في كربلاء قبل يوم عاشوراء

ثم إن الحسين (ع) قام وركب، وصار كلما أراد المسير يمنعونه تارة، ويسايرونه اخرى‏، حتى‏ بلغ كربلاء، وكان ذلك في اليوم الثاني (1) من المحرم، فلما وصلها قال: ما اسم هذه الأرض؟ فقيل: كربلاء. فقال: انزلوا، هاهنا والله محط ركابنا، وسفك دمائنا، هاهنا والله مخط قبورنا، وهاهنا والله سبي حريمنا، بهذا حدثني جدي (ص). (2)

--------------

(1) في البحار: الثامن بدل الثاني وهو خلاف المشهور

(2) اللهوف ص 49, بحار الأنوار ج 44 ص 381

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الاسلامية

 

عن الإمام زين العابدين (ع) في حديث المقتل: سار (الإمام الحسين ع) حتى‏ نزل كربلاء، فقال: أي موضع هذا؟ فقيل: هذا كربلاء يابن رسول الله. فقال: هذا والله يوم كرب وبلاء، وهذا الموضع الذي يهراق فيه دماؤنا، ويباح فيه حريمنا.

--------------

الأمالي للصدوق ص 155, بحار الأنوار ج 44 ص 315, إثبات الهداة ج 4 ص 38, رياض الأبرار ج 1 ص 200, العوالم ج 17 ص 164

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الاسلامية

 

أقبل الإمام الحسين (ع) على أصحابه، فقال: الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درت معايشهم، فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون. ثم قال: أهذه كربلاء؟ فقالوا: نعم يا ابن رسول الله، فقال: هذا موضع كرب وبلاء، ههنا مناخ ركابنا، ومحط رحالنا، ومقتل رجالنا، ومسفك دمائنا.

--------------

بحار الأنوار ج 44 ص 383, تسلية المجالس ج 2 ص 252, العوالم الإمام الحسين (ع) ص 234

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الاسلامية

 

عن ميسر بن عبد العزيز, عن أبي جعفر (ع): كتب الحسين بن علي (ع) إلى‏ محمد بن علي (ع) من كربلاء: بسم الله الرحمن الرحيم,‏ من الحسين بن علي إلى‏ محمد بن علي ومن قبله من بني هاشم: أما بعد، فكأن الدنيا لم تكن، وكأن الآخرة لم تزل، والسلام.

--------------

كامل الزيارات ص 75, الدر النظيم ص 535, بحار الأنوار ج 45 ص 87

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الاسلامية

 

أقبل الحر بن يزيد حتى‏ نزل حذاء الحسين (ع) في ألف فارس، ثم كتب إلى‏ عبيد الله بن زياد يخبره أن الحسين (ع) نزل بأرض كربلاء، قال: فكتب عبيد الله بن زياد إلى الحسين (ع): أما بعد يا حسين، فقد بلغني نزولك بكربلاء، وقد كتب إلي أمير المؤمنين يزيد بن معاوية أن لا أتوسد الوثير ولا أشبع من الخبز أو الحقك باللطيف الخبير، أو ترجع إلى‏ حكمي وحكم يزيد بن معاوية، والسلام. فلما ورد الكتاب قرأه الحسين (ع)، ثم رمى‏ به، ثم قال: لا أفلح قوم آثروا مرضاة أنفسهم على‏ مرضاة الخالق. فقال له الرسول: أبا عبد الله، جواب الكتاب؟ قال: ما له عندي جواب؛ لأنه قد حقت عليه كلمة العذاب. فقال الرسول لابن زياد ذلك، فغضب من ذلك أشد الغضب.

--------------

الفتوح ج 5 ص 84, بحار الأنوار ج 44 ص 383 نحوه, كشف الغمة ج 2 ص 257 نحوه, مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 248 نحوه, تسلية المجالس ج 2 ص 254 نحوه

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الاسلامية

 

عن عقبة بن سمعان: كان سبب خروج ابن سعد إلى الحسين (ع) أن عبيد الله بن زياد بعثه على‏ أربعة آلاف من أهل الكوفة يسير بهم إلى‏ دستبي، وكانت الديلم قد خرجوا إليها، وغلبوا عليها، فكتب إليه ابن زياد عهده على الري، وأمره بالخروج، فخرج معسكرا بالناس بحمام أعين. فلما كان من أمر الحسين (ع) ما كان، وأقبل إلى الكوفة، دعا ابن زياد عمر بن سعد، فقال: سر إلى الحسين، فإذا فرغنا مما بيننا وبينه سرت إلى عملك. فقال له عمر بن سعد: إن رأيت رحمك الله أن تعفيني فافعل، فقال له عبيد الله: نعم، على‏ أن ترد لنا عهدنا، قال: فلما قال له ذاك، قال عمر بن سعد: أمهلني اليوم حتى‏ أنظر، قال: فانصرف عمر يستشير نصحاءه، فلم يكن يستشير أحدا إلا نهاه. قال: وجاء حمزة بن المغيرة بن شعبة، وهو ابن اخته، فقال: أنشدك الله يا خال أن تسير إلى الحسين (ع)، فتأثم بربك وتقطع رحمك! فوالله، لأن تخرج من دنياك ومالك وسلطان الأرض كلها لو كان لك خير لك من أن تلقى الله بدم الحسين (ع), فقال له عمر بن سعد: فإني أفعل إن شاء الله. قال هشام: حدثني عوانة بن الحكم، عن عمار بن عبد الله بن يسار الجهني عن أبيه، قال: دخلت على‏ عمر بن سعد وقد امر بالمسير إلى الحسين (ع)، فقال لي: إن الأمير أمرني بالمسير إلى الحسين، فأبيت ذلك عليه، فقلت له: أصاب الله بك، أرشدك الله، أحل فلا تفعل ولا تسر إليه. قال: فخرجت من عنده، فأتاني آت، وقال: هذا عمر بن سعد يندب الناس إلى الحسين، قال: فأتيته فإذا هو جالس، فلما رآني أعرض بوجهه، فعرفت أنه قد عزم على المسير إليه، فخرجت من عنده. قال: فأقبل عمر بن سعد إلى ابن زياد، فقال: أصلحك الله، إنك وليتني هذا العمل، وكتبت لي العهد، وسمع به الناس، فإن رأيت أن تنفذ لي ذلك فافعل، وابعث إلى الحسين (ع) في هذا الجيش من أشراف الكوفة من لست بأغنى‏ ولا أجزأ عنك في الحرب منه، فسمى‏ له اناسا. فقال له ابن زياد: لا تعلمني بأشراف أهل الكوفة، ولست أستأمرك فيمن اريد أن أبعث, إن سرت بجندنا، وإلا فابعث إلينا بعهدنا. فلما رآه قد لج، قال: فإني سائر. قال: فأقبل في أربعة آلاف حتى‏ نزل بالحسين (ع) من الغد من يوم نزل الحسين (ع) نينوى‏.

