باب 5- الخبر المروي عن المفضل بن عمر في التوحيد المشتهر بالإهليلجة

 1-  حدثني محرز بن سعيد النحوي بدمشق قال حدثني محمد بن أبي مسهر بالرملة عن أبيه عن جده قال كتب المفضل بن عمر الجعفي إلى أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق ع يعلمه أن أقواما ظهروا من أهل هذه الملة يجحدون الربوبية و يجادلون على ذلك و يسأله أن يرد عليهم قولهم و يحتج عليهم فيما ادعوا بحسب ما احتج به على غيرهم فكتب أبو عبد الله ع بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أما بعد وفقنا الله و إياك لطاعته و أوجب لنا بذلك رضوانه برحمته وصل كتابك تذكر فيه ما ظهر في ملتنا و ذلك من قوم من أهل الإلحاد بالربوبية قد كثرت عدتهم و اشتدت خصومتهم و تسأل أن أصنع للرد عليهم و النقض لما في أيديهم كتابا على نحو ما رددت على غيرهم من أهل البدع و الاختلاف و نحن نحمد الله على النعم السابغة و الحجج البالغة و البلاء المحمود عند الخاصة و العامة فكان من نعمه العظام و آلائه الجسام التي أنعم بها تقريره قلوبهم بربوبيته و أخذه ميثاقهم بمعرفته و إنزاله عليهم كتابا فيه شفاء لما في الصدور من أمراض الخواطر و مشتبهات الأمور و لم يدع لهم و لا لشي‏ء من خلقه حاجة إلى من سواه و استغنى عنهم وَ كانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيداً و لعمري ما أتي الجهال من قبل ربهم و إنهم ليرون الدلالات الواضحات و العلامات البينات في خلقهم و ما يعاينون في ملكوت السماوات و الأرض و الصنع العجيب المتقن الدال على الصانع و لكنهم قوم فتحوا على أنفسهم أبواب المعاصي و سهلوا لها سبيل الشهوات فغلبت الأهواء على قلوبهم و استحوذ الشيطان بظلمهم عليهم و كذلك يطبع الله عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ و العجب من مخلوق يزعم أن الله يخفى على عباده و هو يرى أثر الصنع في نفسه بتركيب يبهر عقله و تأليف يبطل حجته  و لعمري لو تفكروا في هذه الأمور العظام لعاينوا من أمر التركيب البين و لطف التدبير الظاهر و وجود الأشياء مخلوقة بعد أن لم تكن ثم تحولها من طبيعة إلى طبيعة و صنيعة بعد صنيعة ما يدلهم ذلك على الصانع فإنه لا يخلو شي‏ء منها من أن يكون فيه أثر تدبير و تركيب يدل على أن له خالقا مدبرا و تأليف بتدبير يهدي إلى واحد حكيم و قد وافاني كتابك و رسمت لك كتابا كنت نازعت فيه بعض أهل الأديان من أهل الإنكار و ذلك أنه كان يحضرني طبيب من بلاد الهند و كان لا يزال ينازعني في رأيه و يجادلني على ضلالته فبينا هو يوما يدق إهليلجة ليخلطها دواء احتجت إليه من أدويته إذ عرض له شي‏ء من كلامه الذي لم يزل ينازعني فيه من ادعائه أن الدنيا لم تزل و لا تزال شجرة تنبت و أخرى تسقط نفس تولد و أخرى تتلف و زعم أن انتحالي المعرفة لله تعالى دعوى لا بينة لي عليها و لا حجة لي فيها و أن ذلك أمر أخذه الآخر عن الأول و الأصغر عن الأكبر و أن الأشياء المختلفة و المؤتلفة و الباطنة و الظاهرة إنما تعرف بالحواس الخمس نظر العين و سمع الأذن و شم الأنف و ذوق الفم و لمس الجوارح ثم قاد منطقه على الأصل الذي وضعه فقال لم يقع شي‏ء من حواسي على خالق يؤدي إلى قلبي إنكارا لله تعالى ثم قال أخبرني بم تحتج في معرفة ربك الذي تصف قدرته و ربوبيته و إنما يعرف القلب الأشياء كلها بالدلالات الخمس التي وصفت لك قلت بالعقل الذي في قلبي و الدليل الذي احتج به في معرفته قال فأنى يكون ما تقول و أنت تعرف أن القلب لا يعرف شيئا بغير الحواس الخمس فهل عاينت ربك ببصر أو سمعت صوته بإذن أو شممته بنسيم أو ذقته بفم أو مسسته بيد فأدى ذلك المعرفة إلى قلبك قلت أ رأيت إذ أنكرت الله و جحدته

  لأنك زعمت أنك لا تحسه بحواسك التي تعرف بها الأشياء و أقررت أنا به هل بد من أن يكون أحدنا صادقا و الآخر كاذبا قال لا قلت أ رأيت إن كان القول قولك فهل يخاف على شي‏ء مما أخوفك به من عقاب الله قال لا قلت أ فرأيت إن كان كما أقول و الحق في يدي أ لست قد أخذت فيما كنت أحاذر من عقاب الخالق بالثقة و أنك قد وقعت بجحودك و إنكارك في الهلكة قال بلى قلت فأينا أولى بالحزم و أقرب من النجاة قال أنت إلا أنك من أمرك على ادعاء و شبهة و أنا على يقين و ثقة لأني لا أرى حواسي الخمس أدركته و ما لم تدركه حواسي فليس عندي بموجود قلت إنه لما عجزت حواسك عن إدراك الله أنكرته و أنا لما عجزت حواسي عن إدراك الله تعالى صدقت به قال و كيف ذلك قلت لأن كل شي‏ء جرى فيه أثر تركيب لجسم أو وقع عليه بصر للون فما أدركته الأبصار و نالته الحواس فهو غير الله سبحانه لأنه لا يشبه الخلق و إن هذا الخلق ينتقل بتغيير و زوال و كل شي‏ء أشبه التغيير و الزوال فهو مثله و ليس المخلوق كالخالق و لا المحدث كالمحدث

 شرح قوله ع و البلاء المحمود عند الخاصة و العامة أي النعمة التي يحمدها و يقر بها الخاص و العام لنا و هو العلم أو النعم التي شملت الخاص و العام كما سيفصله ع بعد ذلك قوله ع ما أتي الجهال أي ما أتاهم الضرر و الهلاك إلا من قبلهم قال الفيروزآبادي أتي كعني أشرف عليه العدو و قال الجزري في حديث أبي هريرة في العدوي إني قلت أتيت أي دهيت و تغير عليك حسك فتوهمت ما ليس بصحيح صحيحا قوله ع استحوذ الشيطان أي غلب و استولى قوله ع و صنيعة أي إحسان و يحتمل أن يراد بها هنا الخلقة المصنوعة قوله ع لجسم بفتح اللام أي البتة هو جسم و كذا قوله للون و يدل على أن التركيب الخارجي إنما يكون في الجسم و أن المبصر بالذات هو اللون قوله ع أشبه التغيير أي المتغير أو ذا التغيير بتقدير مضاف

  متن قال إن هذا لقول و لكني لمنكر ما لم تدركه حواسي فتؤديه إلى قلبي فلما اعتصم بهذه المقالة و لزم هذه الحجة قلت أما إذا أبيت إلا أن تعتصم بالجهالة و تجعل المحاجزة حجة فقد دخلت في مثل ما عبت و امتثلت ما كرهت حيث قلت إني اخترت الدعوى لنفسي لأن كل شي‏ء لم تدركه حواسي عندي بلا شي‏ء قال و كيف ذلك قلت لأنك نقمت علي الادعاء و دخلت فيه فادعيت أمرا لم تحط به خبرا و لم تقله علما فكيف استجزت لنفسك الدعوى في إنكارك الله و دفعك أعلام النبوة و الحجة الواضحة و عبتها علي أخبرني هل أحطت بالجهات كلها و بلغت منتهاها قال لا قلت فهل رقيت إلى السماء التي ترى أو انحدرت إلى الأرض السفلى فجلت في أقطارها أو هل خضت في غمرات البحور و اخترقت نواحي الهواء فيما فوق السماء و تحتها إلى الأرض و ما أسفل منها فوجدت ذلك خلاء من مدبر حكيم عالم بصير قال لا قلت فما يدريك لعل الذي أنكره قلبك هو في بعض ما لم تدركه حواسك و لم يحط به علمك قال لا أدري لعل في بعض ما ذكرت مدبرا و ما أدري لعله ليس في شي‏ء من ذلك شي‏ء قلت أما إذ خرجت من حد الإنكار إلى منزلة الشك فإني أرجو أن تخرج إلى المعرفة قال فإنما دخل علي الشك لسؤالك إياي عما لم يحط به علمي و لكن من أين يدخل علي اليقين بما لم تدركه حواسي قلت من قبل إهليلجتك هذه قال ذاك إذا أثبت للحجة لأنها من آداب الطب الذي أذعن بمعرفته قلت إنما أردت أن آتيك به من قبلها لأنها أقرب الأشياء إليك و لو كان شي‏ء أقرب إليك منها لأتيتك من قبله لأن في كل شي‏ء أثر تركيب و حكمة و شاهدا يدل على  الصنعة الدالة على من صنعها و لم تكن شيئا و يهلكها حتى لا تكون شيئا قلت فأخبرني هل ترى هذه إهليلجة قال نعم قلت أ فترى غيب ما في جوفها قال لا قلت أ فتشهد أنها مشتملة على نواة و لا تراها قال ما يدريني لعل ليس فيها شي‏ء قلت أ فترى أن خلف هذا القشر من هذه الإهليلجة غائب لم تره من لحم أو ذي لون قال ما أدري لعل ما ثم غير ذي لون و لا لحم قلت أ فتقر أن هذه الإهليلجة التي تسميها الناس بالهند موجودة لاجتماع أهل الاختلاف من الأمم على ذكرها قال ما أدري لعل ما اجتمعوا عليه من ذلك باطل قلت أ فتقر أن الإهليلجة في أرض تنبت قال تلك الأرض و هذه واحدة و قد رأيتها قلت أ فما تشهد بحضور هذه الإهليلجة على وجود ما غاب من أشباهها قال ما أدري لعله ليس في الدنيا إهليلجة غيرها فلما اعتصم بالجهالة قلت أخبرني عن هذه الإهليلجة أ تقر أنها خرجت من شجرة أو تقول إنها هكذا وجدت قال لا بل من شجرة خرجت قلت فهل أدركت حواسك الخمس ما غاب عنك من تلك الشجرة قال لا قلت فما أراك إلا قد أقررت بوجود شجرة لم تدركها حواسك قال أجل و لكني أقول إن الإهليلجة و الأشياء المختلفة شي‏ء لم تزل تدرك فهل عندك في هذا شي‏ء ترد به قولي قلت نعم أخبرني عن هذه الإهليلجة هل كنت عاينت شجرتها و عرفتها قبل أن تكون هذه الإهليلجة فيها قال نعم قلت فهل كنت تعاين هذه الإهليلجة قال لا قلت أ فما تعلم أنك كنت عاينت الشجرة و ليس فيها الإهليلجة ثم عدت إليها فوجدت فيها الإهليلجة أ فما تعلم أنه قد حدث فيها ما لم تكن قال ما أستطيع أن أنكر ذلك و لكني أقول إنها كانت فيها متفرقة قلت فأخبرني هل رأيت تلك الإهليلجة التي تنبت منها شجرة هذه الإهليلجة قبل أن تغرس قال نعم قلت فهل يحتمل عقلك أن الشجرة التي تبلغ أصلها و عروقها و فروعها و لحاؤها و كل ثمرة جنيت و ورقة سقطت ألف ألف رطل كانت كامنة في هذه الإهليلجة قال ما

  يحتمل هذا العقل و لا يقبله القلب قلت أقررت أنها حدثت في الشجرة قال نعم و لكني لا أعرف أنها مصنوعة فهل تقدر أن تقررني بذلك قلت نعم أ رأيت أني إن أريتك تدبيرا أ تقر أن له مدبرا و تصويرا أن له مصورا قال لا بد من ذلك قلت أ لست تعلم أن هذه الإهليلجة لحم ركب على عظم فوضع في جوف متصل بغصن مركب على ساق يقوم على أصل فيقوى بعروق من تحتها على جرم متصل بعض ببعض قال بلى قلت أ لست تعلم أن هذه الإهليلجة مصورة بتقدير و تخطيط و تأليف و تركيب و تفصيل متداخل بتأليف شي‏ء في بعض شي‏ء به طبق بعد طبق و جسم على جسم و لون مع لون أبيض في صفرة و لين على شديد في طبائع متفرقة و طرائق مختلفة و أجزاء مؤتلفة مع لحاء تسقيها و عروق يجري فيها الماء و ورق يسترها و تقيها من الشمس أن تحرقها و من البرد أن يهلكها و الريح أن تذبلها قال أ فليس لو كان الورق مطبقا عليها كان خيرا لها قلت الله أحسن تقديرا لو كان كما تقول لم يصل إليها ريح يروحها و لا برد يشددها و لعفنت عند ذلك و لو لم يصل إليها حر الشمس لما نضجت و لكن شمس مرة و ريح مرة و برد مرة قدر الله ذلك بقوة لطيفة و دبره بحكمة بالغة قال حسبي من التصوير فسر لي التدبير الذي زعمت أنك ترينه قلت أ رأيت الإهليلجة قبل أن تعقد إذ هي في قمعها ماء بغير نواة و لا لحم و لا قشر و لا لون و لا طعم و لا شدة قال نعم قلت أ رأيت لو لم يرفق الخالق ذلك الماء الضعيف الذي هو مثل الخردلة في القلة و الذلة و لم يقوه بقوته و يصوره بحكمته و يقدره بقدرته هل كان ذلك الماء يزيد على أن يكون في قمعه غير مجموع بجسم و قمع و تفصيل فإن زاد زاد ماء متراكبا غير مصور و لا مخطط و لا مدبر بزيادة أجزاء و لا تأليف أطباق قال قد أريتني من تصوير شجرتها و تأليف خلقتها و حمل ثمرتها و زيادة أجزائها و تفصيل تركيبها أوضح

