مظلوميته

عن عنبسة قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: أشكو إلى الله وحدتي, وتقلقلي من أهل المدينة, حتى تقدموا وأراكم وأسر بكم, فليت هذه الطاغية أذن لي فاتخذت قصرا فسكنته, وأسكنتكم معي, وأضمن له أن لا يجي‏ء من ناحيتنا مكروه أبدا.

----------------

الكافي ج 8 ص 215, رجال الكشي ص 365, الوافي ج 5 ص 742, بحار الأنوار ج 47 ص 185, مستدرك الوسائل ج 8 ص 277

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الإسلامية

 

عن عيص بن القاسم قال: دخلت على أبي عبد الله (ع) مع خالي سليمان بن خالد, فقال لخالي: من هذا الفتى؟ قال: هذا ابن أختي, قال (ع): فيعرف أمركم؟ فقال له: نعم, فقال (ع): الحمد لله الذي لم يجعله شيطانا, ثم قال: يا ليتني وإياكم بالطائف أحدثكم, وتؤنسوني وأضمن لهم أن لا نخرج عليهم أبد.

---------------

رجال الكشي ص 361, بحار الأنوار ج 47 ص 185

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الإسلامية

 

عن المفضل بن عمر: أن المنصور قد كان هم بقتل أبي عبد الله (ع) غير مرة, فكان إذا بعث إليه ودعاه ليقتله, فإذا نظر إليه هابه ولم يقتله, غير أنه منع الناس عنه, ومنعه من القعود للناس, واستقصى عليه أشد الاستقصاء, حتى أنه كان يقع لأحدهم مسألة في دينه في نكاح أو طلاق أو غير ذلك, فلا يكون علم ذلك عندهم, ولا يصلون إليه فيعتزل الرجل وأهله, فشق ذلك على شيعته وصعب عليهم, حتى ألقى الله عز وجل في روع المنصور, أن يسأل الصادق (ع) ليتحفه بشي‏ء من عنده لا يكون لأحد مثله, فبعث إليه بمخصرة كانت للنبي (ص) طولها ذراع, ففرح بها فرحا شديدا, وأمر أن تشق له أربعة أرباع, وقسمها في أربعة مواضع, ثم قال له: ما جزاؤك عندي, إلا أن أطلق لك وتفشي علمك لشيعتك, ولا أتعرض لك ولا لهم, فاقعد غير محتشم وأفت الناس ولا تكن في بلد أنا فيه, ففشى العلم عن الصادق (ع).

--------------

مناقب آل أبي طالب (ع) ج 4 ص 238, مدينة المعاجز ج 5 ص 244, بحار الأنوار ج 47 ص 180

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الإسلامية

 

عن رفاعة عن رجل، عن أبي عبد الله (ع) قال: دخلت على أبي العباس (1) بالحيرة، فقال: يا أبا عبد الله ما تقول في الصيام اليوم؟ فقلت: ذاك إلى الامام إن صمت صمنا وإن أفطرت أفطرنا، فقال: يا غلام علي بالمائدة فأكلت معه، وأنا أعلم والله أنه يوم من شهر رمضان، فكان إفطاري يوما وقضاؤه أيسر علي من أن يضرب عنقي ولا يعبد الله‏. (2) (3)

-----------

(1) أبو العباس السفاح وهو أول خلفاء بني العباس

(2) العلانة النجلسي في مرآة العقول في شرح الاحديث: يدل على وجوب التقية وإن كان في ترك الفرائض... قوله عليه السلام: "ولا يعبد الله" أي يكون قتلي سببا لأن يترك الناس عبادة الله, فإن العبادة إنما تكون بالإمام وولايته ومتابعته

(3) الكافي ج 4 ص 82, وسائل الشيعة ج 10 ص 132, هداية الأمة ج 4 ص 203, حلية الأبرار ج 4 ص 75

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الاسلامية

 

عن خلاد بن عمارة، قال: قال أبو عبد الله (ع): دخلت على أبي العباس في يوم شك وأنا أعلم أنه من شهر رمضان فهو يتغدى فقال: يا أبا عبد الله ليس هذا من أيامك. فقلت: لم يا أمير المؤمنين؟ ما صومي إلا بصومك ولا إفطاري إلا بإفطارك. قال: فقال: أدن. قال: فدنوت فأكلت، وأنا والله أعلم أنه من شهر رمضان‏.

-----------

التهذيب ج 4 ص 317, الوافي ج 11 ص 158, وسائل الشيعة ج 10 ص 132, حلية الأبرار ج 4 ص 72, الصراط المستقيم ج 3 ص 73 باختصار

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الاسلامية

 

عن الرضا عن أبيه (ع) قال: أرسل أبو جعفر الدوانيقي إلى جعفر بن محمد (ع) ليقتله, وطرح له سيفا ونطعا, وقال: يا ربيع, إذا أنا كلمته ثم ضربت بإحدى يدي على الأخرى فاضرب عنقه, فلما دخل جعفر بن محمد (ع) ونظر إليه من بعيد تحرك أبو جعفر على فراشه, قال: مرحبا وأهلا بك يا أبا عبد الله, ما أرسلنا إليك إلا رجاء أن نقضي دينك ونقضي ذمامك, ثم ساءله مساءلة لطيفة عن أهل بيته, وقال:‏ قد قضى الله حاجتك ودينك, وأخرج جائزتك يا ربيع, لا تمضين ثلاثة حتى يرجع جعفر إلى أهله, فلما خرج قال له الربيع: يا أبا عبد الله, رأيت السيف إنما كان وضع لك والنطع, فأي شي‏ء رأيتك تحرك به شفتيك؟ قال جعفر بن محمد (ع): نعم يا ربيع, لما رأيت الشر في وجهه, قلت: حسبي الرب من المربوبين, وحسبي الخالق من المخلوقين, وحسبي الرازق من المرزوقين, وحسبي الله رب العالمين, حسبي من هو حسبي, حسبي من لم يزل حسبي, {حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم}.

---------------

عيون أخبار الرضا (ع) ج 1 ص 304, مدينة المعاجز ج 5 ص 374, بحار الأنوار ج 47 ص 162, إثبات الهداة ج 4 ص 150 بعضه

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الإسلامية

 

روى ان داود بن علي بن عبد الله بن عباس قتل المعلى بن خنيس مولى جعفر بن محمد (ع) واخذ ما له, فدخل عليه جعفر (ع) وهو يجر ردائه, فقال له: قتلت مولاي, واخذت مالي, أما علمت أن الرجل ينام على الثكل ولا ينام على الحرب, أما والله لأدعون الله عليك, فقال له داود: أتهددنا بدعائك؟ كالمستهزئ بقوله, فرجع أبو عبد الله (ع) إلى داره, فلم يزل ليله كله قائما وقاعدا حتى إذا كان السحر سمع وهو يقول في مناجاته: يا ذا القوة القوية, ويا ذا المحال الشديد, ويا ذا العزة التي كل خلقك لها ذليل, اكفنى هذه الطاغية وانتقم لي منه, فما كان إلا ساعة حتى ارتفعت الأصوات بالصياح, وقيل: قد مات داود بن علي الساعة.