--------------

تاريخ الطبري ج 4 ص 309, مقتل الإمام الحسين (ع) لأبي مخنف ص 94

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الاسلامية

 

روي أن عليا (ع) لقي عمر بن سعد يوما, فقال له: كيف تكون يا عمر إذا قمت مقاما تخير فيه بين الجنة والنار, فتختار النار؟

--------------

مثير الأحزان ص 50

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الاسلامية

 

جمع عبيد الله بن زياد (لعنه الله) الناس إلى‏ مسجد الكوفة، ثم خرج فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى‏ عليه، ثم قال: أيها الناس, إنكم قد بلوتم آل سفيان فوجدتموهم على‏ ما تحبون، وهذا يزيد قد عرفتموه أنه حسن السيرة، محمود الطريقة، محسن إلى الرعية، متعاهد الثغور، يعطي العطاء في حقه، حتى‏ أنه كان أبوه كذلك، وقد زاد أمير المؤمنين في إكرامكم، وكتب إلي يزيد بن معاوية بأربعة آلاف دينار ومئتي ألف درهم، أفرقها عليكم، واخرجكم إلى‏ حرب عدوه الحسين بن علي (ع)، فاسمعوا له وأطيعوا، والسلام. قال: ثم نزل عن المنبر، ووضع لأهل الشام العطاء فأعطاهم، ونادى‏ فيهم بالخروج إلى‏ عمر بن سعد (لعنه الله)؛ ليكونوا أعوانا له على‏ قتال الحسين (ع). قال: فأول من خرج إلى‏ عمر بن سعد الشمر بن ذي الجوشن السلولي (لعنه الله) في أربعة آلاف فارس، فصار عمر بن سعد في تسعة آلاف، ثم أتبعه زيد بن ركاب الكلبي في ألفين، والحصين بن نمير السكوني في أربعة آلاف، والمصاب الماري في ثلاثة آلاف، ونصر بن حربة في ألفين، فتم له عشرون ألفا، ثم بعث ابن زياد إلى‏ شبث بن ربعي الرياحي رجلا، وسأل أن يوجه إلى‏ عمر بن سعد، فاعتل بمرض، فقال له ابن زياد: أتتمارض؟! إن كنت في طاعتنا فاخرج إلى‏ قتال عدونا، فخرج إلى‏ عمر بن سعد في ألف فارس بعد أن أكرمه ابن زياد وأعطاه وحباه، وأتبعه بحجار بن أبجر في ألف فارس، فصار عمر بن سعد في اثنين وعشرين ألفا ما بين فارس وراجل. ثم كتب ابن زياد إلى‏ عمر بن سعد: إني لم أجعل لك علة في قتال الحسين (ع) من كثرة الخيل والرجال، فانظر أن لا تبدأ أمرا حتى‏ تشاورني غدوا وعشيا مع كل غاد ورائح، والسلام. قال: وكان عبيد الله بن زياد في كل وقت يبعث إلى‏ عمر بن سعد ويستعجله في قتال الحسين (ع). قال: والتأمت العساكر إلى‏ عمر بن سعد (لعنه الله) لست مضين من المحرم.

--------------

الفتوح ج 5 ص 89, بحار الأنوار ج 44 ص 385

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الاسلامية

 

عن عمار بن عبد الله بن يسار الجهني: أقبل (عمر بن سعد لعنه الله) في أربعة آلاف حتى‏ نزل بالحسين (ع) من الغد من يوم نزل الحسين (ع) نينوى‏. قال: فبعث عمر بن سعد إلى الحسين (ع) عزرة بن قيس الأحمسي، فقال: ايته فسله ما الذي جاء به؟ وماذا يريد؟ وكان عزرة ممن كتب إلى الحسين (ع)، فاستحيى‏ منه أن يأتيه. قال: فعرض ذلك على الرؤساء الذين كاتبوه، فكلهم أبى‏ وكرهه. قال: وقام إليه كثير بن عبد الله الشعبي, وكان فارسا شجاعا ليس يرد وجهه شي‏ء, فقال: أنا أذهب إليه، والله، لئن شئت لأفتكن به، فقال له عمر بن سعد: ما اريد أن يفتك به، ولكن ائته فسله ما الذي جاء به؟ قال: فأقبل إليه، فلما رآه أبو ثمامة الصائدي، قال للحسين (ع): أصلحك الله أبا عبد الله! قد جاءك شر أهل الأرض وأجرؤه على‏ دم وأفتكه. فقام إليه، فقال: ضع سيفك، قال: لا والله، ولا كرامة، إنما أنا رسول، فإن سمعتم مني أبلغتكم ما ارسلت به إليكم، وإن أبيتم انصرفت عنكم، فقال له: فإني آخذ بقائم سيفك، ثم تكلم بحاجتك، قال: لا والله، لا تمسه، فقال له: أخبرني ما جئت به وأنا ابلغه عنك، ولا أدعك تدنو منه، فإنك فاجر، قال: فاستبا. ثم انصرف إلى‏ عمر بن سعد فأخبره الخبر، قال: فدعا عمر قرة بن قيس الحنظلي، فقال له: ويحك يا قرة, الق حسينا فسله ما جاء به؟ وماذا يريد؟ قال: فأتاه قرة بن قيس، فلما رآه الحسين (ع) مقبلا قال: أتعرفون هذا؟ فقال حبيب بن مظاهر: نعم، هذا رجل من حنظلة تميمي، وهو ابن اختنا، ولقد كنت أعرفه بحسن الرأي، وما كنت أراه يشهد هذا المشهد، فجاء حتى‏ سلم على الحسين (ع)، وأبلغه رسالة عمر بن سعد إليه له. فقال الحسين (ع): كتب إلي أهل مصركم هذا أن أقدم، فأما إذ كرهوني فأنا أنصرف عنهم، قال: ثم قال له حبيب بن مظاهر: ويحك يا قرة بن قيس, أنى‏ ترجع إلى القوم الظالمين, انصر هذا الرجل الذي بآبائه أيدك الله بالكرامة وإيانا معك، فقال له قرة: أرجع إلى‏ صاحبي بجواب رسالته، وأرى‏ رأيي. قال: فانصرف إلى‏ عمر بن سعد، فأخبره الخبر، فقال له عمر بن سعد: إني لأرجو أن يعافيني الله من حربه وقتاله.

--------------

مقتل الإمام الحسين (ع) لأبي مخنف ص 95, تاريخ الطبري ج 4 ص 333, الإرشاد ج 2 ص 84 نحوه, بحار الأنوار ج 44 ص 384 نحوه, الفتوح ج 5 ص 87 نحوه

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الاسلامية

 

عن جرداء بنت سمين، عن زوجها هرثمة بن أبي مسلم، قال: غزونا مع علي بن أبي طالب (ع) صفين، فلما انصرفنا نزل كربلاء فصلى بها الغداة، ثم رفع إليه من تربتها فشمها، ثم قال: واها لك أيتها التربة، ليحشرن منك أقوام يدخلون الجنة بغير حساب. فرجع هرثمة إلى زوجته، وكانت شيعة لعلي (ع) فقال: ألا أحدثك عن وليك أبي الحسن؟ نزل بكربلا فصلى، ثم رفع إليه من تربتها، وقال: واها لك أيتها التربة ليحشرن منك أقوام يدخلون الجنة بغير حساب، قالت: أيها الرجل، فإن أمير المؤمنين لم يقل إلا حقا. فلما قدم الحسين (ع) قال هرثمة: كنت في البعث الذين بعثهم عبيد الله ابن زياد، فلما رأيت المنزل والشجر ذكرت الحديث، فجلست على بعيري، ثم صرت إلى الحسين (ع)، فسلمت عليه وأخبرته بما سمعت من أبيه في ذلك المنزل الذي نزل به الحسين (ع) فقال: معنا أنت أم علينا؟ فقلت: لا معك ولا عليك، خلفت صبية أخاف عليهم عبيد الله بن زياد. قال: فامض حيث لا ترى لنا مقتلا، ولا تسمع لنا صوتا، فوالذي نفس الحسين بيده، لا يسمع اليوم واعيتنا أحد فلا يعيننا إلا كبه الله لوجهه في جهنم.

------------------

الأمالي للصدوق ص 136, مدينة المعاجز ج 2 ص 170, بحار الأنوار ج 44 ص 255

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الاسلامية

 

أرسل الحسين (ع) إلى عمر بن سعد لعنه الله: أني أريد أن أكلمك فالقني الليلة بين عسكري وعسكرك، فخرج إليه ابن سعد في عشرين وخرج إليه الحسين (ع) في مثل ذلك، فلما التقيا أمر الحسين (ع) أصحابه فتنحوا عنه، وبقي معه أخوه العباس (ع)، وابنه علي الأكبر (ع)، وأمر عمر بن سعد وأصحابه فتنحوا عنه، وبقي معه ابنه حفص وغلام له. فقال له الحسين (ع): ويلك يا ابن سعد أما تتقي الله الذي إليه معادك أتقاتلني وأنا ابن من علمت؟ ذر هؤلاء القوم وكن معي، فإنه أقرب لك إلى الله تعالى، فقال عمر بن سعد: أخاف أن يهدم داري، فقال الحسين (ع): أنا أبنيها لك فقال: أخاف أن تؤخذ ضيعتي، فقال الحسين (ع): أنا أخلف عليك خيرا منها من مالي بالحجاز, فقال: لي عيال وأخاف عليهم، ثم سكت ولم يجبه إلى شئ فانصرف عنه الحسين (ع)، وهو يقول: مالك ذبحك الله على فراشك عاجلا ولا غفر لك يوم حشرك، فوالله إني لأرجو أن لا تأكل من بر العراق إلا يسيرا, فقال ابن سعد: في الشعير كفاية عن البر, مستهزئا بذلك القول.

