باب 20

 1-  ير أحمد بن محمد، عن عمر بن عبد العزيز، عن محمد بن الفضيل، عن الثمالي، عن عليّ بن الحسين عليهما السلام، قال قلت له أسألك عن فلان و فلان. قال فعليهما لعنة اللّه بلعناته كلّها، ماتا و اللّه كافرين مشركين باللّه العظيم.

 2-  فس أبي، عن حنان بن سدير، عن أبيه، عن أبي جعفر عليه السلام إنّ صفيّة بنت عبد المطلب مات ابن لها فأقبلت، فقال لها عمر غطّي قرطك، فإنّ قرابتك من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لا تنفعك شيئا، فقالت له هل رأيت لي قرطا يا ابن اللخناء. ثم دخلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فأخبرته بذلك فبكت، فخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فنادى الصلاة جامعة، فاجتمع الناس. فقال ما بال أقوام يزعمون أنّ قرابتي لا تنفع لو قد قمت المقام المحمود لشفعت في علوجكم، لا يسألني اليوم أحد من أبواه.. إلّا أخبرته، فقام إليه رجل فقال من أبي يا رسول اللّه. فقال أبوك غير الذي تدعى له، أبوك فلان بن فلان، فقام آخر فقال من أبي يا رسول اللّه. قال أبوك الذي تدعى له. ثم قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ما بال الذي يزعم أن قرابتي لا تنفع، لا يسألني عن أبيه. فقام إليه عمر فقال أعوذ باللّه يا رسول اللّه من غضب اللّه و غضب رسوله، اعف عنّي عفا اللّه عنك، فأنزل اللّه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ... إلى قوله ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ.

 بيان قوله غطّي قرطك.. في بعض النسخ، قطّي بالقاف.. أي اقطعي و بالغين أظهر، و القرط بالضّم الّذي يعلّق في شحمة الأذن. و في النهاية فيه يا ابن اللخناء.. هي الّتي لم تختن، و قيل اللّخن النّتن من لخن السّقاء يلخن. و لعلّ المراد بالعلوج عبيدهم الذين أسلموا من كفّار العجم، و فيه بعض التصحيفات لا يعرف لها معنى، و لا يبعد أن يكون في حاء و حكم. قال في النهاية فيه شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي حتّى حكم و حاء.. هما قبيلتان جافيتان من وراء رمل يبرين. و قال في موضع آخر هما حيّان من اليمن من وراء الرمل يبرين.. قال أبو موسى يجوز أن يكون حا من الحوّة، و قد حذفت لامه، و يجوز أن يكون من حوى يحوي، و يجوز أن يكون مقصورا غير ممدود. و قال الجوهري يبرين اسم موضع.. يقال رمل يبرين.

 3-  فس اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ. قال علي بن إبراهيم إنّها نزلت لمّا رجع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى المدينة و مرض عبد اللّه بن أبي و كان ابنه عبد اللّه بن عبد اللّه مؤمنا فجاء إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و أبوه يجود بنفسه فقال يا رسول اللّه بأبي أنت و أمّي إنّك إن لم تأت أبي كان ذلك عارا علينا، فدخل عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و المنافقون عنده فقال ابنه عبد اللّه بن عبد اللّه يا رسول اللّه استغفر له، فاستغفر له، فقال عمر أ لم ينهك اللّه يا رسول اللّه أن تصلّي عليهم أو تستغفر لهم فأعرض عنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و أعاد عليه. فقال له ويلك إنّي خيّرت فاخترت، إنّ اللّه يقول اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ فلمّا مات عبد اللّه جاء ابنه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فقال بأبي أنت و أمّي يا رسول اللّه إن رأيت أن تحضر جنازته، فحضره رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و قام على قبره، فقال له عمر يا رسول اللّه أ لم ينهك اللّه أن تصلّي على أحد منهم مات أبدا و أن تقوم على قبره. فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ويلك و هل تدري ما قلت إنّما قلت اللّهمّ أحش قبره نارا، و جوفه نارا، و أصله النار، فبدا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ما لم يكن يحب.

 4-  فس قال علي بن إبراهيم في قوله لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ مِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ قال يعني يحملون آثامهم يعني الذين غصبوا أمير المؤمنين عليه السلام و آثام كلّ من اقتدى بهم، و هو قول الصادق صلوات اللّه عليه و اللّه ما أهريقت محجمة من دم، و لا قرعت عصا بعصا، و لا غصب فرج حرام، و لا أخذ مال من غير حلّه، إلّا و وزر ذلك في أعناقهما من غير أن ينقص من أوزار العالمين شي‏ء.

 5-  فس وَ يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ.. قال الأوّل يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا. قال أبو جعفر عليه السلام يقول يا ليتني اتّخذت مع الرسول عليّا يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا يعني الثاني لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي يعني الولاية  وَ كانَ الشَّيْطانُ و هو الثاني لِلْإِنْسانِ خَذُولًا.

 6-  فس الحسين بن محمد، عن المعلّى، عن بسطام بن مرّة، عن إسحاق بن حسّان، عن الهيثم بن واقد، عن عليّ بن الحسين العبدي، عن سعد الإسكاف، عن الأصبغ بن نباتة، أنّه سأل أمير المؤمنين عليه السلام عن قول اللّه أَنِ اشْكُرْ لِي وَ لِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ، فقال الوالدان اللّذان أوجب اللّه لهما الشكر هما اللّذان ولدا العلم، و ورثا الحكم، و أمرا الناس بطاعتهما. ثم قال » إِلَيَّ الْمَصِيرُ«، فمصير العباد إلى اللّه، و الدليل على ذلك الوالدان، ثم عطف القول على ابن حنتمة و صاحبه، فقال في الخاصّ وَ إِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي.. يقول في الوصيّة و تعدل عمّن أمرت بطاعته فَلا تُطِعْهُما و لا تسمع قولهما، ثم عطف القول على الوالدين و قال وَ صاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً يقول عرّف الناس فضلهما و ادع إلى سبيلهما، و ذلك قوله وَ اتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فقال إلى اللّه ثم إلينا، فاتّقوا اللّه و لا تعصوا الوالدين، فإنّ رضاهما رضا اللّه، و سخطهما سخط اللّه.

 بيان قوله عليه السلام و الدليل على ذلك الوالدان.. إذ الظاهر ذكوريتهما، لكون التغليب مجازا، و الحقيقة أولى مع الإمكان. و يحتمل أن يكون الغرض عدم بعد التأويل، فإنّ التجوّز في الوالديّة يعارضه عدم التجوّز في الذكوريّة، و يحتمل أن يكون )ذلك( راجعا إلى كون مصير العباد إلى اللّه أو كيفيّته، لكنّه بعيد. و ابن حنتمة عمر، لأنّ أمّه حنتمة بنت ذي الرّمحين، كما ذكر في القاموس. قوله عليه السلام فقال في الخاصّ.. أي الخطاب مخصوص بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله، و أمّا خطاب )صاحبهما( فإن كان إليه صلّى اللّه عليه و آله ففي المصاحبة توسع، و إن كان إلى غيره كخطاب )اشكر( فلا توسع. و في الكافي فقال في الخاصّ و العام.. أي مخاطبا للرسول و سائر الناس، أو بحسب ظهر الآية الخطاب عام و بحسب بطنها خاص، أو المعنى أنّ بحسب بطنهما أيضا الخطاب إلى الرسول صلّى اللّه عليه و آله بمعنى عدم الاشتراك في الوصيّة، و إلى الناس بمعنى عدم العدول عمّن أمروا بطاعته، فيكون ما ذكره بعد على اللفّ و النشر المرتّب. و أمّا تطبيق المعنى على سابق الآية و هو قوله تعالى وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَ فِصالُهُ فِي عامَيْنِ فيحتمل وجوها الأول أن يكون )حملته أمّه( معترضة لبيان أشديّة حقّ الوالدين في العلم على حقّ الوالدين في النسب. الثاني أن يكون المراد بالوالدين أو للمعنى الحقيقي و بهما ثانيا المعنى المجازي بتقدير عطف أو فعل ثانيا. الثالث أن يكون ظهر الآية للوالدين حقيقة و بطنها للوالدين مجازا بتوسّط أنّ العلّة للحياة الحقيقيّة أولى بالرعاية من العلّة للحياة الظاهريّة، و اللّه يعلم.

 7-  فس قال عليّ بن إبراهيم في قوله يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ فإنّها كناية عن الذين غصبوا آل محمّد حقّهم يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَ أَطَعْنَا الرَّسُولَا يعني في أمير المؤمنين عليه السلام وَ قالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَ كُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا.. و هما رجلان، و السادة و الكبراء هما أوّل من بدأ بظلمهم و غصبهم. قوله فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا.. أي طريق الجنّة، و السبيل أمير المؤمنين عليه السلام. ثم يقولون رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَ الْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً.

 أقول قد مرّ في باب أنّ الإمامة المعروضة هي الولاية بأسانيد جمّة أنّ الإنسان في قوله تعالى وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا هو أبو بكر.

 8-  فس أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمد، عن عليّ بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن حسّان، عن هاشم بن عمّار يرفعه في قوله أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ قال نزلت في زريق و حبتر.

 بيان زريق و حبتر كنايتان، و العرب تتشاءم بزرقة العين، و الحبتر الثّعلب، و الثاني بالأول أنسب.

 9-  فس وَ أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ يعني فلانا و فلانا، قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ.

 10-  فس وَ إِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ و هم الأوّلان و بنو أميّة.. ثم ذكر من كان من بعدهم ممّن غصب آل محمّد صلّى اللّه عليه و آله حقّهم، فقال  وَ آخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ و هم بنو السباع فيقولون بنو أميّة لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ فيقولون بنو فلان بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا و بدأتم بظلم آل محمّد فَبِئْسَ الْقَرارُ ثم يقول بنو أميّة رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ يعنون الأوّلين، ثم يقول أعداء آل محمّد في النار ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ في الدنيا، و هم شيعة أمير المؤمنين عليه السلام أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ ثم قال إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ فيما بينهم، و ذلك قول الصادق عليه السلام و اللّه إنّكم لفي الجنّة تحبرون، و في النار تطلبون.

 بيان بنو السباع.. كناية عن بني العبّاس. و قال الطبرسي رحمه اللّه وَ آخَرُ أي و ضرب آخر.. من شكل هذا العذاب و جنسه. أَزْواجٌ.. أي ألوان و أنواع متشابهة في الشدّة.. هذا فَوْجٌ.. هاهنا حذف، أي يقال هذا فوج، و هم قادة الضلال إذا دخلوا النار، ثم يدخل الأتباع فتقول الخزنة للقادة هذا فوج.. أي قطعة من الناس، و هم الأتباع. مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ في النار دخلوها كما دخلتم. لا مَرْحَباً بِهِمْ.. قال البيضاوي دعاء من المتبوعين على أتباعهم، أو صفة لفوج، أو حال.. أي مقولا فيهم لا مرحبا.. أي ما أتوا رحبا و سعة. أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ... أي مالت، فلا تراهم. و الحبرة بالفتح النعمة و سعة العيش.

 11-  فس قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ نزلت في أبي فلان.

 12-  فس إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ نزلت في فلان و فلان.

 13-  فس وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ قال العالم عليه السلام من الجنّ، إبليس الذي أشار على قتل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في دار الندوة، و أضلّ الناس بالمعاصي، و جاء بعد وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى أبي بكر فبايعه، و من الإنس، فلان نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ.

بيان لا يبعد أن يكون المعنى أنّ مصداق الآية في تلك المادة إبليس و فلان، لأنّ قوله تعالى الَّذِينَ كَفَرُوا... شامل للمخالفين، و الآية تدلّ على أنّ كلّ صنف من الكفّار لهم مضلّ من الجنّ و مضلّ من الإنس، و المضلّ من الجنّ مشترك، و المضلّ من الإنس في المخالفين هو الثاني، لأنّه كان أقوى و أدخل في ذلك من غيره، و هذا الكلام يجري في أكثر أخبار هذا الباب و غيره، و معه لا نحتاج إلى تخصيص الآيات و صرفها عن ظواهرها، و اللّه يعلم.

 14-  فس جعفر بن أحمد، عن عبد الكريم بن عبد الرحيم، عن محمد بن علي، عن محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام، قال نزلت هاتان الآيتان هكذا، قول اللّه حَتَّى إِذا جاءَنا يعني فلانا و فلانا يقول أحدهما لصاحبه حين يراه يا لَيْتَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ فقال اللّه لنبيّه قل لفلان و فلان و أتباعهما لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ آل محمّد حقّهم أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ، ثم قال اللّه لنبيّه أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَ مَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ يعني من فلان و فلان، ثم أوحى اللّه إلى نبيّه صلّى اللّه عليه و آله فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ في عليّ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يعني أنّك على ولاية عليّ، و عليّ هو الصراط المستقيم.

 توضيح قرأ عليه السلام جاءانا على التثنية كما هو قراءة عاصم برواية أبي بكر و غيره، و فسّرهما ]بفلان و فلان[، و فسّرهما المفسّرون بالشيطان و من أغواه. و المشرقان المشرق و المغرب على التغليب. فَبِئْسَ الْقَرِينُ.. أي أنت إليّ اليوم، و روى ابن عباس أنّهما يكونان مشدودين في سلسلة واحدة لزيادة العقوبة، فيقول اللّه تعالى لهم لَنْ يَنْفَعَكُمُ.. أي لا يخفّف الاشتراك عنكم شيئا من العذاب لأنّ لكلّ من الكفّار و الشياطين الحظّ الأوفر من العذاب.

 15-  فس وَ لا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ يعني الثاني عن أمير المؤمنين عليه السلام إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ.

  -16  فس الَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ نزلت في أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الّذين ارتدّوا بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و غصبوا أهل بيته حقّهم و صدّوا عن أمير المؤمنين عليه السلام ولاية الأئمّة أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ.. أي أبطل ما كان تقدم منهم مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من الجهاد و النصرة.

 17-  فس وَ قالَ قَرِينُهُ أي شيطانه و هو الثاني هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ.

 18-  فس مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ قال المنّاع الثاني، و الخير ولاية أمير المؤمنين عليه السلام و حقوق آل محمّد عليهم السلام، و لمّا كتب الأول كتاب فدك يردّها على فاطمة عليها السلام منعه الثاني، فهو مُعْتَدٍ مُرِيبٍ، الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ قال هو ما قالوا نحن كافرون بمن جعل لكم الإمامة و الخمس. قوله قالَ قَرِينُهُ.. أي شيطانه و هو الثاني رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ يعني الأول وَ لكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ فيقول اللّه لهما لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَ قَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ.. أي ما فعلتم لا تبدّل حسنات، ما وعدته لا أخلفه.

 بيان ما وعدته.. استئناف، و المعنى لا تبدّل سيّئاتكم حسنات كما تبدّل للذين يستحقّون ذلك من الشيعة، بل توفون جزاء سيّئاتكم، و الوعد بمعنى الإيعاد. و قال الطبرسي رحمه اللّه المعنى أنّ الذي قدّمته لكم في دار الدنيا من أنّي أعاقب من جحدني و كذّب رسلي و خالف أمري لا يبدّل بغيره، و لا يكون خلافه.

 19-  فس قال علي بن إبراهيم في قوله تعالى أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قال نزلت في الثاني، لأنّه مرّ به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و هو جالس عند رجل من اليهود يكتب خبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فأنزل اللّه جلّ ثناؤه أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ وَ لا مِنْهُمْ فجاء الثاني إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله رأيتك تكتب عن اليهود، و قد نهى اللّه عن ذلك. فقال يا رسول اللّه كتبت عنه ما في التوراة من صفتك، و أقبل يقرأ ذلك على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و هو غضبان، فقال له رجل من الأنصار ويلك أما ترى غضب النبيّ عليك. فقال أعوذ باللّه من غضب اللّه و غضب رسوله، إنّي إنّما كتبت ذلك لما وجدت فيه من خبرك. فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يا فلان لو أنّ موسى بن عمران فيهم قائما ثم أتيته رغبة عمّا جئت به لكنت كافرا بما جئت به،

و هو قوله اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً.. أي حجابا بينهم و بين الكفّار، و أيمانهم إقرارا باللسان فزعا من السيف و دفع الجزية. بيان لعلّه عليه السلام قرأ إيمانهم بالكسر. قال الطبرسي و في الشواذّ قراءة الحسن اتّخذوا إيمانهم بكسر الهمزة قال حذف المضاف.. أي اتّخذوا إظهار إيمانهم جنّة.

 20-  فس محمد بن جعفر، عن عبد اللّه بن محمد بن خالد، عن الحسن بن عليّ الخزّاز، عن أبان بن عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه، عن أبي العباس المكّي، قال سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول إنّ عمر لقي عليّا عليه السلام فقال أنت الذي تقرأ هذه الآية بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ تعرّض بي و بصاحبي، قال أ فلا أخبرك بآية نزلت في بني أميّة فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَ تُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ فقال عمر بنو أميّة أوصل للرحم منك، و لكنّك أبيت إلّا عداوة لبني أميّة و بني عديّ و بني تيم.

 21-  كا الحسين بن محمد، عن المعلّى، عن الوشّاء، عن أبان.. مثله.

بيان بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ قال الطبرسي رحمه اللّه.. أي أيّكم الذي فتن بالجنون، أ أنت أم هم و قيل بأيّكم الفتنة و هو الجنون، يريد أنّهم يعلمون عند العذاب أنّ الجنون كان بهم حين كذّبوك و تركوا دينك لا بك. و قيل معناه، في أيّ الفريقين المجنون الذي فتنه الشيطان. و قال رحمه اللّه إِنْ تَوَلَّيْتُمْ.. أي الأحكام و جعلتم ولاة أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بأخذ الرشا و سفك الدم الحرام فيقتل بعضكم بعضا، و يقطع بعضكم رحم بعض، كما قتلت قريش بني هاشم و قتل بعضهم بعضا. و قيل إِنْ تَوَلَّيْتُمْ معناه إن أعرضتم عن كتاب اللّه و العمل بما فيه أن تعودوا إلى ما كنتم عليه في الجاهليّة فتفسدوا بقتل بعضكم بعضا.

 22-  فس محمد بن القاسم بن عبيد الكندي، عن عبد اللّه بن عبد الفارس، عن محمد بن علي، عن أبي عبد اللّه عليه السلام في قوله إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ عن الإيمان بتركهم ولاية أمير المؤمنين عليه السلام

 الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ يعني الثاني. و قوله ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ هو ما افترض اللّه على خلقه من ولاية أمير المؤمنين عليه السلام سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ قال دعوا بني أميّة إلى ميثاقهم أن لا يصيّروا لنا الأمر بعد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و لا يعطونا من الخمس شيئا، و قالوا إن أعطيناهم الخمس استغنوا به، فقالوا سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ لا تعطوهم من الخمس شيئا، فأنزل اللّه على نبيّه أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَ نَجْواهُمْ بَلى وَ رُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ. و قال علي بن إبراهيم في قوله إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى نزلت في الذين نقضوا عهد اللّه في أمير المؤمنين عليه السلام الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ.. أي هيّن لهم، و هو فلان، وَ أَمْلى لَهُمْ.. أي بسط لهم أن لا يكون ممّا قال محمّد شيئا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ يعني في أمير المؤمنين عليه السلام سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ يعني في الخمس أن لا يردّوه في بني هاشم وَ اللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ قال اللّه فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَ أَدْبارَهُمْ بنكثهم و بغيهم و إمساكهم الأمر بعد أن أبرم عليهم إبراما، يقول إذا ماتوا ساقتهم الملائكة إلى النار فيضربونهم من خلفهم و من قدّامهم ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ يعني موالاة فلان و فلان و ظالمي أمير المؤمنين عليه السلام فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ يعني الذي عملوها من الخير إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، قال عن أمير المؤمنين عليه السلام وَ شَاقُّوا الرَّسُولَ.. أي قطعوه في أهل بيته بعد أخذه الميثاق عليهم له. بيان سَوَّلَ لَهُمْ.. أي زيّن لهم، وَ أَمْلى لَهُمْ.. أي طوّل لهم أملهم فاغترّوا به. قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ. قال الطبرسي قدّس سرّه المرويّ عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه عليهما السلام أنّهم بنو أميّة كرهوا ما نزّل اللّه في ولاية عليّ بن أبي طالب عليه السلام. قوله يعني في الخمس.. لعلّهم أولا لم يوافقوهم إلّا في واحد من الأمرين، ثم وافقوهم فيهما، فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ.. أي عند قبض أرواحهم. و المشاقّة المعاندة و المعاداة. ثم اعلم أنّ ظاهر الروايات أنّ الذين كرهوا ما نزّل اللّه غير بني أميّة، و هم الذين دعوا بني أميّة، و ظاهر الطبرسي رحمه اللّه أنّه فسّر الموصول ببني أميّة، و لعلّه أخذ من خبر آخر، و يحتمل أن يكون مراده تفسير فاعل ) قالُوا( بهم، و يكون ضمير ) كَرِهُوا( راجعا إلى الموصول، و يكون الغرض تفسير ما نَزَّلَ اللَّهُ.

 23-  فس فَسَتُبْصِرُ وَ يُبْصِرُونَ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ بأيّكم تفتنون.. هكذا نزلت في بني أميّة بأيّكم بأبي حفر و زفر و غفل. و قال الصادق عليه السلام لقي عمر أمير المؤمنين عليه السلام، فقال يا علي بلغني أنّك تتأوّل هذه الآية فيّ و في صاحبيّ فَسَتُبْصِرُ وَ يُبْصِرُونَ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ. قال أمير المؤمنين أ فلا أخبرك يا أبا حفص ما نزل في بني أميّة وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ. قال عمر كذبت يا علي بنو أميّة خير منك و أوصل للرحم.

قوله فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ قال في عليّ عليه السلام وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ.. أي أحبّوا أن تغشّ في عليّ عليه السلام فيغشّون معك وَ لا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ. قال الحلّاف الثاني، حلف لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أنّه لا ينكث عهدا. هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ قال كان ينمّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و يهمز بين أصحابه. قوله مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ قال الخير أمير المؤمنين عليه السلام. مُعْتَدٍ.. أي قال، اعتدى عليه. قوله عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ قال العتلّ عظيم الكفر، و الزنيم الدعيّ. و قال الشاعر

زنيم تداعاه الرجال تداعيا كما زيد في عرض الأديم الأكارع

قوله إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قال كنّى عن الثاني، آياتنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ.. أي أكاذيب الأوّلين سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ قال في الرجعة إذا رجع أمير المؤمنين عليه السلام و يرجع أعداؤه فيسمهم بميسم معه كما توسم البهائم على الخراطيم الأنف و الشفتان. بيان لعلّ التعبير بأبي حفر لمحض الوزن، أو بالخاء المعجمة لأنّه خفر الذمّة و العهد في أمير المؤمنين عليه السلام. و في بعض النسخ ب حبتر، و التعبير عن زفر ظاهر، لاشتراكهما في الوزن، و تقدير العدل، و غفل كناية، و قال في القاموس الغفل بالضم من لا يرجى خيره و لا يخشى شرّه و ما لا علامة فيه من القداح... و ما لا عمارة فيه من الأرضين... و من لا نصيب له و لا غرم عليه من القداح، و من لا حسب له... و الغفل محرّكة الكبير الرّفيع. انتهى. و لا يخفى أنّه على بعض المعاني يحتمل أن يكون كناية عن أمير المؤمنين عليه السلام بأن يكون ذكره لبيان الطرف الآخر من الترديد، و يؤيّده أنّ في بعض النسخ و عليّ، و على الاحتمال الأول يكون الطرف الآخر غير مذكور. و المهين الحقير الرأي. و الهمّاز العيّاب. و المشّاء نميم، النقّال للحديث على وجه السعاية، ذكرها البيضاوي. و قال عُتُلٍّ جاف غليظ.. من عتلّه إذا قاده بعنف و غلظة. بعد ذلك.. أي بعد ما عدّ من مثالبه. و الكراع في البقر و الغنم بمنزلة الوظيف في الفرس و البعير، و هو مستدقّ الصاق،... و الجمع أكرع ثمّ أكارع، ذكره الجوهري، و كأنّه شبّه الرجال الذين يدعون هذا الزنيم بالأكارع التي تكون في أطراف النطع لعدم مجانسة الأكارع للنطع، و الأكارع قائم مقام فاعل زيد. و قال البيضاوي سَنَسِمُهُ.. أي بالكيّ عَلَى الْخُرْطُومِ.. أي على الأنف، و قيل هو عبارة عن أن يذلّه غاية الإذلال.

 24-  فس أبو العباس، عن يحيى بن زكريّا، عن علي بن حسّان، عن عمّه عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد اللّه عليه السلام في قوله ذَرْنِي وَ مَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً، قال الوحيد ولد الزنا، و هو زفر،

 وَ جَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً قال أجلا إلى مدّة وَ بَنِينَ شُهُوداً قال أصحابه الذين شهدوا أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لا يورث وَ مَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً ملكه الذي ملك مهّدت له ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً قال لولاية أمير المؤمنين عليه السلام جاحدا، عاندا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فيها سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً إِنَّهُ فَكَّرَ وَ قَدَّرَ فكّر فيما أمر به من الولاية، و قدّر إن مضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أن لا يسلّم لأمير المؤمنين )ع( البيعة التي بايعه بها على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ قال عذاب بعد عذاب يعذّبه القائم عليه السلام، ثُمَّ نَظَرَ إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه ف عَبَسَ وَ بَسَرَ ممّا أمر به ثُمَّ أَدْبَرَ وَ اسْتَكْبَرَ فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ قال زفر إنّ النبيّ سحر الناس لعليّ، إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ.. أي ليس هو وحي من اللّه عزّ و جلّ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ..... إلى آخر الآية نزلت فيه. بيان قال الطبرسي قدّس سرّه في قوله تعالى » وَحِيداً... أي دعني و إيّاه فإنّي كاف في عقابه.. و قد خلقته متوحّدا بخلقه، أو حال عن المخلوق.. أي من خلقته في بطن أمّه لا مال له و لا ولد. و قال مقاتل معناه خلّ بيني و بينه فإنّي أنفرد بهلكته، و قال ابن عباس كان الوليد بن المغيرة يسمّى الوحيد في قومه.

 و روى العياشي، بإسناده عن زرارة و حمران، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه عليهما السلام أنّ الوحيد ولد الزنا،

 قال زرارة ذكر لأبي جعفر عليه السلام عن أحد بني هاشم أنّه قال في خطبته أنا ابن الوحيد. فقال ويله لو علم ما الوحيد ما فخر بها. فقلنا له و ما هو قال من لا يعرف له أب.

و قال رحمه اللّه سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً.. أي سأكلّفه مشقّة من العذاب لا راحة فيه، و قيل صعودا جبل في جهنم من نار.. فَقُتِلَ.. أي لعن و عذّب.. ثُمَّ عَبَسَ وَ بَسَرَ.. أي كلح و كرّه وجهه و نظر بكراهة شديدة كالمهتم المتفكّر في الشي‏ء، ثُمَّ أَدْبَرَ عن الإيمان وَ اسْتَكْبَرَ حين دعي إليه.. إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ.. أي يروى عن السحرة، أو هو من الإيثار.. أي تؤثره النفوس و تختاره.. سَأُصْلِيهِ سَقَرَ أي سأدخله جهنم و ألزمه إيّاها، و قيل سقر دركة من دركات جهنم، و قيل باب من أبوابها. انتهى. و تأويل المال و البنين بما ذكر عليه السلام على المجاز، و بابه واسع.

 25-  فس فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ وَ لا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ قال هو الثاني.

 26-  فس إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ وَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَ يَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ قال العدل شهادة أن لا إله إلّا اللّه و أنّ محمّدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و الإحسان، أمير المؤمنين عليه السلام، و الفحشاء و المنكر و البغي، فلان و فلان و فلان.

 27-  فس فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا قال لا تكون الخلافة في آل فلان و لا آل فلان و لا آل فلان و لا آل طلحة و لا آل الزبير.

 28-  فس محمد بن جعفر، عن يحيى بن زكريّا، عن علي بن حسّان، عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد اللّه عليه السلام في قوله حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَ زَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ يعني أمير المؤمنين عليه السلام وَ كَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَ الْفُسُوقَ وَ الْعِصْيانَ الأول و الثاني و الثالث.

  بيان تفسير الإيمان بأمير المؤمنين عليه السلام لكون ولايته من أصوله و كماله فيه، و كونه مروّجه و مؤسّسه و مبيّنه غير بعيد، و كذا التعبير عن الثلاثة ب الثلاث لكونهم أصلها و منشأها و منبتها و كمالها فيهم، و كونهم سببا لصدورها عن الناس إلى يوم القيامة، لعنة اللّه عليهم و على أشياعهم غير غريب، و سيأتي مزيد توضيح لذلك في مواضعه.

 29-  فس أبي، عن ابن أبي عمير، عن ابن سنان، عن أبي عبد اللّه عليه السلام في قوله تعالى إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ قال نزلت هذه الآية في أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه و عثمان، و ذلك أنّه كان بينهما منازعة في حديقة، فقال أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه ترضى برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله. فقال عبد الرحمن بن عوف لعثمان لا تحاكمه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فإنّه يحكم له عليك و لكن حاكمه إلى ابن شيبة اليهوديّ. فقال عثمان لأمير المؤمنين عليه السلام لا أرضى إلّا بابن شيبة اليهوديّ. فقال ابن شيبة لعثمان تأتمنون محمّدا على وحي السماء و تتّهمونه في الأحكام. فأنزل اللّه على رسوله وَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ... إلى قوله بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ.

 30-  فس يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا نزلت في عثمان يوم الخندق، و ذلك أنّه مرّ بعمّار بن ياسر يحفر الخندق و قد ارتفع الغبار من الحفر فوضع عثمان كمّه على أنفه و مرّ، فقال عمّار

لا يستوي من يعمر المساجدا يظلّ فيها راكعا و ساجداكمن يمرّ بالغبار حائدا يعرض عنه جاحدا معاندا

فالتفت إليه عثمان فقال يا ابن السوداء إيّاي تعني، ثم أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقال له لم ندخل معك في الإسلام لتسبّ أعراضنا، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قد أقلتك إسلامك فاذهب، فأنزل اللّه عزّ و جلّ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.. أي ليس هم صادقين إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ.

  -31  فس عَبَسَ وَ تَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى قال نزلت في عثمان و ابن أمّ مكتوم، و كان ابن أمّ مكتوم مؤذّن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و كان أعمى، و جاء إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و عنده أصحابه و عثمان عنده، فقدّمه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله على عثمان، فعبس عثمان وجهه و تولّى عنه، فأنزل اللّه عَبَسَ وَ تَوَلَّى يعني عثمان أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى وَ ما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى.. أي يكون طاهرا أزكى أَوْ يَذَّكَّرُ، قال يذكّره رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى ثم خاطب عثمان فقال أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى قال أنت إذا جاءك غنيّ تصدّى له و ترفعه وَ ما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى.. أي لا تبالي زكيّا كان أو غير زكيّ إذا كان غنيّا وَ أَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى يعني ابن أمّ مكتوم وَ هُوَ يَخْشى فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى.. أي تلهو و لا تلتفت إليه.

 بيان قال السيّد رضي اللّه عنه في كتاب تنزيه الأنبياء في سياق تأويل تلك الآيات

 و قد روي عن الصادق عليه السلام أنّها نزلت في رجل من بني أميّة كان عند النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، فجاء ابن أمّ مكتوم، فلمّا رآه تقذّر منه و جمع نفسه و عبس و أعرض بوجهه عنه،

فحكى اللّه سبحانه ذلك و أنكره عليه، و قد مرّ الكلام فيها.

 32-  ب محمد بن عيسى، عن إبراهيم بن عبد الحميد... قال دخلت على أبي عبد اللّه عليه السلام فأخرج إليّ مصحفا، قال فتصحّفته فوقع بصري على موضع منه فإذا فيه مكتوب هذه جهنم التي كنتما بها تكذّبان فاصليا فيها لا تموتان فيها و لا تحييان.. يعني الأوّلين.

 33-  فس و قرأ أبو عبد اللّه عليه السلام هذه جهنم التي كنتما بها تكذّبان، تصليانها لا تموتان فيها و لا تحييان،

 يعني الأوّلين. و قوله يَطُوفُونَ بَيْنَها وَ بَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ قال لهما أنين في شدّة حرّها.

 34-  ل ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن معروف، عن ابن محبوب، عن حنان بن سدير، قال حدّثني رجل من أصحاب أبي عبد اللّه عليه السلام قال سمعته يقول إنّ أشدّ الناس عذابا يوم القيامة لسبعة نفر، أوّلهم ابن آدم الذي قتل أخاه، و نمرود الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ، و اثنان في بني إسرائيل هوّدا قومهم و نصّراهم، و فرعون الذي قال أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى، و اثنان في هذه الأمّة.

 35-  فس وَ لَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ فإنّه حدّثني أبي عن ابن فضال عن علي بن عقبة عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال نزلت في القرآن زعلان تاب حيث لم تنفعه التوبة و لم تقبل منه.

بيان زعلان كناية، كما قد يعبّر عنه بفعلان.

 36-  ب السندي بن محمد، عن صفوان الجمّال، عن أبي عبد اللّه عليه السلام، قال كانت امرأة من الأنصار تدعى حسرة تغشى آل محمّد و تحنّ، و إنّ زفر و حبتر لقياها ذات يوم فقالا أين تذهبين يا حسرة. فقالت أذهب إلى آل محمّد فأقضي من حقّهم و أحدث بهم عهدا، فقالا ويلك إنّه ليس لهم حقّ، إنّما كان هذا على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فانصرفت حسرة و لبثت أيّاما، ثم جاءت، فقالت لها أمّ سلمة زوجة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ما أبطأ بك عنّا يا حسرة. فقالت استقبلني زفر و حبتر فقالا أين تذهبين يا حسرة فقلت أذهب إلى آل محمّد فأقضي من حقّهم الواجب. فقالا إنّه ليس لهم حقّ، إنّما كان هذا على عهد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله. فقالت أمّ سلمة كذبا، لعنهما اللّه، لا يزال حقّهم واجب على المسلمين إلى يوم القيامة.

 37-  ما الفحّام، عن المنصوري، عن عمّ أبيه، عن أبي الحسن الثالث، عن آبائه، عن الباقر عليهم السلام، عن جابر. و أيضا الفحّام، عن عمّه عمير بن يحيى، عن إبراهيم بن عبد اللّه البلخي، عن أبي عاصم الضحّاك بن مخلد، عن الصادق، عن أبيه عليهما السلام، عن جابر بن عبد اللّه، قال كنت عند النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أنا من جانب و عليّ أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه من جانب إذ أقبل عمر بن الخطاب و معه رجل قد تلبّب به، فقال ما باله. قال حكى عنك يا رسول اللّه )ص( أنّك قلت من قال لا إله إلّا اللّه محمّد رسول اللّه دخل الجنّة، و هذا إذا سمعته الناس فرّطوا في الأعمال، أ فأنت قلت ذلك يا رسول اللّه )ص(. قال نعم، إذا تمسّك بمحبّة هذا و ولايته.

 38-  شي، ]تفسير العياشي[ عن محمد بن سالم، عن أبي بصير، قال قال جعفر بن محمّد عليهما السلام خرج عبد اللّه بن عمرو بن العاص من عند عثمان فلقي أمير المؤمنين عليه السلام، فقال له يا علي بتنا الليلة في أمر نرجو أن يثبّت اللّه هذه الأمّة، فقال أمير المؤمنين عليه السلام لن يخفى عليّ ما بيّتم فيه، حرّفتم و غيّرتم و بدّلتم تسعمائة حرف، ثلاثمائة حرّفتم، و ثلاثمائة غيّرتم، و ثلاثمائة بدّلتم فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.. إلى آخر الآية.

 أقول سيأتي في باب حجّ التمتّع إنكار عمر للنصّ، و قول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله له إنّك لن تؤمن بهذا أبدا.. في أخبار كثيرة، و كذا سيأتي في باب )المقام( نقل عمر المقام عن الموضع الذي نقله إليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى موضع الجاهليّة خلافا للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله.

 39-  مع محمد بن هارون الزنجاني، عن عليّ بن عبد العزيز، عن أبي عبيد القاسم بن سلام رفعه إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال أتى عمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقال إنّا نسمع أحاديث من يهود تعجبنا، فترى أن نكتب بعضها. فقال أ متهوّكون أنتم كما تهوّكت اليهود و النصارى لقد جئتكم بها بيضاء نقيّة، و لو كان موسى حيّا ما وسعه إلّا اتّباعي.

 قوله متهوّكون.. أي متحيّرون، يقول أ متحيّرون أنتم في الإسلام لا تعرفون دينكم حتّى تأخذوه من اليهود و النصارى و معناه إنّه كره أخذ العلم من أهل الكتاب، و أمّا قوله لقد جئتكم بها بيضاء نقيّة.. فإنّه أراد الملّة الحنيفيّة، فلذلك جاء التأنيث كقول اللّه عزّ و جلّ وَ ذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ إنّما هي الملّة الحنيفيّة.

 بيان روى هذا الخبر ابن الأثير في النهاية، ثم قال التّهوّك كالتّهوّر، و هو الوقوع في الأمر بغير رويّة، و المتهوّك الّذي يقع في كلّ أمر، و قيل هو المتحيّر. ثم قال

 و في حديث آخر إنّ عمر أتاه بصحيفة أخذها من بعض أهل الكتاب، فغضب، فقال أ متهوّكون فيها يا ابن الخطّاب.

 40-  مع المكتب، عن الأسدي، عن البرمكي، عن جعفر بن عبد اللّه المروزي، عن أبيه، عن إسماعيل بن الفضل، عن أبيه، عن ابن جبير، عن ابن عباس، قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إذا ظلمت العيون العين كان قتل العين على يد الرابع من العيون، فإذا كان ذلك استحقّ الخاذل له لَعْنَةُ اللَّهِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ. فقيل له يا رسول اللّه ما العين و العيون. فقال أمّا العين، فأخي عليّ بن أبي طالب عليه السلام، و أمّا العيون فأعداؤه، رابعهم قاتله ظلما و عدوانا.

 تنبيه المراد بالعيون، من ابتداء اسمه العين، و الرابع القاتل عبد الرحمن بن ملجم لعنهم اللّه.

 41-  مع ابن موسى، عن الأسدي، عن سهل، عن عبد العظيم الحسني، عن أبي جعفر الثاني، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ عليهم السلام، قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إنّ أبا بكر منّي بمنزلة السمع، و إنّ عمر منّي بمنزلة البصر، و إنّ عثمان منّي بمنزلة الفؤاد. قال فلمّا كان من الغد دخلت إليه و عنده أمير المؤمنين عليه السلام و أبو بكر و عمر و عثمان، فقلت له يا أبة سمعتك تقول في أصحابك هؤلاء قولا، فما هو. فقال عليه و آله السلام نعم، ثم أشار بيده إليهم، فقال هم السمع و البصر و الفؤاد، و سيسألون عن ولاية وصيّي هذا و أشار إلى عليّ بن أبي طالب عليه السلام، ثم قال إنّ اللّه تبارك و تعالى يقول إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا، ثم قال عليه و آله السلام و عزّة ربّي إنّ جميع أمّتي لموقوفون يوم القيامة و مسئولون عن ولايته، و ذلك قول اللّه عزّ و جلّ وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ.

 بيان لعلّ التعبير عنهم بتلك الأسماء التي تدلّ على الاختصاص و الامتياز على التهكم، أو على زعم قوم يحسبونهم كذلك، أو للاختصاص الظاهري مع قطع النظر عن النفاق الباطني.

 42-  مع ابن موسى، عن الأسدي، عن النخعي، عن النوفلي، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، قال سألته عمّا روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أنّه قال إنّ ولد الزنا شرّ الثلاثة، ما معناه. قال عنى به الأوسط، أنّه شرّ ممّن تقدّمه و ممّن تلاه.

 43-  ير أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن ربيع بن محمد، عن عبد اللّه بن سليمان، عن أبي جعفر عليه السلام، قال قال أمير المؤمنين عليه السلام لأبي بكر نسيت تسليمك لعليّ بإمرة المؤمنين بأمر من اللّه و رسوله. فقال له قد كان ذاك. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام أ ترضى برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بيني و بينك. قال و أين هو. قال فأخذ بيده ثم انطلق إلى مسجد قبا، فدخلا، فوجدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يصلّي، فجلسا حتى فرغ. فقال يا أبا بكر سلّم لعليّ عليه السلام ما توكّدته من اللّه و من رسوله. قال فرجع أبو بكر فصعد المنبر فقال من يأخذها بما فيها. فقال عليّ عليه السلام من جدع أنفه. قال له عمر و خلى به و ما دعاك إلى هذا. قال إنّ عليّا ذهب إلى مسجد قبا فإذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قائم يصلّي فأمرني أن أسلّم الأمر إليه. فقال سبحان اللّه يا أبا بكر أ ما تعرف سحر بني هاشم.

 بيان قوله عليه السلام من جدع أنفه على بناء المجهول.. أي من أذلّ و قهر على غصب الخلافة منه، يعني نفسه عليه السلام. أقول قد مرّ كثير من تلك الأخبار في الأبواب السابقة.