  الدلالات و أظهر البينة على معرفة الصانع و لقد صدقت بأن الأشياء مصنوعة و لكني لا أدري لعل الإهليلجة و الأشياء صنعت أنفسها قلت أ و لست تعلم أن خالق الأشياء و الإهليلجة حكيم عالم بما عاينت من قوة تدبيره قال بلى قلت فهل ينبغي للذي هو كذلك أن يكون حدثا قال لا قلت أ فلست قد رأيت الإهليلجة حين حدثت و عاينتها بعد أن لم تكن شيئا ثم هلك كأن لم تكن شيئا قال بلى و إنما أعطيتك أن الإهليلجة حدثت و لم أعطك أن الصانع لا يكون حادثا لا يخلق نفسه قلت أ لم تعطني أن الحكيم الخالق لا يكون حدثا و زعمت أن الإهليلجة حدثت فقد أعطيتني أن الإهليلجة مصنوعة فهو عز و جل صانع الإهليلجة و إن رجعت إلى أن تقول إن الإهليلجة صنعت نفسها و دبرت خلقها فما زدت أن أقررت بما أنكرت و وصفت صانعا مدبرا أصبت صفته و لكنك لم تعرفه فسميته بغير اسمه قال كيف ذلك قلت لأنك أقررت بوجودحكيم لطيف مدبر فلما سألتك من هو قلت الإهليلجة قد أقررت بالله سبحانه و لكنك سميته بغير اسمه و لو عقلت و فكرت لعلمت أن الإهليلجة أنقص قوة من أن تخلق نفسها و أضعف حيلة من أن تدبر خلقها قال هل عندك غير هذا قلت نعم أخبرني عن هذه الإهليلجة التي زعمت أنها صنعت نفسها و دبرت أمرها كيف صنعت نفسها صغيرة الخلقة صغيرة القدرة ناقصة القوة لا تمتنع أن تكسر و تعصر و تؤكل و كيف صنعت نفسها مفضولة مأكولة مرة قبيحة المنظر لا بهاء لها و لا ماء قال لأنها لم تقو إلا على ما صنعت نفسها أو لم تصنع إلا ما هويت قلت أما إذ أبيت إلا التمادي في الباطل فأعلمني متى خلقت نفسها و دبرت خلقها قبل أن تكون أو بعد أن كانت فإن زعمت أن الإهليلجة خلقت نفسها بعد ما كانت فإن هذا لمن أبين المحال كيف تكون موجودة مصنوعة ثم تصنع نفسها مرة أخرى فيصير كلامك إلى أنها مصنوعة مرتين و لئن قلت إنها خلقت نفسها و دبرت خلقها قبل أن تكون إن هذا من أوضح الباطل و أبين الكذب لأنها قبل أن تكون ليس بشي‏ء فكيف يخلق لا شي‏ء شيئا و كيف تعيب قولي إن شيئا يصنع لا شيئا و لا تعيب قولك إن لا شي‏ء يصنع لا شيئا فانظر أي القولين أولى بالحق قال  قولك قلت فما يمنعك منه قال قد قبلته و استبان لي حقه و صدقه بأن الأشياء المختلفة و الإهليلجة لم يصنعن أنفسهن و لم يدبرن خلقهن و لكنه تعرض لي أن الشجرة هي التي صنعت الإهليلجة لأنها خرجت منها قلت فمن صنع الشجرة قال الإهليلجة الأخرى قلت اجعل لكلامك غاية انتهى إليها فإما أن تقول هو الله سبحانه فيقبل منك و إما أن تقول الإهليلجة فنسألك قال سل قلت أخبرني عن الإهليلجة هل تنبت منها الشجرة إلا بعد ما ماتت و بليت و بادت قال لا قلت إن الشجرة بقيت بعد هلاك الإهليلجة مائة سنة فمن كان يحميها و يزيد فيها و يدبر خلقها و يربيها و ينبت ورقها ما لك بد من أن تقول هو الذي خلقها و لئن قلت الإهليلجة و هي حية قبل أن تهلك و تبلى و تصير ترابا و قد ربت الشجرة و هي ميتة إن هذا القول مختلف قال لا أقول ذلك قلت أ فتقر بأن الله خلق الخلق أم قد بقي في نفسك شي‏ء من ذلك قال إني من ذلك على حد وقوف ما أتخلص إلى أمر ينفذ لي فيه الأمر قلت أما إذ أبيت إلا الجهالة و زعمت أن الأشياء لا يدرك إلا بالحواس فإني أخبرك أنه ليس للحواس دلالة على الأشياء و لا فيها معرفة إلا بالقلب فإنه دليلها و معرفها الأشياء التي تدعي أن القلب لا يعرفها إلا بها

 شرح قوله ع و امتثلت قال الفيروزآبادي امتثل طريقته تبعها فلم يعدها قوله نقمت علي أي عبت و كرهت قوله من لحم قال الفيروزآبادي لحم كل شي‏ء لبه قوله تلك الأرض أي أشار إلى الأرض و قال أقر بوجود هذه الأرض التي أرى و الإهليلجة الواحدة التي في يدي قوله كانت فيها متفرقة لعله اختار مذهب أنكساغورس و من تبعه من الدهرية القائلين بالكمون و البروز و أن كل شي‏ء كامن و يومئ إليه جوابه قوله ع في قمعها قال الفيروزآبادي القمع محركة بثرة تخرج في أصول الأشفار و قال القمع بالفتح و الكسر و كعنب ما التزق بأسفل التمرة و البسرة و نحوهما انتهى و على التقديرين استعير لما يبدو من الإهليلجة ابتداء في شجرها من القشرة الرقيقة الصغيرة التي فيها ماء و الأول أبلغ قوله ع غير مجموع بجسم أي هل كان يزيد بغير أن يضم إليه جسم آخر من خارج أو قمع آخر مثله أو بغير قمعه  أي قلعه و تفصيله أي تفريقه ليدخل فيه شي‏ء أو يضم إلى شي‏ء قوله ع فإن زاد أي فإن سلم أنه كان يمكن أن يزيد بطبيعته بغير ما ذكر كانت زيادته ماء متراكبا بعضه فوق بعض فقط كما كان أولا لا بتخطيط و تصوير و تدبير و تأليف إذ يحكم العقل بديهة أن مثل تلك الأفاعيل المختلفة المنطبقة على قانون الحكمة لا تصدر عن طبيعة عادمة للشعور و الإرادة قوله ع فهل ينبغي إشارة إلى ما يحكم به الوجدان من أن من كان على هذا المبلغ من العلم و الحكمة و التدبير لا يكون ممكنا محدثا محتاجا في العلم و سائر الأمور إلى غيره إلا أن يفيض عليه من العالم بالذات و هو إقرار بالصانع قوله و لم أعطك غفل الهندي عما كان يلزم من اعترافيه قوله ع و إن رجعت أي إن قلت إن الصانع القديم الحكيم هو طبيعة الإهليلجة صنعت هذا الشخص منها فقد أقررت بالصانع و سميته الطبيعة إذ هي غير حكيم و لا ذات إرادة فقد أقررت بالصانع و أخطأت في التسمية أو المراد أنك بعد الاعتراف بالخالق الحكيم القديم لو قلت إنه هذه الإهليلجة فقد أقررت بما أنكرت أي نقضت قولك الأول و قلت بالنقيضين و لا محمل لتصحيحه إلا أن تقول سميت ما أقررت به بهذا الاسم و هذا لا يضرنا بعد ما تيسر لنا من إقرارك و يحتمل أن يكون هذا كلاما على سبيل الاستظهار في المجادلة أي إن تنزلنا عما أقررت به من قدم الحكيم و حدوث الإهليلجة يكفينا إقرارك بكون الخالق حكيما إذ معلوم أنها ليست كذلك فقد سميت الصانع الحكيم بهذا الاسم قوله ع مفضولة إذ ظاهر أن كثيرا من المخلوقات أفضل و أشرف منها قوله ع هو الذي خلقها أي لا بد أن يكون مربيها هو خالقها فإن قلت إن الخالق و المربي واحد و هي الإهليلجة خلقت عند كونها حية و ربت بعد موتها فالقول مختلف إذ خلقها تدريجي و عند خلق أي مقدار من الشجرة لا بد من انقلاب بعضها شجرة فلم تكن الإهليلجة باقية بعد تمام خلق ذلك المقدار و الخلق و التربية ممزوجان لا يصلح القول بكونها حية عند أحدهما ميتة عند الآخر و يحتمل أن يكون المراد أن القول بأن الخالق و المربي واحد و القول بأن الإهليلجة بعد موتها ربت متنافيان لأن موتها عبارة عن استحالتها بشي‏ء آخر فالمربي شي‏ء آخر سوى الإهليلجة و في بعض النسخ و قد رأيت الشجرة قوله

   ما أتخلص أي ما أصل إلى أمر يجري فيه أمري أي حكمي و يمكنني أن أحكم بصحته ثم لما علم ع أن سبب توقفه اقتصاره على حكم الحواس بين ع أن الحواس داخلة تحت حكم العقل و لا بد من الرجوع إلى العقل في معرفة الأشياء

متن فقال أما إذ نطقت بهذا فما أقبل منك إلا بالتخليص و التفحص منه بإيضاح و بيان و حجة و برهان قلت فأول ما أبدأ به أنك تعلم أنه ربما ذهب الحواس أو بعضها و دبر القلب الأشياء التي فيها المضرة و المنفعة من الأمور العلانية و الخفية فأمر بها و نهى فنفذ فيها أمره و صح فيها قضاؤه قال إنك تقول في هذا قولا يشبه الحجة و لكني أحب أن توضحه لي غير هذا الإيضاح قلت أ لست تعلم أن القلب يبقى بعد ذهاب الحواس قال نعم و لكن يبقى بغير دليل على الأشياء التي تدل عليها الحواس قلت أ فلست تعلم أن الطفل تضعه أمه مضغة ليس تدله الحواس على شي‏ء يسمع و لا يبصر و لا يذاق و لا يلمس و لا يشم قال بلى قلت فأية الحواس دلته على طلب اللبن إذا جاع و الضحك بعد البكاء إذا روي من اللبن و أي حواس سباع الطير و لاقط الحب منها دلها على أن تلقي بين أفراخها اللحم و الحب فتهوي سباعها إلى اللحم و الآخرون إلى الحب و أخبرني عن فراخ طير الماء أ لست تعلم أن فراخ طير الماء إذا طرحت فيه سبحت و إذا طرحت فيه فراخ طير البر غرقت و الحواس واحدة فكيف انتفع بالحواس طير الماء و أعانته على السباحة و لم تنتفع طير البر في الماء بحواسها و ما بال طير البر إذا غمستها في الماء ساعة ماتت و إذا أمسكت طير الماء عن الماء ساعة ماتت فلا أرى الحواس في هذا إلا منكسرا عليك و لا ينبغي ذلك أن يكون إلا من مدبر حكيم جعل للماء خلقا و للبر خلقا أم أخبرني ما بال الذرة التي لا تعاين الماء قط تطرح في الماء فتسبح و تلقى الإنسان ابن خمسين سنة من أقوى الرجال و أعقلهم لم يتعلم السباحة فيغرق كيف لم يدله عقله و لبه و تجاربه و بصره بالأشياء مع اجتماع حواسه و صحتها أن يدرك ذلك بحواسه كما أدركته الذرة إن كان ذلك إنما يدرك بالحواس أ فليس ينبغي لك أن تعلم أن القلب الذي هو معدن العقل في الصبي الذي وصفت و غيره مماسمعت من الحيوان  هو الذي يهيج الصبي إلى طلب الرضاع و الطير اللاقط على لقط الحب و السباع على ابتلاع اللحم قال لست أجد القلب يعلم شيئا إلا بالحواس قلت أما إذ أبيت إلا النزوع إلى الحواس فإنا لنقبل نزوعك إليها بعد رفضك لها و نجيبك في الحواس حتى يتقرر عندك أنها لا تعرف من سائر الأشياء إلا الظاهر مما هو دون الرب الأعلى سبحانه و تعالى فأما ما يخفى و لا يظهر فليست تعرفه و ذلك أن خالق الحواس جعل لها قلبا احتج به على العباد و جعل للحواس الدلالات على الظاهر الذي يستدل بها على الخالق سبحانه فنظرت العين إلى خلق متصل بعضه ببعض فدلت القلب على ما عاينت و تفكر القلب حين دلته العين على ما عاينت من ملكوت السماء و ارتفاعها في الهواء بغير عمد يرى و لا دعائم تمسكها لا تؤخر مرة فتنكشط و لا تقدم أخرى فتزول و لا تهبط مرة فتدنو و لا ترتفع أخرى فتنأى لا تتغير لطول الأمد و لا تخلق لاختلاف الليالي و الأيام و لا تتداعى منها ناحية و لا ينهار منها طرف مع ما عاينت من النجوم الجارية السبعة المختلفة بمسيرها لدوران الفلك و تنقلها في البروج يوما بعد يوم و شهرا بعد شهر و سنة بعد سنة منها السريع و منها البطي‏ء و منها المعتدل السير ثم رجوعها و استقامتها و أخذها عرضا و طولا و خنوسها عند الشمس و هي مشرقة و ظهورها إذا غربت و جرى الشمس و القمر في البروج دائبين لا يتغيران في أزمنتهما و أوقاتهما يعرف ذلك من يعرف بحساب موضوع و أمر معلوم بحكمة يعرف ذوو الألباب أنها ليست من حكمة الإنس و لا تفتيش الأوهام و لا تقليب التفكر فعرف القلب حين دلته العين على ما عاينت أن لذلك الخلق و التدبير و الأمر العجيب صانعا يمسك السماء المنطبقة أن تهوي إلى الأرض و أن الذي جعل الشمس و النجوم فيها خالق السماء ثم نظرت العين إلى ما استقلها من الأرض فدلت القلب على ما عاينت فعرف القلب بعقله أن ممسك الأرض الممتدة أن تزول أو تهوي في الهواء و هو يرى الريشة يرمى بها فتسقط مكانها و هي في الخفة على