--------------------

بحار الأنوار ج 44 ص 388, الفتوح ج 5 ص 92

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الاسلامية

 

عن حسان بن فائد ابن بكر العبسي قال: أشهد أن كتاب عمر بن سعد جاء إلى عبيد الله بن زياد وأنا عنده, فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم, أما بعد, فانى حيث نزلت بالحسين (ع) بعثت إليه رسولي فسألته عما أقدمه وماذا يطلب ويسأل, فقال: كتب إلى أهل هذه البلاد وأتتني رسلهم, فسألوني القدوم ففعلت, فأما إذ كرهوني فبدا لهم غير ما أتتني به رسلهم, فأنا منصرف عنهم. فلما قرئ الكتاب على ابن زياد قال: الآن إذ علقت مخالبنا به. يرجو النجاة ولات حين مناص, قال: وكتب إلى عمر بن سعد: بسم الله الرحمن الرحيم, أما بعد, فقد بلغني كتابك وفهمت ما ذكرت, فاعرض على الحسين (ع) أن يبايع ليزيد بن معاوية هو وجميع أصحابه, فإذا فعل ذلك رأينا رأينا, والسلام, قال فلما أتى عمر بن سعد الكتاب قا:ل قد حسبت ألا يقبل ابن زياد العافية.

--------------------

مقتل الإمام الحسين (ع) لأبي مخنف ص 97, تاريخ الطبري ج 4 ص 311

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الاسلامية

 

أقبل حبيب بن مظاهر إلى الحسين (ع) فقال: يا ابن رسول الله, ههنا حي من بني أسد بالقرب منا, أتأذن لي في المصير إليهم فأدعوهم إلى نصرتك؟ فعسى الله أن يدفع بهم عنك، قال: قد أذنت لك، فخرج حبيب إليهم في جوف الليل متنكرا حتى أتى إليهم, فعرفوه أنه من بني أسد، فقالوا: ما حاجتك؟ فقال: إني قد أتيتكم بخير ما أتى به وافد إلى قوم، أتيتكم أدعوكم إلى نصر ابن بنت نبيكم, فإنه في عصابة من المؤمنين الرجل منهم خير من ألف رجل، لن يخذلوه ولن يسلموه أبدا, وهذا عمر بن سعد قد أحاط به، وأنتم قومي وعشيرتي، وقد أتيتكم بهذه النصيحة فأطيعوني اليوم في نصرته تنالوا بها شرف الدنيا والآخرة, فاني أقسم بالله لا يقتل أحد منكم في سبيل الله مع ابن بنت رسول الله صابرا محتسبا إلا كان رفيقا لمحمد (ص) في عليين, قال: فوثب إليه رجل من بني أسد يقال له عبد الله بن بشر, فقال: أنا أول من يجيب إلى هذه الدعوة، ثم جعل يرتجز ويقول:

قد علم القوم إذا تواكلوا... وأحجم الفرسان إذ تناقلوا

أني شجاع بطل مقاتل... كأنني ليث عرين باسل

ثم تبادر رجال الحي حتى التأم منهم تسعون رجلا, فأقبلوا يريدون الحسين (ع), وخرج رجل في ذلك الوقت من الحي حتى صار إلى عمر بن سعد فأخبره بالحال، فدعا ابن سعد برجل من أصحابه يقال له الأزرق, فضم إليه أربعمائة فارس ووجه نحو حي بني أسد، فبينما أولئك القوم قد أقبلوا يريدون عسكر الحسين (ع) في جوف الليل إذا استقبلهم خيل ابن سعد على شاطئ الفرات، وبينهم وبين عسكر الحسين (ع) اليسير، فناوش القوم بعضهم بعضا واقتتلوا قتالا شديدا، وصاح حبيب ابن مظاهر بالأزرق: ويلك ما لك وما لنا, انصرف عنا، ودعنا يشقى بنا غيرك، فأبى الأزرق أن يرجع، وعلمت بنو أسد أنه لا طاقة لهم بالقوم، فانهزموا راجعين إلى حيهم، ثم إنهم ارتحلوا في جوف الليل خوفا من ابن سعد أن يبيتهم, ورجع حبيب بن مظاهر إلى الحسين (ع) فخبره بذلك فقال (ع): لا حول ولا قوة إلا بالله.

--------------------

الفتوح ج 5 ص 90, بحار الأنوار ج 44 ص 386

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الاسلامية

 

عن حميد بن مسلم الأزدي، قال: جاء من عبيد الله بن زياد كتاب إلى عمر بن سعد: أما بعد، فحل بين الحسين (ع) وأصحابه وبين الماء، ولا يذوقوا منه قطرة, كما صنع بالتقي الزكي المظلوم أمير المؤمنين عثمان بن عفان. فبعث عمر بن سعد عمرو بن الحجاج على خمسمائة فارس، فنزلوا على الشريعة، وحالوا بين حسين (ع) وأصحابه وبين الماء أن يسقوا منه قطرة، وذلك قبل قتل الحسين (ع) بثلاث، ونازله عبد الله بن أبي حصين الأزدي وعداده في بجيلة فقال: يا حسين, ألا تنظر إلى الماء كأنه كبد السماء، والله! لا تذوق منه قطرة حتى تموت عطشا, فقال حسين (ع): اللهم اقتله عطشا، ولا تغفر له أبدا. قال حميد بن مسلم: والله لعدته بعد ذلك في مرضه، فوالله الذي لا إله إلا هو لقد رأيته يشرب حتى بغر، ثم يقيء، ثم يعود فيشرب حتى يبغر فما يروى، فما زال ذلك دأبه حتى لفظ عصبه يعني نفسه.

--------------------

تاريخ الطبري ج 4 ص 311, مقتل الإمام الحسين (ع) لأبي مخنف ص 98, روضة الواعظين ج 1 ص 182, الارشاد ج 2 ص 86, بحار الأنوار ج 44 ص 389

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الاسلامية

 

عن المفضل بن عمر قال: قال أبو عبد الله (ع): لما منع الحسين (ع) وأصحابه الماء نادى فيهم: من كان ظمآن فليجئ. فأتاه أصحابه رجلا رجلا فجعل إبهامه في راحة واحد هم، فلم يزل يشرب الرجل بعد الرجل، حتى ارتووا، فقال بعضهم لبعض: والله لقد شربت شرابا ما شربه أحد من العالمين في دار الدنيا. فلما قاتلوا الحسين (ع)، وكان في اليوم الثالث عند المغرب، أقعد الحسين رجلا رجلا منهم يسميهم بأسماء آبائهم فيجيبه الرجل بعد الرجل، فيقعدون حوله، ثم يدعو بالمائدة فيطعمهم ويأكل معهم من طعام الجنة ويسقيهم من شرابها.

