الإمام الصادق (عليه السلام) لمحات من تاريخ حياته

الإمام الصادق (عليه السلام) لمحات من تاريخ حياته 

 

لمحات من تاريخ حياته

بعد ثلاثة أجزاء مضت من كتابنا "الإمام الصادق والمذاهب الأربعة"وقد تضمن كلّ جزء جانباً من حياة الإمام الصادق، ونحن لم نوف شخصية الإمام حقّها في أيّ جانب تناولناه، وهنا نحاول أن نستعرض بعجالة كيفية تميّز الإمام الصادق بهذه الشخصية العظيمة. وبكلّ اطمئنان فإنّ التاريخ احتفظ بصورة مجردة من آثار السلطان ونتائج سياسات الحكام، فلم تنجح تلك الحملات في دفع الناس عن أهل البيت وعميدهم، وفشلت في الاساءة إليه. وإنّ رجلاً يعاصر تلك المرحلة وعهودها وأحداثها السياسية وقد تباينت فيها واتّسعت واختلفت المجريات والنتائج، ويخرج منها بمبادئه نقيّة وبأهدافه نزيهة لهو من أعظم الرجال الذين يعجز القلم عن إيفائه حقّه من البيان والتقدير.

وببساطة، فإنّ صورة الحال أنّه كان مع أبيه الباقر(عليه السلام) غاية بني اُمية، ثم هدم الله ملكهم وثل عرشهم. وبدأت فترة اتجهت فيها الأنظار إليه، فاجتازها، فهو يعلم ماذا ستسفر عنه الأحداث وكيف ستكون السلطة، إذ علم من بني العباس ما جهله غيره، ولمّا قام حكمهم واستقرّ، لقي منهم بلاءً ومحناً حتى كتب الله له النجاة وحفظه. فهو ما بين حماية نفسه وأصحابه وبين رسالته الدينية وواجبه تجاه مجتمعه وأبناء دينه يشيد صرحاً دينياً وثقافياً خالداً ويشقّ طريقه بما يشقّ على غيره ويعجزه، لكنّها خصائص أهل البيت سلام الله عليهم، فكم لأبي عبدالله الصادق من أعداء؟ وكم جهد الحكّام في الإساءة إليه والى أهله وشيعته؟ ولكنّ تلك الإساءات وذلك العداء فشلت جميعها، واحتفظ التاريخ بصورة متألّقة لشخصية الإمام الصادق هي مصداق الأعلمية والأفضلية.

ولادته

الإمام أبو عبد الله جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين - سبط رسول الله - بن علي بن أبي طالب(عليهم السلام).

ولد بالمدينة المنورة يوم الجمعة، أو الإثنين عند طلوع الفجر 17 ربيع الاول سنة (83 هـ) وقيل سنة (80 هـ)، وقيل غرة رجب أو منتصفه، وقيل يوم الثلاثاء قبل طلوع الفجر، غرة شهر رمضان، والمعتمد الأول وهو يوم 17 ربيع الأول يوم ولادة جدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله) كما عليه عمل كثير من المسلمين.

واُمّه اُم فروة، وقيل اُم القاسم واسمها قريبة، أو فاطمة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق. اُمّها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، وكانت اُم فروة قد ولدت للإمام الباقر ولدين هما: الإمام الصادق (عليه السلام) وعبد الله أو عبيد الله، وقد قال الإمام الصادق فيها: إنّها ممّن آمنت واتقت وأحسنت، والله يحب المحسنين.

وقد روت عن الإمام الباقر أحاديث كثيرة، وكانت لها مكانة علمية، وقد استقت العلم من ينبوع الوحي، ومعدن الرسالة، وممّا يدلنا على مكانتها العلمية مارواه عبد الأعلى قال: رأيت اُم فروة تطوف بالكعبة عليها كساء متنكرة، فاستلمت الحجر بيدها اليسرى، فقال لها رجل ممّن يطوفون: يا أمة الله، أخطأت السُنة. فقالت إنّا لأغنياء عن علمك.

وكان أبوها القاسم بن محمد بن أبي بكر من أعلام الاُمة وكبار المحدثين عن أهل البيت(عليهم السلام)، وروى عن عمّته عائشة وكثير من الصحابة، وكان من الفقهاء السبعة ومن رواة الحديث، وقد روى حديثه أصحاب الصحاح الستة.

وقد استوفينا ترجمة اُم فروة وأبيها القاسم وأبيه محمد، في كتابنا الذي أفردناه في ترجمة الإمام جعفر بن محمد الصادق، ولذلك اكتفينا بهذه الإشارة الموجزة.

نشأتـه

نشأ أبو عبد الله (عليه السلام) بالمدينة المنورة وقد تولّى جدّه الإمام زين العابدين تربيته في عهد طفولته، ودرج تحت كنفه ورعايته وكان هو معلّمه الأول.

قضى مع جدّه زين العابدين ما يقارب 18 سنة من عمره، وبعد وفاة جدّه سنة (94 هـ) تولى أبوه الباقر تربيته، واستقل بتعليمه، وكان الإمام الصادق (عليه السلام)مقدّماً عند أبيه وملازماً له في حلّه وترحاله، ودخل معه الشام ومكة المكرمة، وقد شاهد هناك ازدحام الفقهاء من مختلف الأقطار على أبيه الباقر لاستماع حديثه والسؤال منه، وكانت حلقة درسه تعقد بالمسجد فتكون هي الحلقة الوحيدة لطلاب العلم، ورجال الفكر، ورواة الحديث، فلا تعقد حلقة هناك إلا بعد انتهاء الإمام الباقر من إلقاء دروسه.

وكان الإمام الصادق (عليه السلام) في طليعة تلامذة أبيه في مدرسته بالمدينة، وهي تضمّ عدداً وافراً من أعلام عصره: كعمر بن دينار الجمحي، وعبد الرحمن الأوزاعي، وابن جريح، ومحمد بن المنكدر، ويحيى بن كثير وغيرهم من رجال الحديث، وهم يسألونه عن أهمّ المسائل وأعظم المشاكل، ولم يحضر الإمام الصادق حلقة أحد من فقهاء عصره، فهو غنيّ عن ذلك وما يدّعى أنّه روى عن عروة بن الزبير والزهري وغيرهما فإنّه ادعاء فارغ لايدعمه دليل، لأنّه (عليه السلام)استقى العلم من جدّه زين العابدين ومن أبيه الإمام محمد الباقر(عليهما السلام). حتى نشأ تلك النشأة الصالحة، ونال تلك الدرجة السامية، وعظم في أعين كبار الفقهاء، لما تحلّى به من الخصال الحميدة، والأخلاق الفاضلة، والإحاطة التامة بشتّى العلوم، وظهرت عليه علائم الفضل، وشرف المحتد، وعزة النفس، وصدق اللهجة. قال عمر بن المقدام: إذا نظرت إلى جعفر بن محمد علمت أنّه من سلالة النبيين.(18)

وهكذا بقي مع أبيه (عليه السلام) بعد جدّه زين العابدين (عليه السلام) تسع عشرة سنة.

ولمّا توفي أبوه الباقر سنة (114 هـ) تفرّد بالزعامة، وقام بأعباء الإمامة، بوصية من أبيه الباقر (عليه السلام) وكانت مدة إمامته 34 سنة.

معاصرته للحكم الاُموي

أدرك الإمام الصادق (عليه السلام) طرفاً كبيراً من العهد الاُموي، وعاصر كثيراً من خلفائهم. فقد ولد (عليه السلام) في عهد عبد الملك بن مروان، وأدرك خلافته ثلاث سنين أو ستّاً أي من سنة (80 هـ) أو (83 هـ) الى سنة (86 هـ)، وهي السنة التي توفّي فيها عبد الملك بن مروان. ومدة خلافته ثلاث عشرة سنة وأشهر.

ثم ملك الوليد بن عبد الملك سنة (86 هـ) وتوفي سنة (96 هـ). وكانت مدة خلافته تسع سنين وثمانية أشهر.

ثم ملك أخوه سليمان بن عبد الملك وتوفي سنة (99 هـ). وكانت مدة خلافته سنتين وثمانية أشهر.

ثم ملك بعده عمر بن عبد العزيز بن مروان المتوفى سنة (101 هـ) ومدة خلافته سنتان وستة أشهر.

وملك بعده يزيد بن عبد الملك بن مروان المتوفى سنة (105 هـ) وكانت مدة خلافته أربع سنين وشهراً.

وملك بعده هشام بن عبد الملك المتوفى سنة (125 هـ) وكانت مدة خلافته عشرين سنة إلا شهراً.

وملك بعده الوليد بن يزيد بن عبد الملك المتوفى سنة (126 هـ) ومدة خلافته سنة وثلاثة أشهر.

وملك من بعده يزيد بن الوليد بن عبد الملك المتوفى سنة (126 هـ).

وملك بعده أخوه إبراهيم ولم تطل أيامه، وتنازل لمروان الحمار بن محمد ابن مروان بن الحكم سنة (127 هـ)، وكان مروان آخر خلفاء بني اُمية، وقتل سنة (132 هـ). وكانت مدته خمس سنين وعشرة أشهر. ولم تكن مدة خلافة أو سلطان، بل أيّام حروب متوالية، وثورات متتابعة، وبموته انتهى العهد الاُموي، وانهارت دولتهم، وقامت على أطلالها الدولة العباسية.

كانت هذه المدة التي لا تقل عن ثمان وأربعين سنة قضاها الإمام الصادق(عليه السلام)في عهد الحكم الاُموي، مليئة بأحداث تبعث آلاماً تنكد عليه عيشه، لما فيها من المحن وويلاتها.

إنّه (عليه السلام) كان يرى المضطهدين من خيار الاُمة، وصلحائها، وتملأ بهم السجون، ويساقون إلى الموت زرافات ووحداناً، كما يرى بين آونة واُخرى رجال الطالبيين وأعيانهم مطاردين، ومشرّدين يلاقون حتفهم شهيداً بعد شهيد، فكانت مقاتلهم مآسي التاريخ الدامية، وكان كلّ من ملك الأمر من اُولئك الحكام يراقب حركاتهم بعين ساهرة، واُذن سامعة، فإذا ضاقت عليهم الأرض وأنفوا الذل خرجوا بالسيف، وهم يأملون مناصرة الاُمة ومؤازرتهم، ولكنّ لم تسعد الاُمة بذلك، فكانت الشهادة وسامهم، والقتل نهايتهم.

ولقد عاصر الإمام الصادق (عليه السلام) ملوكاً استفحل ضررهم على جميع الطبقات، وقد انحطوا إلى مهاوي الرذيلة، فارتكبوا المنكرات التي يندى منها الجبين، ويتصدّع لها قلب ذوي الأنفة والحمية على الدين، وهم يدّعون الخلافة للمسلمين ولا يتّصفون بأيّ صفة من صفاتها; فليس منهم أحد إلا وهو ظالم في حكم، جائر على الرعية، مستبدّ بأموال الاُمة ينفقها في شهواته، اللّهمّ إلاّ إذا استثنينا عمر بن عبد العزيز فهو نجيبهم، إذ أظهر الزهد والابتعاد عن الظلم. وبادر إلى محو السُنة الاُموية، ومنع سبّ عليّ(عليه السلام) بعد أن أدخل في مناهج التعليم، وأعلنوا به على المنابر، وفي الأندية والمجتمعات، لينشئوا جيلاً قد تركّزت فيه فكرة البغض لعلي وأولاده، فكان سبّ عليّ هو علامة الولاء للدولة، والبراءة منه، دليلاً على الإخلاص وعدم الخيانة، حتى تركّزت في مخيلة كثير من الناس صور معاكسة للحقيقة، ونشأوا على التقليد الأعمى في اتّباع ولاة اُمورهم، وتصديق ما صدر عنهم.

قال أبو يحيى السكري: دخلت مسجد دمشق فقلت: هذا بلد دخله جماعة من الصحابة. فملت إلى حلقة فيها شيخ جالس. فجلست إليه، فقال له رجل جالس أمامه: من هو علي بن أبي طالب؟ فقال الشيخ: خفاق ـ يعني ضعيفاً ـ كان بالعراق اجتمعت عليه جماعة. فقصد أمير المؤمنين - يعني معاوية - أن يحاربه فنصره الله عليه.

قال يحيى: فاستعظمت ذلك وقمت، فرأيت في جانب المسجد شيخاً يصلي الى سارية، وهو حسن السمت والصلاة والهيئة، فقلت له: يا شيخ أنا رجل من أهل العراق، جلست إلى تلك الحلقة، ثم قصصت عليه القصة.

فقال الشيخ: في هذا المسجد عجائب، بلغني أنّ بعضهم يطعن على أبي محمد الحجاج بن يوسف، فعلي بن أبي طالب من هو؟!(19)

هكذا أثّرت قوّة الدعاية في مجتمع يتقبل تلك الأباطيل والمفتريات، لضعف الإيمان. وكم للدعاية من أثر في توجيه الناس الى ما تهدف إليه السياسة، من تحقيق أهداف وبلوغ مآرب، حتى حملوا السذّج على الاعتقاد بكلّ ما يُوحى إليهم، حتى ارتبطت في نفوس بعض الناس ارتباطاً وثيقاً، فهي لا تقبل الرد والمعارضة. أمّا البعض الآخر فقد خضعوا لتلك الأوهام تحت ضغط الإرهاب وقوّة الحكم الغاشم.

ولولا إسهام علماء القصور وفقهاء الملوك في هذه الحملة لكان أمرها سياسياً يتصل بمصالح السلطة وشؤون الحكم، لكنّ المؤلم أنّ الظلمة تحكّموا بالناس بوسائل القوة الغاشمة من جهة، وبوسائل الدين من جهة اُخرى.

يقول الشعبي: ماذا لقينا من آل علي إن أحببناهم قتلنا، وإن عاديناهم دخلنا النار.(20)

وقد مرت الإشارة إجمالاً - في الأجزاء السابقة - إلى تلك الدعايات وأساليبها، ومدى تأثر المجتمع فيها.

وعلى أيّ حال فإنّ الإمام الصادق (عليه السلام) قضى من عمره في الحكم الاُموي ما يقارب نصف قرن، وقد شهد انتقال الدولة منهم الى بني العباس، وشاهد ذلك النشاط السياسي الذي عصف بتلك الدولة فهدم أركانها، ومحاها من صفحة الوجود، كما عصف بأرواح الناس وأموالهم، وقد اتّضح لنا رأيه وموقفه وسط ذلك المعترك، وسنرى فيما بعد رأيه في معالجة المشاكل وموقفه في اصلاح الوضع.

وخلاصة القول أنّ الإمام الصادق (عليه السلام) قد شاهد في عصر اُولئك الحكام أنواع الظلم وضروب المحن، من سوء السيرة في الاُمة، وجور الحكم في الرعية.

وقد تراكمت المصائب على أهل البيت(عليهم السلام)، وتوالت عليهم الحوادث من قتل وتشريد، وفرض مراقبة شديدة، ومنع الاُمة من الاتصال بهم، والانتهال من نمير تعاليمهم. وشاهد جدّه الإمام زين العابدين (عليه السلام)على فراش الموت، متأثراً من السمّ الذي دسّه الاُمويون له، فقضى نحبه صلوات الله عليه سنة (94 هـ).

وكذلك شاهد أباه الإمام الباقر(عليه السلام) على فراش الموت، ولفظ أنفاسه مسموماً بيد اُولئك الطغاة، الذين صعب عليهم انتشار ذكره واتّساع آفاق دعوته، ونشاط مدرسته وذلك في سنة (114 هـ).

ووافاه نبأ مقتل عمّه زيد بن علي (عليه السلام) الثائر على الظلم والمنتصر للعدالة الضائعة، في ظلّ حكم اُولئك الطغاة في سنة (124 هـ).

وحينما أخبر الإمام الصادق (عليه السلام) عن مقتله وما جرى عليه بكى بكاء شديداً، وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، عند الله أحتسب عمّي، ثم قال: مضى والله شهيداً، كشهداء استشهدوا مع رسول الله وعلي والحسين.(21)

وقال (عليه السلام): فلعن الله قاتله وخاذله، والى الله أشكو ما نزل بأهل بيت نبيّه(عليهم السلام)بعد موته، ونستعين الله على عدوّنا وهو المستعان.

ولم تمض على قتل زيد بن علي (عليه السلام) مدة من الزمن حتى وافته الأنباء بقتل ابن عمّه يحيى بالجوزجان، وذلك في سنة (126 هـ). وصلب على باب المدينة إلى أن ظهر أبو مسلم الخراساني فأنزله ودفنه.

وهكذا كان في كلّ آونة يقرع سمعه نبأ مفجع في أهل بيته وشيعته، فقد ملأوا بهم السجون، وصبغوا من دمائهم الأرض، واهتزّت بأجسادهم المشانق، وقد تلقى تلك الفجائع بصبر وثبات، وعزيمة صادقة.

ولا يغيب عن الأذهان عظيم استياء الإمام ومحنته من جراء الانحراف العقائدي والسياسي، وبعد الاُمة الاسلامية عن واقع الدين، وابتعادهم من الناحية العملية عن الإسلام، وهو المسؤول الأول عن التوجيه، وهداية الاُمة.

وماذا يصنع وهو المحاط برقابة شديدة، والدولة لا تنفك عن مقابلته بالشدة، ومحاولة الفتك به بين آونة واُخرى؟ وقد نظر (عليه السلام) إلى واقع الأمر نظرة دقيقة، وسار على خطّة محكمة وطريق سويّ في معالجة الأوضاع، وإصلاح المجتمع.

أمّا بقيّة حياته التي قضاها في العهد العباسي، وهي من سنة (132 هـ) إلى سنة (148 هـ) وهي سنة وفاته، وتكاد هذه المدّة أن تكون في بدايتها خير عهد يشهده الإمام من حيث الحرية الكاملة، ورفع الرقابة المشددة، ولكن لم يطل الزمن حتى اشتدّ المنصور في معاملته، وعامله بقسوة لا مزيد عليها، حتى اغتاله بالسمّ في الخامس والعشرين من شهر شوال سنة (148 هـ).

وخلاصة القول: أنّ الإمام عاش هذه المدة وسط معترك سياسي وفكري، وقد قام بواجبه الإصلاحي، ووجّه الاُمة إلى ما فيه سعادتها، ولم يخضع لتلك السلطات فيترك عمله، أو يتخلّى عن المسؤولية في أداء الرسالة، فلم يتزلّف لملوك عصره فيسايرهم، أو يبرر أعمالهم، بل كان دائماً يسلك منهج آبائه في محاربة الظالمين، مظهراً سخطه عليهم، معلناً غضبه على أعمالهم، داعياً لمقاطعتهم، وكانت عليه من الله جنّة واقية، فهو متسلّح بإيمانه بالله، متحمّل الأذى في سبيل الدعوة إلى الله.

ولا بدّ لنا هنا - إتماماً للبحث عن حياته - من ذكر شيء من سيرته وبعض تعاليمه التي تتجلّى فيها روح الصلاح، وهو يضع في كلّ منها حجراً لأعظم الاُسس التربوية.

 

الإمام الصادق (عليه السلام)قبس من سيرته وتعاليمه

 

تمهيد

لقد كان الإمام الصادق (عليه السلام) مثالاً كاملاً لدعاة الاصلاح، وعلماً من أعلام الصلاح، يأمر بالأخلاق الفاضلة والسجايا الحميدة، واكتساب الفضائل والابتعاد عن الرذائل، لا يدّخر النصح عن أحد .

كان يدعو الناس بلين ورفق، ويجادلهم بالتي هي أحسن، ولا يتشدّد على الشاك في الدين، بل كان يوضّح له ما أشكل، ويبيّن له ما أبهم، حتى يظهر له الحقّ ويجلو له السبيل .

وفي خضمّ عداوة الحكام لأهل البيت، وموجات الارهاب التي يتعرض لها الشيعة من قبل أصحاب السلطان وأذنابهم، كان الإمام(عليه السلام) حريصاً على إبعاد المؤمنين عن مواقع سيوف الظلمة، وكان من نتائج انحراف الحكام عن الدين وبعدهم عن روح الإسلام أن يصرّح في المجتمع بالنصب والعداء لأهل البيت، فسئل الإمام عن رجل سبّابة للإمام(عليه السلام) فقال(عليه السلام): "حلال الدم والله، لولا أن تعمّ به بريئاً"قال السائل: لأي شيء يعمّ به بريئا؟ قال: "يقتل مؤمن بكافر".

وسئل(عليه السلام) في قتل الناصبي؟ فقال: "حلال الدم، ولكني أتقي عليك، فإن قدرت أن تقلب عليه حائطاً أو تغرقه في ماء لكي لا يشهد به عليك فافعل".

وكان يتشدّد على أصحابه المتشدّدين في معاملة المنحرفين عن الحقّ، ويأمرهم بأن يدعوهم بالحكمة والموعظة الحسنة ويقول لهم: "لأحملنّ ذنوب سفهائكم على علمائكم، ما يمنعكم إذا بلغكم عن الرجل منكم ما تكرهون، وما يدخل به الأذى علينا، أن تأتوه فتؤنبوه وتعذلوه وتقولوا له قولاً بليغاً". فقال له بعض أصحابه: إذاً لا يقبلون منا. قال: اهجروهم واجتنبوا مجالسهم .(22)

فهو يوجب على العالِم أن لا يتخلّى عن تعليم الجاهل الذي يتردّى بجهالته، فيرتكب ما يخالف الدين، ويدخل به الأذى على دعاة الاصلاح وحماة المسلمين، ولا يصحّ لهم هجره إلا بعد اليأس من اصلاحه، وإزالة الغشاوة التي أعمت بصره، ففي هذه الحالة تكون مواصلته تشجيعاً، ومجالسته إغراء.

وكان (عليه السلام) يبذل جهده في توجيه الناس وتقويم أخلاقهم، و إصلاح شؤونهم ما استطاع، ويريد منهم أن يلتزموا الجوهر ويتركوا العرض، ويأمرهم بالعمل، ويدعو ذوي اليسر إلى الانفاق على ذوي العسرة، وأن يوسّعوا على المضيق منهم حتى يمنعوهم من ذلّ السؤال، وكان ينفق حتى لا يبقي شيئاً لعياله (23)كما يحدّث عنه الهياج بن بسطام.

يقول شعيب بن ميثم: قال لي الصادق: يا شعيب أحسن إلى نفسك وصل قرابتك، وتعاهد إخوانك، ولا تستبد بالشيء فتقول: ذا لنفسي وعيالي، إنّ الذي خلقهم هو يرزقهم.(24)

إلى غير ذلك من أقواله وأفعاله، التي كان يبعث فيها الشعور لسامعيه على لزوم التخلّق بالسجايا الحسنة اقتداء به، لأنّه (عليه السلام) كان حريصاً على توجيه المجتمع، والتحلّي بآداب الإسلام، فهو يدعو الأغنياء لمواساة الفقراء والإحسان إليهم، لتزول عوامل العداء والحسد والبغضاء، ويكون الجميع اخوة، كلّ يحبّ الخير لأخيه، فلا أثرة ولا بخل، ولا إهانة بعض لبعض، ولا خصومة ولا مشاحنة، إلى غير ذلك ممّا دعا الإسلام كلّ مسلم أن يتّصف به.

ولحرصه (عليه السلام) على تأليف القلوب وإزالة الشحناء، وإطفاء نار العداوة والبغضاء; كان يدفع إلى بعض أصحابه من ماله ليصلح به بين المتخاصمين على شيء من حطام الدنيا تسوية للخلاف، ودفعاً للتقاطع والتهاجر. ومنعاً من الترافع لحكام الجور.

نهيه عن المنازعات وفضّ الخصومة لدى حكّام الجور

قال أبو حنيفة واسمه سعيد بن بيان: مرّ بنا المفضل بن عمر وأنا وختن لي نتشاجر في ميراث، فوقف علينا ساعة، ثم قال لنا: تعالوا إلى المنزل، فأتيناه واصلح بيننا بأربعمائة درهم، فدفعها الينا حتى إذا استوثق كلّ واحد منا صاحبه قال المفضل: أما أنّها ليست من مالي، ولكنّ أبا عبد الله الصادق أمرني: إذا تنازع رجلان من أصحابنا أن أصلح بينهما، وأفتديهما من ماله فهذا مال أبي عبد الله الصادق .(25)

وهكذا يكشف لنا عظيم اهتمامه بجمع الكلمة، وعدم الفرقة أولاً، وإنهاء الخصومات على يد من أقامه من قبله لذلك ثانياً .

