بالمعتصم أنّه كتب إلى واليه على مصر، وهو كيدر- واسمه نصر بن عبدالله-، يأمره بإسقاط من في الديوان من العرب وقطع اُعطياتهم.

وعلى أيّ حال، فقد أصبحت الاُمور في يد الأتراك، وأصبحوا مصدر قلق واضطراب، فهم يكرهون العرب، وهم أنفسهم ليسوا في وفاق بعضهم مع بعض، وهم لا ينقطعون عن المؤامرات والدسائس، وتعصّب كلّ فريق لقائد منهم، وبهذا أصبحت دار السلام وماحولها ليست دار سلام، إذ غلبت على ذوي السلطة شهواتهم الآثمة، فلا تطرق سمعهم صرخات المفجوعين ولا استغاثة المتظلمين، ولا ينفذ بصرهم إلى مايعانيه ذلك المجتمع المنكوب، الذي دبّ في جسمه داء الجهل والفوضى وحبّ الشهوات، وهم ساهون يعدّون أنفسهم سعداء في شقاء الاُمة وأغنياء بافتقارها.

وقد ثارت في عصر الإمام أحمد عاصفة العداء بين الطوائف، واشتدّت الخصومة بينها. ممّا أدّت إلى حلول الكراهية ووقوع الشر بين أفراد وطبقات المجتمع آنذاك.

وكان المحدّثون يغذّون روح الكراهية تجاه أعدائهم وخصومهم، فذهبوا إلى تكفير المعتزلة، وتكفير كلّ من يقول بخلق القرآن، إذ يقول أبو عبدالله الدهلي المتوفى سنة (255 هـ) : من زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر وبانت منه امرأته، فإن تاب وإلاّ ضربت عنقه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ومن وقف وقال: لا أقول مخلوق أو غير مخلوق فقد ضاهى الكفر، ومن زعم أن لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع ولا يدفن في مقابر المسلمين(377).

وعلى أيّ حال فقد قويت روح الكراهية بين أفراد المجتمع فاشتدت المنازعات وكثرت الخصومة، وتطوّر الأمر وازدادت الحوادث، وسارت العامة من أبناء الاُمة على هذا النهج، حتى أنّ امرأة تقدّمت إلى قاضي الشرقية عبدالله بن محمد الحنفي فقالت: إنّ زوجي لا يقول بمقالة أمير المؤمنين ففرق بيني وبينه(378).

ومن تلك الحوادث: أنّ الواثق لما أستفك من الروم أربعة آلاف من الاُسارى اشترط فيهم أنّ من قال: القرآن مخلوق يخلص من الأسر، ويعطى دينارين، ومن امتنع عن ذلك فيترك في الأسر ولا يفك (379).

وهذا محمد بن الليث قاضي مصركان حنفياً، فانتهز محنة خلق القرآن فأوقع بأصحاب الإمام مالك والشافعي، ومنع فقهاءهم من الجلوس في المسجد، وقال شاعر مصر الحسين بن عبدالسلام الجمل يخاطبه:

وليت حكم المسلمين فلم تكن *** برم اللقاء ولا بفظ أزور

ولقد بجست العلم في طلابه *** وفجرت منه ينابعاً لم تفجر

فحميت قول أبي حنيفة بالهدى *** ومحمد واليوسفي الأذكر

وحطمت قول الشافعي وصحبه *** ومقالة ابن علية لم تضجر

والمالكية بعد ذكر شائع *** اخملتها فكأنها لم تذكر(380)

وممّا تقدّم يتبيّن أنّ مشكلة خلق القرآن قد زادت من أحداث الفرقة في المجتمع الإسلامي، ومن جراء هذه الحوادث التي صاحبت هذه المحنة العامة والمشكلة الاجتماعية فتح باب التدخل من قبل أعداء الإسلام، وكانت الخصومة والتفرقة التي مني بها المسلمون آنذاك، هي الدافع الرئيسي الذي نشّط القوى المعادية للإسلام، فقد عملوا على توسيع رقعة الخلاف بين أفراد المجتمع وطبقاته، لإيقاع الفتنة تحقيقاً لأهدافهم.

وقد نجحت أساليبهم التي اتّبعوها، والوسائل التي اتخذوها، لأنها كانت تحمل طابع الحرص على الإسلام، لتجتذب إلى صفوفهم اُناساً دفعتهم سلامة ضمائرهم إلى الدفاع عنها وكأنّها دفاع عن الإسلام، ولم تقتصر فئاتهم على هذه الطائفة فقط، بل انضم في سلكهم انتهازيون، وجدوا بذلك خير فرصة لتحقيق أغراضهم، ونيل مآربهم للوقيعة بخصومهم، إذ خرجت المنازعات عن حدودها، فتجنّى كلّ فريق على الآخر، وأخذ كلّ أحد يرمي الآخر بالكفر.

وفي وسط ذلك التيّار الجارف من الخصومة والعداء، استطاعت الأغراض والأهواء أن تنفذ إلى الأحاديث النبوية، وهي إحدى الدعائم التي يقوم عليها الدستور الإسلامي، ليتمّ لهم آنذاك التلاعب بمقدّرات الإسلام وتوجيهها صوب تحقيق أغراضهم وأهدافهم.

فلقد وضع الوضّاعون أحاديث تتفق مع هذه النزعة، ونسبوها لرسولالله(صلى الله عليه وآله)وهم يدّعون أنّ ذلك نصرة للدين، وتقوية للمسلمين. فإذا ما حوججوا وأمروا بالكف عن ذلك قالوا: إنّما نقول له لا عليه.

وناهيك بما قام به الدعاة على المنابر، لتوجيه الرأي العام نحو جهة معينة، وحصر الإسلام عليها، وتخصيصها به، فلم يكن فيه نصيب لغيرهم، ولا في الجنة مكان لسواهم، وقد غرق الناس في تلك المنازعات الدينية والسياسية مدة طويلة، حتى امتدت جذور تلك الفتنة إلى عصور متأخرة عن عصر الإمام أحمد; فاشتدّ الموقف حراجة، ووقف كلّ يتربص بالآخر، ممّا أدّى إلى نشوب حروب دموية ووقوع الخراب في كثير من البلاد الإسلامية، فاُحرقت جوامع، وهُدمت مساجد، ونهبت أموال، واُريقت دماء. إلى غير ذلك من الاُمور التي خلّفت أوضاعاً سيئة، ومع كلّ هذا والمجال يتّسع أمام المتدخلين في صفوف المسلمين للعمل على تمزيق وحدة الصف واتساع دائرة الخلاف.

(يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ* هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)(381).

وبقي شيء يتعلق بعصر أحمد، وهو ترجمة الملوك الذين جرت المحنة على أيديهم، فلا بأس أن نلمّ بذلك إلماماً وإن كان خارجاً عمّا رسمناه.

المأمون

هو عبدالله بن هارون الرشيد، كنيته أبو جعفر أو أبو العباس، واُمّه اُم ولد، يقال لها مراجل الباذغيسية، ولد في ربيع الأول سنة (170 هـ)، وتوفي سنة (218 هـ) وكان أديباً شجاعاً، له ولع ومشاركة في كثير من العلوم، متعطّشاً للآداب، محبّاً للنقاش والجدل، وقد كان المعتزلة معروفين بالفلسفة والأدب، ممّا أدّى إلى قربهم، وارتاح بمحادثتهم.

وكان يجلس للمناظرة يوم الثلاثاء، فإذا حضر الفقهاء من سائر أهل المقالات اُدخلوا حجرة مفروشة، وقيل لهم : انزعوا أخفافكم ثم اُحضرت الموائد(382).

وكان المأمون يتّهم في التشيع مرّة، وفي الاعتزال اُخرى، وسيرته تدلّ على ذلك.

أما تشيّعه فقد كان يحبّ عليّاً ويفضّله على جميع الصحابة، وقد أمر مناديه أن ينادي بأنّ أفضل الخلق بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) علي بن أبي طالب، وأن لا يذكر معاوية بخير.

وروى ابن عساكر عن النظر بن شميل، قال: دخلت على المأمون فقال: كيف أصبحت يانظر؟

فقلت: بخير ياأمير المؤمنين.

فقال: ما الإرجاء؟ فقلت: دين يوافق الملوك، يصيبون به من دنياهم وينقصون به من دينهم.

قال: صدقت. ثم قال يانظر، أتدري ماقلت في صبيحة هذا اليوم؟

قلت: إني من علم الغيب لبعيد.

فقال: قلت أبياتاً وهي:

أصبح ديني الذي أدين به *** ولست منه الغداة معتذراً

حبّ عليّ بعد النبيّ ولا أشـ *** تم صدّيقاً ولا عمراً

ثم ابن عفان في الجنان مع الأ *** برار ذاك القتيل مصطبرا

ألا ولا أشتم الزبير ولا *** طلحة إن قال قائل غدرا

وعائش الاُمّ لست أشتمها *** من يفتريها فنحن منه برا

قال ابن كثير في تاريخه: وهذا المذهب ثاني مراتب الشيعة، وفيه تفضيل علي على الصحابة(383)، وقال بشر المريسي يمدح المأمون بما أظهره من تفضيل علي (عليه السلام):

قد قال مأموننا وسيّدنا *** قولاً له في الكتب تصديق

إنّ علياً أعني أبا حسن *** أفضل من قد أقلّت النوق

بعد نبي الهدى وإنّ لنا *** أعمالنا والقرآن مخلوق(384).

وفي سنة (201 هـ) بايع بولاية العهد من بعده للإمام علي الرضا الإمام الثامن من الأئمة الاثني عشر، ابن الإمام موسى الكاظم (عليهما السلام)، وأمر بخلع السواد الذي كان شعار الدولة العباسية، وأمر بلبس الخضرة.

ولقد أقدم المأمون على هذا العمل مع شدّة امتناع الإمام الرضا (عليه السلام) عن ذلك، ولكنّه ألزمه بالقبول، فشرط الإمام شروطاً على ذلك.

ولا بدّ من طرح التساؤل أولاً عن الأسباب التي حملت المأمون على القيام بهذا العمل، الذي يعدّ من أعظم الأعمال التي قام بها. فهل أنّ حبّه لأهل البيت(عليهم السلام)دفعه إلى ذلك لأنّه يعتقد أنّهم أولى بهذا الأمر؟ أو أنّه فكّر في أمر الاُمة - وهو المعروف بقوة الفكر وحريته - وأراد أن يجعلها تحت رعاية رجل يصلح لذلك ولم ير أفضل من الإمام الرضا (عليه السلام)؟ أم أنّها فكرة سياسية أراد بها جلب قلوب ملايين من الناس يدينون بالاعتراف للإمام الرضا (عليه السلام)بالولاية؟ وهم أولو قوة وبأس، رغم الدعايات الكاذبة ضدّهم، واتخاذ شتّى الوسائل في القضاء عليهم، وبهذا يحاول أن يكسر شوكة بني العباس، وينتقم منهم في نقل الملك من بيتهم إلى البيت العلوي، وهم خصوم لا هوادة بينهم، وبذلك يستطيع أن يضرب المأمون ضربته، ويحقّق سياسته في تحقيق الغرض الذي من أجله قام بهذا الأمر، وبالفعل تحقّقت أهدافه - إن كان يقصد ذلك - فقد خضع له كثير من الناس وأحبّوه لهذا العمل. كما أعلن العباسيون وأنصارهم غضبهم عليه، ونقضوا بيعته، وبايعوا شيخ المغنين إبراهيم بن المهدي، وقامت بعد ذلك حرب قضى المأمون عليها بالقوة، لضعف خصومه وكثرة أنصاره(385).

والذي يظهر أنّه أراد جلب الرأي العام ضد بني العباس، فإنّ أهل البيت(عليهم السلام)لهم مكانة وهم المعنيون بإسناد الخلافة إليهم عندما قامت الثورة ضد الاُمويين، وقد نصّ كثير من المؤرخين(386) على تشيّع المأمون وميله إلى آل علي (عليه السلام).

وقد أجاب المأمون عن أسباب بيعته للإمام الرضا (عليه السلام) ، وذلك أنّه عندما دخل بغداد ظافراً، اجتمعت به زينب بنت سليمان، وكانت من طبقة المنصور، وكان بنو العباس يعظّمونها، فقالت: ياأمير المؤمنين، ماالذي دعاك إلى نقل الخلافة من بيتك إلى بيت علي؟

قال: ياعمّة إني رأيت عليّاً حين ولي الخلافة أحسن إلى بني العباس، فولى عبدالله البصرة، وعبيدالله اليمن، وقثم سمرقند، ومارأيت أحداً من أهل بيتي حين أفضى إليهم كافوه على فعله في ولده، فأحببت أن اُكافيه إحسانه.