--------

مدينة المعاجز ج 3 ص 463, نوادر المعجزات ص 111, دلائل الإمامة ص 188

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الاسلامية

 

عن حميد بن مسلم: لما اشتد على الحسين (ع) وأصحابه العطش، دعا العباس بن علي بن أبي طالب (ع) أخاه، فبعثه في ثلاثين فارسا وعشرين راجلا، وبعث معهم بعشرين قربة، فجاؤوا حتى‏ دنوا من الماء ليلا، واستقدم أمامهم باللواء نافع بن هلال الجملي. فقال عمرو بن الحجاج الزبيدي: من الرجل؟ فجئ، فقال: ما جاء بك؟ قال: جئنا نشرب من هذا الماء الذي حلأتمونا عنه، قال: فاشرب هنيئا، قال: لا والله، لا أشرب منه قطرة وحسين (ع) عطشان ومن ترى‏ من أصحابه! فطلعوا عليه، فقال: لا سبيل إلى‏ سقي هؤلاء، إنما وضعنا بهذا المكان لنمنعهم الماء. فلما دنا منه أصحابه قال لرجاله: املؤوا قربكم، فشد الرجالة فملؤوا قربهم، وثار إليهم عمرو بن الحجاج وأصحابه، فحمل عليهم العباس بن علي (ع) ونافع بن هلال، فكفوهم، ثم انصرفوا إلى‏ رحالهم، فقالوا: امضوا، ووقفوا دونهم، فعطف عليهم عمرو بن الحجاج وأصحابه، واطردوا قليلا. ثم إن رجلا من صداء طعن من أصحاب عمرو بن الحجاج، طعنه نافع بن هلال، فظن أنها ليست بشي‏ء، ثم إنها انتقضت بعد ذلك، فمات منها، وجاء أصحاب حسين (ع) بالقرب، فأدخلوها عليه.

--------

تاريخ الطبري ج 4 ص 313, مقتل الإمام الحسين (ع) لأبي مخنف ص 98

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الاسلامية

 

عن حميد بن مسلم: إن عبيد الله بن زياد دعا شمر بن ذي الجوشن (لعنه الله)، فقال له: اخرج بهذا الكتاب إلى‏ عمر بن سعد، فليعرض على الحسين (ع) وأصحابه النزول على‏ حكمي، فإن فعلوا فليبعث بهم إلي سلما، وإن هم أبوا فليقاتلهم، فإن فعل فاسمع له وأطع، وإن هو أبى‏ فقاتلهم، فأنت أمير الناس، وثب عليه، فاضرب عنقه، وابعث إلي برأسه. قال أبو مخنف: حدثني أبو جناب الكلبي، قال: ثم كتب عبيد الله بن زياد إلى‏ عمر بن سعد (لعنه الله): أما بعد، فإني لم أبعثك إلى حسين لتكف عنه ولا لتطاوله، ولا لتمنيه السلامة والبقاء، ولا لتقعد له عندي شافعا، انظر فإن نزل حسين وأصحابه على الحكم واستسلموا فابعث بهم إلي سلما، وإن أبوا فازحف إليهم حتى‏ تقتلهم وتمثل بهم؛ فإنهم لذلك مستحقون! فإن قتل حسين (ع) فأوطئ الخيل صدره وظهره؛ فإنه عاق مشاق قاطع ظلوم!! وليس دهري في هذا أن يضر بعد الموت شيئا، ولكن علي قول لو قد قتلته فعلت هذا به!! إن أنت مضيت لأمرنا فيه جزيناك جزاء السامع المطيع، وإن أبيت فاعتزل عملنا وجندنا، وخل بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر، فإنا قد أمرناه بأمرنا، والسلام.

--------

تاريخ الطبري ج 4 ص 314, مقتل الإمام الحسين (ع) لأبي مخنف ص 101, الإرشاد ج 2 ص 88 نحوه, بحار الأنوار ج 44 ص 390 نحوه

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الاسلامية

 

عن أبان عن عبد الملك قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن صوم تاسوعاء وعاشوراء من شهر المحرم, فقال: تاسوعاء يوم حوصر فيه الحسين (ع) وأصحابه بكربلاء, واجتمع عليه خيل أهل الشام وأناخوا عليه, وفرح ابن مرجانة وعمر بن سعد (لعنهم الله) بتوافر الخيل وكثرتها, واستضعفوا فيه الحسين (ع) وأصحابه, وأيقنوا أن لا يأتي الحسين (ع) ناصر ولا يمده أهل العراق, بأبي المستضعف الغريب, ثم قال: وأما يوم عاشوراء فيوم أصيب فيه الحسين (ع) صريعا بين أصحابه, وأصحابه صرعى حوله عراة, أفصوم يكون في ذلك اليوم؟ كلا ورب البيت الحرام, ما هو يوم صوم, وما هو إلا يوم حزن ومصيبة.

--------

الكافي ج 4 ص 147, الوافي ج 11 ص 73, وسائل الشيعة ج 10 ص 460, مرآة العقول ج 16 ص 362

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الاسلامية

 

أقبل شمر بن ذي الجوشن (لعنه الله) فنادى‏: أين بنو اختي عبد الله وجعفر والعباس وعثمان؟ فقال الحسين (ع): أجيبوه وإن كان فاسقا، فإنه بعض أخوالكم، (1) فقالوا له: ما شأنك؟ فقال: يا بني اختي، أنتم آمنون، فلا تقتلوا أنفسكم مع أخيكم الحسين، والزموا طاعة أمير المؤمنين يزيد بن معاوية! فناداه العباس بن علي (ع): تبت يداك ولعن ما جئت به من أمانك يا عدو الله! أتأمرنا أن نترك أخانا وسيدنا الحسين بن فاطمة (ع) وندخل في طاعة اللعناء أولاد اللعناء؟! فرجع الشمر إلى‏ عسكره مغضبا. (2)

--------

(1) أم البنين كانت عمة الشمر لعنه الله

(2) اللهوف ص 54

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الاسلامية

 

عن عبد الله بن شريك العامري في ذكر ما حدث في عصر يوم التاسع من محرم: إن عمر بن سعد نادى‏: يا خيل الله اركبي وأبشري! فركب في الناس، ثم زحف نحوهم بعد صلاة العصر، وحسين (ع) جالس أمام بيته، محتبيا بسيفه، إذ خفق برأسه على‏ ركبتيه، وسمعت اخته زينب (ع) الصيحة، فدنت من أخيها، فقالت: يا أخي، أما تسمع الأصوات قد اقتربت؟ قال: فرفع الحسين (ع) رأسه، فقال: إني رأيت رسول الله (ص) في المنام، فقال لي: إنك تروح إلينا، قال: فلطمت اخته وجهها، وقالت: يا ويلتا! فقال: ليس لك الويل يا اخية، اسكني رحمك الرحمن, وقال العباس بن علي (ع): يا أخي! أتاك القوم، قال: فنهض، ثم قال: يا عباس، اركب بنفسي أنت يا أخي حتى‏ تلقاهم، فتقول لهم: ما لكم، وما بدا لكم؟ وتسأ لهم عما جاء بهم؟ فأتاهم العباس (ع)، فاستقبلهم في نحو من عشرين فارسا، فيهم زهير بن القين، وحبيب بن مظاهر، فقال لهم العباس (ع): ما بدا لكم، وما تريدون؟ قالوا: جاء أمر الأمير بأن نعرض عليكم أن تنزلوا على‏ حكمه، أو ننازلكم, قال: فلا تعجلوا حتى‏ أرجع إلى‏ أبي عبد الله، فأعرض عليه ما ذكرتم، قال: فوقفوا، ثم قالوا: القه فأعلمه ذلك، ثم القنا بما يقول. قال: فانصرف العباس (ع) راجعا يركض إلى الحسين (ع) يخبره بالخبر، ووقف أصحابه يخاطبون القوم، فقال حبيب بن مظاهر لزهير بن القين: كلم القوم إن شئت، وإن شئت كلمتهم. فقال له زهير: أنت بدأت بهذا، فكن أنت تكلمهم، فقال لهم حبيب بن مظاهر: أما والله، لبئس القوم عند الله غدا قوم يقدمون عليه قد قتلوا ذرية نبيه (ع) وعترته وأهل بيته (ص)، وعباد أهل هذا المصر المجتهدين بالأسحار، والذاكرين الله كثيرا. فقال له عزرة بن قيس: إنك لتزكي نفسك ما استطعت, فقال له زهير: يا عزرة! إن الله قد زكاها وهداها، فاتق الله يا عزرة، فإني لك من الناصحين، أنشدك الله يا عزرة أن تكون ممن يعين الضلال على‏ قتل النفوس الزكية! قال: يا زهير! ما كنت عندنا من شيعة أهل هذا البيت. إنما كنت عثمانيا! قال: أفلست تستدل بموقفي هذا أني منهم! أما والله، ما كتبت إليه كتابا قط، ولا أرسلت إليه رسولا قط، ولا وعدته نصرتي قط، ولكن الطريق جمع بيني وبينه، فلما رأيته ذكرت به رسول الله (ص) ومكانه منه، وعرفت ما يقدم عليه من عدوه وحزبكم، فرأيت أن أنصره، وأن أكون في حزبه، وأن أجعل نفسي دون نفسه، حفظا لما ضيعتم من حق الله وحق رسوله (ص). قال: وأقبل العباس بن علي (ع) يركض حتى انتهى‏ إليهم، فقال: يا هؤلاء، إن أبا عبد الله يسأ لكم أن تنصرفوا هذه العشية حتى‏ ينظر في هذا الأمر (الى ان قال) وكان العباس بن علي (ع) حين أتى‏ حسينا (ع) بما عرض عليه عمر بن سعد (لعنه الله) قال: ارجع إليهم، فإن استطعت أن تؤخرهم إلى‏ غدوة وتدفعهم عند العشية؛ لعلنا نصلي لربنا الليلة، وندعوه ونستغفره، فهو يعلم أني قد كنت احب الصلاة له، وتلاوة كتابه، وكثرة الدعاء والاستغفار! قال أبو مخنف: حدثني الحارث بن حصيرة، عن عبد الله بن شريك العامري، عن علي بن الحسين (ع) قال: أتانا رسول من قبل عمر بن سعد، فقام مثل حيث يسمع الصوت، فقال: إنا قد أجلناكم إلى‏ غد، فإن استسلمتم سرحنا بكم إلى‏ أميرنا عبيد الله بن زياد، وإن أبيتم فلسنا تاركيكم.