لأنّه (عليه السلام) منع عن المرافعة الى حكّام الجور، وأمر بمقاطعتهم، وقد أقام جماعة من كبار أصحابه حكّاماً من قبله، ينظرون في الخصومات، ويحكمون بحكم الله عز وجل، وقد أمر الإمام الصادق بالرجوع إليهم، والمرافعة عندهم وقال :

أيّما رجل كانت بينه وبين أخ له مماراة في حقّ، فدعاه إلى رجل من اخوانكم ليحكم بينه وبينه، فأبى إلاّ أن يرفعه الى هؤلاء، كان بمنزلة الذين قال الله عز وجل فيهم: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنـَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَنْ يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيدًا)(26).

وكان يعلن (عليه السلام) بأنّ المرافعة الى اولئك الحكام إثم، وأنّ حكمهم غير نافذ، لأنّ الحكومة للإمام العادل بالحكم، العالم بالقضاء، كنبيّ أو وصيّ نبيّ; وهو(عليه السلام)أحقّ بالحكم، وأمر بالرجوع لمن جعله من قبله للحكم بين المتنازعين .

وقد ورد عنه (عليه السلام) أنّه قال :

إيّاكم أن يخاصم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور، وأيّما مؤمن قدم مؤمناً في خصومة الى قاض أو سلطان جائر فقضى عليه بغير حكم الله فقد شركه في الإثم.(27)

والمراد بقوله(عليه السلام): بغير حكم الله مطلق ما يحكمون به، سواء كان الحكم بالحقّ أم بالباطل، لأنّهم حكّام جور، وليس لهم حقّ الحكومة بأحكام الله، فحكمهم غير حكم الله.

وكما كان ينهى عن المرافعة اليهم، كان ينهى عن معاونتهم والعمل لهم، حتى في البناء وكراية الأنهر، وقال في جواب من سأله عن ذلك: ما أحبّ أن أعقد لهم عقدة، أو وكيت لهم وكاء، إنّ الظلمة وأعوان الظلمة في سرادق من نار، حتى يحكم الله بين العباد.(28)نهيه عن الولاية للظالمين

وطلب منه مولى من موال جدّه علي بن الحسين (عليه السلام) أن يكلّم والي المدينةـ وهو داود بن علي ـ أن يدخل في بعض الولايات. فقال (عليه السلام): ما كنت لأفعل .

فظنّ الرجل أنّ امتناع الإمام (عليه السلام) كان خوفاً من أن يظلم أحداً، فحلف له بالأيمان المغلظة أنّه يعدل ولا يجور، فكان جواب الإمام (عليه السلام) أن قال له: تناول السماء أيسر عليك من ذلك (29).وقد أشرنا من قبل إلى مواقفه ضد الحكّام وأحكامهم، وإعلانه المقاطعة لهم. وعلى هذا النهج سار أتباعه، وطبعت مدرسته بهذا الطابع.

فكانت عرضة للخطر من قبل حكام الجور، ولكنّها واصلت كفاحها في سبيل ترسيخ مبادئها وإعلاء كلمة الحقّ. وكان يحرص الحرص الشديد على إزالة الشحناء من القلوب، وبثّ روح الاُخوة، فهو ينهى عن التهاجر والمقاطعة.

قال المفضل: سمعت أبا عبد الله الصادق (عليه السلام) يقول:

لا يفترق رجلان على الهجران إلاّ استوجب أحدهما البراءة واللعنة، وربّما استوجب ذلك كلاهما.

فقال له معتب: جعلت فداك هذا حال الظالم، فما بال المظلوم؟

قال (عليه السلام): لأنّه لا يدعو أخاه الى صلته، ولا يتغافل عن كلامه. سمعت أبي يقول: إذا تنازع إثنان فعاد أحدهما الآخر فليرجع المظلوم الى صاحبه حتى يقول له: أي أخي أنا الظالم. حتى يقطع الهجران بينه وبين صاحبه، فإنّ الله حكم وعدل يأخذ للمظلوم من الظالم.(30)

وقال جابر بن عون : إنّ رجلاً قال لجعفر بن محمد الصادق (عليه السلام): إنّ بيني وبين قوم منازعة في أمر ، وإنّي أريد أن أتركه ، فيقال لي:إنّ تركك له ذلّة.

فقال (عليه السلام) : إن الذليل هو الظالم .(31)

حثّه على صلة الرحم

فهو (عليه السلام) يحاول أن يزيل من القلوب ضغائن الأحقاد التي تبعث على الكراهة والفرقة، وكان هو (عليه السلام) من حسن سيرته ومكارم أخلاقه انّه يصل من قطعه، ويعفو عمن أساء إليه، كما ورد أنّه وقع بينه وبين عبد الله بن الحسن كلام، فأغلظ عبد الله في القول، ثم افترقا وذهبا إلى المسجد، فالتقيا على الباب، قال الصادق (عليه السلام) لعبد الله بن الحسن: كيف أمسيت يا أبا محمد؟.

فقال عبد الله: بخير - كما يقول المغضب - .

قال الصادق (عليه السلام): يا أبا محمد أما علمت أنّ صلة الرحم تخفف الحساب؟ ثم تلى قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَاأَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ).(32)

فقال عبد الله: فلا تراني بعدها قاطعاً رحماً.

وكان يقول: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا تقطع رحمك وإن قطعك.

وجاء إليه رجل فشكا أقاربه، فقال (عليه السلام): إكظم غيظهم. فقال الرجل إنّهم يفعلون ويفعلون. فقال (عليه السلام): أتريد أن تكون مثلهم فلا ينظر الله إليكم!

وقال (عليه السلام): إنّ رجلاً أتى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله، إنّ لي أهلاً قد كنت أصلهم وهم يؤذوني، وقد أردت رفضهم، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنّ الله يرفضكم جميعاً.

قل الرجل: وكيف أصنع ؟

قال (صلى الله عليه وآله): تعطي من حرمك، وتصل من قطعك، وتعفو عمن ظلمك، فإذا فعلت ذلك كان الله عز وجل لك عليهم ظهيراً.(33)

فكان (عليه السلام) يصل رحمه ويبذل لهم النصح، ويدعوهم إلى ما فيه صلاح أنفسهم، وإصلاح الأوضاع التي اضطرب حبل استقامتها في عصرهم، وكان يصل فقراءهم بالليل سراً وهم لا يعرفونه، كما كان (عليه السلام) يبذل النصح لجميع المسلمين، ويدعوهم الى الالتزام بأوامر الدين.

وكان يحثّ في كثير من تعاليمه على مساعدة الضعفاء ومعاونة المعوزين، وصلة الفقراء والمساكين، ويقوم هو بنفسه بصلتهم ومعاونتهم، ويوزّع عليهم من ماله. وإذا جنّ الليل قام بصدقة السر، يطوف على بيوت الفقراء.

قال هشام بن الحكم (رحمه الله): كان أبو عبد الله الصادق (عليه السلام) إذا اعتمّ وذهب من الليل شطره، أخذ جراباً فيه خبز ولحم ودراهم فيحمله، ثم يذهب فيه إلى أهل الحاجة من أهل المدينة، فيقسمه فيهم، وهم لا يعرفونه، فلما مضى أبو عبد الله فقدوا ذلك فعلموا أنّه كان هو أبا عبد الله الصادق (عليه السلام) .(34)

حثّه على مساعدة الضعفاء وأبناء السبيل

وقال له رجل من أصحابه: جعلت فداك، بلغني أنّك تفعل في عين زياد ـاسم ضيعة له ـ شيئاً أحبّ أن أسمعه منك.

فقال (عليه السلام): نعم كنت آمر إذا أدركت الثمرة أن يثلم في حيطانها الثلم، ليدخل الناس ويأكلوا، وكنت آمر أن يوضع عشر بنيات يقعد على كلّ بنية عشرة، كلما أكل عشرة جاء عشرة اُخرى، يلقى لكل نفس منهم مد من رطب، وكنت آمر لجيران الضيعة كلّهم : الشيخ والعجوز والمريض والصبي والمرأة، ومن لا يقدر، أن يجيء فيكون لكلّ إنسان مدٌّ، فإذا أوفيت القوّام والوكلاء أجرتهم أحمل الباقي إلى المدينة، ففرّقت في أهل البيوت والمستحقّين على قدر استحقاقهم، وحصل لي بعد ذلك أربعمائة دينار ، وكانت غلتها أربعة آلاف.(35)

وقال مصادف: كنت مع أبي عبد الله (عليه السلام) ما بين مكة والمدينة فمررنا على رجل في أصل شجرة، وقد ألقى بنفسه، فقال (عليه السلام): مل بنا إلى هذا الرجل، فإنّي أخاف أن يكون قد أصابه العطش، فملنا إليه فإذا هو رجل من النصارى طويل الشعر، فسأله الإمام: أعطشان أنت؟ فقال: نعم.

فقال الإمام: إنزل يا مصادف فاسقه. فنزلت وسقيته ثم ركب وسرنا.

فقلت له: هذا نصراني، أفتتصدق على نصراني؟

فقال: نعم. إذا كانوا بمثل هذه الحالة.(36)

ولشدّة اهتمامه بمساعدة الضعفاء، وقضاء حوائج المؤمنين، كان يرى (عليه السلام)أنّ الإعراض عن المؤمن المحتاج للمساعدة استخفاف به، والاستخفاف بالمؤمن استخفاف بهم(عليهم السلام). وجاء ذلك موضّحاً في قوله، وقد كان عنده جماعة من اصحابه: ما لكم تستخفون بنا؟ فقام إليه رجل من أهل خراسان فقال: معاذ الله أن نستخفّ بك أو بشيء من أمرك.

فقال (عليه السلام): إنّك أحد من استخف بي.

فقال الرجل: معاذ الله أن أستخفّ بك.

فقال له (عليه السلام): ويحك ألم تسمع فلاناً ونحن بقرب الجحفة، وهو يقول لك: احملني قدر ميل فقد والله أعييت، فو الله ما رفعت له رأساً، لقد استخففت به، ومن استخف بمؤمن فبنا استخف، وضيّع حرمة الله عز وجل .(37)

وقال صفوان الجمال: دخلت على ابي عبد الله الصادق (عليه السلام) فدخل عليه رجل من أهل مكة - يقال له ميمون - فشكى إليه تعذر الكراء عليه.

فقال (عليه السلام): قم فأعن أخاك. فقمت معه فيسّر الله كراه، فرجعت إلى مجلسي، فقال أبو عبد الله: ما صنعت في حاجة أخيك؟

فقلت: قضاها الله: بأبي أنت واُمي.

فقال (عليه السلام): أما إنّك إن تُعِن أخاك المسلم أحبّ إلي من طواف أسبوع في البيت.(38)

ودخل عليه عمار الساباطي، فقال له: يا عمار، إنّك ربّ مال كثير فتؤدي ما افترض الله عليك من الزكاة؟

قال: نعم .

قال (عليه السلام): فتخرج الحقّ المعلوم من مالك ؟

قال: نعم .

قال (عليه السلام): فتصل قرابتك؟

قال: نعم .

قال: فتصل اخوانك؟

قال: نعم.

قال (عليه السلام): ياعمار، إنّ المال يفنى، والبدن يبلى، والعمل يبقى والديّان حي لا يموت.ياعمار، ما قدمت فلم يسبقك، وما أخرت فلن يلحقك.(39)

وقال المفضل بن قيس: دخلت على أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) فشكوت إليه بعض حالي، وسألته الدعاء فقال: يا جارية هاتي الكيس، فجاءت بكيس فقال: هذا كيس فيه اربعمائة دينار فاستعن به.

قال المفضل: فقلت لا والله ما أردت هذا ولكن أردت الدعاء لي.

فقال لي (عليه السلام): ولا أدع الدعاء ولكنّ لا تخبر الناس بكل ما أنت فيه فتهون عليهم.(40)

وقال الشقراني - مولى رسول الله -: خرج العطاء أيام المنصور، فوقفت على الباب متحيراً، وإذا بجعفر بن محمد قد أقبل، فذكرت له حاجتي، فدخل ثم خرج وإذا بعطائي في كمّه وناولني إياه وقال: إنّ الحسن من كلّ أحد حسن وإنّه منك أحسن، وإنّ القبيح من كلّ أحد قبيح، وإنه منك أقبح لمكانك منا(41)

قال ابن الجوزي: وإنّما قال له جعفر ذلك لأنّ الشقراني كان يشرب الشراب، فمن مكارم أخلاق جعفر أنّه رحّب به وقضى حاجته، مع علمه بحاله ووعظه على وجه التعريض، وهذا من أخلاق الأنبياء.(42)

وقال يوماً لبعض أصحابه: ما بال أخيك يشكوك؟!

فقال: يشكوني إذ استقصيت عليه حقّي.

فجلس الإمام مغضباً وقال: كأنّك إذا استقصيت عليه حقّك لم تسيء؟ أرأيت ما حكى الله عن قوم يخافون سوء الحساب؟ أخافوا أن يجور عليهم؟ لا. ولكنّ خافوا الاستقصاء فسمّاه الله سوء الحساب فمن استقصى فقد أساء.(43)

قال زرارة: قلت لأبي عبد الله: إنّ لي على رجل ديناً وقد أراد أن يبيع داره فيعطيني.

فقال الصادق (عليه السلام): أعيذك بالله أن تخرجه من ظلّ رأسه، أعيذك بالله أن تخرجه من ظلّ رأسه.(44)

وكان يسأل القادمين عليه من أصحابه عن معاونة بعضهم بعضاً. قال محمد بن زيد الشحام : رآني أبو عبد الله وأنا اُصلّي فأرسل ودعاني، فقال لي: من أين أنت؟ قلت: من الكوفة، فقال: من تعرف من الكوفة. فذكرت له رجلين.

قال: وكيف صنيعهما إليك. قلت: وما أحسن صنيعهما إليّ. فقال (عليه السلام): خير المسلمين من وصل وأعان ونفع. ما بتّ ليلة قط وفي مالي حقّ يسألنيه الله تعالى ثم قال: أيّ شيء معك من النفقة؟ قلت: عندي مائتا درهم. قال: أرنيها. فأتيته، فزاد فيها ثلاثين درهماً ودينارين، ثم قال (عليه السلام) تعشّ عندي. فتعشيت عنده.

قال زيد: فلما كان من السنة القابلة لم أذهب إليه، فأرسل إليّ فدعاني، فقال(عليه السلام): ما لك لم تأتني البارحة؟

قلت: لم يأتني رسولك. فقال (عليه السلام) فأنا رسول نفسي إليك ما دمت مقيماً في هذه المدة.

قال زيد: فقلت له علمني دعاء. قال: أكتب. بسم الله الرحمن الرحيم. يا من أرجوه لكلّ خير، وآمن سخطه عند كلّ عثرة، يا من يعطي الكثير بالقليل، ويا من يعطي من سأله تحنناً منه ورحمة، ويا من أعطى من لم يسأله ومن لم يعرفه، صَلِّ على محمد وأهل بيته، واعطني بمسألتي إياك خير الدنيا وجميع خير الآخرة، فإنه غير منقوص ما أعطيت وزدني من سعة فضلك يا كريم.

ثم رفع يده فقال: يا ذا المن والطول، يا ذا الجلال والاكرام، يا ذا النعماء والجود، إرحم شيبتي من النار.

ثم وضع يديه على لحيته، ولم يرفعهما، حتى امتلأ كفه دموعاً.(45)

وقال مصادف : كنت عند أبي عبد الله الصادق فدخل رجل فسلّم عليه، فسأله الإمام: كيف من خلفت من اخوانك؟ فأجاب الرجل وأحسن الثناء وأطراهم. فسأله الإمام: كيف عيادة أغنيائهم على فقرائهم؟

فقال الرجل : قليلة.

قال الإمام : كيف مساعدة أغنيائهم لفقرائهم؟

فقال الرجل: قليلة.

قال الإمام: كيف صلة أغنيائهم لفقرائهم في ذات أيديهم؟

فقال الرجل: إنّك تذكر أخلاقاً قلّ ما هي فيمن عندنا.

قال الإمام: فكيف يزعم هؤلاء أنّهم شيعتنا؟ (46)

قال إسحاق بن عمار: دخلت على أبي عبد الله الصادق. فنظر إليّ بوجه قاطب، فقلت: ما الذي غيّرك لي؟

قال (عليه السلام): الذي غيّرك لإخوانك، بلغني يا إسحاق أنّك أقعدت ببابك بواباً يرد عنك الفقراء.

فقلت: جعلت فداك إنّي خفت الشهرة.

فقال (عليه السلام): ألا خفت البلية.(47)

قال إسحاق بن إبراهيم: كنت عند أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، إذ دخل عليه رجل من خراسان فقال: يا ابن رسول الله، أنا من مواليكم، وبيني وبينكم شقّة بعيدة، وقد قلّ ذات يدي، ولا أقدر أن أتوجّه إلى أهلي الا أن تعينوني، فنظر أبو عبد الله وقال: أما تسمعون ما يقول أخوكم ؟إنّما المعروف ابتداء، فأمّا ما أعطيت بعد ما سأل إنّما هو مكافأة لما بذل من ماء وجهه، أفيبيت ليلته متأرقاً متململاً بين اليأس والرجاء، لا يدري أين يتوجه بحاجته، فيعزم على القصد إليك، فأتاك وقلبه يجب، وفرائصه ترتعد، وقد نزل دمه في وجهه، وبعد هذا فلا يدري أينصرف من عندك بكآبة الرد، أم بسرور النجح، فإن أعطيته رأيت أنك قد وصلته، وقد قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) :"والذي فلق الحبّ، وبرأ النسمة، وبعثني بالحقّ نبياً، لما يتجشم من مسألته إياك أعظم ممّا ناله من معروفك".

قال اسحاق: فجمعوا له خمسمائة درهم ودفعوها إليه.(48)

وكان (عليه السلام) يوجّه المجتمع بتعاليمه إلى جميع مهمات الحياة، ويحثّ الإنسان على عزّة النفس وعدم الإهانة لها فيقول: إنّ الله فوّض إلى المؤمن اُموره كلّها، ولم يفوّض إليه أن يكون ذليلاً، أما تسمع قول الله تعالى (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ)(49)فالمؤمن يكون عزيزاً ولا يكون ذليلاً، إنّ المؤمن أعزّ من الجبل، الجبل يستقلّ منه بالمعاول، والمؤمن لا يستقلّ من دينه شيء.

حثّه على العمل وطلب الرزق الحلال

وقد حثّ (عليه السلام) في جملة من تعاليمه على طلب المال من حلّه، ويدعو أصحابه إلى التكسّب في الأسواق، ويجعل ذلك عزّاً للإنسان.

يقول المعلى بن خنيس: رآني أبو عبد الله (عليه السلام) وقد تأخرت عن السوق، فقال لي: أُغدُ إلى عزك .(50)

وقال لآخر - وقد ترك غدوه إلى السوق - : ما لي أراك وقد تركت غدوك إلى عزك؟(51)

فهو (عليه السلام) يدعو لكسب المال من حلّه لينال المرء عزّة في نفسه، ولا يكون كَلاًّ على الناس فيهان.

ولقد أخبر عن رجل قال: لأقعدنّ ولأصلينّ، ولأصومنّ ولأعبدنّ الله، فأمّا رزقي فيأتيني.

قال (عليه السلام): هذا أحد الثلاثة الذين لا يستجاب لهم.

وقال له رجل: إنّا لنطلب الدنيا ونحبّ أن نؤتاها.

قال (عليه السلام): ماذا تحبّ أن تصنع بها.

فقال الرجل: اُوسّع بها على نفسي وعيالي، وأصل بها قرابتي، وأتصدّق وأحج، و أعتمر.

فقال أبو عبد الله (عليه السلام): ليس هذا طلب الدنيا، هذا طلب الآخرة .(52)

وكان هو بنفسه يطلب الرزق الحلال.

قال أبو عمر الشيباني: رأيت أبا عبد الله الصادق وبيده مسحاة يعمل في حائط له والعرق يتصبّب، فقلت: جعلت فداك أعطني أكفك.

فقال لي: إني أحبّ أن يتأذّى الرجل بحر الشمس في طلب المعيشة.(53)

وقال المفضل بن قرة: دخلنا على أبي عبد الله في حائط له - أي بستان - وبيده مسحاة يفتح بها الماء وعليه قميص، وكان يقول: إنّي لأعمل في بعض ضياعي، وإن لي من يكفيني ليعلم الله أنّي أطلب الرزق الحلال .(54)

وخرج (عليه السلام) في يوم صائف شديد الحرّ، فاستقبله عبد الأعلى - مولى آل سام - في بعض طرق المدينة، فقال له: يابن رسول الله، حالك عند الله عزّ وجلّ وقرابتك من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنت تجهد نفسك في مثل هذا اليوم!

فقال (عليه السلام): يا عبد الأعلى خرجت في طلب الرزق لأستغني عن مثلك.(55)

نبذ من أعماله وأقواله

فهو (عليه السلام) يعلّم الناس قولاً وعملاً; لأنّه ناصح مرشد بأقواله وأفعاله يدعو الى الخير ويهدي إلى سبيل الرشاد. بلغه عن رجل من أصحابه أنّه وقع بينه وبين اُمّه كلام، فأغلظ لها، فلما دخل عليه من الغد ابتدأه قائلاً :يامهزم مالك وخالدة - اسم اُمّه - أغلظت في كلامها البارحة، أما علمت أنّ بطنها منزل قد سكنته، وأنّ حجرها مهد قد عمرته، وأنّ ثديها وعاء قد شربته؟ فقال. بلى، قال(عليه السلام) فلا تغلظ لها .(56)

ودخل عليه صالح بن سهل - وكان يذهب مذهب الغلاة - فلما نظر إليه "قال: ياصالح، إنّا والله عبيد مخلوقون لنا ربّ نعبده. وإن لم نعبده عذبنا. فترك صالح ما كان يذهب إليه .(57)

وكان عبد العزيز القزّار ممّن يذهب لهذا المذهب، فلمّا دخل على الإمام(عليه السلام)قال له: يا عبد العزيز ضع لي ماء أتوضأ به.

قال عبد العزيز: ففعلت. فلما دخل قلت في نفسي : هذا الذي قلت فيه ما قلت!

فلمّا خرج قال (عليه السلام): يا عبد العزيز، لا تحمل البناء فوق ما لا يطيق. إنّا عبيد مخلوقون.(58)

وهكذا كان (عليه السلام) يرشد للحقّ ويدعو الى سبيل الرشاد ويعظ جلساءه. ويوجه بأقواله وأعماله من شذّ عن الطريق السويّ، ويعلن براءته ممّا يدعى فيهم من الغلوّ، ويقول أمام الملأ: إنّا عبيد مخلوقون لربّ إن عصيناه عذبنا.

وكان مجلسه يكتظّ بمختلف الطبقات، من علماء الفرق وأهل الآراء فهو يلقي عليهم دروساً توجيهية بأقواله وأفعاله.

قال سدير الصيرفي: كنت أنا وأبو بصير ويحيى البزاز في مجلس أبي عبد الله، إذ خرج إلينا وهو مغضب فلما أخذ مجلسه، قال :يا عجباً لأقوام يزعمون أنا نعلم الغيب، ما يعلم الغيب إلاّ الله عزّ وجل، لقد هممت بضرب جاريتي فلانة، فهربت مني فما علمت في أيّ بيت من الدار هي.(59)

فهو بهذا يرد مزاعم اُولئك المنحرفين عن منهج أهل البيت(عليهم السلام)ويدّعون حبّهم، ويزعمون أنّهم يُوحى إليهم، وأنّهم يعلمون الغيب الذي هو لله وحده، فأوضح (عليه السلام) لجلسائه بطلان هذه المزاعم ليحملوا ذلك عنه، وينشروه في البلاد النائية، لأنه شديد الاهتمام بأمر الغلاة، وإعلان الحرب عليهم، وهم ليسوا من شعيته، وإنّما هم أعداء له، يريدون الإساءة له والوقيعة في أتباعه.

وسأله رجل من جلسائه فقال: إنّ قوماً من مواليكم يلمون بالمعاصي ويقولون: نرجو.

فقال (عليه السلام): كذبوا ليسوا لنا بموال، اُولئك قوم ترجّحت بهم الأماني. من رجا شيئاً عمل له، ومن خاف شيئاً هرب منه .(60)

وكما قلنا إنّ مجلسه كان مكتظّاً بمختلف الطبقات، من روّاد العلم وحملة الحديث، وكان سفيان الثوري - وهو أحد أعلام الاُمة ومن رؤساء المذاهب البائدة يكثر التردد عليه ويطلب منه الموعظة والتوجيه.

ويحدثنا سفيان: أنّه دخل على الإمام الصادق (عليه السلام) وكان عليه جبّة خز دكناء قال سفيان: فجعلت أنظر إليها متعجباً.