 44-  ج سعد بن عبد اللّه القمي الأشعري، قال بليت بأشدّ النواصب منازعة، فقال لي يوما بعد ما ناظرته تبّا لك و لأصحابك، أنتم معاشر الروافض تقصدون المهاجرين و الأنصار بالطعن عليهم و الجحود لمحبّة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لهم، فالصدّيق هو فوق الصحابة بسبب سبق الإسلام، أ لا تعلمون أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إنّما ذهب به ليلة الغار لأنّه خاف عليه كما خاف على نفسه، و لمّا علم أنّه يكون الخليفة في أمّته أراد أن يصون نفسه كما يصون عليه السلام خاصّة نفسه، كيلا يختلّ حال الدين من بعده، و يكون الإسلام منتظما، و قد أقام عليّا على فراشه لما كان في علمه أنّه لو قتل لا يختلّ الإسلام بقتله، لأنّه يكون من الصحابة من يقوم مقامه، لا جرم لم يبال من قتله. قال سعد إنّي قد قلت على ذلك أجوبة لكنّها غير مسكتة. ثم قال معاشر الروافض تقولون إنّ الأوّل و الثاني كانا ينافقان، و تستدلّون على ذلك بليلة العقبة ثم قال لي أخبرني عن إسلامهما كان عن طوع و رغبة أو كان عن إكراه و إجبار. فاحترزت عن جواب ذلك و قلت مع نفسي إن كنت أجيبه بأنّه كان عن طوع فيقول لا يكون على هذا الوجه إيمانهما عن نفاق، و إن قلت كان على إكراه و إجبار لم يكن في ذلك الوقت للإسلام قوّة حتّى يكون إسلامهما بإكراه و قهر، فرجعت عن هذا الخصم على حال يقطع كبدي، فأخذت طومارا و كتبت بضعا و أربعين مسألة من المسائل الغامضة التي لم يكن عندي جوابها، و قلت أدفعها إلى صاحب مولاي أبي محمد الحسن ابن عليّ عليهما السلام الذي كان في قم، أحمد بن إسحاق، فلمّا طلبته كان هو قد ذهب، فمشيت على أثره فأدركته، و قلت الحال معه، فقال لي تجي‏ء معي إلى سرّ من رأى حتى تسأل عن هذه المسائل مولانا الحسن بن علي عليهما السلام، فذهبت معه إلى سرّ من رأى، ثم جئنا إلى باب دار مولانا عليه السلام، فاستأذنّا بالدخول عليه فأذن لنا، فدخلنا الدار و كان مع أحمد بن إسحاق جراب قد ستره بكساء طبري، و كان فيه مائة و ستون صرّة من الذهب و الورق، على كلّ واحدة منها خاتم صاحبها الذي دفعها إليه، و لمّا دخلنا و وقع أعيننا على وجه أبي محمد الحسن بن علي عليهما السلام كان وجهه كالقمر ليلة البدر، و قد رأينا على فخذه غلاما يشبه المشتري في الحسن و الجمال.... فأردت أن أسأله عن مسائل فقال سل قرّة عيني و أومأ إلى الغلام عمّا بدا لك، فسألته عن مسائل فأجابني.. ثم قال مبتدئا يا سعد إنّ من ادّعى أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و هو خصمك ذهب بمختار هذه الأمّة مع نفسه إلى الغار، فإنّه خاف عليه كما خاف على نفسه، لما علم أنّه الخليفة من بعده على أمّته، لأنّه لم يكن من حكم الاختفاء أن يذهب بغيره معه، و إنّما أنام عليّا

 عليه السلام على مبيته لأنّه علم أنّه إن قتل لا يكون من الخلل بقتله ما يكون بقتل أبي بكر، لأنّه يكون لعليّ من يقوم مقامه في الأمور، أ لم تنقض عليه بقولك أ و لستم تقولون إنّ النبيّ عليه السلام قال إنّ الخلافة من بعدي ثلاثون سنة و صيّرها موقوفة على أعمار هذه الأربعة، أبي بكر، و عمر، و عثمان، و علي.. فإنّهم كانوا على مذهبكم خلفاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فإنّ خصمك لم يجد بدّا من قوله بلى. ثم قلت فإذا كان الأمر كذلك فلما كان أبو بكر الخليفة من بعده كان هذه الثلاثة خلفاء أمّته من بعده فلم ذهب بخليفة وحده و هو أبو بكر إلى الغار و لم يذهب بهذه الثلاثة، فعلى هذا الأساس يكون النبيّ صلّى اللّه عليه و آله مستخفّا بهم دون أبي بكر، فإنّه يجب عليه أن يفعل ما فعل بأبي بكر، فلمّا لم يفعل ذلك بهم يكون متهاونا بحقوقهم، و تاركا للشفقة عليهم بعد أن كان يجب عليه أن يفعل بهم جميعا على ترتيب خلافتهم ما فعل بأبي بكر. و أمّا ما قال لك الخصم بأنّهما أسلما طوعا أو كرها لم لم تقل بل إنّهما أسلما طمعا، و ذلك أنّهما يخالطان مع اليهود و يخبران بخروج محمّد صلّى اللّه عليه و آله و استيلائه على العرب من التوراة و الكتب المتقدّمة و ملاحم قصّة محمّد عليه و آله السلام، و يقولون لهما يكون استيلاؤه على العرب كاستيلاء بخت‏نصر على بني إسرائيل إلّا أنّه يدّعي النبوّة و لا يكون من النبوّة في شي‏ء، فلمّا ظهر أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله تساعدا معه على شهادة أن لا إله إلّا اللّه و أنّ محمّدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله طمعا أن يجدا من جهة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ولاية بلد إذا انتظم أمره و حسن حاله، و استقامت ولايته، فلمّا أيسا من ذلك وافقا مع أمثالهما ليلة العقبة، و تلثّما مثل من تلثّم منهم، و نفروا بدابّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لتسقطه و يسير هالكا بسقوطه بعد أن صعدا العقبة فيمن صعد، فحفظ اللّه تعالى نبيّه من كيدهم و لم يقدروا أن يفعلوا شيئا، و كان حالهما كحال طلحة و الزبير إذ جاءا عليّا عليه السلام و بايعا طمعا أن يكون لكلّ واحد منهما ولاية، فلمّا لم يكن و أيسا من الولاية نكثا بيعته و خرجا عليه حتى آل أمر كلّ واحد منهما إلى ما يئول أمر من ينكث العهود و المواثيق.

 أقول سيأتي الخبر بتمامه في أبواب من رأى القائم عليه السلام.

 45-  فس أبي، عن الحسين بن سعيد، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي عبد اللّه عليه السلام، قال ما بعث اللّه رسولا إلّا و في وقته شيطانان يؤذيانه و يفتنانه و يضلّان الناس بعده، فأمّا الخمسة أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، نوح، و إبراهيم، و موسى، و عيسى، و محمّد صلّى اللّه عليهم، و أمّا صاحبا نوح، فقيطيفوس و خرام، و أمّا صاحبا إبراهيم، فمكيل و رذام، و أمّا صاحبا موسى، فالسامريّ و مرعقيبا، و أمّا صاحبا عيسى، فمولس و مريسان، و أمّا صاحبا محمّد صلّى اللّه عليه و آله، فحبتر و زريق.

 و رواه في موضع آخر عن أبيه، عن الحسين، عن بعض رجاله، عنه عليه السلام مثله.

 46-  ير ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن بريد العجلي، عن أبي جعفر عليه السلام في قول اللّه تبارك و تعالى أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَ الطَّاغُوتِ فلان و فلان، وَ يَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا لأئمّة الضلال و الدعاة إلى النار، هؤلاء أهدى من آل محمّد و أوليائهم سبيلا، أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَ مَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ يعني الإمامة و الخلافة فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً نحن الناس الذي عنى اللّه.

 47-  ثو أبي، عن سعد، عن أبي عيسى، عن الوشاء، عن أحمد بن عائذ، عن أبي خديجة، عن أبي عبد اللّه عليه السلام، قال يؤتى يوم القيامة بإبليس لعنه اللّه مع مضلّ هذه الأمّة في زمامين غلظهما مثل جبل أحد فيسحبان على وجوههما فيسدّ بهما باب من أبواب النار.

 48-  ثو أبي، عن سعد، عن محمد بن عيسى، عن محمد بن عبد الرحمن و محمد بن سنان، عن أبي الجارود، قال قلت لأبي جعفر عليه السلام أخبرني بأوّل من يدخل النار. قال إبليس و رجل عن يمينه و رجل عن يساره.

 49-  ثو ابن المتوكّل، عن محمد العطّار، عن الأشعري، عن أحمد ابن محمد، عن أبيه، عن عبد اللّه بن المغيرة، عن عبد اللّه بن عبد الرحمن، عن عبد اللّه بن بكر الأرجاني، قال صحبت أبا عبد اللّه عليه السلام في طريق مكة من المدينة، فنزل منزلا يقال له عسفان ثم مررنا بجبل أسود على يسار الطريق وحش، فقلت يا ابن رسول اللّه )ص( ما أوحش هذا الجبل ما رأيت في الطريق جبلا مثله. فقال يا ابن بكر أ تدري أيّ جبل هذا هذا جبل يقال له الكمد، و هو على واد من أودية جهنم، فيه قتلة أبي الحسين صلوات اللّه عليه، استودعهم اللّه فيه، تجري من تحته مياه جهنم من الغسلين و الصديد و الحميم الآن، و ما يخرج من جهنم، و ما يخرج من طينة خبال، و ما يخرج من لظى، و ما يخرج من الحطمة، و ما يخرج من سقر، و ما يخرج من الجحيم، و ما يخرج من الهاوية، و ما يخرج من السعير، و ما مررت بهذا الجبل في مسيري فوقفت إلّا رأيتهما يستغيثان و يتضرّعان، و إنّي لأنظر إلى قتلة أبي فأقول لهما إنّ هؤلاء إنّما فعلوا لما أسّستما لم ترحمونا إذ وليتم و قتلتمونا و حرمتمونا و وثبتم على حقّنا و استبددتم بالأمر دوننا، فلا رحم اللّه من رحمكما، ذوقا وبال ما صنعتما و ما اللّه بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ.

 50-  مل محمد الحميري، عن أبيه، عن عليّ بن محمد بن سليمان، عن محمد بن خالد، عن عبد اللّه بن حمّاد، عن عبد اللّه الأصم، عن الأرجاني مثله.. و زاد في آخره و أشدّهما تضرّعا و استكانة الثاني، فربّما وقفت عليهما ليسألا عن بعض ما في قلبي، و ربّما طويت الجبل الذي هما فيه و هو جبل الكمد. قال قلت جعلت فداك، فإذا طويت الجبل فما تسمع. قال أسمع أصواتهما يناديان عرّج علينا نكلّمك فإنّا نتوب، و أسمع من الجبل صارخا يصرخ بي أجبهما و قل لهما اخْسَؤُا فِيها وَ لا تُكَلِّمُونِ. قال قلت له جعلت فداك، و من معهم. قال كلّ فرعون عتا على اللّه و حكى اللّه عنه فعاله، و كلّ من علّم العباد الكفر. قلت من هم. قال نحو بولس الذي علّم اليهود أنّ يد اللّه مغلولة، و نحو نسطور الذي علّم النصارى أنّ المسيح ابن اللّه، و قال لهم هم ثلاثة، و نحو فرعون موسى الذي قال أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى، و نحو نمرود الذي قال قهرت أهل الأرض و قتلت من في السماء، و قاتل أمير المؤمنين عليه السلام، و قاتل فاطمة و محسن، و قاتل الحسن و الحسين عليهم السلام، و أمّا معاوية و رمع فما يطمعان في الخلاص، معهما من نصب لنا العداوة و أعان علينا بلسانه و يده و ماله. قلت له جعلت فداك، فأنت تسمع ذا كلّه و لا تفزع. قال يا ابن بكر إنّ قلوبنا غير قلوب الناس، إنّا مصفّون مصطفون نرى ما لا يرى الناس و نسمع ما لا يسمعون.

 أقول تمامه في باب غرائب أحوالهم عليهم السلام من كتاب الإمامة.

 51-  ثو أحمد بن الصقر، عن محمد بن العباس، عن بسّام، عن محمد بن يزداد، عن نصر بن سيار، عن محمد بن عبد ربّه و عبد اللّه بن خالد السلولي، عن نجيح المزني، عن محمد بن قيس و محمد بن كعب القرطي و عمارة بن غزيّة و سعيد بن أبي معد المقري و عبد اللّه بن أبي مليكة و غيرهم من مشيخة أهل المدينة، قالوا لمّا قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أقبل عمر بن الخطاب يقول و اللّه ما مات محمّد و إنّما غاب كغيبة موسى عن قومه، و إنّه سيظهر بعد غيبته، فما زال يردّد هذا القول و يكرّره حتى ظنّ الناس أنّ عقله قد ذهب، فأتاه أبو بكر و قد اجتمع الناس عليه يتعجّبون من قوله فقال اربع على نفسك يا عمر من يمينك التي تحلف بها، فقد أخبرنا اللّه عزّ و جلّ في كتابه، فقال يا محمّد إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ. فقال عمر و إنّ هذه الآية في كتاب اللّه يا أبا بكر فقال نعم. فقال الحمد للّه، أشهد باللّه لقد ذاق محمّد الموت و لم يكن عمر جمع القرآن.

 52-  ير أحمد بن محمد، عن الحسن بن علي، عن أبي الصخر، عن الحسن بن علي عليهما السلام، قال دخلت أنا و رجل من أصحابي على ابن عيسى بن عبد اللّه بن أبي طاهر العلوي، قال أبو الصخر فأظنه من ولد عمر بن علي، قال و كان أبو طاهر في دار الصيديّين نازلا، قال فدخلنا عليه عند العصر و بين يديه ركوة من ماء و هو يتمسّح، فسلّمت عليه، فردّ علينا السلام، ثم ابتدأنا فقال معكم أحد. فقلنا لا. ثم التفت يمينا و شمالا هل يرى أحدا، ثم قال أخبرني أبي عن جدّي أنّه كان مع أبي جعفر محمد بن علي بمنى و هو يرمي الجمرات و إنّ أبا جعفر عليه السلام رمى الجمرات قال فاستتمّها ثم بقي في يده بعد خمس حصيات، فرمى اثنتين في ناحية و ثلاثة في ناحية، فقال له جدّي جعلت فداك، لقد رأيتك صنعت شيئا ما صنعه أحد قطّ، رأيتك رميت الجمرات ثم رميت بخمسة بعد ذلك، ثلاثة في ناحية، و اثنتين في ناحية. قال نعم إذا كان كلّ موسم أخرج الفاسقان الغاصبان ثم يفرّق بينهما هاهنا لا يراهما إلّا إمام عدل، فرميت الأول اثنتين و الآخر ثلاثة، لأنّ الآخر أخبث من الأول.

 53-  ختص أحمد بن محمد بن عيسى، عن الوشاء، عن أبي الصخر أحمد بن عبد الرحيم، عن الحسن بن علي رجل كان يكون في جباية مأمون قال دخلت... و ذكر مثله، و فيه أخرجا الفاسقان غضّين طريّين فصلبا هاهنا لا يراهما إلّا إمام عدل.

 54-  ير ابن عيسى و ابن أبي الخطاب معا، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن الكناسي، عن أبي جعفر عليه السلام، قال لمّا كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في الغار و معه أبو الفصيل، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إنّي لأنظر الآن إلى جعفر و أصحابه الساعة تعوم بينهم سفينتهم في البحر، و إنّي لأنظر إلى رهط من الأنصار في مجالسهم محتبين بأفنيتهم، فقال له أبو الفصيل أ تراهم يا رسول اللّه الساعة. قال نعم. قال فأرنيهم. قال فمسح رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله على عينيه ثم قال انظر. فنظر فرآهم، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أ رأيتهم. قال نعم. و أسرّ في نفسه أنّه ساحر.

  بيان الفصيل ولد النّاقة إذا فصل عن أمّه،

 55-  ير موسى بن عمر، عن عثمان بن عيسى، عن خالد بن نجيح، قال قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام جعلت فداك، سمّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أبا بكر الصدّيق. قال نعم. قلت فكيف. قال حين كان معه في الغار، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إنّي لأرى سفينة جعفر بن أبي طالب )عليه السلام( تضطرب في البحر ضالّة. قال يا رسول اللّه )ص( و إنّك لتراها قال نعم. قال فتقدر أن ترينيها. قال ادن منّي. قال فدنا منه، فمسح على عينيه، ثم قال انظر، فنظر أبو بكر فرأى السفينة و هي تضطرب في البحر، ثم نظر إلى قصور أهل المدينة فقال في نفسه الآن صدقت أنّك ساحر. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الصدّيق أنت.

 56-  خص سعد، عن موسى بن عمر مثله، و زاد في آخره فقلت لم سمّي عمر الفاروق. قال نعم، أ لا ترى أنّه قد فرق بين الحقّ و الباطل و أخذ الناس بالباطل. فقلت فلم سمّي سالما الأمين. قال لمّا كتبوا الكتب وضعوها على يد سالم فصار الأمين. قلت فقال اتّقوا دعوة سعد. قال نعم، قلت و كيف ذلك. قال إنّ سعدا يكرّ فيقاتل عليّا عليه السلام.

  بيان قوله صلّى اللّه عليه و آله الصدّيق أنت.. على التهكّم، أو على الاستفهام الإنكاري.

 57-  ير محمد بن عبد الجبار، عن عبد اللّه بن الحجّال، عن أبي عبد اللّه المكّي الحذّاء، عن سوادة أبي علي، عن بعض رجاله، قال قال أمير المؤمنين عليه السّلام للحارث الأعور و هو عنده هل ترى ما أرى. فقال كيف أرى ما ترى و قد نوّر اللّه لك و أعطاك ما لم يعط أحدا. قال هذا فلان الأوّل على ترعة من ترع النار يقول يا أبا الحسن استغفر لي، لا غفر اللّه له. قال فمكث هنيئة ثم قال يا حارث هل ترى ما أرى. فقال و كيف أرى ما ترى و قد نوّر اللّه لك و أعطاك ما لم يعط أحدا. قال هذا فلان الثاني على ترعة من ترع النار يقول يا أبا الحسن استغفر لي، لا غفر اللّه له.

 58-  ير محمد بن الحسين، عن صفوان بن يحيى، عن بعض رجاله، عن أبي عبد اللّه عليه السلام، عن أبيه، عن الحسين، عن أمير المؤمنين صلوات اللّه عليهم قال إنّ للّه بلدة خلف المغرب يقال لها جابلقا، و في جابلقا سبعون ألف أمّة ليس منها أمّة إلّا مثل هذه الأمّة، فما عصوا اللّه طرفة عين، فما يعملون عملا و لا يقولون قولا إلّا الدعاء على الأوّلين و البراءة منهما، و الولاية لأهل بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.

 59-  ير يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الحميري، عن أبي عمران الأرمني عن الحسين بن الجارود، عمّن حدّثه، عن أبي عبد اللّه عليه السلام، قال إنّ من وراء أرضكم هذه أرضا بيضاء ضوؤها منها، فيها خلق اللّه يعبدون اللّه و لا يشركون به شيئا، يتبرّءون من فلان و فلان.

 60-  ير أحمد بن موسى، عن الحسين بن موسى الخشّاب، عن علي ابن حسّان، عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد اللّه عليه السلام، قال إنّ من وراء عين شمسكم هذه أربعين عين شمس فيها خلق كثير، و إنّ من وراء قمركم أربعين قمرا فيها خلق كثير، لا يدرون أنّ اللّه خلق آدم أم لم يخلقه، ألهموا إلهاما لعنة.. فلان و فلان.

 61-  ير سلمة، عن أحمد بن عبد الرحمن، عن محمد بن سليمان، عن يقطين الجواليقي، عن قلقلة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال إنّ اللّه خلق جبلا محيطا بالدنيا من زبرجد أخضر، و إنّما خضرة السماء من خضرة ذلك الجبل، و خلق خلفه خلقا لم يفرض عليهم شيئا ممّا افترض على خلقه من صلاة و زكاة، و كلّهم يلعن رجلين من هذه الأمّة.. و سمّاهما.

 62-  ير أحمد بن الحسين، عن علي بن رئاب عن عبيد اللّه الدهقان، عن أبي الحسن عليه السلام.. مثله.

 أقول روى الحسن بن سليمان في كتاب المختصر من بصائر سعد.. مثله.

 و روى أيضا عنه، عن أحمد بن الحسين، عن علي بن الريّان، عن عبيد اللّه الدهقان، عن الرضا عليه السلام، قال سمعته يقول إنّ للّه خلف هذا النطاق زبرجدة خضراء، فبالخضرة منها خضرت السماء، قلت و ما النطاق. قال الحجاب، و للّه عزّ و جلّ وراء ذلك سبعون ألف عالم أكثر من عدد الجن و الإنس، و كلّ يلعن.. فلانا و فلانا.

 بيان النّطاق ككتاب شقّة تلبسها المرأة و تشدّ وسطها، و أطلق على الحجاب مجازا.

 63-  ير أحمد بن محمد، عن أبي يحيى الواسطي، عن درست، عن عجلان أبي صالح، قال دخل رجل على أبي عبد اللّه عليه السلام، فقال له جعلت فداك هذه قبّة آدم. قال نعم، و فيه قباب كثيرة، إنّ خلف مغربكم هذه تسعة و ثلاثين مغربا أرضا بيضاء مملوءة خلقا يستضيئون بنورها لم يعصوا اللّه طرفة عين، ما يدرون أنّ اللّه خلق آدم أم لم يخلقه، يتبرّءون من.. فلان و فلان لعنهما اللّه.

 64-  ير محمد بن هارون، عن أبي يحيى الواسطي، عن سهل بن زياد، عن عجلان أبي صالح، قال سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن قبّة آدم، فقلت هذه قبّة آدم. فقال نعم، و للّه قباب كثيرة، أما إنّ خلف مغربكم هذه تسعة و ثلاثين مغربا أرضا بيضاء و مملوّة خلقا يستضيئون بنورها لم يعصوا اللّه طرفة عين، لا يدرون أ خلق اللّه آدم أم لم يخلقه، يتبرّءون من.. فلان و فلان، قيل له كيف هذا يتبرّءون من.. فلان و فلان و هم لا يدرون أ خلق اللّه آدم أم لم يخلقه. فقال للسائل عنه أ تعرف إبليس. قال لا، إلّا بالخبر. قال فأمرت باللعنة و البراءة منه. قال نعم. قال فكذلك أمر هؤلاء.

 أقول رواه الحسن بن سليمان من بصائر سعد بن عبد اللّه مثله.

 65-  ير محمد بن عيسى، عن يونس، عن عبد الصمد، عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام، قال سمعت يقول إنّ من وراء هذه أربعين عين شمس ما بين شمس إلى شمس أربعون عاما فيها خلق كثير ما يعلمون أنّ اللّه خلق آدم أو لم يخلقه، و إنّ من وراء قمركم هذا أربعين قمرا ما بين قمر إلى قمر مسيرة أربعين يوما فيها خلق كثير ما يعلمون أنّ اللّه خلق آدم أو لم يخلقه، قد ألهموا كما ألهمت النحل لعنة الأول و الثاني في كلّ وقت من الأوقات، و قد وكّل بهم ملائكة متى ما لم يلعنوهما عذّبوا.

 66-  يج روى عن محمد بن عبد الحميد، عن عاصم بن حميد، عن يزيد بن خليفة، قال كنت عند أبي عبد اللّه عليه السلام قاعدا فسأله رجل من القميّين أ تصلّي النساء على الجنائز. فقال إنّ المغيرة بن أبي العاص ادّعى أنّه رمى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فكسرت رباعيّته و شقّ شفتيه و كذب، و ادّعى أنّه قتل حمزة و كذب، فلمّا كان يوم الخندق ضرب على أذنيه فنام فلم يستيقظ حتى أصبح فخشي أن يؤخذ، فتنكّر و تقنّع بثوبه و جاء إلى منزل عثمان يطلبه، و تسمّى باسم رجل من بني سليم كان يجلب إلى عثمان الخليل و الغنم و السمن، فجاء عثمان فأدخله، منزله و قال ويحك ما صنعت ادّعيت أنّك رميت رسول اللّه )ص(، و ادّعيت أنّك شققت شفتيه و كسرت رباعيّته، و ادّعيت أنّك قتلت حمزة. فأخبره بما لقي و أنّه ضرب على أذنه، فلمّا سمعت ابنة النبيّ )ص( بما صنع بأبيها و عمّها صاحت، فأسكتها عثمان، ثم خرج عثمان إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و هو جالس في المسجد فاستقبله بوجهه و قال يا رسول اللّه إنّك آمنت عمّي المغيرة فكذب، فصرف عنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله وجهه، ثم استقبله من الجانب الآخر فقال يا رسول اللّه إنّك آمنت عمّي المغيرة، فكذب، فصرف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله وجهه عنه، ثم قال آمنّاه و أجّلناه ثلاثا، فلعن اللّه من أعطاه راحلة أو رحلا أو قتبا أو سقاء أو قربة أو دلوا أو خفّا أو نعلا أو زادا أو ماء. قال عاصم هذه عشرة أشياء فأعطاها كلّها عثمان فخرج فسار على ناقته فنقبت، ثم مشى في خفّيه فنقبا، ثم مشى في نعليه فنقبتا، ثم حبا على رجليه فنقبتا، ثم مشى على ركبتيه فنقبتا، فأتى شجرة فجلس تحتها، فجاء الملك فأخبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بمكانه، فبعث إليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله زيدا و الزبير فقال لهما ايتياه فهو بمكان.. كذا و كذا فاقتلاه، فلمّا أتياه قال زيد للزبير إنّه ادّعى أنّه قتل أخي و قد كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله آخى بين حمزة و زيدا فاتركني أقتله، فتركه الزبير فقتله، فرجع عثمان من عند النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فقال لمرأته، إنّك أرسلتي إلى أبيك فأعلمتيه بمكان عمّي، فحلفت له باللّه ما فعلت، فلم يصدّقها، فأخذ خشبة القتب فضربها ضربا مبرّحا، فأرسلت إلى أبيها تشكوا ذلك و تخبره بما صنع، فأرسل إليها إنّي لأستحي للمرأة أن لا تزال تجرّ ذيولها تشكو زوجها، فأرسلت إليه إنّه قد قتلني، فقال لعليّ خذ السيف ثم ائت بنت عمّك فخذ بيدها، فمن حال بينك و بينها فاضربه بالسيف، فدخل عليّ، فأخذ بيدها فجاء بها إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فأرته ظهرها، فقال أبوها قتلها قتله اللّه، فمكثت يوما و ماتت في الثاني، و اجتمع الناس للصلاة عليها، فخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من بيته و عثمان جالس مع القوم، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من ألّم جاريته الليلة فلا تشهد جنازتها قالها مرتين، و هو ساكت، فقال يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ليقومنّ أو لأسمّينه باسمه و اسم أبيه، فقام يتوكّأ على مولى له. قال فخرجت فاطمة عليها السلام في نسائها فصلّت على أختها.

 بيان قال الجوهري نقب البعير بالكسر إذا ألقت أخفافه.. و نقب الخفّ الملبوس تخرّق. و قال حبا الصّبيّ على استه حبوا.. إذا زحف. و البراح المشقّة و الشّدّة. أقول قد مرّ هذا الخبر برواية الكليني أبسط من هذا في باب أحوال أولاد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله.

  -67  شف أحمد بن محمد بن الطبري من كتابه...، عن محمد بن الحسين بن حفص و علي بن أحمد بن حاتم و علي بن العباس و علي بن الحسين العجلي و جعفر بن محمد بن مالك و الحسن بن السكن جميعا، عن عبّاد بن يعقوب، عن علي بن هاشم بن زيد، عن أبي الجارود زياد بن المنذر، عن عمران بن ميثم الكيّال، عن مالك بن زمرد الرواسي، عن أبي ذرّ الغفاري، قال لمّا نزلت هذه الآية على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَ تَسْوَدُّ وُجُوهٌ قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ترد أمّتي يوم القيامة على خمس رايات، فأوّلها مع عجل هذه الأمّة فآخذ بيده فترجف قدماه و يسودّ وجهه و وجوه أصحابه، فأقول ما فعلتم بالثقلين. فيقولون أمّا الأكبر فخرقنا و مزّقنا، و أمّا الأصغر فعادينا و أبغضنا، فأقول ردّوا ظماء مظمئين مسودّة وجوهكم فيؤخذ بهم ذات الشمال لا يسقون قطرة. ثم يرد عليّ راية فرعون هذه الأمّة فأقوم فآخذ بيده ثم ترجف قدماه و يسودّ وجهه و وجوه أصحابه، فأقول ما فعلتم بالثقلين. فيقولون أمّا الأكبر فمزّقنا منه، و أمّا الأصغر فبرئنا منه و لعنّاه، فأقول ردّوا ظماء مظمئين مسودّة وجوهكم، فيؤخذ بهم ذات الشمال لا يسقون قطرة. ثم يرد عليّ راية ذي الثدّية معها أوّل خارجة و آخرها، فأقوم فآخذ بيده فترجف قدماه و تسوّد وجهه و وجوه أصحابه، فأقول ما فعلتم بالثقلين بعدي. فيقولون أمّا الأكبر فمزّقنا منه، و أمّا الأصغر فبرئنا منه و لعنّاه. فأقول ردّوا ظماء مظمئين مسودّة وجوهكم، فيؤخذ بهم ذات الشمال لا يسقون قطرة. ثم ترد عليّ راية أمير المؤمنين و سيّد المسلمين و إمام المتّقين و قائد الغرّ المحجّلين، فأقوم فآخذ بيده فتبيضّ وجهه و وجوه أصحابه، فأقول ما فعلتم بالثقلين بعدي. فيقولون أمّا الأكبر فاتّبعناه و أطعناه، و أمّا الأصغر فقاتلنا معه حتى قتلنا. فأقول ردّوا روّاء مرويّين مبيضّة وجوهكم، فيؤخذ بهم ذات اليمين، و هو قول اللّه عزّ و جلّ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَ تَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وَ أَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ.

 بيان أقول سقط من هذا الخبر راية قارون هذه الأمّة، و قد أوردنا في باب الرايات برواية ابن عقدة و غيره، عن أبي ذر هذه الرواية، و فيها إنّ شرار الآخرين، العجل، و فرعون، و هامان، و قارون، و السامريّ، و الأبتر.. ثم ذكر راية العجل، و راية فرعون، و راية فلان.. أمام خمسين ألفا من أمّتي، و راية فلان.. أمام سبعين ألفا، ثم راية أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه، و قد أوردنا فيه أخبارا أخر بأسانيد تركناها هنا حذرا من التكرار.

 68-  شف من كتاب المناقب لأحمد بن مردويه...، عن إسماعيل بن علي الواسطي، عن الهيثم بن عدّي الطائي، عن حمّاد بن عيسى، عن علي بن هاشم، عن أبيه و ابن أذينة، عن أبان بن تغلب، عن مسلم، قال سمعت أبا ذر و المقداد بن الأسود و سلمان الفارسي رضوان اللّه عليهم، قالوا كنّا قعودا عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ما معنا غيرنا، إذ أقبل ثلاثة رهط من المهاجرين البدريّين، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله تفترق أمّتي بعدي ثلاث فرق، فرقة أهل حقّ لا يشوبونه بباطل، مثلهم كمثل الذهب كلّما فتنته النار ازداد طيبا، و إمامهم هذا لأحد الثلاثة، و هو الذي أمر اللّه به في كتابه إماما و رحمة، و فرقة أهل الباطل لا يشوبونه بحقّ، مثلهم كمثل خبث الحديد، كلّما فتنته بالنار ازداد خبثا و نتنا، إمامهم هذا لأحد الثلاثة، و فرقة أهل الضلالة مذبذبين لا إِلى هؤُلاءِ وَ لا إِلى هؤُلاءِ، إمامهم أحد الثلاثة. قال فسألته عن أهل الحقّ و إمامهم. فقال عليّ بن أبي طالب )ع( إمام المتّقين، و أمسك عن الاثنين، فجهدت أن يفعل فلم يفعل.

 69-  شف من كتاب عتيق من أصول المخالفين، عن محمد بن عبد اللّه بن الحسين الجعفي، عن الحسين بن محمد بن الفرزدق القطيعي، عن الحسين بن علي بن بزيع، عن يحيى بن حسن بن فرات، عن أبي عبد الرحمن المسعودي، عن عبد اللّه بن عبد المالك، عن الحرث بن حصيرة، عن صخر بن الحكم الفزازي، عن حيّان بن الحرث الأزدي يكنّى أبا عقيل، عن الربيع ابن جميل الضبّي، عن مالك بن ضمرة الرواسي، عن أبي ذرّ الغفاري اجتمع هو و عليّ بن أبي طالب و عبد اللّه بن مسعود و المقداد بن الأسود و عمّار بن ياسر و حذيفة بن اليمان، قال فقال أبو ذر حدّثونا حديثا نذكر به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فنشهد له و ندعو له و نصدّقه، فقالوا حدّثنا.. يا عليّ. قال فقال عليّ عليه السلام لقد علمتم ما هذا زمان حديثي، قالوا صدقت. قال فقالوا حدّثنا.. يا حذيفة. قال لقد علمتم أنّي سئلت عن المعضلات فحذرتهنّ. قالوا صدقت. قال فقالوا حدّثنا.. يا ابن مسعود قال لقد علمتم أنّي قرأت القرآن لم أسأل عن غيره. قالوا صدقت. قال فقالوا حدّثنا.. يا مقداد. قال لقد علمتم إنّما كنت فارسا بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أقاتل، و لكن أنتم أصحاب الحديث. فقالوا صدقت. قال فقالوا حدّثنا.. يا عمّار. قال فقال لقد علمتم أنّي إنسان نسّاء إلّا أن أذكّر فأذكر. قالوا صدقت. قال فقال أبو ذرّ رحمة اللّه عليه إنّما أحدّثكم بحديث سمعتموه أو من سمعه منكم بلغ، أ لستم تشهدون أن لا إله إلّا اللّه و أنّ محمّدا عبده و رسوله، وَ أَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها، وَ أَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ، و أنّ البعث حقّ، و أنّ الجنّة حقّ، و أنّ النار حقّ. قالوا نشهد. قال و أنا من الشاهدين. قال أ لستم تشهدون أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حدّثنا أنّ شرّ الأوّلين و الآخرين اثنا عشر ستة من الأوّلين و ستة من الآخرين، ثم سمّى من الأوّلين ابن آدم الذي قتل أخاه، و فرعون، و هامان، و قارون، و السامريّ، و الدجّال اسمه في الأوّلين و يخرج في الآخرين، و سمّى من الآخرين ستة العجل و هو... و فرعون و هو...، و هامان و هو زياد بن أبي سفيان، و قارون و هو سعد بن أبي وقّاص، و السامريّ و هو عبد اللّه بن قيس أبو موسى، قيل و ما السامريّ. قال قال السامريّ لا مِساسَ، و هو يقول لا قتال، و الأبتر و هو عمرو بن العاص، قالوا و ما أبترها. قال لا دين له و لا نسب. قال فقالوا نشهد على ذلك. قال و أنا على ذلك من الشاهدين. ثم قال أ لستم تشهدون أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال إنّ من أمّتي من يرد عليّ الحوض على خمس رايات أوّلهنّ راية العجل فأقوم فإذا أخذت بيده اسود وجهه، و رجفت قدماه، و خفقت أحشاؤه، و فعل ذلك تبّعه، فأقول ما خلفتموني في الثقلين بعدي فيقولون كذّبنا الأكبر و مزّقناه و اضطهدناه، و الأصغر أبترناه حقّه، فأقول اسلكوا ذات الشمال، فينصرفون ظماء مظمئين مسودّة وجوههم لا يطعمون منه قطرة. ثم يرد عليّ راية فرعون أمّتي و هم أكثر الناس البهرجيون، فقلت يا رسول اللّه )ص( و ما البهرجيون أ بهرجوا الطريق. قال لا، و لكن بهرجوا دينهم، و هم الذين يغضبون للدنيا و لها يرضون، و لها يسخطون، و لها ينصبون، فأقوم فآخذ بيد صاحبهم فإذا أخذت بيده اسودّ وجهه و رجفت قدماه و خفقت

 أحشاؤه، و فعل ذلك تبّعه، فأقول ما خلفتموني في الثقلين بعدي فيقولون كذّبنا الأكبر و مزّقناه، و قاتلنا الأصغر و قتلناه، فأقول اسلكوا طريق أصحابكم، فينصرفون ظماء مظمئين مسودّة وجوههم لا يطعمون منه قطرة. ثم ترد عليّ راية عبد اللّه بن قيس و هو إمام خمسين ألفا من أمّتي، فأقوم فآخذ بيده، فإذا أخذت بيده اسودّ وجهه و رجفت قدماه و خفقت أحشاؤه، و فعل ذلك تبّعه، فأقول ما خلفتموني في الثقلين بعدي فيقولون كذّبنا الأكبر و عصيناه و خذلنا الأصغر و خذلنا منه، فأقول اسلكوا طريق أصحابكم، فينصرفون ظماء مظمئين مسودّة وجوههم لا يطعمون منه قطرة. ثم ترد عليّ راية المخدج و هو إمام سبعين ألفا من الناس فأقوم فآخذ بيده، فإذا أخذت بيده اسودّ وجهه و رجفت قدماه و خفقت أحشاؤه، و فعل ذلك تبّعه، فأقول ما خلفتموني في الثقلين بعدي، فيقولون كذّبنا الأكبر و عصيناه، و قاتلنا الأصغر و قتلناه. فأقول اسلكوا سبيل أصحابكم، فينصرفون ظماء مظمئين مسودّة وجوههم لا يطعمون منه قطرة. ثم ترد عليّ راية عليّ بن أبي طالب )ع( أمير المؤمنين و إمام الغرّ المحجّلين، فأقوم فآخذ بيده فيبيض وجهه و وجوه أصحابه، فأقول ما خلفتموني في الثقلين بعدي. فيقولون تبعنا الأكبر و صدّقناه، و وازرنا الأصغر و نصرناه و قاتلنا معه، فأقول ردّوا روّاء مرويّين، فيشربون شربة لا يظمئون بعدها أبدا، وجه إمامهم كالشمس الطالعة و وجوههم كالقمر ليلة البدر، أو كأضوإ نجم في السماء. ثم قال أ لستم تشهدون على ذلك. قالوا بلى، و أنا على ذلك من الشاهدين. قال لنا القاضي محمد بن عبد اللّه اشهدوا عليّ عند اللّه أنّ الحسين بن محمد بن الفرزدق حدّثني بهذا، و قال الحسين بن محمد اشهدوا عليّ بهذا عند اللّه أنّ الحسين بن علي بن بزيع حدّثني بهذا، و قال الحسين بن علي بن بزيع اشهدوا عليّ بهذا عند اللّه أنّ يحيى بن الحسن حدّثني بهذا، و قال يحيى بن الحسن اشهدوا عليّ عند اللّه أنّ أبا عبد الرحمن حدّثني بهذا عن الحارث بن حصيرة، و قال أبو عبد الرحمن اشهدوا عليّ بهذا عند اللّه أنّ الحارث بن حصيرة حدّثني بهذا عن صخر بن الحكم، و قال الحارث بن حصيرة اشهدوا عليّ عند اللّه أنّ صخر بن الحكم حدّثني بهذا عن حيّان بن الحرث، و قال صخر بن الحكم اشهدوا عليّ بهذا عند اللّه أنّ حيّان بن الحرث حدّثني بهذا عن الربيع بن جميل الضبيّ، و قال حيّان بن الحرث اشهدوا عليّ بهذا عند اللّه أنّ الربيع بن جميل الضبيّ حدّثني بهذا عن مالك بن ضمرة الرواسي، و قال الربيع بن جميل اشهدوا عليّ بهذا عند اللّه أنّ مالك بن ضمرة حدّثني بهذا عن أبي ذرّ الغفاري، و قال مالك بن ضمرة اشهدوا عليّ بهذا عند اللّه أنّ أبا ذرّ الغفاري حدّثني بهذا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و قال أبو ذرّ اشهدوا عليّ بهذا عند اللّه أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حدّثني بهذا عن جبرئيل، و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله اشهدوا علي بهذا عن اللّه أنّ جبرئيل حدّثني بهذا عن اللّه جلّ وجهه و تقدّست أسماؤه. و قال يوسف بن كليب و محمد بن حنبل أنّ أبا عبد الرحمن حدّثه بهذا الحديث بهذا الإسناد و بهذا الكلام، قال الحسن بن علي بن بزيع و زعم إسماعيل بن أبان أنّه سمع هذا الحديث حديث الرايات من أبي عبد الرحمن المسعودي.

 بيان لعلّه عمل بعض الرواة في تفسير العجل و فرعون و هامان نوع تقيّة، لرسوخ حبّ صنمي قريش في قلوب الناس. و قال الجوهري خفقت الرّاية تخفق و تخفق خفقا و خفقانا و كذلك القلب و السّراب إذا اضطربا. و قال الفيروزآبادي البهرج الباطل و الرّدي‏ء و المباح، و البهرجة أن تعدل بالشّي‏ء عن الجادّة القاصدة إلى غيرها، و المبهرج من المياه المهمل الّذي لا يمنع عنه، و من الدّماء المهدّر.

 70-  شف من كتاب المناقب لأحمد بن مردويه، عن أحمد بن إبراهيم ابن يوسف، عن عمران بن عبد الرحيم، عن يحيى الحماني، عن الحكم بن ظهير، عن عبد اللّه بن محمد بن علي، عن أبيه، عن ابن عباس رضي اللّه عنه، قال كنت أسير مع عمر بن الخطاب في ليلة و عمر على بغل و أنا على فرس فقرأ آية فيها ذكر عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فقال أم و اللّه يا بني عبد المطلب لقد كان صاحبكم أولى بهذا الأمر منّي و من أبي بكر، فقلت في نفسي لا أقالني اللّه إن أقلتك، فقلت أنت تقول ذلك يا أمير المؤمنين، و أنت و صاحبك اللّذان وثبتما و انتزعتم منّا الأمر دون الناس. فقال إليكم يا بني عبد المطلب، أما إنّكم أصحاب عمر بن الخطاب، فتأخّرت و تقدّم هنيئة، فقال سر.. لا سرت، فقال أعد عليّ كلامك. فقلت إنّما ذكرت شيئا فرددت جوابه، و لو سكت سكتنا. فقال و اللّه إنّا ما فعلنا ما فعلنا عداوة، و لكن استصغرناه و خشينا أن لا تجتمع عليه العرب و قريش لما قد وترها، فأردت أن أقول كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يبعثه في الكتيبة فينطح كبشها فلم يستصغره فتستصغره أنت و صاحبك، فقام لا جرم، فكيف ترى و اللّه ما نقطع أمرا دونه، و لا نعمل شيئا حتّى نستأذنه.

 بيان قوله أما إنّكم.. لعلّه قال ذلك على سبيل التهديد.. أي إنّكم تخاصموني، إمّا إخبارا، و إمّا استفهاما إنكاريّا.

 71-  شف أحمد بن مردويه في كتاب المناقب، عن أحمد بن إبراهيم ابن يوسف، عن عمران بن عبد الرحيم، عن محمد بن علي بن حكيم، عن محمد ابن سعد، عن الحسن بن عمارة، عن الحكيم بن عتبة، عن عيسى بن طلحة ابن عبيد اللّه، قال خرج عمر بن الخطاب إلى الشام و أخرج معه العباس بن عبد المطلب، قال فجعل الناس يتلقّون و يقولون السلام عليك يا أمير المؤمنين، و كان العباس رجلا جميلا فيقول هذا صاحبكم، فلمّا كثر عليه التفت إلى عمر، فقال ترى أنا و اللّه أحقّ بهذا الأمر منك، فقال عمر اسكت، أولى و اللّه بهذا الأمر منّي و منك رجل خلفته أنا و أنت بالمدينة، عليّ بن أبي طالب )ع(.

 72-  سر موسى بن بكر، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال ما حرّم اللّه شيئا إلّا و قد عصي فيه، لأنّهم تزوّجوا أزواج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من بعده فخيرهنّ أبو بكر بين الحجاب و لا يتزوّجن أو يتزوّجن، فاخترن التزويج فتزوّجن. قال زرارة و لو سألت بعضهم أ رأيت لو أنّ أباك تزوّج امرأة و لم يدخل بها حتى مات، أ تحلّ لك إذن. لقال لا، و هم قد استحلّوا أن يتزوّجوا أمّهاتهم إن كانوا مؤمنين، فإنّ أزواج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله مثل أمّهاتهم.

 73-  شي، ]تفسير العياشي[ المفضّل بن صالح، عن بعض أصحابه، عن جعفر بن محمد و أبي جعفر عليهما السلام في قول اللّه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذى.. إلى آخر الآية، قال نزلت في عثمان، و جرت في معاوية و أتباعهما.

 74-  شي، ]تفسير العياشي[ عن سلام بن المستنير، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذى.. لمحمّد و آل محمّد عليهم الصلاة و السلام، هذا تأويل، قال أنزلت في عثمان.

 75-  شي، ]تفسير العياشي[ عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه في قوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذى... إلى قوله لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْ‏ءٍ مِمَّا كَسَبُوا قال صفوان أي حجر وَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ. قال فلان و فلان و فلان و معاوية و أشياعهم.

 76-  شي، ]تفسير العياشي[ عن سعدان، عن رجل، عن أبي عبد اللّه عليه السلام في قوله وَ إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ قال حقيق على اللّه أن لا يدخل الجنّة من كان في قلبه مثقال حبّة من خردل من حبّهما.

 77-  سر أبو عبد اللّه السيّاري، عن الرضا عليه السلام، قال كان عثمان إذا أتي بشي‏ء من الفي‏ء فيه ذهب عزله، و قال هذا لطوق عمرو، فلمّا كثر ذلك قيل له كبر عمرو عن الطوق، فجرى به المثل.

 بيان ذكر أصحاب كتب الأمثال مورد المثل على وجه آخر تعصّبا، مع أنّه لا تنافي بينهما. قال الزمخشري في المستقصى هو عمرو بن عدي ابن أخت جذيمة قد طوّق كثيرا صغيرا ثم استهوته الجنّ مدّة، فلمّا عاد همّت أمّه بإعادة الطوق إليه، فقال جذيمة.. ذلك، و قيل إنّها نطّقته و طوّقته و أمرته بزيارة خاله، فلمّا رأى لحيته و الطوق قال.. ذلك. و يروى شبّ عمرو عن الطوق و جلّ عمرو، يضرب في ارتفاع الكبير عن هيئة الصغير و ما يستهجن من تحليته بحليته. و نحوه قال الميداني لكنّه طوّل القصّة الغريبة.

 78-  شي، ]تفسير العياشي[ علي بن ميمون الصائغ، عن ابن أبي يعفور، قال سمعت أبا عبد اللّه عليه السلام يقول ثلاثة لا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ لا يُزَكِّيهِمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ من ادّعى إمامة من اللّه ليست له، و من جحد إماما من اللّه، و من قال إنّ لفلان و فلان في الإسلام نصيبا.