فقالت: يا أمير المؤمنين إنّك على بِرّ بني علي والأمر فيك أقدر منه على بِرّهم والأمر فيهم(387).

وأنت ترى أنّ هذا الجواب لا يتمشى مع الواقع، لعلم المأمون بأنّ علياً لم يكن من اُولئك الحكام الذين يولّون أمر الاُمة اُناساً لا أهليّة لهم، إلاّ لأنهم أقرباء وذوو رحم، بل ينظر للكفاءة والمقدرة، والناس عنده سواء.

وعلى أي حال فقد أظهر المأمون إحسانه إلى آل علي، وقد ثار في أيامه محمد ابن الإمام جعفرالصادق (عليه السلام) فأرسل المأمون إليه جيشاً، فكانت الغلبة للمأمون فظفر به وعفى عنه مستمراً على سياسته من الميل الى العلويين(388).

قال أبو العباس أحمد بن عمار: كان المأمون شديد الميل إلى العلويين والإحسان إليهم، وخبره مشهور معهم، وكان يفعل ذلك طبعاً لا تكلّفاً، فمن ذلك أنه توفي يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين العلوي فحضر الصلاة عليه بنفسه، ورأى الناس عليه من الحزن والكآبة ما تعجبوا له، ثم إن ولداً لزينب بنت سليمان وهي عمّة المنصور توفي بعده فأرسل له المأمون كفناً، وسيّر أخاه صالحاً ليصلي عليه ويعزّي اُمّه، فإنّها كانت عند بني العباس بمنزلة عظيمة، فأتاها وعزّاها عنه، واعتذر عن تخلفه - أي المأمون - عن الصلاة عليه فظهر غضبها وقالت لابن ابنها: تقدّم فصلِّ على أبيك وتمثّلت:

سكبناه ونحسبه لجيناً *** فأبدى الكير عن خبث الحديد

ثم قالت لصالح: قل له يابن مراجل أما لو كان يحيى بن الحسين لوضعت ذيلك على فيك وعدوت خلف جنازته(389). وفي سنة (210 هـ) أمر المأمون بردّ فدك إلى أولاد فاطمة (عليها السلام)، وكتب بذلك إلى قثم بن جعفر عامله على المدينة كتاباً يقول فيه:

أمّا بعد فإنّ أمير المؤمنين بمكانته من دين الله وخلافة رسول الله، والقرابة به أولى من استنّ ونفذ أمره، وسلم لمن منحه منحة وتصدّق عليه بصدقة; منحته وصدقته بالله توفيق أمير المؤمنين، وعصمته، وإليه في العمل بما يقربه إليه رغبته، وقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أعطى فاطمة بنت رسول الله فدكاً وتصدق بها عليها، وكان ذلك أمراً ظاهراً معروفاً لا اختلاف فيه بين آل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولم تدّعي منه ماهو أولى به من صدق عليه، فرأى أمير المؤمنين أن يردّها إلى ورثتها، ويسلمها إليهم تقرّباً إلى الله بإقامة حقّه وعدله، وإلى رسول الله بتنفيذ أمره وصدقته، فأمر بإثبات ذلك في دواوينه والكتاب به إلى عماله، فلئن كان ينادي في كلّ موسم بعد أن قبض الله نبيه، أن يذكر كلّ من كانت له صدقة، أو هبة، أو عدة فيقبل قوله وتنفد عدته.

إن فاطمة لأولى بأن يصدق قولها فيما جعل رسول الله لها، وقد كتب أمير المؤمنين - أي المأمون - إلى المبارك الطبري مولاه بردّ فدك على ورثة فاطمة بنت رسول الله بحدودها وجميع حقوقها المنسوبة إليها من الرقيق والغلاة... الخ(390).

وفي سنة (201 هـ) أحصى المأمون جميع العباسيين، فبلغوا ثلاثة وثلاثين ألفاً بين ذكور وإناث.

وكان المأمون يتحرى العدل، ويتولّى بنفسه الحكم بين الناس والفصل.

جاءته امرأة ضعيفة قد تظلّمت على ابنه العباس وهو قائم على رأسه، فأمر الحاجب فأخذه بيده فأجلسه معها بين يديه، فادّعت بأنّه أخذ ضيعة لها واستحوذ عليها، فتناظرا ساعة، فجعل صوتها يعلو على صوته، فزجرها بعض الحاضرين فقال المأمون: اُسكت فإنّ الحقّ أنطقها والباطل أسكته، ثم حكم لها بحقّها وأغرم ابنه لها عشرة آلاف درهم(391).

واشتهر عنه أنّه كان يقول: لو يعلم الناس ماأجد في العفو من لذة; لتقرّبوا إليَّ بالذنوب. وحدّث المرزباني: أنّ دعبل الخزاعي هجا المأمون بقوله:

أيسومني المأمون خطة عاجز *** أو ما رأى بالأمس رأس محمّدِ

إنّي من القوم الذين هم هم *** قتلوا أخاك وشرفوك بمقعدِ

فطلبه المأمون فاستتر منه، إلى أن بلغه أنّه هجا إبراهيم بن المهدي بقوله:

إن كان إبراهيم مضطلعاً بها *** فلتصلحنّ من بعده لمخارق

فضحك المأمون وقال: قد وهبته ذنبه فليظهر، فسار إليه، فكان أوّل داخل عليه.

ولما قدم على المأمون وأمنه استنشده القصيدة الكبيرة، وهي الرائية وعدد أبياتها 24 بيتاً ومطلعها:

تأسفت جارتي لما رأت زوري *** وعدّت الحلم ذنباً غير مغتفر

فأنكرها، فقال المأمون: لك الأمان أيضاً على إنشادها فأنشدها، حتى إذا بلغ إلى قوله:

يا اُمّة السوء ماجانيت أحمد عن *** حسن البلاء على التنزيل والسور

خلفتموه على الأبناء حين مضى *** خلافة الذئب في أبقار ذي بقر

قتل وأسر وتحريق ومنهبة *** فعل الغزاة بأرض الروم والخزر

أرى اُمية معذورين إن قتلوا *** ولا أرى لبني العباس من عذر

قوم قتلتم على الإسلام أوّلهم *** حتى إذا استمكنوا جازوا على الكفر

قبران في طوس خير الناس كلّهم *** وقبر شرّهم هذا من العبر

ماينفع الرجس من قبر الزكي ولا *** على الزكي بقبر الرجس من ضرر

هيهات كلّ أمرء رهنبماكسبت *** يداه فخذ ماشئت أو فذَرِ

قال: فضرب المأمون بعمامته إلى الأرض وقال: صدقت يادعبل.