-------

الإرشاد ج 2 ص 184, روضة الواعظين ج 1 ص 209, إعلام الورى ص 276, بحار الأنوار ج 92 ص 221, مستدرك الوسائل ج 5 ص 299

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الإسلامية

 

عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله (ع): إن المعلى بن خنيس ينال درجتنا, وإن المدينة من قابل يليها داود بن عروة, ويستدعيه ويأمره أن يكتب له أسماء شيعتنا, فيأبى فيقتله ويصلبه فينا, وبذلك ينال درجتنا, فلما ولي داود المدينة من قابل, أحضر المعلى وسأله عن الشيعة, فقال: ما أعرفهم, فقال: اكتبهم لي وإلا ضربت عنقك, فقال: بالقتل تهددني؟ والله لو كانت تحت أقدامي ما رفعتها عنهم, فأمر بضرب عنقه وصلبه, فلما دخل عليه الصادق (ع) قال: يا داود, قتلت مولاي ووكيلي, وما كفاك القتل حتى صلبته, والله لأدعون الله عليك ليقتلك كما قتلته, فقال له داود: تهددني بدعائك؟ ادع الله لك فإذا استجاب لك فادعه علي, فخرج أبو عبد الله (ع) مغضبا, فلما جن الليل اغتسل واستقبل القبلة, ثم قال (ع): يا ذا يا ذي يا ذوا, ارم داود بسهم من سهامك, تقلقل به قلبه, ثم قال (ع) لغلامه: اخرج واسمع الصائح, فجاء الخبر أن داود قد هلك, فخر الإمام ساجدا, وقال: إنه لقد دعوت الله عليه بثلاث كلمات, لو أقسمت على أهل الأرض لزلزلت بمن عليها.

--------------

مشارق أنوار اليقين ص 143, إثبات الهداة ج 4 ص 184, بحار الأنوار ج 47 ص 181

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الإسلامية

 

عن علي بن ميسرة قال: لما قدم أبو عبد الله (ع) على أبي جعفر – المنصور - أقام أبو جعفر مولى له على رأسه، وقال له: اذا دخل علي فاضرب عنقه، فلما دخل أبو عبد الله (ع) نظر إلى أبي جعفر وأسر شيئا فيما بينه وبين نفسه لا يدرى ما هو، ثم أظهر: يا من يكفي خلقه كلهم ولا يكفيه أحد إكفني شر عبد الله بن علي. قال: فصار أبو جعفر لا يبصر مولاه، وصار مولاه لا يبصره، فقال أبو جعفر: يا جعفر بن محمد لقد عييتك في هذا الحر فانصرف، فخرج أبو عبد الله (ع) من عنده، فقال أبو جعفر لمولاه: ما منعك أن تفعل ما أمرتك به؟ فقال: لا والله ما أبصرته ولقد جاء شي‏ء فحال بيني وبينه، فقال أبو جعفر له: والله لئن حدثت بهذا الحديث أحدا لأقتلنك‏.

------------

الكافي ج 2 ص 559, الثاقب في المناقب ص 422, الخرائج ج 2 ص 773, مختصرالبصائر ص 65, الوافي ج 9 ص 11625, إثبات الهداة ج 4 ص 141, حلية الأبرار ج 4 ص 73, مدينة المعاجز ج 5 ص 234, بصائر الدرجات ج 1 ص 494, بحار الانوار ج 47 ص 169

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الاسلامية

 

عن معاوية بن عمار، والعلاء بن سيابة، وظريف بن ناصح‏ قال: لما بعث أبو الدوانيق‏ - المنصور - إلى أبي عبد الله (ع) رفع يده إلى السماء ثم قال: أللهم إنك حفظت الغلامين بصلاح أبويهما فاحفظني بصلاح آبائي محمد، وعلي، والحسن، والحسين وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي (ع) أللهم إني أدرء بك في نحره، وأعوذ بك من شره، ثم قال للجمال: سر، فلما إستقبله الربيع‏ بباب أبي الدوانيق قال له: يا أبا عبد الله ما أشد باطنه عليك! لقد سمعته يقول: والله لا تركت لهم نخلا إلا عقرته، ولا مالا إلا نهبته، ولا ذرية إلا سبيتها، قال: فهمس‏ بشي خفي وحرك شفتيه، فلما دخل سلم وقعد فرد (ع)، ثم قال: أما والله لقد هممت أن لا أترك لك نخلا إلا عقرته، ولا مال إلا أخذته. فقال أبو عبد الله (ع): يا أمير المؤمنين إن الله إبتلى أيوب فصبر، وأعطى داود فشكر، وقدر يوسف فغفر، وأنت من ذلك النسل، ولا يأتي ذلك النسل إلا بما يشبهه فقال: صدقت فقد عفوت عنكم، فقال له: يا أمير المؤمنين إنه لم ينل منا أهل البيت أحد دما إلا سلبه الله‏ ملكه، فغضب لذلك وإستشاط فقال: على رسلك‏ يا أمير المؤمنين إن هذا الملك كان في آل أبي سفيان فلما قتل يزيد حسينا سلبه الله ملكه، فورثه الله آل مروان، فلما قتل هشام زيدا سلبه الله ملكه، فورثه مروان بن محمد، فلما قتل مروان إبراهيم‏ سلبه الله ملكه، فأعطاكموه فقال: صدقت هات ارفع حوائجك فقال: الإذن، فقال: هو في يدك متى شئت، فخرج فقال له الربيع: قد أمر لك بعشرة آلاف درهم، قال: لا حاجة لي فيها، قال: إذن تغضبه فخذها ثم تصدق بها.

---------------

الكافي ج 2 ص 562, حلية الأبرار ج 4 ص 73, مدينة المعاجز ج 5 ص 237, الوافي ج 9 ص 1626, بحار الأنوار ج 47 ص 208

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الاسلامية

 

روي: أن أبا عبد الله (ع) قال: دعاني أبو جعفر الخليفة ومعي عبد الله بن الحسن, وهو يومئذ نازل بالحيرة قبل أن تبنى بغداد, يريد قتلنا لا يشك الناس فيه, فلما دخلت عليه دعوت الله بكلام فقال لابن نهيك وهو القائم على رأسه: إذا ضربت بإحدى يدي على الأخرى فلا تناظره حتى تضرب عنقه, فلما تكلمت بما أردت, نزع الله من قلب أبي جعفر الخليفة الغيظ, فلما دخلت أجلسني مجلسه, وأمر لي بجائزة, وخرجنا من عنده, فقال له أبو بصير وكان حضر ذلك المجلس: ما كان الكلام؟ قال (ع): دعوت الله بدعاء يوسف, فاستجاب الله لي ولأهل بيتي.