 79-  شي، ]تفسير العياشي[ عن الثمالي، عن عليّ بن الحسين عليه السلام.. مثله.

 80-  شي، ]تفسير العياشي[ عن عامر بن كثير السرّاج، عن عطاء الهمداني، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ قال فلان و فلان و فلان و أبو عبيدة بن الجرّاح.

 و في رواية عمرو بن سعيد، عن أبي الحسن عليه السلام، قال هما و أبو عبيدة بن الجرّاح.

  و في رواية عمر بن صالح، قال الأوّل و الثاني و أبو عبيدة بن الجرّاح.

 81-  شي، ]تفسير العياشي[ عن جابر، قال قلت لمحمّد بن عليّ عليهما السلام قوله تعالى في كتابه الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا، قال هما و الثالث و الرابع و عبد الرحمن و طلحة و كانوا سبعة عشر رجلا. قال لمّا وجّه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله عليّ بن أبي طالب عليه السلام و عمّار ابن ياسر رحمه اللّه إلى أهل مكة، قالوا بعث هذا الصبيّ و لو بعث غيره يا حذيفة إلى أهل مكة، و في مكة صناديدها، و كانوا يسمّون عليّا الصبيّ، لأنّه كان اسمه في كتاب اللّه الصبيّ، لقول اللّه وَ مَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَ عَمِلَ صالِحاً و هو صبيّ وَ قالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ، و اللّه الكفر بنا أولى ممّا نحن فيه، فساروا فقالوا لهما و خوّفوهما بأهل مكة فعرضوا لهما و غلظوا عليهما الأمر، فقال عليّ صلوات اللّه عليه حسبنا اللّه و نعم الوكيل، و مضى، فلمّا دخلا مكة أخبر اللّه نبيّه صلّى اللّه عليه و آله بقولهم لعليّ عليه السلام و بقول عليّ لهم، فأنزل اللّه بأسمائهم في كتابه، و ذلك قول اللّه أ لم تر إلى الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَ قالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ.. إلى قوله وَ اللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ، و إنّما نزلت »أ لم تر إلى..« فلان و فلان لقوا عليّا و عمّارا فقالا إنّ أبا سفيان و عبد اللّه بن عامر و أهل مكة قد جمعوا لكم فاخشوهم، فقالوا حسبنا اللّه و نعم الوكيل، و هما اللّذان قال اللّه إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا... إلى آخر الآية فهذا أوّل كفرهم. و الكفر الثاني قول النبيّ عليه و آله السلام يطلع عليكم من هذا الشعب رجل فيطلع عليكم بوجهه، فمثله عند اللّه كمثل عيسى لم يبق منهم أحد إلّا تمنّى أن يكون بعض أهله، فإذا بعليّ عليه السلام قد خرج و طلع بوجهه، قال هو هذا، فخرجوا غضّابا و قالوا ما بقي إلّا أن يجعله نبيّا، و اللّه الرجوع إلى آلهتنا خير ممّا نسمع منه في ابن عمّه و ليصدّنا عليّ إن دام هذا، فأنزل اللّه وَ لَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ... إلى آخر الآية، فهذا الكفر الثاني. و زيادة الكفر حين قال اللّه إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ، و قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يا علي أصبحت و أمسيت خير البريّة، فقال له الناس هو خير من آدم و نوح و من إبراهيم و من الأنبياء.. فأنزل اللّه إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ... إلى سَمِيعٌ عَلِيمٌ قالوا فهو خير منك يا محمّد.. قال اللّه قُلْ... إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً و لكنّه خير منكم و ذريّته خير من ذريّتكم، و من اتّبعه خير ممّن اتّبعكم، فقاموا غضّابا، و قالوا زيادة الرجوع إلى الكفر أهون علينا ممّا يقول في ابن عمّه و ذلك قول اللّه ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً.

 بيان يصدّون.. بمعنى يضجّون، و قوله و ليصدّنا.. ليس لبيان هذا الصدود، بل هو بمعنى المنع عمّا هو مرادهم. قوله عليه السلام و قالوا زيادة.. بالنصب، أو الرفع بالإضافة.

 82-  شي، ]تفسير العياشي[ عن زرارة و حمران و محمد بن مسلم، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه عليهما السلام عن قوله إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا... ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً قال نزلت في أبي عبد اللّه بن أبي سرح الذي بعثه عثمان إلى مصر، قال و ازدادوا كفرا حين لم يبق فيه من الإيمان شي‏ء.

 83-  شي، ]تفسير العياشي[ عن عبد اللّه بن كثير الهاشمي، عن أبي عبد اللّه عليه السلام في قول اللّه إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً قال نزلت في فلان و فلان آمنوا برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في أوّل الأمر ثم كفروا حين عرضت عليهم الولاية، حيث قال من كنت مولاه فعليّ مولاه، ثم آمنوا بالبيعة لأمير المؤمنين عليه السلام حيث قالوا له بأمر اللّه و أمر رسوله.. فبايعوه، ثم كفروا حيث مضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فلم يقرّوا بالبيعة، ثم ازدادوا كفرا بأخذهم من بايعوه بالبيعة لهم، فهؤلاء لم يبق فيهم من الإيمان شي‏ء.

 84-  كا الحسين بن محمد، عن المعلّى، عن محمد بن أورمة و عليّ بن عبد اللّه، عن عليّ بن حسّان، عن عبد الرحمن بن كثير.. مثله.

 بيان المراد بمن بايعوه أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه.

 85-  شي، ]تفسير العياشي[ عن جابر، قال سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن قول اللّه وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ، قال فقال هم أولياء فلان و فلان و فلان اتّخذوهم أئمّة دون الإمام الذي جعله اللّه للناس إماما، فلذلك قال اللّه تبارك و تعالى وَ لَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا... إلى قوله مِنَ النَّارِ، قال ثم قال أبو جعفر عليه السلام هم و اللّه يا جابر أئمّة الظلم و أشياعهم.

 86-  شي، ]تفسير العياشي[ عن زرارة و حمران و محمد بن مسلم، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه عليهما السلام قوله وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ قال هم آل محمّد صلّى اللّه عليه و آله.

 87-  شي، ]تفسير العياشي[ عن منصور بن حازم، قال قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام وَ ما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ. قال أعداء عليّ عليه السلام هم المخلّدون في النار أبد الآبدين و دهر الداهرين.

 88-  شي، ]تفسير العياشي[ عن الحسين بن بشّار، قال سألت أبا الحسن عليه السلام عن قول اللّه وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا. قال فلان و فلان. وَ يُهْلِكَ الْحَرْثَ وَ النَّسْلَ، النسل هم الذريّة، و الحرث الزرع.

  -89  شي، ]تفسير العياشي[ عن بعض أصحابه، قال سمعت عمّارا يقول على منبر الكوفة ثلاثة يشهدون على ]فلان[ أنّه كافر و أنا الرابع، و أنا أتمّ الأربعة، ثم قرأ هؤلاء الآيات في المائدة وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ و الظَّالِمُونَ و الْفاسِقُونَ.

 90-  شي، ]تفسير العياشي[ عن أبي جميلة، عن بعض أصحابه، عن أحدهما عليهما السلام، قال قد فرض اللّه في الخمس نصيبا لآل محمّد صلّى اللّه عليه و آله فأبى أبو بكر أن يعطيهم نصيبهم حسدا و عداوة، و قد قال اللّه وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ، و كان أبو بكر أوّل من منع آل محمّد عليهم السلام حقّهم و ظلمهم، و حمل الناس على رقابهم، و لمّا قبض أبو بكر استخلف عمر على غير شورى من المسلمين و لا رضى من آل محمّد، فعاش عمر بذلك لم يعط آل محمّد عليهم السلام حقّهم و صنع ما صنع أبو بكر.

 91-  شي، ]تفسير العياشي[ عن زرارة، عن أبي عبد اللّه عليه السلام مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها قال من ذكرهما فلعنهما كلّ غداة كتب اللّه له سبعين حسنة، و محا عنه عشر سيّئات، و رفع له عشر درجات.

 92-  م قوله عزّ و جلّ وَ إِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَ إِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَ يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ. قال موسى بن جعفر عليهما السلام و إذا لقي هؤلاء الناكثون لبيعته المواطئون على مخالفة عليّ عليه السلام و دفع الأمر عنه، الذين آمنوا قالوا آمنّا كإيمانكم، إذا لقوا سلمان و المقداد و أبا ذّر و عمّارا قالوا لهم آمنّا بمحمّد )ص( و سلّمنا له بيعة عليّ عليه السلام و فضله و أنفذنا لأمره كما آمنتهم إن كان أوّلهم و ثانيهم و ثالثهم إلى تاسعهم، ربّما كانوا يلتقون في بعض طرقهم مع سلمان و أصحابه، فإذا لقوهم اشمأزّوا منهم و قالوا هؤلاء أصحاب الساحر و الأهوج يعنون محمّدا و عليّا عليهما السلام، ثم يقول بعضهم لبعض احترزوا منهم لا يقفون من فلتات كلامكم على كفر محمّد فيما قاله في عليّ فينمّوا عليكم، فيكون فيه هلاككم، فيقول أوّلهم انظروا إليّ كيف أسخر منهم و أكفّ عاديتهم عنكم. فإذا لقوا قال أوّلهم مرحبا بسلمان ابن الإسلام الذي قال فيه محمّد سيّد الأنام لو كان الدين متعلّقا بالثريّا لتناوله رجال من أبناء فارس، هذا أفضلهم، يعنيك. و قال فيه سلمان منّا أهل البيت، فقرنه بجبرئيل الذي قال له يوم العباء لمّا قال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و أنا منكم، فقال و أنت منّا حتى ارتقى جبرئيل إلى الملكوت الأعلى يفتخر على أهله يقول من مثلي بخ بخ و أنا من أهل بيت محمّد صلّى اللّه عليه و آله. ثم يقول للمقداد مرحبا بك يا مقداد أنت الذي قال فيك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لعليّ عليه السلام يا عليّ المقداد أخوك في الدين و قد قدّمك فكأنّه بعضك، حبّا لك و تعصّبا على أعدائك، و موالاة لأوليائك، و معاداة لأعدائك، لكنّ ملائكة السماوات و الحجب أكثر حبّا لك منك لعليّ عليه السلام، و أكثر تعصّبا على أعدائك منك على أعداء عليّ عليه السلام، فطوباك ثم طوباك. ثم يقول لأبي ذرّ مرحبا بك يا أبا ذرّ أنت الذي قال فيك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ما أقلّت الغبراء و لا أظلّت الخضراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذرّ، و قيل بما ذا فضّله اللّه و شرّفه قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لأنّه كان بفضل عليّ أخي رسول اللّه صلوات اللّه عليهما و آلهما قوّالا، و له في كلّ الأحوال مدّاحا، و لشانئيه و أعدائه شانئا، و لأوليائه و أحبّائه مواليا، و سوف يجعله اللّه في الجنان من أفضل ساكنيها، و يخدمه ما لا يعرف عدده إلّا اللّه من وصائفها و غلمانها و ولدانها. ثم يقول لعمّار بن ياسر أهلا و سهلا و مرحبا بك يا عمّار نلت بموالاة أخي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله مع أنّك وادع رافه لا تزيد على المكتوبات و المسنونات من سائر العبادات ما لا يناله الكادّ بدنه ليلا و نهارا يعني الليل قياما و النهار صياما، و الباذل أمواله و إن كانت جميع أموال الدنيا له، مرحبا بك، قد رضيك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لعليّ أخيه مصافيا، و عنه مناوئا، حتى أخبر أنّك ستقتل في محبّته، و تحشر يوم القيامة في خيار زمرته، وفّقني اللّه تعالى لمثل عملك و عمل أصحابك، حتى توفر على خدمة محمّد رسول اللّه )ص( و أخي محمّد عليّ وليّ اللّه و معاداة أعدائهما بالعداوة، و مصافاة أوليائهما بالموالاة و المتابعة، سوف يسعدنا اللّه يومنا إذا التقينا بكم، فيقول سلمان و أصحابه ظاهرهم كما أمرهم اللّه، و يجوزون عنهم، فيقول الأول لأصحابه كيف رأيتم سخريتي لهؤلاء و كيف كففت عاديتهم عنّي و عنكم. فيقولون له لا تزال بخير ما عشت لنا. فيقول لهم فهكذا فلتكن معاملتكم لهم إلى أن تنتهزوا الفرصة فيهم مثل هذا، فإنّ اللبيب العاقل من تجرّع على الغصّة حتى ينال الفرصة، ثم يعودون إلى أخدانهم من المنافقين المتمرّدين المشاركين لهم في تكذيب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فيما أدّاه إليهم عن اللّه عزّ و جلّ من ذكر تفضيل أمير المؤمنين عليه السلام

 و نصبه إماما على كافة المكلّفين. قالوا لهم إنّا معكم.. على ما واطأناكم عليه من دفع عليّ عن هذا الأمر إن كانت لمحمّد كائنة، فلا يغرّنكم و لا يهولنّكم ما تستمعونه منّا من تقريظهم، و تروننا نجترئ عليه من مداراتهم فإنّا نحن مستهزءون بهم، فقال اللّه عزّ و جلّ يا محمّد )ص( اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ يجازيهم جزاء استهزائهم في الدنيا و الآخرة وَ يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يمهلهم و يتأتّى بهم برفقه و يدعوهم إلى التوبة، و يعدهم إذا أنابوا المغفرة يَعْمَهُونَ و هم يعمهون و لا يرعوون. قال العالم صلوات اللّه عليه فأمّا استهزاء اللّه بهم في الدنيا فإنّه مع إجرائه إيّاهم على ظاهر أحكام المسلمين لإظهارهم ما يظهرونه من السمع و الطاعة و الموافقة، يأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بالتعريض لهم حتّى لا يخفى على المخلصين من المراد بذلك التعريض، و يأمر بلعنهم. و أمّا استهزاؤه بهم في الآخرة، فهو أنّ اللّه عزّ و جلّ إذا أقرّهم في دار اللعنة و الهوان و عذّبهم بتلك الألوان العجيبة من العذاب، و أقرّ هؤلاء المؤمنين في الجنان بحضرة محمّد صلّى اللّه عليه و آله صفيّ الملك الديّان، أطلعهم على هؤلاء المستهزءين بهم في الدنيا حتى يروا ما هم فيهم من عجائب اللعائن، و بدائع النقمات، فيكون لذّتهم و سرورهم بشماتتهم كما لذّتهم و سرورهم بنعيمهم في جنان ربّهم، فالمؤمنون يعرفون أولئك الكافرين المنافقين بأسمائهم و صفاتهم، و هم على أصناف منهم من هو بين أنياب أفاعيها تمضغه. و منهم من هو بين مخاليب سباعها تعبث به و تفترسه. و منهم من هو تحت سياط زبانيتها و أعمدتها و مرزباتها يقع من أيديهم عليه تشدد في عذابه، و تعظّم خزيه و نكاله. و منهم من هو في بحار حميمها يغرق و يسحب فيها. و منهم من هو في غسلينها و غساقها تزجره زبانيتها. و منهم من هو في سائر أصناف عذابها، و الكافرون و المنافقون ينظرون فيرون هؤلاء المؤمنين الذين كانوا بهم في الدنيا يسخرون لما كانوا من موالاة محمّد

 و عليّ و آلهما صلوات اللّه عليهم يعتقدون، فيرونهم منهم من هو على فرشها يتقلّب، و منهم من هو على فواكهها يرتع، و منهم من هو على غرفاتها أو في بساتينها و متنزّهاتها يتبحبح، و الحور العين و الوصفاء و الولدان و الجواري و الغلمان قائمون بحضرتهم و طائفون بالخدمة حواليهم، و ملائكة اللّه عزّ و جلّ يأتونهم من عند ربّهم بالحباء و الكرامات و عجائب التحف و الهدايا و المبرات، يقولون سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ، فيقول هؤلاء المؤمنون المشرفون على هؤلاء الكافرين المنافقين يا أبا فلان و يا فلان و يا فلان.. حتى ينادونهم بأسمائهم ما بالكم في مواقف خزيكم ماكثون هلمّوا إلينا نفتح لكم أبواب الجنان لتخلصوا من عذابكم، و تلحقوا بنا في نعيمها، فيقولون يا ويلنا أنّى لنا هذا. يقول المؤمنون انظروا إلى هذه الأبواب، فينظرون إلى أبواب من الجنان مفتّحة يخيّل إليهم أنّها إلى جهنم التي فيها يعذّبون، و يقدّرون أنّهم ممكنون أن يتخلّصوا إليها، فيأخذون في السباحة في بحار حميمها و عدوا من بين أيدي زبانيتها و هم يلحقونهم و يضربونهم بأعمدتهم و مرزباتهم و سياطهم، فلا يزالون هكذا يسيرون هناك، و هذه الأصناف من العذاب تمسّهم حتى إذا قدروا أنّهم قد بلغوا تلك الأبواب وجدوها مردومة عنهم، و تدهدههم الزبانية بأعمدتها فتنكّسهم إلى سواء الجحيم، و يستلقي أولئك المؤمنون على فرشهم في مجالسهم يضحكون منهم مستهزءين بهم، فذلك قول اللّه عزّ و جلّ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ، و قوله عزّ و جلّ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ.

 بيان قال الفيروزآبادي الهوج محرّكة طول في حمق و طيش و تسرّع. و الوادع السّاكن الخافض في العيش. و رجل رافه.. أي وادع، و هو في رفاهة من العيش.. أي سعة. و قال الجوهري الإرزبّة بالكسر الّتي يكسر بها المدر، فإن قلتها بالميم خفّفت، قلت المرزبة. و قال سحبت ذيلي فانسحب جررته فانجرّر. و قال التّبحبح التّمكّن في الحلول و المقام. و الرّدم السّدّ. و دهدهت الحجر فتدهده دحرجته فتدحرج.

 93-  شي، ]تفسير العياشي[ عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام، قال سألته عن هذه الآية في قول اللّه تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَ إِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ... إلى قوله الْفاسِقِينَ فأمّا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَ إِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ فإنّ الكفر في الباطن في هذه الآية ولاية الأول و الثاني و هو كفر، و قوله على الإيمان، فالإيمان ولاية عليّ بن أبي طالب عليه السلام. قال وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ.

 94-  شي، ]تفسير العياشي[ عن عجلان، عن أبي عبد اللّه عليه السلام في قول اللّه تعالى وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ... إلى ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ. فقال أبو فلان.

 95-  سر عبد اللّه بن بكير، عن حمزة بن حمران، قال قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام في احتجاج الناس علينا في الغار، فقال عليه السلام حسبك بذلك عارا أو قال شرّا إنّ اللّه لم يذكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله مع المؤمنين إلّا أنزل اللّه السكينة عليهم جميعا، و إنّه أنزل السكينة على رسوله و أخرجه منها و خصّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله دونه.

 96-  سر من كتاب أبي القاسم بن قولويه، عن عيسى بن عبد اللّه الهاشمي، قال خطب الناس عمر بن الخطاب و ذلك قبل أن يتزوّج أمّ كلثوم بيومين، فقال أيّها الناس لا تغالوا بصدقات النساء فإنّه لو كان الفضل فيها لكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يفعل، كان نبيّكم عليه السلام يصدق المرأة من نسائه المحشوة و فراش الليف و الخاتم و القدح و ما أشبهها، ثم نزل عن المنبر، و ما أقام يومين أو ثلاثة حتى أرسل صداق بنت عليّ عليه السلام بأربعين ألفا.

  -97  شي، ]تفسير العياشي[ عن أبي بصير، قال يؤتى بجهنم لها سبعة أبواب، بابها الأول للظالم و هو زريق، و بابها الثاني لحبتر، و الباب الثالث للثالث، و الرابع لمعاوية، و الباب الخامس لعبد الملك، و الباب السادس لعسكر بن هوسر، و الباب السابع لأبي سلامة، فهم أبواب لمن اتّبعهم.

 بيان سيأتي أنّ عسكر اسم جمل عائشة، و يحتمل أن يكون كناية عن بعض ولاة بني أميّة كأبي سلامة، و يحتمل أن يكون أبو سلامة كناية عن أبي مسلم إشارة إلى من سلّطهم من بني العبّاس.

 98-  شي، ]تفسير العياشي[ عن حريز، عمّن ذكره، عن أبي جعفر عليه السلام في قول اللّه وَ قالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ، قال هو الثاني، و ليس في القرآن شي‏ء و )قال الشيطان( إلّا و هو الثاني.

 99-  شي، ]تفسير العياشي[ عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه عليه السلام، أنّه إذا كان يوم القيامة يؤتى بإبليس في سبعين غلّا و سبعين كبلا، فينظر الأول إلى زفر في عشرين و مائة كبل و عشرين و مائة غلّ، فينظر إبليس فيقول من هذا الذي أضعفه اللّه العذاب و أنا أغويت هذا الخلق جميعا. فيقال هذا زفر. فيقول بما جدر له هذا العذاب. فيقال ببغيه على عليّ عليه السلام. فيقول له إبليس ويل لك أو ثبور لك، أ ما علمت أنّ اللّه أمرني بالسجود لآدم فعصيته و سألته أن يجعل لي سلطانا على محمّد و أهل بيته و شيعته فلم يجبني إلى ذلك، و قال إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ و ما عرفتهم حين استثناهم إذ قلت وَ لا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ فمنيت به نفسك غرورا، فيوقف بين يدي الخلائق فيقال له ما الذي كان منك إلى عليّ و إلى الخلق الذين اتّبعوك على الخلاف. فيقول الشيطان و هو زفر لإبليس أنت أمرتني بذلك. فيقول له إبليس فلم عصيت ربّك و أطعتني. فيردّ زفر عليه ما قال اللّه إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَ وَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَ ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ... إلى آخر الآية.

 بيان قوله عليه السلام فيردّ زفر عليه.. ظاهر السياق أن يكون قوله إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ كلام إبليس، فيكون كلام زفر ما ذكر قبل تلك الآية من قوله إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً و ترك اختصارا، و يحتمل أن يكون إشارة إلى ما يجري بين ]فلان[ و بين أتباعه، فيكون المراد بالردّ عليه الردّ على أتباعه، أو يكون )عليهم( فصحّف، و لعلّه سقط من الكلام شي‏ء، و في بعض النسخ لم تكن كلمة )ما( في )ما( قال اللّه، و لعلّه أقرب، و على تقديره يمكن أن يقرأ فيردّ على بناء المجهول و الظرف بدل من زفر، فتكون الجملة بيان للجملة السابقة.

 100-  شي، ]تفسير العياشي[ عن محمد بن مروان، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَ ما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً. قال إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال اللّهمّ أعزّ الدين بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هشام، فأنزل اللّه وَ ما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً يعنيهما.

 101-  شي، ]تفسير العياشي[ عن محمد بن مروان، عن أبي عبد اللّه عليه السلام، قال قلت له جعلت فداك، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أعزّ الإسلام بأبي جهل بن هشام أو بعمر بن الخطاب. فقال يا محمّد قد و اللّه قال ذلك، و كان عليّ أشدّ من ضرب العنق، ثم أقبل عليّ فقال هل تدري ما أنزل اللّه يا محمّد. قلت أنت أعلم جعلت فداك. قال إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كان في دار الأرقم فقال اللّهمّ أعزّ الإسلام بأبي جهل بن هشام أو بعمر بن الخطاب، فأنزل اللّه ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَ ما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً يعنيهما.

 102-  شي، ]تفسير العياشي[ عن عبد اللّه بن عثمان البجلي، عن رجل أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله اجتمعا عنده فتكلّما في عليّ و كان من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أن ليّن لهما في بعض القول، فأنزل اللّه لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَ ضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً ثم لا يجدا بعدك مثل عليّ وليّا.

 بيان قال البيضاوي ضعف الحياة و ضعف الممات.. أي عذاب الدنيا و عذاب الآخرة، ضعف ما يعذّب به في الدارين بمثل هذا العمل غيرك، لأنّ خطأ الخطير أخطر. و قيل الضعف من أسماء العذاب. و قيل المراد بضعف الحياة عذاب الآخرة و بضعف الممات عذاب القبر. انتهى. و في تفسير عليّ بن إبراهيم و ضعف الممات من يوم الموت إلى أن تقوم الساعة. و لعلّ قوله ثم لا يجدا بعدك.. من تتمّة الآية في قراءة أهل البيت عليهم السلام.

 103-  جا عمر بن محمد، عن جعفر بن محمد الحسني، عن عيسى ابن مهران، عن مخول، عن الربيع بن المنذر، عن أبيه، قال سمعت الحسن ابن عليّ عليهما السلام يقول إنّ أبا بكر و عمر عمدا إلى هذا الأمر و هو لنا كلّه فأخذاه دوننا، و جعلا لنا فيه سهما كسهم الجدّ، أما و اللّه لتهمّنّهما أنفسهما يوم يطلب الناس فيه شفاعتنا.

 بيان التشبيه بسهم الجدّ إمّا من جهة القلّة، أو عدم اللزوم مع وجود الوالدين، أو إشارة إلى الشورى، فإنّ عمر جعل أمير المؤمنين عليه السلام أحد الستة و سهم الجدّ السدس.

 104-  قب حدّث أبو عبد اللّه محمد بن أحمد الديلميّ البصريّ، عن محمد بن أبي كثير الكوفي، قال كنت لا أختم صلاتي و لا أستفتحها إلّا بلعنهما، فرأيت في منامي طائرا معه تور من الجوهر فيه شي‏ء أحمر شبه الخلوق، فنزل إلى البيت المحيط برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، ثم أخرج شخصين من الضريح فخلقهما بذلك الخلوق في عوارضهما، ثم ردّهما إلى الضريح و عاد مرتفعا، فسألت من حولي من هذا الطائر و ما هذا الخلوق. فقال هذا ملك يجي‏ء في كلّ ليلة جمعة يخلقهما، فأزعجني ما رأيت فأصبحت لا تطيب نفسي بلعنهما، فدخلت على الصادق عليه السلام، فلمّا رآني ضحك و قال رأيت الطائر. فقلت نعم يا سيدي. فقال اقرأ إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فإذا رأيت شيئا تكره فاقرأها، و اللّه ما هو بملك موكّل بهما لإكرامهما، بل هو ملك موكّل بمشارق الأرض و مغاربها، إذا قتل قتيل ظلما أخذ من دمه فطوّقهما به في رقابهما، لأنّهما سبب كلّ ظلم مذ كانا.

 بيان التّور إناء يشرب فيه.

 105-  كش العياشي، عن جعفر بن أحمد، عن حمدان بن سليمان و العمركي، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن الحجّال، عن علي بن عقبة، عن رجل، عن أبي عبد اللّه عليه السلام، قال كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و عليّ و عمّار يعملون مسجدا، فمرّ عثمان في بزّة له يخطر، فقال أمير المؤمنين عليه السلام أرجز به. فقال عمار

لا يستوي من يعمر المساجدا يظلّ فيها راكعا و ساجداو من تراه عاندا معاندا عن الغبار لا يزال حائدا

قال فأتى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، فقال ما أسلمنا لتشتم أعراضنا و أنفسنا. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أ فتحبّ أن تقال بذلك، فنزلت آيتان يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا... الآية، ثم قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لعليّ عليه السلام اكتب هذا في صاحبك، ثم قال النبي صلّى اللّه عليه و آله اكتب هذه الآية إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ....

 بيان البزّة بالكسر الهيئة، و البزّة أيضا السّلاح، ذكره الجوهري، و قال خطران الرّجل.. اهتزازه في المشي و تبختره. قوله صلّى اللّه عليه و آله أن تقال بذلك.. أي أقيل إسلامك و أرجع عن بيعتك بذلك الأمر الذي وقع، فهو إمّا على الاستفهام الإنكاري، أو لأنّه كان يعلم من باطنه أنّه لم يؤمن.

 106-  كش جعفر بن معروف، قال حدّثنا الحسن بن علي بن نعمان، عن أبيه، عن صالح الحذّاء، قال لمّا أمر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ببناء المسجد قسّم عليهم المواضع، و ضمّ إلى كلّ رجل رجلا، فضمّ عمّارا إلى عليّ عليه السلام، قال فبينا هم في علاج البناء إذ خرج عثمان عن داره و ارتفع الغبار فتمنّع بثوبه و أعرض بوجهه، قال فقال عليّ عليه السلام لعمّار إذا قلت شيئا فردّ عليّ، قال فقال عليّ عليه السلام

لا يستوي من يعمر المساجدا يظلّ فيها راكعا و ساجداكمن ترى عن الطريق حائدا و عائدا

قال فأجابه عمّار كما قال، فغضب عثمان من ذلك فلم يستطع أن يقول لعليّ شيئا، فقال لعمّار يا عبد يا لكع و مضى، فقال عليّ عليه السلام لعمّار رضيت بما قال. أ لا تأتي النبيّ صلّى اللّه صلى الله عليه و آله فتخبره. قال فأتاه فأخبره، فقال يا نبيّ اللّه )ص( إنّ عثمان قال لي يا لكع. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من يعلم ذلك. قال عليّ. قال فدعاه و سأله، فقال له كما قال عمّار، فقال لعليّ عليه السلام اذهب فقل له حيث ما كان يا عبد يا لكع أنت القائل لعمّار يا عبد يا لكع، فذهب عليّ عليه السلام فقال له ذلك فانصرف.

 بيان فتمنّع.. أي امتنع من الغبار، و في بعض النسخ بالياء المثناة التحتانية أي جرى على الأرض و مضى، و الأول أظهر. و اللّكع بضم اللام و فتح الكاف اللّئيم و الذّليل النفس.

 107-  كش حمدويه و إبراهيم معا، عن محمد بن عبد الحميد، عن أبي جميلة، عن الحارث بن المغيرة، عن الورد بن زيد، قال قلت لأبي جعفر عليه السلام جعلني اللّه فداك قدم الكميت. فقال أدخله. فسأله الكميت عن الشيخين، فقال له أبو جعفر عليه السلام ما أهريق دم و لا حكم بحكم غير موافق لحكم اللّه و حكم رسوله صلّى اللّه عليه و آله و حكم عليّ عليه السلام إلّا و هو في أعناقهما. فقال الكميت اللّه أكبر اللّه أكبر حسبي حسبي.

 108-  كا حميد بن زياد، عن أبي العباس عبيد اللّه بن أحمد الدهقان، عن علي بن الحسن الطاطري، عن محمد بن زياد، عن أبان، عن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر عليه السلام، قال إنّ عثمان قال للمقداد أما و اللّه لتنتهين أو لأردّنّك إلى ربّك الأول، قال فلمّا حضرت مقداد الوفاة قال لعمار أبلغ عثمان عنّي أنّي قد رددت إلى ربّي الأول.

 بيان ]لعله[ أراد بالربّ الأول الصنم أو المالك، و أراد مقداد رضي اللّه عنه به الربّ تعالى.

  -109  كتاب سليم بن قيس عن أبان بن أبي عياش، عن سليم، قال سمعت سلمان الفارسي يقول إذا كان يوم القيامة يؤتى بإبليس مزموما بزمام من نار، و يؤتى بزفر مزموما بزمامين من نار، فينطلق إليه إبليس فيصرخ و يقول ثكلتك أمّك، من أنت أنا الذي فتنت الأولين و الآخرين و أنا مزموم بزمام واحد و أنت مزموم بزمامين. فيقول أنا الذي أمرت فأطعت و أمر اللّه فعصي.

 110-  كش محمد بن مسعود، عن علي بن الحسن بن فضال، عن العباس بن عامر و جعفر بن محمد بن حكيم، عن أبان بن عثمان الأحمر، عن أبي بصير، قال كنت جالسا عند أبي عبد اللّه عليه السلام إذ جاءت أمّ خالد التي كان قطعها يوسف يستأذن عليه، قال فقال أبو عبد اللّه عليه السلام أ يسرّك أن تشهد كلامها. قال فقلت نعم، جعلت فداك. فقال إمّا لا فأدن. قال فأجلسني على عقبة الطنفسة ثم دخلت فتكلّمت، فإذا هي امرأة بليغة، فسألته عن فلان و فلان، فقال لها تولّيهما. فقالت فأقول لربّي إذا لقيته إنّك أمرتني بولايتهما. قال نعم. قالت فإنّ هذا الذي معك على الطنفسة يأمرني بالبراءة منهما، و كثير النواء يأمرني بولايتهما، فأيّهما أحبّ إليك. قال هذا و اللّه و أصحابه أحبّ إليّ من كثير النواء و أصحابه، إنّ هذا يخاصم فيقول مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ. فلمّا خرجت، قال إنّي خشيت أن تذهب فتخبر كثير النواء فتشهرني بالكوفة، اللّهمّ إنّي إليك من كثير النواء بري‏ء في الدنيا و الآخرة.

 بيان قوله عليه السلام إمّا لا.. لعلّه على الاكتفاء ببعض الكلام لظهور المراد، أي إمّا إذا كان لا بدّ من سماعك فأدن. و في بعض النسخ إمّا الآن فأدن. و في روضة الكافي قال فأذن لها، و أجلسني. و في القاموس الطنفسة مثلثة الطاء و الفاء و بكسر الطاء و فتح الفاء و بالعكس واحدة الطّنافس للبسط و الثّياب و كحصير من سعف عرضه ذراع. قوله عليه السلام إنّ هذا يخاصم.. أي أبو بصير يخاصم في شأن كثير و ذمّه أو الرجلين و كفرهما بالآيات المذكورة، فأبهم عليه السلام تقيّة مع أنّه لو كان المراد به كثيرا لدلّ على كفرهما بل كفر جميع خلفاء الجور لاشتراك الدليل، فبيّن عليه السلام الحقّ مع نوع من التقيّة. أقول

 قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة، نقلت من كتاب تاريخ بغداد لأبي أحمد بن أبي طاهر، بسنده عن ابن عباس، قال دخلت على عمر بن الخطاب في أوّل خلافته و قد ألقي له صاع من تمر على حصفة فدعاني للأكل، فأكلت تمرة واحدة، و أقبل يأكل حتى أتى عليه، ثم شرب من جرّ كان عنده و استلقى على مرفقة له، و طفق يحمد اللّه يكرّر ذلك، ثم قال من أين جئت يا عبد اللّه. قلت من المسجد. قال كيف خلّفت بني عمّك. فظننته يعني عبد اللّه بن جعفر، فقلت خلّفته يلعب مع أترابه. قال لم أعن ذا، و إنّما عنيت عظيمكم أهل البيت. قلت خلّفته يمتح بالغرب على نخلات له و هو يقرأ القرآن. فقال يا عبد اللّه عليك دماء البدن إن كتمتنيها، أ بقي في نفسه شي‏ء من أمر الخلافة. قلت نعم. قال أ يزعم أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله جعلها له قلت نعم، و أزيدك، سألت أبي عمّا يدّعيه، فقال صدق، قال عمر لقد كان عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في أمره ذرو من قول لا يثبت حجّة و لا يقطع عذرا، و قد كان يزيغ في أمره وقتا ما، و لقد أراد في مرضه أن يصرّح باسمه فمنعت من ذلك إشفاقا و حفظة على الإسلام، لا و ربّ هذه البنية لا تجتمع عليه قريش أبدا، و لو وليها لانتقضت عليه العرب من أقطارها، فعلم رسول اللّه )ص( أنّي علمت ما في نفسه فأمسك، و أبى اللّه إلّا إمضاء ما حتم.

توضيح قال الجوهري الماتح المستسقي،.. يقال متح الماء يمتحه متحا.. إذا نزعه، المتح أن يدخل البئر فيملأ لقلّة مائها. و الغرب بالفتح الدّلو العظيمة. و قال في النهاية فيه بلغني عن عليّ ذروة من قول.. الذّرو من الحديث ما ارتفع إليك و ترامى من حواشيه و أطرافه، من قولهم ذرأ إليّ فلان.. أي ارتفع و قصد.

 111-  كنز روي عن محمد بن إسماعيل بإسناده عن جعفر بن الطيّار، عن أبي الخطاب، عن أبي عبد اللّه عليه السلام أنّه قال و اللّه ما كنى اللّه في كتابه حتى قال يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا و إنّما هي في مصحف فاطمة يا ويلتي ليتني لم أتّخذ الثاني خليلا. و سيظهر يوما، فمعنى هذا التأويل أنّ الظالم العاضّ على يديه الأول، و الحال بيّن لا يحتاج إلى بيان.

 112-  و يؤيّده ما رواه محمد بن جمهور، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن رجل، عن أبي جعفر عليه السلام، أنّه قال يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا قال يقول الأوّل للثاني.

  -113  كتاب الإستدراك بإسناده، أنّ المتوكّل قيل له إنّ أبا الحسن يعني عليّ بن محمد بن عليّ الرضا يفسّر قول اللّه عزّ و جلّ وَ يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ... الآيتين، في الأول و الثاني. قال فكيف الوجه في أمره. قالوا تجمع له الناس و تسأله بحضرتهم، فإن فسّرها بهذا كفاك الحاضرون أمره، و إن فسّرها بخلاف ذلك افتضح عند أصحابه، قال فوجّه إلى القضاة و بني هاشم و الأولياء، و سئل عليه السلام، فقال هذان رجلان كنى اللّه عنهما و منّ بالستر عليهما، أ فيحبّ أمير المؤمنين أن يكشف ما ستره اللّه. فقال لا أحبّ.

أقول

 114-  رأيت في بعض كتب المناقب، عن المفضّل، قال الصادق عليه السلام إنّ أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه بلغه عن بعض شي‏ء، فأرسل إليه سلمان الفارسي فقال إنّه بلغني عنك كيت و كيت و كرهت أن أفضحك، و جعلت كفّارة ذلك فكّ رقبتك من المال الذي حمل إليك من خراسان الذي خنت فيه اللّه و المؤمنين. قال سلمان فلمّا قلت ذلك له تغيّر وجهه و ارتعدت فرائصه و أسقط في يديه، ثم قال بلسان كليل يا أبا عبد اللّه أمّا الكلام فلعمري قد جرى بيني و بين أهلي و ولدي و ما كانوا بالذي يفشون علي، فمن أين علم ابن أبي طالب و أمّا المال الذي ورد علي فو اللّه ما علم به إلّا الرسول الذي أتى به، و إنّما هو هدية، فمن أين علم يا أبا عبد اللّه و اللّه ثم و اللّه.. ثلاثا إنّ ابن أبي طالب ساحر عليم. قال سلمان قلت بئس ما قلت يا عبد اللّه. فقال ويحك اقبل منّي ما أقوله فو اللّه ما علم أحد بهذا الكلام و لا أحد عرف خبر هذا المال غيري، فمن أين علم و ما علم هو إلّا من السحر، و قد ظهر لي من سحره غير هذا. قال سلمان فتجاهلت عليه، فقلت باللّه ظهر لك منه غير هذا. قال إي و اللّه يا أبا عبد اللّه. قلت فأخبرني ببعضه. قال إذا و اللّه أصدقك و لا أحرّف قليلا و لا كثيرا ممّا رأيته منه، لأنّي أحبّ أن أطلعك على سحر صاحبك حتى تجتنبه و تفارقه، فو اللّه ما في شرقها و غربها أحد أسحر منه، ثم احمرّت عيناه و قام و قعد، و قال يا أبا عبد اللّه إنّي لمشفق عليك و محبّ لك، على أنّك قد اعتزلتنا و لزمت ابن أبي طالب، فلو ملت إلينا و كنت في جماعتنا لآثرناك و شاركناك في هذه الأموال، فاحذر ابن أبي طالب و لا يغرنّك ما ترى من سحره فقلت فأخبرني ببعضه. قال نعم، خلوت ذات يوم أنا و ابن أبي طالب )ع( في شي‏ء من أمر الخمس، فقطع حديثي و قال لي مكانك حتى أعود إليك، فقد عرضت لي حاجة، فخرج، فما كان بأسرع أن انصرف و على عمامته و ثيابه غبار كثيرة، فقلت ما شأنك يا أمير المؤمنين. قال أقبلت على عساكر من الملائكة و فيهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يريدون بالمشرق مدينة يقال لها صحور، فخرجت لأسلّم عليه، فهذه الغبرة من ذلك، فضحكت تعجّبا من قوله، و قلت يا أبا الحسن رجل قد بلي في قبره و أنت تزعم أنّك لقيته الساعة و سلّمت عليه، هذا ما لا يكون أبدا. فغضب من قولي، ثم نظر إليّ فقال أ تكذّبني. قلت لا تغضب فإنّ هذا ما لا يكون. قال فإن عرضته عليك حتى لا تنكر منه شيئا تحدث للّه توبة ممّا أنت عليه. قلت لعمر اللّه. فأعرضه علي، فقال قم، فخرجت معه إلى طرف المدينة، فقال لي يا شاكّ غمّض عينيك، فغمّضتها فمسحهما ثم قال يا غافل افتحهما، ففتحتهما فإذا أنا و اللّه يا أبا عبد اللّه برسول

 اللّه )ص( مع الملائكة لم أنكر منه شيئا، فبقيت و اللّه متعجّبا أنظر في وجهه، فلمّا أطلت النظر إليه فعضّ الأنامل بالأسنان و قال لي يا فلان بن فلان أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا، قال فسقطت مغشيّا على الأرض، فلمّا أفقت قال لي هل رأيته و سمعت كلامه. قلت نعم. قال انظر إلى النبيّ )ص(، فنظرت فإذا لا عين و لا أثر و لا خبر من الرسول صلّى اللّه عليه و آله و لا من تلك الخيول. فقال لي يا مسكين فأحدث توبة من ساعتك هذه. فاستقرّ عندي في ذلك اليوم أنّه أسحر أهل الأرض، و باللّه لقد خفته في ذلك اليوم و هالني أمره، و لو لا أنّي وقفت يا سلمان على أنّك تفارقه ما أخبرتك، فاكتم هذا و كن معنا لتكون منّا و إلينا حتّى أولّيك المدائن و فارس، فصر إليهما و لا تخبر ابن أبي طالب )ع( بشي‏ء ممّا جرى بيننا، فإنّي لا آمنه أن يفعل لي من كيده شيئا. قال فضحكت و قلت إنّك لتخافه. قال إي و اللّه خوفا لا أخاف شيئا مثله. قال سلمان فنشطت متجاهلا بما حدّثني و قلت يا عبد اللّه أخبرني عن غيره فو اللّه إنّك أخبرتني عن أعجوبة. قال إذا أخبرك بأعجب من هذا ممّا عاينته أنا بعيني. قلت فأخبرني. قال نعم، إنّه أتاني يوما مغضبا و في يده قوسه فقال لي يا فلان عليك بشيعتك الطغاة و لا تتعرّض لشيعتي، فإنّي خليق أن أنكّل بك. فغضبت أنا أيضا و لم أكن وقفت على سحره قبل ذلك، فقلت يا ابن أبي طالب مه، ما هذا الغضب و السلطنة. أ تعرفني حقّ المعرفة. قال نعم، فو اللّه لأعرفنّ قدرك، ثم رمى بقوسه الأرض، و قال خذيه، فصارت ثعبانا عظيما مثل ثعبان موسى بن عمران ففغر فاه فأقبل نحوي ليبلعني، فلمّا رأيت ذلك طار روحي فرقا و خوفا و صحت و قلت اللّه اللّه الأمان الأمان يا أمير المؤمنين، اذكر ما كان في خلافة الأول منّي حين وثب إليك، و بعد فاذكر ما كان منّي إلى خالد بن الوليد الفاسق ابن الفاسق حين أمره الخليفة بقتلك، و باللّه ما شاورني في ذلك فكان منّي ما كان حتى شكاني و وقع بيننا العداوة، و اذكر يا أمير المؤمنين ما كان منّي في مقامي حين قلت إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه، فارتاب الناس و صاحوا و قالوا طعن على صاحبه، قد عرفت هذا كلّه، و باللّه إنّ شيعتك يؤذونني و يشنّعون عليّ، و لو لا مكانك يا أمير المؤمنين لكنت نكلت بهم، و أنت تعلم أنّي لم أتعرّض لهم من أجلك و كرامتك، فاكفف عنّي هذا الثعبان فإنّه يبلعني. فلما سمع هذا المقال منّي قال أيّها المسكين لطفت في الكلام، و إنّا أهل بيت نشكر القليل، ثم ضرب بيده إلى الثعبان و قال ما تقول. قلت الأمان الأمان قد علمت أنّي لم أقل إلّا حقّا، فإذا قوسه في يده و ليس هناك ثعبان و لا شي‏ء، فلم أزل أحذره و أخافه إلى يومي هذا. قال سلمان فضحكت و قلت و اللّه ما سمعت بمثل هذه الأعجوبات. قال يا أبا عبد اللّه هذا ما رأيته أنا بعيني هاتين، و لو لا أنّي قد رفعت الحشمة فيما بيني و بينك ما كنت بالذي أخبرك بهذا. قال سلمان فتجاهلت عليه، فقلت هل رأيت منه سحرا غير ما أخبرتني به. قال نعم، لو حدّثتك لبقيت منه متحيّرا، و لا تقل يا أبا عبد اللّه إنّ هذا السحر هو الذي أظهره، لا و اللّه و لكن هو وراثة يرثونها. قلت كيف. قال أخبرني أبي أنّه رأى من أبيه أبي طالب و من عبد اللّه سحرا لم يسمع بمثله، و ذكر أبي أنّ أباه نفيلا أخبره أنّه رأى من عبد المطلب سحرا لم يسمع بمثله. قال سلمان فقلت حدّثني بما أخبرك به أبوك. قال نعم، أخبرني أبي أنّه خرج مع أبي طالب )ع( في سفر يريدون الشام