--------

تاريخ الطبري ج 4 ص 315, مقتل الإمام الحسين (ع) لأبي مخنف ص 104

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الاسلامية

 

عن الضحاك بن عبد الله المشرقي، قال: قدمت ومالك بن النضر الأرحبي على الحسين (ع)، فسلمنا عليه، ثم جلسنا إليه، فرد علينا ورحب بنا وسألنا عما جئنا له، فقلنا: جئنا لنسلم عليك، وندعو الله لك بالعافية، ونحدث بك عهدا، ونخبرك خبر الناس، وإنا نحدثك أنهم قد جمعوا على حربك فر رأيك. فقال الحسين (ع): حسبي الله ونعم الوكيل. قال: فتذممنا وسلمنا عليه ودعونا الله له. قال: فما يمنعكما من نصرتي؟ فقال مالك بن النضر: علي دين ولي عيال. فقلت له: إن علي دينا وإن لي لعيالا، ولكنك إن جعلتني في حل من الانصراف إذا لم أجد مقاتلا، قاتلت عنك ما كان لك نافعا وعنك دافعا. قال: قال: فأنت في حل، فأقمت معه.

------------------

تاريخ الطبري ج 4 ص 317, مقتل الحسين (ع) لابو مخنف ص 108

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الاسلامية

 

قال الإمام العسكري (ع): ولما امتحن الحسين (ع) ومن معه بالعسكر الذين قتلوه، وحملوا رأسه قال لعسكره: أنتم من بيعتي في حل، فالحقوا بعشائركم ومواليكم. وقال لأهل بيته: قد جعلتكم في حل من مفارقتي، فإنكم لا تطيقونهم لتضاعف أعدادهم وقواهم، وما المقصود غيري، فدعوني والقوم، فان الله عز وجل يعينني ولا يخليني من حسن نظره، كعادته في أسلافنا الطيبين. فأما عسكره ففارقوه. وأما أهله والأدنون من أقربائه فأبوا، وقالوا: لا نفارقك، ويحل بنا ما يحل بك، ويحزننا ما يحزنك، ويصيبنا ما يصيبك، وإنا أقرب ما نكون إلى الله إذا كنا معك. فقال لهم: فان كنتم قد وطنتم أنفسكم على ما وطنت نفسي عليه، فاعلموا أن الله إنما يهب المنازل الشريفة لعباده لصبرهم باحتمال المكاره. وأن الله وإن كان خصني مع من مضى من أهلي الذين أنا آخرهم بقاء في الدنيا من الكرامات بما يسهل معها علي احتمال الكريهات فان لكم شطر ذلك من كرامات الله تعالى. واعلموا أن الدنيا حلوها ومرها حلم، والانتباه في الآخرة، والفائز من فاز فيها، والشقي من شقى فيها, أولا أحدثكم بأول أمرنا وأمركم معاشر أوليائنا ومحبينا، والمعتصمين بنا ليسهل عليكم احتمال ما أنتم له معرضون؟ قالوا: بلى يا بن رسول الله, قال: إن الله تعالى لما خلق آدم، وسواه، وعلمه أسماء كل شئ وعرضهم على الملائكة، جعل محمدا وعليا وفاطمة والحسن والحسين (ع) أشباحا خمسة في ظهر آدم، وكانت أنوارهم تضئ في الآفاق من السماوات والحجب والجنان والكرسي والعرش، فأمر الله تعالى الملائكة بالسجود لآدم، تعظيما له أنه قد فضله بأن جعله وعاء لتلك الأشباح التي قد عم أنوارها الآفاق. فسجدوا لادم إلا إبليس أبى أن يتواضع لجلال عظمة الله، وأن يتواضع لأنوارنا أهل البيت، وقد تواضعت لها الملائكة كلها واستكبر، وترفع، وكان بابائه ذلك وتكبره من الكافرين.

------------------

تفسير الإمام العسكري (ع) ص 218, بحار الأنوار ج 45 ص 90

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الاسلامية

 

فجمع الحسين (ع) أصحابه عند قرب المساء, قال علي بن الحسين زين العابدين (ع): فدنوت منه لأسمع ما يقول لهم وأنا إذ ذاك مريض, فسمعت أبي يقول لأصحابه: أثني على الله أحسن الثناء, وأحمده على السراء والضراء, اللهم إني أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوة, وعلمتنا القرآن, وفقهتنا في الدين, وجعلت لنا أسماعا وأبصارا وأفئدة, فاجعلنا من الشاكرين. أما بعد, فإني لا أعلم أصحابا أوفى ولا خيرا من أصحابي, ولا أهل بيت أبر ولا أوصل من أهل بيتي, فجزاكم الله عني خيرا, ألا وإني لأظن أنه آخر يوم لنا من هؤلاء, ألا وإني قد أذنت لكم فانطلقوا جميعا في حل, ليس عليكم مني ذمام, هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا. (1) فقال له إخوته وأبناؤه وبنو أخيه وابنا عبد الله بن جعفر: لم نفعل ذلك؟! لنبقى بعدك؟! لا أرانا الله ذلك أبدا. بدأهم بهذا القول العباس بن علي (ع) واتبعته الجماعة عليه, فتكلموا بمثله ونحوه. فقال الحسين (ع): يا بني عقيل، حسبكم من القتل بمسلم (ع)، فاذهبوا أنتم فقد أذنت لكم. قالوا: سبحان الله، فما يقول الناس؟! يقولون إنا تركنا شيخنا وسيدنا وبني عمومتنا خير الأعمام ولم نرم معهم بسهم، ولم نطعن معهم برمح، ولم نضرب معهم بسيف، ولا ندري ما صنعوا، لا والله ما نفعل ذلك، ولكن تفديك أنفسنا وأموالنا وأهلونا، ونقاتل معك حتى نرد موردك، فقبح الله العيش بعدك. وقام إليه مسلم بن عوسجة فقال: أنخلي عنك ولما نعذر إلى الله سبحانه في أداء حقك؟! أما والله حتى أطعن في صدورهم برمحي، وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، ولو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة، والله لا نخليك حتى يعلم الله أن قد حفظنا غيبة رسول الله (ص) فيك، والله لو علمت أني أقتل, ثم أحيا, ثم أحرق, ثم أحيا, ثم أذرى، يفعل ذلك بي سبعين مرة ما فارقتك, حتى ألقى حمامي دونك، فكيف لا أفعل ذلك, وإنما هي قتلة واحدة ثم هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبدا. وقام زهير بن القين البجلي فقال: والله لوددت أني قتلت, ثم نشرت, ثم قتلت, حتى أقتل هكذا ألف مرة، وأن الله تعالى يدفع بذلك القتل عن نفسك، وعن أنفس هؤلاء الفتيان من أهل بيتك. وتكلم جماعة أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضا في وجه واحد، فجزاهم الحسين (ع) خيرا وانصرف إلى مضربه. (2)