---------------

الخرائج والجرائح ج 2 ص 635, الدر النظيم ص 629, بحار الأنوار ج 47 ص 170

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الإسلامية

 

عن هارون بن خارجة قال: كان رجل من أصحابنا طلق امرأته ثلاثا, فسأل أصحابنا فقالوا: ليس بشي‏ء, فقالت امرأته: لا أرضى حتى تسأل أبا عبد الله (ع), وكان بالحيرة إذ ذاك أيام أبي العباس قال: فذهب إلى الحيرة, ولم أقدر على كلامه. إذ منع الخليفة الناس من الدخول على أبي عبد الله (ع), وأنا أنظر كيف ألتمس لقاءه, فإذا سوادي عليه جبة صوف يبيع خيارا, فقلت له: بكم خيارك هذا كله؟ قال: بدرهم, فأعطيته درهما, وقلت له: أعطني جبتك هذه, فأخذتها ولبستها وناديت من يشتري خيارا ودنوت منه, فإذا غلام من ناحية ينادي: يا صاحب الخيار, فقال (ع) لي لما دنوت منه: ما أجود ما احتلت, أي شي‏ء حاجتك؟ قلت: إني ابتليت فطلقت أهلي في دفعة ثلاثا, فسألت أصحابنا فقالوا: ليس بشي‏ء, وإن المرأة قالت: لا أرضى حتى تسأل أبا عبد الله (ع) فقال (ع): ارجع إلى أهلك, فليس عليك شي‏ء.

---------------

الخرائج والجرائح ج 2 ص 642, بحار الأنوار ج 47 ص 171

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الإسلامية

 

عن الرضا، عن أبيه (ع) قال: جاء رجل إلى جعفر بن محمد (ع) فقال: انج بنفسك، فهذا فلان بن فلان قد وشى بك إلى المنصور, وذكر أنك تأخذ البيعة لنفسك على الناس لتخرج عليهم, فتبسم (ع) وقال: يا أبا عبد الله, لا ترع! فإن الله إذا أراد إظهار فضيلة كتمت أو جحدت أثار عليها حاسدا باغيا يحركها حتى يبينها، اقعد معي حتى يأتي الطلب فتمضي معي إلى هناك حتى تشاهد ما يجري من قدرة الله التي لا معدل لها عن مؤمن, فجاء الرسول وقال: أجب أمير المؤمنين, فخرج الصادق (ع), ودخل وقد امتلأ المنصور غيظا وغضبا! فقال له: أنت الذي تأخذ البيعة لنفسك على المسلمين تريد أن تفرق جماعتهم، وتسعى في هلكتهم، وتفسد ذات بينهم؟! فقال الصادق (ع): ما فعلت شيئا من هذا, قال المنصور: فهذا فلان يذكر أنك فعلت كذا، وأنه أحد من دعوته إليك, فقال (ع): إنه لكاذب, قال المنصور: إني أحلفه فإن حلف كفيت نفسي مؤنتك, فقال الصادق (ع): إنه إذا حلف كاذبا باء بإثم, فقال المنصور لحاجبه: حلف هذا الرجل على ما حكاه عن هذا, يعني الصادق (ع), فقال له الحاجب: قل: والله الذي لا إله إلا هو، وجعل يغلظ عليه اليمين, فقال الصادق (ع): لا تحلفه هكذا، فإني سمعت أبي (ع) يذكر عن جدي رسول الله (ص) أنه قال: إن من الناس من يحلف كاذبا فيعظم الله في يمينه، ويصفه بصفاته الحسنى، فيأتي تعظيمه لله على إثم كذبه ويمينه فيؤخر عنه البلاء، ولكن دعني أحلفه باليمين التي حدثني بها أبي (ع) عن جدي عن رسول الله (ص), أنه لا يحلف بها حالف إلا باء بإثمه, فقال المنصور: فحلفه إذا يا جعفر, فقال الصادق (ع) للرجل: قل إن كنت كاذبا عليك فقد برئت من حول الله وقوته, ولجأت إلى حولي وقوتي, فقالها الرجل, فقال الصادق (ع): اللهم إن كان كاذبا فأمته, فما استتم كلامه حتى سقط الرجل ميتا! واحتمل، ومضي به، وسري عن المنصور، وسأله عن حوائجه فقال (ع): ليس لي حاجة إلا إلى الله والاسراع إلى أهلي فإن قلوبهم بي متعلقة, فقال المنصور: ذلك إليك، فافعل منه ما بدا لك, فخرج من عنده مكرما، قد تحير فيه المنصور ومن يليه, (1) فقال قوم: ماذا؟ رجل فاجأه الموت، ما أكثر ما يكون هذا! وجعل الناس يصيرون إلى ذلك الميت ينظرون إليه، فلما استوى على سريره، جعل الناس يخوضون في أمره فمن ذام له وحامد إذ قعد على سريره، وكشف عن وجهه وقال: يا أيها الناس, إني لقيت ربي بعدكم، فلقاني السخط واللعنة، واشتد غضب زبانيته علي للذي كان مني إلى جعفر بن محمد الصادق (ع)، فاتقوا الله، ولا تهلكوا فيه كما هلكت, ثم أعاد كفنه على وجهه، وعاد في موته، فرأوه لا حراك به وهو ميت، فدفنوه (2)

----------------

(1) إلى هنا في الدر النظيم

(2) الخرائج والجرائح ج 2 ص 763, بحار الأنوار ج 47 ص 172 , الدر المظيم ص 629

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الإسلامية

 