  ما هي عليه هو الذي يمسك السماء التي فوقها و إنه لو لا ذلك لخسفت بما عليها من ثقلها و ثقل الجبال و الأنام و الأشجار و البحور و الرمال فعرف القلب بدلالة العين أن مدبر الأرض هو مدبر السماء ثم سمعت الأذن صوت الرياح الشديدة العاصفة و اللينة الطيبة و عاينت العين ما يقلع من عظام الشجر و يهدم من وثيق البنيان و تسفى من ثقال الرمال تخلي منها ناحية و تصبها في أخرى بلا سائق تبصره العين و لا تسمعه الأذن و لا يدرك بشي‏ء من الحواس و ليست مجسدة تلمس و لا محدودة تعاين فلم تزد العين و الأذن و سائر الحواس على أن دلت القلب أن لها صانعا و ذلك أن القلب يفكر بالعقل الذي فيه فيعرف أن الريح لم تتحرك من تلقائها و أنها لو كانت هي المتحركة لم تكفف عن التحرك و لم تهدم طائفة و تعفي أخرى و لم تقلع شجرة و تدع أخرى إلى جنبها و لم تصب أرضا و تنصرف عن أخرى فلما تفكرالقلب في أمر الريح علم أن لها محركا هو الذي يسوقها حيث يشاء و يسكنها إذا شاء و يصيب بها من يشاء و يصرفها عمن يشاء فلما نظر القلب إلى ذلك وجدها متصلة بالسماء و ما فيها من الآيات فعرف أن المدبر القادر على أن يمسك الأرض و السماء هو خالق الريح و محركها إذا شاء و ممسكها كيف شاء و مسلطها على من يشاء و كذلك دلت العين و الأذن القلب على هذه الزلزلة و عرف ذلك بغيرهما من حواسه حين حركته فلما دل الحواس على تحريك هذا الخلق العظيم من الأرض في غلظها و ثقلها و طولها و عرضها و ما عليها من ثقل الجبال و المياه و الأنام و غير ذلك و إنما تتحرك في ناحية و لم تتحرك في ناحية أخرى و هي ملتحمة جسدا واحدا و خلقا متصلا بلا فصل و لا وصل تهدم ناحية و تخسف بها و تسلم أخرى فعندها عرف القلب أن محرك ما حرك منها هو ممسك ما أمسك منها و هو محرك الريح و ممسكها و هو مدبر السماء و الأرض و ما بينهما و إن الأرض لو كانت هي المزلزلة لنفسها لما تزلزلت و لما تحركت و لكنه الذي دبرها و خلقها حرك منها ما شاء ثم نظرت العين إلى العظيم من الآيات من السحاب  المسخر بين السماء و الأرض بمنزلة الدخان لا جسد له يلمس بشي‏ء من الأرض و الجبال يتخلل الشجرة فلا يحرك منها شيئا و لا يهصر منها غصنا و لا يعلق منها بشي‏ء يعترض الركبان فيحول بعضهم من بعض من ظلمته و كثافته و يحتمل من ثقل الماء و كثرته ما لا يقدر على صفته مع ما فيه من الصواعق الصادعة و البروق اللامعة و الرعد و الثلج و البرد و الجليد ما لا تبلغ الأوهام صفته و لا تهتدي القلوب إلى كنه عجائبه فيخرج مستقلا في الهواء يجتمع بعد تفرقه و يلتحم بعد تزايله تفرقه الرياح من الجهات كلها إلى حيث تسوقه بإذن الله ربها يسفل مرة و يعلو أخرى متمسك بما فيه من الماء الكثير الذي إذا أزجاه صارت منه البحور يمر على الأراضي الكثيرة و البلدان المتنائية لا تنقص منه نقطة حتى ينتهي إلى ما لا يحصى من الفراسخ فيرسل ما فيه قطرة بعد قطرة و سيلا بعد سيل متتابع على رسله حتى ينقع البرك و تمتلي الفجاج و تعتلي الأودية بالسيول كأمثال الجبال غاصة بسيولها مصمخة الآذان لدويها و هديرها فتحيا بها الأرض الميتة فتصبح مخضرة بعد أن كانت مغبرة و معشبة بعد أن كانت مجدبة قد كسيت ألوانا من نبات عشب ناضرة زاهرة مزينة معاشا للناس و الأنعام فإذا أفرغ الغمام ماءه أقلع و تفرق و ذهب حيث لا يعاين و لا يدرى أين توارى فأدت العين ذلك إلى القلب فعرف القلب أن ذلك السحاب لو كان بغير مدبر و كان ما وصفت من تلقاء نفسه ما احتمل نصف ذلك من الثقل من الماء و إن كان هو الذي يرسله لما احتمله ألفي فرسخ أو أكثر و لأرسله فيما هو أقرب من ذلك و لما أرسله قطرة بعد قطرة بل كان يرسله إرسالا فكان يهدم البنيان و يفسد النبات و لما جاز إلى بلد و

  ترك آخر دونه فعرف القلب بأعلام المنيرة الواضحة أن مدبر الأمور واحد و أنه لو كان اثنين أو ثلاثة لكان في طول هذه الأزمنة و الأبد و الدهر اختلاف في التدبير و تناقض في الأمور و لتأخر بعض و تقدم بعض و لكان تسفل بعض ما قد علا و لعلا بعض ما قد سفل و لطلع شي‏ء و غاب فتأخر عن وقته أو تقدم ما قبله فعرف القلب بذلك أن مدبر الأشياء ما غاب منها و ما ظهر هو الله الأول خالق السماء و ممسكها و فارش الأرض و داحيها و صانع ما بين ذلك مما عددنا و غير ذلك مما لم يحص و كذلك عاينت العين اختلاف الليل و النهار دائبين جديدين لا يبليان في طول كرهما و لا يتغيران لكثرة اختلافهما و لا ينقصان عن حالهما النهار في نوره و ضيائه و الليل في سواده و ظلمته يلج أحدهما في الآخر حتى ينتهي كل واحد منهما إلى غاية محدودة معروفة في الطول و القصر على مرتبة واحدة و مجرى واحد مع سكون من يسكن في الليل و انتشار من ينتشر في الليل و انتشار من ينتشر في النهار و سكون من يسكن في النهار ثم الحر و البرد و حلول أحدهما بعقب الآخر حتى يكون الحر بردا و البر حرا في وقته و إبانة فكل هذا مما يستدل به القلب على الرب سبحانه و تعالى فعرف القلب بعقله أن مدبر هذه الأشياء هو الواحد العزيز الحكيم الذي لم يزل و لا يزال و أنه لو كان في السماوات و الأرضين آلهة معه سبحانه لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَ لَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ و لفسد كل واحد منهم على صاحبه و كذلك سمعت الأذن ما أنزل المدبر من الكتب تصديقا لما أدركته القلوب بعقولها و توفيق الله إياها و ما قاله من عرفه كنه معرفته بلا ولد و لا صاحبة و لا شريك فأدت الأذن ما سمعت من اللسان بمقالة الأنبياء إلى القلب

 شرح قوله ع ربما ذهب الحواس إما بالنوم كما سيأتي أو بآفة فإن العقل لا محالة يدله على أن يشير إلى بعض ما يصلحه و يطلب ما يقيمه بأي وجه كان على أن ذهاب الحواس الخمس لا ينافي بقاء النطق قوله ع إلا النزوع إلى الحواس أي الاشتياق إليها و الحاصل أنا نوافقك و نستدل لك بما تدل عليه الحواس و إن كنت رفضتها و تركتها و سلمت فيما مضى كونها معزولة عن بعض الأشياء فنقول إن حكم  العقل بوجود الصانع إنما هو من جهة ما دلته الحواس عليه مما نشاهده من آثار صنعه تعالى قوله ع فتنكشط الانكشاط الانكشاف و قوله تعالى وَ إِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ أي قلعت كما يقلع السقف و لعل المراد بالتأخر تأخر ما يحاذي رءوسنا بحيث يرى ما وراءه و بالتقدم أن يتحرك جميعها حركة أينية حتى يخرج من بينها و يحتمل أن يكون المراد فيهما معا أما الأول أو الثاني و يكون التعبير عن أحدهما بالانكشاط و عن الآخر بالزوال لمحض تفنن العبارة و على التقادير المراد بالزوال الزوال عنا و عن محاذاتنا قوله ع و لا يتداعى قال الجوهري تداعت الحيطان للخراب أي تهادمت و قال انهار أي انهدم قوله ع ثم رجوعها إشارة إلى ما يعرض للمتحيرة من الرجعة و الاستقامة و الإقامة و قوله ع و أخذها عرضا و طولا إشارة إلى كونها تارة عن جنوب المعدل و تارة عن شمالها و كون بعضها تارة عن جنوب منطقة البروج و تارة عن شمالها و إلى حركة المائل في السفليين و عرض الوراب و الانحراف و الاستواء فيهما و إلى ميل الذورة و الحضيض في المتحيرة و خنوسها غيبتها و استتارها تحت شعاع الشمس قوله ع المنطبقة أي المحيطة بجميع الخلق و في بعض النسخ المظلة و استقلها أي حملها و رفعها قوله ع متصلة بالسماء أي داخلة في ذلك النظام شبيهة بها فيه قوله ع يلمس بشي‏ء لعل المراد الاصطكاك الذي يحصل منه صوت و في بعض النسخ كشي‏ء و يحتمل أن يكون تصحيف يشبه بشي‏ء و قال الفيروزآبادي الهصر الجذب و الإمالة و الكسر و الدفع و الإدناء و عطف شي‏ء رطب كغصن و نحوه و كسره من غير بينونة و قال الجليد ما يسقط على الأرض من الندى فيجمد انتهى و قوله ع أزجاه أي دفعه و الرسل بالكسر التأني و الرفق و ينقع بالياء على المعلوم أو بالتاء على المجهول و البرك كعنب جمع بركة و هي معروفة و الفجاج بالضم الطريق الواسع بين جبلين و بالكسر جمع الفج بمعناه و الاعتلاء الارتفاع و قوله ع غاصة أي ممتلئة و المصمخة لعلها مشتقة من الصماخ أي

   تؤدي الصماخ و الأظهر مصممة قوله ع من نبات بالإضافة على أن يكون مصدرا أو بالتنوين ليكون عشب بدل بعض له و الإقلاع عن الأمر الكف عنه و الكر الرجوع قوله ع مع سكون من يسكن في الليل أي جعل في معظم المعمورة طول كل منهما و قصره على حد محدود لا يتجاوزه لئلا تفوت مصلحة كل منهما من السكون في الليل و الانتشار في النهار و يحتمل أن يكون إشارة إلى أصل الحكمة في حصول الليل و النهار قوله ع و انتشار من ينتشر في الليل كالخفاش و البعوضة و سائر ما ينتشر في الليل من الهوام و كالخائف و المسافر الذي تصلحه حركة الليل قوله إِذاً لَذَهَبَ أي لو كان معه آلهة كما يقولون لذهب كل إله منهم بما خلقه و استبد به و امتاز ملكه عن ملك الآخرين و وقع بينهم التجاذب و التغالب كما هو حال ملوك الدنيا إذ يستحيل كونهما واجبين كاملين و هذا شأن الناقص و يحتمل أن يكون الغرض نفي الآلهة الناقصة الممكنة التي جعلوها شريكا للواجب تعالى شأنه و سيأتي الكلام فيه في باب التوحيد و في بعض النسخ هكذا و لعلا بعضهم على بعض و لأفسد كل واحد منهم على صاحبه و كذلك سمعت الأذن ما أنزل الله من كتبه على ألسن أنبيائه تصديقا لما أدركته العقول بتوفيق الله إياها و عونه لها إذا أرادت ما عنده أنه الأول لا شبيه له و لا مثل له و لا ضد له و لا تحيط به العيون و لا تدركه الأوهام كيف هو لأنه لا كيف له و إنما الكيف للمكيف المخلوق المحدود المحدث غير أنا نوقن أنه معروف بخلقه موجود بصنعه فتبارك الله و تعالى اسمه لا شريك له فعرف القلب بعقله أنه لو كان معه شريك كان ضعيفا ناقصا و لو كان ناقصا ما خلق الإنسان و لاختلفت التدابير و انتقضت الأمور مع النقص الذي يوصف به الأرباب المتفردون و الشركاء المتعانتون قال قد أتيتني

متن فقال قد أتيتني من أبواب لطيفة بما لم يأتني به أحد غيرك إلا أنه لا يمنعني من ترك ما في يدي إلا الإيضاح و الحجة القوية بما وصفت لي و فسرت قلت أما إذا حجبت عن الجواب و اختلف منك المقال فسيأتيك من الدلالة من قبل نفسك خاصة ما يستبين لك أن الحواس لا تعرف شيئا إلا بالقلب فهل رأيت في المنام أنك تأكل  و تشرب حتى وصلت لذة ذلك إلى قلبك قال نعم قلت فهل رأيت أنك تضحك و تبكي و تجول في البلدان التي لم ترها و التي قد رأيتها حتى تعلم معالم ما رأيت منها قال نعم ما لا أحصي قلت هل رأيت أحدا من أقاربك من أخ أو أب أو ذي رحم قد مات قبل ذلك حتى تعلمه و تعرفه كمعرفتك إياه قبل أن يموت قال أكثر من الكثير قلت فأخبرني أي حواسك أدرك هذه الأشياء في منامك حتى دلت قلبك على معاينة الموتى و كلامهم و أكل طعامهم و الجولان في البلدان و الضحك و البكاء و غير ذلك قال ما أقدر أن أقول لك أي حواسي أدرك ذلك أو شيئا منه و كيف تدرك و هي بمنزلة الميت لا تسمع و لا تبصر قلت فأخبرني حيث استيقظت أ لست قد ذكرت الذي رأيت في منامك تحفظه و تقصه بعد يقظك على إخوانك لا تنسى منه حرفا قال إنه كما تقول و ربما رأيت الشي‏ء في منامي ثم أمسي حتى أراه في يقظتي كما رأيته في منامي قلت فأخبرني أي حواسك قررت علم ذلك في قلبك حتى ذكرته بعد ما استيقظت قال إن هذا الأمر ما دخلت فيه الحواس قلت أ فليس ينبغي لك أن تعلم حيث بطلت الحواس في هذا أن الذي عاين تلك الأشياء و حفظها في منامك قلبك الذي جعل الله فيه العقل الذي احتج به على العباد قال إن الذي رأيت في منامي ليس بشي‏ء إنما هو بمنزلة السراب الذي يعاينه صاحبه و ينظر إليه لا يشك فيه أنه ماء فإذا انتهى إلى مكانه لم يجده شيئا فما رأيت في منامي فبهذه المنزلة قلت كيف شبهت السراب بما رأيت في منامك من أكلك الطعام الحلو و الحامض و ما رأيت من الفرح و الحزن قال لأن السراب حيث انتهيت إلى موضعه صار لا شي‏ء و كذلك صار ما رأيت في منامي حين انتبهت قلت فأخبرني إن أتيتك بأمر وجدت لذته في منامك و خفق لذلك قلبك أ لست تعلم أن الأمر على ما وصفت لك قال بلى قلت فأخبرني هل احتلمت قط حتى قضيت في امرأة نهمتك عرفتها أم لم تعرفها قال بلى ما لا أحصيه قلت أ لست وجدت لذلك لذة على قدر لذتك في يقظك فتنتبه و قد أنزلت الشهوة حتى تخرج منك بقدر ما تخرج منك في اليقظة هذا كسر لحجتك في السراب قال ما يرى المحتلم في منامه شيئا إلا ما كانت