ولما أنشد قصيدته التائية الشهيرة أمام الإمام الرضا(عليه السلام) والمأمون حاضر يسمع استحسنها، فأمر له الإمام الرضا بخمسين ألف درهم وأمر له المأمون بمثلها(392)، ومهما يكن من أمر فإنّ المأمون قد أثرت فيه ثقافة عصره، فمال الى الفلسفة وحرية الرأي حتى جهر باُمور هي من عقائد الشيعة، فإنّ أسلافه وأخلافه يرونها كفراً أو زندقة، ويظهر أنّه التزم الحقيقة.

أمّا بيعته

للإمام الرضا فهي خطوة سياسية عرف الإمام الرضا الغرض منها وقبلها مشترطاً. وقد ختم المأمون علاقته بالإمام الرضا بخاتمة عاد بها الى سنّة أهله وسياستهم العدائية.

المعتصم

هو أبو أسحاق محمد المعتصم بن هارون الرشيد بن المهدي بن المنصور، المتوفى سنة (227 هـ) كان موصوفاً بالشجاعة وقوة البدن، وسداد الرأي، وكان إذا غضب لا يبالي من قتل، وكان اُميّاً لا يقرأ ولا يكتب.

ذكر الخطيب أنّ ملك الروم كتب إلى المعتصم كتاباً يهدّده فيه، فقال للكاتب أكتب: قد قرأت كتابك وفهمت خطابك، والجواب ماترى لا ماتسمع وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار. وغزا بلاد الروم في سنة (223 هـ)، فأنكى نكاية عظيمة في العدو، وهو الذي فتح عمورية وقتل من أهلها ثلاثين ألفاً وسبى منهم، وكان في سبيه ستون بطريقاً، قال الخطيب: وجاء بباب عمورية، وهو منصوب حتى الآن على أبواب دار الخلافة ممّا يلي المسجد الجامع في القصر.

وكان له من المماليك الترك خمسون ألفاً، وهو الذي بنى سامراء، وسبب ذلك أنّه لما كثرت عساكره من الترك في بغداد وزاحموا أهلها، وعاثوا فيها فساداً، فكان في كلّ يوم ربّما قتلوا جماعة، فركب المعتصم يوماً فلقيه رجل شيخ فقال للمعتصم: ياأبا إسحاق، فأراد الجند ضربه فمنعهم المعتصم وقال له: مالك ياشيخ؟ قال: لا جزاك الله خيراً عن الجوار جاورتنا مدة فرأيناك شر جار، جئتنا بهؤلاء العلوج من غلمانك الأتراك فأسكنتهم بيننا فأيتمت بهم صبياننا، وأرملت نساءنا، والله لنقابلنك بسهام السحر - الدعاء - هذا والمعتصم يسمع ذلك فدخل منزله ولم ير راكباً في يوم مثل ذلك اليوم، ثم ركب وصلّى بالناس العيد، وسار إلى موضع سامراء فبناها وكان في سنة (221 هـ)(393).

ولم يكن المعتصم كأخيه المأمون، أو كولده الواثق في العطف على العلويين، ولم يكن كالرشيد في تشدّده، بل كان معتدلاً وسطاً.

والذي يظهر أنّ اعتداله كان بوصيّة من المأمون، فقد جاء فيها:

وهؤلاء بنو عمّك من ولد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، فأحسن صحبهم وتجاوز عن مسيئهم، واقبل من محسنهم، وصِلاتهم فلا تغلها في كلّ سنة، فإنّ حقوقهم تجب من وجوه شتّى(394).

وحدّث أحمد بن سليمان بن أبي شبح، قال: قدم الزبير بن بكار العراق هارباً من العلويين، لأنّه كان ينال منهم فهددوه فهرب منهم، وقدم على عمّه مصعب بن عبدالله بن الزبير، وشكا إليه حاله وخوفه من العلويين، وسأله إنهاء حاله إلى المعتصم، فلم يجد عنده - أي عند عمّه - وأنكر عليه حاله ولامه.

قال أحمد: فشكا ذلك إليّ وسألني مخاطبة عمه في أمره، فقلت له في ذلك، وأنكرت عليه إعراضه فقال لي: إنّ الزبير فيه جهل وتسرّع، فأشر عليه أن يستعطف العلويين، ويزيل مافي نفوسهم منه، أما رأيت المأمون ورفقه بهم، وعفوه عنهم، وميله إليهم؟ قلت: بلى، قال: فهذا أمير المؤمنين - أي المعتصم - مثل ذلك أو فوقه، ولا أقدر أن أذكرهم عنده بقبيح، فقل له ذلك حتى ينتهي عن الذي هو عليه في ذمهم(395). ولمّا حضرت المعتصم الوفاة جعل يردد هذه الآية: (حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ)(396).

وقال: لو علمت أنّ عمري قصير مافعلت مافعلت. وقال: ذهبت الحيل فلا حيلة. وقال: اللّهم إنّي أخافك من قبلي ولا أخافك من قبلك وأرجوك من قبلك ولا أرجوك من قبلي، وقال: إنّي أخذت من بين هذا الخلق (397).

ومن أغرب الاُمور في سيرة المعتصم أنه قد فوّض أمر الدولة إلى أخوين مسيحيين وهما: سلمويه وإبراهيم. وكان سلمويه يشغل منصباً قريب الشبه من منصب الوزارة في العصر الحديث، وكانت الوثائق الملكية لا تتخذ صفة التنفيذ إلاّ بعد توقيعه عليها، وقد عهد المعتصم إلى أخيه إبراهيم بحفظ خاتم الخليفة، كما عهد إليه بخزانة بيوت الأموال في البلاد، وكان المنتظر من طبيعة هذه الأموال وتصريفها، أن يوكل أمر الاشراف عليها إلى رجل من المسلمين، وقد بلغ من ميل الخليفة إلى سلمويه أن عاده في مرضه فغمره الحزن عند وفاته، حيث اُقيمت الطقوس المسيحية في خشوع مهيب(398).