روى نقلة الآثار: أن المنصور لما أمر الربيع بإحضار أبي عبد الله (ع) فأحضره, فلما بصر به المنصور قال له: قتلني الله إن لم أقتلك, أتلحد في سلطاني وتبغيني الغوائل؟ فقال له أبو عبد الله (ع): والله ما فعلت ولا أردت, فإن كان بلغك فمن كاذب, ولو كنت فعلت لقد ظلم يوسف فغفر, وابتلي أيوب فصبر, وأعطي سليمان‏ فشكر, فهؤلاء أنبياء الله وإليهم يرجع نسبك, فقال له المنصور: أجل ارتفع هاهنا, فارتفع فقال له: إن فلان بن فلان أخبرني عنك بما ذكرت, فقال (ع): أحضره يا أمير المؤمنين ليوافقني على ذلك, فأحضر الرجل المذكور فقال له المنصور: أنت سمعت ما حكيت عن جعفر؟ قال: نعم, فقال له أبو عبد الله (ع): فاستحلفه على ذلك, فقال له المنصور: أتحلف؟ قال: نعم, وابتدأ باليمين, فقال له أبو عبد الله (ع): دعني يا أمير المؤمنين أحلفه أنا, فقال له: افعل, فقال أبو عبد الله (ع) للساعي: قل برئت من حول الله وقوته, والتجأت إلى حولي وقوتي, لقد فعل كذا وكذا جعفر, فامتنع منها هنيئة, ثم حلف بها, فما برح حتى ضرب برجله, فقال أبو جعفر: جروا برجله فأخرجوه لعنه الله, قال الربيع: وكنت رأيت جعفر بن محمد (ع) حين دخل على المنصور يحرك شفتيه, وكلما حركهما سكن غضب المنصور, حتى أدناه منه وقد رضي عنه, فلما خرج أبو عبد الله (ع) من عند أبي جعفر المنصور اتبعته, فقلت له: إن هذا الرجل كان من أشد الناس غضبا عليك, فلما دخلت عليه وأنت تحرك شفتيك كلما حركتهما سكن غضبه, فبأي شي‏ء كنت تحركهما؟ قال (ع): بدعاء جدي الحسين بن علي (ع), قلت: جعلت فداك, وما هذا الدعاء؟ قال (ع): يا عدتي عند شدتي, ويا غوثي في كربتي, احرسني بعينك التي لا تنام, واكنفني بركنك الذي لا يرام, قال الربيع: فحفظت هذا الدعاء, فما نزلت بي شدة قط إلا دعوت به ففرج, قال: وقلت لجعفر بن محمد (ع): لم منعت الساعي أن يحلف بالله؟ قال (ع): كرهت أن يراه الله يوحده ويمجده, فيحلم عنه ويؤخر عقوبته, فاستحلفته بما سمعت, فأخذه الله أخذة رابية.

----------------

الإرشاد للمفيد ج 2 ص 182, إعلام الورى ص 277, حلية الأبرار ج 4 ص 76, مدينة المعاجز ج 5 ص 256, بحار الأنوار ج 47 ص 174

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الإسلامية

 

عن صفوان بن مهران الجمال: رفع رجل من قريش المدينة من بني مخزوم إلى أبي جعفر المنصور وذلك بعد قتله لمحمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن: أن جعفر بن محمد بعث مولاه المعلى بن خنيس بجباية الأموال من شيعته, وأنه كان يمد بها محمد بن عبد الله, فكاد المنصور أن يأكل كفه على جعفر غيظا, وكتب إلى عمه داود, وداود إذ ذاك أمير المدينة أن يسير إليه جعفر بن محمد (ع), ولا يرخص له في التلوم والمقام, فبعث إليه داود بكتاب المنصور وقال: اعمل في المسير إلى أمير المؤمنين في غد ولا تتأخر, قال صفوان: وكنت بالمدينة يومئذ, فأنفذ إلي جعفر (ع) فصرت إليه, فقال (ع) لي: تعهد راحلتنا فإنا غادون في غد إن شاء الله إلى العراق, ونهض من وقته وأنا معه إلى مسجد النبي (ص), وكان ذلك بين الأولى والعصر, فركع فيه ركعات ثم رفع يديه, فحفظت يومئذ من دعائه: يا من ليس له ابتداء ... (وذكر الدعاء), فلما أصبح أبو عبد الله (ع) رحلت له الناقة, وسار متوجها إلى العراق, حتى قدم مدينة أبي جعفر, وأقبل حتى استأذن فأذن له, قال صفوان: فأخبرني بعض من شهد عن أبي جعفر قال: فلما رآه أبو جعفر قربه وأدناه, ثم أسند قصة الرافع على أبي عبد الله (ع) يقول في قصته‏: إن معلى بن خنيس مولى جعفر بن محمد (ع) يجبي له الأموال, فقال أبو عبد الله (ع): معاذ الله من ذلك يا أمير المؤمنين, قال له: تحلف على براءتك من ذلك؟ قال (ع): نعم أحلف بالله, أنه ما كان من ذلك شي‏ء, قال أبو جعفر: لا, بل تحلف بالطلاق والعتاق, فقال أبو عبد الله (ع): أما ترضى يميني بالله الذي لا إله إلا هو؟ قال أبو جعفر: فلا تفقه علي, فقال أبو عبد الله (ع): فأين يذهب بالفقه مني يا أمير المؤمنين؟ قال له: دع عنك هذا, فإني أجمع الساعة بينك وبين الرجل الذي رفع عنك حتى يواجهك, فأتوا بالرجل وسألوه بحضرة جعفر فقال: نعم هذا صحيح, وهذا جعفر بن محمد (ع) والذي قلت فيه كما قلت, فقال أبو عبد الله (ع): تحلف أيها الرجل أن هذا الذي رفعته صحيح؟ قال: نعم, ثم ابتدأ الرجل باليمين فقال: والله الذي لا إله إلا هو, الطالب الغالب الحي القيوم, فقال له جعفر (ع): لا تعجل في يمينك, فإني أنا أستحلف, قال المنصور: وما أنكرت من هذه اليمين؟ قال: إن الله تعالى حيي كريم يستحيي من عبده إذا أثنى عليه أن يعاجله بالعقوبة لمدحه له, ولكن قل يا أيها الرجل: أبرأ إلى الله من حوله وقوته, وألجأ إلى حولي وقوتي, إني لصادق بر فيما أقول, فقال المنصور للقرشي: احلف بما استحلفك به أبو عبد الله (ع), فحلف الرجل بهذه اليمين, فلم يستتم الكلام حتى أجذم وخر ميتا, فراع أبا جعفر ذلك وارتعدت فرائصه, فقال: يا أبا عبد الله, سر من غد إلى حرم جدك, إن اخترت ذلك وإن اخترت المقام عندنا لم نأل في إكرامك وبرك, فو الله لا قبلت عليك قول أحد بعدها أبدا.