  حواسه دلت عليه في اليقظة قلت ما زدت على أن قويت مقالتي و زعمت أن القلب يعقل الأشياء و يعرفها بعد ذهاب الحواس و موتها فكيف أنكرت أن القلب يعرف الأشياء و هو يقظان مجتمعة له حواسه و ما الذي عرفه إياها بعد موت الحواس و هو لا يسمع و لا يبصر و لكنت حقيقا أن لا تنكر له المعرفة و حواسه حية مجتمعة إذا أقررت أنه ينظر إلى الامرأة بعد ذهاب حواسه حتى نكحها و أصاب لذته منها فينبغي لمن يعقل حيث وصف القلب بما وصفه به من معرفته بالأشياء و الحواس ذاهبة أن يعرف أن القلب مدبر الحواس و مالكها و رائسها و القاضي عليها فإنه ما جهل الإنسان من شي‏ء فما يجهل أن اليد لا تقدر على العين أن تقلعها و لا على اللسان أن تقطعه و أنه ليس يقدر شي‏ء من الحواس أن يفعل بشي‏ء من الجسد شيئا بغير إذن القلب و دلالته و تدبيره لأن الله تبارك و تعالى جعل القلب مدبرا للجسد به يسمع و به يبصر و هو القاضي و الأمير عليه و لا يتقدم الجسد إن هو تأخر و لا يتأخر إن هو تقدم و به سمعت الحواس و أبصرت إن أمرها ائتمرت و إن نهاها انتهت و به ينزل الفرح و الحزن و به ينزل الألم إن فسد شي‏ء من الحواس بقي على حاله و إن فسد القلب ذهب جميعا حتى لا يسمع و لا يبصر قال لقد كنت أظنك لا تتخلص من هذه المسألة و قد جئت بشي‏ء لا أقدر على رده قلت و أنا أعطيك تصاديق ما أنبأتك به و ما رأيت في منامك في مجلسك الساعة قال أفعل فإني قد تحيرت في هذه المسألة قلت أخبرني هل تحدث نفسك من تجارة أو صناعة أو بناء أو تقدير شي‏ء و تأمر به إذا أحكمت تقديره في ظنك قال نعم قلت فهل أشركت قلبك في ذلك الفكر شيئا من حواسك قال لا قلت أ فلا تعلم أن الذي أخبرك به قلبك حق قال اليقين هو فزدني ما يذهب الشك عني و يزيل الشبه من قلبي

 شرح خفق القلب اضطرابه و النهمة بلوغ الهمة في الشي‏ء و النهم بالتحريك إفراط الشهوة في الطعام أقول قد عرفت أن القلب يطلق في مصطلح الأخبار على النفس الناطقة و لما كان السائل منكرا لإدراك ما سوى الحواس الظاهرة نبهه ع على خطئه بمدركات الحواس الباطنة التي هي آلات النفس.  أقول ذكر السيد بن طاوس قدس الله روحه في كتاب النجوم من هذه الرسالة جملة ليست فيما عندنا من النسخ فلنذكرها

قلت أخبرني هل يعرف أهل بلادك علم النجوم قال إنك لغافل عن علم أهل بلادي بالنجوم قلت و ما بلغ من علمهم بها فقال إنا نخبرك عن علمهم بخصلتين تكتفي بهما عما سواهما قلت فأخبرني و لا تخبرني إلا بحق قال بديني لا أخبرك إلا بحق و بما عاينت قلت هات قال أما إحدى الخصلتين فإن ملوك الهند لا يتخذون إلا الخصيان قلت و لم ذاك قال لأن لكل رجل منهم منجما حاسبا فإذا أصبح أتى باب الملك فقاس الشمس و حسب فأخبره بما يحدث في يومه ذلك و ما حدث في ليلته التي كان فيها فإن كانت امرأة من نسائه قارفت شيئا يكرهه أخبره فقال فلان قارف كذا و كذا مع فلانة و يحدث في هذا اليوم كذا و كذا قلت فأخبرني عن الخصلة الأخرى قال قوم بالهند بمنزلة الخناقين عندكم يقتلون الناس بلا سلاح و لا خنق و يأخذون أموالهم قلت و كيف يكون هذا قال يخرجون مع الرفقة و التجار بقدر ما فيها من الرجالة فيمشون معهم أياما ليس معهم سلاح و يحدثون الرجال و يحسبون حساب كل رجل من التجار فإذا عرف أجمعهم موضع النفس من صاحبه وكز كل واحد منهم صاحبه الذي حسب به في ذلك الموضع فيقع جميع التجار موتى قلت إن هذا أرفع من الباب الأول إن كان ما تقول حقا قال أحلف لك بديني أنه حق و لربما رأيت ببلاد الهند قد أخذ بعضهم و أمر بقتله قلت فأخبرني كيف كان هذا حتى اطلعوا عليه قال بحساب النجوم قلت فما سمعت كهذا علما قط و ما أشك أن واضعه الحكيم العليم فأخبرني من وضع هذا العلم الدقيق الذي لا يدرك بالحواس و لا بالعقول و لا بالفكر قال حساب النجوم وضعته الحكماء و توارثه الناس  متن قلت أخبرني هل يعلم أهل بلادك علم النجوم قال إنك لغافل عن علم أهل بلادي بالنجوم فليس أحد أعلم بذلك منهم قلت أخبرني كيف وقع علمهم بالنجوم و هي مما لا يدرك بالحواس و لا بالفكر قال حساب وضعته الحكماء و توارثته الناس فإذا سألت الرجل منهم عن شي‏ء قاس الشمس و نظر في منازل الشمس و القمر و ما للطالع من النحوس و ما للباطن من السعود ثم يحسب و لا يخطئ و يحمل إليه المولود فيحسب له و يخبر بكل علامة فيه بغير معاينة و ما هو مصيبة إلى يوم يموت قلت كيف دخل الحساب في مواليد الناس قال لأن جميع الناس إنما يولدون بهذه النجوم و لو لا ذلك لم يستقم هذا الحساب فمن ثم لا يخطئ إذا علم الساعة و اليوم و الشهر و السنة التي يولد فيها المولود قلت لقد توصفت علما عجيبا ليس في علم الدنيا أدق منه و لا أعظم إن كان حقا كما ذكرت يعرف به المولود الصبي و ما فيه من العلامات و منتهى أجله و ما يصيبه في حياته أ و ليس هذا حسابا تولد به جميع أهل الدنيا من كان من الناس قال لا أشك فيه قلت فتعال ننظر بعقولنا كيف علم الناس هذا العلم و هل يستقيم أن يكون لبعض الناس إذا كان جميع الناس يولدون بهذه النجوم و كيف عرفها بسعودها و نحوسها و ساعاتها و أوقاتها و دقائقها و درجاتها و بطيئها و سريعها و مواضعها من السماء و مواضعها تحت الأرض و دلالتها على غامض هذه الأشياء التي وصفت في السماء و ما تحت الأرض فقد عرفت أن بعض هذه البروج في السماء و بعضها تحت الأرض و كذلك النجوم السبعة منها تحت الأرض و منها في السماء فما يقبل عقلي أن مخلوقا من أهل الأرض قدر على هذا قال و ما أنكرت من هذا قلت إنك زعمت أن جميع أهل الأرض إنما يتوالدون بهذه النجوم فأرى الحكيم الذي وضع هذا الحساب بزعمك من بعض أهل الدنيا و لا شك إن كنت صادقا أنه ولد ببعض هذه النجوم و الساعات و الحساب الذي كان قبله إلا أن تزعم أن ذلك الحكيم لم يولد بهذه النجوم كما ولد سائر الناس قال و هل هذا الحكيم إلا كسائر الناس قلت أ فليس ينبغي أن يدلك عقلك على أنها قد خلقت قبل هذا الحكيم الذي زعمت أنه وضع هذا الحساب و قد زعمت أنه ولد ببعض هذه النجوم قال بلى

  قلت فكيف اهتدى لوضع هذه النجوم و هل هذا العلم إلا من معلم كان قبلهما و هو الذي أسس هذا الحساب الذي زعمت أنه أساس المولود و الأساس أقدم من المولود و الحكيم الذي زعمت أنه وضع هذا إنما يتبع أمر معلم هو أقدم منه و هو الذي خلقه مولودا ببعض هذا النجوم و هو الذي أسس هذه البروج التي ولد بها غيره من الناس فواضع الأساس ينبغي أن يكون أقدم منها هب إن هذا الحكيم عمر مذ كانت الدنيا عشرة أضعاف هل كان نظره في هذه النجوم إلا كنظرك إليها معلقة في السماء أ و تراه كان قادرا على الدنو منها و هي في السماء حتى يعرف منازلها و مجاريها نحوسها و سعودها و دقائقها و بأيتها تكسف الشمس و القمر و بأيتها يولد كل مولود و أيها السعد و أيها النحس و أيها البطي‏ء و أيها السريع ثم يعرف بعد ذلك سعود ساعات النهار و نحوسها و أيها السعد و أيها النحس و كم ساعة يمكث كل نجم منها تحت الأرض و في أي ساعة تغيب و أي ساعة تطلع و كم ساعة يمكث طالعا و في أي ساعة تغيب و كم استقام لرجل حكيم كما زعمت من أهل الدنيا أن يعلم علم السماء مما لا يدرك بالحواس و لا يقع عليه الفكر و لا يخطر على الأوهام و كيف اهتدى أن يقيس الشمس حتى يعرف في أي برج و في أي برج القمر و في أي برج من السماء هذه السبعة السعود و النحوس و ما الطالع منها و ما الباطن و هي معلقة في السماء و هو من أهل الأرض لا يراها إذا توارت بضوء الشمس إلا أن تزعم أن هذا الحكيم الذي وضع هذا العلم قد رقي إلى السماء و أنا أشهد أن هذا العالم لم يقدر على هذا العلم إلا بمن في السماء لأن هذا ليس من علم أهل الأرض قال ما بلغني أن أحدا من أهل الأرض رقي إلى السماء قلت فلعل هذا الحكيم فعل ذلك و لم يبلغك قال و لو بلغني ما كنت مصدقا قلت فأنا أقول قولك هبه رقي إلى السماء هل كان له بد من أن يجري مع كل برج من هذه البروج و نجم من هذه النجوم من حيث يطلع إلى حيث يغيب ثم يعود إلى الآخر حتى يفعل مثل ذلك حتى يأتي على آخرها فإن منها ما يقطع السماء في ثلاثين سنة و منها ما يقطع دون ذلك و هل كان له بد من أن يجول في أقطار السماء حتى يعرف مطالع السعود منها و النحوس  و البطي‏ء و السريع حتى يحصي ذلك أو هبه قدر على ذلك حتى فرغ مما في السماء هل كان يستقيم له حساب ما في السماء حتى يحكم حساب ما في الأرض و ما تحتها و أن يعرف ذلك مثل ما قد عاين في السماء لأن مجاريها تحت الأرض على غير مجاريها في السماء فلم يكن يقدر على أحكام حسابها و دقائقها و ساعاتها إلا بمعرفة ما غاب عنه تحت الأرض منها لأنه ينبغي أن يعرف أي ساعة من الليل يطلع طالعها و كم يمكث تحت الأرض و أية ساعة من النهار يغيب غائبها لأنه لا يعاينها و لا ما طلع منها و لا ما غاب و لا بد من أن يكون العالم بها واحدا و إلا لم ينتفع بالحساب أ لا تزعم أن ذلك الحكيم قد دخل في ظلمات الأرضين و البحار فسار مع النجوم و الشمس و القمر في مجاريها على قدر ما سار في السماء حتى علم الغيب منها و علم ما تحت الأرض على قدر ما عاين منها في السماء قال و هل أريتني أجبتك إلى أن أحدا من أهل الأرض رقي إلى السماء و قدر على ذلك حتى أقول إنه دخل في ظلمات الأرضين و البحور قلت فكيف وقع هذا العلم الذي زعمت أن الحكماء من الناس وضعوه و أن الناس كلهم مولدون به و كيف عرفوا ذلك الحساب و هو أقدم منهم

 أقول في نسخة السيد بن طاوس هاهنا زيادة

قال أ رأيت إن قلت لك إن البروج لم تزل و هي التي خلقت أنفسها على هذا الحساب ما الذي ترد علي قلت أسألك كيف يكون بعضها سعدا و بعضها نحسا و بعضها مضيئا و بعضها مظلما و بعضها صغيرا و بعضها كبيرا قال كذلك أرادت أن تكون بمنزلة الناس فإن بعضهم جميل و بعضهم قبيح و بعضهم قصير و بعضهم طويل و بعضهم أبيض و بعضهم أسود و بعضهم صالح و بعضهم طالح قلت فالعجب منك إني أراودك منذ اليوم على أن تقر بصانع فلم تجبني إلى ذلك حتى كان الآن أقررت بأن القردة و الخنازير خلقن أنفسهن قال لقد بهتني بما لم يسمع الناس مني قلت أ فمنكر أنت لذلك قال  أشد إنكار قلت فمن خلق القردة و الخنازير إن كان الناس و النجوم خلقن أنفسهن فلا بد من أن تقول إنهن من خلق الناس أو خلقن أنفسهن أ فتقول أنها من خلق الناس قال لا قلت فلا بد من أن يكون لها خالق أو هي خلقت أنفسها فإن قلت إنها من خلق الناس أقرت أن لها خالقا فإن قلت لا بد أن يكون لها خالق فقد صدقت و ما أعرفنا به و لئن قلت إنهن خلقن أنفسهن فقد أعطيتني فوق ما طلبت منك من الإقرار بصانع ثم قلت فأخبرني بعضهن قبل بعض خلقن أنفسهن أم كان ذلك في يوم واحد فإن قلت بعضهن قبل بعض فأخبرني السماوات و ما فيهن و النجوم قبل الأرض و الإنس و الذر خلقن أم بعد ذلك فإن قلت إن الأرض قبل أ فلا ترى قولك إن الأشياء لم تزل قد بطل حيث كانت السماء بعد الأرض قال بلى و لكن أقول معا جميعا خلقن قلت أ فلا ترى أنك قد أقررت أنها لم تكن شيئا قبل أن خلقن و قد أذهبت حجتك في الأزلية قال إني لعلى حد وقوف ما أدري ما أجيبك فيه لأني أعلم أن الصانع إنما سمي صانعا لصناعته و الصناعة غير الصانع و الصانع غير الصناعة لأنه يقال للرجل الباني لصناعته البناء و البناء غير الباني و الباني غير البناء و كذلك الحارث غير الحرث و الحرث غير الحارث قلت فأخبرني عن قولك إن الناس خلقوا أنفسهم فبكمالهم خلقوها أرواحهم و أجسادهم و صورهم و أنفاسهم أم خلق بعض ذلك غيرهم قال بكمالهم لم يخلق ذلك و لا شيئا منهم غيرهم قلت فأخبرني الحياة أحب إليهم أم الموت قال أ و تشك أنه لا شي‏ء أحب إليهم من الحياة و لا أبغض إليهم من الموت قلت فأخبرني من خلق الموت الذي يخرج أنفسهم التي زعمت أنهم خلقوها فإنك لا تنكر أن الموت غير الحياة و أنه هو الذي يذهب بالحياة فإن قلت إن الذي خلق الموت غيرهم فإن الذي خلق الموت هو الذي خلق الحياة و لئن قلت هم الذين خلقوا الموت لأنفسهم إن هذا لمحال من القول و كيف خلقوا لأنفسهم ما يكرهون إن كانوا كما زعمت خلقوا أنفسهم هذا ما يستنكر من ضلالك إن تزعم أن الناس قدروا على خلق أنفسهم بكمالهم و أن الحياة أحب إليهم من الموت و خلقوا ما يكرهون لأنفسهم  قال ما أجد واحدا من القولين ينقاد لي و لقد قطعته علي قبل الغاية التي كنت أريدها قلت دعني فإن من الدخول في أبواب الجهالات ما لا ينقاد من الكلام و إنما أسألك عن معلم هذا الحساب الذي علم أهل الأرض علم هذه النجوم المعلقة في السماء