الواثق

أبو جعفر هارون بن المعتصم بن الرشيد المتوفى سنة (232 هـ)، كان شاعراً فطناً يتشبه بالمأمون في حركاته وسكناته، وكان حسن السيرة مع أبناء عمّه آل أبي طالب. قال يحيى بن أكثم: ما أحد أحسن من خلفاء بني العباس إلى آل أبي طالب ماأحسن إليهم الواثق، مامات وفيهم فقير(399).

وكان شديد القول بخلق القرآن، حتى بلغ الأمر به أنّه لما وقع الفداء بين المسلمين والروم في الأسرى أمر الواثق أن يمتحنوا أسرى المسلمين، فمن قال القرآن مخلوق وأنّ الله لا يُرى في الآخرة، نودي به وأعطي دينارين، ومن لم ينل ذلك ترك في أيدي الروم.

ولمّا حضرته الوفاة أمر بالبسط فطويت، وألصق خدّه على الأرض، وجعل يقول: يا من لا يزول ملكه إرحم من زال ملكه، وكان يردّد هذين البيتين:

الموت فيه جميع الخلق مشترك *** لا سوقة منهم يبقى ولا ملك

ما ضرّ أهل قليل في تفارقهم *** وليس يغني عن الملاك ما ملكوا(400)

قال أحمد بن محمد الواثقي، وكان فيمن يمرّض الواثق: فتقدّمت إليه، فلما صرت عند رأسه فتح عينيه، فكدت أموت من خوفي، فرجعت إلى خلف، فتعلقت قائمة سيفي بشي فكدت أهلك، فما كان عن قريب حتى مات، وأغلق عليه الباب، وبقي وحده، فسمعت حركة من داخل البيت، فدخلت فإذا جرذ قد أكل عينيه - التى لحظ إليَّ بها - وما كان حولها من الخدين(401).

المتوكل

جعفر بن المعتصم بن الرشيد بن محمد المهدي بن المنصور العباسي، المتوفى سنة (247 هـ) واُمه اُم ولد يقال لها شجاع، وكانت ولادته بفم الصلح سنة (207هـ)، وبويع بالخلافة بعد أخيه الواثق، وكانت مدة خلافته أربع عشرة سنة، وكان مولعاً بالشراب وباقتناء الجواري، وكان بمكانة من الترف والبذخ ربما يمتاز بكثير عن جدّه الرشيد.

عرف المتوكل ببغضه لأهل البيت(عليهم السلام) ومطاردته لمحبيهم، وقتل زعمائهم، وكان لا تأخذه في ذلك رحمة، ولا يمنعه خوف من الله، ومن يتهم بميله للعلويين فإنّ مصيره القتل أو السجن المؤبد، حتى ظهر النصب في عصره، وانتشر بغض أهل البيت(عليهم السلام) في أيّامه، وتقرّب الكثير إليه بذمّ أهلالبيت(عليهم السلام)أو محبيهم، طلباً لرفده وطمعاً في صلته(402).

مدحه أبو السمط مروان بن أبي الجنوب بأبيات يذمّ فيها العلويين منها:

يرجو التراث بنو البنا *** ت ومالهم فيها قلامة

ما للذين تنحلوا ميرا *** ثكم إلاّ الندامة

فخلع عليه المتوكل أربع حلل، وأمر له بثلاثة آلاف دينار فنثرت على رأسه، وعقد له على البحرين واليمامة.

وتقدّم إليه هذا الشاعر مرة اُخرى بشعر يذم فيه آل محمد وشيعتهم فنثر عليه عشرة آلاف درهم(403).

وكان يقصد من يبلغه عنه أنّه يتولّى علياً وأهله بأخذ المال والدم. حتى عمّ الاستياء، وواجه الناس موجة تعصّب فاحش، وعذّب الموالون لأهلالبيت(عليهم السلام)أشدّ العذاب، ومنع الناس من زيارة قبرالحسين (عليه السلام)، كما أمر بهدم ماحوله من المنازل والدور، وأن يبذر ويسقى موضع قبره، ونادى في الناس: من وجدناه عند قبر الحسين (عليه السلام)بعد ثلاث حبسناه في المطبق(404) حتى هجاه الشعراء، ومما قيل فيه:

تالله إن كانت اُمية قد أتت *** قتل ابن بنت نبيّها مظلوما

فلقد أتاه بنو أبيه بمثله *** هذا لعمرك قبره مهدوما

أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا *** في قتله فتتبعوه رميما(405)

ويقول ابن الوردي:

وكم قد محي خير بشركما انمحت *** ببغض علي سيرة المتوكل

تعمق في عدل ولما جنى على *** مقام عليّ "حطّه السيل من عل"(406)وكان واليه على مصر يزيد بن عبدالله التركي يتتبع الموالين لأهل البيت(عليهم السلام)بكلّ أذى، كما حمل جماعة منهم إلى العراق.

قال الكندي في كتاب الولاة والقضاة: إنّ يزيد التركي أمر بضرب جندي - في شيء وجب عليه - عشر درر، فتوسل الجندي إلى يزيد بحقّ الحسن والحسين أن يعفو عنه فزاده ثلاثين درة، ورفع أمره إلى المتوكل في العراق، فورد أمر المتوكل بضرب الجندي مائة سوط وحمله إلى العراق، وذلك في سنة (243هـ) وفي سنة (248 هـ.) أخرج جماعة من العلويين من مصر إلى العراق(407).

وكان أخصّ الناس به وأقربهم عنده من اشتهر بالنصب، وعرف بالعداء لأهل البيت(عليهم السلام) أمثال علي بن الجهم الشاعر الشامي - من بني شامه بن لوي - وعمر بن فرخ الرحبي، وأبو السمط من ولد مروان بن أبي حفص من موالي بني اُمية، وغيرهم وسيأتي ذكرهم في القائمة السوداء التي ستتضمن أسماء من عرفوا بالنصب لأهل البيت(عليهم السلام).