---------------

مهج الدعوات ص 199, بحار الأنوار ج 47 ص 200, مستدرك الوسائل ج 16 ص 71 بإختصار

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الإسلامية

 

عن الربيع الحاجب قال: أخبرت الصادق (ع) بقول المنصور: لأقتلنك ولأقتلن أهلك, حتى لا أبقي على الأرض منكم قامة سوط, ولأخربن المدينة حتى لا أترك فيها جدارا قائما, فقال (ع): لا ترع من كلامه ودعه في طغيانه, فلما صار بين السترين سمعت المنصور يقول: أدخلوه إلي سريعا, فأدخلته عليه فقال: مرحبا بابن العم النسيب, وبالسيد القريب, ثم أخذ بيده وأجلسه على سريره, وأقبل عليه ثم قال: أتدري لم بعثت إليك؟ فقال (ع): وأنى لي علم بالغيب, فقال: أرسلت إليك لتفرق هذه الدنانير في أهلك, وهي عشرة آلاف دينار, فقال (ع): ولها غيري؟ فقال: أقسمت عليك يا أبا عبد الله, لتفرقها على فقراء أهلك, ثم عانقه بيده وأجازه وخلع عليه, (1) وقال لي: يا ربيع, أصحبه قوما يردونه إلى المدينة, قال: فلما خرج أبو عبد الله (ع) قلت له: يا أمير المؤمنين, لقد كنت من أشد الناس عليه غيظا, فما الذي أرضاك عنه؟ قال: يا ربيع, لما حضرت الباب رأيت تنينا عظيما يقرض بأنيابه, وهو يقول: بألسنة الآدميين إن أنت أشكت ابن رسول الله (ص) لأفصلن لحمك من عظمك, فأفزعني ذلك وفعلت به ما رأيت. (2)

---------------

(1) إلى هنا في مستدرك الوسائل

(2) مناقب آل أبي طالب (ع) ج 4 ص 231, مدينة المعاحز ج 5 ص 240, بحار الأنوار ج 47 ص 178, مستدرك الوسائل ج 13 ص 174

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الإسلامية

 

عن عبد الله بن الفضل بن الربيع عن أبيه قال: حج المنصور سنة سبع وأربعين ومائة, فقدم المدينة وقال للربيع: ابعث إلى جعفر بن محمد (ع) من يأتينا به متعبا, قتلني الله إن لم أقتله, فتغافل الربيع عنه لينساه, ثم أعاد ذكره للربيع وقال: ابعث من يأتي به متعبا, فتغافل عنه ثم أرسل إلى الربيع رسالة قبيحة أغلظ عليه فيها, وأمره أن يبعث من يحضر جعفرا (ع) ففعل, فلما أتاه قال له الربيع: يا أبا عبد الله, اذكر الله فإنه قد أرسل إليك بما لا دافع له غير الله, فقال جعفر (ع): لا حول ولا قوة إلا بالله, ثم إن الربيع أعلم المنصور بحضوره, فلما دخل جعفر (ع) عليه, أوعده وأغلظ وقال: أي عدو الله, اتخذك أهل العراق إماما يبعثون إليك زكاة أموالهم, وتلحد في سلطاني, وتبغيه الغوائل؟ قتلني الله إن لم أقتلك, فقال (ع) له: يا أمير المؤمنين, إن سليمان (ع) أعطي فشكر, وإن أيوب ابتلي فصبر, وإن يوسف ظلم فغفر, وأنت من ذلك السنخ, فلما سمع المنصور ذلك منه قال له: إلي وعندي أبا عبد الله, أنت البري‏ء الساحة السليم الناحية القليلة الغائلة, جزاك الله من ذي رحم, أفضل ما جزى ذوي الأرحام عن أرحامهم, ثم تناول يده فأجلسه معه على فرشه, ثم قال: علي بالطيب, فأتي بالغالية فجعل يغلف لحية جعفر (ع) بيده, حتى تركها تقطر, ثم قال: قم في حفظ الله وكلاءته, ثم قال: يا ربيع, ألحق أبا عبد الله جائزته وكسوته, انصرف أبا عبد الله في حفظه وكنفه, فانصرف, قال الربيع: ولحقته فقلت: إني قد رأيت قبلك ما لم تره, ورأيت بعدك ما لا رأيته, فما قلت يا أبا عبد الله حين دخلت؟ قال (ع): قلت اللهم احرسني بعينك التي لا تنام, واكنفني بركنك الذي لا يرام, واغفر لي بقدرتك علي, ولا أهلك وأنت رجائي, اللهم أنت أكبر وأجل مما أخاف وأحذر, اللهم‏ بك أدفع في نحره, وأستعيذ بك من شره, ففعل الله بي ما رأيت.

----------------

كشف الغمة ج 2 ص 158, بحار الأنوار ج 47 ص 182,

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الإسلامية

 

عن عبد الله بن أبي ليلى قال: كنت بالربذة مع المنصور, وكان قد وجه إلى أبي عبد الله (ع), فأتي به وبعث إلي المنصور, فدعاني, فلما انتهيت إلى الباب سمعته يقول: عجلوا علي به, قتلني الله إن لم أقتله, سقى الله الأرض من دمي إن لم أسق الأرض من دمه, فسألت الحاجب: من يعني؟ قال: جعفر بن محمد (ع), فإذا هو قد أتي به مع عدة جلاوزة, فلما انتهى إلى الباب قبل أن يرفع الستر رأيته قد تململت شفتاه عند رفع الستر, فدخل, فلما نظر إليه المنصور قال: مرحبا يا ابن عم, مرحبا يا ابن رسول الله, فما زال يرفعه حتى أجلسه على وسادته, ثم دعا بالطعام فرفعت رأسي, وأقبلت أنظر إليه, ويلقمه جديا باردا, وقضى حوائجه, وأمره بالانصراف, فلما خرج قلت له: قد عرفت موالاتي لك وما قد ابتليت به في دخولي عليهم, وقد سمعت كلام الرجل, وما كان يقول, فلما صرت إلى الباب رأيتك قد تململت شفتاك, وما أشك أنه شي‏ء قلته, ورأيت ما صنع بك, فإن رأيت أن تعلمني‏ ذلك, فأقوله إذا دخلت عليه قال (ع): نعم, قلت: ما شاء الله ما شاء الله, لا يأتي بالخير إلا الله, ما شاء الله ما شاء الله, لا يصرف السوء إلا الله, ما شاء الله ما شاء الله كل نعمة فمن الله, ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله.

---------------

كشف الغمة ج 2 ص 195, بحار الأنوار ج 47 ص 183

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الإسلامية

 

قال ابن حمدون: كتب المنصور إلى جعفر بن محمد (ع): لم لا تغشانا كما يغشانا سائر الناس؟ فأجابه (ع): ليس لنا ما نخافك من أجله, ولا عندك من أمر الآخرة ما نرجوك له, ولا أنت في نعمة فنهنئك, ولا تراها نقمة فنعزيك بها, فما نصنع عندك؟ قال: فكتب إليه: تصحبنا لتنصحنا, فأجابه (ع): من أراد الدنيا لا ينصحك, ومن أراد الآخرة لا يصحبك, فقال المنصور: والله لقد ميز عندي منازل الناس, من‏ يريد الدنيا ممن يريد الآخرة, وإنه ممن يريد الآخرة لا الدنيا.