فقال لي: ياثوري، ما لك تنظر إلينا، لعلّك ممّا رأيت؟

قال فقلت: يابن رسول الله، ليس هذا من لباسك ولا لباس آبائك. فقال لي: يا ثوري، كان ذلك الزمان مقفراً مقتراً، ثم حسر عن ردن جبّته، وإذا تحتها جبّة صوف بيضاء، وقال: يا ثوري لبسنا هذا لله - وأشار إلى جبّة الصوف - وهذا لكم - وأشار الى الخز - فما كان لله أخفيناه، وما كان لكم أبديناه.(61)

وكان (عليه السلام) يؤوي الضيف ويدعو الغرباء إلى ضيافته ويكرمهم، ومن حسن أخلاقه لا يودّ أن يسارع الضيف في رحلته، ويمنع خدمه من المعاونة لهم في رحلتهم، وهذا من مفاخر العرب، ولهم فيه أشعار كثيرة، وعندما يسأله ضيوفه عن سبب ذلك يقول: إنّا أهل بيت لا نعين أضيافنا على الرحلة من عندنا.

كما أنّه يبذل الطعام ويدعو إلى بذله. وسأله محمد بن قيس فقال: إنّي لا أتغدّى ولا أتعشّى إلاّ ومعي إثنان أو ثلاثة أو أكثر.

فقال (عليه السلام): فضلهم عليك أكثر من فضلك عليهم.

فقال محمد: جعلت فداك كيف ! وأنا أطعمهم طعامي، وأنفق عليهم، ويخدمهم خادمي.

فقال (عليه السلام): إذا دخلوا عليك دخلوا بالرزق الكثير، وإذا خرجوا خرجوا بالمغفرة.

وقال رجل من الجالسين عنده: إنّ المنصور مذ صارت الخلافة إليه لا يلبس إلا الخشن، ولا يأكلّ إلا الجشب.

فقال (عليه السلام): ياويحه! مع ما مكن الله له من سلطان.

فقيل: إنّما يفعل ذلك بخلاً وجمعاً للأموال.

فقال (عليه السلام): الحمد لله الذي حرمه من دنياه ماله مع دينه. ولمّا أحضره المنصور في مجلسه وقع الذباب على وجه المنصور حتى ضجر، فقال المنصور: يا أبا عبد الله، لم خلق الله الذباب ؟

فقال (عليه السلام): ليذلّ به الجبارين. فوجم لقوله .(62)

وقد أدب أصحابه بآداب الإسلام، في جمع الكلمة وعدم الفرقة، وحسن الصحبة لمن يصحبونه.

قال أبو بصير: سمعت أبا عبد الله الصادق (عليه السلام) يقول: اتقوا الله وعليكم بالطاعة لأئمتكم، قولوا ما يقولون، واصمتوا عمّا صمتوا فإنّكم في سلطان من قال الله تعالى (وإن كانَ مكرُهُم لِتزُولَ مِنه الجبالُ). فاتقوا الله فإنّكم في هدنة، صلّوا في عشائرهم، واشهدوا جنائزهم، وأدوا الأمانة إليهم، وعليكم بحجّ البيت، فإنّ في إدمانكم الحج دفع مكاره الدنيا عنكم، وأهوال يوم القيامة.(63)

وقال أبو ربيع الشامي: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) والبيت غاص، فيه الخراساني والشامي ومن أهل الآفاق، فلم أجد موضعاً أقعد فيه، فجلس أبو عبد الله وكان متّكئاً ثم قال: يا شيعة آل محمد، إنّه ليس منا من لم يملك نفسه عند غضبه، ومن لم يحسن صحبة من صحبه، ومخالقة من خالقه، ومرافقة من رافقه، ياشيعة آل محمد، اتقوا الله ما استطعتم، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العظيم.(64)

وقال (عليه السلام) للمفضل: من صحبك؟ قال رجل من اخواني قال (عليه السلام) فما فعل؟ قال المفضل منذ دخلت المدينة لم أعرف مكانه، فقال لي: أما علمت أنّ من صحب مؤمناً أربعين خطوة سأله الله عنه يوم القيامة.(65)

وبعث الإمام الصادق (عليه السلام) غلاماً له في حاجة، فأبطأ الغلام، فخرج على أثره فوجده نائماً، فجلس عند رأسه يروحه فانتبه، فقال له الإمام (عليه السلام): والله ماذلك لك، تنام الليل والنهار! لك الليل ولنا منك النهار .(66)

ودخل عليه رجل فقال: يابن رسول الله أخبرني بمكارم الأخلاق. فقال (عليه السلام): هي العفو عمّن ظلمك، وصلة من قطعك، وإعطاء من حرمك.(67)

وقال يوماً لأصحابه: إنّا لنحبّ من كان عاقلاً، فهماً، حليماً، مدارياً صبوراً، صدوقاً، وفيّاً. إن الله بأن خصّ الأنبياء بمكارم الأخلاق، فمن كانت فيه فليحمد الله على ذلك، ومن لم تكن فيه فليتضرّع إلى الله عزّ وجل، وليسأله إياها.

فقال له ابن بكير: جعلت فداك وما هن؟

قال (عليه السلام): هن الورع والقناعة والصبر والشكر والحلم والحياء والسخاء والشجاعة والغيرة، والبر وأداء الأمانة.(68)

وهكذا كان (عليه السلام)، يلقي على الناس نصائحه ويغتنم الفرص في التوجيه والإرشاد، لما فيه صلاح أنفسهم، وبذلك يصلح المجتمع، فهو (عليه السلام)طول حياته يهدي إلى الخير، ويدعو الى سبيل الرشاد، في امتثال أوامر الله، والوقوف عند نواهيه.

وقد بذل جهده (عليه السلام) في بذل النصح لجميع المسلمين لينتصر المجتمع الاسلامي على ميوله ونزعاته، عندما تهذّب النفوس من أدران الرذائل، وتتحوّل عن شهواتها.

ولم يترك طريقا للنصح إلاّ سلكه في أقواله وأفعاله، ولم يدع باباً للتوجيه إلاّ سلكه، ويدفع بالناس الى التحلّي بفضائل الأعمال، ويحثّ على الورع والتقوى، والاجتهاد في الطاعة، والاُلفة والمحبّة والتعاون، ومناصرة المظلوم والوقوف في وجه الظالم، وأخذ الحقّ للضعيف من القوي، وقال غير مرة: ما قدّست اُمة لم تأخذ لضعيفها من قويّها بحقّه .(69)

كما أنّه (عليه السلام) كان يوصي من يريد السفر من أصحابه، أو الوفود القادمين عليه من البلاد النائية بالمروة، ثم يشرحها لهم بقوله : هي كثرة الزاد وطيبه، وبذله لمن كان معك، وكتمانك على القوم بعد مفارقتك إياهم، وكثرة المزاح في غير ما يسخط الله، ثم يقول: والذي بعث جدي رسول الله(صلى الله عليه وآله) بالحقّ نبياً، إنّ الله عز وجل يرزق العبد على قدر المروة، وإن المعونة تنزل على قدر المؤونة، وإنّ الصبر ينزل على قدر شدّة البلاء(70).

ويوصيهم بعد ذلك بما أوصى لقمان ابنه اذ يقول: "إذا سافرت مع قوم فأكثر استشارتهم في أمرك واُمورهم، وأكثر التبسّم في وجوههم، وكن كريماً على زادك بينهم، وإذا دعوك فأجبهم، وإذا استعانوا بك فأعنهم، واستعمل طول الصمت، وكثرة الصلاة وسخاء النفس بما معك من دابة أو ماء او زاد، واذا استشهدت على الحقّ فاشهد لهم، وأجهد رأيك إذا استشاروك ولا تجب في مشورة حتى تقوم بها، فإن من لم يمحض النصيحة لمن استشاره; سلبه الله رأيه ونزع عنه الأمانة.وإذا رأيت أصحابك يمشون فامش معهم، وإذا رأيتهم يعملون فاعمل معهم، وإن تصدقوا أو اعطوا قرضاً فاعط معهم، واسمع لمن هو أكبر منك سناً، وإذا أمروك بأمر أو سألوك شيئاً فقل نعم ولا تقل لا، فإن لا عيٌ ولؤم، وإذا تحيرتم في الطريق فانزلوا، وإذا شككتم في الأمر فقفوا وتوامروا، وإذا رأيتم شخصاً واحداً فلا تسألوه ولا تسترشدوه، فإنّ الشخص الواحد في الفلاة مريب، لعلّه أن يكون عين اللصوص"...الخ .(71)

حول أخطاء بعض الكتاب

هذه لمحة موجزة ونظرة خاطفة لبعض سيرته في حياته التي قضاها في الدعوة الى سبيل الخير، قائداً روحياً يوجه المجتمع الى ما يسعده، وقد رأينا كيف كان في منهجه مع ولاة عصره، فهو لم يكن مسالماً لهم، ولا مبرراً أعمالهم. ومن الخطأ في الرأي ما يذهب إليه بعض الكتاب من أنّ الصادق (عليه السلام)كان مسالماً يقعد عن نصرة أبناء عمّه، كما يقول الاُستاذ أمين الخولي :

"إنّ الصادق - كما تشهد حياته - مسالم أو مسرف في المسالمة، يقعد عن نصرة أبناء عمّه، فقد خرج ابن عمّه محمد بن عبد الله بن حسين بالمدينة، فهرب هو حتى قتل محمد، فلمّا قتل واطمأنّ الناس وأمنوا رجع الى المدينة، وذلك أقصى المسالمة، أو هو يصل إلى شيء وراء المسالمة قد ينتقد".(72)

هذا ما يقوله الاُستاذ الخولي. ولم يكن هو أول من يسهم في تجاهل الحقائق والحكم على الشيء قبل معرفته، فهناك الكثير ممّن حاولوا أن يلصقوا بأهل البيت وصمات الانتقاد نتيجة للتعصّب، أو لضيق أفق المعرفة أمامهم، فتاهوا في بيداء التخبّط والتعثر، عندما ركضوا في طريق الانحراف عن الواقع.

وأنّ مثل هذا القول يرينا الى أيّ حد بلغ التأثّر بأفكار المنحرفين عن الواقع، فلم يتجاوزوا في كتاباتهم عن أهل البيت(عليهم السلام)حدود الخطّة التي رسمتها لهم أقلام منحرفة، وآراء شاذّة.الدعوة العباسية

أشرنا سابقاً الى سوء معاملة الاُمويين، واجحافهم بحقّ الرعية، وظلمهم الذي لم يسلم منه أحد حتى الشيخ في محرابه، والطفل في مهده، فعمّ الاستياء جميع الطبقات، وساد الاضطراب جميع أنحاء المملكة، وقد وصف الشاعر الجعدي تلك الحالة السيئة بقوله :

والناس في كربة يكاد لها *** تنبذ أولادها حواملها

فكان الوضع السيّء يفسح المجال للثورة، وأيّ دعوة الى الخلاص من تلك المحن وويلاتها تلقى قبولاً، وقد قامت الجمعيات السرية للدعوة الى الرضا من آل محمد (صلى الله عليه وآله) ونالت النجاح بسرعة مدهشة حتى قضي على الدولة الاُموية، وقامت على أطلالها الدولة العباسية.

وإذا أردنا أن نستنطق الحوادث، ونبحث عن العوامل التي أدّت الى نجاحهم، فإنّا لم نجد لهم في أول الأمر أيّ نشاط يذكر، ولا يؤمل لهم النجاح بالدعوة والفوز في ميدان الكفاح السياسي.

إذن كيف بدأت الدعوة وما هي أسباب طمعهم بالخلافة؟ وأيّ أسلوب أتّخذوه لجلب القلوب؟ هذه أسئلة تجيب عليها الحوادث، فلنعرض ذلك بموجز من البيان.

كان محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن الحنفية(73) يعتقد بعض الناس فيه أنّه هو الإمام بعد أخيه الحسين بن علي (عليه السلام)، وأنّه صاحب الدولة المبشّر بها.

فلمّا مات محمد بن علي أوصى إلى ابنه أبي هاشم، وكان أبو هاشم، واسمه عبدالله، من رجالات أهل البيت البارزين، فاتّفق أنّه قصد هشام بن عبد الملك وافداً فوصله هشام، ثم رأى من فصاحته ورئاسته ما حسده عليه، وخاف منه، فبعث إليه من سمّه في الطريق، فلما علم أبو هاشم بذلك، عدل إلى محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، فأعلمه أنّه ميت، وأوصى إليه، وكان معه جماعة من أصحابه فأوصاه فيهم، وذلك سنة (99 هـ).

وكانت هذه الوصية بذرة طمع وبارقة أمل، فهوس محمد بن علي بن عبد الله منذ يؤمئذ بالخلافة، وشرع في بثّ الدعاة سراً، ومازال الأمر كذلك حتى مات سنة (125 هـ) وخلف أولاده وهم جماعة، منهم: إبراهيم المعروف بالإمام والسفاح والمنصور .(74)

فقام إبراهيم بالدعوة، وأخذ يتحدّث مع المنكوبين في آلامهم، ويشاركهم في التأثر ويعطف على المظلومين، ويلعن الظالمين، والناس يندفعون وراء من يشاركهم آلامهم، ويميلون لمن يأملون الخلاص على يده من الظالمين.

انتشر دعاة ابراهيم في بلاد خراسان، وهم من الرجال الذين لهم الأثر هناك، منهم زياد مولى همدان، وحرب بن قيس، وسليمان بن كثير ومالك بن الهيثم وغيرهم، فبعضهم قتلوا في سبيل الدعوة، ومثل ببعضهم وحبس البعض الآخر(75) ومازال الأمر يتفاقم والناس تتقبل هذه الدعوة.

والجدير بالذكر أنّ الدعوة كانت على جانب كبير من الغموض والتكتّم باسم الخليفة، وأنّ الشخص الذي يبايعه الناس لا يعرفه إلاّ الدعاة، والعامة تبايع الى الرضا من آل محمد.

وكان في طليعة الدعاة نشاطاً وقوّة ودهاء أبو مسلم الخراساني، وقد ولاه ابراهيم الإمام على خراسان وجعله قائداً لتلك الحركة وذلك سنة (128 هـ).

وقد عرف أبو مسلم الخراساني بالدهاء والمهارة الحربية، وكان يبذر بذور الشقاق بين جنود الاُمويين، ليحصل الانقسام بينهم، وقد استفاد بذلك ونجح في مهمته، فقد انجفل الناس من هراة، والطالقان، ومرو، وبلخ، وتوافروا جميعاً مسودين الثياب، وأنصاف الخشب التي كانت معهم.(76)

وكان السواد هو شعار الدعوة العباسية جعلوه علامة حزن لما نال أهل البيت(عليهم السلام) في العهد الاُموي من القتل والتشريد.

أساليب الدعوة

تولّى الدعاة نشر الدعوة بكلّ نشاط، وتجاوب الناس لقبولها، وكانت الأساليب تستهوي النفوس، وتثير الشعور، وأهمّها أنّ الثورة إنّما تقوم على التنظيم ورعاية مصالح الاُمة، والانتصار للعدالة المفقودة والحقّ الضائع، وأنّ الخليفة هو من أهل البيت(عليهم السلام)ومن عترة محمد وورثته، وناهيك ما لأهل البيت من أثر في النفوس، ووقع في القلوب، لأنّهم أهل العدل وحماة الدين.

كان الدعاة يلقون على الناس العبارات التالية :

هل فيكم أحد يشكّ أنّ الله عز وجل بعث محمداً واصطفاه؟ قالوا: لا. أفتشكون أنّ الله أنزل عليه كتابه فيه حلاله وحرامه وشرائعه؟ قالوا: لا.

أفتظنونه خلفه عند غير عترته وأهل بيته؟ قالوا: لا .

أفتشكون أنّ أهل البيت معدن العلم وأصحاب ميراث رسول الله؟ الذي علمه الله. قالوا: لا .(77)

وعندما يسمع الناس هذه العبارات المعبّرة عن أمانيهم في تحقيق سعادتهم تحت ظلّ دولة تكفل لهم القضاء على آلامهم، وتضمن تحقيق آمالهم بالعمل على إزالة كابوس ذلك الحكم الجائر. يزداد نشاطهم ويكثر حماسهم.

ومن الأساليب التي أتخذت لنجاح الدعوة هو الشعار الأسود الذي يعبّر عن محاربة الضلالة، أو إظهار الحزن والحداد على أهل البيت(عليهم السلام)، الذين قامت الدعوة باسمهم للانتقام من الاُمويين على ما إرتكبوه منهم، بدون مراقبة لله ولا احترام لرسوله. وقد أرسل إبراهيم الإمام لواء يدعى الظل أو السحاب على رمح طوله ثلاثة عشر ذراعاً، وكتب إلى أبي مسلم إنّي قد بعثت إليك براية النصر(78). وقد تأوّلوا الظل أو السحاب: أنّ السحاب يطبق الأرض وكما أنّ الأرض لا تخلو من الظل كذلك لا تخلو من خليفة عبّاسي(79). وإنّ ذلك اللواء يمثّل لواء رسول الله، لأنّهم ذكروا أنّ لواءه في حروبه وغزواته كان أسود.

على أنّ للتنبؤات وكشف حجب الغيب عن المستقبل أثراً في نشاط الدعوة، واندفاع المنظمين إليها، وقد جرى على الألسن من تلك النبوءات:"ع" بن "ع" بن "ع" سيقتل "م" بن "م" بن "م" وتأولوا أنّ المراد بالأول هو عبد الله بن على بن عبد الله بن العباس، والثاني هو مروان بن محمد بن مروان، كما ادعوا أيضاً أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) كان يبشّر بدولة هاشمية، وزعموا أنّه قال لعمّه العباس: إنّها تكون في ولدك.

قال محمد بن الأسود: بينما عبد الله بن علي، يساير أخاه داود بن علي ومعهما عبد الله بن الحسن، فقال داود لعبد الله: لم لم تأمر ابنيك بالظهور؟

فقال عبد الله بن الحسن: هيهات، لم يأن لهما بعد. فالتفت إليه عبد الله بن علي فقال: كأنّك تحسب أنّ ابنيك هما قاتلا مروان .

فقال عبد الله: إنّ ذلك كذلك. فقال عبد الله: هيهات وتمثّل :

سيكفيك المقالة مستميت *** خفيف اللحم من أولاد حام

أنا والله قاتله.(80)

وغير ذلك من التنبؤات التي كان يروّج لها بنو العباس، ويدخلونها في أذهان الأفراد الذين اعتمدوهم في التنظيم، وبثّوهم في الأقطار للدعوة ولكنّ تحت شعار: الرضا من آل محمد .

ولما اتّصل أبو مسلم الخراساني بإبراهيم الإمام فسأله عن اسمه. فقال: اسمي إبراهيم بن عثمان. فقال له الإمام: غيّر اسمك فإنّه لا يتم لنا الأمر إلاّ بتغيير اسمك. على ما وجدته في الكتب. فسمّى نفسه عبد الرحمن بن مسلم، وكنيته أبو مسلم.

وهذا يكشف لنا أنّ الدعوة كانت محفوفة بدعايات غيبية، ويدعى وجود كتب تنطق بانتقال الخلافة الى بني العباس، ولكنّهم تكتّموا في إظهار ذلك للناس ولم يطلعوا عليها إلاّ النقباء من خواصهم، وكان التكتّم باسم الخليفة هو عامل جوهري في نجاح الدعوة، حتى يتمّ الأمر، وينتهي كلّ شيء، عندما يزول سلطان الاُمويين، وهناك يعلن باسم الخليفة الذي يعرفه القواد والنقباء. وقد احتفظوا لأنفسهم بتنازل أبي هاشم بن محمد بن الحنفية عن الإمامة لهم، وهي دعوى غير معتبرة، لأنّ الإمامة لم تكن ولن تكون بغير أصحابها والقائمين بها بالحقّ.

وعلى أيّ حال فإنّ الدعوة كانت تدعو الى تحريك الشعور الديني بالانتصار لأهل البيت، الذين اريقت دماؤهم في سبيل الانتصار للحقّ، وقدّموا أنفسهم الى الجهاد في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا. ولم يجرؤا على كشف مخططهم ونواياهم.

وبهذه الآمال انبعث في نفوس المسلمين الأمل بانبثاق فجر العدل الإسلامي الذي يضمن للناس سعادتهم، على يد رجل من أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله)وهم أئمة العدل وهداة الخلق، ولاسيّما في الولايات التي كان الولاة والعمال يستغلّونها لأنفسهم، مدفوعين بعوامل الجشع، وقد أذاقوا الناس أنواع الأذى وضروب المحن، فاستأثروا بالأموال وضاعفوا الضرائب، وأخذوا الجزية على المسلمين.

وكذلك انبعث الأمل في نفوس غير المسلمين ممّن لم يعرفوا عن الاسلام في العهد الاُموي سوى الاضطهاد، ودفع الجزية، وجباية الضرائب على اختلاف أنواعها، فاندفع كثير من الدهاقين من المجوس الى اتباع أبي مسلم وأظهروا الاسلام .

كما استجاب كثير من أهل الآراء والعقائد الخارجة عن الإسلام، وغرضهم التخلّص من الحكم الاُموي، عندما رأوا العطف من أبي مسلم على مذاهبهم وعقائدهم، وكان الكثير منهم يعتبرونه وحده الإمام، واعتقدوا فيه أنّه أحد أعقاب زرادشت الذي ينتظر المجوس ظهوره، حتى أنّهم لم يعتقدوا بموت أبي مسلم، بل كانوا ينتظرون رجعته.

وصفوة القول أنّ العباسيين قد وجدوا الفرصة سانحة للقيام بدعوة الناس الى الثورة ضد الاُمويين، لوجود العوامل الكثيرة التي يأملون بها نجاح دعوتهم لأنفسهم، وقد تستّروا بالدعوة لآل بيت النبي (صلى الله عليه وآله) وعترته، وهم يخفون من ورائها الآمال والمطامع لأنفسهم.

ولهذا التجأوا إلى مجاراة أبناء علي (عليه السلام)، ليهيئوا جوّاً تسوده مشاعر المحبة والوئام، حتى يتمّ لهم ما يريدونه، بدون عرقلة من جانب أهل البيت(عليهم السلام)الذين هتفت الجماهير بالانتصار لهم; لذلك عقدوا في بادئ الأمر مؤتمراً بالأبواء يضمّ العلويين، والعباسيين، ليبايعوا رجلاً منهم، يكون هو الخليفة عندما يفتح الله عليهم في نجاح الثورة، وأرسلوا الى الإمام الصادق (عليه السلام) وقد علموا إباءه في قبول البيعة من قبل.

وانتهى المؤتمر بعد مداولة فيما بينهم الى مبايعة محمد بن عبدالله بن الحسن، وقد جاء في كلام المنصور يخاطب به الحاضرين :

لأيّ شيء تخدعون أنفسكم؟ والله لقد علمتم ما الناس الى أحد أسرع إجابة منهم الى هذا الفتى - يعني محمد بن عبد الله بن الحسن - .

فقالوا: قد والله صدقت، فبايعوا جميعاً محمداً، ومسحوا على يده، وبعد ذلك حضر الإمام الصادق (عليه السلام) وقال لعبد الله بن الحسن: والله ما هي إليك (أي الخلافة) ولا لابنيك، وانّهما لمقتولان. ثم نهض .(81)

ويمكننا أن نعتبر هذا المؤتمر من أهمّ الوسائل التي اتخذها العباسيون لإيقاف أيّ عرقلة تقف في طريق سريان الدعوة من جانب أهل البيت(عليهم السلام)، وأنصارهم المدفوعين بدافع الولاء، والانتصار للحقّ والعدالة، لأنّ أهل البيت لهم فضيلة السبق الى الإيمان، وقوّة التمسك بالدين، والتضحية في سبيل الله، وهم أعدل الناس في الحكم وأولاهم برعاية المصالح العامة في تطبيق نظام الإسلام.

ولا يعزب عن البال ما حاوله العباسيون ايضاً في زجّ أبناء علي في ذلك المعترك السياسي، وهم يعلمون بالخطة التي اختطها الإمام الصادق لنفسه،ولأبناء عمومته، من الانعزال عن تلك الاتجاهات والاحتفاظ بمركزهم الديني، لأنّ الظروف غير مواتية للثورة، وكلّ شيء يقع قبل أوانه فنتيجته الفشل.

ولكنّ العباسيين استطاعوا صدع الصف العلويّ بجلب البعض اليهم من بني الحسن في مبايعة محمد بن عبدالله المحض.

والخلاصة: أنّ الدعوة استمرت في طريقها، وقام دعاة العباسيين بنشاطهم، وأظهروا حماساً شديداً في الولايات الإسلامية، فكانوا يجوبون بلاد خراسان لبثّها، ولا يدعون لشخص معين، وإنما يذيعون بين الناس أنّه لا خلاص لكم إلاّ إذا ولي أمركم آل البيت(عليهم السلام).