 مع تجار قريش تخرج من السنة إلى السنة مرّة واحدة فيجمعون أموالا كثيرة، و لم يكن في العرب أتجر من قريش، فلمّا كانوا ببعض الطرق إذا قوم من الأعراب قطّاع شاكون في السلاح لا يرى منهم إلّا الحدق، فلمّا ظهروا لنا هالنا أمرهم و فزعنا و وقع الصياح في القافلة، و اشتغل كلّ إنسان بنفسه يريد أن ينجو بنفسه فقط، و دهمنا أمر جليل، و اجتمعنا و عزمنا على الهرب، فمررنا بأبي طالب و هو جالس، فقلنا يا أبا طالب ما لك أ لا ترى ما قد دهمنا فانج بنفسك معنا. فقال إلى أين نهرب في هذه البراري. قلنا فما الحيلة. قال الحيلة أن ندخل هذه الجزيرة فنقيم فيها و نجمع أمتعتنا و دوابّنا و أموالنا فيها. قال فبقينا متعجّبين، و قلنا لعلّه جنّ و فزع ممّا نزل به، فقلنا ويحك و لنا هنا جزيرة قال نعم. قلنا أين هي. قال انظروا أمامكم. قال فنظرنا إذا و اللّه جزيرة عظيمة لم ير الناس أعظم منها و لا أحصن منها، فارتحلنا و حملنا أمتعتنا، فلمّا قربنا منها إذا بيننا و بينها واد عظيم من ماء لا يمكن أحدا أن يسلكه، فقال ويحكم أ لا ترون هذا الطريق اليابس الذي في وسطه قلنا لا. قال فانظروا أمامكم و عن يمينكم، فنظرنا فإذا و اللّه طريق يابس سهل المسلك ففرحنا، و قلنا لقد منّ اللّه علينا بأبي طالب، فسلك و سلكنا خلفه حتّى دخلنا الجزيرة فحططنا، فقام أبو طالب فخطّ خطّا على جميع القافلة، ثم قال يا قوم أبشروا فإن القوم لن يصلوا إليكم و لا أحد منهم بسوء. قال و أقبلت الأعراب يتراكضون خلفنا، فلمّا انتهوا إلى الوادي إذا بحر عظيم قد حال بينهم و بيننا فبقوا متعجّبين، فنظر بعضهم إلى بعض، و قالوا يا قوم هل رأيتم قطّ هاهنا جزيرة أو بحرا. قالوا لا. فلما كثر تعجّبهم قال شيخ منهم قد مرّت عليه التجارب يا قوم أنا أطلعكم على بيان هذا الأمر الساعة. قالوا هات يا شيخ فإنّك أقدمنا و أكبرنا سنّا و أكثرنا تجاربا. قال نادوا القوم، فنادوهم، فقالوا ما تريدون. قال الشيخ قولوا لهم أ فيكم أحد من ولد عبد المطلب فنادوهم، فقالوا نعم، فينا أبو طالب بن عبد المطلب. قال الشيخ يا قوم، قالوا لبيك. قال لا يمكننا أن نصل إليهم بسوء أصلا، فانصرفوا و لا تشتغلوا بهم، فو اللّه ما في أيديكم منهم قليل و لا كثير، فقالوا قد خرفت أيّها الشيخ، أ تنصرف عنهم و تترك هذه الأموال الكثيرة و الأمتعة النفيسة معهم، لا و اللّه و لكن نحاصرهم أو يخرجون إلينا فنسلبهم. قال الشيخ قد نَصَحْتُ لَكُمْ وَ لكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ، فاتركوا نصحكم و ذروا. قالوا اسكت يا جاهل فحطّوا رواحلهم ليحاصروهم فلمّا حطّوا أبصر بعضهم بالطريق اليابس، فصاح يا قوم هاهنا طريق يابس، فأبصر القوم كلّهم الطريق اليابس، و فرحوا و قالوا نستريح ساعة و نعلف دوابّنا ثم نرتحل إليهم فإنّهم لا يمكنهم أن يتخلّصوا، ففعلوا، فلمّا أرادوا الارتحال تقدّمت طائفة منهم إلى الطريق اليابس فلمّا توسّطوا غرقوا و بقي الآخرون ينظرون إليهم فأمسكوا و ندموا فاجتمعوا إلى الشيخ، و قالوا ويحك يا شيخ أ لا أخبرتنا أمر هذا الطريق فإنّه قد أغرق فيه خلق كثير. قال الشيخ قد أخبرتكم و نصحت لكم فخالفتموني و عصيتم أمري حتّى هلك منكم من هلك. قالوا له و من أين علمت ذاك يا شيخ. قال ويحكم إنّا خرجنا مرّة قبل هذا نريد الغارة على تجارة قريش، فوقعنا على القافلة فإذا فيها من الأموال و الأمتعة ما لا يحصى كثرة، فقلنا قد جاء الغنى آخر الأبد، فلمّا أحسّوا بنا و لم يكن بيننا و بينهم إلّا قدر ميل قام رجل من ولد عبد المطلب يقال له عبد اللّه، فقال يا أهل القافلة ما ترون. قالوا ما ترى، قد دهمنا هذا الخيل الكثير، فسلوهم أن يأخذوا منّا أموالنا و يخلّوا سربنا فإنّا إن نجونا بأنفسنا فقد فزنا. فقال عبد اللّه قوموا و ارتحلوا فلا بأس عليكم. فقلنا ويحك و قد قرب القوم و إن ارتحلنا وضعوا علينا السيوف. فقال ويحكم إنّا لنا ربّا يمنعنا منهم،

 و هو ربّ البيت الحرام و الركن و المقام، و ما استجرنا به قطّ إلّا أجارنا، فقوموا و بادروا. قال فقام القوم و ارتحلوا، فجعلوا يسيرون سيرا رويدا، و نحن نتبعهم بالركض الحثيث و السير الشديد فلا نلحقهم، و كثر تعجّبنا من ذلك، و نظر بعضنا إلى بعض و قلنا يا قوم هل رأيتم أعجب من هذا إنّهم يسيرون سيرا رويدا و نحن نتراكض فلا يمكننا أن نلحقهم، فما زال ذلك دأبنا و دأبهم ثلاثة أيّام و لياليها، كلّ يوم يخطّون فيقوم عبد اللّه فيخطّ خطّا حول القافلة و يقول لأصحابه لا تخرجوا من الخطّ فإنّهم لا يصلون إليكم فننتهي إلى الخطّ فلا يمكننا أن نتجاوزه، فلمّا كان بعد ثلاثة أيّام كلّ يوم يسيرون سيرا رويدا و نحن نتراكض أشرفنا على هلاك أنفسنا و عطبت دوابّنا و بقينا لا حركة بنا و لا نهوض، فقلنا يا قوم هذا و اللّه العطب و الهلاك، فما ترون. قالوا الرأي الانصراف عنهم، فإنّهم قوم سحرة. فقال بعضهم لبعض إن كانوا سحرة فالرأي أن نغيب عن أبصارهم و نوهمهم أنّا قد انصرفنا عنهم، فإذا ارتحلوا كرّرنا عليهم كرّة و هجمنا عليهم في مضيق. قالوا نعم الرأي هذا، فانصرفنا عنهم و أوهمناهم أنّا قد يئسنا، فلمّا كان من الغد ارتحلوا و مضوا فتركناهم حتى استبطنوا واديا فقمنا فأسرجنا و ركبنا حتّى لحقناهم، فلما أحسّوا بنا فزعوا إلى عبد اللّه بن عبد المطلب، و قالوا قد لحقونا. فقال لا بأس عليكم، امضوا رويدا. قال فجعلوا يسيرون سيرا رويدا، و نحن نتراكض و نقتل أنفسنا و دوابّنا حتى أشرفنا على الموت مع دوابّنا، فلمّا كان في آخر النهار قال عبد اللّه لأصحابه حطّوا رواحلكم، و قام فخطّ خطّا و قال لا تخرجوا من الخطّ فإنّهم لن يصلوا إليكم بمكروه، فانتهينا إلى الخطّ فو اللّه ما أمكننا أن نتجاوزه، فقال بعضنا لبعض و اللّه ما بقي إلّا الهلاك أو الانصراف عنهم على أن لا نعود إليهم. قال فانصرفنا عنهم فقد عطبت دوابّنا و هلكت، و كانت سفرة مشومة علينا، فلمّا سمعوا ذلك من الشيخ قالوا أ لا أخبرتنا بهذا الحديث فكنّا ننصرف عنهم و لم يغرق منّا من غرق. قال الشيخ قد أخبرتكم و نصحت لكم، و قلت لكم انصرفوا عنهم فليس لكم الوصول إليهم، و فيهم رجل من ولد عبد المطلب، و قلتم إنّي قد خرفت و ذهب عقلي، فلمّا سمع أبي هذا الكلام من الشيخ و هو يحدّث أصحابه على رأس الخطّة نظر إلى أبي طالب فقال ويحك أ ما تسمع ما يقول الشيخ. قال بلى يا خطّاب أنا و اللّه في ذلك اليوم مع عبد اللّه في القافلة و أنا غلام صغير، و كان هذا الشيخ على قعود له، و كان شائكا لا يرى منه إلّا حدقته، و كانت له جمّة قد أرخاها عن يمينه و شماله. فقال الشيخ صدق و اللّه كنت يومئذ على قعود عليّ ذؤابتان قد أرسلتهما عن يميني و شمالي. قال الخطّاب فانصرفوا عنّا. فقال أبو طالب ارتحلوا. فارتحلنا، فإذا لا جزيرة و لا بحر و لا ماء، و إذا نحن على الجادّة و الطريق الذي لم نزل نسلكه فسرنا و تخلّصنا بسحر أبي طالب حتّى وردنا الشام فرحين مستبشرين، و حلف الخطّاب أنّه مرّ بعد بذلك الموضع بعينه أكثر من عشرين مرّة إلى الشام فلم ير جزيرة و لا بحرا و لا ماء، و حلفت قريش على ذلك، فهل هذا يا سلمان إلّا سحر مستمر. قال سلمان قلت و اللّه ما أدري ما أقول لك إلّا أنّك تورد عليّ عجائب من أمر بني هاشم. قال نعم، يا أبا عبد اللّه هم أهل بيت يتوارثون السحر كابرا عن كابر. قال سلمان فقلت و أنا أريد أن أقطع الحديث ما أرى أنّ هذا سحر. قال سبحان اللّه يا أبا عبد اللّه ترى كذب الخطّاب و أصحابه، أ تراك ما حدّثتك به ممّا عايتنه أنا بعيني كذب. قال سلمان فضحكت، فقلت ويلك إنّك لم تكذب و لا كذب الخطّاب

 و أصحابه، و هذا كلّه صدق و حقّ. فقال و اللّه لا تفلح أبدا، و كيف تفلح و قد سحرك ابن أبي طالب. قلت فاترك هذا.. ما تقول في فكّ الرقبة و المال الذي وافاك من خراسان. قال ويحك يمكنني أن أعصي هذا الساحر في شي‏ء يأمرني به نعم أفكّها على رغم منّي و أوجّه بالمال إليه. قال سلمان فانصرفت من عنده، فلمّا بصر بي أمير المؤمنين عليه السلام قال يا سلمان طال حديثكما. قلت يا أمير المؤمنين حدّثني بالعجائب من أمر الخطّاب و أبي طالب. قال نعم يا سلمان قد علمت ذلك و سمعت جميع ما جرى بينكما، و ما قال لك أيضا إنّك لا تفلح. قال سلمان و اللّه الذي لا إله إلّا هو ما حضر الكلام غيري و غيره، فأخبرني مولاي أمير المؤمنين عليه السلام بجميع ما جرى بيني و بينه. ثم قال يا سلمان عد إليه فخذ منه المال و أحضر فقراء المهاجرين و الأنصار في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و فرّقه إليهم.

 بيان القعود بالفتح من البعير الّذي يقتعده الرّاعي في كلّ حاجة، و هذا الخبر و إن كان غريبا غير مذكور في الكتب المعتبرة، لكن لمّا وجدناه في أصل عتيق أخرجناه.

 115-  كنز روي عن محمد بن جمهور، عن فضالة، عن أيّوب، عن عبد الرحمن، عن ميسر، عن بعض آل محمّد صلوات اللّه عليهم في قوله وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَ نَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ، قال هو الأول. و قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَ لكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ، قال هو زفر، و هذه الآيات إلى قوله يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ فيهما و في أتباعهما، و كانوا أحقّ بها و أهلها.

 116-  كنز روى بحذف الإسناد مرفوعا إلى أبي حمزة الثمالي، قال قلت لمولاي عليّ بن الحسين عليهما السلام أسألك عن شي‏ء تنفي به عنّي ما خامر نفسي. قال ذاك إليك. قلت أسألك عن الأول و الثاني. فقال عليهما لعائن اللّه، كلاهما مضيا و اللّه مشركين كافرين باللّه العظيم. قلت يا مولاي و الأئمّة منكم يحيون الموتى و يبرءون الأكمه و الأبرص و يمشون على الماء. فقال عليه السلام ما أعطى اللّه نبيّا شيئا إلّا أعطى محمّدا صلّى اللّه عليه و آله مثله، و أعطاه ما لم يعطهم و ما لم يكن عندهم، و كلّ ما كان عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقد أعطاه أمير المؤمنين عليه السلام ثم الحسن ثم الحسين عليهما السلام ثم إماما بعد إمام إلى يوم القيامة، مع الزيادة التي تحدث في كلّ سنة، و في كلّ شهر، و في كلّ يوم.

  -117  كنز محمد بن العباس، عن جعفر بن محمد بن مالك، عن الحسن بن علي بن مهران، عن سعيد بن عثمان، عن داود الرقّي، قال سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن قوله تعالى الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ بِحُسْبانٍ. قال إنّ الشمس و القمر آيتان من آيات اللّه يجريان بأمره، ثم إنّ اللّه ضرب ذلك مثلا لمن وثب علينا و هتك حرمتنا و ظلمنا حقّنا، فقال هما بحسبان، قال هما في عذابي.

 إيضاح بحسبان.. قال المفسّرون أي يجريان بحساب مقدّر معلوم في بروجهما و منازلهما. و قال في القاموس الحسبان بالضم جمع الحساب و العذاب و البلاء و الشّرّ، فالتعبير عنهما بالشمس و القمر على زعم أتباعهما أو على التهكّم.

 118-  و يؤيّده ما رواه علي بن إبراهيم في تفسيره، عن أبيه، عن الحسين ابن خالد، عن الرضا عليه السلام في قوله تعالى الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ قال اللّه علّم محمّدا القرآن. قلت خَلَقَ الْإِنْسانَ. قال ذلك أمير المؤمنين عليه السلام. قلت عَلَّمَهُ الْبَيانَ. قال علّمه بيان كلّ شي‏ء يحتاج الناس إليه. قلت الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ بِحُسْبانٍ. قال هما بعذاب اللّه. قلت الشمس و القمر يعذّبان. قال سألت عن شي‏ء فأيقنه، إنّ الشمس و القمر آيتان من آيات اللّه يجريان بأمره مطيعان له، ضوؤهما من نور عرشه و حرّهما من جهنّم، فإذا كانت القيامة عادا إلى العرش نورهما و عاد إلى النار حرّهما، فلا يكون شمس و لا قمر، و إنّما عناهما، أ و ليس قد روى الناس أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال إنّ الشمس و القمر نوران في النار. قلت بلى. قال أ ما سمعت قول الناس.. فلان و فلان شمس هذه الأمّة و نورها فهما في النار. قلت بلى. قال و اللّه ما عنى غيرهما.. إلى آخر الخبر كما سيأتي.

 119-  كنز في رواية محمد بن علي بن الحكم، عن ابن عميرة، عن ابن فرقد، عن أبي عبد اللّه عليه السلام في قوله تعالى وَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ... الآية. فقال هذا مثل ضربه اللّه لرقيّة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله التي تزوّجها عثمان بن عفّان. قال و قوله وَ نَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَ عَمَلِهِ. يعني من الثالث و عمله. و قوله وَ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. يعني بني أميّة.

 120-  كنز روي عن محمد بن جمهور، عن حمّاد بن عيسى، عن الحسين بن مختار، عنهم عليهم السلام في قوله تعالى وَ لا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ، الثاني. هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ، قال العتل الكافر العظيم الكفر، و الزنيم ولد الزنا.

 121-  كنز محمد بن البرقي، عن الأحمسي، عن أبي عبد اللّه عليه السلام.. مثله، إلّا أنّه زاد فيه و كان أمير المؤمنين عليه السلام يقرأ فَسَتُبْصِرُ وَ يُبْصِرُونَ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ، فلقيه الثاني، فقال له تعرّض بي و بصاحبي. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام و لم يعتذر إليه أ لا أخبرك بما نزل في بني أميّة نزل فيهم فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ... الآية، قال فكذّبه، و قال هم خير منكم، و أوصل للرحم.

 122-  كنز محمد بن العباس، عن الحسن بن أحمد المالكي، عن محمد ابن عيسى، عن يونس بن عبد الرحمن، عن عبد اللّه بن سنان، عن الحسين الجمّال، قال حملت أبا عبد اللّه عليه السلام من المدينة إلى مكة، فلمّا بلغ غدير خمّ نظر إليّ و قال هذا موضع قدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حين أخذ بيد عليّ عليه السلام، و قال من كنت مولاه فعليّ مولاه، و كان عن يمين الفسطاط أربعة نفر من قريش سمّاهم لي، فلمّا نظروا إليه و قد رفع يده حتى بان بياض إبطيه، قال انظروا إلى عينيه قد انقلبتا كأنّهما عينا مجنون، فأتاه جبرئيل عليه السلام فقال اقرأ وَ إِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا... الآية، و الذكر عليّ بن أبي طالب عليه السلام. فقلت الحمد للّه الذي أسمعني هذا منك. فقال لو لا أنّك جمّالي لما حدّثتك بهذا، لأنّك لا تصدّق إذا رويت عنّي.

 بيان أي لا يصدّقك الناس لأنّهم لا يعتمدون على كلام الجمّالين، أو لأنّه كثيرا ما يقع بين الجمال و راكبه نزاع، و يؤيّد الأول أنّ في بعض النسخ جمال بدون الياء.

 123-  كنز محمد، عن البرقي، عن سيف بن عميرة، عن أخيه، عن منصور بن حازم، عن حمران، قال سمعت أبا جعفر عليه السلام يقرأ هذه الآية وَ جاءَ فِرْعَوْنُ يعني الثالث، وَ مَنْ قَبْلَهُ الأوليين، وَ الْمُؤْتَفِكاتُ أهل البصرة، بِالْخاطِئَةِ الحميراء.

 124-  و بالإسناد، عن أبي عبد اللّه عليه السلام مثله، قال وَ جاءَ فِرْعَوْنُ يعني الثالث وَ مَنْ قَبْلَهُ يعني الأوّلين بِالْخاطِئَةِ يعني عائشة.

 بيان قال المؤلّف )رحمه اللّه( فمعنى قوله وَ جاءَ فِرْعَوْنُ وَ مَنْ قَبْلَهُ وَ الْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ في أقوالها و أفعالها، و في كلّ خطإ وقع فإنّه منسوب إليها، و كيف جاءا بها، بمعنى أنّهم وثبوها و سنّوا لها الخلاف لمولاها و وزر ذلك عليهم و فعل من تابعها إلى يوم القيامة. و قوله و المؤتفكات أهل البصرة، فقد جاء في كلام أمير المؤمنين عليه السلام لأهل البصرة يا أهل المؤتفكة ائتفكت بأهلها ثلاث مرّات، و على اللّه تمام الرابعة. و معنى ائتفكت بأهلها.. أي خسفت بهم.

 125-  كنز في تفسير أهل البيت عليهم السلام في قوله تعالى فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً قال هي الملائكة تلقي الذكر على الرسول و الإمام عليهما السلام، و في قوله عزّ و جلّ أَ لَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (14) قال نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ.. أي الأمم الماضية قبل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ الذين خالفوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ يعني بني أميّة و بني فلان.

 126-  و روى بحذف الإسناد مرفوعا إلى العباس بن إسماعيل، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام في هذه الآية قال يعني الأول و الثاني، ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ قال الثالث و الرابع و الخامس، كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ من بني أميّة، و قوله وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ بأمير المؤمنين و الأئمّة عليهم السلام.

 127-  كنز محمد بن العباس، عن محمد بن القاسم بن سيار، عن بعض أصحابنا مرفوعا إلى أبي عبد اللّه عليه السلام، قال إذا لاذ الناس من العطش قيل لهم انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ يعني أمير المؤمنين عليه السلام فيقول لهم انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ، قال يعني الثلاثة، فلان.. و فلان.. و فلان.

  قال المؤلّف )رحمه اللّه( معنى هذا التأويل أنّ أعداء آل محمّد صلوات اللّه عليهم يوم القيامة يأخذهم العطش فيطلبون منه الماء، فيقول لهم انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ، و يعني بالظلّ هنا ظلم أهل البيت عليهم السلام، و لهذا الظلّ ثلاث شعب، لكلّ شعبة منها راية، و هم أصحاب الرايات الثلاث، و هم أئمّة الضلال، و لكلّ راية منهنّ ظلّ يستظلّ به أهله، ثم أوضح لهم الحال، فقال إنّ هذا الظلّ المشار إليه لا ظَلِيلٍ يظلّكم و لا يغنيكم مِنَ اللَّهَبِ.. أي العطش، بل يزيدكم عطشا، و إنّما يقال لهم هذا استهزاء بهم و إهانة لهم، وَ كانُوا أَحَقَّ بِها وَ أَهْلَها.

 128-  كا الحسين بن محمد، عن معلّى بن محمد، عن محمد بن أورمة و عليّ بن عبد اللّه، عن عليّ بن حسّان، عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد اللّه عليه السلام، في قول اللّه تعالى إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى فلان.. و فلان.. و فلان ارتدّوا عن الإيمان في ترك ولاية أمير المؤمنين عليه السلام. قلت قوله تعالى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ قال نزلت و اللّه فيهما و في أتباعهما، و هو قول اللّه عزّ و جلّ الذي نزل به جبرئيل عليه السلام على محمّد صلّى اللّه عليه و آله ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ في عليّ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ قال دعوا بني أميّة إلى ميثاقهم ألّا يصيّروا الأمر فينا بعد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و لا يعطونا من الخمس شيئا، و قالوا إن أعطيناهم إيّاه لم يحتاجوا إلى شي‏ء، و لم يبالوا أن لا يكون الأمر فيهم، فقالوا سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ الذي دعوتمونا إليه و هو الخمس أن لا نعطيهم منه شيئا، و قوله كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ و الذي نزّل اللّه ما افترض على خلقه من ولاية أمير المؤمنين عليه السلام، و كان معهم أبو عبيدة و كان كاتبهم، فأنزل اللّه أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَ نَجْواهُمْ... الآية.

 بيان ظاهر السياق أنّ فاعل قالوا الضمير الراجع إلى الذين ارتدّوا، فلو فسّرنا الكنايات الثلاث الأول بأبي بكر و عمر و عثمان كما هو ظاهر لا يستقيم النظام، و يمكن توجيهه بوجهين الأول أن يكون المراد بالكنايات بعض بني أميّة كعثمان و أبي سفيان و معاوية، فالمراد ب )الذين كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ( أبو بكر و أخواه. الثاني أن يكون المراد بالكنايات أبا بكر و عمر و أبا عبيدة، و ضمير ) قالُوا( راجعا إلى بني أميّة، و المراد ب )الذين كرهوا( الذين ارتدّوا، فيكون من قبيل وضع المظهر موضع المضمر، و يؤيّد هذا عدم وجود الكناية الثالثة في بعض النسخ.

 129-  كا بالإسناد المتقدّم، عن أبي عبد اللّه عليه السلام وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ قال نزلت فيهم، حيث دخلوا الكعبة فتعاهدوا و تعاقدوا على كفرهم و جحودهم بما نزل في أمير المؤمنين عليه السلام، فألحدوا في البيت بظلمهم الرسول و وليّه فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.

 130-  يب الحسين بن سعيد، عن النضر، عن ابن سنان، عن أبي عبد اللّه عليه السلام، قال أخّر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ليلة من الليالي العشاء الآخرة ما شاء اللّه، فجاء عمر فدقّ الباب، فقال يا رسول اللّه )ص( نام النساء، نام الصبيان، فخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فقال ليس لكم أن تؤذوني و لا تأمروني، إنّما عليكم أن تسمعوا و تطيعوا.

 131-  كا الحسين بن محمد، عن المعلّى، عن الوشاء، عن أبان بن عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه، قال قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام إنّ اللّه عزّ ذكره منّ علينا بأن عرّفنا توحيده، ثم منّ علينا بأن أقررنا بمحمّد صلّى اللّه عليه و آله بالرسالة، ثم اختصّنا بحبّكم أهل البيت )ع( نتولّاكم و نتبرّأ من عدوّكم، و إنّما يريد اللّه بذلك خلاص أنفسنا من النار. قال و رققت و بكيت. فقال أبو عبد اللّه عليه السلام سلني، فو اللّه لا تسألني عن شي‏ء إلّا أخبرتك به. قال فقال له عبد الملك بن أعين ما سمعته قالها لمخلوق قبلك، قال قلت خبّرني عن الرجلين. قال فقال ظلمانا حقّنا في كتاب اللّه عزّ و جلّ و منعا فاطمة عليها السلام ميراثها من أبيها، و جرى ظلمهما إلى اليوم، قال و أشار إلى خلفه و نبذا كتاب اللّه وراء ظهورهما.

 132-  كا و بهذا الإسناد، عن أبان، عن عقبة بن بشير الأسدي، عن الكميت بن زيد الأسدي، قال دخلت على أبي جعفر عليه السلام، فقال و اللّه يا كميت لو كان عندنا مال لأعطيناك منه، و لكن لك ما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لحسّان بن ثابت لن يزال معك روح القدس ما ذببت عنّا، قال قلت خبّرني عن الرجلين. قال فأخذ الوسادة فكسرها في صدره ثم قال و اللّه يا كميت ما أهريق محجمة من دم، و لا أخذ مال من غير حلّه، و لا قلب حجر عن حجر إلّا ذاك في أعناقهما.

 133-  كا و بهذا الإسناد، عن أبان بن عثمان، عن الحارث النضري، قال سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول اللّه عزّ و جلّ الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً قال ما تقولون في ذلك. قلت نقول هم الأفجران من قريش، بنو أميّة و بنو المغيرة. قال ثم قال هي و اللّه قريش قاطبة، إنّ اللّه تبارك و تعالى خاطب نبيّه صلّى اللّه عليه و آله فقال إنّي فضّلت قريشا على العرب، و أتممت عليهم نعمتي، و بعثت إليهم رسولي فبدّلوا نعمتي كفرا وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ.

 134-  كا علي، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن عبد اللّه بن سنان، قال سمعت أبا عبد اللّه عليه السلام يقول كانت امرأة من الأنصار تودّنا أهل البيت و تكثر التعاهد لنا، و إنّ عمر بن الخطاب لقيها ذات يوم و هي تريدنا، فقال لها أين تذهبين يا عجوز الأنصار. فقالت أذهب إلى آل محمّد صلّى اللّه عليه و آله أسلّم عليهم و أجدّد بهم عهدا، و أقضي حقّهم. فقال لها عمر ويلك ليس لهم اليوم حقّ عليك و لا علينا، إنّما كان لهم حقّ على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فأمّا اليوم فليس لهم حقّ، فانصرفي. فانصرفت حتى أتت أمّ سلمة، فقالت لها أمّ سلمة ما ذا أبطأ بك عنّا. فقالت إنّي لقيت عمر بن الخطاب.. فأخبرتها بما قالت لعمر و ما قال لها عمر، فقالت لها أمّ سلمة كذب، لا يزال حقّ آل محمّد واجبا على المسلمين إلى يوم القيامة.

 135-  كا حميد، عن ابن سماعة، عن غير واحد، عن أبان، عن الفضيل بن الزبير، عن فروة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال ذاكرته شيئا من أمرهما، فقال ضربوكم على دم عثمان ثمانين سنة و هم يعلمون أنّه كان ظالما، فكيف يا فروة إذا ذكرتم صنميهم.

 136-  كا محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن عمّار الساباطي، قال سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن قول اللّه عزّ و جلّ وَ إِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ قال نزلت في أبي الفصيل، إنّه كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عنده ساحرا، فكان إذا مسّه الضرّ يعني السقم دعا ربّه منيبا إليه يعني تائبا إليه من قوله في رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ما يقول ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ يعني العافية نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ يعني نسي التوبة إلى اللّه عزّ و جلّ ممّا كان يقول في رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أنّه ساحر، و لذلك قال اللّه عزّ و جلّ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ يعني إمرتك على الناس بغير حقّ من اللّه عزّ و جلّ و من رسوله صلّى اللّه عليه و آله. قال ثم قال أبو عبد اللّه عليه السلام ثم عطف القول من اللّه عزّ و جلّ في عليّ عليه السلام يخبر بحاله و فضله عند اللّه تبارك و تعالى، فقال أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَ قائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَ يَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ أنّ محمّدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ أنّ محمّدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و أنّه ساحر كذّاب إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ قال ثم قال أبو عبد اللّه عليه السلام هذا تأويله يا عمّار.

  -137  كا علي، عن أبيه، عن حنان، عن أبيه، عن أبي جعفر عليه السلام، قال.. إنّ الشيخين فارقا الدنيا و لم يتوبا، و لم يذكرا ما صنعا بأمير المؤمنين عليه السلام، فعليهما لَعْنَةُ اللَّهِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ.

 138-  و بهذا الإسناد، قال سألت أبا جعفر عليه السلام عنهما، فقال يا أبا الفضل ما تسألني عنهما فو اللّه ما مات منّا ميّت قطّ إلّا ساخطا عليهما، و ما منّا اليوم إلّا ساخطا عليهما يوصي بذلك الكبير منّا الصغير، إنّهما ظلمانا حقّنا، و منعانا فيئنا، و كانا أوّل من ركب أعناقنا، و بثقا علينا بثقا في الإسلام لا يسكر أبدا حتى يقوم قائمنا أو يتكلّم متكلّمنا. ثم قال أما و اللّه لو قد قام قائمنا و تكلّم متكلّمنا لأبدى من أمورهما ما كان يكتم، و لكتم من أمورهما ما كان يظهر، و اللّه ما أسّست من بليّة و لا قضيّة تجري علينا أهل البيت إلّا هما أسّسا أوّلها، فعليهما لَعْنَةُ اللَّهِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ.

  بيان و ثبق السّيل موضع كذا كنصر ثبقا بالفتح و الكسر.. أي خرقه و شقّه، فانبثق.. أي انفجر. و سكرت النّهر سكرا سددته.

 139-  كا محمد بن أحمد القمّي، عن عمّه عبد اللّه بن الصلت، عن يونس بن عبد الرحمن، عن عبد اللّه بن سنان، عن حسين الجمّال، عن أبي عبد اللّه عليه السلام، في قول اللّه تبارك و تعالى رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ قال هما، ثم قال و كان فلان شيطانا.

 بيان إنّ المراد بفلان عمر.. أي الجنّ المذكور في الآية عمر، و إنّما كنّى به عنه لأنّه كان شيطانا، إمّا لأنّه كان شرك شيطان لكونه ولد زنا، أو لأنّه كان في المكر و الخديعة كالشيطان، و على الأخير يحتمل العكس بأن يكون المراد بفلان أبا بكر.

 140-  كا بالإسناد، عن يونس، عن سورة بن كليب، عن أبي عبد اللّه عليه السلام في قول اللّه تبارك و تعالى رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ قال يا سورة هما و اللّه هما.. ثلاثا، و اللّه يا سورة إنّا لخزّان علم اللّه في السماء و إنّا لخزّان علم اللّه في الأرض.

 141-  كا محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن سليمان الجعفري، قال سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول في قول اللّه تبارك إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ قال يعني فلانا و فلانا و أبا عبيدة بن الجرّاح.

 بيان بيّت أمرا.. أي دبّره ليلا.

 142-  كا علي، عن أبيه، عن محمد بن إسماعيل و غيره، عن منصور بن يونس، عن ابن أذينة، عن عبد اللّه بن النجاشي، قال سمعت أبا عبد اللّه عليه السلام يقول في قول اللّه عزّ و جلّ أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَ عِظْهُمْ وَ قُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً يعني و اللّه فلانا و فلانا، وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً يعني و اللّه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و عليّا عليه السلام، ممّا صنعوا، يعني لو جاءوك بها يا عليّ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ ممّا صنعوا وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً، فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ فقال أبو عبد اللّه عليه السلام هو و اللّه عليّ بعينه ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ على لسانك يا رسول اللّه، يعني به من ولاية عليّ عليه السلام، وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً لعليّ عليه السلام.

 تبيان قوله تعالى فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ.. أي عن عقابهم لمصلحة في استبقائهم، أو عن قبول معذرتهم، و في بعض النسخ و ما أرسلناك رسولا إلّا لتطاع.. فتكون قراءتهم عليهم السلام هكذا. قوله عليه السلام يعني و اللّه النبيّ )ص(.. أي المراد بالرسول في قوله تعالى وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، و المخاطب في قوله جاؤك، عليّ عليه السلام، و لو كان المخاطب الرسول صلّى اللّه عليه و آله لكان الأظهر أن يقول و استغفرت لهم، و في بعض نسخ تفسير العياشي يعني و اللّه عليّا عليه السلام، و هو أظهر. قوله عليه السلام هو و اللّه عليّ.. أي المخاطب، أو المعنى أنّ المراد بما شجر بينهم ما شجر بينهم في أمر عليّ عليه السلام و خلافته، و الأول أظهر. قوله عليه السلام ممّا قضيت على لسانك.. ظاهره أنّ قراءتهم عليهم السلام به على صيغة التكلّم، و يحتمل أن يكون بيانا لحاصل المعنى، أي المراد بقضاء الرسول صلّى اللّه عليه و آله ما يقضي اللّه على لسانه.

 143-  ختص محمد بن عيسى، عن علي بن أسباط، عن الحكم بن مروان، عن يونس بن صهيب، عن أبي جعفر عليه السلام، قال نظر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى أبي بكر و قد ذهب به إلى الغار فقال ما لك أ ليس اللّه معنا تريد أن أريك أصحابي من الأنصار في مجالسهم يتحدّثون، و أريك جعفر بن أبي طالب و أصحابه في سفينة يغوصون. فقال نعم، أرنيهم. فمسح رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله على وجهه و عينيه، فنظر إليهم، فأضمر في نفسه أنّه ساحر.

 144-  كنز الشيخ أبو جعفر الطوسي رحمه اللّه في مصباح الأنوار بإسناده عن جابر بن عبد اللّه، قال كنت عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في حفر الخندق و قد حفر الناس و حفر عليّ عليه السلام فقال له النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بأبي من يحفر و جبرئيل يكنس التراب بين يديه، و يعينه ميكائيل، و لم يكن يعين أحدا قبله من الخلق، ثم قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لعثمان بن عفّان احفر، فغضب عثمان و قال لا يرضى محمّد أن أسلمنا على يده حتّى أمرنا بالكدّ، فأنزل اللّه على نبيّه صلّى اللّه عليه و آله يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا... الآية.

 145-  ختص القاسم بن محمد الهمداني، عن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الكوفي، عن أبي الحسين يحيى بن محمد الفارسي، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه، عن أبيه عليهما السلام، عن أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه، قال خرجت ذات يوم إلى ظهر الكوفة و بين يدي قنبر، فقلت يا قنبر ترى ما أرى. فقال قد ضوّأ اللّه لك يا أمير المؤمنين عمّا عمي عنه بصري. فقلت يا أصحابنا ترون ما أرى. فقالوا لا، قد ضوّأ اللّه لك يا أمير المؤمنين )ع( عمّا عمي عنه أبصارنا. فقلت و الذي فلق الحبّة و برأ النسمة لترونّه كما أراه، و لتسمعنّ كلامه كما أسمع، فما لبثنا أن طلع شيخ عظيم الهامة له عينان بالطول، فقال السلام عليك يا أمير المؤمنين و رحمة اللّه و بركاته، فقلت من أين أقبلت يا لعين. قال من الآثام. فقلت و أين تريد. قال الآثام. فقلت بئس الشيخ أنت. فقال لم تقول هذا يا أمير المؤمنين )ع(، فو اللّه لأحدّثنّك بحديث عنّي عن اللّه عزّ و جلّ ما بيننا ثالث. فقلت يا لعين عنك عن اللّه عزّ و جلّ ما بينكما ثالث. قال نعم، إنّه لمّا هبطت بخطيئتي إلى السماء الرابعة ناديت إلهي و سيّدي ما أحسبك خلقت من هو أشقى منّي، فأوحى اللّه تبارك و تعالى إليّ بلى، قد خلقت من هو أشقى منك، فانطلق إلى مالك يريكه، فانطلقت إلى مالك، فقلت السلام يقرأ عليك السلام و يقول أرني من هو أشقى منّي، فانطلق بي مالك إلى النار فرفع الطبق الأعلى فخرجت نار سوداء ظننت أنّها قد أكلتني و أكلت مالكا، فقال لها إهدائي فهدأت، ثم انطلق بي إلى الطبق الثاني فخرجت نار هي أشدّ من تلك سوادا و أشدّ حمى، فقال لها اخمدي فخمدت إلى أن انطلق بي إلى السابع، و كلّ نار تخرج من طبق هي أشدّ من الأولى، فخرجت نار ظننت أنّها قد أكلتني و أكلت مالكا و جميع ما خلقه اللّه عزّ و جلّ، فوضعت يدي على عيني و قلت مرها يا مالك تخمد و إلّا خمدت، فقال أنت لم تخمد إلى الوقت المعلوم فأمرها فخمدت، فرأيت رجلين في أعناقهما سلاسل النيران معلّقين بها إلى فوق، و على رءوسهما قوم معهم مقامع النيران يقمعونهما بها، فقلت يا مالك من هذان. فقال أ و ما قرأت في ساق العرش، و كنت قبل قرأته قبل أن يخلق اللّه الدنيا بألفي عام لا إله إلّا اللّه محمّد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أيّدته و نصرته بعليّ، فقال هذان عدوّا أولئك و ظالماهم.

  -146  ختص روي عن حكم بن جبير، قال قلت لأبي جعفر محمد ابن علي عليهما السلام إنّ الشعبي يروي عندنا بالكوفة أنّ عليّا )ع( قال خير هذه الأمّة بعد نبيّها أبو بكر و عمر، فقال إنّ الرجل يفضّل على نفسه من ليس هو مثله حبّا و كرامة، ثم أتيت علي بن الحسين عليهما السلام فأخبرته ذلك، فضرب على فخذي و قال هو أفضل منهما كما بين السماء و الأرض.

 147-  ختص روي عن ابن كدينة الأودي، قال قام رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام فسأله عن قول اللّه عزّ و جلّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ... فيمن نزلت. قال في رجلين من قريش.

 148-  البرسي، في مشارق الأنوار عن محمد بن سنان، قال قال أمير المؤمنين عليه السلام لعمر يا مغرور إنّي أراك في الدنيا قتيلا بجراحة من عبد أمّ معمر تحكم عليه جورا فيقتلك توفيقا، يدخل بذلك الجنّة على رغم منك، و إنّ لك و لصاحبك الذي قمت مقامه صلبا و هتكا تخرجان عن جوار رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فتصلبان على أغصان جذعة يابسة فتورق فيفتتن بذلك من والاك. فقال عمر و من يفعل ذلك يا أبا الحسن )ع(. فقال قوم قد فرّقوا بين السيوف و أغمادها، فيؤتى بالنار التي أضرمت لإبراهيم عليه السلام و يأتي جرجيس و دانيال و كلّ نبيّ و صدّيق، ثم يأتي ريح فينسفكما في اليمّ نسفا.

و قال عليه السلام يوما للحسن يا أبا محمد أ ما ترى عندي تابوت من نار يقول يا عليّ استغفر لي، لا غفر اللّه له.

 و روي في تفسير قوله تعالى إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ قال سأل رجل أمير المؤمنين عليه السلام ما معنى هذه الحمير. فقال أمير المؤمنين عليه السلام اللّه أكرم من أن يخلق شيئا ثم ينكره، إنّما هو زريق و صاحبه في تابوت من نار في صورة حمارين، إذا شهقا في النار انزعج أهل النار من شدّة صراخهما.

 149-  كنز محمد بن العباس، عن محمد بن القاسم، بإسناده عن الثمالي، عن عليّ بن الحسين عليهما السلام، قال إذا كان يوم القيامة أخرجت أريكتان من الجنّة فبسطتا على شفير جهنم، ثم يجي‏ء عليّ عليه السلام حتى يقعد عليهما، فإذا قعد ضحك، و إذا ضحك انقلبت جهنم فصار عاليها سافلها، ثم يخرجان فيوقفان بين يديه فيقولان يا أمير المؤمنين يا وصيّ رسول اللّه أ لا ترحمنا أ لا تشفع لنا عند ربّك. قال فيضحك منهما، ثم يقوم فيدخل الأريكتان و يعادان إلى موضعهما، و ذلك قوله عزّ و جلّ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ.

 أقول روى البخاري في صحيحه في كتاب المغازي بعد باب وفد بني تميم، و في تفسير سورة الحجرات، و الترمذي و النسائي في صحيحهما، و أورده في كتاب جامع الأصول في كتاب تفسير القرآن من حرف الطاء، عن عبد اللّه ابن الزبير، قال قدم ركب من بني تميم على النبيّ صلّى اللّه عليه ]و آله[، فقال أبو بكر أمر القعقاع بن معبد بن زرارة، و قال عمر أمر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر ما أردت إلّا خلافي، و قال عمر ما أردت خلافك. قال فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزلت في ذلك يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ.. حتى انقضت.

 قال في جامع الأصول و في رواية قال ابن أبي مليكة كاد الخيران يهلكا أبو بكر و عمر، لمّا قدم على النبيّ صلّى اللّه عليه ]و آله[ وفد بني تميم أشار أحدهما بالأقرع بن حابس الحنظلي و أشار الآخر بغيره.. ثم ذكر نحوه و نزول الآية، ثم قال ابن الزبير فكان عمر بعد إذا حدّث بحديث كأخي السرار لم يسمعه حتّى يستفهمه، و لم يذكر ذلك عن أبيه.

قال أخرجه البخاري، و أخرج النسائي الرواية الأولى،

 و أخرج الترمذي قال إنّ الأقرع بن حابس قدم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه ]و آله[، فقال أبو بكر يا رسول اللّه استعمله على قومه.. فقال عمر لا تستعلمه يا رسول اللّه، فتكلّما عند النبيّ صلّى اللّه عليه ]و آله[ حتى علت أصواتهما، فقال أبو بكر لعمر ما أردت إلّا خلافي. فقال ما أردت خلافك. قال فنزلت هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ... قال فكان عمر بعد ذلك إذا تكلّم عند النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لم يسمع كلامه حتى يستفهمه، و ما ذكر ابن الزبير جدّه يعني أبا بكر.