--------------

كشف الغمة ج 2 ص 208, بحار الأنوار ج 47 ص 184, مستدرك الوسائل ج 12 ص 307

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الإسلامية

 

عن ياسر مولى الربيع قال: سمعت الربيع قال: لما حج المنصور وصار بالمدينة, سهر ليلة, فدعاني فقال: يا ربيع, انطلق في وقتك هذا على أخفض جناح وألين مسير, فإن استطعت أن تكون وحدك فافعل, حتى تأتي أبا عبد الله جعفر بن محمد (ع), فقل له: هذا ابن عمك يقرأ عليك السلام, ويقول لك: إن الدار وإن نأت والحال, وإن اختلفت فإنا نرجع إلى رحم أمس من يمين بشمال ونعل بقبال, وهو يسألك المصير إليه في وقتك هذا, فإن سمح بالمسير معك فأوطه خدك, وإن امتنع بعذر أو غيره فاردد الأمر إليه في ذلك, فإن أمرك بالمصير إليه في تأن فيسر ولا تعسر, واقبل العفو ولا تعتف [تعنف‏] في قول ولا فعل, قال الربيع: فصرت إلى بابه فوجدته في دار خلوته, فدخلت عليه من غير استئذان, فوجدته معفرا خديه مبتهلا بظهر يديه, قد أثر التراب في وجهه وخديه, فأكبرت أن أقول شيئا حتى فرغ من صلاته ودعائه, ثم انصرف بوجهه فقلت: السلام عليك يا أبا عبد الله, فقال (ع): وعليك السلام يا أخي, ما جاء بك؟ فقلت: ابن عمك يقرأ عليك السلام, ويقول حتى بلغت إلى آخر الكلام, فقال (ع): ويحك يا ربيع, {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم} ويحك يا ربيع, {أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون}‏, قرأت على أمير المؤمنين السلام ورحمة الله وبركاته, ثم أقبل على صلاته, وانصرف إلى توجهه, فقلت: هل بعد السلام من مستعتب عليه, أو إجابة؟ فقال (ع): نعم, قل له: {أفرأيت الذي تولى وأعطى قليلا وأكدى أعنده علم الغيب فهو يرى أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى ألا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى} إنا والله يا أمير المؤمنين قد خفناك وخافت لخوفنا النسوة اللاتي أنت أعلم بهن, ولا بد لنا من الإيضاح به, فإن كففت وإلا أجرينا اسمك على الله عز وجل في كل يوم خمس مرات, وأنت حدثتنا عن أبيك عن جدك أن رسول الله (ص) قال: أربع دعوات لا يحجبن عن الله تعالى: دعاء الوالد لولده, والأخ بظهر الغيب لأخيه, والمظلوم, والمخلص, قال الربيع: فما استتم الكلام حتى أتت رسل المنصور تقفو أثري وتعلم خبري, فرجعت وأخبرته بما كان, فبكى ثم قال: ارجع إليه وقل له: الأمر في لقائك إليك والجلوس عنا, وأما النسوة اللاتي ذكرتهن, فعليهن السلام فقد آمن الله روعهن وجلا همهن, قال: فرجعت إليه فأخبرته بما قال المنصور, فقال (ع): قل له: وصلت رحما وجزيت خيرا, ثم اغرورقت عيناه حتى قطر من الدمع في حجره قطرات, ثم قال: يا ربيع, إن هذه الدنيا وإن أمتعت ببهجتها, وغرت بزبرجها فإن آخرها لا يعدو أن يكون كآخر الربيع الذي يروق بخضرته, ثم يهيج عند انتهاء مدته, وعلى من نصح لنفسه وعرف حق ما عليه وله, أن ينظر إليها نظر من عقل عن ربه جل وعلا, وحذر سوء منقلبه, فإن هذه الدنيا قد خدعت قوما فارقوها أسرع ما كانوا إليها, وأكثر ما كانوا اغتباطا بها, طرقتهم آجالهم {بياتا وهم نائمون}, أو {ضحى وهم يلعبون}, فكيف أخرجوا عنها وإلى ما صاروا بعدها, أعقبتهم الألم, وأورثتهم الندم, وجرعتهم مر المذاق, وغصصتهم بكأس الفراق,‏ فيا ويح من رضي عنها وأقر عينا بها, أما رأى مصرع آبائه ومن سلف من أعدائه وأوليائه, يا ربيع, أطول بها حيرة وأقبح بها كثرة, وأخسر بها صفقة, وأكبر بها ترحة, إذا عاين المغرور بها أجله وقطع بالأماني أمله, وليعمل على أنه أعطي أطول الأعمار, وأمدها وبلغ فيها جميع الآمال, هل قصاراه إلا الهرم, أو غايته إلا الوخم, نسأل الله لنا ولك عملا صالحا بطاعته, ومآبا إلى رحمته, ونزوعا عن معصيته, وبصيرة في حقه, فإنما ذلك له وبه, فقلت: يا أبا عبد الله, أسألك بكل حق بينك وبين الله جل وعلا, إلا عرفتني ما ابتهلت به إلى ربك تعالى, وجعلته حاجزا بينك وبين حذرك وخوفك؟ لعل الله يجبر بدوائك كسيرا, ويغني به فقيرا, والله ما أعني غير نفسي, قال الربيع: فرفع يده وأقبل على مسجده كارها أن يتلو الدعاء صحفا, ولا يحضر ذلك بنية, فقال: اللهم إني أسألك يا مدرك الهاربين... وذكر الدعاء بطوله.

---------------

مهج الدعوات ص 175, بحار الأنوار ج 47 ص 188

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الإسلامية

 