وهكذا سار كلّ ما دبره العباسيون بنجاح مدهش، فقد غلب أبو مسلم على خراسان ، واستولى على كورها، وقامت الحروب هناك، وتجمّعت الجنود يقاتلون ويبذلون نفوسهم وأموالهم في سبيل الانتصار، وهم يمتثلون الأوامر من قواد يدعون لخليفة لا يعرفه الناس، ولم ينفق عليهم مالاً ولم يعطِ أحدهم دابة، ولا سلاحاً، بل كانوا هم يجبون إليه الأموال، ويحملون إليه الخراج في كلّ سنة، وهو متستر بعبادته، وإصلاح شأنه حتى ظهر أمره لمروان فقبض عليه سنة (131 هـ) وحبسه بحران ثم قتله، فخاف أخواه السفاح والمنصور وجماعة من بني العباس، وقصدوا الكوفة ولهم بها شيعة ودعاة، وفي طليعتهم أبو سلمة الخلال المعروف بوزير آل محمد، فأخلى لهم داراً، وتولّى خدمتهم بنفسه، وكتم أمرهم، لأنّه أراد صرف الخلافة عنهم لآل علي (عليه السلام) .

ولكنه غلب على أمره، ووصلت جند أبي مسلم الى الكوفة وظهر أمر بني العباس، فأخرجوا السفاح الى المسجد وبايعوه ولقّبوه المهدي، وخطب في الناس أوّل يوم من خلافته بخطبة استهلها بالتنويه عن الآمال التي بعثها الدعاة في النفوس بتلك الأساليب الخداعة، أو الكذب المنظم.

وعلى أيّ حال: فقد فاز العباسيون واعتلى أبو العباس السفاح عرش الخلافة، وتمّ لهم ما أرادوا، وقد خابت آمال المندفعين بدافع الإيمان الصحيح والولاء لأهل البيت في إسناد الحكم إليهم لتحقيق العدل الإسلامي، والتكافل الاجتماعي، وتطهير الأرض من آلام الظلم وويلات الحروب، كما خابت آمال أبي سلمة الخلال في تحويل الأمر لآل علي، وعدوله عن الدعوة للعباسيين، وقد احتجزهم بالكوفة مدة من الزمن، ليكشف رأي العلويين في قبول البيعة لأنفسهم، ولكنّه غلب على أمره، وانتهى كلّ شيء ببيعة السفاح.

ومهما تكن البواعث التي دعت أبا سلمة الخلال الى تحويله عن فكرة الدعوة لبني العباس إلى آل علي، كما نصّ عليه كثير من المؤرخين.(82) فلا يهمنّا البحث عن ذلك، ولكنّ المهمّ هو الرد من قبل الإمام الصادق (عليه السلام) وعدم إجابته له، ففي ذلك دلالة واضحة على نظره الصائب وحدسه الثاقب، وعلمه بما وراء الحوادث. فلم يخدع بتلك المغريات، فيعرض نفسه وأهل بيته بل المجتمع الإسلامي كلّه لخطر لا قبل لهم على دفعه.

دعوة الإمام الصادق (عليه السلام) للخلافة

ذكر كثير من المؤرخين أنّ أبا سلمة(83) كاتب ثلاثة من أعيان العلويين وهم: جعفر بن محمد الصادق، وعمر الأشرف بن زين العابدين، وعبد الله المحض(84)، وأرسل الكتب مع رجل من مواليهم يسمى محمد بن عبد الرحمنبن أسلم مولى لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقال أبو سلمة للرسول: العجل العجل فلا تكونّن كوافد عاد، وقال له: اقصد أولاً جعفر بن محمد الصادق فإن أجاب فابطل الكتابين الآخرين، وان لم يجب فالق عبد الله المحض، فإن أجاب فأبطل كتاب عمر، وإن لم يجب فالق عمر.

فذهب الرسول إلى جعفر بن محمد أولاً، ودفع إليه كتاب أبي سلمة، فقال الإمام (عليه السلام): مالي ولأبي سلمة؟ وهو شيعة لغيري. فقال له الرجل: إقرأ الكتاب. فقال (عليه السلام) لخادمه: ادن السراج مني فأدناه. فوضع الكتاب على النار حتى احترق. فقال الرسول: ألا تجيبه؟ قال (عليه السلام): قد رأيت الجواب. عرّف صاحبك بما رأيت.

فخرج الرسول من عنده وأتى عبد الله بن الحسن، ودفع إليه الكتاب، وقرأه وابتهج، فلما كان غد ذلك اليوم الذي وصل إليه فيه الكتاب، ركب عبد الله حتى أتى منزل أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)، فلمّا رآه أبو عبد الله أكبر مجيئه، وقال: يا أبا محمد - كنية عبد الله المحض - أمر ما أتى بك؟ قال: نعم، هو أجلّ من أن يوصف، فقال له: وما هو يا أبا محمد؟ قال: هذا كتاب أبي سلمة يدعوني الى الخلافة، وقد قدمت عليه شعيتنا من أهل خراسان، فقال له أبو عبد الله: يا أبا محمد، ومتى كان أهل خراسان شيعة لك؟ أنت بعثت أبا مسلم إلى خراسان وأنت أمرتهم بلبس السواد، وهؤلاء الذين قدموا العراق أنت كنت سبب قدومهم، أو وجهت فيهم، وهل تعرف منهم أحداً؟ فنازعه عبدالله بن الحسن الكلام، الى أن قال: إنّما يريد القوم ابني محمد، لأنّه مهدي هذه الاُمة، فقال أبو عبد الله جعفر الصادق: ماهو مهدي هذه الاُمة، ولئن شهر سيفه ليقتلنّ.

فقال عبد الله: كان هذا الكلام منك لشيء. فقال الصادق: قد علم الله أنّي أوجب النصح على نفسي لكلّ مسلم، فكيف أدّخره عنك؟ فلا تمنّ نفسك الأباطيل، فإنّ هذه الدولة ستتم لهؤلاء، وقد جاءني مثل الكتاب الذي جاءك(85)

وعلى ضوء ما تقدّم نستطيع أن نكشف كثيراً من الحقائق الناصعة، فإنّ امتناع الإمام عن اجابة أبي سلمة دليل قاطع على أنّ خطّته الحكيمة ومنهجه السديد في عدم امتزاجه بذلك المعترك الذي لا يؤمل من ورائه نجاح تلك المهمة، قد أصاب كبد الحقيقة بتلك النظرة الصائبة والحدس الثاقب وعلمه بما وراء الحوادث، فقد فشل أبو سلمة فشلاً ذريعاً، في تلك المحاولة التي جاءت متأخرة عن وقتها.

ولقد ابتعد الإمام الصادق عن ذلك المعترك، وبذل لأبناء عمّه النصح بأنّ لا يزجّوا أنفسهم في ذلك الصراع، وحذرهم عاقبة الأمر التي لا تعود عليهم إلاّ بالخيبة، وقد لقي منهم استنكاراً وربّما اتّهموه، ولكنّه يرى مالا يرونه ويعلم ما لا يعلمون. إذ الأمر جاء قبل أوانه، وهو (عليه السلام) يرى التريث الى إعداد العدّة وإحكام الاُمور وحلول الوقت المناسب.

ولم يكن أبو سلمة وحده يتحول عن رأيه في الدعوة لبني العباس، فقد سبقه أبو مسلم الخراساني لذلك، فإنّه تحول عن رأيه، وحاول أن يستميل الإمام الصادق في إسناد الحكم إليه. فكتب إلى الإمام الصادق(عليه السلام)كتاباً يقول فيه:

إنّي قد أظهرت الكلمة، ودعوت الناس عن موالاة بني اُمية الى مولاة أهل البيت فإن رغبت فلا مزيد عليك.

فكتب إليه الإمام (عليه السلام): ما أنت من رجالي، ولا الزمان زماني.(86)

وها نحن أولاء نترك تقدير هذا الجواب الى القارئ النبيه، ليلمس فيه الحقائق التي تدل على الروح المشبعة بالإيمان، والشخصية المستعصمة بالفكر الثاقب، والنظر الدقيق لعواقب الاُمور، ومراعاة المصلحة العامة، والسير على الخطط المحكمة والآراء السديدة، في تقدير الظروف ومناسباتها، فلم يندفع وراء تيار الأقوال البرّاقة، ولم يجر في ميدان السياسة عندما حاول الكثيرون إثارة حفيظته، وتحريك عواطفه نحو الثورة وإعلان الحرب على اُولئك الحكام الذين استشرى داؤهم وعظم خطرهم.

ولقد أراد بعض أصحابه حمله على الخروج وإعلان الثورة لما يعرفونه من كثرة محبيه وأنصاره، ولكنّهم كانوا ينظرون إلى الاُمور نظرة سطحية، فتغلب عليهم سلامة الصدر، وسرعة التصديق.

دخل عليه سهل بن الحسن الخراساني فسلّم عليه وقال له: يا ابن رسول الله، لكم الرأفة والرحمة، وأنتم أهل بيت الإمامة، ما الذي يمنعك أن يكون لك حقّ تقعد عنه؟! وأنت تجد من شيعتك مائة ألف يضربون بين يديك بالسيف.

ودخل عليه سدير الصيرفي، فقال: يا أبا عبد الله، ما يسعك القعود؟ فقال(عليه السلام): ولِم يا سدير؟ قال لكثرة مواليك وشيعتك وأنصارك. فقال: يا سدير وكم عسى أن يكونوا؟ قال: مائة ألف. فقال الصادق (عليه السلام): مائة ألف؟ قال نعم.(87)

فأجابه (عليه السلام) بما حاصله: أنّ تلك الكثرة المزعومة، وذلك العدد الكبير لا يوجد فيهم من الرجال المخلصين الذين تمكنت العقيدة في نفوسهم إلا نفر قليل، فلا يمكنه أن يخوض معركة كما يريد سدير وغيره، مع عدم العدّة الكافية من المخلصين الذين يمكنه الركون إليهم والتعويل عليهم، فإنّ التسرّع في مثل تلك الظروف عديم النفع، وإن أنجع وسيلة أن يواصل دعوته لإيجاد التكامل الخلقي، والتكافل الذي يربط اجزاء المجتمع، ويصل الأفراد الى نقطة الادراك لكيفية الانتفاضة ضد الحكم القائم، ويحصل وعي عام من جرّاء أعمال ولاة الأمر المخالفة لنظم الإسلام; فتكون الثورة للعدالة الضائعة ولتحقيق نظم الدين، ولا جدال بأنّ الإمام الصادق كان يفكّر ويقلّب وجوه الرأي، ليجد المدخل الذي يدخل منه لإصلاح ما فسد من اُمور المسلمين، ويحاول أن يسلك أقرب الطرق للوصول الى حلّ تلك المشاكل، وانقاذ المجتمع من براثن الظلم ونير الاستعباد، عند ما ولي الحكم اُناس انحدروا مع شهواتهم انحدار البهائم، وتناحروا تناحر الوحوش، وتهافت الناس لاتباعهم كتهافت الفراش على النار، فلا يمكنه أن يخوض ذلك المعترك المضطرب الهائج، لأنّ في ذلك ضياع المصلحة التي يحرص عليها، وإهدار للدماء من غير نتيجة مرضية. ولقد عاش (عليه السلام)وهو غير بعيد عن مجتمعه الذي يعيش فيه، وقد عرف مقدرتهم الحربية فلا يمكنه الركون إليهم والاعتماد عليهم، لأنّهم لا ينتصر بهم في حرب، ولا يثبتون في شدّة. وأهل الثبات والصدق قلة في مواجهة قوّة الحكام الغاشمة، ولكلّ دم من آل بيت محمد(عليهم السلام) رسالة، فلولا دم الحسين(عليه السلام) جدّه لتمكنت اُميّة من تحقيق ردّتها وتغليب جاهليتها، وهاهم آلالرسول يحامون عن وجودهم من دون اعلان للثورة، فلماذا يقدّم نفسه وشيعتهم طعمة سهلة ولقمة سائغة، وسعي الناس الى الرضا من آل محمد لايكف وثرواتهم لا تتوقف، ولكنّ ما وهبه الله عن محبّة في النفوس وانقياد إليه لا يبرر التعرّض لأهل القوة والسلطان، كما لا يكفي الهياج في الأحاسيس والمشاعر وحدها خطة الاصلاح والدعوة الى التمسّك بأهداف الإسلام هي التي تكفل للمؤمنين النجاح والبقاء.

ولم يكن أبو سلمة معروفاً بولائه الصحيح، وعقيدته الصادقة فيكون محل ثقة الإمام ليستجيب له، ولو استجاب لكانت العاقبة أدهى وأمر، كما اتّضحت الحالة وظهرت الحقائق .

وصفوة القول أنّ الإمام الصادق (عليه السلام) قد اعتزل ذلك المعترك السياسي، لا عن خضوع وتسليم، بل كان انعزال ثورة وتصميم، فقرّر أن يدعو الى الله، لتوجيه الوعي الإسلامي بالقوة الروحية التي جعلها الاسلام هي الأساس الوحيد للحياة الدنيا، وهو أقوى أثراً في اندفاع الانسان الى العمل، والشعور بالمسؤولية، وأن يقوم المصلحون بالدعوة الصامتة، فهي أنجح الوسائل في التبليغ، وأقرب الطرق لهداية الناس.

إذاً ماهي الدعوة الصامتة؟..

 

 

الإمام الصادق(عليه السلام)الـدعوة الصامتـة

 

الدعوة الصامتة

قال الإمام الصادق (عليه السلام) لأصحابه :"أوصيكم بتقوى الله واجتناب معاصيه، وأداء الأمانة لمن ائتمنكم، وحسن الصحابة لمن صحبتموه، وأن تكونوا لنا دعاة صامتين "

موقف الإمام الصادق (عليه السلام) واتّجاهه للإصلاح

تقدّمت الإشارة في الأبحاث السابقة عن موقف الإمام الصادق (عليه السلام) وسط ذلك المعترك السياسي المائج بالفتن والهائج بالأهواء، فلم يساهم (عليه السلام) في تلك الحوادث أو يمدّ أنملة للاشتراك فيها، لعلمه بعواقب الأمر، وأنّ الدعاة لهم أهداف وغايات، فاختطّ لنفسه ولأهل بيته خطّة الاعتزال عن تلك التيارات والأعاصير السياسية، واتّجه إلى الاحتفاظ بمركزه العلمي، لأداء رسالة الإسلام على أكمل وجه، فذلك وحده كفيل بسعادة المجتمع. فابتعد عن المغامرة رغم إلحاح الكثيرين ممّن ينظرون الى الاُمور نظراً سطحياً، ولا يعلمون بعواقب الاُمور. فهم يظنّون أنّ الزمن قد حان لإقامة حكومة عادلة تسير على نظام الإسلام وقوانينه، وهو المؤهّل لتلك المنزلة; لأنّه زعيم أهل البيت وسيدهم، وله المكانة المرموقة في المجتمع بشخصيّته الفذّة، التي كانت تزعج الفئة الحاكمة، وتثير كلّ مخاوفها، الأمر الذي جعل الكثير من الناس يرمقونه بعين الإكبار، ويعدّونه الرجل المنقذ الذي تتحقق بشخصه آمالهم بالقضاء على ذلك الحكم الذي أذاق الناس أنواع المحن والظلم.

فكان (عليه السلام) على جانب كبير من رصانة التفكير، وبُعد النظر في العواقب، وخبرة فائقة بأحوال الناس ونزعاتهم وميولهم، وعلماً بالظروف ومقتضيات الزمن، فلم يستجب لتلك المحاولات، ولم يتحول عن منهجه; فيغامر بنفسه وبأهل بيته مغامرة عقيمة النتائج، تعود على المجتمع بأخطار جسيمة. لذلك كان ينهى ابناء عمّه عن القيام بكلّ نشاط ثوري، لثقته بفشل كلّ محاولة في ذلك الوقت. فلم يتجاوز في نشاطه الحدّ الذي يهدم جهوده التعليمية، أو يحول دون متابعة دعوته الاصلاحية، ولو أنّه أجاب أبا سلمة أو أبا مسلم لما ندباه إليه كما تقدم; لكان عرضةً لتلك الأخطار التي حلّت بغيره ممّن عرف بنشاطه الثوري. فكان لتلك الاحداث أثر سيّئ في نفوس الناس.

ولابد لداعي الاصلاح من أنصار ينصهرون بمبادئ الدعوة وأهدافها يشاركونه بذلك الشعور عن نيّة صادقة وعزيمة ثابتة، لينتصر بهم ويركن إليهم، ويكونوا أعواناً مخلصين يأمنهم في كلّ خطوة يخطوها بطريق الإصلاح. وكم من إنسان يأمل النصر من أناس، ولكنّهم يخذلونه عند حاجته الى النصر; لعدم اختباره لهم وعدم علمه بأحوالهم، لذلك كان من الحزم تحسّس ذلك النوع من الأنصار كما فعل الإمام الصادق (عليه السلام)، ويظهر أثره في جوابه لأبي مسلم(88) بقوله: ما أنت من رجالي ولا الزمان زماني. وكذلك قوله لرسول أبي سلمة: ما أنا ولأبي سلمة وهو شيعة لغيري(89)، فلا يمكنه القيام بثورة دموية وقد عرف عواقبها واتضح للجميع نتائج القيام بها مع علمه بذلك المجتمع الذي أنهكت قواه الحروب المتتالية والثورات المتتابعة.

وقد وجد (عليه السلام) أنّ الأمر يدعو الى الحزم والتريّث، وأن يتحيّن الفرص المؤاتية; إذ القيام بأمر في غير أوانه لا بد وأن يفشل وينهار، فصمّم على الاحتفاظ بالاتجاه العلمي، والوقوف موقف المصلح المتسلح بالإيمان بالله، ونشر تعاليمه، وبعث الوعي الإسلامي بالقوة الروحية، التي هي أقوى العوامل لتوجيه الإسلام نحو الخير، وقد جعلها الإسلام هي الأساس الوحيد للحياة الدنيا، لأنّ المجتمع الإسلامي حسب تعاليمه ونظمه لا يقوم إلاّ على الإيمان بالله بعقيدة راسخة، ومنه تنبعث القوة الروحية، لأداء الواجب والشعور بالمسؤولية والتضامن بين الأفراد والتكافل الاجتماعي، وبذلك يسعد المجتمع وينعم أفراده.

فكان الإمام الصادق (عليه السلام) خير داعية للاصلاح لما اتصف به من صدق القول ومثابرة العمل، ولم يقعد به عن ذلك ما لقيه من الأذى وما نزل به من مصائب، فلم تهن عزيمته ولم تفتر همّته، بل ثبت في نشر دعوته، وواصل أداء رسالته بالدعوة الى العمل الصالح وهو دليل رسوخ العقيدة والإيمان بالله. وكلّما ازداد الإيمان بالله ازداد العمل الصالح، وبذلك تهون المخاطر التي تحوط دعوة المصلح وتهدّدها، ويكسبها قوّة الصمود، واجتياز العراقيل والعقبات .

وكيف ينجو المصلح من مجابهة الشدائد، ومهمته أن يحول بين نفوس الناس وشهواتها، ويباعد بينها وبين ما ألفته من العادات؟ فمن العسير أن يخلعوا أنفسهم ممّا هم فيه وأن يمدّوا أعناقهم للحقّ الذي ابتعدوا عنه.

والمصلح يحتاج الى ثبات; فلا يتسرّب اليأس الى نفسه، ولا تهن عزيمته عندما يصطدم بعقبة تعترض سبيل دعوته. ولا يحصل ذلك الثبات إلاّ بقوّة الإيمان بالله. وهناك يستطيع أن يوجد اُمة تصرخ بوجه الطغاة الذين استبدوا بالحكم، وظلموا العباد وخربوا البلاد، (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَاُوْلَـئكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)(90) فالذين آمنوا بالله حقّ الإيمان يجاهدون في الله حقّ جهاده، لتكون كلمة الله هي العليا، ولا تأخذهم في الحقّ لومة لائم.

اُسس الدعوة الى الاصلاح

اتّجه (عليه السلام) منذ تفرّده بالزعامة واستقلاله بمهمة الإمامة إلى الدعوة لله، وقد ألزم دعاة الخير وقادة الصلاح بأن يدعوا الناس بأعمالهم قبل الدعوة لهم بأقوالهم، لأنّ الناس من شأنهم أن ينظروا في أعمال من يدعونهم الى الخير، فإن رأوا منهم العمل بما يدعونهم إليه والوقوف عند حدوده اتبعوهم، وإن رأوا عملهم يخالف قولهم نبذوهم. ولذلك قالوا: إنّ تأثير العمل على الناس فوق تأثير القول.

وإنّ أمثل قاعدة يسترشد بها في اصطفاء من يتّخذه الناس زعيماً لهم وقدوة هي أعماله، فهي التي تجعله أهلاً لأن يسلّم إليه الناس قيادهم، ويأتمنوه على عقولهم يثقّفها ويغذّيها، وعلى أخلاقهم يقوّمها ويزكّيها، وإنّ أثر الحكمة الخلقية تسمع من أفواه الوعّاظ أو الدعاة الى الخير ليس بأكثر منها وهي مسطورة في الكتب، أو منقوشة في الجدار، إذ الأقوال الخالية عن العمل من قبل قائلها تدعو الناس الى عدم الاعتداد بها، لأنّهم لا يرون أثراً منها على من يأمر بامتثالها. فلهم الحقّ إذا نفروا عنه. وكان ذلك من جملة العوامل التى دعت الإمام الى تقرير القيام بالدعوة الصامتة كما جاء في وصيّته لأصحابه بقوله: "أوصيكم بتقوى الله وأداء الأمانة لمن ائتمنكم، وحسن الصحابة لمن صحبتموه وأنّ تكونوا لنا دعاة صامتين" .(91)

فوقع هذا القول عندهم موقع الاستغراب. أجل، كيف يكون الداعي للخير صامتاً؟ وكيف يقومون بهذه المهمة وهم لا يتكلّمون؟ فطلبوا منه إيضاح الأمر وإزالة الاشتباه ليزول الاستغراب فقالوا: يا ابن رسول الله وكيف ندعو ونحن صامتون؟

قال (عليه السلام): تعملون بما أمرناكم به من العمل بطاعة الله، وتعاملون الناس بالصدق والعدل، وتؤدّون الأمانة، وتأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، ولا يطلع الناس منكم إلا على خير، فإذا رأوا ما أنتم عليه علموا فضل ما عندنا فتنازعوا إليه. وبذلك أراد أن تكون الواسطة بينه وبين المجتمع تعكس واقع تعاليمه، وتحبّذ منهجه ومبادئه، فركز على أن ينهج أصحابه منهج العمل الصحيح والقول الصادق.

ولم يزل يكرر هذه القاعدة ويلزم أصحابه بالالتزام بها، ويحثّهم على العمل بما أمرهم به، وقد ورد عنه كثير من الأقوال بهذا المضمون .

قال أبو اُسامة: سمعت أبا عبد الله الصادق (عليه السلام) يقول: عليكم بتقوى الله والورع والاجتهاد، وصدق الحديث، وأداء الأمانة وحسن الخلق، وحسن الجوار، وكونوا دعاة لانفسكم بغير السنتكم وكونوا زيناً، و لا تكونوا شيناً.(92)

وقال ابن أبي يعفور: سمعت الصادق (عليه السلام) يقول: كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم. ليروا منكم الاجتهاد، والصدق، والورع .(93)

فالإمام الصادق (عليه السلام) كان يحاول أن تكون الدعوة أساسها العمل الصالح والخلق الطيب، فهي انجع وسيلة لخوض معركة صامتة، تكافح المظالم بكافة أنواعها، وتقف الى جنب المظلومين، ليظهر بذلك خطأ اُولئك الذين اغتصبوا حقوق الاُمة وترأسوا على المسلمين، وقد انحرفوا كلّ الانحراف عن مبادئ الإسلام وتعاليمه.

فالمسلم الذي يتحلّى بصفات الإسلام لا يمكنه النفاق ولا المسايرة لذلك الركب المنحرف عن طريق الحقّ والرشاد.

نعم، إنّه (عليه السلام) يرى أنّ الدعوة الاصلاحية بالأقوال والمواعظ الخلقية والاجتماعية لا يتحقق أثرها إلاّ إذا كانت الأعمال مظاهر لها، وأنّ الاتصاف بتقوى الله واجتناب معاصيه، ومعاملة الناس بعاطفة نبيلة وخلق رفيع، وأداء الأمانة وحسن الصحبة والجوار، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكلّ صفة من صفات الخير والصلاح كما جاء في وصيته، لجدير بأن يكون صاحبها مقبولاً قوله، مؤثراً بدعوته، لأنّه يملك مشاعر أبناء جنسه، فهم يحبّونه ويخلصون له بالمودّة، وناهيك بما وراء الحبّ من أثر في تغيير الطباع لاتّباع المحبوب .