و قال الترمذي و قد رواه بعضهم عن ابن أبي مليكة مرسلا، و لم يذكر ابن الزبير، و قال حديث غريب حسن، انتهى حكاية رواياتهم. و من تأمّل فيها و في الآيات النازلة في تلك الحال بعين الاعتبار علم أنّهما بلغا في سوء الأدب و كشف جلباب الحياء الغاية القصوى، حتّى لم يقنعا في الجفاء و ترك الاحتشام بأن يروا آراءهما الفاسدة متقدّمة على ما يراه الرسول صلّى اللّه عليه و آله، بل زعماها متقدّمة على حكم اللّه سبحانه، كما نطق به نهيه تعالى إيّاهما بقوله لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ... ثم أمرهما بالتقوى و الخشية من اللّه معلّلا نهيه و أمره بأنّ اللّه سميع عليم، تعريضا بأنّهما لسوء الأدب و الإقدام على التقدّم بين يدي اللّه و رسوله في كلامهما كأنّهما لم يذعنا بأنّ اللّه سميع عليم، ثم حذّرهما في رفع أصواتهما فوق صوت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و الجهر له بالقول كما كان دأب أجلاف العرب و طغامهم في مخاطبة بعضهم بعضا عن حبط الأعمال من حيث لا يشعران، و فيه دلالة على أنّهما لم يقتصرا على رفع الصوت عند النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في مخاطبة أحدهما للآخر بل خاطباه بصوت رفيع من دون احترام و توقير، ثم حصر الممتحنين قلوبهم للتقوى في الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلّى اللّه عليه و آله، و قال لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ عَظِيمٌ تنبيها على خروجهما عن زمرة هؤلاء. و قد ظهر لذي فطرة سليمة أنّ ترك ابن الزبير ذكر أبي بكر عند حكايته عن عمر بن الخطاب انتهاؤه عن هذه الوقاحة الشنيعة، مع أنّ أبا بكر كان جدّا له، و اهتمامه بتزكيته كان أشدّ من اعتنائه بشأن عمر بن الخطاب، دليل على عدم ظهور آثار المتابعة و الانقياد عنه كما ظهر عن عمر، فكان أغلظ منه و... و ليس في الذمّ و التقبيح أفحش من هذا. و لنعم ما قاله ابن أبي مليكة من أنّه كاد الخيران أن يهلكا، فو اللّه لقد هلكا و كان الرجل غريقا في نومة الجهل خائضا في غمرات البهت و الغفلة، و ليت شعري ما حملها على شدّة الاهتمام و بذل الجهد في تأمير الأقرع أو القعقاع بحضرة الرسول صلّى اللّه عليه و آله أ كان ذلك تشييدا لأركان الدين و مراعاة لمصالح المسلمين، فتقدّما بين يدي اللّه و رسوله صلّى اللّه عليه و آله لظنّهما أنّهما أعلم من اللّه و من رسوله صلّى اللّه عليه و آله بما يصلح شأن الأمّة، فخافا من أن يلحقهم ضرر بتأمير من يؤمره الرسول أو لزعمهما أنّهما أبرّ و أرأف بهم من اللّه و من رسوله صلّى اللّه عليه و آله،

  فلم يرضيا بالسكوت شفقة عليهم و رأفة بهم، أم كان ذلك لأمر دنيوي، يعود نفعه إليهما، فمن رأى نفسه أعلم و أرأف من ربّ العالمين و من رسوله الأمين صلّى اللّه عليه و آله الطاهرين، أو ردّ على اللّه و على رسوله، و لم يرض بقضائهما لغرض فاسد دنيوي، كيف يصلح أن يكون قائدا للأمّة طرّا و هاديا لهم إلى الرشاد و قد قال سبحانه فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً و لعلّ الناصرين لأبي بكر و عمر يرون رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله مجتهدا في كثير من الأحكام كما يرونهما مجتهدين، و يجوّزون مخالفته سيّما فيما يتعلّق بأمر الجيش و ترتيب العسكر و لا يلتفتون إلى خلاف اللّه تعالى في ذلك، حيث جعل التقدّم بين يدي رسوله صلّى اللّه عليه و آله تقدّما عليه. فقال لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ.... فانظر بعين الإنصاف في تعصّب طائفة من علماء الجمهور و أئمّتهم كالرازي و البيضاوي و غيرهما و بذل جهدهم في إخفاء الحقّ و ستر عورات مشايخهم، فقد ذكر الرازي في تفسيره في شأن نزول الآيات عدّة وجوه لم يسندها إلى رواية صحيحة أو كتاب معروف، و لم يذكر نزولها في أبي بكر و عمر مع وجوده في صحيح البخاري الذي يجعلونه تاليا لكتاب اللّه سبحانه، و يرون مؤلّفه أوثق الناس و أعدلهم، و كذا في غيره من صحاحهم كما سبق، فذلك إمّا لعدم الاطّلاع على ما في هذه الكتب، و كفى به شاهدا على جهلهم و قلّة إحاطتهم بأخبارهم و أمور دينهم، أو لأنّ سنّتهم إخفاء الحقّ و إطفاء نور اللّه بأفواههم فتعمّدوا في ستر ما لا يوافق آراءهم و يستلزم القدح في مشايخهم و أسلافهم، و قد اعترف في تفسيره بأنّ رفع الصوت عند أحد و التقدّم بين يديه يدلّ على أنّه لا يرى المتكلّم للمخاطب وزنا و لا مقدارا، بل جعل لنفسه اعتبارا زائدا و عظمة. و قال إنّ الآية تدلّ على أنّه لا ينبغي أن يتكلّم المؤمن عند النبيّ صلّى اللّه عليه و آله كما يتكلّم العبد عند سيّده، لأنّ العبد داخل في قوله تعالى كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ...، و استدلّ عليه أيضا بقوله تعالى النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ قال و السيّد ليس أولى عند عبده من نفسه، فلو كانا في مخمصة و وجد العبد ما لو لم يأكله لمات لا يجب عليه بذله لسيّده، و يجب البذل للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله، و لو علم العبد أنّ بموته ينجو سيّده لا يلزمه أن يلقي نفسه في المهلكة لإنجاء سيّده، و يجب لإنجاء النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، و ذلك كما أنّ العضو الرئيس أولى بالرعاية من غيره، لأنّ عند خلل القلب لا يبقى لليدين و الرجلين استقامة، فلو حفظ الإنسان نفسه و ترك النبيّ لهلك هو أيضا بخلاف العبد و السيّد. انتهى. فأين هذا من سيرة الشيخين و ترك احترامهما للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله

  و تخطئتهما إيّاه، و تسفيههما رأيه، و تنازعهما بحضرته فيما حسباه أصلح من اختياره. و أمّا البيضاوي فقد دلّس في هذا المقام تدليسا غريبا، فسكت في تفسير قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا... إلى قوله سبحانه وَ أَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ عن ذكر أبي بكر و عمر، و نزول الآيات فيهما، ثم ذكر في تفسير قوله سبحانه إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى أنّه قيل كان أبو بكر و عمر بعد ذلك يسرّانه حتّى يستفهمهما. فانظر كيف صوّر المنقصة بصورة المنقبة و لبّس الحال على الجهّال، حتّى يتوهّموا أنّهما ممّا وصفهم اللّه في كتابه بامتحان قلوبهم للتقوى، و نزلت الآية فيهم، فقد عرفت لو أنصفت من ترك ابن الزبير ذكر أبي بكر مع القرابة الخصيصة عند حكاية الإسرار في الحديث عن عمر أنّ ما رواه البيضاوي عن قائل مجهول افتراء على أبي بكر، و أمّا عمر، فهو و إن روى فيه ابن الزبير ذلك إلّا أنّ في حكاية التنازع عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في مرضه، و رفع الأصوات عنده، و الردّ عليه بقوله حسبنا كتاب اللّه، ما يفهم منه عدم انتهائه عن التقدّم بين يدي اللّه و رسوله، و الجهر بالقول، و لا يشتبه على ذي فطرة سليمة أنّ المراد حين نزول الآية ب الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ من كان دأبهم ذلك قبل نزولها، كما أنّ المراد بالذين ينادونه من وراء الحجرات من ناداه قبل نزول الآية، و لا يخفى أنّ في قول البيضاوي كانا بعد ذلك يسرّانه.. اعترافا لطيفا بأنّه كان داؤهما قبل ذلك سوء الأدب، و سيرتهما الوقاحة، و قد كان وفود بني تميم و الأقرع و القعقاع في أواخر سنة تسع من الهجرة، و كان وفاته صلّى اللّه عليه و آله في صفر سنة إحدى عشرة على ما ذكره أرباب السير، فكانا على تقدير صحّة ما ذكره مصرّين على الجفاء و قلّة الحياء في مدّة مقامه صلّى اللّه عليه و آله بمكة، و قريبا من تسع سنين بعد الهجرة، و لم ينتهيا عنه إلّا في سنة و بضع شهور بعد أن وبّخهما اللّه تعالى و رغم أنفهما، مع أنّ رعاية الأدب في خدمة السيّد المطاع القادر على القتل فما دونه، المرجوّ منه الشفاعة و النجاة في الآخرة لو كان الإيمان به صادقا أمر لا يخرج عن ربقته إلّا رقبة من جبل على طينة السباع من البهائم، فمن كان هذا شأنه كيف يصلح لأن يكون مطاعا للأمّة كافة و كيف تكون سيرته مع رعيّته و من لا يقدر على الخروج عن طاعته و هل يزجر نفسه و يملكه عند الغضب، و تنقّلات الأحوال بحيث يرتكب لا أقل ما ينافي العدالة و لعمري لا يقول به إلّا مباهت مبهوت، و لم ينشأ تعبير عمر لأمير المؤمنين عليه السلام بالدعابة إلّا لما يرى من نفسه و من شيخه من سوء الخلق و الزعارة، فظنّ حسن خلقه عليه السلام، و بشره عند لقاء الناس، و رفقه بهم من قبيل اللهو و الدعابة، ثم نسج على منواله عمرو بن العاص كما صرّح به عليه السلام في قوله عجبا لابن النابغة يزعم لأهل الشام أنّ فيّ دعابة و أنّي امرؤ تلعابة...

  -150  كتاب نفحات اللّاهوت نقلا من كتاب المثالب لابن شهر آشوب، أنّ الصادق عليه السلام سئل ]عنهما[، فقال كانا إمامين قاسطين عادلين، كانا على الحقّ و ماتا عليه، فرحمة اللّه عليهما يوم القيامة، فلمّا خلا المجلس، قال له بعض أصحابه كيف قلت يا ابن رسول اللّه. فقال نعم، أمّا قولي كانا إمامين، فهو مأخوذ من قوله تعالى وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ، و أمّا قولي قاسطين، فهو من قوله تعالى وَ أَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً، و أمّا قولي عادلين، فهو مأخوذ من قوله تعالى الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ، و أمّا قولي كانا على الحقّ، فالحقّ عليّ عليه السلام، و قولي ماتا عليه، المراد أنّه لم يتوبا عن تظاهرهما عليه، بل ماتا على ظلمهما إيّاه، و أمّا قولي فرحمة اللّه عليهما يوم القيامة، فالمراد به أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ينتصف له منهما، آخذا من قوله تعالى وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ.

 أقول أجاز لي بعض الأفاضل في مكة زاد اللّه شرفها رواية هذا الخبر، و أخبرني أنّه أخرجه من الجزء الثاني من كتاب دلائل الإمامة، و هذه صورته

  -151  حدّثنا أبو الحسين محمد بن هارون بن موسى التلعكبري، قال حدّثنا أبي رضي اللّه عنه، قال حدّثنا أبو علي محمد بن همام، قال حدّثنا جعفر ابن محمد بن مالك الفزاري الكوفي، قال حدّثني عبد الرحمن بن سنان الصيرفي، عن جعفر بن علي الحوار، عن الحسن بن مسكان، عن المفضّل بن عمر الجعفي، عن جابر الجعفي، عن سعيد بن المسيّب، قال لمّا قتل الحسين بن عليّ صلوات اللّه عليهما و ورد نعيه إلى المدينة، و ورد الأخبار بجزّ رأسه و حمله إلى يزيد بن معاوية، و قتل ثمانية عشر من أهل بيته، و ثلاث و خمسين رجلا من شيعته، و قتل عليّ ابنه بين يديه و هو طفل بنشابة، و سبي ذراريه أقيمت المآتم عند أزواج النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في منزل أمّ سلمة رضي اللّه عنها، و في دور المهاجرين و الأنصار، قال فخرج عبد اللّه بن عمر بن الخطاب صارخا من داره لاطما وجهه شاقّا جيبه يقول يا معشر بني هاشم و قريش و المهاجرين و الأنصار يستحلّ هذا من رسول اللّه )ص( في أهله و ذريّته و أنتم أحياء ترزقون لا قرار دون يزيد، و خرج من المدينة تحت ليله، لا يرد مدينة إلّا صرخ فيها و استنفر أهلها على يزيد، و أخباره يكتب بها إلى يزيد، فلم يمرّ بملإ من الناس إلّا لعنه و سمع كلامه، و قالوا هذا عبد اللّه بن عمر ابن خليفة رسول اللّه )ص( و هو ينكر فعل يزيد بأهل بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و يستنفر الناس على يزيد، و إنّ من لم يجبه لا دين له و لا إسلام، و اضطرب الشام بمن فيه، و ورد دمشق و أتى باب اللعين يزيد في خلق من الناس يتلونه، فدخل إذن يزيد إليه فأخبره بوروده و يده على أمّ رأسه و الناس يهرعون إليه قدّامه و وراءه، فقال يزيد فورة من فورات أبي محمد، و عن قليل يفيق منها، فأذن له وحده فدخل صارخا يقول لا أدخل يا أمير المؤمنين و قد فعلت بأهل بيت محمّد صلّى اللّه عليه و آله ما لو تمكّنت الترك و الروم ما استحلّوا ما استحللت، و لا فعلوا ما فعلت، قم عن هذا البساط حتى يختار المسلمون من هو أحقّ به منك، فرحّب به يزيد و تطاول له و ضمّه إليه و قال له يا أبا محمد اسكن من فورتك، و اعقل، و انظر بعينك و اسمع بأذنك، ما تقول في أبيك عمر بن الخطاب أ كان هاديا مهديّا خليفة رسول اللّه )ص( و ناصره و مصاهره بأختك حفصة، و الذي قال لا يعبد اللّه سرّا. فقال عبد اللّه هو كما وصفت، فأيّ شي‏ء تقول فيه. قال أبوك قلّد أبي أمر الشام أم أبي قلّد أباك خلافة رسول اللّه )ص(. فقال أبي قلّد أباك الشام. قال يا أبا محمد أ فترضى به و بعهده إلى أبي أ و ما ترضاه. قال بل أرضى. قال أ فترضى بأبيك. قال نعم، فضرب يزيد بيده على يد عبد اللّه بن عمر و قال له قم يا أبا محمد حتى تقرأ، فقام معه حتى ورد خزانة من خزائنه، فدخلها و دعا بصندوق ففتحه و استخرج منه تابوتا مقفّلا مختوما فاستخرج منه طومارا لطيفا في خرقة حرير سوداء، فأخذ الطومار بيده و نشره، ثم قال يا أبا محمد هذا خطّ أبيك. قال إي و اللّه.. فأخذه من يده فقبّله، فقال له اقرأ، فقرأه ابن عمر، فإذا فيه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إنّ الذي أكرهنا بالسيف على الإقرار به فأقررنا، و الصدور وغرة، و الأنفس واجفة، و النيّات و البصائر شائكة ممّا كانت عليه من

 جحدنا ما دعانا إليه و أطعناه فيه رفعا لسيوفه عنّا، و تكاثره بالحيّ علينا من اليمن، و تعاضد من سمع به ممّن ترك دينه و ما كان عليه آباؤه في قريش، فبهبل أقسم و الأصنام و الأوثان و اللّات و العزّى ما جحدها عمر مذ عبدها و لا عبد للكعبة ربّا و لا صدّق لمحمد صلّى اللّه عليه و آله قولا، و لا ألقى السلام إلّا للحيلة عليه و إيقاع البطش به، فإنّه قد أتانا بسحر عظيم، و زاد في سحره على سحر بني إسرائيل مع موسى و هارون و داود و سليمان و ابن أمّه عيسى، و لقد أتانا بكلّ ما أتوا به من السحر و زاد عليهم ما لو أنّهم شهدوه لأقرّوا له بأنّه سيّد السحرة، فخذ يا ابن أبي سفيان سنّة قومك و اتّباع ملّتك و الوفاء بما كان عليه سلفك من جحد هذه البنيّة التي يقولون إنّ لها ربّا أمرهم بإتيانها و السعي حولها و جعلها لهم قبلة فأقرّوا بالصلاة و الحجّ الذي جعلوه ركنا، و زعموا أنّه للّه اختلفوا، فكان ممّن أعان محمّدا منهم هذا الفارسي الطمطاني روزبه، و قالوا إنّه أوحي إليه إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ، و قولهم قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ حَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ، و جعلوا صلاتهم للحجارة، فما الذي أنكره علينا لو لا سحره من عبادتنا للأصنام و الأوثان و اللّات و العزّى و هي من الحجارة و الخشب و النحاس و الفضة و الذهب، لا و اللّات و العزّى ما وجدنا سببا للخروج عمّا عندنا و إن سحروا و موّهوا، فانظر بعين مبصرة، و اسمع بأذن واعية، و تأمّل بقلبك و عقلك ما هم فيه، و اشكر اللّات و العزّى و استخلاف السيّد الرشيد عتيق بن عبد العزّى على أمّة محمّد و تحكّمه في أموالهم و دمائهم و شريعتهم و أنفسهم و حلالهم و حرامهم، و جبايات الحقوق التي زعموا أنّهم يجبونها لربّهم ليقيموا بها أنصارهم و أعوانهم، فعاش شديدا رشيدا يخضع جهرا و يشتدّ سرّا، و لا يجد حيلة غير معاشرة القوم، و لقد وثبت وثبة على شهاب بني هاشم الثاقب، و قرنها الزاهر، و علمها الناصر، و عدّتها و عددها المسمّى بحيدرة المصاهر لمحمّد على المرأة التي جعلوها سيّدة نساء العالمين يسمّونها فاطمة، حتّى أتيت دار عليّ و فاطمة و ابنيهما الحسن و الحسين و ابنتيهما زينب و أمّ كلثوم، و الأمة المدعوّة بفضّة، و معي خالد بن وليد قنفذ مولى أبي بكر و من صحب من خواصّنا، فقرعت الباب عليهم قرعا شديدا، فأجابتني الأمة، فقلت لها قولي لعليّ دع الأباطيل و لا تلج نفسك إلى طمع الخلافة، فليس الأمر لك، الأمر لمن اختاره المسلمون و اجتمعوا عليه، و ربّ اللّات و العزّى لو كان الأمر و الرأي لأبي بكر لفشل عن الوصول إلى ما وصل إليه من خلافة ابن أبي كبشة، لكنّي أبديت لها صفحتي، و أظهرت لها بصري، و قلت للحيّين نزار و قحطان بعد أن قلت لهم ليس الخلافة إلّا في قريش، فأطيعوهم ما أطاعوا اللّه، و إنّما قلت ذلك لما سبق من ابن أبي طالب من وثوبه و استيثاره بالدماء التي سفكها في غزوات محمّد و قضاء ديونه، و هي ثمانون ألف درهم و إنجاز عداته، و جمع القرآن، فقضاها على تليده و طارفه، و قول المهاجرين و الأنصار لمّا قلت إنّ الإمامة في قريش قالوا هو الأصلع البطين أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب الذي أخذ رسول اللّه )ص( البيعة له على أهل ملّته، و سلّمنا له بإمرة المؤمنين في أربعة مواطن، فإن كنتم نسيتموها معشر قريش فما نسيناها و ليست البيعة و لا الإمامة و الخلافة و الوصيّة إلّا حقّا مفروضا، و أمرا صحيحا، لا تبرّعا و لا ادّعاء فكذّبناهم، و أقمت أربعين رجلا شهدوا على محمّد أنّ الإمامة بالاختيار. فعند ذلك قال الأنصار نحن أحقّ من قريش، لأنّا أوينا و نصرنا و هاجر

 الناس إلينا، فإذا كان دفع من كان الأمر له فليس هذا الأمر لكم دوننا، و قال قوم منّا أمير و منكم أمير. قلنا لهم قد شهدوا أربعون رجلا أنّ الأئمّة من قريش، فقبل قوم و أنكر آخرون و تنازعوا، فقلت و الجمع يسمعون ألا أكبرنا سنّا و أكثرنا لينا. قالوا فمن تقول. قلت أبو بكر الذي قدّمه رسول اللّه )ص( في الصلاة، و جلس معه في العريش يوم بدر يشاوره و يأخذ برأيه، و كان صاحبه في الغار، و زوج ابنته عائشة التي سمّاها أمّ المؤمنين، فأقبل بنو هاشم يتميّزون غيظا، و عاضدهم الزبير و سيفه مشهور و قال لا يبايع إلّا عليّ أو لا أملك رقبة قائمة سيفي هذا، فقلت يا زبير صرختك سكن من بني هاشم، أمّك صفيّة بنت عبد المطلب، فقال ذلك و اللّه الشرف الباذخ و الفخر الفاخر، يا ابن حنتمة و يا ابن صهّاك اسكت لا أمّ لك، فقال قولا فوثب أربعون رجلا ممّن حضر سقيفة بني ساعدة على الزبير، فو اللّه ما قدرنا على أخذ سيفه من يده حتى وسّدناه الأرض، و لم نر له علينا ناصرا، فوثبت إلى أبي بكر فصافحته و عاقدته البيعة و تلاني عثمان بن عفّان و سائر من حضر غير الزبير، و قلنا له بايع أو نقتلك، ثم كففت عنه الناس، فقلت له أمهلوه، فما غضب إلّا نخوة لبني هاشم، و أخذت أبا بكر بيده فأقمته و هو يرتعد قد اختلط عقله، فأزعجته إلى منبر محمّد إزعاجا، فقال لي يا أبا حفص أخاف وثبة عليّ. فقلت له إنّ عليّا عنك مشغول، و أعانني على ذلك أبو عبيدة بن الجرّاح كان يمدّه بيده إلى المنبر و أنا أزعجه من ورائه كالتيس إلى شفار الجاذر، متهونا، فقام عليه مدهوشا، فقلت له اخطب فأغلق عليه و تثبّت فدهش، و تلجلج و غمض، فعضضت على كفّي غيظا، و قلت له قل ما سنح لك، فلم يأت خيرا و لا معروفا، فأردت أن أحطّه عن المنبر و أقوم مقامه، فكرهت تكذيب الناس لي بما قلت فيه، و قد سألني الجمهور منهم كيف قلت من فضله ما قلت ما الذي سمعته من رسول اللّه )ص( في أبي بكر فقلت لهم قد قلت سمعت من فضله على لسان رسول اللّه ما لو وددت أنّي شعرة في صدره و لي حكاية، فقلت قل و إلّا فانزل، فتبينها و اللّه في وجهي و علم أنّه لو نزل لرقيت، و قلت ما لا يهتدي إلى قوله، فقال بصوت ضعيف عليل ولّيتكم و لست بخيركم و عليّ فيكم، و اعلموا أنّ لي شيطانا يعتريني و ما أراد به سواي فإذا زللت فقوّموني لا أقع في شعوركم و أبشاركم، و أستغفر اللّه لي و لكم، و نزل فأخذت بيده و أعين الناس ترمقه و غمزت يده غمزا، ثم أجلسته و قدّمت الناس إلى بيعته و صحبته لأرهبه، و كلّ من ينكر بيعته و يقول ما فعل عليّ بن أبي طالب فأقول خلعها من عنقه و جعلها طاعة المسلمين قلّة خلاف عليهم في اختيارهم، فصار جليس بيته، فبايعوا و هم كارهون، فلمّا فشت بيعته علمنا أنّ عليّا يحمل فاطمة و الحسن و الحسين إلى دور المهاجرين و الأنصار يذكّرهم بيعته علينا في أربعة مواطن،

 و يستنفرهم فيعدونه النصرة ليلا و يقعدون عنه نهارا، فأتيت داره مستيشرا لإخراجه منها، فقالت الأمة فضّة و قد قلت لها قولي لعلي يخرج إلى بيعة أبي بكر فقد اجتمع عليه المسلمون فقالت إنّ أمير المؤمنين )ع( مشغول، فقلت خلّي عنك هذا و قولي له يخرج و إلّا دخلنا عليه و أخرجناه كرها، فخرجت فاطمة فوقفت من وراء الباب، فقالت أيّها الضالّون المكذّبون ما ذا تقولون و أيّ شي‏ء تريدون. فقلت يا فاطمة. فقالت فاطمة ما تشاء يا عمر. فقلت ما بال ابن عمك قد أوردك للجواب و جلس من وراء الحجاب. فقالت لي طغيانك يا شقيّ أخرجني و ألزمك الحجّة، و كلّ ضالّ غويّ. فقلت دعي عنك الأباطيل و أساطير النساء و قولي لعليّ يخرج. فقالت لا حبّ و لا كرامة أ بحزب الشيطان تخوّفني يا عمر و كان حزب الشيطان ضعيفا. فقلت إن لم يخرج جئت بالحطب الجزل و أضرمتها نارا على أهل هذا البيت و أحرق من فيه، أو يقاد عليّ إلى البيعة، و أخذت سوط قنفذ فضربت و قلت لخالد بن الوليد أنت و رجالنا هلمّوا في جمع الحطب، فقلت إنّي مضرمها. فقالت يا عدوّ اللّه و عدوّ رسوله و عدوّ أمير المؤمنين، فضربت فاطمة يديها من الباب تمنعني من فتحه فرمته فتصعّب عليّ فضربت كفّيها بالسوط فألمّها، فسمعت لها زفيرا و بكاء، فكدت أن ألين و أنقلب عن الباب فذكرت أحقاد عليّ و ولوعه في دماء صناديد العرب، و كيد محمّد و سحره، فركلت الباب و قد ألصقت أحشاءها بالباب تترسه، و سمعتها و قد صرخت صرخة حسبتها قد جعلت أعلى المدينة أسفلها، و قالت يا أبتاه يا رسول اللّه هكذا كان يفعل بحبيبتك و ابنتك، آه يا فضّة إليك فخذيني فقد و اللّه قتل ما في أحشائي من حمل، و سمعتها تمخّض و هي مستندة إلى الجدار، فدفعت الباب و دخلت فأقبلت إليّ بوجه أغشى بصري، فصفقت صفقة على خدّيها من ظاهر الخمار فانقطع قرطها و تناثرت إلى الأرض، و خرج عليّ، فلمّا أحسست به أسرعت إلى خارج الدار و قلت لخالد و قنفذ و من معهما نجوت من أمر عظيم. و في رواية أخرى قد جنيت جناية عظيمة لا آمن على نفسي. و هذا عليّ قد برز من البيت و ما لي و لكم جميعا به طاقة. فخرج عليّ و قد ضربت يديها إلى ناصيتها لتكشف عنها و تستغيث باللّه العظيم ما نزل بها، فأسبل عليّ عليها ملاءتها و قال لها يا بنت رسول اللّه إنّ اللّه بعث أباك رحمة للعالمين، و ايم اللّه لئن كشفت عن ناصيتك سائلة إلى ربّك ليهلك هذا الخلق لأجابك حتى لا يبقى على الأرض منهم بشرا، لأنّك و أباك أعظم عند اللّه من نوح )ع( الذي غرق من أجله بالطوفان جميع من على وجه الأرض و تحت السماء إلّا من كان في السفينة، و أهلك قوم هود بتكذيبهم له، و أهلك عادا بريح صرصر، و أنت و أبوك أعظم قدرا من هود، و عذّب ثمود و هي اثنا عشر ألفا بعقر الناقة و الفصيل، فكوني يا سيّدة النساء رحمة على هذا الخلق المنكوس و لا تكوني عذابا، و اشتدّ بها المخاض و دخلت البيت فأسقطت سقطا سمّاه عليّ محسنا، و جمعت جمعا كثيرا، لا مكاثرة لعليّ و لكن ليشدّ بهم قلبي و جئت و هو محاصر فاستخرجته من داره

 مكرها مغصوبا و سقته إلى البيعة سوقا، و إنّي لأعلم علما يقينا لا شكّ فيه لو اجتهدت أنا و جميع من على الأرض جميعا على قهره ما قهرناه، و لكن لهنات كانت في نفسه أعلمها و لا أقولها، فلمّا انتهيت إلى سقيفة بني ساعدة قام أبو بكر و من بحضرته يستهزءون بعليّ، فقال عليّ يا عمر أ تحبّ أن أعجّل لك ما أخّرته سواء عنك فقلت لا، يا أمير المؤمنين فسمعني و اللّه خالد بن الوليد، فأسرع إلى أبي بكر، فقال له أبو بكر ما لي و لعمر.. ثلاثا، و الناس يسمعون، و لمّا دخل السقيفة صبا أبو بكر إليه، فقلت له قد بايعت يا أبا الحسن فانصرف، فأشهد ما بايعه و لا مدّ يده إليه، و كرهت أن أطالبه بالبيعة فيعجّل لي ما أخرّه عنّي، و ودّ أبو بكر أنّه لم ير عليّا في ذلك المكان جزعا و خوفا منه، و رجع عليّ من السقيفة و سألنا عنه، فقالوا مضى إلى قبر محمّد فجلس إليه، فقمت أنا و أبو بكر إليه، و جئنا نسعى و أبو بكر يقول ويلك يا عمر ما الّذي صنعت بفاطمة، هذا و اللّه الخسران المبين، فقلت إنّ أعظم ما عليك أنّه ما بايعنا و لا أثق أن تتثاقل المسلمون عنه. فقال فما تصنع. فقلت تظهر أنّه قد بايعك عند قبر محمّد، فأتيناه و قد جعل القبر قبلة، مسندا كفّه على تربته و حوله سلمان و أبو ذرّ و المقداد و عمّار و حذيفة بن اليمان، فجلسنا بإزائه و أوعزت إلى أبي بكر أن يضع يده على مثل ما وضع عليّ يده و يقرّبها من يده، ففعل ذلك و أخذت بيد أبي بكر لأمسحها على يده، و أقول قد بايع، فقبض عليّ يده فقمت أنا و أبو بكر موليا، و أنا أقول جزى اللّه عليّا خيرا فإنّه لم يمنعك البيعة لمّا حضرت قبر رسول اللّه )ص(، فوثب من دون الجماعة أبو ذرّ جندب بن جنادة الغفاري و هو يصيح و يقول و اللّه يا عدوّ اللّه ما بايع عليّ عتيقا، و لم يزل كلّما لقينا قوما و أقبلنا على قوم نخبرهم ببيعته و أبو ذر يكذّبنا، و اللّه ما بايعنا في خلافة أبي بكر و لا في خلافتي و لا يبايع لمن بعدي و لا بايع من أصحابه اثنا عشر رجلا لا لأبي بكر و لا لي، فمن فعل يا معاوية فعلي و استشار أحقاده السالفة غيري. و أمّا أنت و أبوك أبو سفيان و أخوك عتبة فأعرف ما كان منكم في تكذيب محمّد )ص( و كيده، و إدارة الدوائر بمكة و طلبته في جبل حرى لقتله، و تألّف الأحزاب و جمعهم عليه، و ركوب أبيك الجمل و قد قاد الأحزاب، و قول محمّد لعن اللّه الراكب و القائد و السائق، و كان أبوك الراكب و أخوك عتبة القائد و أنت السائق، و لم أنس أمّك هندا و قد بذلت لوحشيّ ما بذلت حتى تكمّن لحمزة الذي دعوه أسد الرحمن في أرضه و طعنه بالحربة، ففلق فؤاده و شقّ عنه و أخذ كبده فحمله إلى أمّك، فزعم محمّد بسحره أنّه لمّا أدخلته فاها لتأكله صار جلمودا فلفظته من فيها، فسمّاها محمّد و أصحابه آكلة الأكباد، و قولها في شعرها لاعتداء محمّد و مقاتليه

نحن بنات طارق نمشي على النمارق‏كالدرّ في المخانق و المسك في المفارق

 إن يقبلوا نعانق أو يدبروا نفارق‏فراق غير وامق

و نسوتها في الثياب الصفر المرئيّة مبديات وجوههنّ و معاصمهنّ و رءوسهنّ يحرصن على قتال محمّد، إنّكم لم تسلموا طوعا و إنّما أسلمتم كرها يوم فتح مكة فجعلكم طلقاء، و جعل أخي زيدا و عقيلا أخا عليّ بن أبي طالب و العباس عمّهم مثلهم، و كان من أبيك في نفسه، فقال و اللّه يا ابن أبي كبشة لأملأنّها عليك خيلا و رجلا و أحول بينك و بين هذه الأعداء. فقال محمّد و يؤذن للناس أنّه علم ما في نفسه أو يكفي اللّه شرك يا أبا سفيان و هو يرى الناس أن لا يعلوها أحد غيري، و عليّ و من يليه من أهل بيته فبطل سحره و خاب سعيه، و علاها أبو بكر و علوتها بعده و أرجو أن تكونوا معاشر بني أميّة عيدان أطنابها، فمن ذلك قد ولّيتك و قلّدتك إباحة ملكها و عرّفتك فيها و خالفت قوله فيكم، و ما أبالي من تأليف شعره و نثره، أنّه قال يوحى إليّ منزل من ربّي في قوله وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ فزعم أنّها أنتم يا بني أميّة، فبيّن عداوته حيث ملك كما لم يزل هاشم و بنوه أعداء بني عبد شمس، و أنا مع تذكيري إيّاك يا معاوية و شرحي لك ما قد شرحته ناصح لك و مشفق عليك من ضيق عطنك و حرج صدرك، و قلّة حلمك، أن تعجل فيما وصّيتك به و مكّنتك منه من شريعة محمّد )ص( و أمّته أن تبدي لهم مطالبته بطعن أو شماتة بموت أو ردّا عليه فيما أتى به، أو استصغارا لما أتى به فتكون من الهالكين، فتخفض ما رفعت و تهدم ما بنيت، و احذر كلّ الحذر حيث دخلت على محمّد مسجده و منبره و صدق محمّدا في كلّ ما أتى به و أورده ظاهرا، و أظهر التحرّز و الواقعة في رعيّتك، و أوسعهم حلما، و أعمّهم بروائح العطايا، و عليك بإقامة الحدود فيهم و تضعيف الجناية منهم لسببا محمّد من مالك و رزقك و لا ترهم أنّك تدع للّه حقّا و لا تنقض فرضا و لا تغيّر لمحمّد سنّة فتفسد علينا الأمّة، بل خذهم من مأمنهم، و اقتلهم بأيديهم، و أبدّهم بسيوفهم و تطاولهم و لا تناجزهم، و لن لهم و لا تبخس عليهم، و افسح لهم في مجلسك، و شرّفهم في مقعدك، و توصّل إلى قتلهم برئيسهم، و أظهر البشر و البشاشة بل اكظم غيظك و اعف عنهم يحبّوك و يطيعوك، فما آمن علينا و عليك ثورة عليّ و شبليه الحسن و الحسين، فإن أمكنك في عدّة من الأمّة فبادر و لا تقنع بصغار الأمور، و اقصد بعظيمها و احفظ وصيّتي إليك و عهدي و أخفه و لا تبده، و امتثل أمري و نهيي و انهض بطاعتي، و إيّاك و الخلاف عليّ، و اسلك طريق أسلافك، و اطلب بثارك، و اقتصّ آثارهم، فقد أخرجت إليك بسرّي و جهري، و شفّعت هذا بقولي

معاوي إنّ القوم جلّت أمورهم بدعوة من عمّ البريّة بالوتري‏صبوت إلى دين لهم فأرابني فابعد بدين قد قصمت به ظهري‏و إن أنس لا أنس الوليد و شيبة و عتبة و العاص السريع لدى بدرو تحت شغاف القلب لدغ لفقدهم أبو حكم أعني الضئيل من الفقري

 أولئك فاطلب يا معاوي ثارهم بنصل سيوف الهند و الأسل السمري‏و صلّ برجال الشام في معشرهم هم الأسد و الباقون في أكم الوعري‏توسّل إلى التخليط في الملّة التي أتانا به الماضي المسمّوه بالسحري‏و طالب بأحقاد مضت لك مظهرا لعلّة دين عمّ كلّ بني النضرفلست تنال الثار إلّا بدينهم فتقتل بسيف القوم جيد بني عمري‏لهذا لقد ولّيتك الشام راجيا و أنت جدير أن تئول إلى صخري

قال فلمّا قرأ عبد اللّه بن عمر هذا العهد، قام إلى يزيد فقبّل رأسه، و قال الحمد للّه يا أمير المؤمنين على قتلك الشاري ابن الشاري، و اللّه ما أخرج أبي إليّ بما أخرج إلى أبيك، و اللّه لا رآني أحد من رهط محمّد بحيث يحبّ و يرضى، فأحسن جائزته و برّه، و ردّه مكرّما. فخرج عبد اللّه بن عمر من عنده ضاحكا، فقال له الناس ما قال لك. قال قولا صادقا لوددت أنّي كنت مشاركه فيه، و سار راجعا إلى المدينة، و كان جوابه لمن يلقاه هذا الجواب. و يروى أنّه أخرج يزيد لعنه اللّه إلى عبد اللّه بن عمر كتابا فيه عهد عثمان بن عفّان فيه أغلظ من هذا و أدهى و أعظم من العهد الذي كتبه عمر لمعاوية، فلمّا قرأ عبد اللّه العهد الآخر قام فقبّل رأس يزيد لعنهما اللّه، و قال الحمد للّه على قتلك الشاري ابن الشاري، و اعلم أنّ والدي عمر أخرج إليّ من سرّه بمثل هذا الذي أخرجه إلى أبيك معاوية، و لا أرى أحدا من رهط محمّد و أهله و شيعته بعد يومي هذا إلّا غير منطو لهم على خير أبدا. فقال يزيد أ فيه شرح الخفا يا ابن عمر. و الحمد للّه وحده و صلّى اللّه على محمّد و آله، قال ابن عباس أظهروا الإيمان و أسرّوا الكفر، فلمّا وجدوا عليه أعوانا أظهروه.

 بيان لم أجد الرواية بغير هذا السند، و فيها غرائب. و الشائكة من الشوك.. يقال شجرة شائكة.. أي ذات شوك، أي كانت البصائر و النيّات غير خالصة ممّا يختلج بالبال من الشكوك و الشبهات. و رجل طمطماني بالضم في لسانه عجمة. و قال الجوهري فلان واسع العطن و البلد إذا كان رحب الذّراع.