----------------------

(1) الى هنا في تاريخ الطيري ومقتل الحسين (ع) لأبو مخنف

(2) الإرشاد ج 2 ص 91, بحار الأنوار ج 44 ص 392, روضة الواعظين ص 183 نحوه, إعلام الورى ج 1 ص 455 نحوه, تاريخ الطبري ج 4 ص 317 نحوه, مقتل الحسين (ع) لأبي مخنف ص 107 نحوه

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الاسلامية

 

عن الإمام زين العابدين (ع) في حديث المقتل: لما وصل الكتاب (من عبيد الله بن زياد لعنه الله) إلى‏ عمر بن سعد، أمر مناديه، فنادى‏: إنا قد أجلنا حسينا وأصحابه يومهم وليلتهم، فشق ذلك على الحسين (ع) وعلى‏ أصحابه، فقام الحسين (ع) في أصحابه خطيبا، فقال: اللهم إني لا أعرف أهل بيت أبر ولا أزكى‏ ولا أطهر من أهل بيتي، ولا أصحابا هم خير من أصحابي، وقد نزل بي ما قد ترون، وأنتم في حل من بيعتي، ليست لي في أعناقكم بيعة، ولا لي عليكم ذمة، وهذا الليل قد غشيكم، فاتخذوه جملا، وتفرقوا في سواده، فإن القوم إنما يطلبونني، ولو ظفروا بي لذهلوا عن طلب غيري. فقام إليه عبد الله بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب (ع)، فقال: يابن رسول الله، ماذا يقول لنا الناس إن نحن خذلنا شيخنا وكبيرنا وسيدنا، وابن سيد الأعمام، وابن نبينا سيد الأنبياء، لم نضرب معه بسيف، ولم نقاتل معه برمح؟ لا والله، أو نرد موردك، ونجعل أنفسنا دون نفسك، ودماءنا دون دمك، فإذا نحن فعلنا ذلك فقد قضينا ما علينا، وخرجنا مما لزمنا. وقام إليه رجل يقال له زهير بن القين البجلي، فقال: يا بن رسول الله، وددت أني قتلت، ثم نشرت، ثم قتلت، ثم نشرت، ثم قتلت، ثم نشرت فيك وفي الذين معك مئة قتلة، وإن الله دفع بي عنكم أهل البيت. فقال له ولأصحابه: جزيتم خيرا.

--------

الأمالي للصدوق ص 155, بحار الأنوار ج 44 ص 315

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الاسلامية

 

عن أبي حمزة الثمالي: قال علي بن الحسين (ع): كنت مع أبي الليلة التي قتل صبيحتها، فقال لأصحابه: هذا الليل فاتخذوه جملا, فإن القوم إنما يريدونني، ولو قتلوني لم يلتفتوا إليكم، وأنتم في حل وسعة، فقالوا: لا والله، لا يكون هذا أبدا. قال: إنكم تقتلون غدا كذلك، لا يفلت منكم رجل. قالوا: الحمد لله‏ الذي شرفنا بالقتل معك. ثم دعا، وقال لهم: ارفعوا رؤوسكم وانظروا. فجعلوا ينظرون إلى‏ مواضعهم ومنازلهم من الجنة، وهو يقول لهم: هذا منزلك يا فلان، وهذا قصرك يا فلان، وهذه درجتك يا فلان. فكان الرجل يستقبل الرماح والسيوف بصدره، ووجهه ليصل إلى‏ منزله من الجنة.

--------

الخرائج ج 2 ص 847, بحار الأنوار ج 44 ص 298, رياض الأبرار ج 1 ص 192

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الاسلامية

 

عن سكينة بنت الحسين (ع)، أنها قالت: كنت جالسة في ليلة مقمرة وسط الخيمة، وإذا أنا أسمع من خلفها بكاء وعويلا، فخشيت أن يفقه بي النساء، فخرجت أعثر بأذيالي وإذا بأبي (ع) جالس، وحوله أصحابه وهو يبكي وسمعته يقول لهم: إعلموا، أنكم خرجتم معي لعلمكم أني أقدم على قوم بايعوني بألسنتهم وقلوبهم، وقد انعكس الأمر لأنهم استحوذ عليهم الشيطان فأنسيهم ذكر الله، والآن ليس لهم مقصد إلا قتلي وقتل من يجاهد بين يدي، وسبي حريمي بعد سلبهم، وأخشى أن تكونوا ما تعلمون وتستحيون. والخدع عندنا أهل البيت محرم، فمن كره منكم ذلك فلينصرف، فالليل ستير والسبيل غير خطير والوقت ليس بهجير، ومن واسانا بنفسه كان معنا غدا في الجنان نجيا من غضب الرحمن، وقد قال جدي محمد (ص): ولدي الحسين يقتل بأرض كربلاء غريبا وحيدا عطشانا فريدا، فمن نصره فقد نصرني ونصر ولده القائم، ولو نصرنا بلسانه فهو في حزبنا يوم القيمة. قالت سكينة (ع): فوالله! ما أتم كلامه إلا وتفرق القوم من عشرة وعشرين، فلم يبق معه إلا واحد وسبعون رجلا فنظرت إلى أبي منكسا رأسه فخنقتني العبرة، فخشيت أن يسمعني ورفعت طرفي إلى السماء وقلت: أللهم إنهم خذلونا، فاخذلهم ولا تجعل لهم دعاء مسموعا، وسلط عليهم الفقر، ولا ترزقهم شفاعة جدي يوم القيامة، ورجعت ودموعي تجري على خدي، فرأتني عمتي أم كلثوم فقالت: ما دهاك يا بنتاه! فأخبرتها الخبر فصاحت: وا جداه! وا علياه! وا حسناه! وا حسيناه! واقلة ناصراه! أين الخلاص من الأعداء؟ ليتهم يقنعون بالفداء! تركت جوار جدك وسلكت بنا بعد المدى! فعلا منا البكاء والنحيب، فسمع أبي ذلك فأتى إلينا يعثر في أذياله ودموعه تجري وقال: ما هذا البكاء؟ فقالت: يا أخي! ردنا إلى حرم جدنا. فقال (ع): يا أختاه! ليس لي إلى ذلك سبيل. قالت: أجل، ذكرهم محل جدك وأبيك وأمك وأخيك. قال: ذكرتهم فلم يذكروا ووعظتهم فلم يتعظوا ولم يسمعوا قولي، فما لهم غير قتلي سبيل ولا بد أن تروني على الثرى جديلا، ولكن أوصيكن بتقوى الله رب البرية، والصبر على البلية، وكظم نزول الرزية، وبهذا وعد جدكم، ولا خلف لما أوعد ودعتكم إلهي الفرد الصمد. ثم تباكينا ساعة والإمام (ع) يقول: {وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}

-------------------------

معالي السبطين ص 314 عن إيقاد القلوب

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الاسلامية

 

رجع ( الإمام الحسين (ع)) إلى‏ مكانه، فقام الليل كله يصلي ويستغفر، ويدعو ويتضرع، وقام أصحابه كذلك يصلون ويدعون ويستغفرون. (1) قال الضحاك بن عبد الله: ومر بنا خيل لابن سعد يحرسنا، وإن حسينا (ع) ليقرأ: {ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملى لهم خير لانفسهم إنما نملى لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين ما كان الله ليذر المؤمنين على‏ ما أنتم عليه حتى‏ يميز الخبيث من الطيب}، فسمعها من تلك الخيل رجل يقال له عبد الله بن سمير، وكان مضحاكا، وكان شجاعا بطلا فارسا فاتكا شريفا، فقال: نحن ورب الكعبة الطيبون، ميزنا منكم. فقال له برير بن خضير: يا فاسق! أنت يجعلك الله من الطيبين!! فقال له: من أنت ويلك؟ قال: أنا برير بن خضير، فتسابا.