وقد قرر علماء الاجتماع: أنّه لا يتمّ اصلاح لاُمّة من الاُمم أو لشعب من الشعوب إلاّ إذا أفعمت القلوب حبّاً للمصلح وطاعة لأوامره.

وإنّ الاتصاف بالأخلاق الفاضلة والانتصار على النفس ما هو إلاّ خطوة نحو الثورة الشاملة لجلب قلوب الناس، لمن اتصف بتلك الصفات، وإنّ المرء إذا استطاع ضبط نفسه وتنظيمها لجدير بأن تنقاد الناس الى دعوته.

مهمّة الداعي

إنّ مهمة الداعي الى الله مهمة عظيمة وعليه مسؤولية كبرى، ولا يستطيع أن يقوم بهذه المهمة من ترمي بهم المصادفات، لأنّه ليس كلّ فرد صالحاً لهذا العمل الشاق، ولا كلّ فرد قادراً على تحمّل أعبائه، فيجب أن تتوفر في الداعي صفات عقلية وأخلاقية تخوّله أداء واجبه على الوجه المطلوب، إذاً فلا بد لمن يقوم بالنصح أن يتصف بالصبر ومحامده، ويتحمّل الاذى وشدائده، فلا يبالي بما يلاقيه من أذى في سبيل أداء رسالته ونشر عقيدته، وأن تكون له برسول الله اُسوة حسنة، وكل هذا إنّما يتفرع عن الإيمان بالله والعمل بطاعته.

وقد تضمّنت فقرات تلك الوصية المتضمنة لهذه القاعدة الاصلاحية - الدعوة الصامتة - كلّ نواحي الخير في الإنسان الدالة على كماله النفساني وهي ثلاث :

1 - الناحية الاعتقادية التى تكمن وراءها القوة الروحية، وعليها تبتني صحّة أعماله، وهي تتمثل في ادراكه بصلته بالله، وامتثال أوامره، و تلك القوة هي أعظم أثراً في قيام الإنسان بالعمل، وهذا الادراك العقلي، أو الشعور الوجداني بصلة الإنسان بالله يجعل الإنسان مدفوعاً الى العمل بطاعته.

2 - ناحية خلقه الفردي وتهذيب نفسه بالأخلاق الفاضلة والخصال الحميدة، لأنّ بناء المجتمع الصالح إنما هو بصلاح أفراده، وإعدادهم لأن يكونوا أعضاء صالحين، وتزويد كلّ فرد منهم بما يجب عليه للاُسرة وللمجتمع، فإذا صلح الفرد وتهذبت الاُسرة صلحت الاُمة، و اتّجهت لسبيل الصلاح.

3 - الناحية الاجتماعية التي تنشأ عن مخالطة الناس ومعاشرته لهم من حسن الصحبة، وحسن الجوار، وأداء الأمانة وغيرها ، فإذا كملت في الشخص هذه النواحي الثلاثة، كان هو الإنسان الذي يصلح لأن يدعو الى الخير وسواء السبيل. وعلى هذا فليست العبرة بالصلاح هي المظاهر التي يكون مرجعها القلب، وما قد نواه في ذلك، ولكلّ امرء ما نوى، فربّما يكون الداعي مظهراً للدعوى بطول السجود وكثرة التسبيح، ولكنّ باطنه غير ظاهره، بل العبرة بالاستقامة ظاهراً وباطناً، وإتيان الأعمال الصالحة التي تنبعث عن النية الصادقة والإيمان، بما يعود على المجتمع بالسعادة في حسن المعاملة مع الناس، ولذلك يقول الإمام الصادق (عليه السلام) :لا تنظروا الى طول ركوع الرجل وسجوده فإنّ ذلك شيء قد اعتاده، ولكن انظروا الى صدق حديثه وأداء الامانة.(94)

والغرض أنّه (عليه السلام) كان حريصا على توجيه الاُمة توجيهاً صحيحاً لتسير الى المثل الأعلى في الحياة، وأن تسعى ما أمكنها السعي الى تطبيق نظم الإسلام وتعاليمه. ففي ذلك صلاح المجتمع وسعادته، وأيّ إصلاح أعظم من نشر دين يهدي الناس الى المحبة والتعاون والاُخوة الصادقة؟

الإسلام هو دين الله الذي أنزله رحمة بالإنسانية المعذّبة، فهو دين شامل بتعاليمه، يأمر بالعدل والاحسان، وينهى عن الظلم والفحشاء، ويجعل المجتمع كنفس واحدة; لأنّه يبعث في نفوس كلّ فرد شعوراً يلزمه احترام جميع الأفراد، كما يشعر بأضرار أبناء جنسه وآلامهم، كشعوره بأضرار نفسه وآلامها، ويحسّ بمنافع أبناء مجتمعه كإحساسه بمنافع نفسه، طبقاً للتعاليم التي جاءت بها الشريعة الإسلامية ومنها: "أحب لأخيك المسلم ما تحبّ لنفسك"(95).

ويقول الإمام الصادق: "المؤمن أخو المؤمن كالجسد الواحد إذا اشتكى شيئاً منه وجد ذلك في سائر جسده، إنّ المؤمن أخو المؤمن هو عينه ودليله، لايخونه ولا يظلمه ولا يغشّه ولا يعدّه عدة فيخلفه".(96)

الإسلام يتناول الحياة كلّها بجميع ما تشتمل عليه من تنظيم، وهو يرسم للبشر صورة كاملة لما ينبغي أن تكون عليه حياتهم في هذه الأرض.

الإسلام يتناول الإنسان فرداً في جميع أحواله يوجّهه ويهذّبه، ويتناوله وهو يعيش في مجتمعه مع غيره من الأفراد فأعطى للمجتمع دروساً يبيّن له كيف تكون الصلات بين أفراده، وكيف تكون العلاقات وتنشأ المودة والإخاء والحبّ والتكافل والتعاون، ولو نفذ المسلمون دستور دينهم، وساروا على منهاجه وتعاليمه; لكانوا المثل الأعلى للإنسانية الراقية، ولسادوا العالم بأسره ولأصبح كلّ فرد منهم مثالاً للفضيلة ورمزاً للكمال.

شخصية الداعي

وصفوة القول أنّه (عليه السلام) اتّجه الى الاصلاح بالدعوة للعمل الصالح، لأنّ العمل الصالح من شأنه أن يحول بين الناس وبين ظلمهم بعضهم بعضاً، وهو أعظم حاجز بينهم وبين الشرور، ومن شأنه أن يهذّب النفوس ويطهّرها من الخبث، لأنّه يربط الإنسان بربّه بصلة الإيمان به، فهو يخشاه في سره وعلانيته، ومن كان كذلك فلا يخشى ضرره، ولا يقع منه ظلم، ولا يصبح أسير شهواته، وصريع أهوائه، ومن كان يدعو الناس الى دعوة هذا أساسها، فجدير به أن يتحمّل الأذى ويصبر على ما يلاقيه من أعداء الحقّ وأنصار الباطل، فلا يهون لشدّة، ولا يضعف لاضطهاد، بل يقابلها بالحزم والعزم، وبقلب لا يعرف الضعف إليه سبيلاً، ولا يجد الخوف من الناس فيه مكاناً.

فلقد كان (عليه السلام) قويّاً في دينه لا يهن لشدة، ولا يضعف عند النكبة، بل يتلقّى كلّ ذلك بقلب لا يتسرّب إليه الضعف، وفؤاد لا يتزلزل عند النوازل، وهو قويّ الثقة بربّه وخالقه، كثير الرجوع إليه في حاجاته ومهماته، يلجأ إليه في كلّ شدة، وينتصر به على اعدائه، ويردّ بالالتجاء إليه كيدهم، وما يريدونه به من سوء وما يدبرون له من مكائد.

ولقد مرّت عليه أيام مختلفة تبدّلت فيها سياسات، وتقلّبت فيها اُمور، وشاهد أنواعاً من الحكم وكانت الأيام تبسم له مرةً وتعبس اُخرى، ويقسو عليه الحكم تارة، ويلين تارةً اُخرى، وهو يتحمّل الأذى ويصبر على المحن، وكيف لا يكون كذلك وهو يحمل رسالة الاصلاح وهو أعظم مصلح عرفه التاريخ في عصره وبعد عصره؟ كان هدفه تقويم المعوج وإرشاد الضال وتوجيه الشاذ، ليسير بالقافلة في طريق الخير مرحلة إثر مرحلة، ولا تحول دونه ودون عزيمته المخاطر والأهوال، ولا يخشى انفجار مشاعر اعدائه المكبوتة. وغيظهم المتوقد، وقد مر غير مرة محاولة أعدائه للفتك به، والقضاء عليه، وترويج التهم حوله، ولكنّ الله عصمه وردّ كيدهم عنه، ولمّا حلّ قضاؤه ولا راد لقضائه نفذ ما أرادوه، وتمّ ما حاولوه من المكيدة. فمضى بعد أن ترك للأجيال دروساً وعبراً لم تكن مقصورة على أتباعه فحسب، بل كانت عامة لجميع الاُمة.

ملاحظات حول دعوته الإصلاحية

1 - إنّ قوله (عليه السلام): كونوا دعاة صامتين. لم يكن المقصود منه كون الداعي للعمل الصالح صامتاً مطلقاً، لأنّ ذلك ينافي قوله (عليه السلام): تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، لأنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يكونان مع الصمت ، ولكنّ المقصود بأن يكون القول مقروناً بالعمل، إذ هو بدونه لغو كما تقدّم بيانه، فجعل (عليه السلام) الدعوة بالعمل الصالح قبل الدعوة بالقول.

2 - إنّه كان يأمر بالإقدام على النصح، وأن لا يحول بين الداعي وبين نشر دعوته خوف ظالم; لأنّ الأمر بالمعروف من أهمّ فروض الإسلام وأكبر واجباته، إذ هو أساس نشر الحقّ، وإعلان المبادئ السامية. فيقول في الحثّ عليه: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، فإنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يقربا أجلاً ولم يبعدا رزقاً. ويقول: ويل لقوم لا يدينون الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.(97)

3 - يتجلّى لنا أنّ هذه الدعوة قد وقفت في طريقها عقبات وحواجز، لأنّ في انتشارها انتشاراً لمبادئ الإسلام ونظمه وتعاليمه، ولم يبق من وراء ذلك لظالم طمع بالحكم، ولا لمعادي الإسلام من وسيلة يحاربه بها انتصاراً لمبادئه، لذلك فقد أحست العناصر المعادية للإسلام بخطر هذه الدعوة، وإنّها بدون شك ستقضي على مآربهم التي من أجلها اندسوا في صفوف المسلمين، وبدون شك أنّها تهدم آمالهم المعقودة على ذلك التدخّل، من إثارة الفتنة وتشويه محاسن الإسلام، عندما يغيرون الحقائق ويقلّبون الأوضاع، ولهذا أطلقوا دعاتهم ضد تحقيق هذه الدعوة الاصلاحية، فانتحلوا لأنفسهم حبّ أهل البيت وأظهروا ولاءهم للإمام الصادق (عليه السلام)، الذي انفرد بزعامة ذلك البيت الطاهر. وقد تبرأ منهم وأمر بهجرهم. لأنّ تلك الفئة المعادية للإسلام انطلقت بكل قوّة، فاستغلت جهالة العامة ممن لم تساعدهم ظروفهم على الاتصال بأهل البيت(عليهم السلام)، فصدقوا بما ادعاه اُولئك المندسون في صفوف الاُمة من الغلوّ في أهل البيت.

4 - إن الناس في مقابلة الدعوة الإصلاحية ثلاث طوائف : فطائفة تتقبل الدعوة وتناصرها ظاهراً وباطناً ويضحّون في سبيل مناصرتها، وهم ذوو العقول الراجحة الذين لم تستطع العاطفة أن تسيطر على عقولهم، بل غايتهم اتّباع الحقّ والحقّ أحقّ أن يتبع.

وطائفة اُخرى تعادي تلك الدعوة ظاهراً وباطناً، مع اتّضاح صدق الداعي وظهور حجّته، ووضوح برهانه، وهم المعاندون، والمعاند لا يقنع بشيء; لأنّه لا يطلب حقّاً ولا يحيد عن باطل، وإنّما هو متعنّت يخالف الواقع، ويبعد عن سنن الطريق لخبث في نفسه وفساد في طويته.

وطائفة ثالثة تعادي في الباطن وتناصر في الظاهر وهم المنافقون(98)وهؤلاء أشدّ ضرراً على الدعوى من الفئة الثانية، وهم المعادون لها ظاهراً وباطناً، لأنّهم شاركوهم بتلك الصفات الخبيثة، وقد امتازوا عليهم بالجبن والخور وضعف القلب، فلا يستطيعون أن يصارحوا المصلح بأنّهم أعداء له، إذ ليست لهم قابلية الجرأة الأدبية، ولا تسمح نفوسهم بأنّ يظهروا بالمظهر الواقعي، ويتقبّلوا تلك الدعوة بقبول حسن عندما يصطدمون بالواقع، لخبث نفوسهم وفساد نيّتهم.

5 - نظراً لأهمية هذا الموضوع وما يتعلّق به; فإنّ المجال لا يتّسع للإحاطة بجميع أطراف البحث، وإنّ للإمام الصادق (عليه السلام) أقوالاً كثيرة ومواقف متعددة حول الدعوة بالعمل الصالح، فلذلك اخترنا الوقوف عند هذا الحدّ من البحث حول الدعوة الصامتة التي قام بها (عليه السلام) في عصر انطلاق الفكر، وازدهار العلم، وهو رئيس أعظم مدرسة إسلامية، وزعيم تلك الحركة العلمية، وكان خير قدوة صالحة في العلم والعمل الصالح، لايفتر عن تعليم الناس وتوجيههم الى الخير والفضيلة، كما لا يفتر عن عبادة الله والعمل بطاعته ويخشاه في سرّه وعلنه.

وقد أشرنا سابقاً الى موقفه تجاه حكام الجور ومقاطعته لهم، وقد أمر الناس بالابتعاد عنهم، كما أبعد عنه المتقرّب منهم إليه ، وحرّم الولاية لهم، لأنّه (عليه السلام)يرى أنّ ولاية الجائر دروس الحقّ كلّه واحياء الباطل كله.

وكان يحرّم معاونتهم حتى في بناء المساجد، لأنّهم لا يملكون هذه الأموال; فلا يقبل منهم العمل فيها حتى في وجوه الخير، والإمام (عليه السلام) يهدف بهذه المقاطعة وعدم التعاون مع حكام الجور، الذين ادّعوا الخلافة الإسلامية أن يضيق دائرة نفوذهم، ويوقظ الناس من غفلة اتباع اُناس لا يليق بهم هذا المنصب، لأنّ المقاطعة لحكام الجور ترغمهم على الاعتدال، أو التخلي عن الحكم بدون إراقة دماء، وقد أمر الله تعالى بقوله: (وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ).(99)

فكانت مهمة الإمام الصادق (عليه السلام) تطبيق هذا الأمر، لأنّه أنجع وسيلة تنتصر بها الاُمم على حكام الجور، الذين يسيرون بغير صواب ويحكمون بغير العدل.

 

الإمام الصادق(عليه السلام)انطباعات عن شخصيّته

 

تمهيد

للإمام الصادق (عليه السلام) شخصية قوية، ومكانة مرموقة، ومركز ملحوظ عند سائر الطوائف وجميع الفرق، شخصية أقر لها العدو بالفضل. شخصية هي مثال للصفات الكاملة والمزايا الحميدة، فهو الصادق في لهجته، والمنزّه عما لايليق بمنزلته، وهو زعيم أهل البيت(عليهم السلام) وسيدهم في عصره.

لقّب بالصادق لأنّه عرف بصدق الحديث حتى أصبح مضرب المثل في عصره وبعد عصره. قال ابن الحجاج وهو الشاعر المشهور :

يا سيّداً أروي أحاديثه *** رواية المستبصر الحاذق

كأنني أروي حديث النبي *** محمد عن جعفر الصادق(100)

لقد كان (عليه السلام) مفخرة من مفاخر المسلمين لم تذهب قط، وإنّما بقي منها حتى القيامة صوت صارخ يعلم الزهاد زهداً، ويكسب العلماء علماً.

لقد كانت له هيبة يخضع لها جليسه، وصدق لهجة يطمئنّ إليه من يحدّثه، وحسن بيان ينفذ الى قلوب سامعيه، وقد أعطي من قوّة البيان ووضوح الحجة ما جعل المعاندين يصغون لحسن بيانه، ويخضعون لبرهانه.

وكان من السابقين بالخيرات رغبة بما وعد الله، ومن دعاة الخير الذين لا يدّخرون نصحاً عن المسلمين، حتى انطبع في قلوب معاصريه من العلماء تعظيمه وتبجيله. فكانوا يقصدونه من كلّ الاطراف لاستماع مواعظه والاستفادة من علومه، وكان مجلسه مكتظاً بوجوه الناس من أطراف البلاد النائية، يغتنمون فرصة الاتصال به والانتهال من نمير تعاليمه، ويطلبون المزيد من وصاياه وحكمه النافعة.

وهنا نورد بعض الأقوال المجموعة من رجال عصره، وهي تبيّن انطباعاتهم عنه، لا على سبيل الحصر، لأنّ حصر الأقوال وجمع الانطباعات ممّا يضيق به وسع الكتاب، وقد تقدّم في ثنايا الأجزاء المتقدمة شيء منها أيضاً.

والغرض أنّه كان وحيد زمانه، لا يلحق أثره ولا يبلغ شأوه، وهو المصلح الذي عرف الناس عنه حبّه للإصلاح وبذله النصح لعباد الله، لذلك قصده رجال العلم في عصره من الأقطار النائية، للانتفاع بوفير علمه ومواعظه وحكمه، وقد كان أبو حنيفة يغتنم الحضور عنده للاستماع منه عندما دخل الإمام الكوفة كما نصّت على ذلك كتب مناقب أبي حنيفة وسيرته، وكذلك حضر عنده في المدينة سنتين حتى اشتهر عنه قوله: لولا السنتان لهلك النعمان.

انطباعات مالك بن أنس

وكان مالك بن أنس يحضر عند الإمام الصادق ويتأدّب بآدابه ويهتدي بهديه، فكانت له انطباعات في نفسه يحدّثنا عنه بقوله: ما رأت عين ولا سمعت اُذن ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمد الصادق علماً وعبادة وورعاً.(101)

انطباعات سفيان الثوري

قال سفيان الثوري: دخلت على الصادق فقلت له: أوصني بوصية أحفظها من بعدك. قال: وتحفظ ياسفيان؟ قلت: أجل يا ابن رسول الله. قال: يا سفيان لا مروة لكذوب، ولا راحة لحسود، ولا أخاً لملول، ولا سؤدد لسيّئ الخلق، ثم أمسك. فقلت يا ابن رسول الله، زدني. فقال: يا سفيان ثق بالله تكن عارفاً مؤمناً، وارض بما قسمه لك تكن غنياً، وأحسن مجاورة من جاورك تكن مسلماً، وصاحب بمثل ما يصاحبونك به تزدد إيماناً، ولا تصاحب الفاجر فيعلّمك من فجوره، وشاور في أمرك الذين يخشون الله. قال سفيان: ثم أمسك الإمام فقلت: يا ابن رسول الله، زدني. فقال: يا سفيان من أراد عزاً بلا عشيرة، وغنى بلا مال، وهيبة بلا سلطان، فلينتقل من ذل معاصي الله الى عزّ طاعته، ثم أمسك. فقلت: يا ابن رسول الله، زدني.

فقال: يا سفيان أدّبني أبي بثلاث ونهاني عن ثلاث، فأمّا اللواتي أدّبني بهن فإنّه قال لي: يا بني من يصحب صاحب السوء لا يسلم، ومن لا يملك لسانه يندم، ومن يدخل مداخل السوء يتّهم. قلت: يا ابن رسول الله، فما الثلاث اللواتي نهاك عنهنّ؟

قال: نهاني أن لا اُصاحب حاسد نعمة، و شامتاً بمصيبة، وحامل نميمة ثم أنشد:

عوّد لسانك قول الخير تحظ به *** إنّ اللسان لما عودت معتاد

موكل بتقاضي ما سننت له *** في الخير والشر فانظر كيف تعتاد(102)

ودخل عليه مرة اُخرى يطلب المزيد من تعاليمه ووصاياه فقال (عليه السلام): يا سفيان، الوقوف عند كلّ شبهة خير من الاقتحام في الهلكة، وترك حديث لم تروه أفضل من روايتك حديثاً لم تحصه، إنّ على كلّ حقّ حقيقة وعلى كلّ صواب نوراً، ما وافق كتاب الله فخذوه وما خالفه فدعوه.(103)

وقال نصر بن كثير: دخلت أنا وسفيان الثوري على جعفر بن محمد الصادق فقلت له: يا ابن رسول الله، إنّي اُريد البيت فعلمني شيئاً أدعو به، فقال(عليه السلام): إذا بلغت البيت فضع يدك على الحائط ثم قل: يا سابق الفوت، يا سامع الصوت، ياكاسي العظام لحماً بعد الموت، ثم ادع بما شئت فقال سفيان شيئاً لم أفهمه.

فالتفت إليه (عليه السلام) فقال: يا سفيان، إذا جاءك ما تحبّ فأكثر من الحمد لله، وإذا جاءك ما تكره فأكثر من لا حول ولا قوّة إلا بالله، وإذا استبطأت الرزق فأكثر من الاستغفار.

ودخل عليه حفص بن غياث، وهو أحد أعلام عصره، والمحدثين في وقته، فطلب منه أن يوصيه وصية ينتفع بها فقال (عليه السلام): إن قدرتم أن لا تعرفوا فافعلوا، وما عليك إن لم يثن الناس عليك ـ إلى أن قال ـ : إن قدرت أن لا تخرج من بيتك فافعل فإن عليك في خروجك أن لاتغتاب، ولا تكذب ولا تحسد، ولا ترائي، ولا تداهن(104)

انطباعات زيد بن علي(عليه السلام)

قال زيد بن علي: في كلّ زمان رجل منّا أهل البيت يحتجّ الله به على خلقه، وحجة زماننا ابن أخي جعفر لا يضلّ من تبعه ولا يهتدي من خالفه.(105)

هذا قول رجل من سادات بني هاشم، وعلم من أعلام الاُمة وفقيه من فقهاء الإسلام، وبطل من أبطال الثورة على الظلم، ومن اُباة الضيم، إنّه يكشف عن منزلة الإمام في نفسه، واعتقاده فيه، وهو معاصره، وأكبر منه سناً، وكذلك يكشف للناس ويبيّن لهم منزلة الإمام الصادق (عليه السلام)، فهو يرى أنّه حجة الله في ذلك الزمان، وأنّ الهداية في اتّباعه والضلال في خلافه، وأنّ الله لا يحتجّ إلاّ بمن بلغ درجة الكمال النفساني، وارتقى أعلى منزلة من طاعة الله وامتثال أوامره، فابتعد عن الدنيا وزينتها، وصدف عن زخارفها، وأخلص لله فاستخلصه وطهّره من دنس العيوب وكدر الذنوب.

انطباعات مالك بن أنس

ويقول مالك بن أنس: اختلفت الى جعفر بن محمد زماناً فما كنت أراه إلاّ على إحدى ثلاث خصال: إمّا مصلّياً وإمّا صامتاً وإما يقرأ القرآن، وما رأيته قط يحدّث عن رسول الله إلاّ على طهارة، ولا يتكلّم بما لا يعنيه، وكان من العلماء العباد والزهّاد الذين يخشون الله.(106)

هذه شهادة مالك وانطباعاته عن شخصية الإمام، ومالك هو رئيس مذهب من مذاهب الإسلام المعمول بها حتى الآن، وكان معاصراً للامام الصادق (عليه السلام)ومن تلامذته. والذي يعنينا من هذه الكلمة قوله: إنّه كان من العلماء العباد والزهاد، الذين يخشون الله. فالعلم وحده غير نافع بدون عمل، فالإمام الصادق عالم عامل زاهد في الدنيا يخشى الله ويتّبع أوامره، وإنّما يخشى الله من عباده العلماء، ولم يمنعه زهده وتبتلّه عن الكسب وطلب المعاش من وجوهه المشروعة مع الاجمال في الطلب والاعتدال في الإنفاق وأداء الحقوق، كما أنّه ينهى عن الكسل والبطالة، ويمقت صاحبها ويفضل رجل العمل ويشجعه عليه. كما دلّت سيرته على ذلك.