 152-  كتاب سليم بن قيس عن أبان، قال قال سليم كتب أبو المختار بن أبي الصعق إلى عمر هذه الأبيات 

أبلغ أمير المؤمنين رسالة فأنت أمير اللّه في المال و الأمرو أنت أمين اللّه فينا و من يكن أمينا لربّ الناس يسلم له صدري‏فلا تدعنّ أهل الرساتيق و القرى يخونون مال اللّه في الأدم و الخمرو أرسل إلى النعمان و ابن معقل و أرسل إلى حزم و أرسل إلى بشرو أرسل إلى الحجّاج و اعلم حسابه و ذاك الذي في السوق مولى بني بدرو لا تنسينّ التابعين كليهما و صهر بني غذوان في القوم ذا وفرو ما عاصم فيها بصفر عيابة و لا ابن غلاب من رماة بني نصرو استلّ ذاك المال دون ابن محرز و قد كان منه في الرساتيق ذا وفرفأرسل إليهم يخبروك و يصدقوا أحاديث هذا المال من كان ذا فكرو قاسمهم أهلي فداؤك إنّهم سيرضون إن قاسمتهم منك بالشطرو لا تدعوني للشهادة إنّني أغيب و لكنّي أرى عجب الدهرإراء الخيل كالجدران و البيض كالدمى و خطّيّة في عدّة النمل و القطرو من ريطة مطويّة في قرابها و من طيّ أبراد مضاعفة صفر

 إذا التاجر الداري جاء بفأرة من المسك راحت في مفارقهم تجري

فقال ابن غلّاب المصري

ألا أبلغ أبا المختار أنّي أتيته و لم أك ذا قربى لديه و لا صهرو ما كان عندي من تراث ورثته و لا صدقات من سبي و لا غدرو لكن دراك الركض في كلّ غارة و صبري إذا ما الموت كان ورا السمربسابغة يغشى اللبان فضولها أكفكفها عنّي بأبيض ذي وقر

قال سليم فأغرم عمر بن الخطاب تلك السنة جميع عمّاله أنصاف أموالهم لشعر أبي المختار، و لم يغرم قنفذ العدوي شيئا و قد كان من عمّاله و ردّ عليه ما أخذ منه و هو عشرون ألف درهم و لم يأخذ منه عشره و لا نصف عشره، و كان من عمّاله الذين أغرموا أبو هريرة على البحرين فأحصي ماله فبلغ أربعة و عشرين ألفا، فأغرمه اثني عشر ألفا. فقال أبان قال سليم فلقيت عليّا صلوات اللّه عليه و آله فسألته عمّا صنع عمر فقال هل تدري لم كفّ عن قنفذ و لم يغرمه شيئا. قلت لا. قال لأنّه هو الذي ضرب فاطمة صلوات اللّه عليها بالسوط حين جاءت لتحول بيني و بينهم فماتت صلوات اللّه عليها، و إنّ أثر السوط لفي عضدها مثل الدملج. قال أبان قال سليم انتهيت إلى حلقة في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ليس فيها إلّا هاشميّ غير سلمان و أبي ذرّ و المقداد و محمد بن أبي بكر و عمر ابن أبي سلمة و قيس بن سعد بن عبادة، فقال العباس لعليّ عليه السلام ما ترى عمر منعه من أن يغرم قنفذا كما غرّم جميع عمّاله. فنظر عليّ عليه السلام إلى من حوله، ثم اغرورقت عيناه، ثم قال شكر له ضربة ضربها فاطمة عليها السلام بالسوط فماتت و في عضدها أثره كأنّه الدملج. ثم قال )ع( العجب ممّا أشربت قلوب هذه الأمّة من حبّ هذا الرجل و صاحبه من قبله، و التسليم له في كلّ شي‏ء أحدثه. لئن كان عمّاله خونة و كان هذا المال في أيديهم خيانة ما كان حلّ له تركه، و كان له أن يأخذه كلّه، فإنّه في‏ء للمسلمين، فما باله يأخذ نصفه و يترك نصفه. و لئن كانوا غير خونة فما حلّ له أن يأخذ أموالهم و لا شيئا منها قليلا و لا كثيرا و إنّما أخذ أنصافها. و لو كانت في أيديهم خيانة، ثم لم يقرّوا بها و لم تقم عليهم البيّنة ما حلّ له أن يأخذ منهم قليلا و لا كثيرا. و أعجب من ذلك إعادته إيّاهم إلى أعمالهم، لئن كانوا خونة ما حلّ له أن يستعملهم، و لئن كانوا غير خونة ما حلّت له أموالهم، ثم أقبل عليّ )ع( على القوم فقال العجب لقوم يرون سنّة نبيّهم تتبدّل و تتغيّر شيئا شيئا و بابا بابا ثم يرضون و لا ينكرون، بل يغضبون له و يعتبون على من عاب عليه و أنكره، ثم يجي‏ء قوم بعدنا فيتّبعون بدعته و جوره و أحداثه و يتّخذون أحداثه سنّة و دينا يتقرّبون بهما إلى اللّه في مثل تحويله مقام إبراهيم من الموضع الذي وضعه فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى الموضع الذي كان فيه في الجاهليّة الذي حوّله منه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و في تغيره صاع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و مدّه، و فيهما فريضة و سنّة، فما كان زيادته إلّا سوء، لأنّ المساكين في كفارة اليمين و الظهار بهما يعطون و ما يجب في الزرع، و قد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله اللّهمّ بارك لنا في مدّنا و صاعنا، لا يحولون بينه و بين ذلك، لكنّهم رضوا و قبلوا ما صنع، و قبضه و صاحبه فدك و هي في يدي فاطمة عليها السلام مقبوضة، قد أكلت غلّتها على عهد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فسألها البيّنة على ما في يدها، و لم يصدّقها و لا صدّق أمّ أيمن، و هو يعلم يقينا كما نعلم أنّها في يدها، و لم يحلّ له أن يسألها البيّنة على ما في يدها، و لا أن يتّهمها، ثم استحسن الناس ذلك و حمدوه و قالوا إنّما حمله على ذلك الورع و الفضل، ثم حسّن قبح فعلهما أن عدلا عنها فقالا بالظنّ إنّ فاطمة لن تقول إلّا حقّا، و إنّ عليّا لم يشهد إلّا بحقّ، و لو كانت مع أمّ أيمن امرأة أخرى أمضينا لها، فخطبا بذلك عند الجهّال، و ما لهما و من أمّرهما أن يكونا حاكمين فيعطيان أو يمنعان، و لكنّ الأمّة ابتلوا بهما فأدخلا

 نفسهما فيما لا حقّ لهما فيه و لا علم لهما فيه، و قد قالت فاطمة عليها السلام حين أراد انتزاعها منها، و هي في يدها أ ليست في يدي و فيها وكيلي، و قد أكلت غلّتها و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حيّ. قالا بلى. قالت فلم تسألاني البيّنة على ما في يدي. قالا لأنّها في‏ء للمسلمين، فإن قامت بيّنة و إلّا لم نمضها. فقالت لهما و الناس حولهما يسمعون أ فتريدان أن تردّا ما صنع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و تحكما فينا خاصّة بما لم تحكما في سائر المسلمين أيّها الناس اسمعوا ما ركباها. قلت أ رأيتما إن ادّعيت ما في أيدي المسلمين من أموالهم تسألوني البيّنة أم تسألونهم. قالا لا، بل نسألك. قلت فإن ادّعى جميع المسلمين ما في يدي تسألونهم البيّنة أم تسألوني. فغضب عمر، و قال إنّ هذا في‏ء للمسلمين و أرضهم و هي في يدي فاطمة )ع( تأكل غلّتها، فإن أقامت بيّنة على ما ادّعت أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله وهبها لها من بين المسلمين و هي فيئهم و حقّهم نظرنا في ذلك. فقال أنشدكم باللّه أ ما سمعتم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول إنّ ابنتي سيّدة نساء أهل الجنّة. قالوا اللّهمّ نعم، قد سمعناها من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم. قالت أ فسيّدة نساء أهل الجنّة تدّعي الباطل و تأخذ ما ليس لها أ رأيتم لو أنّ أربعة شهدوا عليّ بفاحشة أو رجلان بسرقة أ كنتم مصدّقين عليّ. فأمّا أبو بكر فسكت، و أمّا عمر فقال و نوقع عليك الحدّ. فقالت كذبت و لؤمت، إلّا أن تقرّ أنّك لست على دين محمّد صلّى اللّه عليه و آله، إنّ الذي يجيز على سيّدة نساء أهل الجنّة شهادة أو يقيم عليها حدّا لملعون كافر بما أنزل اللّه على محمّد صلّى اللّه عليه و آله، إنّ من أذهب اللّه عنهم الرجس أهل البيت و طهّرهم تطهيرا، لا يجوز عليهم شهادة، لأنّهم معصومون من كلّ سوء، مطهّرون من كلّ فاحشة، حدّثني عن أهل هذه الآية، لو أنّ قوما شهدوا عليهم أو على أحد منهم بشرك أو كفر أو فاحشة كان المسلمون يتبرّءون منهم و يحدّونهم. قال نعم، و ما هم و سائر الناس في ذلك إلّا سواء. قالت كذبت و كفرت، لأنّ اللّه عصمهم و أنزل عصمتهم و تطهيرهم و أذهب عنهم الرجس، فمن صدّق عليهم يكذّب اللّه و رسوله. فقال أبو بكر أقسمت عليك يا عمر لما سكتّ، فلمّا أن كان الليل أرسل إلى خالد بن الوليد، فقال إنّا نريد أن نسرّ إليك أمرا و نحملك عليه. فقال احملاني على ما شئتما فإنّي طوع أيديكما. فقالا له إنّه لا ينفعنا ما نحن فيه من الملك و السلطان ما دام عليّ حيّا، أ ما سمعت ما قال لنا و ما استقبلنا به، و نحن لا نأمنه أن يدعو في السرّ فيستجيب له قوم فيناهضنا فإنّه أشجع العرب، و قد ارتكبنا منهم ما رأيت و غلبناه على ملك ابن عمّه و لا حقّ لنا فيه، و انتزعنا فدك من امرأته، فإذا صلّيت بالناس الغداة، فقم إلى جانبه و ليكن سيفك معك، فإذا صلّيت و سلّمت فاضرب عنقه. فقال صلّى خالد بن الوليد بجنبي متقلّد السيف، فقام أبو بكر في الصلاة فجعل يؤامر نفسه و ندم و أسقط في يده حتى كادت الشمس أن تطلع، ثم قال قبل أن يسلّم لا تفعل يا خالد ما أمرتك، ثم سلّم، فقلت لخالد ما ذاك. قال قد كان أمرني إذا سلّم أضرب عنقك. قلت أ و كنت فاعلا. قال إي و ربّي إذا لفعلت. قال سليم ثم أقبل )ع( على العباس و من حوله ثم قال أ لا تعجبون من حبسه و حبس صاحبه عنّا سهم ذي القربى الذي فرضه اللّه لنا في القرآن، و قد علم اللّه أنّهم سيظلمونا و ينتزعونه منّا، فقال إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَ ما أَنْزَلْنا

  عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ. و العجب لهدمه منزل أخي جعفر و إلحاقه في المسجد، و لم يعط بنيه من ثمنه قليلا و لا كثيرا، ثم لم يعب ذلك عليه الناس و لم يغيّروه، فكأنّما أخذ منزل رجل من الديلم و في رواية أخرى دار رجل من ترك كابل. و العجب لجهله و جهل الأمّة أنّه كتب إلى جميع عمّاله إنّ الجنب إذا لم يجد الماء فليس له أن يصلّي و ليس له أن يتيمّم بالصعيد حتى يجد الماء، و إن لم يجده حتى يلقى اللّه و في رواية أخرى و إن لم يجده سنة ثم قبل الناس منه و رضوا به، و قد علم و علم الناس أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قد أمر عمّارا و أمر أبا ذرّ أن يتيمّما من الجنابة و يصلّيا و شهدا به عنده و غيرهما فلم يقبل ذلك و لم يرفع به رأسا. و العجب لما قد خلط قضايا مختلفة في الجدّ بغير علم تعسّفا و جهلا، و ادّعائهما ما لم يعلما جرأة على اللّه و قلّة ورع، ادّعيا أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله مات و لم يقض في الجدّ شيئا منه، و لم يدع أحدا يعلم ما للجدّ من الميراث، ثم تابعوهما على ذلك و صدّقوهما. و عتقه أمّهات الأولاد، فأخذ الناس بقوله و تركوا أمر اللّه و أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله. و ما صنع بنصر بن حجّاج و بجعد بن سليم و بابن وتره. و أعجب من ذلك أنّ أبا كيف العبدي أتاه، فقال إنّي طلّقت امرأتي و أنا غائب فوصل إليها الطلاق ثم راجعتها و هي في عدّتها، و كتبت إليها فلم يصل الكتاب إليها حتى تزوّجت، فكتب له إن كان هذا الذي تزوّجها دخل بها فهي امرأته و إن كان لم يدخل بها فهي امرأتك، و كتب له ذلك و أنا شاهد، و لم يشاورني و لم يسألني، يرى استغناءه بعلمه عنّي، فأردت أن أنهاه ثم قلت ما أبالي أن يفضحه اللّه ثم لم تعبه الناس بل استحسنوه و اتّخذوه سنّة و قبلوه عنه، و رأوه صوابا، و ذلك قضاء و لا يقضي به مجنون. ثم تركه من الأذان )حيّ على خير العمل( فاتّخذوه سنّة و تابعوه على ذلك. و قضيّته في المفقود أن أجّل امرأته أربع سنين ثم تتزوج فإن جاء زوجها خيّر بين امرأته و بين الصداق، فاستحسنه الناس و اتّخذوه سنّة و قبلوه عنه جهلا و قلّة علم بكتاب اللّه عزّ و جلّ و سنّة نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم. و إخراجه من المدينة كلّ أعمى، و إرساله إلى عمّاله بالبصرة بحبل خمسة أشبار، و قوله من أخذتموه من الأعاجم فبلغ طول هذا الحبل فاضربوا عنقه. و ردّه سبايا تستر، و هنّ حبالى. و إرساله بحبل من صبيان سرقوا بالبصرة، و قوله من بلغ طول هذا الحبل فاقطعوه. و أعجب من ذلك أنّ كذّابا رجم بكذّابة فقبلها و قبلها الجهّال، فزعموا أنّ الملك ينطق على لسانه و يلقّنه. و إعتاقه سبايا أهل اليمن. و تخلّفه و صاحبه عن جيش أسامة بن زيد مع تسليمهما عليه بالإمرة. ثم أعجب من ذلك أنّه قد علم و علمه الناس أنّه الذي صدّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عن الكتف الذي دعا به ثم لم يضرّه ذلك عندهم و لم ينقصه. و أنّه صاحب صفيّة حين قال لها ما قال، فغضب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حتى قال ما قال. و أنّه الذي مررت به يوما فقال ما مثل محمّد في أهل بيته إلّا كنخلة نبتت في كناسة، فبلغ ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فغضب و خرج فأتى المنبر، و فزعت الأنصار فجاءت شائكة في السلاح لما رأت من غضب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فقال عليه السلام ما بال أقوام يعيّروني بقرابتي، و قد سمعوا منّي ما قلت في فضلهم و تفضيل اللّه إيّاهم، و ما خصّهم به من إذهاب

 الرجس عنهم و تطهير اللّه إيّاهم، و قد سمعتم ما قلت في أفضل أهل بيتي و خيرهم ممّا خصّه اللّه به و أكرمه و فضّله على من سبقه إلى الإسلام و تديّنه فيه و قرابته منّي، و إنّه منّي بمنزلة هارون من موسى، ثم تزعمون أنّ مثلي في أهل بيتي كمثل نخلة في كناسة، ألا إنّ اللّه خلق خلقه ففرّقه فرقتين فجعلني في خير الفرقتين، ثم فرّق الفرقة ثلاث فرق، شعوبا، و قبائل، و بيوتا، فجعلني في خيرها شعبا و خيرها قبيلة، ثم جعلهم بيوتا، فجعلني في خيرها بيتا، فذلك قوله إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً، فحصلت في أهل بيتي و عترتي، و أنا و أخي عليّ بن أبي طالب )ع(، ألا و إنّ اللّه نظر إلى أهل الأرض نظرة فاختارني منهم، ثم نظر نظرة فاختار عليّا أخي و وزيري و وارثي و وصيّي و خليفتي في أمّتي و وليّ كلّ مؤمن بعدي، فبعثني رسولا و نبيّا و دليلا، و أوحى إليّ أن أتّخذ عليّا أخا و وليّا و وصيّا و خليفة في أمّتي بعدي، ألا و إنّه وليّ كلّ مؤمن بعدي، من والاه والاه اللّه، و من عاداه عاداه اللّه، و من أحبّه أحبّه اللّه، و من أبغضه أبغضه اللّه، لا يحبّه إلّا مؤمن، و لا يبغضه إلّا كافر، هو ربّ الأرض بعدي و سكنها و في نسخة هو زرّ الأرض بعدي و سكنها و هو كلمة التقوى، و عروة اللّه الوثقى أ تريدون أن تطفئوا نور اللّه بأفواهكم وَ اللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ و في رواية أخرى وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ و يريد أعداء اللّه أن يطفئوا نور أخي وَ يَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ. يا أيّها الناس ليبلّغ مقالتي شاهدهكم غائبكم، اللّهمّ اشهد عليهم. أيّها الناس إنّ اللّه نظر نظرة ثالثة فاختار منهم بعدي اثنا عشر وصيّا من أهل بيتي، و هم خيار أمّتي و في نسخة أخرى فجعلهم خيار أمّتي منهم أحد عشر إماما بعد أخي، واحدا بعد واحد، كلّما هلك واحد قام واحد به، مثلهم كمثل النجوم في السماء كلّما غاب نجم طلع نجم، لأنّهم أئمّة هداة مهتدون، لا يضرّهم كيد من كادهم و لا خذلان من خذلهم، بل يضرّ اللّه بذلك من كادهم و خذلهم، فهم حجّة اللّه في أرضه و شهداؤه على خلقه، من أطاعهم أطاع اللّه و من عصاهم عصى اللّه، هم مع القرآن و القرآن معهم لا يفارقونه و لا يفارقهم حتّى يردوا عليّ حوضي، أوّل الأئمّة عليّ خيرهم، ثم ابني الحسن ثم ابني الحسين )ع( ثم تسعة من ولد الحسين، و أمّهم ابنتي فاطمة صلوات اللّه عليهم. ثم من بعدهم جعفر بن أبي طالب ابن عمّي و أخو أخي، و عمّي حمزة بن عبد المطلب. أنا خير المرسلين و النبيّين، و فاطمة ابنتي سيّدة نساء أهل الجنّة، و عليّ و بنوه الأوصياء خير الوصيّين، و أهل بيتي خير أهل بيوتات النبيّين، و ابناي سيّدي شباب أهل الجنّة. أيّها الناس إنّ شفاعتي تنال علوجكم، أ فتعجز عنها أهل بيتي، ما

 أحد ولده جدّي عبد المطلب يلقى اللّه موحّدا لا يشرك به شيئا إلّا أدخله الجنّة، و لو كان فيه من الذنوب عدد الحصى و زبد البحر. أيّها الناس عظّموا أهل بيتي في حياتي و من بعدي و أكرموهم و فضّلوهم، فإنّه لا يحلّ لأحد أن يقوم من مجلسه لأحد إلّا لأهل بيتي و في نسخة أخرى أيّها الناس عظّموا أهل بيتي في حياتي و بعد موتي، إنّي لو قد أخذت بحلقة باب الجنّة ثم تجلّى لي ربّي فسجدت و أذن لي بالشفاعة لم أؤثر على أهل بيتي أحدا. أيّها الناس انسبوني من أنا. فقام رجل من الأنصار، فقال و في رواية أخرى فقامت الأنصار، فقالت نعوذ باللّه من غضب اللّه و من غضب رسوله، أخبرنا يا رسول اللّه من الذي آذاك في أهل بيتك حتى نضرب عنقه و في رواية أخرى حتى نقتله و نبير عترته. فقال انسبوني أنا محمّد بن عبد اللّه بن عبد المطلب بن هاشم.. حتى انتسب إلى نزار، ثم مضى في نسبه إلى إسماعيل بن إبراهيم خليل اللّه. ثم قال إنّي و أهل بيتي لطينة من تحت العرش إلى آدم، نكاح غير سفاح لم يخالطنا نكاح الجاهليّة، فاسألوني، فو اللّه لا يسألني رجل عن أبيه و عن أمّه و عن نسبه إلّا أخبرته به. فقام رجل، فقال من أبي. فقال أبوك فلان الذي تدعى إليه، فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال و اللّه لو نسبتني إلى غيره لرضيت و سلّمت. ثم قام رجل آخر، فقال من أبي. فقال أبوك فلان لغير أبيه الذي يدعى إليه فارتدّ عن الإسلام، ثم قام رجل آخر، فقال أ من أهل الجنّة أنا أم من أهل النار. فقال من أهل الجنّة، ثم قام رجل آخر، فقال أ من أهل الجنّة أنا أم من أهل النار. فقال من أهل النار. ثم قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و هو مغضب ما يمنع الذي عيّر أهل بيتي و أخي و وزيري و وصيّي و خليفتي في أمّتي و وليّ كلّ مؤمن بعدي أن يقوم فيسألني من أبوه، و أين هو في الجنّة أم في النار. فقام عمر بن الخطاب، فقال أعوذ باللّه من سخط اللّه و سخط رسوله، أعف عنّا يا رسول اللّه عفا اللّه عنك، أقلنا أقالك اللّه، استرنا سترك اللّه، اصفح عنّا صلّى اللّه عليك.. فاستحى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و كفّ. و هو صاحب العباس الذي بعثه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ساعيا فرجع و قال إنّ العباس قد منع صدقة ماله، فغضب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و قال الحمد للّه الذي عافانا أهل البيت من شرّ ما يلطّخونا به، إنّ العباس لم يمنع صدقة ماله و لكنّك عجّلت عليه، و قد عجّل زكاة سنين ثم أتاني بعد يطلب أن أمشي معه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ليرضى عنه، ففعلت. و هو صاحب عبد اللّه بن أبي سلول حين تقدّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ليصلّي عليه فأخذ بثوبه من ورائه، و قال لقد نهاك اللّه أن تصلّي عليه و لا يحلّ لك أن تصلّي عليه، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إنّما صلّيت عليه كرامة لابنه، و إنّي لأرجو أن يسلم به سبعون رجلا من بني أبيه و أهل بيته، و ما يدريك ما قلت، إنّما دعوت اللّه عليه. و هو صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يوم الحديبيّة حين كتب القضيّة إذ قال أ نعطي الدنيّة في ديننا.. ثم جعل يطوف في عسكر رسول اللّه صلّى اللّه

 عليه و آله يحرّضهم و يقول أ نعطي الدنيّة في ديننا فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أفرجوا عنّي، أ تريدون أن أغدر بذمّتي و في رواية أخرى أخرجوه عنّي، أ تريد أن أخفر ذمّتي و لا أفي لهم بما كتبت لهم، خذ يا سهيل ابنك جندلا، فأخذه فشدّه وثاقا في الحديد، ثم جعل اللّه عاقبة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى الخير و الرشد و الهدى و العزّة و الفضل. و هو صاحب يوم غدير خمّ إذ قال هو و صاحبه حين نصبني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لولايتي، فقال ما يألو أن ترفع خسيسته، و قال الآخر ما يألو رفعا بضبع ابن عمّه، و قال لصاحبه و أنا منصوب إنّ هذه لهي الكرامة، فقطّب صاحبه في وجهه، و قال لا و اللّه، ما أسمع و لا أطيع أبدا، ثم اتّكأ عليه ثم تمطّى و انصرفا، فأنزل اللّه فيه فَلا صَدَّقَ وَ لا صَلَّى وَ لكِنْ كَذَّبَ وَ تَوَلَّى ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى أَوْلى لَكَ فَأَوْلى وعيدا من اللّه له. و هو الذي دخل عليّ مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يعودني في رهط من أصحابه حين غمزه صاحبه، فقال يا رسول اللّه )ص( إنّك قد كنت عهدت إلينا في عليّ عهدا و إنّي لأراه لما به، فإن هلك فإلى من. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله اجلس... فأعادها ثلاث مرّات، فأقبل عليهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فقال إنّه لا يموت في مرضه هذا، و لا يموت حتى تملياه غيظا و توسعاه غدرا و ظلما، ثم تجداه صابرا قوّاما، و لا يموت حتى يلقى منكما هنات و هنات، و لا يموت إلّا شهيدا مقتولا. و أعظم من ذلك كلّه أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله جمع ثمانين رجلا، أربعين من العرب و أربعين من العجم و هما فيهم فسلّموا عليّ بإمرة المؤمنين، ثم قال أشهدكم أنّ عليّا أخي و وزيري و وارثي و خليفتي في أمّتي و وصيّي و وليّ كلّ مؤمن من بعدي، فاسمعوا له و أطيعوا، و فيهم أبو بكر و عمر و عثمان و طلحة و الزبير و سعد و ابن عوف و أبو عبيدة و سالم و معاذ بن جبل و رهط من الأنصار، ثم قال إنّي أشهد اللّه عليكم. ثم أقبل على القوم، فقال سبحان اللّه ما أشربت قلوب هذه الأمّة من بليّتها و فتنتها من عجلها و سامريها، إنّهم أقرّوا و ادّعوا أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال لا يجمع اللّه لنا أهل البيت النبوّة و الخلافة، و قد قال لأولئك الثمانين رجلا سلّموا على عليّ بإمرة المؤمنين، و أشهدكم على ما أشهدهم عليه أنّهم أقرّوا أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لم يستخلف أحدا، و أنّهم أقرّوا بالشورى، ثم أقرّوا أنّهم لم يشاوروا و أنّ بيعته كانت فلتة، و أيّ ذنب أعظم من الفلتة، ثم استخلف أبو بكر عمر و لم يقتد برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فيدعهم بغير استخلاف، طعنا منه على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و رغبة عن رأيه، ثم صنع عمر شيئا ثالثا لم يدعهم على ما ادّعى أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لم يستخلف، و لم يستخلف كما استخلف أبو بكر، و جاء بشي‏ء ثالث

 جعلها شورى بين ستة نفر، و أخرج منها جميع العرب، ثم حطّني بذلك عند العامّة فجعلهم مع ما أشربت قلوبهم من الفتنة و الضلالة أقراني، ثم بايع ابن عوف عثمان فبايعوه، و قد سمعوا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في عثمان ما سمعوا من لعنه إيّاه في غير موطن، فعثمان على ما كان عليه خير منهما، و لقد قال منذ أيّام قولا رققت له و أعجبتني مقالته، بينما أنا قاعد عنده في بيته إذ أتته عائشة و حفصة تطلبان ميراثهما من ضياع أموال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله التي في يديه، فقال و لا كرامة، لكن أجيز شهادتكما على أنفسكما، فإنّكما شهدتما عند أبويكما أنّكما سمعتما من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول إنّ النبيّ )ص( لا يورث ما ترك فهو صدقة، ثم لقّنتما أعرابيّا جلفا يبول على عقبيه يتطهّر ببوله مالك بن الحرث بن الحدثان فشهد معكما، لا من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و لا من الأنصار أحد شهد بذلك غير أعرابيّ، أما و اللّه ما أشكّ في أنّه قد كذب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و كذبتما عليه معه، فانصرفتا من عنده تبكيان و تشتمانه، فقال ارجعا، ثم قال أشهدتما بذلك عند أبي بكر. قالتا نعم. قال فإن شهدتما بحقّ فلا حقّ لكما، و إن كنتما شهدتما بباطل فعليكما و على من أجاز شهادتكما على أهل هذا البيت لَعْنَةُ اللَّهِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ. قال ثم نظر إليّ فتبسّم و قال يا أبا الحسن شفيتك منهما. قلت نعم و اللّه و أبلغت، و قلت حقّا، فلا يرغم اللّه إلّا بأنفيهما، فرققت لعثمان و علمت أنّه أراد بذلك رضاي، و أنّه أقرب منهما رحما و إن كان لا عذر له و لا حجّة بتأمّره علينا و ادّعائه حقّنا.

 توضيح قال الجوهري الأدمة في الإبل البياض الشّديد، يقال بعير آدم و ناقة أدماء، و الجمع أدم.. و يقال هو الأبيض الأسود المقلتين..، و الأدم الألفة و الاتّفاق، و في بعض النسخ الأدم الحمر بالحاء المهملة بدون الواو. قوله بصفر عيابه.. العياب جمع العيبة.. أي ليست صناديقه خالية من تلك الأموال. و البيض جمع الأبيض، و البيضة من الحديد و غيره. و الدّمى جمع الدّمية بضمّها، و هو الصّنم و الصّورة من العاج و نحوه. و الرّماح الخطّيّة مشهورة. و الرّيطة الثّوب النّاعم اللّيّن. و ذكر القراب لأنّها لجودتها يجعل في مثل القراب، و في بعض النسخ جرابها. و الأبراد جمع البرد.. أي برود صفر طويلة. و الدّاري العطّار. و الدّراك بكسر الدال المداركة.. أي مداركة إسراع الخيل و الإبل في الغارات. و السّمر جمع الأسمر و هو الرّمح. و درع سابغة تامّة طويلة. و اللّبان بالفتح الصّدر أو وسطه أو ما بين الثّديين.. أي حال كوني لابسا درعا طويلة تستر صدر الفرس الذي أنا راكبه فضول تلك الدرع و زوائدها. و في بعض النسخ اللّباد جمع لبدة السّرج. و يقال كفكفه عنه.. أي صرفه و دفعه، و الضمير راجع إلى السمر. قوله صلّى اللّه عليه و آله علوجكم.. أي من أسلم من كفّار العجم، و فيه نسخ أخرى مشتبهة، و قد مرّ أنّ في النهاية حاوكم، و هو الصواب. قوله صلّى اللّه عليه و آله ما يلطّخونا به. اللّطخ التّسويد و إفساد الكتابة و اللّطخ بالعذرة. قوله ما يألوا.. أي ما يقصّر، يقال آلى الرّجل و ألّى إذا قصّر و ترك الجهد، قال تعالى لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا. و الخسيسة و الخساسة الحالة الّتي يكون عليها الخسيس، يقال رفعت خسيسته، و من خسيسته إذا فعلت به فعلا يكون فيه رفعته، ذكره في النهاية. و قال الضّبع بسكون الباء وسط العضد، و قيل هو ما تحت الإبط. و قال البيضاوي يتمطّى.. أي يتبختر افتخارا بذلك من المطّ، فإنّ المتبختر يمدّ خطاه فيكون أصله يتمطّط، أو من المطا و هو الظهر، فإنّه يلويه. أولى لك فأولى.. ويل لك من الولي و أصله أولاك اللّه ما تكرهه، و اللّام مزيدة كما في ردف لكم، أو أولى لك الهلاك، و قيل افعل من الويل بعد القلب كأدنى من دون، أو فعل من آل يئول بمعنى عقباك النار. قوله عليه السلام على ما أشهدهم.. أي على نحو ما أشهدهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و في بعض النسخ و أشهدهم على ما أشهدهم عليه.. أي كيف يدّعون على الرسول أنّه بعد ما أمر ثمانين رجلا بالتسليم عليه بإمرة المؤمنين قال ما ادّعوا أنّه أشهدهم عليه و هما متناقضان، فيكون قوله إنّهم أقرّوا.. استئناف كلام آخر لبيان التناقض في أقوالهم و أفعالهم. أقول سيأتي تفاصيل البدع المذكورة في الخبر. ثم إنّ ظاهر صدر الخبر كون هذا الكلام في خلافة عمر، و قوله ثم صنع عمر شيئا ثالثا.. إلى آخره يدلّ على أنّه كان في خلافة عثمان أو بعده، و لعلّ سليما سمع هذا الكلام منه عليه السلام في مقام آخر فألحقه بهذا الكلام.

 153-  كتاب سليم بن قيس عن أبان، عن سليم، قال سمعت عليّ بن أبي طالب عليه السلام يقول قبل وقعة صفّين إنّ هؤلاء القوم لن ينيبوا إلى الحقّ و لا إلى كلمة سواء بيننا و بينهم حتى يرامونا بالعساكر تتبعها العساكر، و حتى يردفونا بالكتائب تتبعها الكتائب، و حتى يجرّ ببلادهم الخميس تتبعها الخميس، و حتى ترعى الخيول بنواحي أرضهم و تنزل عن مسالحهم، و حتى يشنّ الغارات عليهم من كلّ فجّ، و حتى يلقاهم قوم صدّق صبّر لا يزيدهم هلاك من هلك من قتلاهم و موتاهم في سبيل اللّه إلّا جدّا في طاعة اللّه، و اللّه لقد رأيتنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نقتل آباءنا و أبناءنا و أخوالنا و أعمامنا و أهل بيوتنا ثم لا يزيدنا ذلك إلّا إيمانا و تسليما و جدّا في طاعة اللّه، و استقلالا بمبارزة الأقران، و إن كان الرجل منّا و الرجل من عدوّنا ليتصاولان تصاول الفحلين يتخالسان أنفسهما أيّهما يسقي صاحبه كأس الموت، فمرّة لنا من عدوّنا، و مرّة لعدوّنا منّا، فلمّا رأى اللّه منّا صدقا و صبرا أنزل الكتاب بحسن الثناء علينا و الرضا عنّا، و أنزل علينا النصر، و لست أقول إنّ كلّ من كان مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كذلك، و لقد كانت معنا بطانة لا يألونا خبالا، قال اللّه عزّ و جلّ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَ ما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ و لقد كان منهم بعض من تفضّله أنت و أصحابك يا ابن قيس، فارّين، فلا رمى بسهم، و لا ضرب بسيف، و لا طعن برمح، إذا كان الموت و النزال توارى و اعتلّ و لاذ كما تلوذ النعجة العوراء لا يدفع يد لامس، و إذا ألقى العدوّ فرّ و منح العدوّ دبره جبنا و لؤما، و إذا كان عند الرخاء و الغنيمة تكلّم كما قال اللّه سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ فلا يزال قد استأذن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في ضرب عنق الرجل الذي ليس يريد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قتله، فأبى عليه، و لقد نظر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يوما و عليه السلاح تام، فضحك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، ثم قال يكنّيه أبا فلان اليوم يومك. فقال الأشعث ما أعلمني من تعني إنّ ذلك يفرّ منه الشيطان. قال يا ابن قيس لا آمن اللّه روعة الشيطان إذا قال. ثم قال و لو كنّا حين كنّا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قضينا الشدائد و الأذى و البأس فعلنا كما تفعلون اليوم لما قام للّه دين، و لا أعزّ اللّه

 الإسلام، و ايم اللّه لتحلبنّها دما و ندما و حيرة، فاحفظوا ما أقول لكم و اذكروه، فليسلّطنّ عليكم شراركم و الأدعياء منكم و الطلقاء و الطرداء و المنافقون فليقتلنّكم، ثم لتدعنّ اللّه فلا يستجيب لكم، و لا يدفع البلاء عنكم حتى تتوبوا و ترجعوا، فإن تتوبوا و ترجعوا فيستنقذكم اللّه من فتنتهم و ضلالتهم كما استنقذكم من شرككم و جهالتكم، إنّ العجب كلّ العجب من جهّال هذه الأمّة و ضلّالها و قادتها و ساقتها إلى النار، إنّهم قد سمعوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول عودا و بدءا ما ولّت أمّة رجلا قطّ أمرها و فيهم أعلم منه إلّا لم يزل أمرهم يذهب سفالا حتى يرجعوا إلى ما تركوا، فولوا أمرهم قبلي ثلاثة رهط ما منهم رجل جمع القرآن، و لا يدّعي أنّ له علما بكتاب اللّه و لا سنّة نبيّه )ص(، و قد علموا أنّي أعلمهم بكتاب اللّه و سنّة نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و أفقههم و أقرؤهم بكتاب اللّه و أقضاهم بحكم اللّه، و أنّه ليس رجل من الثلاثة له سابقة مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و لا عناء معه في جميع مشاهده، فرمى بسهم، و لا طعن برمح، و لا ضرب بسيف جبنا و لؤما و رغبة في البقاء، و قد علموا أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قد قاتل بنفسه فقتل أبيّ بن خلف، و قتل مسجع بن عوف و كان من أشجع الناس و أشدّهم لقاء، و أحقّهم بذلك و قد علموا يقينا أنّه لم يكن فيهم أحد يقوم مقامي و لا يبارز الأبطال و يفتح الحصون غيري، و لا نزلت برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله شديدة قطّ و لا كربه أمر و لا ضيق و لا مستضعف من الأمر إلّا قال أين أخي عليّ أين سيفي أين رمحي أين المفرّج عنّي عن وجهي فيقدمني فأتقدّم فأقيه بنفسي و يكشف اللّه بيدي الكرب عن وجهه، و للّه عزّ و جلّ و لرسوله صلّى اللّه عليه و آله بذلك المنّ و الطول حيث خصّني بذلك و وفّقني له، و إنّ بعض من قد سمّيت ما كان له بلاء و لا سابقة و لا مبارزة قرن، و لا فتح و لا نصر غير مرّة واحدة ثم فرّ و منح عدوّه دبره و رجع يجبّن أصحابه و يجبّنونه، و قد فرّ مرارا، فإذا كان عند الرخاء و الغنيمة تكلّم و أمر و نهى، و لقد ناداه ابن عبد ودّ يوم الخندق باسمه فحاد عنه و لاذ بأصحابه حتى تبسّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لمّا رأى به من الرعب، و قال أين حبيبي عليّ تقدّم يا حبيبي يا عليّ، و لقد قال لأصحابه الأربعة أصحاب الكتاب الرأي و اللّه أن يدفع محمّدا برمّته و نسلم من ذلك حين جاء العدوّ من فوقنا و من تحتنا كما قال اللّه تعالى وَ زُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً وَ تَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا وَ إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً، فقال صاحبه لا،

 و لكن نتّخذ صنما عظيما نعبده، لأنّا لا نأمن أن يظفر ابن أبي كبشة فيكون هلاكنا، و لكن يكون هذا الصنم لنا زخرا، فإن ظفرت قريش أظهرنا عبادة هذا الصنم و أعلمناهم أنّا لن نفارق ديننا، و إن رجعت دولة ابن أبي كبشة كنّا مقيمين على عبادة هذا الصنم سرّا، فنزل جبرئيل عليه السلام فأخبر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بذلك، ثم خبّرني به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بعد قتلي ابن عبد ودّ، فدعاهما، فقال كم صنما عبدتما في الجاهليّة. فقالا يا محمّد لا تعيّرنا بما مضى في الجاهليّة. فقال فكم صنم تعبدان وقتكما هذا. فقالا و الذي بعثك بالحقّ نبيّا ما نعبد إلّا اللّه منذ أظهرنا لك من دينك ما أظهرنا. فقال يا عليّ خذ هذا السيف، فانطلق إلى موضع كذا.. و كذا فاستخرج الصنم الذي يعبدانه فاهشمه، فإن حال بينك و بينه أحد فاضرب عنقه، فانكبّا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فقالا استرنا سترك اللّه. فقلت أنا لهما اضمنا للّه و لرسوله ألّا تعبدا إلّا اللّه و لا تشركا به شيئا. فعاهدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله على ذلك، و انطلقت حتى استخرجت الصنم من موضعه و كسرت وجهه و يديه و جزمت رجليه، ثم انصرفت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فو اللّه لقد عرفت ذلك في وجههما حتّى ماتا، ثم انطلق هو و أصحابه حين قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فخاصموا الأنصار بحقّي، فإن كانوا صدقوا و احتجّوا بحقّ أنّهم أولى من الأنصار لأنّهم من قريش و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من قريش، فمن كان أولى برسول اللّه )ص( كان أولى بالأمر و إنّما ظلموني حقّي. و إن كانوا احتجّوا بباطل فقد ظلموا الأنصار حقّهم، و اللّه يحكم بيننا و بين من ظلمنا و حمل الناس على رقابنا. و العجب لما قد أشربت قلوب هذه الأمّة من حبّهم و حبّ من صدّقهم و صدّهم عن سبيل ربّهم و ردّهم عن دينهم، و اللّه لو أنّ هذه الأمّة قامت على أرجلها على التراب، و الرماد واضعة على رءوسها، و تضرّعت و دعت إلى يوم القيامة على من أضلّهم، و صدّهم عن سبيل اللّه، و دعاهم إلى النار، و عرّضهم لسخط ربّهم، و أوجب عليهم عذابه بما أجرموا إليهم لكانوا مقصّرين في ذلك، و ذلك أنّ المحقّ الصادق و العالم باللّه و رسوله يتخوّفان أن غيّرا شيئا من بدعهم و سننهم و أحداثهم عادية العامّة، و متى فعل شاقّوه و خالفوه و تبرّءوا منه و خذلوه و تفرّقوا عن حقّه، و إن أخذ ببدعهم و أقرّ بها و زيّنها و دان بها أحبّته و شرّفته و فضّلته، و اللّه لو ناديت في عسكري هذا بالحقّ الذي أنزل اللّه على نبيّه و أظهرته و دعوت إليه و شرحته و فسّرته على ما سمعت من نبيّ اللّه عليه و آله السلام فيه، ما بقي فيه إلّا أقلّه و أذلّه و أرذله، و لاستوحشوا منه، و لتفرّقوا منّي، و لو لا ما عاهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إليّ و سمعته منه، و تقدّم إليّ فيه لفعلت، و لكنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قد قال كلّما اضطرّ إليه العبد فقد أحلّه اللّه له و أباحه إيّاه، و سمعته يقول إنّ التقيّة من دين اللّه، و لا دين لمن لا تقيّة له، ثم أقبل عليّ، فقال ادفعهم بالراح دفعا عنّي، ثلثان من حيّ و ثلث منّي، فإن عوّضني ربّي فأعذرني.

 إيضاح أقول روى ابن ميثم بعض الخطبة، و فيه حتى يرموا بالمناسر تتبعها العساكر، و حتى يرجموا بالكتائب تقفوها الجلائب، و حتى يجرّ ببلادهم الخميس يتلوه الخميس، و حتّى تدعق الخيول في نواحي أرضهم و بأحناء مشاربهم و مسارحهم، و بعد قوله في طاعة اللّه و حرصا على لقاء اللّه. و روى في النهج أيضا بأدنى اختلاف. قوله عليه السلام إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ.. أي عادلة أو مشتركة بيننا و بينهم. و المنسر خيل من المائة إلى المائتين، و يقال هو الجيش ما يمرّ بشي‏ء إلّا اقتلعه. و الجلائب الإبل الّتي تجلب إلى الرّجل النّازل على الماء ليس له ما يحمل عليه فيحملونه عليها، و لا يبعد أن يكون بالنون. و الخميس الجيش. و قال الجوهري دعق الطّريق فهو مدعوق.. أي كثر عليه الوطء، و دعقته الدّوابّ أثّرت فيه. و الأحناء الجوانب. و المسارح مواضع سرح الدّوابّ، و المسالح الثّغور و المراقب.

 قوله عليه السلام لقد رأيتنا.. في النهج و لقد كنّا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله نقتل آباءنا و أبناءنا و إخواننا و أعمامنا، ما يزيدنا ذلك إلّا إيمانا و تسليما و مضيّا على اللّقم، و صبرا على مضض الألم، و جدّا في جهاد العدوّ، و لقد كان الرّجل منّا و الآخر من عدوّنا يتصاولان تصاول الفحلين، يتخالسان أنفسهما أيّهما يسقي صاحبه كأس المنون، فمرّة لنا من عدوّنا، و مرّة لعدوّنا منّا، فلمّا رأى اللّه صدقنا أنزل بعدوّنا الكبت، و أنزل علينا النّصر، حتّى استقرّ الإسلام ملقيا جرانه، و متبوّئا أوطانه، و لعمري لو كنّا نأتي ما أتيتم ما قام للدّين عمود، و لا اخضرّ للإيمان عود، و ايم اللّه لتحتلبنّها دما و لتتبعنّها ندما.

و الشّنّ الصّبّ و التّفريق، و شنّ الغارات تفريقها عليهم من كلّ ناحية. و اللّقم منهج الطّريق. و المضض حرقة الألم. و التّصاول أن يحمل كلّ من القرينين على صاحبه. و التّخالس التّسالب.. أي ينتهز كلّ منهما فرصة صاحبه. و المنون الموت. و الكبت الإذلال و الصّرف. و الجران مقدّم عنق البعير من منخره إلى مذبحه، كناية عن استقراره في قلوب عباد اللّه كالبعير الذي أخذ مكانه و استقرّ فيه. و يقال تبوّأ وطنه.. أي سكن فيه، شبّه عليه السلام الإسلام بالرجل الخائف المتزلزل الذي استقرّ في وطنه بعد خوفه. قوله عليه السلام لتحتلبنّها.. الضمير مبهم يرجع إلى أفعالهم، شبّهها بالناقة التي أصيب ضرعها بآفة من تفريط صاحبها فيها، و لعلّ المقصود عدم انتفاعهم بتلك الأفعال عاجلا و آجلا. و البطانة الوليجة و هو الّذي يعرّفه الرّجل أسراره ثقة به. لا يألونا خبالا.. أي لا يقصّرون لنا في الفساد، و الألو التّقصير. قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ.. أي في كلامهم، لأنّهم لا يملكون من أنفسهم لفرط بغضهم، وَ ما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ممّا بدا، لأنّ بدوه ليس عن روية و اختيار. قوله عليه السلام سَلَقُوكُمْ.. أي ضربوكم و آذوكم » بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ« ذربة يطلبون الغنيمة. و السّلق البسط بقهر باليد أو باللّسان. قوله عليه السلام يكنّيه.. أي ناداه بالكنية، فقال يا أبا حفص، فقال الأشعث أنا أعرف أنّك تعني عمر، و هو الذي قال فيه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إنّ الشيطان يفرّ منه، فقال عليه السلام استهزاء و تكذيبا للخبر الموضوع ما آمن اللّه روعة الشيطان إذا كان يفرّ من مثل عمر. و يقال كربه الغمّ.. أي اشتدّ عليه. و الجذم القطع. قوله عليه السلام لقد عرفت ذلك.. أي أثر البغض و العداوة لذلك الأمر.

 154-  كنز قوله تعالى عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَ أَخَّرَتْ قال علي ابن إبراهيم نزلت في الثاني، يعني ما قدّمت من ولاية أبي فلان و من ولاية نفسه و ما أخّرت من ولاة الأمر من بعده... إلى قوله بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ، قال الولاية.

 155-  كنز روي عن عمر بن أذينة، عن معروف بن خربوذ، قال قال لي أبو جعفر عليه السلام يا ابن خرّبوذ أ تدري ما تأويل هذه الآية فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ. قلت لا. قال ذلك الثاني، لا يعذّب اللّه يوم القيامة عذابه أحدا.

 156-  كتاب المحتضر عن أبان بن أبي عياش، عن سليم بن قيس الهلالي، عن أمير المؤمنين عليه السلام في حديث طويل و لقد قال لأصحابه الأربعة أصحاب الكتاب الرأي و اللّه أن ندفع محمّدا برمّته و نسلم، و ذلك حين جاء العدوّ من فوقنا و من تحتنا، كما قال اللّه تعالى وَ زُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً وَ تَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا وَ إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً. فقال صاحبه و لكن نتّخذ صنما عظيما فنعبده لأنّا لا نأمن من أن يظفر ابن أبي كبشة فيكون هلاكنا، و لكن يكون هذا الصنم لنا زخرا فإن ظفرت قريش أظهرنا عبادة هذا الصنم و أعلمناهم أنّا كنّا لم نفارق ديننا، و إن رجعت دولة ابن أبي كبشة كنّا مقيمين على عبادة هذا الصنم سرّا، فنزل جبرئيل عليه السلام فأخبر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، ثم خبّرني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله به بعد قتلي ابن عبد ودّ، فدعاهما، و قال كم صنما عبدتما في الجاهليّة. فقالا يا محمّد لا تعيّرنا بما مضى في الجاهليّة. فقال كم صنما تعبدان يومكما هذا. فقالا و الذي بعثك بالحقّ نبيّا ما نعبد إلّا اللّه منذ أظهرنا لك من دينك ما أظهرنا. فقال يا عليّ خذ هذا السيف فانطلق إلى موضع كذا.. و كذا فاستخرج الصنم الذي يعبدانه فاهشمه، فإن حال بينك و بينه أحد فاضرب عنقه، فانكبّا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فقالا استرنا سترك اللّه. فقلت أنا لهما اضمنا للّه و لرسوله أن لا تعبدا إلّا اللّه و لا تشركا به شيئا. فعاهدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله على ذلك، و انطلقت حتى استخرجت الصنم فكسرت وجهه و يديه و جزمت رجليه، ثم انصرفت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فو اللّه لقد عرف ذلك في وجوههما عليّ حتى ماتا.. و ساق الحديث إلى آخره.