 أقول رجعنا إلى ما في النسخ المشهورة

قال ما أجد يستقيم أن أقول إن أحدا من أهل الأرض وضع علم هذه النجوم المعلقة في السماء قلت فلا بد لك أن تقول إنما علمه حكيم عليم بأمر السماء و الأرض و مدبرهما قال إن قلت هذا فقد أقررت لك بإلهك الذي تزعم أنه في السماء قلت أما أنك فقد أعطيتني أن حساب هذه النجوم حق و أن جميع الناس ولدوا بها قال الشك في غير هذا قلت و كذلك أعطيتني أن أحدا من أهل الأرض لم يقدر على أن يغيب مع هذه النجوم و الشمس و القمر في المغرب حتى يعرف مجاريها و يطلع معها إلى المشرق قال الطلوع إلى السماء دون هذا قلت فلا أراك تجد بدا من أن تزعم أن المعلم لهذا من السماء قال لئن قلت إن ليس لهذا الحساب معلم لقد قلت إذا غير الحق و لئن زعمت أن أحدا من أهل الأرض علم ما في السماء و ما تحت الأرض لقد أبطلت لأن أهل الأرض لا يقدرون على علم ما وصفت لك من حال هذه النجوم و البروج بالمعاينة و الدنو منها فلا يقدرون عليه لأن علم أهل الدنيا لا يكون عندنا إلا بالحواس و ما يدرك علم هذه النجوم التي وصفت بالحواس لأنها معلقة في السماء و ما زادت الحواس على النظر إليها حيث تطلع و حيث تغيب فأما حسابها و دقائقها و نحوسها و سعودها و بطيئها و سريعها و خنوسها و رجوعها فأنى تدرك بالحواس أو يهتدى إليها بالقياس قلت فأخبرني لو كنت متعلما مستوصفا لهذا الحساب من أهل الأرض أحب إليك أن تستوصفه و تتعلمه أم من أهل السماء قال من أهل السماء إذ كانت النجوم معلقة فيها حيث لا يعلمها أهل الأرض  قلت فافهم و أدق النظر و ناصح نفسك أ لست تعلم أنه حيث كان جميع أهل الدنيا إنما يولدون بهذه النجوم على ما وصفت في النحوس و السعود أنهن كن قبل الناس قال ما أمتنع أن أقول هذا قلت أ فليس ينبغي لك أن تعلم أن قولك إن الناس لم يزالوا و لا يزالون قد انكسر عليك حيث كانت النجوم قبل الناس فالناس حدث بعدها و لئن كانت النجوم خلقت قبل الناس ما تجد بدا من أن تزعم أن الأرض خلقت قبلهم قال و لم تزعم أن الأرض خلقت قبلهم قلت أ لست تعلم أنها لو لم تكن الأرض جعل الله لخلقه فراشا و مهادا ما استقام الناس و لا غيرهم من الأنام و لا قدروا أن يكونوا في الهواء إلا أن يكون لهم أجنحة قال و ما ذا يغني عنهم الأجنحة إذا لم تكن لهم معيشة قلت ففي شك أنت من أن الناس حدث بعد الأرض و البروج قال لا و لكن على اليقين من ذلك قلت آتيك أيضا بما تبصره قال ذلك أنفى للشك عني قلت أ لست تعلم أن الذي تدور عليه هذه النجوم و الشمس و القمر هذا الفلك قال بلى قلت أ فليس قد كان أساسا لهذه النجوم قال بلى قلت فما أرى هذه النجوم التي زعمت أنها مواليد الناس إلا و قد وضعت بعد هذا الفلك لأنه به تدور البروج و تسفل مرة و تصعد أخرى قال قد جئت بأمر واضح لا يشكل على ذي عقل أن الفلك الذي تدور به النجوم هو أساسها الذي وضع لها لأنها إنما جرت به قلت أقررت أن خالق النجوم التي يولد بها الناس سعودهم و نحوسهم هو خالق الأرض لأنه لو لم يكن خلقها لم يكن ذرء قال ما أجد بدا من إجابتك إلى ذلك قلت أ فليس ينبغي لك أن يدلك عقلك على أنه لا يقدر على خلق السماء إلا الذي خلق الأرض و الذرء و الشمس و القمر و النجوم و أنه لو لا السماء و ما فيها لهلك ذرء الأرض

 شرح أن يكون لبعض الناس أي هذا العلم اعلم أن كلامه و احتجاجه ع  مبني على أحد أمرين الأول ما يحكم به الوجدان من أن العلم بدقائق حركات هذه الكواكب و خواص آثارها و المناسبة بينها و بين ما هي علامة لحدوثها لا يتأتى إلا لخالقها الذي جعلها كذلك أو من ينتهي علمه إليه و معلوم أن ما هو الحق من هذه العلوم إنما وصل إلى الخلق من الأنبياء كما اعترفوا به و لما لم يحيطوا بجميع ذلك و ضاع عنهم بعض ما استفادوا من الأنبياء ع أيضا فلذا ترى الرياضيين يتحيرون في بعض الحركات التي لا تستقيم على أصولهم و يسمونها ما لا ينحل و ترى المنجمين يخطئون في كثير من أحكامهم لذلك ثم ذكر ع على سبيل التنزل أنه لو سلمنا أنه يمكن أن يتيسر ذلك لمخلوق من البشر فلا يتأتى ذلك إلا لمن كان معها في حركاتها و يعاشرها مدة طويلة ليعلم كيفية حركاتها و جرب بكثرة المعاشرة خواصها و آثارها. و الثاني أن يكون المراد أنك إذا اعترفت أن كل الخلق يولدون بهذه النجوم فلا يكون أحد منهم علة لها و لآثارها لتقدمها عليهم و لا شك في أنه لا بد من حكيم عالم بجميع الأمور قادر عليها أسس ذلك الأساس و بنى عليها تلك الآثار و الأحكام التي أمكن للخلق بها استعلام ما لم يأت من الأمور فقد أقررت بالصانع فهو أول عالم بهذا العلم لا الحكيم الذي تزعم أنه يولد بتلك النجوم و يحتمل أن يكون المقصود من الكلام الإشارة إلى كلا الدليلين كما لا يخفى بعد التأمل قوله ع مواضعها من السماء أي عند كونها فوق الأرض و مواضعها تحت الأرض أي بعد غروبها و استتارها عنا بالأرض قوله ع إلا بمن في السماء أي بمن أحاط علمه و قدرته و حكمه بالسماء و ما فيها قوله ع فأنا أقول قولك أي أنا أعتقد ما قلت من أن الحكماء الذين تزعمهم عالمين به لم يرقوا إلى السماء أو أعتقد أنه لا يمكنهم أن يرقوا إلى السماء بأنفسهم بدون تعلق إرادة الرب تعالى به و مع ذلك فإن سلمناه فلا يكفي محض الصعود للإحاطة بذلك قوله ع مع كل برج أي فيه أو بالحركة السريعة قوله ع في ثلاثين سنة و هو زحل و هو أبطأ السيارات و إنما لم يتعرض ع للثوابت مع

   كونها أبطأ لأن مبنى أحكامهم على السيارات قوله ع لأن مجاريها تحت الأرض لما ذكر ع سابقا سيره مع الكواكب من الطلوع إلى الغروب أشار ع هاهنا إلى أنه لا يكفي ذلك للعلم بجميع الحركات حتى يسير معها بعد الغروب فيحاذي ما تحت الأرض من البحار و المواضع المظلمة بالبخارات أو يسير مع سائر الكواكب عند كون الشمس فوق الأرض حتى يحاذي ما تحتها الظلمة ثم بين ع الحاجة إلى ذلك بأنه لا تكفي الإحاطة ببعض مسيرها للعلم بحركاتها لأن حركاتها الخاصة عندهم مختلفة بالنسبة إلى مركز العالم بسبب التداوير و الأفلاك الخارجة المراكز و غيرها فتارة تسرع و تارة تبطئ فلا تتأتى مقايسة بعض حركاتها ببعض. قوله ع كيف يكون بعضها سعدا أي يرجع قولك إلى أنها مع صفاتها وجدت من غير صانع فكيف صار بعضها هكذا و بعضها هكذا فترجح هذه الأحوال الممكنة و حصولها من غير علة مما يحكم العقل باستحالته أو المراد أنها لو كانت خالقة لأنفسها لكان كل منها يختار لنفسه أفضل الأحوال و أشرفها فكان جميعها على حالة واحدة هي أفضل الأحوال و هذا أظهر ثم لما لم يفهم السائل ذلك غير الكلام و صرفه إلى ما هو أوضح و قوله ع قد أقررت أنها لم تكن شيئا إما مبني على أن الصنع و الخلق لا يتعلقان إلا بالحادث أو على ما كان ظاهر كلام السائل أن لوجودها مبدأ ثم إن السائل لما تفطن بفساد كون الشي‏ء صانعا لنفسه رجع و أقر بأن العقل يحكم بديهة بأن المصنوع غير الصانع و الباني غير البناء و ما ذكره ع من أن خالق الحياة و الموت لا بد أن يكون واحدا مما يحكم به الوجدان مع أن الظاهر من خالق الحياة من يكون مستقلا فيه و الموت ليس إلا رفع الحياة فلو كان مستندا إلى غيره لم يكن خالق الحياة مستقلا فيه. قوله ع دون هذا أي أنا أنكر الصعود إلى السماء الذي هو أسهل مما ذكرت فكيف أقر به أو المراد أن الصعود إلى السماء أسهل علي من الإقرار بما ذكرت قوله ع إنهن كن قبل الناس أي بالعلية و السببية كما ظن السائل أو بالزمان أي تقدمها على كل شخص أو على الجميع بناء على لزوم التقدم على كل  من الأشخاص التقدم على الجميع كما قيل أو على أنه ع كان يعلم أن السائل كان قائلا بذلك فذكره ع إلزاما عليه كما اعترف به و على الأول يكون المراد بقوله لم يزالوا و لا يزالون عدم استنادهم إلى علة و على الثاني فالمراد إما قدم مادتهم أو صورهم أيضا بناء على القول بالكمون و على الثالث فالمراد قدم نوعهم قوله ع بعد هذا الفلك أي هي محتاجة إلى الفلك و الفلك متقدمة عليها بالعلية فلا يصح كون النجوم علة لها للزوم الدور قوله ع لم يكن ذرء أي مذروء و مخلوق من الإنس. ثم اعلم أن حاصل استدلاله على ما ظهر لهذا القاصر هو أنه ع لما قرر السائل سالفا على أن النجوم ليست خالقة لأنفسها و آنفا على أنها ليست مخلوقة للناس و غيرها مما يحدث بزعمه بتأثيرها لتأخرها عنها و على أن الأرض أيضا متقدمة على ما عليها من الخلق فلا تكون مخلوقة لما عليها و على أن الفلك لتقدمه على النجوم المتقدمة على الناس لا يجوز كونه مخلوقا لشي‏ء منها استدل ع هاهنا على أنه لا بد أن يكون خالق السماء و الأرض و ما في السماء من الشمس و القمر و النجوم و ما على الأرض من الخلق واحدا. أما اتحاد خالق الأرض و النجوم فيمكن تقريره بوجهين الأول أن الناس محتاجون إلى الأرض كما عرفت و ظاهر أنها من أعظم مصالحهم فالوجدان الصحيح يحكم بأن من خلق شيئا يعد له ما يصلحه و يهيئ له ما سيحتاج إليه فظهر أنه لا بد أن يكون خالق الناس و خالق الأرض واحدا و الناس بزعمك مخلوقون للنجوم و لزمك القول بوجود خالق للنجوم فلا بد من القول بكون الأرض منسوبة إلى خالق النجوم إما بلا واسطة أو بواسطة النجوم أو غيرها فثبت المطلوب. الثاني أنا نرى التلازم بين الناس و الأرض لحكم العقل بأن كلا منهما يرتفع عند ارتفاع الآخر إذ الظاهر أن غاية خلق الأرض هو الإنسان و نحوه و هم محتاجون في أمورهم إليها و قد تقرر أن المتلازمين إما أن يكون أحدهما علة للآخر أو كل منهما معلول علة ثالثة و لا يجوز أن يكون الناس عللا للأرض لما عرفت و لا معلولة

   لها لانتسابها عندك إلى النجوم فلا بد من أن يكونا معلولي علة واحدة و بأحد هذين التقريرين يثبت اتحاد خالق السماء و خالق هذه الأمور السابقة لاحتياج ما على الأرض من الخلق إلى السماء و ما فيها من النجوم و إليه أشار ع بقوله و إنه لو لا السماء و ما فيها لهلك ذرء الأرض هذا ما أحاط به نظري العاثر و سيأتي في تضاعيف كلامه ع توضيح ما قلناه و التصريح ببعض ما قررناه و الله يعلم و حججه ع حقائق كلامهم و دقائق مرامهم ثم لا يتوهم متوهم من كلامه ع أن للنجوم تأثيرا فإنه ظاهر أنه ع إنما ذكرها إلزاما عليه و مماشاة معه لإتمام الحجة عليه بل لا يمكن الاستدلال على سعودها و نحوسها و كونها علامات للكائنات أيضا بهذا الوجه لكن ظاهره أن لها سعادة و نحوسة و أنها علامات و سيأتي القول في ذلك مفصلا في كتاب السماء و العالم