فالإمام مالك يكشف لنا انطباعاته عن الإمام الصادق (عليه السلام)، وما عرفه عنه وما اعتقده فيه، بأنّه لا ينفكّ عن عبادة الله وتلاوة كتابه، ولا يتكلّم بما لا يعنيه، وكان من العلماء العباد والزهاد الذين يخشون الله، وناهيك بما وراء الخشية من الله والعمل بطاعته، فهي أعظم درجة وأرقى منزلة لدعاة الخير وأئمّة الهدى، وهو فرع من الشجرة النبوية التي طاب غرسها وزكا ثمرها، قد التقى فيه شرف النسب وشرف النفس، وعزة الإيمان وقوّة الحقّ، وهو من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس، وطهّرهم تطهيراً. نعم، إنّه من السابقين الى الخير والداعين إليه رغبة بما وعد الله، فهو لم يألُ جهداً في التوجيه الصحيح، وحرصه على هداية الاُمة إلى سواء السبيل.

انطباعات أبي حنيفة

وقد كشف لنا أبو حنيفة قبله انطباعاته عن الإمام الصادق (عليه السلام)، وما عرفه عنه وأنّه ما رأى أفقه منه بقوله :

ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد، لما أقدمه المنصور بعث إليّ فقال: يا أبا حنيفة إنّ الناس قد افتتنوا بجعفر بن محمد فهيّئ له من المسائل الشداد. فهيأت له أربعين مسألة ثم بعث إليّ أبو جعفر المنصور وهو بالحيرة، فدخلت عليه وجعفر بن محمد جالس عن يمينه، فلما بصرت به دخلتني من الهيبة لجعفر ما لم يدخلني لأبي جعفر المنصور، فسلمت وأومأ فجلست، ثم التفت إليه قائلاً: يا أبا عبد الله، هذا أبو حنيفة. فقال (عليه السلام): نعم أعرفه. ثم التفت المنصور فقال: يا أبا حنيفة الق على أبي عبد الله مسائلك. فجعلت القي عليه فيجيبني فيقول: أنتم تقولون كذا وهم يقولون كذا ونحن نقول كذا، فربما تابعنا وربما تابعهم وربما خالفنا. حتى أتيت على الأربعين مسألة، ما أخلّ منها مسألة واحدة، ثم قال أبو حنيفة: أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس .(107)

وهذه القضية تكشف لنا انطباعات أبي حنيفة عن الإمام الصادق (عليه السلام)، وما عرفه عنه، وأنّه ما رأى أفقه منه، وهو أعلم الناس لعلمه باختلاف الناس، ونحن نستظهر من هذه القضية ثلاثة اُمور :

1 - اهتمام المنصور بشأن الإمام الصادق (عليه السلام)، لأنّ الناس افتتنوا به على حدّ تعبيره، عندما اشتهر ذكره، حتى سارت به الركبان، والمنصور يعدّ هذا خطراً على دولته، لأنّه لا يريد أن يلتفّ الناس حول الإمام الصادق (عليه السلام)، فذلك يثير مخاوفه منه ويجعله حذراً، ولا يروق له تعلّقهم بالإمام الصادق (عليه السلام)، وانتشار علمه الذي بلغ كل بقعة أنارها الإسلام، كما تنبئ عنه معاملته معه وتشدّده عليه، وترقبه فرصة الفتك به والقضاء عليه.

2 - وصف أبي حنيفة لهيبة الإمام، وما داخله منها عند رؤيته له، وهو لا سلطان له ولكنّها هيبة منحه الله إيّاها، التي تخضع لها جبابرة الأرض وتذلّ لها ملوكها.

هيبة العلم وجلالة الإمامة وعظمة التقوى، هيبة اندكت أمامها هيبة الإمرة وعظمة السلطان، ورهبة البطش.

يحدثنا ابن أبي العوجاء عندما ناظره الإمام الصادق (عليه السلام)، فسكت ابن أبي العوجاء. قال: فقال لي: ما يمعنك من الكلام ؟

قلت: إجلالاً لك ومهابة منك، ما ينطق لساني بين يديك، فإني شاهدت العلماء وناظرت المتكلمين، فما تداخلني من هيبة أحد منهم مثلما تداخلني من هيبتك.

ويقول المفضل بن عمر: إنّ المنصور قد همّ بقتل أبي عبد الله غير مرة فكان إذا بعث إليه ليقتله فإذا نظر إليه هابه.(108)

فالمنصور صاحب الدولة والسلطة، والجيش والحرس، ومن عرف بالشدة والتجبر، تندك هيبته أمام هيبة الإمام (عليه السلام) وعظمته، لأنّها لم تكن مصطنعة، بل هي التي يفيضها الله تعالى على من يشاء من عباده.

ولا تختلف هذه الهيبة باختلاف الناس معه; فإنّ كلّ واحد كان يشعر في نفسه بتلك الهيبة له، سواء الوليّ والعدو والموالف والمخالف.

على انّه (عليه السلام) كان بين أصحابه وجلسائه كواحد منهم ينبسط لهم بالكلام ويؤانسهم بالحديث، ويجلس معهم على المائدة.

3 - نستطيع أن نلحظ من وراء هذه الرواية أسباب تقرّب المنصور للعلماء وتظاهره بمناصرة العلم، وبالأخص من كانت له شهرة في محيطه كأبي حنيفة، وقد نوّهنا عن هذه الأسباب في الأبحاث السابقة.

انطباعات المنصور الدوانيقي

وقد شهد المنصور - وهو أشدّ الناس خصومة له، وأعظمهم عداوة وتألباً عليه - بأنّ الإمام الصادق كان من السابقين بالخيرات، ومن الذين اصطفاهم الله من عباده، وأورثهم الكتاب.

قال إسماعيل بن علي بن عبد الله بن العباس: دخلت على أبي جعفر المنصور يوماً فرأيته وقد اخضلّت لحيته بالدموع وقال لي: ما علمت ما نزل بأهلك؟

فقلت: وما ذاك يا أمير المؤمنين ؟

قال : فإنّ سيدهم وعالمهم، وبقية الأخيار منهم توفي.

قلت : ومن هو يا أمير المؤمنين ؟

قال : هو جعفر بن محمد .

فقلت : عظم الله أجر أمير المؤمنين وأطال لنا بقاه.

فقال لي المنصور : إن جعفر بن محمد كان ممن قال الله فيه: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا) وكان ممّن اصطفى الله وكان من السابقين بالخيرات.(109)

وللمنصور كلمة اُخرى تعبّر عن انطباعاته وما عرفه عن الإمام الصادق، وهي قوله لابن المهاجر: إعلم أنّه ليس من أهل بيت إلاّ وفيهم محدّث، وإنّ جعفر بن محمد محدثنا اليوم.(110)

ولهذه الكلمة قصة: وهي أنّ المنصور قال لمحمد بن الأشعث: يا محمد، ابغ لي رجلاً له عقل يؤدي عني. فقال له محمد: إنّي قد أصبته لك هذا ابن المهاجر خالي.

قال: فأتني به، فلمّا أتاه، قال له أبو جعفر: يا ابن المهاجر، خذ هذا المال، وأتي المدينة، وأتي عبد الله بن الحسن، وجعفر بن محمد، وجماعة، وادفع إليهم هذا المال، وقل لهم: هذا من شيعتكم بخراسان، فإذا قبضوا المال فقل: إنّي رسول وأحبّ أن يكون معي خطوطكم بقبضكم ما قبضتم، فأخذ المال وأتى المدينة، ثم رجع إلى أبي جعفر المنصور فقاله له: ما وراءك؟

قال: أتيت القوم وهذه خطوطهم بقبضهم المال خلا جعفر بن محمد فإنّي أتيته وهو يصلي في مسجد النبيّ، فجلست خلفه وقلت: ينصرف فأذكر له ما ذكرت لأصحابه، فتعجّل وانصرف وتبعته فالتفت إليّ. وقال: يا هذا اتّق الله، ولا تُغري أهل بيت محمد:، فإنّهم قريبو العهد من دولة بني مروان، وكلّهم محتاج. قلت: وما ذاك أصلحك الله؟ قال: فأدنى رأسه مني فأخبرني بما جرى بيني وبينك.

فقال المنصور: يا ابن المهاجر، إعلم أنّه ليس من أهل بيت نبوة إلاّ وفيهم محدّث وإنّ جعفر بن محمد محدثنا اليوم ، فالمنصور مع شدّة عدائه للإمام الصادق(عليه السلام)، وبغضه له فهو يقول الحقّ في عدة مناسبات، ويصرّح بما يخالف أفعاله، فمرة يصفه بأنّه من السابقين في الخيرات الذين اصطفاهم الله من عباده وبأنّه محدّث. فكأنه ثاب إليه رشده أو نزع نفسه من مقتضيات السلطان والإمارة، ومرات يهدد بقتله ويستعد لتنفيذ ما يمليه عليه حقده.

ويقول: - عندما يتحدّث الناس عن علم الصادق (عليه السلام) - هذا الشجى المعترض في حلقي، من أعلم الناس في زمانه فيجمع بين الحقيقة وبين بغيه وحقده.(111)

ويقول: إنّه ممن يريد الآخرة لا الدنيا .(112)

ويقول مخاطباً الإمام الصادق (عليه السلام): لا نزال من بحرك نغترف وإليك نزدلف، تبصر من العمى، وتجلو بنورك الطخيا - الليلة المظلمة - فنحن نعوم في سحاب قدسك، وطامي بحرك.(113)

وقال لحاجبه الربيع: وهؤلاء من بني فاطمة لا يجهل حقهم إلا جاهل، لا حظ له في الشريعة .(114)

ومع هذه الاعترافات في حقّ الإمام الصادق (عليه السلام) فهو لا يستطيع أن يتغلّب على هواه أو ينتصر على نفسه، فينطلق من عقال حقده، ويعرف للإمام منزلته، ويرعى حقّه ويحفظ قرابته من رسول الله (صلى الله عليه وآله).

ولكنّ المنصور كان خصماً لا يلين، وجباراً لا يرعوي، ومتعنّت لا يخضع لحقّ، ولا يرتدع عن باطل، فقد كان يثقل عليه انتشار ذكر جعفر بن محمد في أندية العلم وحلقات الدرس، والعلماء يستدلّون بروايته ويستشهدون بقوله فيكون قوله الفصل وحكمه العدل.

ولذلك فقد وقف للإمام بالمرصاد، يحاول الفتك به والقضاء عليه، مع معرفته بمنزلته، قد أخذته العزة بالإثم، والطمع في الملك، فهو دائماً مع شهواته، أسير هواه وأطماعه.

وتكاد تكون سياسة المنصور اتجاه الإمام الصادق أهم وجوه الحكم، فقد كان الإمام الصادق شغل المنصور الشاغل، وقد سلك معه كلّ السبل حتى كأنّه بات يواجه ثورة على وشك الاشتعال بفعل نشاط الإمام الصادق ومكانته، فنرى المنصور يتذرّع إمّا بالحج ليأتي المدينة، ويتحرى أخبار الإمام ويبعث إليه ليأتيه، أو يوجه إليه الى العراق، وفي كلّ مرة يفقد توازنه ويكشّر عن أنياب حقده فيهدد بقتل الإمام، أو يترك نفسه على سجيتها فيسيء الأدب معه، أو يحاول أن يوقع بالإمام الصّادق حيث يوهمه حقده أن بإمكانه أن يجد من هو أعلم من الإمام(عليه السلام) .

وسيأتيك في الأجزاء القادمة تفاصيل العلاقة بين رأس النظام المنصور وبين الإمام الصادق(عليه السلام)، وترى وجوه العناية الربانية التي حفظت الإمام من مكائد هذا الطاغية.

انطباعات ابن أبي ليلى

قال نوح بن دراج: قلت لابن أبي ليلى(115): أكنت تاركاً قولاً قلته وقضاء قضيته لقول أحد؟

قال: لا إلاّ لرجل واحد. قلت: من هو؟ قال: هو جعفر بن محمد الصادق (116).

هذا قول فقيه من فقهاء ذلك العصر وقاض من قضاة الدولتين الاُموية والعباسية، وقد وصفوه بأنّه أفقه أهل الدنيا، كما وصفوه بأنه صاحب قرآن وسنة، وأنّه صدوق، وجائز الحديث، وخرّج حديثه الأربعة، وقد أقام قاضياً ثلاثاً وثلاثين سنة.

ومهما تكن حاله فهو بكلمته هذه يكشف لنا عن انطباعاته بعلم الإمام الصادق وعظيم منزلته، وما عرفه عنه من قدم راسخ في العلم، فهو لا يرى أحداً يترك قوله لقوله أو قضاء قضاه لأيّ أحد إلاّ لمن هو أعلم منه، ولا يعتقد بهذه المنزلة لأيّ رجل في عصره، إلا للإمام الصادق (عليه السلام) .

انطباعات عمر بن عبيد

دخل عمر بن عبيد على الإمام الصادق (عليه السلام)، فطلب من الإمام أن يعدّد له الكبائر وقال: أحبّ أن أعرفها من كتاب الله، أو سنة رسوله، لأنّ الخلاف قد تعاظم بين المسلمين، في مسألة مرتكب الكبيرة، واحتدم النزاع في ذلك العصر، وعقدت المجالس للمناظرة فيها.

فقال له الإمام: نعم يا عمر وفصلها له :

1 - الشرك بالله (إنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشرَكَ بِهِ)(117).

2 - عقوق الوالدين: لأنّ العاق جبار شقي (وَبَرّاً بِوالِدَتي وَلَم يَجعَلني جَبّاراً شَقِيّاً).(118)

3 - قذف المحصنات (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُواْ فِي الدُّنْيَا وَالاَْخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ).(119)

4 - أكل مال اليتيم (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا)(120).5 - الفرار من الزحف (وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئذ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِّقِتَال أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَة فَقَدْ بَاءَ بِغَضَب مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)(121).

6 - قتل النفس (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا)(122).

7 - نقض العهد وقطيعة الرحم (الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِأَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى الاَْرْضِ أُوْلَـئكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)(123).

ويستمر الإمام (عليه السلام) في تعداد الكبائر بأوضح بيان، ويستشهد على كلّ واحدة منها بآية من كتاب الله أو سُنّة من رسوله، حتى أتى على آخرها، وعمر ابن عبيد يصغي لبيانه، فلما انتهى الإمام (عليه السلام) قال عمر بن عبيد: هلك من سلبكم تراثكم ونازعكم في الفضل والعلم .(124)

وهذه الكلمة من عمر بن عبيد، وهو رئيس من رؤساء المعتزلة وعالم من علماء الاُمة، قالها بعد أن عرف ما عند الناس حول هذه المشكلة، وهي فعل الكبير وقد ناظر وجادل وجاء للإمام الصادق (عليه السلام) ليكون قوله الفصل وحكمه العدل، فهو يرى أنّ الإمام (عليه السلام) معدن العلم والفضل، ومن حاول أن يتقدّم عليه في هذه المنزلة فهو هالك.

وخلاصة القول في هذه الأقوال أنّها صدرت عن اُناس لا يتّهمون بالتحيز; فإنّ كلمة كلّ واحد منهم إنّما تنطبق على الواقع، وليس فيها ميل ولا تحيّز.

فمالك بن أنس كان لا يعرف بموالاة أهل البيت (عليهم السلام)، ولا بالدعاية لهم، ولم تكن نزعته نزعة شيعية فيتهم، بل كانت نزعته أقرب ما تكون إلى النزعة الاُموية، فإنّه يميل إليهم، فانطباعاته عن شخصية الإمام بأنّه من العلماء الزهاد الذين يخشون الله، وأنّه لا يفتر عن طاعة الله، في سرّه وفي علنه، كلّ ذلك صادر عن واقع لا تحيز فيه، ولا ميل، بل هو الحقّ الذي لا شبهة فيه ولا غبار عليه، وقد لازمه مدة من الزمن، وحضر مجالس درسه ووعظه، ورافقه في سفره للحج، فلم يجد فيه إلاّ العالم الزاهد، الذي خالف هواه وعمل بما علم، واتقى الله حقّ تقاته، فكان من الصادقين الذين يهتدى بهديهم ويقتدى بهم.

وكذلك أبو حنيفة واعترافه بانّ الإمام الصادق كان أعلم الناس وأفقههم، فهو قول صادر عن واقع بل عن خبرة ودراية، فهو لا يتّهم في قوله، وهو بعيد عن أسباب الاتهام، لأنّه لم يعرف بميله للتشيع.

وأمّا المنصور فناهيك به من عدوّ لدود، وخصم شديد، إذ يشهد بما تقدّم فإنّما ذلك من باب :

ومناقب شهد العدو بفضلها *** والفضل ما شهدت به الأعداء

وكما أنّ هؤلاء لا يتهمون بتصريحهم عمّا يعتقدونه في نفوسهم عن شخصيّة الإمام، كذلك لا يتّهم عبد الله بن المبارك في مدح الإمام الصادق (عليه السلام)وتصريحه عن اعتقاده فيه عندما استقبله في بعض الأيام فقال :

أنت يا جعفر فوق الـ *** مدح والمدح عناء

إنّما الأشراف أرض *** ولهم أنت سماء

جاز حدّ المدح من *** قد ولدته الأنبياء

ويقول أيضاً :

الله أظهر دينه *** وأعزّه بمحمد

والله أكرم بالـ *** خلافة جعفر بن محمد (125)

وعلى أيّ حال، فإنّ استيفاء هذا البحث بالبيان عن جميع ما يلمّ به; من ذكر انطباعات العلماء والاُدباء عن شخصية الإمام في عصره وبعد عصره أمر يطول شرحه، وقد أشرنا للبعض منه في الجزء الأول، وللمزيد من الوقوف على نواحي عظمته والسير على أضواء تعاليمه، نودّ هنا ذكر فصول من حكمه وفكره الخوالد، التي أرسلها عبر الدهور معلّماً للأجيال، وهو يضع في كلّ منها حجر الأساس لأعظم الاُسس التربوية التي يتجلّى فيها روح الصلاح وحبّ الإصلاح.

 

الإمام الصّادق(عليه السلام)فصول من حِكَمِه

 

تمهيد

إنّ للحكم والأقوال التي ينطق بها كبار الرجال والمصلحون، أهميّة كبرى في حياة الاُمم التي تنشد الرقي، لتمهّد لنفسها الطريق إلى السعادة، فالحكم التي يوجهها المصلحون بما يتعلق بمقتضيات الاُمور الاجتماعية، والاقتصادية، وبكلّ شيء يمت إلى حياتهم التي يحيونها بصلة، إنّما هي سجل خالد تتلخص فيه الشخصية، وتتبلور فيه الأخلاق والخصائص الفردية والاجتماعية.

إنّ اُولئك المصلحون والمرشدون في كلّ اُمة وفي كلّ عصر يدلون بحكمهم وإرشاداتهم لا يرومون من ورائها إلاّ سعادة المجتمع الذي يعيشون فيه، فهم ينيرون الطريق بشعلة من الأفكار; ليوجّهوا الناس إلى مناهج الحياة الصحيحة، والابتعاد عن مهاوي الجهل، ومخاطر الفساد.

وقد خلدت آثارهم عبر القرون تتلقّاها الأجيال فتلقي عليهم دروساً نافعة، وتلقي أضواء تكشف عن شخصياتهم فتبعث إلى الوجود من جديد، وتمرّ العصور وهم أحياء بتلك الذكريات الخالدة.

وكان أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله) وخلفاؤه من بعده هم خير من أوجب النصح للمسلمين على أنفسهم، جاعلين نصب أعينهم خدمة الاُمة في التوجيه الصحيح، والسير بهم فى طريق الهدى والرشاد، فكانت سيرتهم وحكمهم تدلّ على مدى اهتمامهم في أداء رسالتهم، وقد خاضوا غمرات المحن في سبيل تحقيق ذلك، فكانوا خير قادة للرشاد وأئمة للهدى. جرّبوا الحياة ومارسوها، وكلّ منهم واجه ظروفاً خاصة، وخاضوا معترك الحياة، فكانت أقوالهم وحكمهم خلاصة تجارب، وثمرة كفاح عانوه.

وكان للإمام الصادق (عليه السلام) تراث فكري وثروة كبيرة من الحكم الأخلاقية تعدّ فى الواقع أعظم أثر من آثار دعاة الإصلاح، وقادة الخير والرشاد فهو(عليه السلام)لا يهدأ لحظة عن الإرشاد إلى طاعة الله، ولا تفوته فرصة يرجو فيها تنظيم العلاقات الاجتماعية وتهذيب النفوس من كل ما يؤدّي إلى قطع تلك الروابط بين أفراد المجتمع. فكانت أقواله(عليه السلام) في كلّ مناسبة توجيهاً، ووصاياه في كل حين إرشاداً. أما إذا استخلص التعاليم واستصفى النظرات فإنّه(عليه السلام) يأتي بموجز من البيان وينطق بعبارات يسيرة ترقى الى أعلى مراتب الحكمة، وتسمو الى أرفع منازل الإيمان، ويتخلل منهجه(عليه السلام) في الدعوة والإرشاد بيان مشرق ويضمّه سياق التحكيم.

ولقد قدّمنا في أبحاثنا السابقة من هذا الكتاب بعض تلك الحكم، ونجد لزاماً علينا أن نزين هذا الجزء ببعض جواهر حكمه التي تضمّنت أهمّ النقاط الاجتماعية والخلقية، وكلّ ما يتعلق باُمور الفرد والمجتمع، فهو (عليه السلام) يعالج الاُمور بأسلوب يعجز القلم عن وصفه، وحكمة يتلعثم اللسان عن بيانها.

لقد عُرف (عليه السلام) بين الناس بكرم الأخلاق وصدق الحديث، وحسن المجالسة. وقد منحه الله سلامة الفطرة، وصفاء الحس، ونفاذ البصيرة وحسن البيان، فكان خير داعية للخير، ومرشد للهدى، يزدحم مجلسه بمختلف الطبقات والطوائف، وينتهلون من تعاليمه، ويتزودون من حكمه وأخلاقه، وقد وجدوا فيه المصلح الاجتماعي العظيم، والمرشد الديني الكبير.

إنّهم وجدوا فيه عالماً وإنساناً كاملاً، يهدي إلى الرشاد، ويدعو إلى سواء السبيل، وقد خرّجت مدرسته علماء أعلاماً ورجال إصلاح خدموا الإنسانية جمعاء خدمة لا تنكر.

إنّه (عليه السلام) لم يدّخر نصحاً عن أحد، ولم يأل جهداً في توجيه النصح لكلّ أحد، فتجد له في كلّ مناسبة قولاً، وفي كلّ مجال حكمة، ولكلّ مشكلة حلاًّ، وإنّ منهجه القويم وطابعه الأخلاقي ليظهران على كلّ كلمة نقلت عنه، وعلى كلّ أثر نسب إليه.

إنّ تلك الفكر الخوالد تتصف بصفة الشمول لجميع نواحي الحياة الإنسانية; وتوضّح للمسلم تعاليم دينه الصحيح، وهي تمتّ إلى واقع المسلمين فى كلّ عصر، وهي الدواء لأمراض المجتمع، والحلّ الصحيح لمشكلاته.