 157-  قال و ذكر بعض العلماء في كتابه، عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري، قال إنّ أمير المؤمنين عليه السلام كان يخرج في كلّ جمعة إلى ظاهر المدينة و لا يعلم أحدا أين يمضي، قال فبقي على ذلك برهة من الزمان، فلمّا كان في بعض الليالي، قال عمر بن الخطاب لا بدّ من أن أخرج و أبصر أين يمضي عليّ بن أبي طالب )ع(، قال فقعد له عند باب المدينة حتى خرج و مضى على عادته، فتبعه عمر و كان كلّما وضع عليّ عليه السلام قدمه في موضع وضع عمر رجله مكانها فما كان إلّا قليلا حتى وصل إلى بلدة عظيمة ذات نخل و شجر و مياه غزيرة، ثم إنّ أمير المؤمنين عليه السلام دخل إلى حديقة بها ماء جار فتوضّأ و وقف بين النخل يصلّي إلى أن مضى من الليل أكثره، و أمّا عمر فإنّه نام فلمّا قضى أمير المؤمنين عليه السلام وطره من الصلاة عاد و رجع إلى المدينة حتى وقف خلف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و صلّى معه الفجر، فانتبه عمر فلم يجد أمير المؤمنين عليه السلام في موضعه، فلمّا أصبح رأى موضعا لا يعرفه و قوما لا يعرفهم و لا يعرفونه، فوقف على رجل منهم، فقال له الرجل من أين أنت و من أين أتيت. فقال عمر من يثرب مدينة رسول اللّه )ص(. فقال الرجل يا شيخ تأمّل أمرك و أبصر ما تقول. فقال هذا الذي أقوله لك. قال الرجل متى خرجت من المدينة. قال البارحة. قال له اسكت، لا يسمع الناس منك هذا فتقتل أو يقولون هذا مجنون. فقال الذي أقول حقّ. فقال له الرجل حدّثني كيف حالك و مجيئك إلى هاهنا. فقال عمر كان عليّ بن أبي طالب في كلّ ليلة جمعة يخرج من المدينة و لا نعلم أين يمضي، فلمّا كان في هذه الليلة تبعته و قلت أريد أن أبصر أين يمضي، فوصلنا إلى هاهنا، فوقف يصلّي و نمت و لا أدري ما صنع. فقال له الرجل ادخل هذه المدينة و أبصر الناس و اقطع أيّامك إلى ليلة الجمعة فما لك من يحملك إلى موضع الذي جئت منه إلّا الرجل الذي جاء بك، فبيننا و بين المدينة أزيد من مسيرة سنتين، فإذا رأينا من يرى المدينة و رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله نتبرّك به و نزوره، و في الأحيان نرى من أتى بك فنقول أنت قد جئت في بعض ليلة من المدينة، فدخل عمر إلى المدينة فرأى الناس كلّهم يلعنون ظالمي أهل بيت محمّد صلّى اللّه عليه و آله و يسمّوهم بأسمائهم واحدا واحدا، و كلّ صاحب صناعة يقول كذلك و هو على صناعته، فلمّا سمع عمر ذلك ضاقت عليه الأرض بما رحبت و طالت عليه الأيّام حتى جاء ليلة الجمعة، فمضى إلى ذلك المكان فوصل أمير المؤمنين عليه السلام إليه عادته، فكان عمر يترقّبه حتى مضى معظم الليل و فرغ من صلاته و همّ بالرجوع فتبعه عمر حتى وصلا الفجر المدينة، فدخل أمير المؤمنين عليه السلام المسجد و صلّى خلف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و صلّى عمر أيضا، ثم التفت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إلى عمر، فقال يا عمر أين كنت أسبوعا لا نراك عندنا فقال عمر يا رسول اللّه )ص( كان من شأني.. كذا و كذا، و قصّ عليه ما جرى له، فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لا تنس ما شاهدت بنظرك، فلمّا سأله من سأله عن ذلك، فقال نفذ فيّ سحر بني هاشم.

 أقول هذا حديث غريب لم أره إلّا في الكتاب المذكور.

 158-  كشف الحقّ للعلّامة الحلّي رحمه اللّه روى الحافظ محمد بن موسى الشيرازي في كتابه الذي استخرجه من التفاسير الاثني عشر تفسير أبي يوسف يعقوب بن سفيان، و تفسير ابن جريح، و تفسير مقاتل بن سليمان، و تفسير وكيع بن جرّاح، و تفسير يوسف بن موسى القطّان، و تفسير قتادة، و تفسير أبي عبيدة القاسم بن سلام، و تفسير عليّ بن حرب الطائي، و تفسير السدي، و تفسير مجاهد، و تفسير مقاتل بن حيّان، و تفسير أبي صالح، و كلّهم من الجماهرة، عن أنس بن مالك، قال كنّا جلوسا عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فتذاكرنا رجلا يصلّي و يصوم و يتصدّق و يزكّي، فقال لنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لا أعرفه.. فقلنا يا رسول اللّه إنّه عبد اللّه و يسبّحه و يقدّسه و يوحّده. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لا أعرفه، فبينا نحن في ذكر الرجل إذ قد طلع علينا، فقلنا هو ذا، فنظر إليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فقال لأبي بكر خذ سيفي هذا و امض إلى هذا الرجل فاضرب عنقه، فإنّه أوّل من يأتيه من حزب الشيطان.. فدخل أبو بكر المسجد فرآه راكعا، فقال و اللّه لا أقتله، فإنّ رسول اللّه )ص( نهانا عن قتل المصلّين، فرجع إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فقال يا رسول اللّه إنّي رأيته يصلّي. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله اجلس، فلست بصاحبه، قم يا عمر و خذ سيفي من يد أبي بكر و ادخل المسجد فاضرب عنقه، قال عمر فأخذت السيف من أبي بكر و دخلت المسجد فرأيت الرجل ساجدا، فقلت و اللّه لا أقتله فقد استأمنه من هو خير منّي، فرجعت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فقلت يا رسول اللّه إنّي رأيت الرجل ساجدا. فقال يا عمر اجلس فلست بصاحبه، قم يا عليّ فإنّك أنت قاتله، إن وجدته فاقتله، فإنّك إن قتلته لم يقع بين أمّتي اختلاف أبدا. قال عليّ عليه السلام فأخذت السيف و دخلت المسجد فلم أره، فرجعت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فقلت يا رسول اللّه )ص( ما رأيته. فقال يا أبا الحسن إنّ أمّة موسى افترقت إحدى و سبعين فرقة، فرقة ناجية و الباقون في النار، و إنّ أمّة عيسى )ع( افترقت اثنتين و سبعين فرقة، فرقة ناجية و الباقون في النار، و إنّ أمّتي ستفترق على ثلاث و سبعين فرقة، فرقة ناجية و الباقون في النار. فقلت يا رسول اللّه )ص( و ما الناجية. فقال المتمسّك بما أنت عليه و أصحابك، فأنزل اللّه تعالى في ذلك الرجل ثانِيَ عِطْفِهِ. يقول هذا أوّل من يظهر من أصحاب البدع و الضلالات. قال ابن عباس و اللّه ما قتل ذلك الرجل إلّا أمير المؤمنين )ع( يوم صفّين، ثم قال لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ قال القتل وَ نُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ بقتاله عليّ بن أبي طالب عليه السلام يوم صفّين.

 قال العلّامة رحمه اللّه تضمّن الحديث أنّ أبا بكر و عمر لم يقبلا أمر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و لم يقبلا قوله، و اعتذرا بأنّه يصلّي و يسجد، و لم يعلما أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أعرف بما هو عليه منهما، و لو لم يكن مستحقّا للقتل لم يأمر اللّه تعالى نبيّه بذلك، و كيف ظهر إنكار النبيّ صلّى اللّه عليه و آله على أبي بكر بقوله لست بصاحبه، و امتنع عمر من فعله، و مع ذلك فإنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله حكم بأنّه لو قتل لم يقع بين أمّتي اختلاف أبدا، و كرّر الأمر بقتله ثلاث مرّات عقيب الإنكار على الشيخين، و حكم صلّى اللّه عليه و آله بأنّ أمّته ستفترق ثلاثا و سبعين فرقة، اثنتان و سبعون منها في النار، و أصل هذا بقاء ذلك الرجل الذي أمر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله الشيخين بقتله فلم يقتلاه، فكيف يجوز للعامي تقليد من يخالف أمر الرسول صلّى اللّه عليه و آله.

 159-  و قال رحمه اللّه في الكتاب المذكور و قد روى عبد اللّه بن عباس، و جابر، و سهل بن حنيف، و أبو وائل، و القاضي عبد الجبار، و أبو عليّ الجبائي، و أبو مسلم الأصفهاني، و يوسف الثعلبي، و الطبري، و الواقدي، و الزهري، و البخاري، و الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند المسور بن مخرمة في حديث الصلح بين سهيل بن عمرو و بين النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بالحديبيّة، يقول فيه فقال عمر بن الخطاب فأتيت النبيّ صلّى اللّه عليه ]و آله[، فقلت له أ لست نبيّ اللّه حقّا. قال بلى. قلت أ لسنا على الحقّ و عدوّنا على الباطل. قال بلى. قلت فلم نعطي الدنيّة في ديننا إذا. قال إنّي رسول اللّه و لست أعصيه و هو ناصري.. قلت أ و ليس كنت تحدّثنا أنّا سنأتي البيت فنطوف به. قال عمر فأتيت أبا بكر، فقلت يا أبا بكر أ ليس هذا نبيّ اللّه حقّا. قال بلى. قلت أ لسنا على الحقّ و عدوّنا على الباطل. قال بلى. قلت فلم نعطي هذه الدنيّة في ديننا إذا. قال أيّها الرجل إنّه رسول اللّه، و لا يعصي لربّه و هو ناصره، فاستمسك بعذره فو اللّه إنّه على الحقّ. قلت أ ليس كان يحدّثنا أنّه سيأتي البيت و يطوف به. قال فأخبرك أنّه يأتيه العام قلت لا. قال فإنّك آتيه و تطوف به. و زاد الثعلبي في تفسيره عند ذكر سورة الفتح و غيره من الرواة أنّ عمر ابن الخطاب قال ما شككت منذ أسلمت إلّا يومئذ.

 ثم قال رحمه اللّه فهذا الحديث يدلّ على تشكيك عمر و الإنكار على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فيما فعله بأمر اللّه، ثم رجوعه إلى أبي بكر حتّى أجابه بالصحيح، و كيف استجاز عمر أن يوبّخ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و يقول له عقيب قوله صلّى اللّه عليه و آله إنّي رسول اللّه و لست أعصيه، و هو ناصري أ ليس كنت تحدّثنا إنّا سنأتي البيت و نطوف به.

 160-  ثم قال قدّس سرّه في الجمع بين الصحيحين في مسند عائشة من المتّفق على صحّته أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أعتم بالعشاء حتى ناداه عمر الصلاة نام النساء و الصبيان، فخرج و قال ما كان لكم أن تبرزوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله على الصلاة، و ذلك حين صاح عمر بن الخطاب و قد قال اللّه تعالى لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَ لا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَ أَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ فجعل ذلك محبطا للعمل، و قال إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ وَ لَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ.

 161-  و قال رحمه اللّه و في الجمع بين الصحيحين للحميدي في مسند عبد اللّه بن عمر بن الخطاب أنّه لمّا توفي عبد اللّه بن أبي سلول جاء ابنه عبد اللّه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ليصلّي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فقال يا رسول اللّه )ص( أ تصلّي عليه و قد نهاك ربّك أن تصلّي عليه. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إنّما خيّرني اللّه تعالى قال اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً... و سأزيد على السبعين. قال إنّه منافق.. فصلّى عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله. و هذا ردّ على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله.

 162-  و قال رحمه اللّه و في الجمع في الصحيحين من مسند عائشة، قالت كانت أزواج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله تخرجن ليلا إلى ليل قبل المصانع، فخرجت سودة بنت زمعة فرآها عمر و هو في المجلس، فقال عرفتك يا سودة فنزل آية الحجاب عقيب ذلك. و هو يدلّ على سوء أدب عمر حيث كشف ستر زوجة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و دلّ عليها أعين الناس و أخجلها، و ما قصدت بخروجها ليلا إلّا الاستتار عن الناس و صيانة نفسها، و أيّ ضرورة له إلى تخجيلها حتى أوجب ذلك نزول آية الحجاب.

 أقول أورد قدّس اللّه روحه كثيرا من مطاعنهم تركناها اختصارا و سنعيد الكلام بذكر تفاصيل مثالبهم و إثباتها بما هو متداول بينهم اليوم من كتبهم التي لا يمكنهم القدح في رواياتها و بسط القول فيها اعتراضا و جوابا ليتمّ الحجّة على المخالفين و لا يبقى لهم عذر في الدنيا و لا في يوم الدين. و نرجو من فضله تعالى أن لا يحرمني أجر ذلك، فإنّه لا يضيع عنده أجر المحسنين.

 163-  يل البراء بن عازب، قال بينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله جالسا في أصحابه إذ أتاه وفد من بني تميم، منهم مالك بن نويرة، فقال يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله علّمني الإيمان. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله تشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له و أنّي رسول اللّه، و تصلّي الخمس، و تصوم شهر رمضان، و تؤدّي الزكاة، و تحجّ البيت، و توالي وصيّي هذا من بعدي و أشار إلى عليّ )ع( بيده و لا تسفك دما، و لا تسرق، و لا تخون، و لا تأكل مال اليتيم، و لا تشرب الخمر، و توفي بشرائعي، و تحلّل حلالي و تحرّم حرامي، و تعطي الحقّ من نفسك للضعيف و القوي و الكبير و الصغير.. حتى عدّ عليه شرائع الإسلام. فقال يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أعد عليّ فإنّي رجل نسّاء، فأعادها عليه فعقدها بيده، و قام و هو يجرّ إزاره و هو يقول تعلّمت الإيمان و ربّ الكعبة، فلمّا بعد عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال صلّى اللّه عليه و آله من أحبّ أن ينظر إلى رجل من أهل الجنّة فلينظر إلى هذا الرجل. فقال أبو بكر و عمر إلى من تشير يا رسول اللّه )ص(. فأطرق إلى الأرض فاتّخذا في السير فلحقاه، فقالا له البشارة من اللّه و رسوله بالجنّة، فقال أحسن اللّه تعالى بشارتكما إن كنتما ممّن يشهد بما شهدت به، فقد علمتما ما علّمني النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، و إن لم تكونا كذلك فلا أحسن اللّه بشارتكما. فقال أبو بكر لا تقل ذلك فأنا أبو عائشة زوجة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله. قال قلت ذلك فما حاجتكما. قالا إنّك من أصحاب الجنّة فاستغفر لنا. فقال لا غفر اللّه لكما، أنتما نديمان لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله صاحب الشفاعة و تسألاني أستغفر لكما فرجعا و الكآبة لائحة في وجهيهما، فلمّا رآهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله تبسّم، و قال في الحقّ مغضبة. فلمّا توفي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و رجع بنو تميم إلى المدينة و معهم مالك بن نويرة، فخرج لينظر من قام مقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فدخل يوم الجمعة و أبو بكر على المنبر يخطب الناس فنظر إليه و قالوا أخو تيم. قالوا نعم. قال ما فعل وصيّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الذي أمرني بموالاته. قالوا يا أعرابي الأمر يحدث بعد الأمر الآخر. قال تاللّه ما حدث شي‏ء و إنّكم لخنتم اللّه و رسوله، ثم تقدّم إلى أبي بكر و قال له من أرقاك هذا المنبر و وصيّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله جالس. فقال أبو بكر أخرجوا الأعرابي البوّال على عقبيه من مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله. فقام إليه قنفذ بن عمير و خالد بن الوليد فلم يزالا يكذبان عنقه حتى أخرجاه، فركب راحلته و أنشأ يقول شعرا

أطعنا رسول اللّه ما كان بيننافيا قوم ما شأني و شأن أبي بكر إذا مات بكر قام عمرو أمامه‏فتلك و بيت اللّه قاصمة الظهر يذبّ و يغشاه العشار كأنّمايجاهد جما أو يقوم على قبر فلو طاف فينا من قريش عصابةأقمنا و لو كان القيام على جمر

قال فلمّا استتمّ الأمر لأبي بكر وجّه خالد بن الوليد و قال له قد علمت ما قال على رءوس الأشهاد، لست آمن أن يفتق علينا فتقا لا يلتام، فاقتله، فحين أتاه خالد ركب جواده و كان فارسا يعدّ بألف فارس، فخاف خالد منه فآمنه و أعطاه المواثيق ثم غدر به بعد أن ألقى سلاحه فقتله، و عرّس بامرأته في ليلته و جعل رأسه في قدر فيها لحم جزور لوليمة عرسه لامرأته ينزو عليها نزو الحمار.. و الحديث طويل.

 بيان العشار بالكسر جمع العشراء، و هي النّاقة الّتي مضى لحملها عشرة أشهر. و الجمّ جمع الجمّاء و هي الشّاة الّتي لا قرن لها. و الأجمّ الرّجل بلا رمح، و لعلّ تشبيه القوم بالعشار لمّا أكلوا من الأموال المحرّمة و طعموا من الولايات الباطلة، و نفي كونها جمّا تهديد بأنّه و قومه كاملوا الإرادة و السلاح.

  -164  إرشاد القلوب من مثالبهم لمّا ما تضمّنه خبر وفاة الزهراء عليها السلام قرّة عين الرسول و أحبّ الناس إليه مريم الكبرى و الحوراء التي أفرغت من ماء الجنّة من صلب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، التي قال في حقّها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إنّ اللّه يرضى لرضاك و يغضب لغضبك.

 و قال عليه و آله السلام فاطمة بضعة منّي من آذاها فقد آذاني.

 و روي أنّه لمّا حضرتها الوفاة قالت لأسماء بنت عميس إذا أنا متّ فانظري إلى الدار فإذا رأيت سجفا من سندس من الجنّة قد ضرب فسطاطا في جانب الدار فاحمليني و زينب و أمّ كلثوم فاجعلوني من وراء السجف و خلّوا بيني و بين نفسي، فلمّا توفّيت عليها السلام و ظهر السجف حملناها و جعلناها وراءه، فغسّلت و كفّنت و حنّطت بالحنوط، و كان كافور أنزله جبرئيل عليه السلام من الجنّة في ثلاث صرر، فقال يا رسول اللّه ربّك يقرئك السلام و يقول لك هذا حنوطك و حنوط ابنتك و حنوط أخيك عليّ مقسوم أثلاثا، و إنّ أكفانها و ماءها و أوانيها من الجنّة. و روي أنّها توفّيت عليها السلام بعد غسلها و تكفينها و حنوطها، لأنّها طاهرة لا دنس فيها، و أنّها أكرم على اللّه تعالى أن يتولّى ذلك منها غيرها، و إنّه لم يحضرها إلّا أمير المؤمنين و الحسن و الحسين و زينب و أمّ كلثوم و فضّة جاريتها و أسماء بنت عميس، و إنّ أمير المؤمنين عليه السلام أخرجها و معه الحسن و الحسين في الليل و صلّوا عليها، و لم يعلم بها أحد، و لا حضروا وفاتها و لا صلّى عليها أحد من سائر الناس غيرهم، لأنّها عليها السلام أوصت بذلك، و قال لا تصلّ على أمّة نقضت عهد اللّه و عهد أبي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في أمير المؤمنين عليّ عليه السلام، و ظلموني حقّي، و أخذوا إرثي، و خرقوا صحيفتي الّتي كتبها لي أبي بملك فدك، و كذّبوا شهودي و هم و اللّه جبرئيل و ميكائيل و أمير المؤمنين عليه السلام و أمّ أيمن، و طفت عليهم في بيوتهم و أمير المؤمنين عليه السلام يحملني و معي الحسن و الحسين ليلا و نهارا إلى منازلهم أذكرهم باللّه و برسوله ألّا تظلمونا و لا تغصبونا حقّنا الذي جعله اللّه لنا، فيجيبونا ليلا و يقعدون عن نصرتنا نهارا، ثم ينفذون إلى دارنا قنفذا و معه عمر بن الخطاب و خالد بن الوليد ليخرجوا ابن عمّي عليّا إلى سقيفة بني ساعدة لبيعتهم الخاسرة، فلا يخرج إليهم متشاغلا بما أوصاه به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و بأزواجه و بتأليف القرآن و قضاء ثمانين ألف درهم وصّاه بقضائها عنه عدات و دينا، فجمعوا الحطب الجزل على بابنا و أتوا بالنار ليحرقوه و يحرقونا، فوقفت بعضادة الباب و ناشدتهم باللّه و بأبي أن يكفّوا عنّا و ينصرونا، فأخذ عمر السوط من يد قنفذ مولى أبي بكر فضرب به عضدي فالتوى السوط على عضدي حتّى صار كالدملج، و ركل الباب برجله فردّه عليّ و أنا حامل فسقطت لوجهي و النار تسعر و تسفع وجهي، فضربني بيده حتى انتثر قرطي من أذني، و جاءني المخاض فأسقطت محسنا قتيلا بغير جرم، فهذه أمّة تصلّي عليّ و قد تبرّأ اللّه و رسوله منهم، و تبرّأت منهم. فعمل أمير المؤمنين )ع( بوصيّتها و لم يعلم أحدا بها فأصنع في البقيع ليلة دفنت فاطمة عليها السلام أربعون قبرا جددا. ثم إنّ المسلمين لمّا علموا بوفاة فاطمة و دفنها جاءوا إلى أمير المؤمنين عليه السلام يعزّونه بها، فقالوا يا أخا رسول اللّه )ص( لو أمرت بتجهيزها و حفر تربتها. فقال عليه السلام قد ورّيت و لحقت بأبيها صلّى اللّه عليه و آله و سلّم. فقالوا إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، تموت ابنة نبيّنا محمّد صلّى اللّه عليه و آله و لم يخلّف فينا ولدا غيرها، و لا نصلّي عليها إنّ هذا لشي‏ء عظيم. فقال عليه السلام حسبكم ما جنيتم على اللّه و على رسوله صلّى اللّه عليه و آله و على أهل بيته و لم أكن و اللّه لأعصيها في وصيّتها التي أوصت بها في أن لا يصلّي عليها أحد منكم، و لا بعد العهد فأعذر، فنفض القوم أثوابهم، و قالوا لا بدّ لنا من الصلاة على ابنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و مضوا من فورهم إلى البقيع فوجدوا فيه أربعين قبرا جددا، فاشتبه عليهم قبرها عليها السلام بين تلك القبور فصح الناس و لام بعضهم بعضا، و قالوا لم تحضروا وفاة بنت نبيّكم و لا

 الصلاة عليها و لا تعرفون قبرها فتزورونه. فقال أبو بكر هاتوا من ثقات المسلمين من ينبش هذه القبور حتى تجدوا قبرها فنصلّي عليها و نزورها، فبلغ ذلك أمير المؤمنين عليه السلام، فخرج من داره مغضبا و قد احمّر وجهه و قامت عيناه و درّت أوداجه، و على يده قباه الأصفر الذي لم يكن يلبسه إلّا في يوم كريهة يتوكأ على سيفه ذي الفقار حتّى ورد البقيع، فسبق الناس النذير، فقال لهم هذا عليّ قد أقبل كما ترون يقسم باللّه لأن بحث من هذه القبور حجر واحد لأضعنّ السيف على غائر هذه الأمّة، فولّى القوم هاربين قطعا قطعا.

و منها ما فعله الأول من التآمر على الأمّة من غير أن أباح اللّه له ذلك و لا رسوله، و مطالبة جميعهم بالبيعة له و الانقياد إلى طاعته طوعا و كرها، و كان ذلك أوّل ظلم ظهر في الإسلام بعد وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، إذ كان هو و أولياؤه جميعا مقرّين بأنّ اللّه عزّ و جلّ و رسوله صلّى اللّه عليه و آله لم يولّياه ذلك و لا أوجبا طاعته و لا أمرا ببيعته. و طالب الناس بالخروج إليه ممّا كان يأخذه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من الأخماس و الصدقات و الحقوق الواجبات. ثم تسمّى بخلافة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و قد علم هو و من معه من الخاصّ و العامّ أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لم يستخلفه، فقد جمع بين الظلم و المعصية و الكذب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله،

 و قد قال صلّى اللّه عليه و آله من كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النار،

و لمّا امتنع طائفة من الناس في دفع الزكاة إليه و قالوا إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لم يأمرنا بدفع ذلك إليك، فسمّاهم أهل الردّة، و بعث إليهم خالد بن الوليد رئيس القوم في جيش، فقتل مقاتلهم، و سبى ذراريهم، و استباح أموالهم، و جعل ذلك فيئا للمسلمين، و قتل خالد بن الوليد رئيس القوم مالك بن نويرة، و أخذ امرأته فوطأها من ليلته تلك و استحلّ الباقون فروج نسائهم من غير استبراء. و قد روى أهل الحديث جميعا بغير خلاف عن القوم الّذين كانوا مع خالد أنّهم قالوا أذّن مؤذّننا و أذّن مؤذّنهم، و صلّينا و صلّوا، و تشهّدنا و تشهّدوا، فأيّ ردّة هاهنا مع ما رووه أنّ عمر قال لأبي بكر كيف نقاتل قوما يشهدون أن لا إله إلّا اللّه و أنّ محمّدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و قد سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول أمرت أن أقاتل الناس حتّى يشهدوا أن لا إله إلّا اللّه و أنّي رسول اللّه )ص(، فإذا قالوها حقنوا دماءهم و أموالهم. فقال لو منعوني عقالا ممّا كانوا يدفعونه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لقاتلتهم أو قال لجاهدتهم، و كان هذا فعلا فظيعا في الإسلام و ظلما عظيما، فكفى بذلك خزيا و كفرا و جهلا، و إنّما أخذ عليه عمر بسبب قتل مالك بن نويرة، لأنّه كان بين عمر و بين مالك خلّة أوجبت المعصية له من عمر. ثم رووا جميعا أنّ عمر لمّا ولي جمع من بقي من عشيرة مالك و استرجع ما وجد عند المسلمين من أموالهم و أولادهم و نسائهم، و ردّ ذلك جميعا عليهم. فإن كان فعل أبي بكر بهنّ خطأ فقد أطعم المسلمين الحرام من أموالهم و ملّكهم العبيد الأحرار من أبنائهم، و أوطأهم فروجا حراما من نسائهم، و إن كان ما فعله حقّا فقد أخذ عمر نساء قوم ملكوهنّ بحقّ فانتزعهنّ من أيديهم غصبا و ظلما و ردّهنّ إلى قوم لا يستحقّونهنّ بوطئهنّ حراما من غير مباينة وقعت و لا أثمان دفعت إلى من كنّ عنده في تملّكه، فعلى كلا الحالين قد أخطئا جميعا أو أحدهما، لأنّهما أباحا للمسلمين فروجا حراما، و أطعماهم طعاما حراما من أموال المقتولين على دفع الزكاة إليه، و ليس له ذلك على ما تقدّم ذكره. و منها تكذيبه لفاطمة عليها السلام في دعواها فدك، و ردّ شهادة أمّ أيمن، مع

 أنّهم رووا جميعا أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال أمّ أيمن امرأة من أهل الجنّة

و ردّ شهادة أمير المؤمنين عليه السلام

 و قد رووا جميعا أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال عليّ مع الحقّ و الحقّ مع عليّ يدور معه حيثما دار

و أخبرهم أيضا بتطهير عليّ و فاطمة من الرجس عن اللّه تعالى، فمن توهّم أنّ عليّا و فاطمة يدخلان بعد هذه الأخبار من اللّه عزّ و جلّ في شي‏ء من الكذب و الباطل فقد كذّب اللّه، و من كذّب اللّه كفر بغير خلاف. و منها قوله في الصلاة لا تفعل خالد ما أمره، فهذه بدعة يقارنها كفر، و ذلك أنّه أمر خالد بقتل أمير المؤمنين عليه السلام إذا هو سلّم من صلاة الفجر، فلمّا قام في الصلاة ندم على ذلك و خشي إن فعل ما أمر به من قتل أمير المؤمنين عليه السلام أن تهيج عليه فتنة لا يقومون لها. فقال لا يفعلنّ خالد ما أمر.. قبل أن يسلّم، و الكلام في الصلاة بدعة، و الأمر بقتل عليّ كفر. و منها أنّهم رووا بغير خلاف أنّه قال وقت وفاته ثلاث فعلتها وددت أنّي لم أفعلها، و ثلاث لم أفعلها و وددت أنّي أفعلها، و ثلاث غفلت عنها و وددت أنّي أسأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عنها، أمّا الثلاث التي وددت أنّي لم أفعلها، فبعث خالد بن الوليد إلى مالك بن نويرة و قومه المسمّين بأهل الردّة، و كشف بيت فاطمة )ع( و إن كان أغلق على حرب.. و اختلف أولياؤه في باقي الخصال فأهملنا ذكرها و ذكرنا ما اجتمعوا عليه. فقد دلّ قوله أنّي لم أكشف بيت فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.. أنّه أغضب فاطمة،

 و قد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إنّ اللّه يغضب لغضبك و يرضى لرضاك،

فقد أوجب بفعله هذا غضب اللّه عليه بغضب فاطمة.

 و قال صلّى اللّه عليه و آله فاطمة بضعة منّي من آذاها فقد آذاني و من آذاني فقد آذى اللّه

فقد لزمه أن يكون قد آذى اللّه و رسوله بما لحق فاطمة عليها السلام من الأذى بكشف بيتها، و قد قال اللّه عزّ و جلّ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ، و أمّا الثلاثة التي ودّ أن يسأل رسول اللّه عنها فهي الكلالة ما هي و عن الجدّ ما له من الميراث و عن الأمر لمن بعده و من صاحبه. و كفى بهذا الإقرار على نفسه خزيا و فضيحة، لأنّه شهّر نفسه بالجهل بأحكام الشريعة، و من كان هذه حاله كان ظالما فيما دخل فيه من الحكومة بين المسلمين بما لا يعلمه وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ. و قوله و وددت أنّي أسأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لمن الأمر بعده و من صاحبه فقد أقرّ و أشهد على نفسه بأنّ الأمر لغيره، و أنّه لا حقّ له فيه، لأنّه لو كان له حقّ لكان قد علمه من اللّه عزّ و جلّ و من رسوله صلّى اللّه عليه و آله، فلمّا لم يكن له فيه حقّ لم يعلم لمن هو بزعمه، و إذا لم يكن فيه حقّ و لم يعلم لمن هو فقد دخل فيما لم يكن له، و أخذ حقّا هو لغيره، و هذا يوجب الظلم و التعدّي، و قال اللّه تعالى أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ. و أمّا ما وافقه عليه صاحبه الثاني فمنها أنّه لمّا أمر أن يجمع ما تهيّأ له من القرآن أمر مناديا ينادي في المدينة من كان عنده شي‏ء من القرآن فليأتنا به، ثم قال لا تقبل من أحد شيئا إلّا بشاهدي عدل. و هذا منه مخالف لكتاب اللّه عزّ و جلّ إذ يقول لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ فذلك غاية الجهل و قلّة الفهم، و هذا الوجه أحسن أحوالهما، و من حلّ هذا المحلّ لم يجز أن يكون حاكما بين المسلمين فضلا عن منزلة الإمامة، و إن كانا قد علما ذلك من كتاب اللّه، و لم يصدّقا إخبار اللّه فيه، و لم يثقا بحكمه في ذلك، كانت هذه حالا توجب عليهما ما لا خفاء به على كلّ ذي فهم، و لكنّ الأئمّة من أهل البيت عليهم السلام قالوا إنّهما قصدا بذلك عليّا عليه السلام فجعلا هذا سببا لترك قبول ما كان عليّ عليه السلام جمعه و ألّفه من القرآن في مصحفه بتمام ما أنزل اللّه عزّ و جلّ على رسوله منه، و خشيا أن يقبلا ذلك منه، فيظهر ما يفسد عليهما عند الناس ما ارتكباه من الاستيلاء على أمورهم، و يظهر فيه فضائح المذمومين بأسمائهم و طهارة الفاضلين المحمودين بذكرهم، فلذلك قالا لا نقبل القرآن من أحد إلّا بشاهدي عدل، هذا مع ما يلزم من يتولّاهما أنّهما لم يكونا عالمين بتنزيل القرآن، لأنّهما لو كانا يعلمانه لما احتاجا أن يطلباه من غيرهما ببيّنة عادلة، و إذا لم يعلما التنزيل كان محالا أن يعلما التأويل، و من لم يعلم التنزيل و لا التأويل كان جاهلا بأحكام الدين و بحدود ما أنزل اللّه على رسوله، و من كان بهذه الصفة خرج عن حدود من يصلح أن يكون حاكما بين المسلمين أو إماما لهم، و من لم يصلح لذلك ثم دخل فيه فقد استوجب

 المقت من اللّه عزّ و جلّ، لأنّ من لا يعلم حدود اللّه يكون حاكما بغير ما أنزل اللّه، و قال سبحانه و تعالى وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ. و منها إنّ الأمّة مجتمعة على أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ضمّه و صاحبه مع جماعة من المهاجرين و الأنصار إلى أسامة بن زيد و ولّاه عليهما، و أمره بالمسير فيهم، و أمرهم بالمسير تحت رايته، و هو أمير عليهم إلى بلاد من الشام، و لم يزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول لينفّذوا جيش أسامة.. حتى توفي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في مرضه ذلك، و أنّهما لم ينفّذا و تأخّرا عن أسامة في طلب ما استوليا عليه من أمور الأمّة، فبايع الناس لأبي بكر و أسامة معسكر في مكانه على حاله خارج المدينة و الأمّة مجتمعة على أنّ من عصى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و خالفه فقد عصى اللّه، و من أطاع الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ، بنصّ الكتاب العزيز، و الأمّة أيضا مجمعة على أنّ معصية الرسول بعد وفاته كمعصيته في حياته، و أنّ طاعته بعد وفاته كطاعته في حياته، و أنّهما لم يطيعاه في الحالتين، و تركا أمره لهما بالخروج، و من ترك أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله متعمدا و خالفه وجب الحكم بارتداده. و منها أنّه لما حضرته الوفاة جعل ما كان اغتصبه و ظلم في الاستيلاء عليه لعمر من بعده، و طالب الناس بالبيعة له و الرضا به كره في ذلك من كره و رغب من رغب، و قد أجمعوا في روايتهم أنّ الغالب كان من الناس يومئذ الكراهية، فلم يفكّر في ذلك و جعله الوالي عليهم على كره منهم، و خوّفوه من اللّه عزّ و جلّ في توليته، فقال أ باللّه تخوّفوني إذا أنا لقيته قلت له استخلفت عليهم خير أهلك. فكان هذا القول جامعا لعجائب من المنكرات القطعيّات، أ رأيت لو أجابه اللّه تعالى، فقال و من جعل إليك ذلك و من ولّاك أنت حتى تستخلف عليهم غيرك فقد تقلّد الظلم في حياته و بعد وفاته. ثم إنّ قوله تخوّفوني باللّه.. إمّا هو دليل على استهانته بملاقاة اللّه تعالى، أو يزعم أنّه زكيّ عند اللّه بري‏ء من كلّ ذلّة و هفوة، و هذا مخالفة لقوله تعالى، فإنّه قال فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى. ثم إنّه لم يكتف بذلك حتى شهد لعمر أنّه خير القوم، و هذا ممّا لا يصل إليه مثله و لا يعرفه. ثم إنّه ختم ذلك بالطامّة الكبرى أنّه أمر وقت وفاته بالدفن مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في بيته و موضع قبره و جعل أيضا بذلك سبيلا لعمر عليه، فإنّه فعل كما فعله، و صيّرت العامّة ذلك منقبة لهما بقولهم ضجيعا رسول اللّه )ص(، و من عقل و ميّز و فهم علم أنّهما قد جنيا على أنفسهما جناية لا يستقيلانها أبدا، و أوجبا على أنفسهما المعصية للّه و لرسوله و الظلم الظاهر الواضح، لأنّ اللّه سبحانه قد نهى عن الدخول إلى بيوت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إلّا بإذنه، حيث يقول يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ و الحال في ذلك بعد وفاته كالحال في حياته، إلّا أن يخصّ اللّه عزّ و جلّ ذلك أو رسوله، فإن كان البيت الذي فيه قبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله للرسول خاصّة فقد عصيا اللّه بدخولهما إليه بغير إذن الرسول صلّى اللّه عليه و آله، و ختما أعمالهما بمعصية اللّه تعالى في ذلك، و إن كان البيت من جملة التركة، فإمّا أن يكون كما زعموا أنّه صدقة أو يكون للورثة، فإن كان صدقة فحينئذ يكون لسائر المسلمين لا يجوز أن يختصّ واحد دون واحد، و لا يجوز أيضا شراؤه من المسلمين و لا

 استيهابه، و إن كان ميراثا، فلم يكونا ممّن يرث الرسول صلّى اللّه عليه و آله. و إن ادّعى جاهل ميراث ابنتهما من الرسول )ص( فإنّ نصيبهما تسعا الثمن لأنّ الرسول صلّى اللّه عليه و آله مات عن تسع نسوة و عن ولد للصلب، فلكلّ واحدة منهما تسع الثمن، و هذا القدر لا يبلغ مفحص قطاة. و بالجملة، فإنّهما غصبا الموضع حتى تقع القسمة على تركة الرسول و لا قسمة مع زعمهم أنّ ما تركه صدقة. و أمّا صاحبه الثاني فقد حذا حذوه، و زاد عليه فيما غيّر من حدود اللّه تعالى في الوضوء، و الأذان و الإقامة.. و سائر أحكام الدين. أمّا الوضوء، فقد قال عزّ من قائل يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ فقد جعل سبحانه للوضوء حدودا أربعة، حدّان منها غسل، و حدّان منها مسح، فلمّا قدم الثاني بعد الأول جعل المسح على الرجلين غسلا و أمر الناس بذلك، فاتّبعوه إلّا الفرقة المحقّة، و أفسدوا على من اتّبعه وضوءه و صلاته لفساد الوضوء، لأنّه على غير ما أنزل اللّه به من حدود الوضوء، و أجاز أيضا المسح على الخفّين من غير أمر من اللّه تعالى و رسوله. و أمّا الأذان و الإقامة، فأسقط منهما و زاد فيهما، أمّا الأذان فإنّه كان فيه على عهد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله )حيّ على خير العمل( بإجماع العلماء و أهل المعرفة بالأثر و الخبر، فقال الثاني ينبغي لنا أن نسقط )حيّ على خير العمل(، في الأذان و الإقامة لئلّا يتّكل الناس على الصلاة فيتركوا الجهاد، فأسقط ذلك من الأذان و الإقامة جميعا لهذه العلّة بزعمه، فقبلوا ذلك منه و تابعوه عليه، و يلزمهم أن يكون عمر قد أبصر من الرشد ما لم يعلمه اللّه عزّ و جلّ و لا رسوله صلّى اللّه عليه و آله، لأنّ اللّه و رسوله قد أثبتا ذلك في الأذان و الإقامة و لم يخافا على الناس ما خشيه عليهم عمر و قدّره فيهم، و من ظنّ ذلك و جهله لزمه الكفر، فأفسد عليهم الأذان بذلك أيضا، لأنّه من تعمد الزيادة و النقيصة في فريضة أو سنّة فقد أفسدها. ثم إنّه بعد إسقاط ما أسقط من الأذان و الإقامة من )حيّ على خير العمل(، أثبت في بعض الأذان زيادة من عنده، و ذلك أنّه زاد في أذان صلاة الفجر الصلاة خير من النوم، فصارت هذه البدعة عند من اتّبعه من السنن الواجبة لا يستحلّون تركها، فبدعة الرجل عندهم معمورة متّبعة معمول بها يطالب من تركها بالقهر عليها، و سنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عندهم مهجورة مطرحة يضرب من استعملها و يقتل من أقامها. و جعل أيضا الإقامة فرادى، فقال ينبغي لنا أن نجعل بين الأذان و الإقامة فرقا بيّنا، و كانت الإقامة على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله سبيلها كسبيل الأذان مثنى مثنى، و كان فيها )حيّ على خير العمل( مثنى، و كانت أنقص من الأذان بحرف واحد، لأنّ في آخر الأذان )لا إله إلّا اللّه( مرّتين، و في آخر الإقامة مرّة واحدة، و كان هذا هو الفرق فغيّره الرجل و جعل بينهما فرقا من عنده، فقد خالف اللّه و رسوله، و زعم أنّه قد أبصر من الرشد في ذلك و أصاب من الحقّ ما لم يعلمه اللّه تعالى و رسوله، و قد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كلّ محدثة بدعة و كلّ بدعة ضلالة و كلّ ضلالة في النار، و لا شكّ أنّه كلّ من ابتدع بدعة كان عليه وزرها و وزر العامل بها إلى يوم القيامة. و أمّا الصلاة، فأفسد من حدودها ما فيه الفضيحة و الهتك لمذهبهم، و هو إنّهم رووا أنّ تحريم الصلاة التكبير و تحليلها التسليم، و أنّ الصلاة المفروضة على

 الحاضرين الظهر أربعا، و العصر أربعا، و المغرب ثلاثا، و العشاء الآخرة أربعا، لا سلام إلّا في آخر التشهد في الرابعة، و أجمعوا على أنّه من سلّم قبل التشهّد عامدا متعمدا فلا صلاة له، و قد لزمه الإعادة، و أنّه من سلّم في كلّ ركعتين من هذه الصلوات الأربع عامدا غير ناس فقد أفسد صلاته و عليه الإعادة، فاستنّ الرجل لهم في التشهّد الأول و الثاني ما أفسد صلاتهم و أبطل عليهم تشهّدهم، فليس منهم أحد يتشهّد في صلاته قطّ و لا يصلّي من هذه الصلوات الأربع التي ذكرناها، و ذلك أنّهم يصلّون ركعتين ثم يقعدون للتشهّد الأوّل فيقولون عوضا عن التشهّد التحيّات للّه، الصلوات الطيّبات، السلام عليك أيّها النبيّ و رحمة اللّه و بركاته، السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين، فإذا قالوا ذلك فقد سلّموا أتمّ السلام و أكمله، لأنّه إذا سلّم المصلّي على النبيّ و على نفسه و على عباد اللّه الصالحين لم يبق من هؤلاء من يجوز صرف التسليم إليه، فإنّ عباد اللّه الصالحين يدخل في جملتهم الأوّلون و الآخرون و الجنّ و الإنس و الملائكة و أهل السماوات و الأرضين و الأنبياء و الأوصياء و جميع المرسلين من الأحياء و الأموات و من قد مضى و من هو آت، فحينئذ يكون المصلّي منهم قد قطع صلاته الأربع ركعات بسلامه هذا، ثم يقول بعد أشهد أن لا إله إلّا اللّه، و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله، و التشهّد هو الشهادتان، فالمصلّي منهم يأتي بالشهادتين بعد التسليم الذي ذكرناه منهم، فلزمهم أنّه ليس منهم أحد يتشهّد في الصلاة إذا كان التسليم موجبا للخروج من الصلاة، و لا عبرة بالتشهد بعد الصلاة. ثم أتبع ذلك بقوله آمين، عند الفراغ من قراءة سورة الحمد، فصارت عند أوليائه سنّة واجبة، حتى أنّ من يتلقّن القرآن من الأعاجم و غيرهم و عوامّهم و جهّالهم يلعنونهم من بعد قول وَ لَا الضَّالِّينَ آمين، فقد زادوا آية في أمّ الكتاب، و صار عندهم من لم يأت بها في صلاته و غير صلاته كأنّه قد ترك آية في كتاب اللّه.

 و قد أجمع أهل النقل عن الأئمّة عليهم السلام من أهل البيت أنّهم قالوا من قال آمين في صلاته فقد أفسد صلاته و عليه الإعادة

لأنّها عندهم كلمة سريانيّة معناها بالعربية افعل، كسبيل من يدعو بدعاء فيقول في آخره اللّهمّ افعل، ثم استنّ أولياؤه و أنصاره رواية متخرّصة عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أنّه كان يقول ذلك بأعلى صوته في الصلاة، فأنكر أهل البيت ذلك، و لمّا رأينا أهل البيت عليهم السلام مجتمعين على إنكارها صحّ عندنا فساد أخبارهم فيها، لأنّ الرسول صلّى اللّه عليه و آله حكم بالإجماع أن لا نضلّ ما تمسّكنا بأهل بيته عليهم السلام، فتعيّن ضلالة من تمسّك بغيرهم. و أمّا الدليل على خرص روايتهم أنّهم مختلفون في الرواية فمنهم من روى إذا أمّن الإمام فأمّنوا. و منهم من يروي إذا قال الإمام » وَ لَا الضَّالِّينَ« فقولوا آمين. و منهم من يروي ندب رفع الصوت بها. و منهم من يروي الإخفات بها. فكان هذا اختلافهم فيما وصفناه من هذه المعاني دليلا واضحا لمن فهم على تخرّص روايتهم. ثم أتبع ذلك بفعل من أفعال اليهود، و ذلك عقد اليدين في الصدر إذا قاموا في الصلاة، لأنّ اليهود تفعل في صلاتها ذلك، فلمّا رآهم الرجل يستعملون ذلك استعمله هو أيضا اقتداء بهم و أمر الناس بفعل ذلك، و قال إنّ هذا تأويل قوله تعالى وَ قُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ يريد بزعمه التذلّل و التواضع،

 و ممّا روي عنه بالخلاف أنّه قال للرسول صلّى اللّه عليه و آله يوما إنّا نسمع من اليهود أشياء نستحسنها منهم، فنكتب ذلك منهم. فغضب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و قال أ متهوّكون أنتم يا ابن الخطاب، لو كان موسى حيّا لم يسعه إلّا اتّباعي.