متن قال أشهد أن الخالق واحد من غير شك لأنك قد أتيتني بحجة ظهرت لعقلي و انقطعت بها حجتي و ما أرى يستقيم أن يكون واضع هذا الحساب و معلم هذه النجوم واحدا من أهل الأرض لأنها في السماء و لا مع ذلك يعرف ما تحت الأرض منها إلا معلم ما في السماء منها و لكن لست أدري كيف سقط أهل الأرض على هذا العلم الذي هو في السماء حتى اتفق حسابهم على ما رأيت من الدقة و الصواب فإني لو لم أعرف من هذا الحساب ما أعرفه لأنكرته و لأخبرتك أنه باطل في بدء الأمر فكان أهون علي قلت فأعطني موثقا إن أنا أعطيتك من قبل هذه الإهليلجة التي في يدك و ما تدعي من الطب الذي هو صناعتك و صناعة آبائك حتى يتصل الإهليلجة و ما يشبهها من الأدوية بالسماء لتذعنن بالحق و لتنصفن من نفسك قال ذلك لك قلت هل كان الناس على حال و هم لا يعرفون الطب و منافعه من هذه الإهليلجة و أشباهها قال نعم قلت فمن أين اهتدوا له قال بالتجربة و طول المقايسة قلت فكيف خطر  على أوهامهم حتى هموا بتجربته و كيف ظنوا أنه مصلحة للأجساد و هم لا يرون فيه إلا المضرة أو كيف عزموا على طلب ما لا يعرفون مما لا تدلهم عليه الحواس قال بالتجارب قلت أخبرني عن واضع هذا الطب و واصف هذه العقاقير المتفرقة بين المشرق و المغرب هل كان بد من أن يكون الذي وضع ذلك و دل على هذه العقاقير رجل حكيم من بعض أهل هذه البلدان قال لا بد أن يكون كذلك و أن يكون رجلا حكيما وضع ذلك و جمع عليه الحكماء فنظروا في ذلك و فكروا فيه بعقولهم قلت كأنك تريد الإنصاف من نفسك و الوفاء بما أعطيت من ميثاقك فأعلمني كيف عرف الحكيم ذلك و هبه قد عرف بما في بلاده من الدواء و الزعفران الذي بأرض فارس أ تراه اتبع جميع نبات الأرض فذاقه شجرة شجرة حتى ظهر على جميع ذلك و هل يدلك عقلك على أن رجالا حكماء قدروا على أن يتبعوا جميع بلاد فارس و نباتها شجرة شجرة حتى عرفوا ذلك بحواسهم و ظهروا على تلك الشجرة التي يكون فيها خلط بعض هذه الأدوية التي لم تدرك حواسهم شيئا منها و هبه أصاب تلك الشجرة بعد بحثه عنها و تتبعه جميع شجر فارس و نباتها كيف عرف أنه لا يكون دواء حتى يضم إليه الإهليلج من الهند و المصطكى من الروم و المسك من التبت و الدارصيني من الصين و خصى بيدستر من الترك و الأفيون من مصر و الصبر من اليمن و البورق من أرمنية و غير ذلك من أخلاط الأدوية التي تكون في أطراف الأرض و كيف عرف أن بعض تلك الأدوية و هي عقاقير مختلفة يكون المنفعة باجتماعها و لا يكون منفعتها في الحالات بغير اجتماع أم كيف اهتدى لمنابت هذه الأدوية و هي ألوان مختلفة و عقاقير متبائنة في بلدان متفرقة فمنها عروق و منها لحاء و منها ورق و منها ثمر و منها عصير و منها مائع و منها صمغ و منها دهن و منها

  ما يعصر و يطبخ و منها ما يعصر و لا يطبخ مما سمي بلغات شتى لا يصلح بعضها إلا ببعض و لا يصير دواء إلا باجتماعها و منها مرائر السباع و الدواب البرية و البحرية و أهل هذه البلدان مع ذلك متعادون مختلفون متفرقون باللغات متغالبون بالمناصبة و متحاربون بالقتل و السبي أ فترى ذلك الحكيم تتبع هذه البلدان حتى عرف كل لغة و طاف كل وجه و تتبع هذه العقاقير مشرقا و مغربا آمنا صحيحا لا يخاف و لا يمرض سليما لا يعطب حيا لا يموت هاديا لا يضل قاصدا لا يجور حافظا لا ينسى نشيطا لا يمل حتى عرف وقت أزمنتها و مواضع منابتها مع اختلاطها و اختلاف صفاتها و تباين ألوانها و تفرق أسمائها ثم وضع مثالها على شبهها و صفتها ثم وصف كل شجرة بنباتها و ورقها و ثمرها و ريحها و طعمها أم هل كان لهذا الحكيم بد من أن يتبع جميع أشجار الدنيا و بقولها و عروقها شجرة شجرة و ورقة ورقة شيئا شيئا فهبه وقع على الشجرة التي أراد فكيف دلته حواسه على أنها تصلح لدواء و الشجر مختلف منه الحلو و الحامض و المر و المالح و إن قلت يستوصف في هذه البلدان و يعمل بالسؤال فأنى يسأل عما لم يعاين و لم يدركه بحواسه أم كيف يهتدي إلى من يسأله عن تلك الشجرة و هو يكلمه بغير لسانه و بغير لغته و الأشياء كثيرة فهبه فعل كيف عرف منافعها و مضارها و تسكينها و تهييجها و باردها و حارها و حلوها و مرارتها و حرافتها و لينها و شديدها فلئن قلت بالظن إن ذلك مما لا يدرك و لا يعرف بالطبائع و الحواس و لئن قلت بالتجربة و الشرب لقد كان ينبغي له أن يموت في أول ما شرب و جرب تلك الأدوية بجهالته بها و قلة معرفته بمنافعها و مضارها و أكثرها السم القاتل و لئن قلت بل طاف في كل بلد و أقام في كل أمة يتعلم لغاتهم و يجرب بهم أدويتهم تقتل الأول فالأول منهم ما كان لتبلغ معرفته الدواء الواحد إلا بعد قتل قوم كثير فما كان أهل تلك البلدان  الذين قتل منهم من قتل بتجربته بالذين ينقادونه بالقتل و لا يدعونه أن يجاورهم و هبه تركوه و سلموا لأمره و لم ينهوه كيف قوي على خلطها و عرف قدرها و وزنها و أخذ مثاقيلها و قرط قراريطها و هبه تتبع هذا كله و أكثره سم قاتل إن زيد على قدرها قتل و إن نقص عن قدرها بطل و هبه تتبع هذا كله و جال مشارق الأرض و مغاربها و طال عمره فيها تتبعه شجرة شجرة و بقعة بقعة كيف كان له تتبع ما لم يدخل في ذلك من مرارة الطير و السباع و دواب البحر هل كان بد حيث زعمت أن ذلك الحكيم تتبع عقاقير الدنيا شجرة شجرة و ثمرة ثمرة حتى جمعها كلها فمنها ما لا يصلح و لا يكون دواء إلا بالمرار هل كان بد من أن يتبع جميع طير الدنيا و سباعها و دوابها دابة دابة و طائرا طائرا يقتلها و يجرب مرارتها كما بحث عن تلك العقاقير على ما زعمت بالتجارب و لو كان ذلك فكيف بقيت الدواب و تناسلت و ليست بمنزلة الشجرة إذا قطعت شجرة نبتت أخرى و هبه أتى على طير الدنيا كيف يصنع بما في البحر من الدواب التي كان ينبغي أن يتبعها بحرا بحرا و دابة دابة حتى أحاط به كما أحاط بجميع عقاقير الدنيا التي بحث عنها حتى عرفها و طلب ذلك في غمرات الماء فإنك مهما جهلت شيئا من هذا فإنك لا تجهل أن دواب البحر كلها تحت الماء فهل يدل العقل و الحواس على أن هذا يدرك بالبحث و التجارب قال لقد ضيقت علي المذاهب فما أدري ما أجيبك به قلت فإني آتيك بغير ذلك مما هو أوضح و أبين مما اقتصصت عليك أ لست تعلم أن هذه العقاقير التي منها الأدوية و المرار من الطير و السباع لا يكون دواء إلا بعد الاجتماع قال هو كذلك قلت فأخبرني كيف حواس هذا الحكيم وضعت هذه الأدوية مثاقيلها و قراريطها فإنك من أعلم الناس بذلك لأن صناعتك الطب و أنت تدخل في الدواء الواحد من اللون الواحد زنة أربع مائة مثقال و من الآخر مثاقيل و قراريط فما فوق ذلك و دونه حتى يجي‏ء بقدر واحد معلوم إذا سقيت منه صاحب البطنة بمقدار عقد بطنه و إن سقيت صاحب القولنج أكثر من ذلك استطلق بطنه و ألان فكيف أدركت حواسه على هذا

  أم كيف عرفت حواسه أن الذي يسقى لوجع الرأس لا ينحدر إلى الرجلين و الانحدار أهون عليه من الصعود و الذي يسقى لوجع القدمين لا يصعد إلى الرأس و هو إلى الرأس عند السلوك أقرب منه و كذلك كل دواء يسقى صاحبه لكل عضو لا يأخذ إلا طريقه في العروق التي تسقى له و كل ذلك يصير إلى المعدة و منها يتفرق أم كيف لا يسفل منه ما صعد و لا يصعد منه ما انحدر أم كيف عرفت الحواس هذا حتى علم أن الذي ينبغي للأذن لا ينفع العين و ما ينتفع به العين لا يغني من وجع الأذن و كذلك جميع الأعضاء يصير كل داء منها إلى ذلك الدواء الذي ينبغي له بعينه فكيف أدركت العقول و الحكمة و الحواس هذا و هو غائب في الجوف و العروق في اللحم و فوقه الجلد لا يدرك بسمع و لا ببصر و لا بشم و لا بلمس و لا بذوق قال لقد جئت بما أعرفه إلا أننا نقول إن الحكيم الذي وضع هذه الأدوية و أخلاطها كان إذا سقى أحدا شيئا من هذه الأدوية فمات شق بطنه و تتبع عروقه و نظر مجاري تلك الأدوية و أتى المواضع التي تلك الأدوية فيها قلت فأخبرني أ لست تعلم أن الدواء كله إذا وقع في العروق اختلط بالدم فصار شيئا واحدا قال بلى قلت أ ما تعلم أن الإنسان إذا خرجت نفسه برد دمه و جمد قال بلى قلت فكيف عرف ذلك الحكيم دواءه الذي سقاه للمريض بعد ما صار غليظا عبيطا ليس بأمشاج يستدل عليه بلون فيه غير لون الدم قال لقد حملتني على مطية صعبة ما حملت على مثلها قط و لقد جئت بأشياء لا أقدر على ردها

 شرح قوله ع خلط بعض هذه الأدوية الخلط بالكسر ما يخلط بالشي‏ء أي ما يدخل في بعض هذه الأدوية المركبة قوله ع ثم وضع مثالها على شبهها أي ضم كلما وجد من كل نوع إلى مثله لأنه يشبههه و يوافقه في الصفة أو ترك الأشياء التي تشبه ما يريده و إن كانت موافقة له في الصفات فإن كثيرا من العقاقير تشتبه بغيرها لاتفاقهما في كثير من الصفات قوله ع فكيف بقيت لعل المفروض أن ذلك كان  في مبادي خلق العالم لقدم ذلك العلم فيلزم من التجارب الكثيرة فناء الحيوانات لقلتها في تلك الأزمنة قوله ع ليس بأمشاج أي أشياء مختلطة متمايزة. أقول كلامه ع يدل على أن خواص الأدوية و أجناسها و منافعها و مناسبتها للأمراض إنما وصل إلى الخلق بإخبار الرسل عليهم الصلاة و السلام و لم يصل الخلق إليها بعقولهم و تجاربهم

متن قلت فأخبرني من أين علم العباد ما وصفت من هذه الأدوية التي فيها المنافع لهم حتى خلطوها و تتبعوا عقاقيرها في هذه البلدان المتفرقة و عرفوا مواضعها و معادنها في الأماكن المتباينة و ما يصلح من عروقها و زنتها من مثاقيلها و قراريطها و ما يدخلها من الحجارة و مرار السباع و غير ذلك قال قد أعييت عن إجابتك لغموض مسائلك و إلجائك إياي إلى أمر لا يدرك علمه بالحواس و لا بالتشبيه و القياس و لا بد أن يكون وضع هذه الأدوية واضع لأنها لم تضع هي أنفسها و لا اجتمعت حتى جمعها غيرها بعد معرفته إياها فأخبرني كيف علم العباد هذه الأدوية التي فيها المنافع حتى خلطوها و طلبوا عقاقيرها في هذه البلدان المتفرقة قلت إني ضارب لك مثلا و ناصب لك دليلا تعرف به واضع هذه الأدوية و الدال على هذه العقاقير المختلفة و باني الجسد و واضع العروق التي يأخذ فيها الدواء إلى الداء قال فإن قلت ذلك لم أجد بدا من الانقياد إلى ذلك قلت فأخبرني عن رجل أنشأ حديقة عظيمة و بنى عليها حائطا وثيقا ثم غرس فيها الأشجار و الأثمار و الرياحين و البقول و تعاهد سقيها و تربيتها و وقاها ما يضرها حتى لا يخفى عليه موضع كل صنف منها فإذا أدركت أشجارها و أينعت أثمارها و اهتزت بقولها دفعت إليه فسألته أن يطعمك لونا من الثمار و البقول سميته له أ تراه كان قادرا على  أن ينطلق قاصدا مستمرا لا يرجع و لا يهوي إلى شي‏ء يمر به من الشجرة و البقول حتى يأتي الشجرة التي سألته أن يأتيك بثمرها و البقلة التي طلبتها حيث كانت من أدنى الحديقة أو أقصاها فيأتيك بها قال نعم قلت أ فرأيت لو قال لك صاحب الحديقة حيث سألته الثمرة ادخل الحديقة فخذ حاجتك فإني لا أقدر على ذلك هل كنت تقدر أن تنطلق قاصدا لا تأخذ يمينا و لا شمالا حتى تنتهي إلى الشجرة فتجتني منها قال و كيف أقدر على ذلك و لا علم لي في أي مواضع الحديقة هي قلت أ فليس تعلم أنك لم تكن لتصيبها دون أن تهجم عليها بتعسف و جولان في جميع الحديقة حتى تستدل عليها ببعض حواسك بعد ما تتصفح فيها من الشجرة شجرة شجرة و ثمرة ثمرة حتى تسقط على الشجرة التي تطلب ببعض حواسك أن تأتيها و إن لم ترها انصرفت قال و كيف أقدر على ذلك و لم أعاين مغرسها حيث غرست و لا منبتها حيث نبتت و لا ثمرتها حيث طلعت قلت فإنه ينبغي لك أن يدلك عقلك حيث عجزت حواسك عن إدراك ذلك أن الذي غرس هذا البستان العظيم فيما بين المشرق و المغرب و غرس فيه هذه الأشجار و البقول هو الذي دل الحكيم الذي زعمت أنه وضع الطب على تلك العقاقير و مواضعها في المشرق و المغرب و كذلك ينبغي لك أن تستدل بعقلك على أنه هو الذي سماها و سمى بلدتها و عرف مواضعها كمعرفة صاحب الحديقة الذي سألته الثمرة و كذلك لا يستقيم و لا ينبغي أن يكون الغارس و الدال عليها إلا الدال على منافعها و مضارها و قراريطها و مثاقيلها قال إن هذا لكما تقول أ فرأيت لو كان خالق الجسد و ما فيه من العصب و اللحم و الأمعاء و العروق التي يأخذ فيها الأدوية إلى الرأس و إلى القدمين و إلى ما سوى ذلك غير خالق الحديقة و غارس العقاقير هل كان يعرف زنتها و مثاقيلها و قراريطها و ما يصلح لكل داء منها و ما كان يأخذ في كل عرق قال و كيف يعرف ذلك أو يقدر عليه و هذا لا يدرك بالحواس ما ينبغي أن يعرف هذا إلا الذي غرس الحديقة و عرف كل شجرة و بقلة و ما فيها من المنافع و المضار قلت أ فليس كذلك ينبغي أن يكون الخالق واحدا لأنه لو كان اثنين أحدهما خالق