وهانحن نذكر هنا بعض حكمه ومواعظه، في اُمور متفرقة اقتبسناها من تلك الثروة العلمية، بدون شرح وتعليق، لأنّنا عزمنا على إبراز ماجمعناه من حكمه وتراثه الفكري على حدة، مع شرح يكشف معانيها، ويبين مرادها، ومن الله نستمد العون وهو ولي التوفيق.حِكَمه وأقواله* اتقوا الله واعدلوا، فإنّكم تعيبون على قوم لا يعدلون.* إياكم والخصومة فإنّها تشغل القلب، وتورث النفاق، وتكسب الضغائن، قال النبي(صلى الله عليه وآله): ماكاد جبرائيل يأتيني إلا قال: يامحمد، اتق شحناء الرجال، وعداوتهم.* أولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة، وأنقص الناس عقلاً من ظلم مَن دونه، ومن لم يصفح عمن اعتذر إليه.* إنّ من حقيقة الإيمان أن توثر الحقّ وإن ضرّك، على الباطل وإن نفعك.* احفظ لسانك تعز، ولا تمكّن الناس من قيادك فتذل رقبتك.* إياكم وسؤال الناس; فإنّه ذل في الدنيا وفقر تعجّلونه، وحساب طويل يوم القيامة.* اطلبوا العلم ولو بخوض اللجج، وشقّ المهج.* إذا أردت أن تختبر عقل الرجل في مجلس واحد فحدثه في خلال حديثك بما لا يكون، فإن أنكره فهو عاقل، وإن صدّقه فهو أحمق.* إنّ هذا العلم عليه قفل ومفتاحه السؤال.* إن يسلم الناس من ثلاثة أشياء كانت سلامة شاملة: لسان السوء، ويد السوء، وفعلالسوء.* العاقل من كان ذلولاً عند إجابة الحقّ، منصفاً بقوله جموحاً عند الباطل، يترك دنياه ولا يترك دينه، ودليل العاقل شيئان: صدق القول وصواب الفعل، والعاقل لا يتحدث بما ينكره العقل، ولا يتعرض للتهمة ولا يدع مداراة من ابتلي به، ويكون العلم دليله في أعماله، والحلم رفيقه في أحواله، والمعرفة تعينه في مذاهبه، والهوى عدوّ العقل ومخالف الحقّ، وقرين الباطل، وقوّة الهوى من الشهوة، وأصل علامات الشهوة أكل الحرام، والغفلة عن الفرائض والاستهانة بالسنن والخوض في الملاهي .* أحسنوا النظر فيما لا يسعكم جهله، وانصحوا لأنفسكم، وجاهدوها في طلب معرفة مالا عذر لكم في جهله، فإنّ لدين الله أركاناً لا ينفع من جهلها بشدة اجتهاده في طلب ظاهر عبادته، ولا يضر من عرفها فدان بها حسن اقتصاده، ولا سبيل لأحد إلى ذلك إلاّ بعون الله عزّ وجل.* إنّ السرف يورث الفقر وإنّ القصد يورث الغنى.* إذا بلغك عن أخيك ماتكرهه; فاطلب له من عذر واحد إلى سبعين عذراً، فإن لم تجد له عذراً فقل: لعلّ له عذراً لا أعرفه.* إنّ الله ارتضى لكم الإسلام ديناً فأحسنوا صحبته بالسخاء وحسن الخلق.* إنّ العمل الدائم القليل على يقين أفضل عند الله من العمل الكثير على غير يقين.* أحبّ اخواني إليّ من أهدى إليّ عيوبي.* إنّ سرعة ائتلاف قلوب الأبرار إذا التقوا وإن لم يظهروا التودد بألسنتهم، كسرعة اختلاط ماء السماء بماء الأنهار، وإنّ بعد ائتلاف قلوب الفجار إذا التقوا، وإن أظهروا التودد بألسنتهم كبعد البهائم من التعاطف، وإن طال ائتلافها على مذود واحد.* إياك ومخالطة السفلة فإنّ مخالطة السفلة لا تؤدي إلى خير.* إنّ مثل الدنيا كمثل ماء البحر كلما شرب العطشان منه ازداد عطشاً.*إن عيال الرجل اُسراؤه فمن أنعم عليه الله فليوسع على اُسرائه، فإن لم يفعل يوشك أن تزول تلك النعمة عنه.* اتقوا الله وصونوا دينكم بالورع.* اُنظر إلى من هو دونك في المقدرة، ولا تنظر إلى من هو فوقك، فإنّ ذلك أقنع لك بما قسم الله لك، وأحرى أن تستوجب الزيادة منه عزّ وجل، واعلم أنّ العمل الدائم القليل على اليقين أفضل عند الله من العمل الكثير على غير يقين، واعلم أنّه لا ورع أنفع من تجنب محارم الله، والكفّ عن أذى المؤمن، ولا مال أفضل من القناعة باليسير المجزي، ولا جهل أضر من العجب.* إنّ الغنى والعزّ يجولان فإذا ظفرا بموضع التوكل أوطناه.* ألا وإن أحبّ المؤمنين إلى الله من أعان المؤمن الفقير من الفقر في دنياه ومعاشه، ومن أعان ونفع ودفع المكروه عن المؤمنين.* إن صلة الرحم والبرّ ليهوّنان الحساب، ويعصمان من الذنب، فصلوا أرحامكم، وبرّوا إخوانكم، ولو بحسن الجواب ورد السلام.*احذروا سطوات الله بالليل والنهار فقيل له: وما سطوات الله؟ فقال: أخذه بالمعاصي.* إياك وخصلتين: الضجر والكسل، فإنك إن ضجرت لم تصبر على حقّ، وإن كسلت لم تؤد حقّه.* إياك والرياء، فإنّه من عمل لغير الله وكّله الله إلى من عمل له.* باشر كبار اُمورك بنفسك وكل ماصغر منها لغيرك.* البركة أسرع إلى البيت الذي يمتاز فيه المعروف من الشفرة إلى سنام البعير والسيل إلى منتهاه.* إياكم والخصومة في الدين، فإنّها تشغل القلب عن ذكر الله وتورث النفاق، وتكسب الضغائن، وتستجيز الكذب.* إنّما أعطاكم الله هذه الفضول من الأموال لتوجهوها حيث وجّهها الله عزّ وجل ولم يعطكموها لتكنزوها.* إذا بلغك عن أخيك شيء فلا تغتم، فإن كان كما يقول كانت عقوبة عجلت، وإن كان على غير ما يقول كانت حسنة لم تعملها.* إنّ أبغض خلق الله تعالى عبد اتقى الناس لسانه.* أيما أهل بيت اُعطوا حظهم من الرفق فقد وسع الله عليهم في الرزق، والرفق في تقدير المعيشة خير من سعة المال، والرفق لا يعجز عن شيء والتبذير لا يبقى معه شيء، إنّ الله عز وجل رفيق يحبّ الرفق.* اصنع المعروف إلى من هو أهله وإلى من ليس هو أهله، فإن لم يكن هو من أهله فكن أنت من أهله.* إنّ من عرف نعمة الله بقلبه; استوجب المزيد من الله قبل أن يظهر شكرها على لسانه.* تدخل يدك في فم التنين إلى المرفق خير لك من طلب الحوائج إلى من لم يكن له ثم كان.* ثلاثة لم يجعل الله لأحد من الناس فيهن رخصة: بر الوالدين، برين كانا أو فاجرين، والوفاء بالعهد للبر والفاجر، وأداء الأمانة للبر والفاجر.* تأخير التوبة اغترار، وطول التسويف حيرة، والاعتدال على الله هلكة، والاصرار على الذنب أمن من مكر الله، ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون.* ثلاثة من لم تكن فيه فلا يرجى خيره أبداً: من لم يخش الله في الغيب، ولم يرعوِ عند الشيب، ولم يستحِ من العيب.* تحتاج الأخوة فيما بينكم إلى ثلاثة أشياء فإن استعملتموها وإلا تباينتم وهي: التناصف، والتراحم، ونفي الحسد.* ثلاثة من استعملها أفسد دينه ودنياه: من أساء ظنه، وأمكن من سمعه وأعطى قياده حليلته.* ثلاثة تجب على السلطان للخاصة والعامة: مكافأة المحسن بالإحسان ليزدادوا رغبة فيه، وتغمد ذنوب المسيئين ليتوب ويرجع عن غيّه، وتألفهم جميعاً بالإحسان والإنصاف.* ثلاثة تدل على كرم المرء: حسن الخلق، وكظم الغيظ، وغض الطرف.* الجهل في ثلاث: الكبر والمراء والجهل بالله فأولئك هم الخاسرون.* حسن الظن بالله أن لا ترجو إلا الله ولا تخاف إلا ذنبك.* الحزم في ثلاث: الاستخدام للسلطان، والطاعة للوالد والخضوع للمولى.* الحياء والإيمان مقرونان فإذا ذهب أحدهما اتبعه الآخر.* خلّوا سبيل المعسر كما خلاه الله إشارة لقوله تعالى: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَة فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَة).* خفِ الله كأنّك تراه، وإن كنت لا تراه فإنّه يراك، وإن كنت ترى أنّه لا يراك فقد كفرت، وإن كنت تعلم أنّه يراك ثم بدرت له بالمعصية فقد جعلته من أهون الناظرين إليك.* خذ من حسن الخلق بطرف تروّج به أمرك، وتروّح به قلبك.* خير السادة أرحبهم ذراعاً عند الضيق، وأعدلهم حلماً عند الغضب، وأبسطهم وجهاً عند المسألة، وأرحمهم قلباً إذا سلط، وأكثرهم صفحاً إذا قدر.* الدَّين غم في الليل وذل في النهار.* داووا مرضاكم بالصدقة وادفعوا البلاء بالدعاء.* دراسة العلم لقاح المعرفة، وطول التجارب زيادة في العقل، والشرف والتقوى والقنوع راحة الأبدان.* رأيت المعروف لا يصلح إلا بثلاث خصال: تصغيره، وستره وتعجيله.فإنك إن صغرته عظمته عند من تصنعه إليه، وإذا سترته تممته، وإذا عجلته هنأته، فإذا فعلت غير ذلك سخفته ونكدته.* رأيت المعروف كاسمه، وليس شيء أفضل من المعروف إلا ثوابه وذلك يراد منه، وليس كلّ من يحب إلى الناس يصنعه، وليس كل من يرغب فيه يقدر عليه ولا كلّ من يقدر عليه يؤذن له فيه، وإذا اجتمعت الرغبة والقدرة فهناك تمت السعادة للطالب والمطلوب.*الرجال ثلاثة : عاقل وأحمق وفاجر. فالعاقل إن كلّم أجاب وإن نطق أصاب، وإن سمع وعى، والأحمق إن تكلم عجّل، وإن حمل على القبيح فعل، والفاجر إن ائتمنته خانك وإن حدثته شانك.*سرك من دمك فلا تجره في غير أوداجك.*ستة لا تفارقهم الكآبة : الحقود، والحسود، وفقير قريب العهد بالغنى وغني يخشى الفقر، وطالب رتبة يقصر عنها قدره، وجليس أهل الأدب وليس منهم.* سيد الأعمال ثلاثة: إنصاف الناس من نفسك، حتى لا ترضى بشيء إلا رضيت لهم مثله، ومواساة الأخ بالمال، وذكر الله على كلّ حال. ثم قال: ليس هو سبحان الله والحمد لله ولا إله الله والله أكبر فقط، ولكنّ إذا ورد عليك ما أمر الله به أخذت به وإذا ورد عليك شيء نهى الله عنه تركته.*الصفح الجميل: أن لا تعاقب على الذنب، والصبر الجميل الذي ليس فيه شكوى.*صلة الأرحام تحسن الخلق وتطيب النفس، وتزيد في الرزق، وتنسي الأجل.*صدرك أوسع لسرك.*الصلاة قربان كلّ تقي، والحج جهاد كلّ ضعيف، وزكاة البدن الصيام والداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر، واستنزلوا الرزق بالصدقة، وحصنوا أموالكم بالزكاة، وماعال من اقتصد، والتدبير نصف العيش، والتودد نصف العقل، وقلة العيال أحد اليسارين، ومن أحزن والديه فقد عقهما، ومن ضرب يده على فخذه عند مصيبة فقد حبط أجره، والصنيعة لا تكون صنيعة إلا عند ذي حسب ودين، والله تعالى منزل الصبر على قدر المصيبة، ومنزل الرزق على قدر المؤنة، ومن قدر معيشته رزقه الله، ومن بذر معيشته حرمه الله.* صلة الرحم تهون الحساب يوم القيامة وهي منسأة في العمر وتقي مصارع السوء.*صدقة يحبها الله: إصلاح بين الناس إذا تفاسدوا وتقارب إذا تباعدوا.*صلاح حال التعايش والتعاشر على مكيال، ثلثاه فطنة وثلث تغافل.*ضمنت لمن اقتصد أن لا يفتقر.*احذروا عواقب العثرات.*إنّ المؤمن أخو المؤمن، عينه ودليله، لا يخونه ولا يظلمه، ولا يغشه، ولا يعدّه عدة فيخلفه.*طلب الحوائج إلى الناس استلاب للعز ومذهبة للحياء، واليأس ممّا في أيدي الناس عزّ للمؤمن في دينه، والطمع هو الفقر الحاضر.*الطيرة على ما تجعلها إن هونتها تهونت، وإن شددتها تشدّدت، وإن لم تجعلها شيئاً لم تكن.*ما من أحد يتيه إلاّ لذلة يجدها في نفسه.*ما من أحد تكبر أو تجبر إلا لذلة وجدها في نفسه.*ما أقبح بالمؤمن من أن تكون له رغبة تذله.*إن المشورة لا تكون إلا بحدودها فمن عرفها بحدودها وإلا كانت مضرّتها على المستشير أكبر من نفعها:فأولها: أن يكون الذي تشاوره عاقلاً.والثانية : أن يكون حرّاً متديناً.والثالثة : أن يكون صديقاً مواخياً. والرابعة : أن تطلعه على سرك، فيكون علمه به كعلمك بنفسك، ثم يسر لك ويكتمه، فإنّه إذا كان عاقلا أنتفعت بمشورته، وإن كان حرّاً متديناً أجهد في النصيحة لك، وإذا كان صديقاً مواخياً كتم سرك إذا اطلعته عليه، وإذا اطلعته على سرّك فكان علمه به كعلمك به، فهناك تمت المشورة وكملت النصيحة.*الصداقة محدودة فمن لم تكن فيه تلك الحدود فلا تنسب إلى كمال الصداقة ومن لم يكن فيه شيء من تلك الحدود فلا تنسبه إلى شيء من الصداقة :أولها: أن تكون سريرته وعلانيته لك واحدة.الثانية : أن يزينك زينه ويشينك شينه.الثالثة : أن لا يغيره مال ولا ولاية.الرابعة : أن لا يمنعك شيئاً ممّا تصل إليه مقدرته.الخامسة : أن لا يسلمك عند النكبات.*طلبة العلم على ثلاثة اصناف: فاعرفهم بأعيانهم وصفاتهم: صنف يطلبه للجهل والمراء، وصنف يطلبه للإستطالة والختل. وصنف يطلبه للفقه والعقل.فصاحب الجهل والمراء متعرض للمقال في أندية الرجال يتذاكر العلم، وصفة الحلم، قد تسربل بالخشوع، وتخلّى عن الورع فدق الله من هذه خيشومه.وصاحب الاستطالة والختل: ذو خب وملق، يستطيل على مثله من أشباهه ويتواضع للأغنياء من دونه.وصاحب الفقه والعقل ذو كآبة وحزن يعمل ويخشى، وجلاً داعياً مشفقاً على شأنه، عارفاً بأهل زمانه، مستوحشاً من اوثق اخوانه.*طلبت الجنة فوجدتها في السخاء، وطلبت العافية فوجدتها في العزلة وطلبت ثقل الميزان فوجدته في شهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله.وطلبت سرعة الدخول إلى الجنة فوجدتها في العمل لله، وطلبت حبّ الموت فوجدته في تقديم المال لوجه الله، وطلبت حلاوة العبادة فوجدتها في ترك المعصية، وطلبت رقّة القلب فوجدتها في الجوع والعطش، وطلبت نور القلب فوجدته في التفكّر والبكاء، وطلبت الجواز على الصراط فوجدته في الصدقة، وطلبت نور الوجه فوجدته في صلاة الليل، وطلبت فضل الجهاد فوجدته في الكسب للعيال، وطلبت حبّ الله فوجدته في بغض أهل المعاصي، وطلبت الرياسة فوجدتها في النصيحة لعباد الله، وطلبت فراغ القلب فوجدته في قلة المال، وطلبت عزائم الأمور فوجدتها في الصبر، وطلبت الشرف فوجدته في العلم، وطلبت العبادة فوجدتها في الورع، وطلبت الراحة فوجدتها في الزهد، وطلبت الرفعة فوجدتها في التواضع، وطلبت العز فوجدته في الصدق، وطلبت الغنى فوجدته في القناعة، وطلبت الأنس فوجدته في قراءة القرآن، وطلبت رضا الله فوجدته في بر الوالدين.*إذا كان الله قد تكفّل بالرزق فاهتمامك لماذا؟ وإن كان الرزق مقسوماً فالحرص لماذا؟ وإذا كان الحساب حقّاً فالجمع لماذا؟ وإن كان الخلف من الله عز وجل حقاً فالبخل لماذا؟ وإن كانت العقوبة من الله عز وجل النار فالمعصية لماذا؟ وإن كان الموت حقاً فالفرح لماذا؟ وإن كان العرض على الله حقاً فالمكر لماذا؟ وإن كان الشيطان عدواً فالغفلة لماذا؟ وإن كان كلّ شيء بقضاء وقدر فالحزن لماذا؟ وإن كانت الدنيا فانية فالطمأنينة لماذا؟*إنّ أحقّ الناس بأنّ يتمنّى للناس الغنى البخلاء، لأنّ الناس إذا استغنوا كفوا عن أموالهم، وإنّ أحقّ الناس بأنّ يتمنى للناس الصلاح أهل العيوب، لأنّ الناس إذا صلحوا كفوا عن تتبع عيوبهم.وإنّ أحقّ الناس بأن يتمنى للناس الحلم أهل السفه الذين يحتاجون أن يعفى عن سفههم، فأصبح أهل البخل يتمنون فقر الناس، وأصبح أهل العيوب يتمنون معائب الناس، وأصبح أهل السفه يتمنون سفه الناس، وفي الفقر الحاجة إلى البخيل وفي الفساد طلب عورة أهل العيوب وفي السفه المكافأة بالذنوب.*العاقل لا يستخفّ بأحد، وأحقّ من لا يستخف به ثلاثة: العلماء، والسلطان، والإخوان، لأنّه من استخفّ بالعلماء أفسد دينه، ومن استخفّ بالسلطان أفسد دنياه، ومن استخفّ بالإخوان أفسد مروءته.*العافية نعمة خفية إذا وجدت نسيت وإذا عدمت ذكرت. *العدل أحلى من الماء يصيبه الظمآن.*العجب يُكلِم المحاسن، والحسد للصديق من سقم المودة، ولن تمنع الناس من عرضك إلا بما تنشر عليهم من فضلك.*العزّ أن تذل للحقّ إذا لزمك.*العادة على كلّ شيء سلطان.*عليك بالنصح لله في خلقه، فإنّك لن تلقاه بعمل أفضل منه.*ويل لقوم لا يدينون الله بالمعروف والنهي عن المنكر.*الغضب ممحقة لقلب الحليم، ومن لم يملك غضبه لم يملك عقله.*الغضب مفتاح كلّ شر.*فوت الحاجة خير من طلبها من غير أهلها، وأشد من المصيبة سوء الخلف منها.*من استشاره أخوه فلم يمحضه النصح سلبه الله رأيه.*لا تبد الشماتة لأخيك فيرحمه الله ويصيرها بك.*لو يعلم السائل ما عليه من الوزر ماسأل أحدٌ أحداً، ولو يعلم المسؤول إذا منع مامنع أحد أحداً.*لا تتبّع أخاك بعد القطيعة وقيعة فيه، فتسدّ عليه طريق الرجوع إليك، ولعلّ التجارب أن تردّه إليك.*لو علم سيّء الخلق أنّه يعذب نفسه لتسمح في خلقه.* لا تكن أول مشير، وإيّاك والرأي الفطير، وتجنّب ارتجال الكلام، ولا تشر على مستبد برأيه، ولا على وغد ولا على متلون، ولا على لجوج.* لا يزال العزّ قلقاً حتى يدخل داراً قد أيس أهلها من أيدي الناس.* ليس منا من لم يحسن مجاورة من جاوره.* البرّ وحسن الخلق يعمران الديار، ويزيدان في الأعمار، فقيل له: ما حدّ حسن الخلق؟

قال (عليه السلام): تلين جانبك وتطيب كلامك، وتلقى أخاك ببشر حسن.

وقال (عليه السلام) للمفضل بن عمر: أوصيك بست خصال. قال المفضل وما هي ياسيدي؟

قال (عليه السلام): أداء الأمانة إلى من ائتمنك، وأنّ ترضى لأخيك ماترضاه لنفسك، واعلم بأنّ للاُمور أواخر فاحذر العواقب، وإن للاُمور بغتات فكن على حذر، وإيّاك ومرتقى جبل سهل إذا كان المنحدر وعراً، ولا تعدن أخاك وعداً ليس في يدك وفاؤه.* ثلاثة لا يصيبون إلاّ خيراً: أولو الصمت، وتاركو الشر، والمكثرون من ذكر الله، ورأس الحزم التواضع.

فقيل له وما التواضع؟

قال (عليه السلام)أن ترضى من المجلس بدون شرفك، وأن تسلّم على من لقيت، وأنّ تترك المراء وإن كنت محقّاً.* خمس خصال من فقد منهن واحدة لم يزل ناقص العيش مشغول القلب: فأوّلها صحّة البدن، والثانية الأمن، والثالثة السعة في الرزق، والرابعة الأنيس الموافق، والخامسة: وهي تجمع هذه الخصال الدعة، فقيل له: وماالأنيس الموافق،قال : الزوجة الصالحة، والولد الصالح.* الكلام ثلاثة: صدق، وكذب، وإصلاح بين الناس.

فقيل له ما الإصلاح بين الناس؟

قال (عليه السلام): تسمع في الرجل كلاماً إن يبلغه فيخبت نفسه، فتلقاه وتقول: قد سمعت من فلان فيك من الخير كذا وكذا خلاف ما سمعت منه.* إنّ الخمر رأس كلّ إثم ومفتاح كلّ شر، وما عصي الله بشيء أشدّ من شرب المسكر.

فقال له الرجل: أصلحك الله، أشرب الخمر شرّ أم ترك الصلاة؟

قال (عليه السلام): شرب الخمر. ثم قال له: أو تدري لِم ذاك؟ قال: لا.