قال المسعودي: ولم يكن المتوكل من يوصف في عطائه وبذله في الجود، ولا بتركه وإمساكه بالبخل، ولم يكن أحد ممن سلف من خلفاء بني العباس ظهر في مجلسه اللعب والمضاحك والهزل، ممّا استفاض في الناس تركه إلاّ المتوكل، فإنّه السابق إلى ذلك والمحدث له، وأحدث أشياء من خواصه، فلم يكن من كتابه وقواده من يوصف بجود ولا إفضال، أو يتعالى عن مجون وطرب(408) وكان منهمكاً في اللذات والشراب انهماكاً كبيراً(409) وكان بنان وزنان لا يفارقانه، هذا يضرب وذاك يزمر(410). ولم يفارق لذّاته وشرابه حتى في آخر لحظة من حياته، فقد قتل بين الناي والعود.

ولقي الناس في عهده أنواع البلاء والامتحان، وزلزلت الأرض وتناثرت الكواكب كالجراد، وكان أمراً مزعجاً، واهتزت الأرض بتونس وأعمالها، والري وخراسان ونيسابور وأصبهان، وشقّقت الأرض بقدر مايدخل الرجل في الشق، وضربت المدن والقلاع والقناطر، وسقط من انطاكية جبل في البحر، ورجمت قرية بناحية مصر بحجارة من السماء وزن الواحدة منها عشرة أرطال، وهبت ريح بالعراق شديدة السموم لم يعهد مثلها أحرقت زرع الكوفة والبصرة وبغداد، وقتلت المسافرين، ودامت خمسين يوماً، ومنعت الناس من طلب المعاش في الأسواق، والمشي في الطرقات، وزلزلت دمشق، والجزيرة والموصل وقوس ونيسابور وغيرها(411) في جميع أنحاء المملكة الإسلامية حتى ذهب ضحية ذلك خلق كثير، والخليفة المتوكل يتنعم في بذخه، ويمرح في اُنسه، بين رقص جواريه وغلمانه، ونغم عيدانه ومجونه بل جنونه، ومجلسه عامر بالهزل والطرب، وقد نشط الروم في عهده فهجموا على دمياط، ونهبوا وأحرقوا وسبوا ستمائة امرأة.

وكان يبذل الأموال الطائلة على القصور والعمارات، وقد أنفق ألف ألف وسبعمائة ألف دينار على بناء قصر البرج وحده(412).

ولمّا عزّم على المسير إلى دمشق أمر باتخاذ القصور، وإعداد المنازل، واصلاح الطريق، وإقامة المرافد(413).

ومع هذا قد وصفوه بالصلاح ونصرة الدين، وإحياء السنة، وإماتة البدعة وقد مدحه ابن الخبازة بقوله:

أطال لنا ربّ العباد بقاءه *** سليماً من الأهوال غير مبدّل

وجامع شمل الدين بعد تشتت *** وفاري رؤوس المارقين بمنصل(414)

ولمّا مات وضعت المنامات والأطياف في عظمته، وعلوّ درجته في الجنة، وقام القصاصون والوعّاظ بذلك يقصّون أحلامهم لتحقيق أحلامهم.

وممّا لا ريب فيه فإنّ الفرق بين المتوكل ومن سبقه من الخلفاء بيّن: فالمأمون لم يكن بالخليفة المستضعف، والمعتصم كان على جانب عظيم من القوة وحسن التدبير، وكرم الخلق، وكذلك ابنه الواثق، فقد كان يجالس العلويين ويحسن إليهم وإلى أهل الحرمين، حتى لم يبق منهم من يسأل الصدقة.

وفي أيام المعتصم والواثق لم يقتطع شيء من جسم الدولة العباسية، ولم يظهر بها أيّ ضعف، ولكن عهد المتوكل فتح باب الفرقة وتقلّصت أيام العزّ في بني العباس.

 

الدولة العباسية وبداية الضعف

وعلى كلّ حال فقد بدأ الضعف في جسم الدولة العباسية في أيام المتوكل، لضعفه في التدبير والسياسة، وإساءته لكثير من طبقات المجتمع، وبالأخص العلويين، ومن عرف بموالاتهم، فكانت الرقابة عليهم شديدة، والحساب عسيراً، فالشيعي في نظر الخليفة وأعوانه مصدر خطر دائم، وتهديد للدولة لا ينقطع.

وقام أنصاره وأعوانه بدور البطولة في القضاء على المذهب الشيعي، وبذلوا كلّ جهد، واستعملوا كلّ وسيلة لحصول ذلك الغرض، فراحوا يهولون في انحراف المذهب عن الحقّ ليغضّوا من قيمته، ويشوّهوا من جماله، ويستنزلوه من مستواه الرفيع وليس من الميسور عليهم حصول ذلك إلاّ بعد بذل جهود ومواصلة دعاية التهويل، ليقرّبوا ذلك إلى العقول، ولطالما سلبت أهواء السياسة من ذوي الفضل فضلهم ومن أجلها جرّدهم أرباب اللؤم عن محامدهم، وقد استطاع المذهب الشيعي أن يتغلّب بقوته الروحية على تلك المقاومات العنيفة، وجاهد جهاداً متصلاً، فتخطّى الحواجز واجتاز العقبات بتلك القوة، فلا سلطان يعضده، ولا سيف ينشره، وفشل المتوكل وأعوانه، فكان ضحية نصبه وتعصّبه، حتى قتل بيده ولده وقواده، وهو أول خليفة قتل جهرة من بني العباس، وكثر بعد ذلك القتل في المستخلفين من بعده.

وكان المتوكل لشدة نصبه وعدائه لعلي (عليه السلام) أنّ ندماءه في مجلسه يفيضون في ثلب علي (عليه السلام) فينكر ولده المنتصر ذلك - وكان ولي عهده - ويتهددهم ويقول للمتوكل: إنّ علياً هو كبير بيتنا، وشيخ بني هاشم، فإن كنت لابد ثالبه فتول ذلك بنفسك ولا تجعل لهؤلاء سبيلاً إلى ذلك. فيستخف المتوكل به ويشتمه ويأمر وزيره عبيدالله بصفعه، ويتهدده بالقتل ويصرّح بخلعه عن ولاية العهد، فأعدّ المنتصر جماعة من الأتراك وبعث معهم ولده صالح وأحمد وعبدالله ونصر، فدخلوا على المتوكل وهو بين ندمانه وكؤوس شربه، فأخرجوا الندمان حتى لم يبق مع المتوكل إلاّ أربعة من الخاصة وأغلقوا الأبواب إلاّ باب دجلة; وقتلوا المتوكل والقى الفتح بن خاقان نفسه عليه ليقيه فقتلوه(415).