-------------------------

(1) من هنا في روضة الواعظين

(2) الإرشاد ج 2 ص 94, بحار الأنوار ج 45 ص 3, روضة الواعظين ص 184

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الاسلامية

 

أقبل الشمر بن ذي الجوشن (لعنه الله) في نصف الليل ومعه جماعة من أصحابه حتى‏ تقارب من عسكر الحسين (ع)، والحسين (ع) قد رفع صوته وهو يتلو هذه الآية {ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملى لهم}، إلى‏ آخرها. قال: فصاح لعين من أصحاب شمر بن ذي الجوشن (لعنه الله): نحن ورب الكعبة الطيبون، وأنتم الخبيثون! وقد ميزنا منكم. قال: فقطع برير الصلاة، فناداه: يا فاسق! يا فاجر! يا عدو الله! أمثلك يكون من الطيبين؟! ما أنت إلا بهيمة ولا تعقل، فأبشر بالنار يوم القيامة والعذاب الأليم. قال: فصاح به شمر بن ذي الجوشن (لعنه الله) وقال: أيها المتكلم، إن الله تبارك وتعالى‏ قاتلك وقاتل صاحبك عن قريب. فقال له برير: يا عدو الله! أبالموت تخوفني، والله، إن الموت أحب إلينا من الحياة معكم! والله، لا ينال شفاعة محمد (ص) قوم أراقوا دماء ذريته وأهل بيته. قال: وأقبل رجل من أصحاب الحسين (ع) إلى‏ برير بن حضير، فقال له: رحمك الله يا برير! إن أبا عبد الله يقول لك: ارجع إلى‏ موضعك ولا تخاطب القوم، فلعمري لئن كان مؤمن آل فرعون نصح لقومه وأبلغ في الدعاء، فلقد نصحت وأبلغت في النصح.

-------------------------

الفتوح ج 5 ص 99

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الاسلامية

 

روي لما نزل الحسين (ع) في كربلاء كان أخص أصحابه به وأكثرهم ملازمة له هلال بن نافع (1) سيما في مظان الاغتيال لأنه كان حازما بصيرا بالسياسة، فخرج الحسين (ع) ذات ليلة إلى خارج الخيم حتى أبعد فتقلد هلال سيفه وأسرع في مشيه حتى لحقه، فرآه يختبر الثنايا والعقبات والاكمات المشرفة على المنزل, ثم التفت إلى خلفه فرآني، فقال (ع): من الرجل؟ هلال؟ قلت: نعم جعلني الله فداك, أزعجني خروجك ليلا إلى جهة معسكر هذا الطاغي, فقال: يا هلال خرجت أتفقد هذه التلاع مخافة أن تكون كناء لهجوم الخيل على مخيمنا يوم تحملون ويحملون, ثم رجع وهو قابض على يساري ويقول: هي هي والله! وعد لا خلف فيه, ثم قال: يا هلال ألا تسلك ما بين هذين الجبلين من وقتك هذا وانج بنفسك؟ فوقع على قدميه وقال: إذا ثكلت هلالا أمه!! سيدي إن سيفي بألف وفرسي مثله، فوالله الذي من علي بك لا أفارقك حتى يكلا عن قري وجري! ثم فارقني ودخل خيمة أخته (ع)، فوقفت إلى جنبها رجاء أن يسرع في خروجه منها، فاستقبلته ووضعت له متكئا وجلس يحدثها سرا، فما لبثت أن اختنقت بعبرتها وقالت: وا أخاه!! أشاهد مصرعك وأبتلي برعاية هذه المذاعير من النساء والقوم كما تعلم ما هم عليه من الحقد القديم! ذلك خطب جسيم يعز علي مصرع هؤلاء الفتية الصفوة وأقمار بني هاشم! ثم قالت: أخي هل استعلمت من أصحابك نياتهم فإني أخشى أن يسلموك عند الوثبة واصطكاك الأسنة؟ فبكى (ع) وقال: أما والله لقد نهرتهم وبلوتهم وليس فيهم الأشوس الأقعس, يستأنسون بالمنية دوني استئناس الطفل بلبن أمه! فلما سمع هلال ذلك بكى رقة ورجع وجعل طريقه على منزل حبيب بن مظاهر، فرآه جالسا وبيده سيف مصلت، فسلم عليه وجلس على باب الخيمة, ثم قال له: ما أخرجك يا هلال فحكيت له ما كان، فقال: إي والله! لولا انتظار أمره لعاجلتهم وعالجتهم هذه الليلة بسيفي, ثم قال هلال: يا حبيبي فارقت الحسين (ع) عند أخته وهي في حال وجل ورعب، وأظن أن النساء أفقن وشاركنها في الحسرة والزفرة، فهل لك أن تجمع أصحابك وتواجهن بكلام يسكن قلوبهن ويذهب رعبهن فلقد شاهدت منها ما لا قرار لي مع بقائه, فقال له: طوع إرادتك, فبرز حبيب ناحية وهلال إلى جانبه وانتدب أصحاب فتطالعوا من منازلهم، فلما اجتمعوا قال لبني هاشم: ارجعوا إلى منازلكم لا سهرت عيونكم، ثم خطب أصحابه وقال: يا أصحاب الحمية وليوث الكريهة, هذا هلال يخبرني الساعة بكيت وكيت، وقد خلف أخت سيدكم وبقايا عياله يتشاكين ويتباكين! أخبروني عما أنتم عليه؟ فجردوا صوارمهم ورموا عمائمهم وقالوا: يا حبيب أما والله الذي من علينا بهذا الموقف لئن زحف القوم لنحصدن رؤوسهم ولنلحقنهم بأشياخهم أذلاء صاغرين ولنحفظن وصية رسول الله (ص) في أبنائه وبناته! فقال: هلموا معي، فقام يخبط الارض وهم يعدون خلفه حتى وقف بين أطناب الخيم ونادى: يا أهلنا ويا ساداتنا ويا معاشر حرائر رسول الله (ص)، هذه صوارم فتيانكم آلوا أن لا يغمدوها إلا في رقاب من يبتغي السوء فيكم، وهذه أسنة غلمانكم أقسموا أن لا يركضوها إلا في صدور من يفرق ناديكم, فقال الحسين (ع): أخرجن عليهم يا آل الله، فخرجن وهن ينتدبن وهن يقلن حاموا أيها الطيبون عن الفاطميات! ما عذركم إذا لقينا جدنا رسول الله (ص) وشكونا إليه ما نزل بنا, وقال أليس حبيب وأصحاب حبيب كانوا حاضرين يسمعون وينظرون؟ فوالله الذي لا إله إلا هو لقد ضجوا ضجة ماجت منها الارض واجتمعت لها خيولهم وكان لها جولة واختلاف وصهيل حتى كأن كلا ينادي صاحبه وفارسه. (2)

-----------------------

(1) لعله تصحيف والصحيح هو: نافع بن هلال وكذلك في بقية الرواية

(2) كلمات الإمام الحسين (ع) ص406, وورد في الدمعة الساكبة

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الاسلامية

 

