بين أحد والأحزاب

[غزوة الرجيع‏]

ثم كانت غزوة الرجيع، بعث رسول الله (ص) مرثد بن أبي مرثد الغنوي حليف حمزة، وخالد بن البكير، وعاصم بن ثابت بن الأفلج، وخبيب بن عدي، وزيد بن دثنة، وعبد الله بن طارق، وأمير القوم مرثد لما قدم عليه رهط من عضل والديش وقالوا: ابعث معنا نفرا من قومك يعلموننا القرآن ويفقهوننا في الدين، فخرجوا مع القوم إلى بطن الرجيع وهو ماء لهذيل. فقتلهم حي من هذيل يقال لهم: بنو لحيان، واصيبوا جميعا. وذكر ابن اسحاق: أن هذيلا حين قتلت عاصم بن ثابت أرادوا رأسه‏ ليبيعوه من سلافة بنت سعد، وقد كانت نذرت حين اصيب ابناها باحد لئن قدرت على رأسه لتشربن في قحفه الخمر فمنعتهم الدبر، فلما حالت بينهم وبينه قالوا: دعوه حتى نمسي فتذهب عنه. فبعث الله الوادي فاحتمل عاصما فذهب به، وقد كان عاصم أعطى الله عهدا أن لا يمس مشركا ولا يمسه مشرك أبدا في حياته، فمنعه الله بعد وفاته مما امتنع منه في حياته.

[غزوة بئر معونة]

ثم كانت غزوة بئر معونة على رأس أربعة أشهر من احد، وذلك أن أبا براء عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنة قدم على رسول الله (ص) بالمدينة فعرض عليه الإسلام فلم يسلم، وقال: يا محمد إن بعثت رجالا إلى أهل نجد يدعونهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك. فقال: أخشى عليهم أهل نجد. فقال أبو براء: أنا لهم جار. فبعث رسول الله (ص) المنذر بن عمرو في بضعة وعشرين رجلا، وقيل: في أربعين رجلا، وقيل: في سبعين رجلا من خيار المسلمين، منهم: الحارث ابن الصمة، وحرام بن ملحان، وعامر بن فهيرة. فساروا حتى نزلوا بئر معونة وهي بين أرض بني عامر وحرة بني سليم, فلما نزلوها بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله (ص) إلى عامر بن الطفيل، فلما أتاه لم ينظر [عامر] في كتابه حتى عدا على الرجل فقتله، فقال: الله أكبر فزت‏ ورب الكعبة. ثم دعا بني عامر إلى قتالهم فأبوا أن يجيبوه وقالوا: لا نخفر أبا براء، فاستصرخ قبائل من بني سليم: عصية ورعلا وذكوان، وهم الذين قنت عليهم النبي (ص) ولعنهم، فأجابوه وأحاطوا بالقوم في رحالهم، فلما رأوهم أخذوا أسيافهم وقاتلوا القوم حتى قتلوا عن آخرهم. وكان في سرح القوم عمرو بن امية الضمري ورجل من الأنصار، فلم يكن ينبئهما بمصاب القوم إلا الطير تحوم على العسكر، فقالا: والله إن لهذا الطير لشأنا، فاقبلا لينظرا فإذا القوم في دمائهم، فقال الأنصاري لعمرو: ما ترى؟ قال: أرى أن نلحق برسول الله (ص) فنخبره الخبر، فقال الأنصاري: لكني لم أكن لأرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو، فقاتل القوم حتى قتل، ورجع عمرو إلى المدينة فأخبر رسول الله (ص) فقال: هذا عمل أبي براء، قد كنت لهذا كارها. فبلغ ذلك أبا براء، فشق عليه إخفار عامر إياه وما أصاب من أصحاب رسول الله (ص)، ونزل به الموت. فحمل ربيعة بن أبي براء على عامر بن الطفيل وطعنه وهو في نادي قومه فأخطأ مقاتله وأصاب فخذه، فقال عامر: هذا عمل عمي أبي براء، إن مت فدمي لعمي لا تطلبوه به، وإن اعش فسأرى فيه رأيي.