ورثاه البحتري في قصيدة يقول فيها:

هكذا فلتكن منايا الكرام *** بين ناي ومزهر ومدام

بين كأسين أورثاه جميعاً *** كأس لذاته وكأس الحمام

لم يُذل نفسه رسول المنايا *** بصنوف الأوجاع والأسقام

هابه معلناً فدبّ إليه *** في كسور الدجى بحدّ الحسام(416)

وعلى أيّ حال فقد كان المتوكل في جانب المحدثين، وأصبحت لهم الصولة والنفوذ، واستغل العوام هذه الفرصة فأوقعوا برجال الفكر، ونشروا الخرافات. أمّا أصحاب أحمد بصورة خاصة، فلهم المنزلة السامية، والمقام الرفيع، لأنه رفع منزلة الإمام أحمد وقرّب أصحابه، واتّسع المجال أمامهم في الانتقام من خصومهم والانتصار لمبادئهم، وكما رأينا كيف كان المتوكل يعظّم أحمد ويجلّه، ويشيد بذكره ويصله بهداياه، حتى بلغ به الأمر أنه كان يستشيره في تعيين القضاة، وقد بعث إليه مرّةً يسأله في تولية ابن الثلجي القضاء.

فقال أحمد: لا ولا على حارس; لأنّ أحمد كان يرى أنّ ابن الثلجي - وهو من كبار أصحاب أبي حنفية - مبتدع صاحب هوى(417).

اتّهام أحمد بالميل للعلويين

ومع اتّصاف المتوكل بالتودد لأحمد بن حنبل، وإظهار فضله، وعدم سماع أيّ وشاية عليه، فإنّ أحمد لم يسلم من الاتهام بالميل للعلويين، فقد إرتأى خصومه أن يسلكوا طريقاً يمكنهم أن يغيّروا قلب المتوكل بتهمة لا يغفرها المتوكل، ولا يقف دون عقابه لمن أتّهم بها أيّ حاجز، وهي الاتهام بالتشيّع أو الميل للعلويين، فاخترعوا من عند أنفسهم أنّ أحمد يبايع لعلويّ، أو أنه أخفى علوياً في بيته، لينالوا منه ويحوّلوا قلب المتوكل منه، فأخذ المتوكل بالتحرّي على أحمد بشدة، وطوقت المحلة التي كان يسكنها، وأحاط الجند بداره ودخلوها.

فقال أحمد: ماأعرف من هذا شيئاً، وإنّي لأرى طاعته في العسر واليسر، والمنشط، والمكره، والإثرة، وإنّي أتأسّف على تخلفي عن الصلاة في جماعة، وعن حضور الجمعة ودعوة المسلمين.

فقال له ابن الكلبي: قد أمرني أمير المؤمنين (أي المتوكل) أن اُحلفك أن ما عندك طلبته فتحلف!.

قال: إن استحلفتموني حلفت. فأحلفه بالله وبالطلاق أن ماعنده طلبة أمير المؤمنين. ثم قال له: اُريد أن أفتش منزلك ومنزل ابنك، فقام ابن مظفر وابن الكلبي وامرأتان معهما فدخلا، ففتشا البيت ثم فتّشت الامرأتان النساء، ثم دخلوا منزل ولده صالح ففتشوه، ودلوا شمعة في البئر ونظروا ووجّهوا النسوة، ففتشوا الحرم ثم خرجوا(418).

وإنّ الناظر في سيرة أحمد يجد أنه لا يستبعد اتّهامه بما يسوء العباسيين عامة والمتوكل خاصة، فقد كان جريئاً في رواية مناقب أهل البيت(عليهم السلام)، وقد روى في مسنده مالم يروه كثير من أهل المسانيد والصحاح، كما كان يظهر فضائل علي ويحدث بها.

قال عبدالله بن أحمد سمعت أبي يقول: مالأحد من الصحابة من الفضائل بالأسانيد الصحاح مثل مالعلي (رضي الله عنه)(419).

وقال عبدالله: قلت لأبي - أحمد بن حنبل- ماتقول في التفضيل؟ قال في الخلافة أبو بكر وعمر وعثمان.

فقلت: فعليّ؟

قال: يابني علي بن أبي طالب من أهل بيت لا يقاس بهم أحد(420).

وقال محمد بن منصور: كنّا عند أحمد بن حنبل فقال له رجل: ياأباعبدالله، ماتقول في هذا الحديث الذي يروى: أنّ عليّاً قال: "أنا قسيم النار"؟

فقال أحمد: وماتنكرون من ذا؟ أليس روينا أنّ النبي(صلى الله عليه وآله)، قال لعلي: "لا يحبّك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق"؟ قلنا: بلى. قال:

فأين المؤمن؟ قلنا في الجنة. قال وأين المنافق؟ قلنا: في النار. قال أحمد: فعليّ قسيم النار(421).

وقال عبدالله بن أحمد: كنت بين يدي أبي جالساً ذات يوم فجاءت طائفة من الكرخية. فذكروا خلافة أبي بكر، وخلافة عمر، وخلافة عثمان، وخلافة عليبن أبي طالب، فزادوا وأطالوا، فرفع أبي رأسه إليهم فقال:

ياهؤلاء، قد أكثرتم القول في علي والخلافة، إنّ الخلافة لم تزين علياً بل عليّ زيّنها(422).

قال ابن أبي الحديد: وهذا الكلام دال بفحواه ومفهومه على أنّ غيره ازدان بالخلافة، وتمّمت نقيصته، وأنّ علياً لم يكن فيه نقص يحتاج إلى أن يتمم بالخلافة، والخلافة ذات نقص في نفسها، فتمم نقصها في ولايته إياها(423).

ولما سأله إسحاق بن إبراهيم - عن القرآن وأنّه ليس بمخلوق - عمّن تحكي أنه ليس بمخلوق؟ فقال جعفر بن محمد الصادق قال: ليس بخالق ولا مخلوق. فسكت إسحاق(424).

على أنّ حال الأخبار عن أحمد لا تمضي على هذا المنوال، بل نجد بينها أخباراً ربّما يصعب معها الجزم أو الترجيح، ولكنّا آثرنا ما هو أقرب الى الحقّ وأليق برجل عالم كأحمد، وقد تكون صحيحة لتأثره بأجواء المتوكل، أو قد تكون من صنع آخرين. سنشير إليها في محلّها.