عن الربيع صاحب المنصور قال: حججت مع أبي جعفر المنصور, فلما كان في بعض الطريق قال لي المنصور: يا ربيع, إذا نزلت المدينة فاذكر لي جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي (ع) فو الله العظيم لا يقتله أحد غيري, احذر أن‏ تدع أن تذكرني به, قال: فلما صرنا إلى المدينة أنساني الله عز وجل ذكره, قال: فلما صرنا إلى مكة قال لي: يا ربيع, ألم آمرك أن تذكرني بجعفر بن محمد (ع) إذا دخلنا المدينة؟ قال: فقلت: نسيت ذلك يا مولاي يا أمير المؤمنين, قال: فقال لي: إذا رجعت إلى المدينة فاذكرني به فلا بد من قتله,‏ فإن لم تفعل لأضربن عنقك, فقلت: نعم يا أمير المؤمنين, ثم قلت لغلماني وأصحابي: اذكروني بجعفر بن محمد (ع) إذا دخلنا المدينة إن شاء الله تعالى, فلم يزل غلماني وأصحابي يذكروني به, في كل وقت ومنزل ندخله وننزل فيه, حتى قدمنا المدينة فلما نزلنا بها, دخلت إلى المنصور فوقفت بين يديه وقلت له: يا أمير المؤمنين, جعفر بن محمد (ع) قال: فضحك وقال لي: نعم, اذهب يا ربيع فأتني به, ولا تأتني به إلا مسحوبا, قال: فقلت له: يا مولاي يا أمير المؤمنين حبا وكرامة, وأنا أفعل ذلك طاعة لأمرك, قال: ثم نهضت وأنا في حال عظيم من ارتكابي ذلك, قال: فأتيت الإمام الصادق جعفر بن محمد (ع) وهو جالس في وسط داره, فقلت له: جعلت فداك, إن أمير المؤمنين يدعوك إليه, فقال (ع) لي: السمع والطاعة, ثم نهض وهو معي يمشي قال: فقلت له: يا ابن رسول الله, إنه أمرني أن لا آتيه بك إلا مسحوبا, قال: فقال الصادق (ع): امتثل يا ربيع ما أمرك به, قال: فأخذت بطرف كمه أسوقه إليه, فلما أدخلته إليه رأيته وهو جالس على سريره, وفي يده عمود حديد يريد أن يقتله به, ونظرت إلى جعفر (ع) وهو يحرك شفتيه, فلم أشك أنه قاتله ولم أفهم الكلام الذي كان جعفر (ع) يحرك شفتيه به, فوقفت أنظر إليهما قال الربيع: فلما قرب منه جعفر بن محمد (ع) قال له المنصور: ادن مني يا ابن عمي, وتهلل وجهه وقربه منه, حتى أجلسه معه على السرير, ثم قال: يا غلام, ائتني بالحقة, فأتاه بالحقة, فإذا فيها قدح الغالية, فغلفه منها بيده, ثم حمله على بغلة, وأمر له ببدرة وخلعة, ثم أمره بالانصراف, قال: فلما نهض من عنده خرجت بين يديه حتى وصل إلى منزله, فقلت له: بأبي أنت وأمي يا ابن رسول الله, إني لم أشك فيه ساعة تدخل عليه يقتلك, ورأيتك تحرك شفتيك في وقت دخولك, فما قلت؟ قال (ع) لي: نعم يا ربيع, اعلم أني قلت: حسبي الرب من المربوبين ... وذكر الدعاء.

---------------

مهج الدعوات ص 184, بحار الأنوار ج 47 ص 190

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الإسلامية

 

عن محمد بن عبيد الله الإسكندري أنه قال: كنت من جملة ندماء أمير المؤمنين المنصور أبي جعفر وخواصه, وكنت صاحب سره من بين الجميع, فدخلت عليه يوما فرأيته مغتما, وهو يتنفس نفسا باردا, فقلت: ما هذه‏ الفكرة يا أمير المؤمنين؟ فقال لي: يا محمد, لقد هلك من أولاد فاطمة مقدار مائة وقد بقي سيدهم وإمامهم, فقلت له: من ذلك؟ قال: جعفر بن محمد الصادق (ع) فقلت له: يا أمير المؤمنين, إنه رجل أنحلته العبادة, واشتغل بالله عن طلب الملك والخلافة, فقال: يا محمد, وقد علمت أنك تقول به وبإمامته, ولكن الملك عقيم, وقد آليت على نفسي أن لا أمسي عشيتي هذه أو أفرغ منه, قال محمد: والله لقد ضاقت علي الأرض برحبها, ثم دعا سيافا وقال له: إذا أنا أحضرت أبا عبد الله الصادق (ع) وشغلته بالحديث, ووضعت قلنسوتي عن رأسي فهي العلامة بيني وبينك فاضرب عنقه, ثم أحضر أبا عبد الله (ع) في تلك الساعة, ولحقته في الدار, وهو يحرك شفتيه, فلم أدر ما الذي قرأ فرأيت القصر يموج كأنه سفينة في لجج البحار, فرأيت أبا جعفر المنصور وهو يمشي بين يديه حافي القدمين مكشوف الرأس, قد اصطكت أسنانه وارتعدت فرائصه, يحمر ساعة ويصفر أخرى, وأخذ بعضد أبي عبد الله الصادق (ع) وأجلسه على سرير ملكه, وجثا بين يديه كما يجثو العبد بين يدي مولاه, ثم قال له: يا ابن رسول الله, ما الذي جاء بك في هذه الساعة؟ قال (ع): جئتك يا أمير المؤمنين طاعة لله عز وجل, ولرسول الله (ص), ولأمير المؤمنين أدام الله عزه, قال: ما دعوتك والغلط من الرسول, ثم قال: سل حاجتك, فقال: أسألك أن لا تدعوني لغير شغل, قال: لك ذلك وغير ذلك, ثم انصرف أبو عبد الله (ع) سريعا, وحمدت الله عز وجل كثيرا, ودعا أبو جعفر المنصور بالدواويج, ونام ولم ينتبه إلا في نصف الليل, فلما انتبه كنت عند رأسه جالسا, فسره ذلك وقال لي: لا تخرج حتى أقضي ما فاتني من صلاتي, فأحدثك بحديث, فلما قضى صلاته أقبل علي وقال لي: لما أحضرت أبا عبد الله الصادق (ع) وهممت به ما هممت من السوء, رأيت تنينا قد حوى بذنبه جميع داري وقصري, وقد وضع شفتيه العليا في أعلاها, والسفلى في أسفلها, وهو يكلمني بلسان طلق ذلق عربي مبين: يا منصور, إن الله تعالى جده قد بعثني إليك, وأمرني إن‏ أنت أحدثت في أبي عبد الله الصادق (ع) حدثا, فأنا أبتلعك ومن في دارك جميعا, فطاش عقلي وارتعدت فرائصي, واصطكت أسناني, قال محمد بن عبد الله الإسكندري: قلت له: ليس هذا بعجيب يا أمير المؤمنين, وعنده من الأسماء وسائر الدعوات التي لو قرأها على الليل لأنار, ولو قرأها على النهار لأظلم, ولو قرأها على الأمواج في البحور لسكنت, قال محمد: فقلت له بعد أيام: أتأذن لي يا أمير المؤمنين أن أخرج إلى زيارة أبي عبد الله الصادق (ع)؟ فأجاب, ولم يأب, فدخلت على أبي عبد الله (ع), وسلمت وقلت له: أسألك يا مولاي بحق جدك محمد رسول الله (ص), أن تعلمني الدعاء الذي تقرؤه عند دخولك إلى أبي جعفر المنصور, قال (ع) لك ذلك... (وذكر الدعاء.)