[غزوة بني النضير]

ثم كانت غزوة بني النضير، وذلك أن رسول الله (ص) مشى إلى كعب بن الأشرف يستقرضه فقال: مرحبا بك يا أبا القاسم وأهلا. فجلس رسول الله (ص) وأصحابه وقام كأنه يصنع لهم طعاما، وحدث نفسه أن يقتل رسول الله (ص)، فنزل جبرئيل (ع) وأخبره بما هم به القوم من الغدر، فقام (ص) كأنه يقضي حاجة، وعرف أنهم لا يقتلون أصحابه وهو حي، فأخذ (ص) الطريق نحو المدينة، فاستقبله بعض أصحاب كعب الذين كان أرسل إليهم يستعين بهم على رسول الله، فأخبر كعبا بذلك، فسار المسلمون راجعين. فقال عبد الله بن صوريا وكان أعلم اليهود: والله إن ربه اطلعه على ما أردتموه من الغدر، وما يأتيكم والله أول ما يأتيكم إلا رسول محمد يأمركم عنه بالجلاء، فأطيعوني في خصلتين لا خير في الثالثة: أن تسلموا فتأمنوا على دياركم وأموالكم، وإلا فإنه يأتيكم من يقول لكم: اخرجوا من دياركم. فقالوا: هذه أحب إلينا. قال: أما إن الاولى خير لكم منها، ولو لا أني أفضحكم لأسلمت. ثم بعث (ص)‏ محمد بن مسلمة إليهم يأمرهم بالرحيل والجلاء عن ديارهم وأموالهم، وأمره أن يؤجلهم في الجلاء ثلاث ليال.

[غزوة بني لحيان‏]

ثم كانت غزوة بني لحيان، وهي الغزوة التي صلى فيها صلاة الخوف بعسفان حين أتاه الخبر من السماء بما هم به المشركون. وقيل: إن هذه‏ الغزوة كانت بعد غزوة بني قريظة.

[غزوة ذات الرقاع‏]

ثم كانت غزوة ذات الرقاع بعد غزوة بني النضير بشهرين. قال البخاري: إنها كانت بعد خيبر، لقي بها جمعا من غطفان، ولم يكن بينهما حرب، وقد خاف الناس بعضهم بعضا حتى صلى رسول الله (ص) صلاة الخوف ثم انصرف بالناس. وقيل: إنما سميت ذات الرقاع لأنه جبل فيه بقع حمرة وسواد وبياض فسمي ذات الرقاع. وقيل: إنما سميت بذلك لأن أقدامهم نقبت فيها، فكانوا يلفون على أرجلهم الخرق. وكان (ص) على شفير واد نزل أصحابه على الغدوة الاخرى من الوادي، فهم كذلك إذ أقبل سيل، فحال بينه وبين أصحابه، فرآه رجل من المشركين يقال له: غورث، فقال لقومه: أنا أقتل لكم محمدا. فأخذ سيفه ونحا نحوه وقال: من ينجيك مني يا محمد؟ قال: ويلك، ينجيني ربي. فسقط على ظهره، فأخذ رسول الله (ص) سيفه وجلس على صدره ثم قال: من ينجيك مني يا غورث؟. قال: جودك وكرمك يا محمد. فتركه، فقام وهو يقول: والله لأنت أكرم‏.

[غزوة بدر الأخيرة]

ثم كانت غزوة بدر الأخيرة في شعبان. خرج رسول الله (ص) إلى بدر لميعاد أبي سفيان، فأقام عليها ثمان ليال، وخرج أبو سفيان في أهل تهامة، فلما نزل الظهران بدا له في الرجوع، ووافق رسول الله (ص) وأصحابه السوق فاشتروا وباعوا وأصابوا بها ربحا حسنا.

--------------

إعلام الورى ص 86

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الاسلامية