شيوخ الإمام أحمد من الشيعة

كما أنّ لأحمد صلة برجال الشيعة، وقد أخذ العلم عن كثير منهم، فكانوا في عداد شيوخه وأساتذته، وكذلك أخذ عن عدد وافر من العلماء الذين انتموا إلى مدرسة الإمام الصادق (عليه السلام).

وربّما لامه بعض من تأثّر بدعاية خصوم الشيعة على اتصاله بمن عرف بالتشيّع.

يحدّثنا الخطيب البغدادي: أنّ عبد الرحمن بن صالح الشيعي(425) كان يغشى أحمد بن حنبل، فيقرّبه أحمد ويدنيه، فقيل له: ياأباعبدالله، عبد الرحمن رافضي. فقال: سبحان الله! رجل أحبّ قوماً من أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله)نقول له: لا تحبهم! هو ثقة(426).

أما العلماء الذين أخذ عنهم أحمد: فقد ذكر علماء الرجال كثيراً من الشيعة أنّهم كانوا من شيوخ أحمد، وكذلك ذكرهم ابن الجوزي في مناقب أحمد منهم:

1 - إسماعيل بن أبان الأزدي أبو إسحاق الكوفي، المتوفى سنة (216 هـ) وهو من شيوخ البخاري وابن معين أيضاً.

2 - إسحاق بن منصور السلوي أبو عبد الرحمن الكوفي، المتوفى سنة (205هـ) وقد خرّج حديثه أصحاب الصحاح الستة.

3 - تليد بن سليمان المحاربي أبو سليمان الكوفي، المتوفى سنة (190 هـ) روى له الترمذي في صحيحه وقال فيه أحمد: إنّ مذهبه التشيّع ولم أر به بأساً.

4 - الحسين بن الحسن الفزاري أبو عبدالله الأشقر الكوفي، المتوفى سنة (208هـ) خرّج حديثه النسائي.

5 - خالد بن مخلد القطواني أبو الهيثم، المتوفى سنة (213 هـ)، كان من كبار شيوخ البخاري وخرّج حديثه في صحيحه، ومسلم والنسائي ومالك بن أنس في مسنده.

6 - سعيد بن خيثم بن رشد الهلالي أبو معمر الكوفي، المتوفى سنة (180هـ)، خرّج حديثه الترمذي والنسائي وابن ماجة.

7 - عبدالله بن داود أبو عبد الرحمن الهمداني، المتوفى سنة (212 هـ) خرّج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي، وقال فيه أحمد: هو أثبت من شريك، وقال ابن سعد: كان ثقة يرحل إليه.

8 - عبيدالله بن موسى العبسي أبو محمد الكوفي، المتوفى سنة (213 هـ) صاحب المسند. خرّج حديثه أصحاب الصحاح الستة.

9 - عبد الرزاق بن همام الصنعاني المتوفى سنة (211 هـ) من كبار شيوخ أحمد والبخاري. خرّج حديثه أصحاب الصحاح.

10 - عباد بن العوام بن عمر بن عبدالله بن المنذر الواسطي، المتوفى سنة (185هـ)، قال ابن سعد: كان يتشيّع وكان من نبلاء الرجال.

وقد حبسه الرشيد زماناً ثم خلّى عنه، وأقام ببغداد وسمع منه البغداديون وهومن رجال الصحاح الستة.

11 - محمد بن فضيل بن غزوان الضبي، أبو عبد الرحمن الكوفي، المتوفى سنة (195 هـ)، وهو مصنف كتاب الزهد والدعاء، قال أحمد بن حنبل: محمد بن فضيل حسن الحديث شيعي. وخرّج حديثه أصحاب الصحاح.

12 - عائذ بن حبيب الملاح الكوفي، المتوفى سنة (190 هـ)، بياع الأقمشة الهروي، خرّج له النسائي وابن ماجة.

13 - علي بن غراب الفزاري أبو الحسن الكوفي، المتوفى سنة (184 هـ)، سئل عنه أحمد بن حنبل فقال: حديثه حديث أهل الصدق. وخرّج حديثه النسائي وابن ماجة.

14 - علي بن هاشم بن البريد العابدي مولاهم أبو الحسن الكوفي، المتوفى سنة (180 هـ) خرّج حديثه البخاري في الأدب المفرد. ومسلم في صحيحه، والترمذي والنسائي، وابن ماجة، وأبو داود.

15 - علي بن الجعد أبو الحسن الهاشمي مولاهم البغدادي الجوهري، المتوفى سنة (230 هـ) روى له البخاري وغيره.

16 - الفضل بن دكين المعروف بأبي نعيم، المتوفى سنة (219 هـ) من رجال الصحاح الستة، وهو شيخ البخاري وأحمد وابن معين وإسحاق، قال فيه أحمد: الفضل ثقة يقظان عارف بالحديث.

17 - محمد بن عبدالله بن الزبير بن عمر أبو أحمد الأسدي الزبيري، مولاهم المكي، المتوفى سنة (202 هـ)(427).

وقد نص ابن قتيبة في معارفه على تشيع جماعة هم من كبار شيوخ أحمد أمثال: يحيى بن سعيد القطان المتوفى سنة (198 هـ)، ووكيع بن الجراح المتوفى سنة (197 هـ)، وحميد بن عبد الرحمن الرواسي المتوفى سنة (190هـ)، وهشيم بن بشير الواسطي المتوفى سنة (183 هـ)(428) وغيرهم.

كما أنّ الإمام أحمد أخذ العلم عن جماعة من تلامذة الإمام الصادق(عليه السلام).

والمنتمين لمدرسته، أمثال: إبراهيم بن سعد بن عبد الرحمن الزهري المتوفى سنة (183 هـ)(429)، وإبراهيم بن زياد المتوفى سنة (228 هـ)(430)، وجرير بن عبد الحميد المتوفى سنة (188 هـ)(431)، ومكي بن إبراهيم المتوفى سنة (215 هـ)(432)، والضحّاك بن مخلد الشيباني أبو عاصم النبيل المتوفى سنة (131هـ)(433)، وغير هؤلاء عدد كبير من الذين عرفوا بالتشيّع وانتسبوا لمدرسة أهل البيت(عليهم السلام). والغرض أنّ الإمام أحمد لم يسلم من التصاق التهمة به بالميل للعلويين، والجنوح للشيعة وهم