----------------

مهج الدعوات ص 18, بحار الأنوار ج 47 ص 201

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الإسلامية

 

عن أبي عبد الله (ع) قال: لما دفعت إلى أبي جعفر المنصور انتهرني وكلمني بكلام غليظ, ثم قال لي: يا جعفر, قد علمت بفعل محمد بن عبد الله الذي يسمونه النفس الزكية, وما نزل به, وإنما أنتظر الآن أن يتحرك منكم أحد فألحق الكبير بالصغير, قال (ع): فقلت: يا أمير المؤمنين, حدثني محمد بن علي عن أبيه علي بن الحسين عن الحسين بن علي عن علي بن أبي طالب (ع) أن النبي (ص) قال: إن الرجل ليصل رحمه, وقد بقي من عمره ثلاث سنين, فيمدها الله إلى ثلاث وثلاثين سنة, وإن الرجل ليقطع رحمه وقد بقي من عمره ثلاث وثلاثون سنة, فيبترها الله إلى ثلاث سنين, قال: فقال لي: والله لقد سمعت هذا من أبيك (ع) قلت: نعم, حتى رددها علي ثلاثا, ثم قال: انصرف‏.

----------------

كشف العمة ج 2 ص 165, بحار الأنوار ج 47 ص 206

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الإسلامية

 

 

*

عن عبد الله بن قاسم، عن المفضل بن عمر، قال: وجه أبو جعفر المنصور إلى الحسن بن زيد، وهو واليه على الحرمين أن أحرق على جعفر بن محمد داره، فألقى النار في دار أبي عبد الله (ع)، فأخذت النار في الباب والدهليز، فخرج أبو عبد الله (ع) يتخطى النار ويمشي فيها ويقول: أنا ابن أعراق الثرى (1)، أنا إبن إبراهيم خليل الله (ع)‏. (2)

--------------

(1) العلامة المجلسي في البحار: رأيت في بعض الكتب أن أعراق الثرى كناية عن إسماعيل (ع), ولعله إنما كنى عنه بذلك لأن أولاده انتشروا في البراري‏

(2) الكافي ج 1 ص 473, نوادر الأخبار ص 311, مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 236, إثبات الهداة ج 4 ص 136, حلية الأبرار ج 4 ص 71, مدينة المعاجز ج 5 ص 295, بحار الأنوار ج 47 ص 136

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الاسلامية

 

قال السيد أبو القاسم علي بن طاووس: إن من العجب أن يبلغ طلب الدنيا بالعبد المخلوق من التراب والنطفة الماء المهين إلى المعاندة لرب العالمين في الإقدام على قتل مولانا الصادق جعفر بن محمد (ع) بعد تكرار الآيات الباهرات، حتى يكرر إحضاره للقتل سبع دفعات. بلغ إليه حب الدنيا حتى عميت لأجله القلوب والعيون {أفرأيت أن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون}. تارة يأمر رزام بن مسلم مولى أبي خالد أن يقتل الإمام (ع) وهو في الحيرة، وتارة يأمر باغتياله مع ابنه موسى بن جعفر (ع). (1)

قبض ولي الله جعفر بن محمد (ع) في شوال سنة ثمان وأربعين ومائة من الهجرة، سمه المنصور فقتله. ومضى وقد كمل عمره خمسا وستين سنة. (2)

-------------------

(1) مهج الدعوات ص 214, بحار الأنوار ج 91 ص 379

(2) دلائل الإمامة ص 246

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الاسلامية

 

قال أبو جعفر القمي: سمه المنصور ودفن في البقيع, وقد كمل عمره خمسا وستين سنة, ويقال: كان عمره خمسين سنة, وأمه فاطمة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر.

---------------

مناقب آل أبي طالب (ع) ج 4 ص 280, بحار الأنوار ج 48 ص 5

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الإسلامية

 

عن أبي بصير قال: دخلت على أم حميدة أعزيها بأبي عبد الله الصادق (ع) فبكت وبكيت لبكائها, ثم قالت: يا أبا محمد لو رأيت أبا عبد الله (ع) عند الموت لرأيت عجبا, فتح عينيه ثم قال: اجمعوا إلي كل من بيني وبينه قرابة, قالت: فلم نترك أحدا إلا جمعناه, قالت: فنظر إليهم ثم قال: إن شفاعتنا لا تنال مستخفا بالصلاة.

-----------

ثواب الأعمال ص 228, روضة الواعظين ج 2 ص 318, فلاح السائل ص 127, بحار الأنوار ج 47 ص 2

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الاسلامية

 

عن فضيل بن يسار، قال: دخلت على أبي عبد الله (ع) في مرضة مرضها لم يبق منه إلا رأسه‏، فقال: يا فضيل إنني كثيرا ما أقول: ما على رجل عرفه الله هذا الأمر لو كان في رأس جبل حتى يأتيه الموت. يا فضيل بن يسار إن الناس أخذوا يمينا وشمالا وإنا وشيعتنا هدينا الصراط المستقيم. يا فضيل بن يسار إن المؤمن لو أصبح له ما بين المشرق والمغرب كان ذلك خيرا له. ولو أصبح مقطعا أعضاؤه كان ذلك خيرا له، يا فضيل بن يسار إن الله لا يفعل بالمؤمن إلا ما هو خير له، يا فضيل بن يسار لو عدلت الدنيا عند الله عز وجل جناح بعوضة ما سقى عدوه منها شربة ماء. يا فضيل بن يسار إنه من كان همه هما واحدا كفاه الله همه، ومن كان همه في كل وادلم يبال الله‏ بأي واد هلك.

--------------

الكافي ج 2 ص 246, الوافي ج 5 ص 741, حلية الأبرار ج 4 ص 81, بحار الأنوار ج 64 ص 150

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الإسلامية

 

عن أبي الحسن الأول قال: أنا كفنت أبي (ع) في ثوبين شطويين كان يحرم فيهما, وفي قميص من قمصه وفي عمامة كانت لعلي بن الحسين (ع), وفي برد اشتريته بأربعين دينارا.

---------------

الكافي ج 3 ص 149, التهذيب ج 1 ص 434, الإستبصار ج 1 ص 210, الوافي ج 24 ص 375, وسائل الشيعة ج 3 ص 10, وسائل الشيعة ج 3 ص 10, بحار الأنوار ج 47 ص 7

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الإسلامية

 

عن داود بن كثير الرقي قال: أتى أعرابي إلى أبي حمزة الثمالي فسأله خبرا فقال: توفي جعفر الصادق (ع), فشهق شهقة وأغمي عليه, فلما أفاق قال: هل أوصى إلى أحد؟ قال: نعم, أوصى إلى ابنه عبد الله, وموسى وأبي جعفر المنصور. فضحك أبو حمزة وقال: الحمد لله الذي هدانا إلى الهدى, وبين لنا عن الكبير, ودلنا على الصغير, وأخفى عن أمر عظيم, فسئل عن قوله فقال: بين عيوب الكبير ودل على الصغير لإضافته إياه, وكتم الوصية للمنصور, لأنه لو سأل المنصور عن الوصي لقيل أنت‏.

--------------

مناقب آل أبي طالب (ع) ج 4 ص 320, بحار الأنوار ج 47 ص 4

تحقيق مركز سيد الشهداء (ع) للبحوث الإسلامية