  الدواء و الآخر خالق الجسد و الداء لم يهتد غارس العقاقير لإيصال دوائه إلى الداء الذي بالجسد مما لا علم له به و لا اهتدى خالق الجسد إلى علم ما يصلح ذلك الداء من تلك العقاقير فلما كان خالق الداء و الدواء واحدا أمضى الدواء في العروق التي برأ و صور إلى الداء الذي عرف و وضع فعلم مزاجها من حرها و بردها و لينها و شديدها و ما يدخل في كل دواء منه من القراريط و المثاقيل و ما يصعد إلى الرأس منها و ما يهبط إلى القدمين منها و ما يتفرق منه فيما سوى ذلك قال لا أشك في هذا لأنه لو كان خالق الجسد غير خالق العقاقير لم يهتد واحد منهما إلى ما وصفت قلت فإن الذي دل الحكيم الذي وصفت أنه أول من خلط هذه الأدوية و دل على عقاقيرها المتفرقة فيما بين المشرق و المغرب و وضع هذا الطب على ما وصفت لك هو صاحب الحديقة فيما بين المشرق و المغرب و هو باني الجسد و هو دل الحكيم بوحي منه على صفة كل شجرة و بلدها و ما يصلح منها من العروق و الثمار و الدهن و الورق و الخشب و اللحاء و كذلك دله على أوزانها من مثاقيلها و قراريطها و ما يصلح لكل داء منها و كذلك هو خالق السباع و الطير و الدواب التي في مرارها المنافع مما يدخل في تلك الأدوية فإنه لو كان غير خالقها لم يدر ما ينتفع به من مرارها و ما يضر و ما يدخل منها في العقاقير فلما كان الخالق سبحانه و تعالى واحدا دل على ما فيه من المنافع منها فسماه باسمه حتى عرف و ترك ما لا منفعة فيه منها فمن ثم علم الحكيم أي السباع و الدواب و الطير فيه المنافع و أيها لا منفعة فيه و لو لا أن خالق هذه الأشياء دله عليها ما اهتدى بها قال إن هذا لكما تقول و قد بطلت الحواس و التجارب عند هذه الصفات قلت أما إذا صحت نفسك فتعال ننظر بعقولنا و نستدل بحواسنا هل كان يستقيم لخالق هذه الحديقة و غارس هذه الأشجار و خالق هذه الدواب و الطير و الناس الذي خلق هذه الأشياء لمنافعهم أن يخلق هذا الخلق و يغرس هذا الغرس في أرض غيره مما إذا شاء منعه ذلك قال ما ينبغي أن تكون الأرض التي خلقت فيها الحديقة العظيمة و غرست فيه

  الأشجار إلا لخالق هذا الخلق و ملك يده قلت فقد أرى الأرض أيضا لصاحب الحديقة لاتصال هذه الأشياء بعضها ببعض قال ما في هذا شك قلت فأخبرني و ناصح نفسك أ لست تعلم أن هذه الحديقة و ما فيها من الخلقة العظيمة من الإنس و الدواب و الطير و الشجر و العقاقير و الثمار و غيرها لا يصلحها إلا شربها و ريها من الماء الذي لا حياة لشي‏ء إلا به قال بلى قلت أ فترى الحديقة و ما فيها من الذرء خالقها واحد و خالق الماء غيره يحبسه عن هذه الحديقة إذا شاء و يرسله إذا شاء فيفسد على خالق الحديقة قال ما ينبغي أن يكون خالق هذه الحديقة و ذارئ هذا الذرء الكثير و غارس هذه الأشجار إلا المدبر الأول و ما ينبغي أن يكون ذلك الماء لغيره و إن اليقين عندي لهو أن الذي يجري هذه المياه من أرضه و جباله لغارس هذه الحديقة و ما فيها من الخليقة لأنه لو كان الماء لغير صاحب الحديقة لهلك الحديقة و ما فيها و لكنه خالق الماء قبل الغرس و الذرء و به استقامت الأشياء و صلحت قلت أ فرأيت لو لم يكن لهذه المياه المنفجرة في الحديقة مغيض لما يفضل من شربها يحبسه عن الحديقة أن يفيض عليها أ ليس كان يهلك ما فيها من الخلق على حسب ما كانوا يهلكون لو لم يكن لها ماء قال بلى و لكني لا أدري لعل هذا البحر ليس له حابس و أنه شي‏ء لم يزل قلت أما أنت فقد أعطيتني أنه لو لا البحر و مغيض المياه إليه لهلكت الحديقة قال أجل قلت فإني أخبرك عن ذلك بما تستيقن بأن خالق البحر هو خالق الحديقة و ما فيها من الخليقة و أنه جعله مغيضا لمياه الحديقة مع ما جعل فيه من المنافع للناس قال فاجعلني من ذلك على يقين كما جعلتني من غيره قلت أ لست تعلم أن فضول ماء الدنيا يصير في البحر قال بلى قلت فهل رأيته زائدا قط في كثرة الماء و تتابع الأمطار على الحد الذي لم يزل عليه أو هل رأيته ناقصا في قلة المياه و شدة الحر و شدة القحط قال لا قلت أ فليس ينبغي أن يدلك عقلك على أن خالقه و خالق الحديقة و ما فيها من الخليقة واحد و أنه هو الذي وضع له حدا لا يجاوزه لكثرة الماء و لا لقلته و أن مما يستدل على ما أقول إنه يقبل بالأمواج أمثال الجبال يشرف على

  السهل و الجبل فلو لم تقبض أمواجه و لم تحبس في المواضع التي أمرت بالاحتباس فيها لأطبقت على الدنيا حتى إذا انتهت على تلك المواضع التي لم تزل تنتهي إليها ذلت أمواجه و خضع إشرافه قال إن ذلك لكما وصفت و لقد عاينت منه كل الذي ذكرت و لقد أتيتني ببرهان و دلالات و ما أقدر على إنكارها و لا جحودها لبيانها قلت و غير ذلك سآتيك به مما تعرف اتصال الخلق بعضه ببعض و أن ذلك من مدبر حكيم عالم قدير أ لست تعلم أن عامة الحديقة ليس شربها من الأنهار و العيون و أن أعظم ما ينبت فيها من العقاقير و البقول التي في الحديقة و معاش ما فيها من الدواب و الوحش و الطير من البراري التي لا عيون لها و لا أنهار إنما يسقيه السحاب قال بلى قلت أ فليس ينبغي أن يدلك عقلك و ما أدركت بالحواس التي زعمت أن الأشياء لا تعرف إلا بها إنه لو كان السحاب الذي يحتمل من المياه إلى البلدان و المواضع التي لا تنالها ماء العيون و الأنهار و فيها العقاقير و البقول و الشجر و الأنعام لغير صاحب الحديقة لأمسكه عن الحديقة إذا شاء و لكان خالق الحديقة من بقاء خليقته التي ذرأ و برأ على غرور و وجل خائفا على خليقته أن يحبس صاحب المطر الماء الذي لا حياة للخليقة إلا به قال إن الذي جئت به لواضح متصل بعضه ببعض و ما ينبغي أن يكون الذي خلق هذه الحديقة و هذه الأرض و جعل فيها الخليقة و خلق لها هذا المغيض و أنبت فيها هذه الثمار المختلفة إلا خالق السماء و السحاب يرسل منها ما شاء من الماء إذا شاء أن يسقي الحديقة و يحيي ما في الحديقة من الخليقة و الأشجار و الدواب و البقول و غير ذلك إلا أني أحب أن تأتيني بحجة أزداد بها يقينا و أخرج بها من الشك قلت فإني آتيك بها إن شاء الله من قبل إهليلجتك و اتصالها بالحديقة و ما فيها من الأشياء المتصلة بأسباب السماء لتعلم أن ذلك بتدبير عليم حكيم قال و كيف تأتيني بما يذهب عني الشك من قبل الإهليلجة قلت فيما أريك فيها من إتقان الصنع و أثر التركيب المؤلف و اتصال ما بين عروقها إلى فروعها و احتياج بعض ذلك إلى بعض حتى يتصل بالسماء قال إن أريتني ذلك لم أشك قلت أ لست

  تعلم أن الإهليلجة نابتة في الأرض و أن عروقها مؤلفة إلى أصل و أن الأصل متعلق بساق متصل بالغصون و الغصون متصلة بالفروع و الفروع منظومة بالأكمام و الورق و ملبس ذلك كله الورق و يتصل جميعه بظل يقيه حر الزمان و برده قال أما الإهليلجة فقد تبين لي اتصال لحائها و ما بين عروقها و بين ورقها و منبتها من الأرض فأشهد أن خالقها واحد لا يشركه في خلقها غيره لإتقان الصنع و اتصال الخلق و ائتلاف التدبير و إحكام التقدير قلت إن أريتك التدبير مؤتلفا بالحكمة و الإتقان معتدلا بالصنعة محتاجا بعضه إلى بعض متصلا بالأرض التي رجت منه الإهليلجة في الحالات كلها أ تقر بخالق ذلك قال إذن لا أشك في الوحدانية قلت فافهم و افقه ما أصف لك أ لست تعلم أن الأرض متصلة بإهليلجتك و إهليلجتك متصلة بالتراب و التراب متصل بالحر و البرد و الحر و البرد متصلان بالهواء و الهواء متصل بالريح و الريح متصلة بالسحاب و السحاب متصل بالمطر و المطر متصل بالأزمنة و الأزمنة متصلة بالشمس و القمر و الشمس و القمر متصلتان بدوران الفلك و الفلك متصل بما بين السماء و الأرض صنعة ظاهرة و حكمة بالغة و تأليف متقن و تدبير محكم متصل كل هذا ما بين السماء و الأرض لا يقوم بعضه إلا ببعض و لا يتأخر واحد منهما عن وقته و لو تأخر عن وقته لهلك جميع من في الأرض من الأنام و النباتات قال إن هذه لهي العلامات البينات و الدلالات الواضحات التي يجري معها أثر التدبير بإتقان الخلق و التأليف مع إتقان الصنع لكني لست أدري لعل ما تركت غير متصل بما ذكرت قلت و ما تركت قال الناس قلت أ لست تعلم أن هذا كله متصل بالناس سخره لها المدبر الذي أعلمتك أنه إن تأخر شي‏ء مما عددت عليك هلكت الخليقة و باد جميع ما في الحديقة و ذهبت الإهليلجة التي تزعم أن فيها منافع الناس قال فهل تقدر أن تفسر لي هذا الباب على ما لخصت لي غيره قلت نعم أبين لك ذلك من قبل إهليلجتك حتى تشهد أن ذلك كله مسخر لبني آدم قال و كيف ذلك قلت خلق الله السماء سقفا مرفوعا و لو لا ذلك اغتم خلقه لقربها و أحرقتهم

  الشمس لدنوها و خلق لهم شهبا و نجوما يهتدى بها في ظلمات البر و البحر لمنافع الناس و نجوما يعرف بها أصل الحساب فيها الدلالات على إبطال الحواس و وجود معلمها الذي علمها عباده مما لا يدرك علمها بالعقول فضلا عن الحواس و لا يقع عليها الأوهام و لا يبلغها العقول إلا به لأنه العزيز الجبار الذي دبرها و جعل فيها سراجا و قمرا منيرا يسبحان في فلك يدور بهما دائبين يطلعهما تارة و يؤفلهما أخرى فبنى عليه الأيام و الشهور و السنين التي هي من سبب الشتاء و الصيف و الربيع و الخريف أزمنة مختلفة الأعمال أصلها اختلاف الليل و النهار اللذين لو كان واحد منهما سرمدا على العباد لما قامت لهم معايش أبدا فجعل مدبر هذه الأشياء و خالقها النهار مبصرا و الليل سكنا و أهبط فيهما الحر و البرد متبائنين لو دام واحد منهما بغير صاحبه ما نبتت شجرة و لا طلعت ثمرة و لهلكت الخليقة لأن ذلك متصل بالريح المصرفة في الجهات الأربع باردة تبرد أنفاسهم و حارة تلقح أجسادهم و تدفع الأذى عن أبدانهم و معايشهم و رطوبة ترطب طبائعهم و يبوسة تنشف رطوباتهم و بها يأتلف المفترق و بها يتفرق الغمام المطبق حتى ينبسط في السماء كيف يشاء مدبره ف يَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ بقدر معلوم لمعاش مفهوم و أرزاق مقسومة و آجال مكتوبة و لو احتبس عن أزمنته و وقته هلكت الخليقة و يبست الحديقة فأنزل الله المطر في أيامه و وقته إلى الأرض التي خلقها لبني آدم و جعلها فرشا و مهادا و حبسها أن تزول بهم و جعل الجبال لها أوتادا و جعل فيها ينابيع تجري في الأرض بما تنبت فيها لا تقوم الحديقة و الخليقة إلا بها و لا يصلحون إلا عليها مع البحار التي يركبونها و يستخرجون منها حلية يلبسونها و لحما طريا و غيره يأكلونه فعلم أن إله البر و البحر و السماء و الأرض و ما بينهما واحد حي قيوم مدبر حكيم و أنه لو كان غيره لاختلفت الأشياء و كذلك السماء نظير الأرض التي أخرج الله منها حَبًّا وَ عِنَباً وَ قَضْباً وَ زَيْتُوناً  وَ نَخْلًا وَ حَدائِقَ غُلْباً وَ فاكِهَةً وَ أَبًّا بتدبير مؤلف مبين بتصوير الزهرة و الثمرة حياة لبني آدم و معاشا يقوم به أجسادهم و تعيش بها أنعامهم التي جعل الله في أَصْوافِها وَ أَوْبارِها وَ أَشْعارِها أَثاثاً وَ مَتاعاً إِلى حِينٍ و الانتفاع بها و البلاغ على ظهورها معاشا لهم لا يحيون إلا به و صلاحا لا يقومون إلا عليه و كذلك ما جهلت من الأشياء فلا تجهل أن جميع ما في الأرض شيئان شي‏ء يولد و شي‏ء ينبت أحدهما آكل و الآخر مأكول و مما يدلك عقلك أنه خالقهم ما ترى من خلق الإنسان و تهيئة جسده لشهوة الطعام و المعدة لتطحن المأكول و مجاري العروق لصفوة الطعام و هيأ لها الأمعاء و لو كان خالق المأكول غيره لما خلق الأجساد مشتهية للمأكول و ليس له قدرة عليه قال لقد وصفت صفة أعلم أنها من مدبر حكيم لطيف قدير عليم قد آمنت و صدقت إن الخالق واحد سبحانه و بحمده غير أني أشك في هذه السمائم القاتلة أن يكون هو الذي خلقها لأنها ضارة غير نافعة قلت أ ليس قد صار عندك أنها من غير خلق الله قال نعم لأن الخلق عبيده و لم يكن ليخلق ما يضرهم قلت سأبصرك من هذا شيئا تعرفه و لا أنبئك إلا من قبل إهليلجتك هذه و علمك بالطب قال هات قلت هل تعرف شيئا من النبت ليس فيه مضرة للخلق قال نعم قلت ما هو قال هذه الأطعمة قلت أ ليس هذا الطعام الذي وصفت يغير ألوانهم و يهيج أوجاعهم حتى يكون منها الجذام و البرص و السلال و الماء الأصفر و غير ذلك من الأوجاع قال هو كذلك قلت أما هذا الباب فقد انكسر عليك قال أجل قلت هل تعرف شيئا من النبت ليس فيه منفعة قال نعم قلت أ ليس يدخل في الأدوية التي يدفع بها الأوجاع من الجذام و البرص و السلال و غير ذلك و يدفع الداء و يذهب السقم مما أنت أعلم به لطول معالجتك قال إنه كذلك قلت فأخبرني أي الأدوية عندكم أعظم في السمائم القاتلة أ ليس الترياق