قال (عليه السلام): لأنّه - أي شارب الخمر ـ يصير في حال لا يعرف ربّه.* وسئل (عليه السلام): هل يكون المؤمن بغيضاً؟

قال: لا. ولا يكون ثقيلاً.* لعن الله قاطعي سبيل المعروف. قيل له: ومن قاطعو سبيل المعروف؟

قال (عليه السلام): الرجل يصنع إليه المعروف فيكفره فيمتنع صاحبه من أن يصنع ذلك إلى غيره.* لا يطعن ذو الكبر في الثناء الحسن، ولا الخب في كثرة الصديق، ولا السىّء الأدب في الشرف، ولا البخيل في صلة الرحم، ولا المستهزئ بالناس في صدق المودة، ولا القليل الفقه في القضاء، ولا المغتاب في السلامة، ولا الحسود في راحة القلب، ولا المعاقب على الذنب الصغير في السؤدد، ولا القليل التجربة المعجب برأية في الرياسة.* لا يصلح من لا يعقل، ولا يعقل من لا يعلم، والصدق عز، والجهل ذل، والفهم مجد، والجود نجح، وحسن الخلق مجلبة للمودة، والعالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس، والحزم مشكاة الظن، والعاقل غفور والجاهل ختور، وإن شئت أن تهان فاخشن، ومن كرم أصله لان قلبه، ومن خشن عنصره غلظ كبده، ومن فرط تورط، ومن خاف العاقبة تثبت.* لا غنى بالزوج عن ثلاثة فيما بينه وبين زوجته: الموافقة ليجتلب بها موافقتها ومحبتها وهواها. وحسن خلقه معها، واستعماله استمالة قلبها بالهيئة الحسنة في عينها وتوسعته عليها.ولا غنى للزوجة فيما بينها وبين زوجها عن ثلاث خصال وهن: صيانة نفسها من كلّ دنس حتى يطمئنّ قلبه إلى الثقة في حال المحبوب والمكروه. وحياطته ليكون ذلك عاطفاً عليها عند زلة تكون منها.وإظهار العشق له بالخلابة والهيئة الحسنة لها في عينه.* لا تتكلم فيما لا يعنيك ودع كثيراً من الكلام فيما يعنيك حتى تجد له موضعاً، فربّ متكلّم تكلّم بالحقّ بما يعنيه في غير موضعه فتعب، ولا تمارين سفيهاً ولا حليماً فإنّ الحليم يغلبك والسفيه يرديك، واذكر أخاك إذا تغيّب بأحسن ما تُحب أن يذكرك به إذا تغيبت عنه، واعمل عمل من يعلم أنّه مجزئ بالإحسان، مأخوذ بالإجرام.* ليس من أحد، وإن ساعدته الدنيا بمستخلص غضارة عيش إلاّ من خلال مكروه، ومن انتصر بمعاجلة الفرصة مواجلة سلبته الأيام فرصته، لأنّ من شأن الأيام السلب، وسبيل الزمن الفوت، ولا تحدث من تخاف أن يكذبك، ولا تسأل من تخاف أن يمنعك، ولا تأمن من تخاف أن يغدر بك، ومن لم يواخِ من لا عيب فيه قل صديقه، ومن لم يرض من صديقه إلاّ بإيثاره إيّاه على نفسه دام سخطه، ومن عاتب على كلّ ذنب كثر تعبه.* لا تغرنّك الناس من نفسك فإنّ الأمر يصل إليك دونهم، ولا تقطع النهار عنك بكذا وكذا فإنّ معك من يحصي عليك، ولا تستصغرن حسنة تعملها فإنّك تراها حيث تسرك، ولا تستصغرنّ سيئة تعملها فإنّك تراها حيث تسوؤك، وأحسن فإني لم أر شيئاً أشدّ طلباً ولا أسرع دركاً من حسنة محدثة لذنب قديم.* لا تعتدّ بمودة أحد حتى تغضبه ثلاث مرات.* لا تثقنّ بأخيك كلّ الثقة فإن سرعة الاسترسال لا تقال.* ليس لك أن تأمن الخائن وقد جرّبته وليس لك أن تتّهم من ائتمنت.* ليس لملول صديق، ولا لحسود غنى، وكثرة النظر في الحكمة تلقّح العقل.* ليس الإيمان بالتحلّي ولا بالتمنّي، ولكنّ الإيمان ما خلص في القلوب وصدّقته الأعمال.* ليس فيما أصلح البدن إسراف.* كفى بالمرء إثماً أن يضيّع من يعول فيه.* كفارة عمل السلطان قضاء حاجات الإخوان.* كفى بالحلم ناصراً.* كسب الحرام يبين في الذرية.* من سعادة الرجل أن يكون القيّم على عياله.* من أمل أحداً هابه ومن قصر عن شيء عابه.* من صدق لسانه زكا عمله، ومن حسنت نيته زيد في رزقه، ومن حسن بره بأهل بيته مد في عمره.* من حقّ أخيك أن تحمل له الظلم في ثلاثة مواقف: عند الغضب، وعند الذلة، وعند السهو.* لا يستكمل عبد حقيقة الإيمان حتى تكون فيه خصال ثلاث: الفقه في الدين، وحسن التقدير في المعيشة، والصبر على الرزايا.* لا يبلغ أحدكم حقيقة الإيمان حتى يحبّ أبعد الخلق منه في الله ويبغض أقرب الخلق منه في الله.* لا تكون مؤمناً حتى تكون خائفاً راجياً، ولا تكون خائفاً راجياً حتى تكون شاملاً لما تخاف وترجو.* لا يكون الرجل من المتّقين حتى يحاسب نفسه أشدّ من محاسبة الشريك شريكه فيعلم من أين مطعمه، ومن أين ملبسه أمن حلال أم من حرام؟* من أوثق عُرى الإيمان أن تحبّ في الله وتبغض في الله، وتعطي في الله وتمنع في الله.* من صحة يقين المرء المسلم أن لا يرضي الناس بسخط الله، ولا يحسدهم على ما آتاهم الله ولا يلومهم على ما لم يؤته الله; فإنّ رزقه لا يسوقه حرص حريص، ولا يرده كره كاره، ولو أنّ أحدكم فرّ من رزقه كما يفرّ من الموت لأدركه رزقه كما يدركه الموت.* من لم يحبّ على الدين ولا يبغض على الدين فلا دين له.* ينبغي للمؤمن أن يكون فيه ثمان خصال: وقور عند الهزاهز، صبور عند البلاء، شكور عند الرخاء، قانع بما رزقه الله، لا يظلم الأعداء، ولا يتحمل الأصدقاء، بدنه منه في تعب والناس منه في راحة.* يحقّ على المسلمين الاجتهاد في التواصل، والتعاون، والتعاطف، والمواساة لأهل الحاجة وتعاطف بعضهم على بعض.* يا شيعة آل محمد، إنّه ليس منا من لم يملك نفسه عند الغضب، ولم يحسن صحبة من صحبه، ومرافقة من رافقه، ومصالحة من صالحه، ومخالفة من خالفه. يا شيعة آل محمد، اتقوا الله ما استطعتم، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم.* المغرور في الدنيا مسكين وفي الآخرة مغبون، لأنّه باع الأفضل بالأدنى، ولا تعجب من نفسك فربّما اغتررت بمالك وصحة جسدك لعلّك تبقى، وربّما اغتررت بطول عمرك وأولادك وأصحابك لعلّك تنجو بهم، وربما اغتررت بجمالك وإصابتك مأمولك وهواك فظننت أنّك صادق ومصيب، وربّما اغتررت بما ترى من الندم على تقصيرك في العبادة، ولعلّ الله يعلم من قلبك بخلاف ذلك، وربّما أقمت نفسك على العبادة متكلّفاً والله يريد الإخلاص، وربّما توهمت أنّك تدعو الله وأنت تدعو سواه، وربّما حسبت أنّك ناصح للخلق وأنت تريدهم لنفسك، وربما ذممت نفسك وأنت تمدحها على الحقيقة.* إنّ الله خبّأ ثلاثاً في ثلاث : رضاه في طاعته فلا تحتقروا منها شيئاً فلعلّ رضاه فيه، وغضبه في معاصيه فلا تحتقروا شيئاً فلعلّ غضبه فيه، وخبّأ ولايته في عباده، فلا تحتقروا منهم أحداً فلعله وليّ الله.* إذا استقبلت القبلة فآيس من الدنيا وما فيها، والخلق وماهم فيه، واستفرغ قلبك من كل شاغل يشغلك عن ذكر الله، وعاين بسرك عظمة الله عز وجل، واذكر وقوفك بين يديه قال تعالى: (هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحقّ) وقف على قدم الخوف والرجاء.* لا ينبغي للمؤمن أن يجلس مجلساً يعصى الله فيه ولا يقدر على تغيره، ومن ابتلي بحضور طعام ظالم إكراهاً وتقية، فليقلل الأكل ولا يأكل أطايب الأطعمة.*المؤمن هو الذي إذا غضب لم يخرجه غضبه من حقّ، وإذا رضي لم يدخله رضاه في باطل، والذي لم يأخذ أكثر ممّا له.* الصمت كنز وافر وزين الحليم وستر الجاهل.* قلّة الصبر فضيحة.* كلّ ذي صناعة مضطر إلى ثلاث خلال يجتلب بها المكسب: أن يكون حاذقاً بعمله، مؤدياً للأمانة فيه، مستميلا لمن استعمله.* كم من مغرور بما أنعم الله عليه، وكم من مستدرج يستر الله عليه، وكم من مفتون بثناء الناس عليه.* من ائتمن خائناً على أمانة لم يكن له على الله ضمان.* من دعا الناس إلى نفسه وفيهم من هو أعلم منه فهو مبتدع ضال.* من زرع العداوة حصد ما بذر.* من أخلاق الجاهل: الإجابة قبل أن يسمع، والمعارضة قبل أن يفهم، والحكم بما لم يعلم.* من سأل من غير حاجة فكأنما يأكل الجمر.* إياك وملاحات الشعراء فإنّهم يضنون بالمدح ويجودون بالهجاء.* الأدب عند الأحمق كالماء العذب في اُصول الحنظل، كلّما ازداد ريّاً ازداد مرارة.* من عظمت نعمة الله عليه اشتدّت مؤنة الناس إليه.* إنّ الله يحبّ معالي الاُمور ويكره سفاسفها.* دعامة الإنسان العقل، وبالعقل يكمل، وهو دليله ومبصره ومفتاح أمره.* ثلاثة يجب على كلّ إنسان تجنّبها: مقارنة الأشرار، ومحادثة النساء، ومجالسة أهل البدع.* القضاة أربعة: قاض قضى بالحقّ وهو لا يعلم أنّه الحقّ فهو في النار، وقاض قضى بالباطل وهو لا يعلم أنّه باطل فهو في النار، وقاض قضى بالباطل، وهو يعلم أنّه باطل فهو في النار، وقاض قضى بالحقّ وهو يعلم أنّه الحقّ فهو في الجنة.* مامن مظلمة أشدّ من مظلمة لا يجد صاحبها عليها عوناً إلاّ الله.* من عذر ظالماً بظلمه سلّط الله عليه من يظلمه، وإن دعا لم يستجب له ولم يؤجره الله على ظلامته.* من يفعل الشر بالناس فلا ينكر الشر إذا فعل به.* من أعان على قتل مؤمن ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله.* من ولي شيئاً من اُمور المسلمين وضيّعه ضيّعه الله.* من ظلم مظلمة اُخذ بها في نفسه أو في ماله أو في ولده.* من كان الحزم حارسه والصدق جليسه; عظمت بهجته وتمّت مروّته. ومن كان الهوى مالكه والعجز راحلته، عاقاه عن السلامة وأسلماه إلى الهلكة.* ثلاثة يحتاج إليها الناس طراً: الأمن، والعدل، والخصب.* ثلاثة تكدّر العيش: السلطان الجائر، وجار السوء، والمرأة البذية.* إذا أراد الله برعية خيراً، جعل لهم سلطاناً رحيماً ووزيراً عادلاً.* من لم يهتم بأمر المسلمين فليس بمسلم. إن رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: من أصبح لا يهتم باُمور المسلمين فليس منهم، ومن سمع رجلاً ينادي يا للمسلمين فلم يجبه فليس بمسلم!* إيّاكم وظلم من لا يجد عليكم ناصراً إلاّ الله.* العامل بالظلم والمعين له والراضي به كلّهم شركاء.* اتقوا الظلم فإنّ دعوة المظلوم تصعد إلى السماء.* إنّ الإمامة لا تصلح إلا لرجل فيه ثلاث خصال: ورع يحجزه عن المحارم، وحلم يملك به غضبه، وحسن الخلافة على من ولي حتى يكون له كالوالد الرحيم.* وجدنا بطانة السلطان ثلاث طبقات: طبقة موافقة للخير وهى بركة عليها وعلى الرعية. وطبقة غايتها المحاماة على مافي أيديها فتلك لا محمودة ولا مذمومة، بل هي إلى الذم أقرب. وطبقة موافقة للشر وهي مشؤومة مذمومة عليها وعلى السلطان.* نجوى العارفين تدور على ثلاثة: الخوف، والرجاء، والحبّ.فالخوف فرع العلم، والرجاء فرع اليقين، والحبّ فرع المعرفة، فدليل الخوف الهرب، ودليل الرجاء الطلب، ودليل الحبّ إيثار المحبوب على ما سواه، فإذا تحقق العلم بالصدر خاف، وإذا صح الخوف هرب وإذا هرب نجا.* المعروف زكاة النعم، والشفاعة زكاة الجاه، والعلل زكاة الأبدان، والعفو زكاة الظفر، وما أديت زكاته فهو مأمون السلب.* لو أنّ الناس أدّوا زكاة أموالهم ما بقي مسلم فقيراً محتاجاً.* إنّ من بقاء المسلمين والإسلام أن تصير الأموال عند من يعرف حقَّها، ويصنع فيها المعروف، وإنّ من فناء الإسلام والمسلمين أن تصير الأموال في أيدي من لا يعرف فيها الحقّ، ولا يصنع فيها المعروف.* إنّما أعطاكم الله هذه الفضول من الأموال لتوجهوها حيث وجهها الله، ولم يعطكموها لتكنزوها.* إنّما وضعت الزكاة اختباراً للأغنياء، ومعونة للفقراء، ولو أنّ الناس أدّوا زكاة أموالهم ما بقي مسلم فقيراً محتاجاً، ولا مستغن بما فرض الله بأنّ عليه.وإنّ الناس ما افتقروا ولا احتاجوا ولا جاعوا إلا بذنوب الأغنياء، وحقيق على الله بأنّ أن يمنع رحمته ممّن منع حقّ الله في ماله، وأقسم بالله الذي خلق الخلق وبسط الرزق، أنّه ما ضاع مال في بر ولا في بحر إلا بترك الزكاة، وأنّ أحبّ الناس إلى الله عزّ وجل أسخاهم كفاً، وأسخى الناس من أدى زكاة ماله، ولم يبخل على المؤمن بما افترض الله عز وجل لهم في ماله.* من وقف نفسه موقف التهمة فلا يلومنّ من أساء الظن به. ومن كتم سرّه كانت الخيرة بيده، وكل حديث جاوز اثنين فاش، وضع أمر أخيك على أحسنه، ولا تطلبنّ بكلمة خرجت من أخيك سوءاً وأنت تجد في الخير لها محملاً، وعليك بإخوان الصدق فإنّهم عدّة عند الرخاء، وجنّة عند البلاء، وشاور في حديثك الذين يخافون الله وأحبّ الأخوان على قدر التقوى، واتقّ خيار النساء وكن من شرارهن على حذر، وإن أمرن بكم في المعروف فخالفوهنّ حتى لا يطمعن منكم في المنكر.

هذا عرض موجز لحكميات الإمام أبي عبدالله جعفر بن محمد الصادق(عليه السلام)انتزعناها من الكتاب الذي أعددناه لجمع تراثه الفكري، وأسميناه (بالاُسس التربوية)(126).

حِكَمه تعاليم إسلامية

ومن المؤسف أنّ هذه الحِكَم لا تزال مبعثرة في بطون الكتب، هنا وهناك، ولم نجد من تصدّى لجمعها وشرح غوامضها، فهي غذاء روحي، ورصيد ضخم من الأخلاق، والثقافة، والآداب، ولابدّ لكلّ منصف أن يعترف بأهميّة ذلك، وعسى أن يأتي اليوم الذي تبرز فيه هذه الآثار، بالصورة المطلوبة لتكون منهجاً أخلاقياً، يعتزّ المسلمون به وتكون موضع اهتمام وتقدير.

وهذه الفصول التي أوردناها هي بعض من ذلك الرصيد الضخم، وجزء من ذلك التراث القيم، فإنّا ذكرناها لا على سبيل الحصر بل في معرض التمثيل عمّا يكشف لنا وجهة نظره في كثير من قضايا الإنسان والمجتمع.

وقد رأينا كيف كان حرصه على معالجة المشاكل الاجتماعية، وبأيّ طريقة يحاول أن يصلح النفوس، ويحارب العادات المضرّة ويدعو إلى اعتناق الفضائل.

إنّه (عليه السلام) يصوّر لنا أحوال النفس الإنسانية في جميع حالاتها، ويكشف لنا ما يكمن فيها من عقد وانفعالات، ويجعل لها حدوداً ومقاييس في حالة اطمئنانها وقلقها، ورضاها، وغضبها، وخوفها، وأمنها. فإصلاحها صعب إذا لم تتخذ الطرق الناجحة لذلك، وقد بيّنها في كثير من تعاليمه.

وعلى كلّ حال فإنّ هذه الحكم التي يقرّها العقل، ويرتاح لها الضمير الحر، ويعترف بها الوجدان، ويشهد لها الواقع. هي خلاصة تعاليم إسلامية تهدف إلى سعادة الإنسان في حياته، وبعد مماته، والإمام الصادق (عليه السلام) يرسل هذه النصائح لجميع المسلمين، ويضعها بين يدي الأحفاد، كما وضعها بين يدي الآباء والأجداد، فهو ناصح يرسل عظاته عبر الدهور معلّماً وفيصلاً بين الحقّ والباطل.

إنّه (عليه السلام) من أعظم الشخصيات التي أدّت واجبها ومثّلت دورها في الدعوة إلى الله، فبرزت في معترك الحياة ببطولة تبعث في نفوس الاُمة قوّة الإيمان، وصحّة العقيدة، والإقدام على التضحية.

إنّه (عليه السلام) يريد أن يعالج تلك المشاكل التي كان يموج بها العالم الإسلامي في عصره على ضوء ما جاء في الإسلام من مبادئه القويمة، وتعاليمه السمحة.

فكان يدعو الناس إلى التسلّح بالقوى المعنوية، التي لا تقف أمامها أيّ قوّة، إنّ الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر أعظم قوّة تضمن للاُمة النصر والنجاح فإنّ المؤمن قوّي القلب، قويّ الإرادة، واثق بنصر الله وتأييده، فهو الذي يذلّل له كلّ صعب، ويهون عليه كلّ خطب، وبه يستطيع الإنسان أن يتغلّب على شهواته، وميوله ونزعاته، وينشأ عن ذلك الإيثار والمحبّة، والتضحية، ونكران الذات، والتفاني في صالح المجتمع وكل فضيلة يتحلّى بها الفرد المسلم.

والإيمان بالله يجعل في نفوس المؤمنين وعياً، يبعثهم على محاربة الرذيلة بشتّى أنواعها، وبالوعي الإسلامي يزول خطر العابثين بمقدّرات الاُمة، كما أنّ فقدانه يعرّضها لكلّ خطر، ويجعلها فريسة لكل طامع وخاضعة لكلّ متسلّط ومدفوعة في أمواج الفتن وتيّارات الآراء، فلا تمييز بين الحقّ والباطل والضارّ والنافع.

جهاده ودفاعه عن الإسلام

وعلى أيّ حال: فإنّ الإمام الصادق (عليه السلام) كان من أعظم الشخصيات الإسلامية، التي خدمت الاُمة بنشر العلم، وبثّ روح الفضيلة، وحثّ الناس على التمسك بمبادئ الإسلام التي تكفل للإنسانية سعادتها، وتحريرها من قيود الاستغلال والعبودية.

وإنّ الظروف التي تحيط بالشخصيات التاريخية هي الشاهد على ما تتمتع به وما تمتاز، ولقد كانت الأحداث التي واجهها الإمام الصادق، والظروف التي مرّ بها صعبة ومرّة تمكّن(عليه السلام) من اجتيازها بمنهج ثابت وخطّة قويمة حفظت للاُمة جوهر مبادئها ولباب عقائدها.

وقد حارب الخرافات والأوهام، والمعتقدات الخبيثة، وحفر لها قبوراً بمعاول الحقّ.

كان الناس ينظرون إليه نظرة إجلال وإكبار، لما منحه الله من فضل القربى، وشرف المحتد، وطهارة النفس، وقوّة الإدراك، وصدق الحديث، والفقه في الدين، والعمل بطاعة الله، والدعوة إلى الحقّ، ومجانبة الباطل، ومحاربة الظالمين، وكانت مدرسته أعظم جامعة إسلامية، يقصدها طلاب العلم من مختلف الجهات، وقد أخذ على عاتقه أداء الرسالة الملقاة على كاهله، في توجيه الناس توجيهاً صحيحاً، وسلك بهم طريق الاستقامة والتماسك، ونحا ناحية الأخلاق والتهذيب، على ضوء تعاليم الإسلام، فكانت له شهرة علمية تتحدّث بها الركبان، ونفوذ روحي يخضع له العدو والصديق.

ولقد عظم ذلك على الحكام الذين أرادوا إخماد الشعور بجرائمهم، والسكوت عن معارضتهم، بما ارتكبوه من العبث بكرامة الإنسانية، وإهدار القيم الرفيعة، ولا يريدون أن يرتفع صوت الاستنكار على أعمالهم،لأنّهم يدّعون أنّهم أئمة عدل، وأنصار حقّ، ولهم أهلية وراثة النبي، والاختصاص بسلطانه، والواقع أنّهم على خلاف ما يدّعون، ولكنّهم يريدون إغراء البسطاء من الناس.

لقد عظم عليهم مركز الإمام الصادق (عليه السلام) وكانت شخصيته تثير مخاوفهم، ولم يستطيعوا أن يؤاخذوه بما يبرر لهم الانتقام منه، والانتفاضة عليه، وقد التجأ المنصور إلى خلق اتهّامات وتزوير كتب، يحاول من ورائها أن يفسح له المجال في الوقيعة فيه، ولكنّ محاولته باءت بالفشل وسعيه بالخسران.

وهكذا بقي (عليه السلام) عرضة للخطر، ولكنّه مؤمن بالله فلا يخشى من دونه أحداً.

وفي ذلك العصر المضطرب بدأ التنازع بين الدين والفلسفة، وبين الإسلام والعقائد التي جاء الإسلام لمحاربتها، وظهرت بوادر الجدل العقلي وعلم الكلام، فكان موقفه من تلك التيارات وسط ذلك النزاع والجدل موقف العالم المناضل عن الدين، والمدافع القوي بحجّته ووضوح برهانه، الراجح في عقله واستدلاله يدافع عن الإسلام بما يقرّه العلم الصحيح، ويخضع له العقل السليم، ويرتاح له الضمير، ويدلي بآرائه على خصومه، بمنطق يدخل إلى آذان سامعيه; فينفذ إلى قلوبهم، فلا يجدون بُداً من التسليم لقوله الحقّ ومنطقه الصائب.

فكان (عليه السلام) لا يجارى في استدلال، ولا يغلب في برهان، بل كان هو المتفوّق والسابق في كلّ مضمار.

وقد شعر دعاة الإلحاد بخطر موقفه لردّ كلّ شبهة، ومحاربة كلّ فكرة من طريق العلم والمنطق فعظم عليهم ذلك، ونظروا إليه نظرة ملؤها غضب وحقد، وحاولوا أن يقفوا في طريق دعوته الإصلاحية كما وقف هو (عليه السلام) في طريق نشر مبادئهم الإلحادية، وتوصّلوا إلى حل ناجح وهو انضمام بعض دعاة الإلحاد إلى مدرسته، وادّعاء حبّ أهل البيت (عليهم السلام) لكي يفسدوا بذلك بعض الاُمور بروايتهم عنه وكذبهم عليه، وارتكابهم اُموراً لا تتفق مع مبادئ الإسلام.

وبهذا يلزمنا أن نشير إلى مشكلة الغلاة في عصره. ونودّ هنا أن نستعرض حركة الغلاة ونشأتها، وتطورها، لنقف على العوامل التي جعلت الكثير من المؤرخين والكتاب يذهبون إلى وجود العلاقة بينهم وبين شيعة أهل البيت(عليهم السلام)، بل ذهب البعض إلى وصف الشيعة بالغلوّ، وكلّ ذلك ناشئ عن التجنّي على الحقائق، والبعد عن الواقع. فليس بين الشيعة وبين الغلاة رابطة تجمعهم، وما تلك التهم إلاّ من أغراض السياسة العمياء التي تريد تشويه الحقائق، وقلب الأوضاع، واتّهام الأبرياء.

وقد التجأت هنا إلى ذكر مشكلة الغلاة ودوافع حملها على المذهب الشيعي بعد أن أشرت لها في الجزء الأول، لأنّي وقفت على عبارات لبعض المؤلّفين; وقد وصفوا الشيعة بأوصاف يندى لها الجبين، ويحترق لها قلب المسلم الحريص على جمع كلمة الإسلام، في عصر يجب أن تتوحّد الكلمة فيه، وتزول الضغائن والأحقاد التي خلقتها النعرات الطائفية الأولى، والتي يقدح زنادها أعداء الإسلام، الذين يريدون أن يفرّقوا الصفوف، لتحقيق آمالهم عندما اندسوا في صفوف المسلمين.

ومن العجب أن يبدو هذا التهجم الشائن ممّن يدعي المعرفة، ويتزيا بزي العلم، وقد دلّت أقواله على ما تنطوي عليه نفسه من الخبث والجشع، وقلة المعرفة بالاُمور، إنّه العار وإنه الدمار أن تبتلى الاُمة الإسلامية بأمثال هؤلاء الذين قدموا أنفسهم لخدمة أعداء الدين.

وعلى كلّ حال فإنّا نحاول بهذه الدراسة السريعة عن حركة الغلاة في عصر الإمام الصادق (عليه السلام)، أن نوفق لإقناع من استساغ الطعن على الشيعة، بوصفهم في الغلوّ ودعوى التأليه لأهل البيت(عليهم السلام) وما ذلك إلاّ تخرّصاً وتقوّلاً وافتراءً وتزويراً، وسيقف القارئ الكريم على موقف أهل البيت(عليهم السلام) وشيعتهم من الغلاة وبراءتهم منهم ممّا لا يدع مجالاً لمتقوّل، ولا طريقاً لمفرّق.

والله نسأل أن يمدّنا بالتوفيق وعليه الاتكال.

 

(1) انظر جامع مسانيد أبي حنيفة ج 1 ص 15.

(2) الديباج المذهب ص 50.

(3) مناقب ابن شهر آشوب ج 4 ص 269 .

(4) مناقب الشافعي للبيهقي ج 1 ص 29 - 30.

(5) ذيل طبقات الحنابلة ج 1 ص 137.

(6) طبقات الحنابلة ج 1 ص 407.

(7) رسالة الإنصاف للدهلوي ص 17.

(8) البداية والنهاية ج 12 ص 187.

(9) شذرات الذهب ج 4 ص 224.

(10) العقد الفريد ج 3 ص 287.

(11) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ج13 ص146، رقم 7127، وضوء النبي للشهرستاني ج1 ص457.

(12) تاريخ الشعر العربي ج 1 ص 113.

(13) لقد ظهرت مسرحية عبدالله بن سبأ على مسرح الأوهام، لينظر إليها ضعفاء النفوس كأنّها حقيقة لا تقبل النقاش، وما هي إلاّ من مهازل التاريخ، وعجائب الزمن، وخرافة يكذبها الوجدان، ويندى منها جبين الإنسانية.

إنّها اُس