عن فخر المخدرات زينب (ع) قالت: لما كانت ليلة عاشوراء من المحرم خرجت من خيمتي لأتفقد أخي الحسين (ع) وأنصاره، وقد أفرد له خيمة، فوجدته جالسا وحده يناجي ربه ويتلو القرآن، فقلت في نفسي أفي مثل هذه الليلة يترك أخي وحده؟! والله لأمضين إلى إخوتي وبني عمومتي وأعاتبهم بذلك, فأتيت إلى خيمة العباس (ع) فسمعت منها همهمة ودمدمة، فوقفت على ظهرها فنظرت فيها فوجدت بني عمومتي وإخوتي وأولاد إخوتي مجتمعين كالحلقة وبينهم العباس بن أمير المؤمنين (ع) وهو جاث على ركبتيه كالاسد على فريسته، فخطب فيهم خطبة ما سمعتها إلا من الحسين (ع), مشتملة بالحمد والثناء لله والصلاة والسلام على النبي (ص) ثم قال في آخر خطبته: يا إخوتي وبني إخوتي وبني عمومتي إذا كان الصباح فما تقولون؟ فقالوا: الأمر إليك يرجع ونحن لا نتعدى لك قولك, فقال العباس: إن هؤلاء, أعني الاصحاب, قوم غرباء، والحمل الثقيل لا يقوم إلا بأهله، فإذا كان الصباح فأول من يبرز إلى القتال أنتم، نحن نقدمهم للموت لئلا يقول الناس: قدموا أصحابهم، فلما قتلوا عالجوا الموت بأسيافهم ساعة بعد ساعة, فقامت بنو هاشم وسلوا سيوفهم في وجه أخي العباس وقالوا: نحن على ما أنت عليه.

قالت زينب (ع): فلما رأيت كثرة اجتماعهم، وشدة عزمهم واظهار شيمتهم، سكن قلبي وفرحت، ولكن خنقتني العبرة، فأردت أن أرجع إلى أخي الحسين (ع) وأخبره بذلك فسمعت من خيمة حبيب بن مظاهر همهمة ودمدمة، فمضيت إليها ووقفت بظهرها ونظرت فيها فوجدت الأصحاب على نحو بني هاشم مجتمعين كالحلقة وبينهم حبيب بن مظاهر وهو يقول: يا أصحابي لم جئتم إلى هذا المكان؟ أوضحوا كلامكم رحمكم الله؟ فقالوا: أتينا لننصر غريب فاطمة! فقال لهم: لم طلقتم حلائلكم؟ فقالوا: لذلك, قال حبيب: فإذا كان في الصباح فما أنتم قائلون؟ فقالوا: الرأي رأيك ولا نتعدى قولا لك, قال: فإذا صار الصباح فأول من يبرز إلى القتال أنتم، نحن نقدمهم القتال ولا نرى هاشميا مضرجا بدمه وفينا عرق يضرب لئلا يقول الناس: قدموا ساداتهم للقتال وبخلوا عليهم بأنفسهم، فهزوا سيوفهم على وجهه وقالوا: نحن على ما أنت عليه. قالت زينب (ع): ففرحت من ثباتهم، ولكن خنقتني العبرة، فانصرفت عنهم وأنا باكية، وإذا بأخي الحسين قد عارضني فسكنت نفسي, وتبسمت في وجهه فقال (ع): أخية! فقلت: لبيك يا أخي, فقال (ع): يا أختاه منذ رحلنا من المدينة ما رأيتك متبسمة، أخبريني ما سبب تبسمك؟ فقلت له: يا أخي رأيت من فعل بني هاشم والاصحاب كذا وكذا, فقال لي: يا أختاه اعلمي، إن هؤلاء أصحابي من عالم الذر، وبهم وعدني جدي رسول الله (ص), هل تحبين أن تنظري إلى ثبات أقدامهم؟ فقلت: نعم, فقال (ع): عليك بظهر الخيمة, قالت زينب: فوقفت على ظهر الخيمة فنادى أخي الحسين (ع): أين إخواني وبنو أعمامي! فقامت بنو هاشم، وتسابق منهم العباس (ع) وقال: لبيك لبيك ما تقول!! فقال الحسين (ع): أريد أن أجدد لكم عهدا, فأتى أولاد الحسين، وأولاد الحسن، وأولاد علي، وأولاد جعفر، وأولاد عقيل، فأمرهم بالجلوس فجلسوا, ثم نادى: أين حبيب بن مظاهر! أين زهير! أين هلال! أين الاصحاب! فأقبلوا وتسابق منهم حبيب بن مظاهر وقال: لبيك يا أبا عبد الله!! فأتوا إليه وسيوفهم بأيديهم، فأمرهم بالجلوس فجلسوا، فخطب فيهم خطبة بليغة ثم قال: يا أصحابي اعلموا أن هؤلاء القوم ليس لهم قصد سوى قتلي وقتل من هو معي وأنا أخاف عليكم من القتل، فأنتم في حل من بيعتي، ومن أحب منكم الانصراف فلينصرف في سواد هذا الليل, فعند ذلك قامت بنو هاشم وتكلموا بما تكلموا، وقام الاصحاب وأخذوا يتكلمون بمثل كلامهم، فلما رأى الحسين (ع) حسن إقدامهم وثبات أقدامهم قال (ع): إن كنتم كذلك فارفعوا رؤوسكم وانظروا إلى منازلكم في الجنة, فكشف لهم الغطاء ورأوا منازلهم وحورهم وقصورهم فيها، والحور العين ينادين العجل العجل فإنا مشتاقات اليكم، فقاموا بأجمعهم وسلوا سيوفهم وقالوا: يا أبا عبد الله ائذن لنا أن نغير على القوم ونقاتلهم حتى يفعل الله بنا وبهم ما يشاء, فقال (ع): اجلسوا رحمكم الله وجزاكم الله خيرا, ثم قال: ألا ومن كان في رحله امرأة فلينصرف بها إلى بني أسد، فقام علي ابن مظاهر وقال: ولماذا يا سيدي؟ فقال (ع): إن نسائي تسبى بعد قتلي وأخاف على نسائكم من السبي, فمضى علي بن مظاهر إلى خيمته فقامت زوجته إجلالا له فاستقبلته وتبسمت في وجهه فقال لها: دعيني والتبسم، فقالت: يا ابن مظاهر إني سمعت غريب فاطمة خطب فيكم وسمعت في آخرها همهمة ودمدمة فما علمت ما يقول, قال: يا هذه إن الحسين (ع) قال لنا: ألا ومن كان في رحله امرأة فليذهب بها إلى بني عمها لأني غدا أقتل ونسائي تسبى, فقالت: وما أنت صانع؟! قال: قومي حتى ألحقك ببني عمك بني أسد, فقامت ونطحت رأسها في عمود الخيمة وقالت: والله ما أنصفتني يا ابن مظاهر!! أيسرك أن تسبى بنات رسول الله (ص) وأنا آمنة من السبي!! أيسرك أن تسلب زينب إزارها من رأسها وأنا أستتر بإزاري!! أيسرك أن تذهب من بنات الزهراء أقراطها وأنا أتزين بقرطي!! أيسرك أن يبيض وجهك عند رسول الله ويسود وجهي عند فاطمة الزهراء!! والله أنتم تواسون الرجال ونحن نواسي النساء, فرجع علي بن مظاهر إلى الحسين (ع) وهو يبكي فقال له الحسين (ع): ما يبكيك؟! فقال: سيدي أبت الأسدية إلا مواساتكم، فبكى الحسين (ع) وقال: جزيتم منا خيرا.

-----------------------

معالي السبطين ص 315

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الاسلامية

 

وبات الحسين (ع) وأصحابه تلك الليلة، ولهم دوي كدوي النحل، ما بين راكع وساجد، وقائم وقاعد، فعبر إليهم في تلك الليلة من عسكر عمر بن سعد اثنان وثلاثون رجلا.

-----------------------

مثير الأحزان ص 39, بحار الأنوار ج 44 ص 394, اللهوف ص 57

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الاسلامية