  قال نعم هو رأسها و أول ما يفرغ إليه عند نهش الحيات و لسع الهوام و شرب السمائم قلت أ ليس تعلم أنه لا بد للأدوية المرتفعة و الأدوية المحرقة في أخلاط الترياق إلا أن تطبخ بالأفاعي القاتلة قال نعم هو كذلك و لا يكون الترياق المنتفع به الدافع للسمائم القاتلة إلا بذلك و لقد انكسر على هذا الباب فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أنه خالق السمائم القاتلة و الهوام العادية و جميع النبت و الأشجار و غارسها و منبتها و بارئ الأجساد و سائق الرياح و مسخر السحاب و أنه خالق الأدواء التي تهيج بالإنسان كالسمائم القاتلة التي تجري في أعضائه و عظامه و مستقر الأدواء و ما يصلحها من الدواء العارف بالروح و مجري الدم و أقسامه في العروق و اتصاله بالعصب و الأعضاء و العصب و الجسد و أنه عارف بما يصلحه من الحر و البرد عالم بكل عضو بما فيه و أنه هو الذي وضع هذه النجوم و حسابها و العالم بها و الدال على نحوسها و سعودها و ما يكون من المواليد و أن التدبير واحد لم يختلف متصل فيما بين السماء و الأرض و ما فيها فبين لي كيف قلت هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ و أشباه ذلك قلت هو الأول بلا كيف و هو الآخر بلا نهاية ليس له مثل خلق الخلق و الأشياء لا من شي‏ء و لا كيف بلا علاج و لا معاناة و لا فكر و لا كيف كما أنه لا كيف له و إنما الكيف بكيفية المخلوق لأنه الأول لا بدء له و لا شبه و لا مثل و لا ضد و لا ند لا يدرك ببصر و لا يحس بلمس و لا يعرف إلا بخلقه تبارك و تعالى قال فصف لي قوته قلت إنما سمي ربنا جل جلاله قويا للخلق العظيم القوي الذي خلق مثل الأرض و ما عليها من جبالها و بحارها و رمالها و أشجارها و ما عليها من الخلق المتحرك من الإنس و من الحيوان و تصريف الرياح و السحاب المسخر المثقل بالماء الكثير و الشمس و القمر و عظمهما و عظم نورهما الذي لا تدركه الأبصار بلوغا و لا منتها و النجوم الجارية و دوران الفلك و غلظ السماء و عظم الخلق العظيم

  و السماء المسقفة فوقنا راكدة في الهواء و ما دونها من الأرض المبسوطة و ما عليها من الخلق الثقيل و هي راكدة لا تتحرك غير أنه ربما حرك فيها ناحية و الناحية الأخرى ثابتة و ربما خسف منها ناحية و الناحية الأخرى قائمة يرينا قدرته و يدلنا بفعله على معرفته فلهذا سمي قويا لا لقوة البطش المعروفة من الخلق و لو كانت قوته تشبه قوة الخلق لوقع عليه التشبيه و كان محتملا للزيادة و ما احتمل الزيادة كان ناقصا و ما كان ناقصا لم يكن تاما و ما لم يكن تاما كان عاجزا ضعيفا و الله عز و جل لا يشبه بشي‏ء و إنما قلنا إنه قوي للخلق القوي و كذلك قولنا العظيم و الكبير و لا يشبه بهذه الأسماء الله تبارك و تعالى قال أ فرأيت قوله سميع بصير عالم قلت إنما يسمى تبارك و تعالى بهذه الأسماء لأنه لا يخفى عليه شي‏ء مما لا تدركه الأبصار من شخص صغير أو كبير أو دقيق أو جليل و لا نصفه بصيرا بلحظ عين كالمخلوق و إنما سمي سميعا لأنه ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَ لا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَ لا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا يسمع النجوى و دبيب النمل على الصفا و خفقان الطير في الهواء لا تخفى عليه خافية و لا شي‏ء مما أدركته الأسماع و الأبصار و ما لا تدركه الأسماع و الأبصار ما جل من ذلك و ما دق و ما صغر و ما كبر و لم نقل سميعا بصيرا كالسمع المعقول من الخلق و كذلك إنما سمي عليما لأنه لا يجهل شيئا من الأشياء لا تخفى عليه خافية في الأرض و لا في السماء علم ما يكون و ما لا يكون و ما لو كان كيف يكون و لم نصف عليما بمعنى غريزة يعلم بها كما أن للخلق غريزة يعلمون بها فهذا ما أراد من قوله عليم فعز من جل عن الصفات و من نزه نفسه عن أفعال خلقه فهذا هو المعنى و لو لا ذلك ما فصل بينه و بين خلقه فسبحانه و تقدست أسماؤه قال إن هذا لكما تقول و لقد علمت أنما غرضي أن أسأل عن رد الجواب فيه عند مصرف يسنح عني فأخبرني لعلي أحكمه فيكون الحجة قد انشرحت للمتعنت المخالف أو السائل المرتاب أو الطالب المرتاد مع ما فيه لأهل الموافقة من الازدياد فأخبرني عن قوله لطيف و قد عرفت أنه للفعل و لكن قد رجوت أن تشرح لي ذلك بوصفك قلت إنما  سميناه لطيفا للخلق اللطيف و لعلمه بالشي‏ء اللطيف مما خلق من البعوض و الذرة و مما هو أصغر منهما لا يكاد تدركه الأبصار و العقول لصغر خلقه من عينه و سمعه و صورته لا يعرف من ذلك لصغره الذكر من الأنثى و لا الحديث المولود من القديم الوالد فلما رأينا لطف ذلك في صغره و موضع العقل فيه و الشهوة للسفاد و الهرب من الموت و الحدب على نسله من ولده و معرفة بعضها بعضا و ما كان منها في لجج البحار و أعنان السماء و المفاوز و القفار و ما هو معنا في منزلنا و يفهم بعضهم بعضا من منطقهم و ما يفهم من أولادها و نقلها الطعام إليها و الماء علمنا أن خالقها لطيف و أنه لطيف بخلق اللطيف كما سميناه قويا بخلق القوي قال إن الذي جئت به لواضح فكيف جاز للخلق أن يتسموا بأسماء الله تعالى قلت إن الله جل ثناؤه و تقدست أسماؤه أباح للناس الأسماء و وهبها لهم و قد قال القائل من الناس للواحد واحد و يقول لله واحد و يقول قوي و الله تعالى قوي و يقول صانع و الله صانع و يقول رازق و الله رازق و يقول سميع بصير و الله سميع بصير و ما أشبه ذلك فمن قال للإنسان واحد فهذا له اسم و له شبيه و الله واحد و هو له اسم و لا شي‏ء له شبيه و ليس المعنى واحدا و أما الأسماء فهي دلالتنا على المسمى لأنا قد نرى الإنسان واحدا و إنما نخبر واحدا إذا كان مفردا فعلم أن الإنسان في نفسه ليس بواحد في المعنى لأن أعضاءه مختلفة و أجزاءه ليست سواء و لحمه غير دمه و عظمه غير عصبه و شعره غير ظفره و سواده غير بياضه و كذلك سائر الخلق و الإنسان واحد في

  الاسم و ليس بواحد في الاسم و المعنى و الخلق فإذا قيل لله فهو الواحد الذي لا واحد غيره لأنه لا اختلاف فيه و هو تبارك و تعالى سميع و بصير و قوي و عزيز و حكيم و عليم فتعالى الله أحسن الخالقين قال فأخبرني عن قوله رءوف رحيم و عن رضاه و محبته و غضبه و سخطه قلت إن الرحمة و ما يحدث لنا منها شفقة و منها جود و إن رحمة الله ثوابه لخلقه و الرحمة من العباد شيئان أحدهما يحدث في القلب الرأفة و الرقة لما يرى بالمرحوم من الضر و الحاجة و ضروب البلاء و الآخر ما يحدث منا من بعد الرأفة و اللطف على المرحوم و الرحمة منا ما نزل به و قد يقول القائل انظر إلى رحمة فلان و إنما يريد الفعل الذي حدث عن الرقة التي في قلب فلان و إنما يضاف إلى الله عز و جل من فعل ما حدث عنا من هذه الأشياء و أما المعنى الذي هو في القلب فهو منفي عن الله كما وصف عن نفسه فهو رحيم لا رحمة رقة و أما الغضب فهو منا إذا غضبنا تغيرت طبائعنا و ترتعد أحيانا مفاصلنا و حالت ألواننا ثم نجي‏ء من بعد ذلك بالعقوبات فسمي غضبا فهذا كلام الناس المعروف و الغضب شيئان أحدهما في القلب و أما المعنى الذي هو في القلب فهو منفي عن الله جل جلاله و كذلك رضاه و سخطه و رحمته على هذه الصفة جل و عز لا شبيه له و لا مثل في شي‏ء من الأشياء قال فأخبرني عن إرادته قلت إن الإرادة من العباد الضمير و ما يبدو بعد ذلك من الفعل و أما من الله عز و جل فالإرادة للفعل إحداثه إنما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ بلا تعب و لا كيف قال قد بلغت حسبك فهذه كافية لمن عقل وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الذي هدانا من الضلال و عصمنا من أن نشبهه بشي‏ء من خلقه و أن نشك في عظمته و قدرته و لطيف صنعه و جبروته جل عن الأشباه و الأضداد و تكبر عن الشركاء و الأنداد

 شرح قوله ع دفعت إليه على بناء المجهول أي دفعتك الحاجة و الضرورة إليه و في الأساس دفع فلان إلى فلان انتهى إليه قوله ع مغيض هو بفتح الميم و كسر الغين المعجمة موضع يجري إليه الماء و يغيب أو يجتمع فيه و في الثاني مصدر ميمي  قوله ع في الجهات الأربع أي الشمال و الجنوب و الصبا و الدبور و يحتمل أن يكون المراد المتغيرة بسبب الصفات الأربعة التي فسرها ع قوله ع تلقح أجسادهم أي تنميها مستعارا من لقاح الشجر كما قال تعالى وَ أَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ و في أكثر النسخ بالفاء و هو بمعنى الإحراق فيكون كناية عن نضجها و الودق المطر قوله وَ قَضْباً يعني الرطبة سميت بمصدر قضبه إذا قطعه لأنها تقضب مرة بعد أخرى وَ حَدائِقَ غُلْباً أي عظاما وصفت به الحدائق لتكاثفها و كثرة أشجارها أو لأنها ذات أشجار غلاظ مستعار من وصف الرقاب وَ أَبًّا مرعى من أب إذا أم لأنه يؤم و ينتجع أو من أب لكذا إذا تهيأ له لأنه متهيأ للرعي و فاكهة يابسة تؤب للشتاء و قال الجوهري الأثاث متاع البيت قال الفراء لا واحد له و قال أبو زيد الأثاث المال أجمع الإبل و الغنم و العبيد و المتاع الواحدة أثاثة انتهى وَ مَتاعاً أي شيئا ينتفع به إِلى حِينٍ إلى أن تقضوا منه أوطاركم أو إلى أن يبلى و يفنى أو إلى أن تموتوا قوله ع و الانتفاع عطف على أصوافها أو في أصوافها قوله ع و مستقر اسم مكان معطوف على الأدواء قوله ع هو الأول بلا كيف أي كان أزليا من غير اتصاف بكيفية أو من غير أن تعرف كيفية أوليته بمقارنة زمان قديم بل بلا زمان قوله ع لا من شي‏ء و لا كيف أي لا من مادة و لا من شبه و مثال و تصور و خيال تمثل فيه كيفية الخلق ثم خلق على مثال ذلك كما في المخلوقين قوله ع ثانيا و لا كيف أي ليس لخلقه و إيجاده كيفية كما في المخلوقين من حركة و مزاولة عمل فكما أنه لا كيف لذاته لا كيف لإيجاده و إذا وصف خلقه و إيجاده بالكيف فهو يرجع إلى كيفية مخلوقة فإذا قيل كيف خلق الأشياء فالمعنى الصحيح له كيف مخلوقاته لا أنه كيف كان فعله و إيجاده و إليه أشار ع بقوله و إنما الكيف بكيفية المخلوق ثم علل ذلك بأن هذه صفات المحدثين و هو الأول لا بدء له و لا شبه فكيف يتصف بها قوله ع الذي خلق خبر مبتدإ محذوف أي هو الذي و قوله ع و تصريف الرياح عطف على الخلق العظيم و يحتمل العطف على قوله مثل الأرض قوله ع بلوغا و لا منتهى لعل المراد أنه لا يبلغ الأبصار إليهما و لا إلى منتهى نورهما أو منتهى جسمهما  قوله ع و عظم الخلق العظيم أي السماء أو ما عليها من الملائكة قوله و لا يشبه بهذه الأسماء على بناء المجهول من باب التفعيل أي لا يصير إطلاق هذه الأسماء عليه سببا لأن يظن أنه شبيه بخلقه قوله إنما غرضي أي غرضي من السؤال أن تجيب عما يعرض لي من إشكال يصرفني عن الحق يسنح و يظهر عني و في بعض النسخ عن رد الجواب فيه عند متعرف غبي أي إني قد آمنت و أيقنت و إنما المقصود من السؤال أن أقدر على أن أجيب عن سؤال متعرف غبي جاهل أحمق لأهديه إلى الحق و هو أظهر و الحدب العطف و الشفقة و لعل المراد بما في أعنان السماء ما يطير في الهواء و قد مر تفسير بعض الفقرات و سيأتي تفسير بعضها