و من استحسن ذلك في حياة الرسول من قول اليهود فاستحسانه بعد فقد النبيّ أولى، و قد أنكر أهل البيت عليهم السلام و نهوا عنه نهيا مؤكّدا، و حال أهل البيت ما شرحناه من شهادة الرسول صلّى اللّه عليه و آله لهم بإزالة الضلالة عنهم و عمّن تمسّك بهم، فليس من بدعة ابتدعها هذا الرجل إلّا أولياؤه متحفّظون بها مواظبون عليها و على العمل بها، طاعنون على تاركها، و كلّ تأديب الرسول الذي قد خالفه الرجل ببدعة فهو عندهم مطروح متروك مهجور و يطعن على من استعمله، و ينسب عندهم إلى الأمور المنكرات،

 و لقد رووا جميعا أنّ الرسول قال لا تبركوا في الصلاة كبرك البعير، و لا تنقروا كنقر الديك، و لا تقعوا كإقعاء الكلب، و لا تلتفتوا كالتفات القرود،

فهم لأكثر ذلك فاعلون، و لقول الرسول مخالفون، فإذا أرادوا السجود بدءوا بركبهم فيطرحونها إلى الأرض قبل أيديهم، و ذلك منهم كبرك البعير على ركبتيه، و يعلّمون ذلك جهّالهم خلافا على تأديب الرسول صلّى اللّه عليه و آله، و هذا شأنهم في سائر أحكام الدين فلا نطوّل الكلام بذكرها الكتاب.

 و لمّا أمر اللّه سبحانه نبيّه صلوات اللّه عليه و آله بسدّ أبواب الناس من مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله شريفا له و صونا له عن النجاسة سوى باب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و باب عليّ بن أبي طالب عليه السلام، و أمره أن ينادي في الناس بذلك، فمن أطاعه فاز و غنم و من عصاه هلك و ندم، فأمر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله المنادي فنادى في الناس الصلاة جامعة، فأقبل الناس يهرعون، فلمّا تكاملوا صعد النبيّ المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال أيّها الناس إنّ اللّه سبحانه و تعالى قد أمرني بسدّ أبوابكم المفتوحة إلى المسجد بعد يومي، و أن لا يدخله جنب و لا نجس، بذلك أمرني ربّي جلّ جلاله، فلا يكون في نفس أحد منكم أمر، و لا تقولوا لم و كيف و أنّى ذلك فتحبط أعمالكم و تكونوا من الخاسرين، و إيّاكم و المخالفة و الشقاق فإنّ اللّه تعالى أوحى إليّ أن أجاهد من عصاني، و أنّه لا ذمّة له في الإسلام، و قد جعلت مسجدي طاهرا من كلّ دنس، محرّما على كلّ من يدخل إليه مع هذه الصفة التي ذكرتها غيري و أخي عليّ بن أبي طالب عليه السلام و ابنتي فاطمة و ولدي الحسن و الحسين كما كان مسجد هارون و موسى، فإنّ اللّه أوحى إليهما أن اجعلا بيوتكما قبلة لقومكما، و إنّي قد أبلغتكم ما أمرني به ربّي و أمرتكم بذلك، ألا فاحذروا الحسد و النفاق و أطيعوا اللّه يوافق بينكم سرّكم علانيتكم، ف اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَ لا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ. فقال الناس بأجمعهم سمعنا و أطعنا اللّه و رسوله و لا نخالف ما أمرنا به، ثم خرجوا أبوابهم جميعا غير باب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و عليّ عليه السلام، فأظهر الناس الحسد و الكلام، فقال عمر ما بال رسول اللّه )ص( يؤثر ابن عمّه عليّ بن أبي طالب و يقول على اللّه الكذب، و يخبر عن اللّه بما لم يقل في عليّ و إنّما سأل محمّد صلّى اللّه عليه و آله لعليّ بن أبي طالب و أجابه إلى ما يريد، فلو سأل اللّه ذلك لنا لأجابه، و أراد عمر أن يكون له باب مفتوح إلى المسجد، و لمّا بلغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قول عمر و خوض الناس و القوم في الكلام، أمر المنادي بالنداء إلى الصلاة جامعة، فلمّا اجتمعوا قال لهم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله معاشر الناس قد بلغني ما خضتم فيه و ما قال قائلكم، و إنّي أقسم باللّه العظيم أنّي لم أقل على اللّه الكذب و لا كذبت فيما قلت، و لا أنا سددت أبوابكم، و لا أنا فتحت باب عليّ بن أبي طالب )ع(، و لا أمرني في ذلك إلّا اللّه عزّ و جلّ الذي خلقني و خلقكم أجمعين، فلا تحاسدوا فتهلكوا، و لا تحسدوا الناس على ما آتاهم اللّه من فضله، فإنّه يقول في محكم كتابه تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ فاتّقوا اللّه و كونوا من الصابرين، ثم صدّق اللّه رسوله بنزول الكوكب من السماء على دار عليّ بن أبي طالب عليه السلام، و أنزل اللّه سبحانه قرآنا، و أقسم بالنجم تصديقا لرسوله صلّى اللّه عليه و آله، فقال وَ النَّجْمِ إِذا هَوى ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَ ما غَوى وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى... الآيات كلّها، و تلاها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فلم يزدادوا إلّا غضبا و حسدا و نفاقا و عتوّا و استكبارا، ثم تفرّقوا و في قلوبهم من الحسد و النفاق ما لا يعلمه إلّا اللّه سبحانه. فلمّا كان بعد أيّام دخل عليه عمّه العباس و قال يا رسول اللّه قد علمت ما بيني و بينك من القرابة و الرحم الماسّة، و أنا ممّن يدين اللّه بطاعتك، فاسأل اللّه

 تعالى أن يجعل لي بابا إلى المسجد أتشرّف بها على من سواي. فقال له عليه و آله السلام يا عمّ ليس إلى ذلك سبيل. فقال فميزابا يكون من داري إلى المسجد أتشرّف به على القريب و البعيد. فسكت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و كان كثير الحياء لا يدري ما يعيد من الجواب خوفا من اللّه تعالى و حياء من عمّه العباس، فهبط جبرئيل عليه السلام في الحال على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و قد علم اللّه سبحانه ما في نفسه صلّى اللّه عليه و آله من ذلك، فقال يا محمّد )ص( إنّ اللّه يأمرك أن تجيب سؤال عمّك، و أمرك أن تنصب له ميزابا إلى المسجد كما أراد، فقد علمت ما في نفسك و قد أجبتك إلى ذلك كرامة لك و نعمة منّي عليك و على عمّك العباس، فكبّر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و قال أبى اللّه إلّا إكرامكم يا بني هاشم و تفضيلكم على الخلق أجمعين، ثم قام و معه جماعة من الصحابة و العباس بين يديه حتى صار على سطح العباس، فنصب له ميزابا إلى المسجد و قال معاشر المسلمين إنّ اللّه قد شرّف عمّي العباس بهذا الميزاب فلا تؤذوني في عمّي، فإنّه بقية الآباء و الأجداد، فلعن اللّه من آذاني في عمّي و بخسه حقّه أو أعان عليه. و لم يزل الميزاب على حاله مدّة أيّام النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و خلافة أبي بكر و ثلاث سنين من خلافة عمر بن الخطاب، فلمّا كان في بعض الأيّام وعك العباس و مرض مرضا شديدا و صعدت الجارية تغسل قميصه فجرى الماء من الميزاب إلى صحن المسجد، فنال بعض الماء ثوب الرجل، فغضب غضبا شديدا و قال لغلامه اصعد و اقلع الميزاب، فصعد الغلام فقلعه و رمى به إلى سطح العباس، و قال و اللّه لئن ردّه أحد إلى مكانه لأضربنّ عنقه، فشقّ ذلك على العباس و دعا بولديه عبد اللّه و عبيد اللّه و نهض يمشي متوكّئا عليهما و هو يرتعد من شدّة المرض و سار حتى دخل على أمير المؤمنين عليه السلام، فلمّا نظر إليه أمير المؤمنين عليه السلام انزعج لذلك، و قال يا عمّ ما جاء بك و أنت على هذه الحالة. فقصّ عليه القصّة و ما فعل معه عمر من قلع الميزاب و تهدّده من يعيده إلى مكانه، و قال له يا ابن أخي إنّه كان لي عينان أنظر بهما، فمضت إحداهما و هي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و بقيت الأخرى و هي أنت يا عليّ، و ما أظنّ أن أظلم و يزول ما شرّفني به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و أنت لي، فانظر في أمري، فقال له يا عمّ ارجع إلى بيتك، فسترى منّي ما يسرّك إن شاء اللّه تعالى. ثم نادى يا قنبر عليّ بذي الفقار، فتقلّده ثم خرج إلى المسجد و الناس حوله و قال يا قنبر اصعد فردّ الميزاب إلى مكانه، فصعد قنبر فردّه إلى موضعه، و قال عليّ عليه السلام و حقّ صاحب هذا القبر و المنبر لئن قلعه قالع لأضربنّ عنقه و عنق الآمر له بذلك، و لأصلبنّهما في الشمس حتى يتقدّدا، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب، فنهض و دخل المسجد و نظر إلى الميزاب، فقال لا يغضب أحدا أبا الحسن فيما فعله، و نكفّر عن اليمين، فلمّا كان من الغداة مضى أمير المؤمنين إلى عمّه العباس، فقال له كيف أصبحت يا عمّ. قال بأفضل النعم ما دمت لي يا ابن أخي. فقال له يا عمّ طب نفسا و قرّ عينا، فو اللّه لو خاصمني أهل الأرض في الميزاب لخصمتهم، ثم لقتلتهم بحول اللّه و قوّته، و لا ينالك ضيم يا عمّ، فقام العباس فقبّل ما بين عينيه، و قال يا ابن أخي ما خاب من أنت ناصره.

فكان هذا فعل عمر بالعباس عمّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله،

 و قد قال في غير موطن وصيّة منه في عمّه العباس إنّ عمّي العباس بقيّة الآباء و الأجداد فاحفظوني فيه، كلّ في كنفي، و أنا في كنف عمّي العباس، فمن آذاه فقد آذاني، و من عاداه فقد عاداني، سلمه سلمي، و حربه حربي.

و قد آذاه عمر في ثلاثة مواطن ظاهرة غير خفيّة منها قصّة الميزاب، و لو لا خوفه من عليّ )ع( لم يتركه على حاله.

 و منها أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قبل الهجرة خرج يوما إلى خارج مكة و رجع طالبا منزله فاجتاز بمناد ينادي من بني تميم و كان لهم سيّد يسمّى عبد اللّه ابن جذعان، و كان يعدّ من سادات قريش و أشياخهم، و كان له منادية ينادون في شعاب مكة و أوديتها من أراد الضيافة و القرى فليأت مائدة عبد اللّه بن جذعان، و كان مناديه أبو قحافة، و أجرته أربعة دوانيق، و له مناد آخر فوق سطح داره، فأخبر عبد اللّه بن جذعان بجواز النبيّ صلّى اللّه عليه و آله على بابه، فخرج يسعى حتّى لحق به و قال يا محمّد بالبيت الحرام إلّا ما شرّفتني بدخولك إلى منزلي و تحرّمك بزادي، و أقسم عليه بربّ البيت و البطحاء و بشيبة بن عبد المطلب، فأجابه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إلى ذلك و دخل منزله و تحرّم بزاده، فلمّا خرج النبيّ صلّى اللّه عليه و آله خرج معه ابن جذعان مشيّعا له، فلمّا أراد الرجوع عنه قال له النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إنّي أحبّ أن تكون غدا في ضيافتي أنت و تيم و أتباعها و حلفاؤها عند طلوع الغزالة، ثم افترقا و مضى النبيّ إلى دار عمّه أبي طالب و جلس متفكّرا فيما وعده لعبد اللّه بن جذعان، إذ دخلت عليه فاطمة بنت أسد صلوات اللّه عليها زوجة عمّه أبي طالب و كانت هي مربّيته، و كان يسمّيها الأمّ فلمّا رأته مهموما قالت فداك أبي و أمّي، ما لي أراك مهموما أ عارضك أحد من أهل مكة. فقال لا. قالت فبحقّي عليك إلّا ما أخبرتني بحالك.. فقصّ عليها قصّته مع ابن جذعان و ما قاله و ما وعده من الضيافة، فقالت يا ولدي لا تضيقنّ صدرك، معي مشار عسل يقوم لك بكلّ ما تريد، فبينما هما في الحديث إذ دخل أبو طالب رضي اللّه عنه، فقال لزوجته فيما أنتما. فأعلمته بذلك كلّه، و بما قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لابن جذعان، فضمّه إلى صدره و قبّل ما بين عينيه، و قال يا ولدي باللّه عليك لا تضيقنّ صدرك من ذلك، و في نهار غد أقوم لك بجميع ما تحتاج إليه إن شاء اللّه تعالى، و أصنع وليمة تتحدّث بها الركبان في سائر البلدان، و عزم على وليمة تعمّ سائر القبائل، و قصد نحو أخيه العباس ليقترض من ماله شيئا يضمّه إلى ماله، فوجد بني عبد المطلب في الطريق فأقرضوه من الجمال و الذهب ما يكفيه، فرجع عن القصد إلى أخيه العباس، و آثر التخفيف عنه، فبلغ أخاه العباس ذلك فعظم عليه رجوعه، فأقبل إلى أخيه أبي طالب و هو مغموم كئيب حزين فسلّم عليه، فقال له أبو طالب ما لي أراك حزينا كئيبا. قال بلغني أنّك قصدتني في حاجة ثم بدا لك عنها فرجعت من الطريق، فما هذه الحال. فقصّ عليه القصّة.. إلى آخرها، فقال له العباس الأمر إليك، و إنّك لم تزل أهلا لكلّ مكرمة و موئلا لكلّ نائبة، ثم جلس عنده ساعة و قد أخذ أبو طالب فيما يحتاج إليه من آلة الطبخ و غير ذلك، فقال له العباس يا أخي لي إليك حاجة. فقال له أبو طالب هي مقضيّة، فاذكرها، فقال العباس أقسمت عليك بحقّ البيت و شيبة الحمد إلّا ما قضيتها، فقال

 لك ذلك و لو سألت في النفس و الولد، فقال تهب لي هذه المكرمة تشرّفني بها. فقال قد أجبتك إلى ذلك مع ما أصنعه أنا.. فنحر العباس الجزر و نصب القدور، و عقد الحلاوات، و شوى المشوي، و أكثر من الزاد فوق ما يراد، و نادى سائر الناس، فاجتمع أهل مكة و بطون قريش و سائر العرب على اختلاف طبقاتها يهرعون من كلّ مكان حتى كأنّه عبد اللّه الأكبر، و نصب للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله منصبا عاليا، و زيّنه بالدرّ و الياقوت و الثياب الفاخرة، و بقي الناس من حسن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و وقاره و عقله و كماله متحيّرين، و ضوؤه يعلو نور الشمس، و تفرّق الناس مسرورين و قد أخذوا في الخطب و الأشعار و مدح النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و عشيرته على حسن ضيافتهم. فلمّا بلغ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أشدّه و تزوّج خديجة و أوحى اللّه إليه و نبّأه و أرسله إلى سائر العرب و العجم، و أظهره على المشركين، و فتح مكة و دخلها مؤيّدا منصورا، و قتل من قتل، و بغى من بغى، أوحى اللّه إليه يا محمّد إنّ عمّك العباس له عليك يد سابقة و جميل متقدّم، و هو ما أنفق عليك في وليمة عبد اللّه بن جذعان، و هو ستون ألف دينار مع ما له عليك في سائر الأزمان، و في نفسه شهوة من سوق عكاظ، فامنحه إيّاه في مدّة حياته و لولده بعد وفاته، فأعطاه ذلك، ثم قال صلّى اللّه عليه و آله ألا لعنة اللّه على من عارض عمّي في سوق عكاظ و نازعه فيه، و من أخذه منه فأنا بري‏ء منه و عليه لَعْنَةُ اللَّهِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ، فلم يكترث عمر بذلك و حسد العباس على دخل سوق عكاظ، و غصبه منه، و لم يزل العباس متظلّما إلى حين وفاته.

 و منها أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله كان جالسا في مسجده يوما و حوله جماعة من الصحابة إذ دخل عليه عمّه العباس و كان رجلا صبيحا حسنا حلو الشمائل فلمّا رآه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قام إليه و استقبله و قبّل ما بين عينيه و رحّب به و أجلسه إلى جانبه، فأنشد العباس أبياتا في مدحه )ص(، فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله جزاك اللّه يا عمّ خيرا و مكافأتك على اللّه تعالى. ثمّ قال معاشر الناس احفظوني في عمّي العباس و انصروه و لا تخذلوه. ثم قال يا عمّ اطلب منّي شيئا أتحفك به على سبيل الهديّة. فقال يا ابن أخي أريد من الشام الملعب، و من العراق الحيرة، و من هجر الخطّ، و كانت هذه المواضع كثيرة العمارة، فقال له النبيّ صلّى اللّه عليه و آله حبّا و كرامة، ثم دعا عليّا عليه السلام، فقال اكتب لعمّك العباس هذه المواضع، فكتب له أمير المؤمنين كتابا بذلك، و أملى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و أشهد الجماعة الحاضرين، و ختم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بخاتمه و قال يا عمّ إن يفتح اللّه تعالى هذه المواضع فهي لك هبة من اللّه تعالى و رسوله، و إن فتحت بعد موتي فإنّي أوصي الذي ينظر بعدي في الأمّة بتسليم هذه المواضع إليك. ثم قال معاشر المسلمين إنّ هذه المواضع المذكورة لعمّي العباس، فعلى من يغيّر عليه أو يبدّله أو يمنعه أو يظلمه لعنة اللّه و لعنة اللاعنين، ثم ناوله الكتاب، فلمّا ولي عمر و فتح هذه المواضع المذكورة أقبل عليه العباس بالكتاب، فلمّا نظر فيه دعا رجلا من أهل الشام و سأله عن الملعب، فقال يزيد ارتفاعه على عشرين ألف درهم، ثم سأل عن الآخرين، فذكر له أنّ ارتفاعهما تقوّم بمال كثير. فقال يا أبا الفضل إنّ هذا المال كثير لا يجوز لك أخذه من دون المسلمين. فقال العباس هذا كتاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يشهد لي بذلك قليلا كان أو كثيرا، فقال عمر و اللّه إن كنت تساوي المسلمين في ذلك و إلّا فارجع من حيث أتيت، فجرى بينهما كلام كثير غليظ، فغضب عمر و كان سريع الغضب فأخذ الكتاب من العباس و مزّقه و تفل فيه و رمى به في وجه العباس، و قال و اللّه لو طلبت منه حبّة واحدة ما أعطيتك، فأخذ العباس بقيّة الكتاب و عاد إلى منزله حزينا باكيا شاكيا إلى اللّه تعالى و إلى رسوله، فصاح العباس بالمهاجرين و الأنصار، فغضبوا لذلك و قالوا يا عمر تخرق كتاب رسول اللّه و تلقي به في الأرض، هذا شي‏ء لا نصبر عليه. فخاف عمر أن ينخرم عليه الأمر، فقال قوموا بنا إلى العباس نسترضيه و نفعل معه ما يصلحه، فنهضوا بأجمعهم إلى دار العباس فوجدوه موعوكا لشدّة ما لحقه من الفتن و الألم و الظلم، فقال نحن في الغداة عائدوه إن شاء اللّه تعالى و معتذرون إليه من فعلنا، فمضى غد و بعد غد و لم يعد إليه و لا اعتذر منه، ثم فرّق الأموال على المهاجرين و الأنصار و بقي كذلك إلى أن مات.

و لو أخذنا في ذكر أفعاله لطال الكتاب، و هذا القدر فيه عبرة لأولي الألباب. و أمّا صاحبهما الثالث، فقد استبدّ بأخذ الأموال ظلما على ما تقدّم به الشرح في صاحبيه، و اختصّ بها مع أهل بيته من بني أميّة دون المسلمين، فهل يستحقّ هذا أو يستجيزه مسلم. ثم إنّه ابتدع أشياء أخر منها منع المراعي من الجبال و الأودية و حماها حتى أخذ عليها مالا باعها به من المسلمين.

 و منها إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله نفى الحكم بن العاص عمّ عثمان عن المدينة، و طرده عن جواره فلم يزل طريدا من المدينة و معه ابنه مروان أيّام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و أيّام أبي بكر و أيّام عمر يسمّى طريد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، حتى استولى عثمان فردّه إلى المدينة و آواه، و جعل ابنه مروان كاتبه و صاحب تدبيره في داره،

فهل هذا منه إلّا خلافا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و مضادّة لفعله و هل يستجيز هذا الخلاف على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و المضادّة لأفعاله إلّا خارج عن الدين بري‏ء من المسلمين و هل يظنّ ذو فهم أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله طرد الحكم و لعنه و هو مؤمن و إذا لم يكن مؤمنا فما الحال التي دعت عثمان إلى ردّه و الإحسان إليه و هو رجل كافر لو لا أنّه تعصّب لرحمه و لم يفكّر في دينه، فحقّت عليه الآية، قوله تعالى لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ.

 و منها إنّه جمع ما كان عند المسلمين من صحف القرآن و طبخها بالماء على النار و غسلها و رمى بها إلّا ما كان عند ابن مسعود، فإنّه امتنع من الدفع إليه، فأتى إليه فضربه حتى كسر له ضلعين و حمل من موضعه ذلك فبقي عليلا حتى مات،

و هذه بدعة عظيمة، لأنّ تلك الصحف إن كان فيها زيادة عمّا في أيدي الناس، و قصد لذهابه و منع الناس منه، فقد حقّ عليه قوله تعالى أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَ تَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ. هذا، مع ما يلزم أنّه لم يترك ذلك و يطرحه تعمدا إلّا و فيه ما قد كرهه، و من كره ما أنزل اللّه في كتابه حبط جميع عمله، كما قال اللّه تعالى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ، و إن لم تكن في تلك الصحف زيادة عمّا في أيدي الناس فلا معنى لما فعله.

 و منها إنّ عمّار بن ياسر قام يوما في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و عثمان يخطب على المنبر فوبّخ عثمان بشي‏ء من أفعاله، فنزل عثمان فركله برجله و ألقاه على قفاه، و جعل يدوس في بطنه و يأمر أعوانه بذلك حتى غشي على عمّار، و هو يفتري على عمّار و يشتمه، و قد رووا جميعا أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال الحقّ مع عمّار يدور معه حيثما دار، و قال صلّى اللّه عليه و آله إذا افترق الناس يمينا و شمالا فانظروا الفرقة التي فيها عمّار فاتّبعوه، فإنّه يدور الحقّ معه حيثما دار.

فلا يخلو حال ضربه لعمّار من أمرين أحدهما، أنّه يزعم أنّ ما قال عمّار و ما فعله باطل، و فيه تكذيب

 لقول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله حيث يقول الحقّ مع عمّار

فثبت أن يكون ما قاله عمّار حقّا كرهه عثمان فضربه عليه.

 و منها ما فعل بأبي ذرّ حين نفاه عن المدينة إلى الربذة، مع إجماع الأمّة في الرواية أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال ما أقلّت الغبراء و لا أظلّت الخضراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذرّ، و رووا أنّه قال إنّ اللّه عزّ و جلّ أوحى إليّ أنّه يحب أربعة من أصحابي و أمرني بحبّهم، فقيل من هم يا رسول اللّه )ص(. قال عليّ سيّدهم، و سلمان، و المقداد، و أبو ذرّ.

فحينئذ ثبت أنّ أبا ذرّ حبّه اللّه و حبّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و محال عند ذوي الفهم أن يكون اللّه و رسوله يحبّان رجلا و هو يجوز أن يفعل فعلا يستوجب به النفي عن حرم اللّه و رسوله، و محال أيضا أن يشهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لرجل أنّه ما على وجه الأرض و لا تحت السماء أصدق منه، ثم يقول باطلا، فتعيّن أن يكون ما فعله و ما قاله حقّا كرهه عثمان فنفاه عن الحرمين، و من كره الحقّ و لم يحبّ الصدق فقد كره ما أنزل اللّه في كتابه، لأنّه أمر بالكون مع الصادقين، فقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ.

 و منها أنّ عبيد اللّه بن عمر بن الخطاب لمّا ضرب أبو لؤلؤة عمر الضربة التي مات فيها سمع ابن عمر قوما يقولون قتل العلج أمير المؤمنين، فقدّر أنّهم يعنون الهرمزان رئيس فارس و كان قد أسلم على يد أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام ثم أعتقه من قسمته من الفي‏ء، فبادر إليه عبيد اللّه بن عمر فقتله قبل أن يموت أبوه، فقيل لعمر إنّ عبيد اللّه بن عمر قد قتل الهرمزان، فقال أخطأ، فإنّ الذي ضربني أبو لؤلؤة، و ما كان للهرمزان في أمري صنع، و إن عشت احتجت أن أقيده به، فإنّ عليّ بن أبي طالب لا يقبل منّا الدية، و هو مولاه، فمات عمر و استولى عثمان على الناس بعده، فقال عليّ عليه السلام لعثمان إنّ عبيد اللّه بن عمر قتل مولاي الهرمزان بغير حقّ، و أنا وليّه و الطالب بدمه، سلّمه إليّ لأقيده به. فقال عثمان بالأمس قتل عمر و أنا أقتل ابنه أورد عليّ آل عمر ما لا قوام لهم به، فامتنع من تسليمه إلى عليّ عليه السلام شفقة منه بزعمه على آل عمر، فلمّا رجع الأمر إلى عليّ عليه السلام هرب منه عبيد اللّه بن عمر إلى الشام فصار مع معاوية، و حضر يوم صفّين مع معاوية محاربا لأمير المؤمنين فقتل في معركة الحرب و وجد متقلّد السيفين يومئذ.

فانظروا يا أهل الفهم في أمر عثمان كيف عطّل حدّا من حدود اللّه تعالى لا شبهة فيه شفقة منه بزعمه على آل عمر و لم يشفق على نفسه من عقوبة تعطيل حدود اللّه تعالى و مخالفته، و أشفق على آل عمر في قتل من أوجب اللّه قتله و أمر به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.

 و منها إنّه عمد إلى صلاة الفجر فنقلها من أول وقتها حين طلوع الفجر فجعلها بعد الإسفار و ظهور ضياء النهار، و اتّبعه أكثر الناس إلى يومنا هذا، و زعم أنّه إنّما فعل ذلك إشفاقا منه على نفسه في خروجه إلى المسجد خوفا أن يقتل في غلس الفجر كما قتل عمر، و ذلك أنّ عمر قد جعل لنفسه سربا تحت الأرض من بيته إلى المسجد، فقعد أبو لؤلؤة في السرب فضربه بخنجر في بطنه، فلمّا ولي عثمان أخّر صلاة الفجر إلى الإسفار، فعطّل وقت فريضة اللّه و حمل الناس على صلاتها في غير وقتها

لأنّ اللّه سبحانه قال أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ يعني ظلمته، ثم قال وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً، و الفجر هو أوّل ما يبدو من المشرق في الظلمة، و عنده تجب الصلاة، فإذا علا في الأفق و انبسط الضياء و زالت الظلمة صار صبحا، و زال عن أن يكون فجرا، و درج على هذه البدعة أولياؤه، ثم تخرّص بنو أميّة بعده أحاديث أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله غلس بالفجر و أسفر بها، و قال للناس أسفروا بها أعظم لأجركم، فصار المصلّي للفجر في وقتها من طلوع الفجر عند كثير من أوليائهم مبتدعا، و من اتّبع بدعة عثمان فهو على السنّة. فما أعجب أحوالهم و أشنعها.

 ثم ختم بدعه بأنّ أهل مصر شكوا من عامله و سألوه أن يصرفه عنهم، أو يبعث رجلا ناظرا بينهم و بينه، فوقع الاختيار على محمد بن أبي بكر ناظرا و كان محمد ممّن يشير بالحقّ و ينهى عن مخالفته فثقل أمره على عثمان و كادوه، و بقي حريصا على قتله بحيلة، فلمّا وقع الاختيار عليه أن يكون ناظرا بين أهل مصر و بين عامله خرج معهم، و كتب عثمان بعد خروجه إلى عامله بمصر يأمره بقتل محمد بن أبي بكر إذا صار إليه، و دفع الكتاب إلى عبد من عبيده، فركب العبد راحلته و سار نحو مصر بالكتاب مسرعا ليدخل مصر قبل دخول محمد بن أبي بكر، فقيل إنّ العبد مرّ يركض فنظر إليه القوم الذين مع محمد فأخبروا محمدا بذلك، فبعث خلفه خيلا فأخذوه و ارتاب به محمد، فلمّا ردّوه إليه وجد الكتاب معه، فقرأه و انصرف راجعا مع القوم و العبد و الراحلة معهم، فثاروا على عثمان في ذلك، فقال أمّا العبد فعبدي و الراحلة راحلتي و ختم الكتاب ختمي، و ليس الكتاب كتابي و لا أمرت به، و كان الكتاب بخطّ مروان، فقيل له إن كنت صادقا فادفع إلينا مروان فهذا خطّه و هو كاتبك، فامتنع عليهم، فحاصروه و كان ذلك سبب قتله.

بيان السجف بالفتح و الكسر السّتر. و الجزل بالفتح الكثير. و قال الجوهري سفعته النّار و السّموم إذا لفحته لفحا يسيرا فغيّرت لون البشرة. و الخرص و التّخرّص الكذب. و الغزالة الشّمس. و مشار عسل بضم الميم من إضافة الصّفة إلى الموصوف أو بفتحها بتقدير اللّام، يقال شرت العسل.. أي اجتنيتها، و المشار بالفتح الخليّة يشتار منها. و في القاموس الخطّ.. سيف البحرين أو كلّ سيف، و موضع باليمامة، و مرقى السّفن بالبحرين، و يكسر و إليه نسبت الرّماح لأنّها تباع به. أقول إنّما أوردت هذا الكلام لاشتماله على بعض الأخبار الغريبة، و إن كان في بعض ما احتجّ به وهن أو مخالفة للمشهور، فسيتّضح لك حقيقة الأمر في الأبواب الآتية، و اللّه الموفّق.

165-  و قال أبو الصلاح رحمه اللّه في تقريب المعارف و ممّا يقدح في عدالة الثلاثة، قصدهم أهل بيت نبيّهم عليهم السلام بالتخفيف و الأذى، و الوضع من أقدارهم، و اجتناب ما يستحقّونه من التعظيم، فمن ذلك أمان كلّ معتزل بيعتهم ضررهم، و قصدهم عليّا عليه السلام بالأذى لتخلّفه عنهم، و الإغلاظ له في الخطاب و المبالغة في الوعيد، و إحضار الحطب لتحريق منزله، و الهجوم عليه بالرجال من غير إذنه، و الإتيان به ملبّبا، و اضطرارهم بذلك زوجته و بناته و نساءه و حامته من بنات هاشم و غيرهم إلى الخروج عن بيوتهم، و تجريد السيوف من حوله، و توعّده بالقتل إن امتنع من بيعتهم، و لم يفعلوا شيئا من ذلك لسعد بن عبادة و لا بالخبّاب بن المنذر.. و غيرهما ممّن تأخّر عن بيعتهم حتى مات أو طويل الزمان. و من ذلك ردّهم دعوى فاطمة عليها السلام و شهادة عليّ و الحسنين عليهم السلام و قبول شهادة جابر بن عبد اللّه في الخبيثات، و عائشة في الحجرة و القميص و النعل، و غيرهما. و منها تفضيل الناس في العطاء و الاقتصار بهم على أدنى المنازل. و منها عقد الرايات و الولايات لمسلميّة الفتح و المؤلّفة قلوبهم و مكيدي الإسلام من بني أميّة، و بني مخزوم، و غيرهما، و الإعراض عنهم و اجتناب تأهيلهم لشي‏ء من ذلك. و منهم موالاة المعروفين ببغضهم و حسدهم و تقديمهم على رقاب العالم كمعاوية، و خالد، و أبي عبيدة، و المغيرة، و أبي موسى، و مروان، و عبد اللّه بن أبي سرح، و ابن كريز.. و من ضارعهم في عداوتهم، و الغضّ من المعروفين بولايتهم و قصدهم بالأذى كعمّار، و سلمان، و أبي ذرّ، و المقداد، و أبي بن كعب، و ابن مسعود.. و من شاركهم في التخصّص بولايتهم عليهم الصلاة و السلام و منها قبض أيديهم عن فدك مع ثبوت استحقاقهم لها على ما بيّناه. و إباحة معاوية الشام، و أبي موسى العراق، و ابن كريز البصرة، و ابن أبي صرح ]كذا[ مصر و المغرب.. و أمثالهم من المشهورين بكيد الإسلام و أهله. و تأمّل هذا بعين إنصاف يكشف لك عن شديد عداوتهم و تحاملهم عليهم كأمثاله من الأفعال الدالّة على تميّز العدوّ من الوليّ، و لا وجه لذلك إلّا تخصّصهم بصاحب الشريعة صلوات اللّه عليه و على آله في النسب، و تقدّمهم لديه في الدين، و بذل الجهد في طاعته، و المبالغة في نصيحته و نصرة ملّته بما لا يشاركون فيه، و في هذا ما لا يخفى ما فيه على متأمّل. ثم قال و ممّا يقدح في عدالتهم ما حفظ عن وجوه الصحابة و فضلاء السابقين و التابعين من الطعن عليهم و ذمّ أفعالهم و التصريح بذمّهم و تصريحهم بذلك عند الوفاة، و تحسّرهم على ما فرّط منهم، فأمّا أقوال الصحابة و التابعين ما حفظ عن أمير المؤمنين عليه السلام من التظلّم منهم و التصريح و التلويح بتقدّمهم عليه بغير حقّ في مقام بعد مقام،

 كقوله حين أرادوه بالبيعة لأبي بكر و اللّه أنا لا أبايعكم و أنتم أحقّ بالبيعة لي.

 و قوله عليه السلام يا ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي..

ثم ذكر ما مرّ من تظلّماته و شكاياته صلوات اللّه عليه.

 ثم قال و منه ما روي عن الأصبغ بن نباتة و رشيد الهجري و أبي كديبة الأسدي ]كذا[ و غيرهم من أصحاب عليّ عليه السلام بأسانيد مختلفة قالوا كنّا جلوسا في المسجد إذ خرج علينا أمير المؤمنين عليه السلام من الباب الصغير يهودي بيده عن يمينه يقول أ ما ترون ما أرى. قلنا يا أمير المؤمنين و ما الذي ترى. قال أرى ]أبا زريق[ في سدف النار يشير إليّ بيده يقول استغفر لي، لا غفر اللّه له، و زاد أبو كديبة ]كذا[ إنّ اللّه لا يرضى عنهما حتى يرضياني، و ايم اللّه لا يرضياني أبدا. و سئل عن السدف فقال الوهدة العظيمة.

  قال و رووا عن الحارث الأعور، قال دخلت على عليّ عليه السلام في بعض الليل، فقال لي ما جاء بك في هذه الساعة. قلت حبّك يا أمير المؤمنين. قال اللّه... قلت اللّه. قال أ لا أحدّثك بأشدّ الناس عداوة لنا و أشدّهم عداوة لمن أحبّنا. قلت بلى يا أمير المؤمنين، أما و اللّه لقد ظننت ظنّا. قال هات ظنّك. قلت ]فلان و فلان[. قال ادن منّي يا أعور، فدنوت منه، فقال ابرأ منهما.. برئ اللّه منهما. و في رواية أخرى إنّي لأتوهّم توهّما فأكره أن أرمي به بريئا، ]فلان و فلان[. فقال إي و الذي فلق الحبّة و برأ النسمة إنّهما لهما ظلماني حقّي و نغّصاني ريقي و حسداني و آذياني، و إنّه ليوذي أهل النار ضجيجهما و رفع أصواتهما و تعيير رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إيّاهما.

 قال و رووا عن عمارة، قال كنت جالسا عند أمير المؤمنين )ع( و هو في ميمنة مسجد الكوفة و عنده الناس، إذ أقبل رجل فسلّم عليه ثم قال يا أمير المؤمنين و اللّه إنّي لأحبّك. فقال لكنّي و اللّه ما أحبّك، كيف حبّك لأبي بكر و عمر. فقال و اللّه إنّي لأحبّهما حبّا شديدا. قال كيف حبّك لعثمان. قال قد رسخ حبّه في السويداء من قلبي. فقال عليّ عليه السلام أنا أبو الحسن... الحديث.

 قال و رووا عن سفيان، عن فضيل بن الزبير، عن نقيع، عن أبي كديبة الأزدي، قال قام رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام فسأله عن قول اللّه تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ فيمن نزلت. فقال ما تريد أ تريد أن تغري بي الناس. قال لا يا أمير المؤمنين، و لكن أحبّ أن أعلم. قال اجلس، فجلس، فقال اكتب عامرا اكتب معمّرا اكتب عمر اكتب عمّارا اكتب معتمرا.. في أحد الخمسة نزلت. قال سفيان قلت لفضيل أ تراه عمر. قال فمن هو غيره.

 قال و رووا عن المنذر الثوري، قال سمعت الحسين بن عليّ عليهما السلام يقول إنّ أبا بكر و عمر عمدا إلى الأمر و هو لنا كلّه فجعلا لنا فيه سهما كسهم الجدّة، أما و اللّه ليهمّ بهما أنفسهما يوم يطلب الناس فيه شفاعتنا.

 قال و رووا عنه عليه السلام و سأله رجل عن أبي بكر و عمر، فقال و اللّه لقد ضيّعانا، و ذهبا بحقّنا، و جلسا مجلسا كنّا أحقّ به منهما، و وطئا على أعناقنا، و حملا الناس على رقابنا.

 قال و رووا عن أبي الجارود زياد بن المنذر، قال سئل عليّ بن الحسين عليهما السلام عن أبي بكر و عمر. فقال أضغنا بآبائنا، و اضطجعا بسبيلنا، و حملا الناس على رقابنا.

 و عن أبي إسحاق، أنّه قال صحبت عليّ بن الحسين عليهما السلام بين مكة و المدينة، فسألته عن أبي بكر و عمر ما تقول فيهما. قال ما عسى أن أقول فيهما.

 و عن القاسم بن مسلم، قال كنت مع عليّ بن الحسين عليهما السلام بينبع يدي في يده، فقلت ما تقول في هذين الرجلين أتبرّأ من عدوّهما. فغضب و رمى بيده من يدي، ثم قال عليه السلام ويحك يا قاسم هما أوّل من أضغنا بآبائنا، و اضطجعا بسبيلنا، و حملا الناس على رقابنا، و جلسا مجلسا كنّا أحقّ به منهما.

 و عن حكيم بن جبير، عنه عليه السلام مثله، و...

 و عن أبي عليّ الخراساني، عن مولى لعليّ بن الحسين عليهما السلام، قال كنت معه عليه السلام في بعض خلواته، فقلت إنّ لي عليك حقّا، أ لا تخبرني عن هذين الرجلين، فقال كافران، كافر من أحبّهما.

 و عن أبي حمزة الثمالي، قال قلت لعليّ بن الحسين عليهما السلام و قد خلا أخبرني عن هذين الرجلين. قال هما أوّل من ظلمنا حقّنا و أخذا ميراثنا، و جلسا مجلسا كنّا أحقّ به منهما، لا غفر اللّه لهما و لا رحمهما، كافران، كافر من تولّاهما.

 و عن حكيم بن جبير، قال قال عليّ بن الحسين عليهما السلام أنتم تقتلون في عثمان منذ ستين سنة، فكيف لو تبرّأتم من صنمي قريش.

 قال و رووا عن سورة بن كليب، قال سألت أبا جعفر عليه السلام ]عنهما[. قال هما أوّل من ظلمنا حقّنا و حمل الناس على رقابنا، فأعدت عليه، فأعاد عليّ ثلاثا، فأعدت عليه الرابعة، فقال

لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا و ما علم الإنسان إلّا ليعلما

 و عن كثير النواء، عن أبي جعفر عليه السلام، قال سألته ]عنهما[ فقال هما أوّل من انتزى على حقّنا و حملا الناس على أعناقنا و أكنافنا، و أدخلا الذلّ بيوتنا.

 و عنه، عن أبي جعفر عليه السلام، قال و اللّه لو وجد عليهما أعوانا لجاهدهما.

 و عن بشير، قال سألت أبا جعفر عليه السلام ]عنهما[ فلم يجبني، ثم سألته فلم يجبني، فلمّا كان في الثالثة قلت جعلت فداك، أخبرني عنهما. فقال ما قطرت قطرة من دمائنا و لا من دماء أحد من المسلمين إلّا و هي في أعناقهما إلى يوم القيامة.

 و رووا أنّ ابن بشير قال قلت لأبي جعفر عليه السلام إنّ الناس يزعمون أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال اللّهمّ أعزّ الإسلام بأبي جهل أو ]برمع[. فقال أبو جعفر و اللّه ما قال هذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قطّ، إنّما أعزّ اللّه الدين بمحمّد صلّى اللّه عليه و آله، ما كان اللّه ليعزّ الدين بشرار خلقه.

 و رووا عن قدامة بن سعد الثقفي، قال سألت أبا جعفر عليه السلام ]عنهما[ فقال أدركت أهل بيتي و هم يعيبونهما.

 و عن أبي الجارود، قال كنت أنا و كثير النواء عند أبي جعفر عليه السلام، فقال كثير يا أبا جعفر رحمك اللّه، هذا أبو الجارود يبرأ من ]فلان و فلان[، فقلت لأبي جعفر عليه السلام كذب و اللّه الذي لا إله إلّا هو ما سمع ذلك منّي قطّ، و عنده عبد اللّه بن عليّ أخو أبي جعفر عليه السلام، فقال هلمّ إليّ، أقبل إليّ يا كثير، كانا و اللّه أوّل من ظلمنا حقّنا و أضغنا بآبائنا، و حملا الناس على رقابنا، فلا غفر اللّه لهما، و لا غفر لك معهما يا كثير.

 و عن أبي الجارود، قال سئل أبو جعفر عليه السلام عنهما و أنا جالس فقال هما أوّل من ظلمنا حقّنا، و حملا الناس على رقابنا، و أخذا من فاطمة عليها السلام عطيّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فدك بنواضحها. فقام ميسر، فقال اللّه و رسوله منهما بريئان. فقال أبو جعفر عليه السلام

لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا و ما علّم الإنسان إلّا ليعلما

 و رووا عن بشير بن أراكة النبّال، قال سألت أبا جعفر عليه السلام ]عنهما[ فقال كهيئة المنتهر ما تريد من صنمي العرب أنتم تقتلون على دم عثمان بن عفّان، فكيف لو أظهرتم البراءة منهما، إذا لما ناظروكم طرفة عين.

 و عن حجر البجلي، قال شككت في أمر الرجلين، فأتيت المدينة، فسمعت أبا جعفر عليه السلام يقول ]إنهما[ أوّل من ظلمنا و ذهب بحقّنا و حمل الناس على رقابنا.

 و عنه عليه السلام، قال لو وجد عليّ أعوانا لضرب أعناقهما.

 و عن سلام بن سعيد المخزومي، عن أبي جعفر عليه السلام، قال ثلاثة لا يصعد عملهم إلى السماء و لا يقبل منهم عمل من مات و لنا أهل البيت في قلبه بغض، و من تولّى عدوّنا، و من تولّى ]فلانا و فلانا[.

 و عن ورد بن زيد أخي الكميت، قال سألنا محمّد بن عليّ عليهما السلام ]عنهما[. فقال من كان يعلم أنّ اللّه حكم عدل برئ منهما، و ما من محجمة دم يهراق إلّا و هي في رقابهما.

 و عنه عليه السلام، و سئل ]عنهما[ فقال هما أوّل من ظلمنا، و قبض حقّنا، و توثّب على رقابنا، و فتح علينا بابا لا يسدّه شي‏ء إلى يوم القيامة، فلا غفر اللّه لهما ظلمهما إيّانا.

 و عن سالم بن أبي حفصة، قال دخلت على أبي جعفر عليه السلام، فقلت أئمّتنا و سادتنا نوالي من واليتم، و نعادي من عاديتم، و نبرأ من عدوّكم. فقال بخ بخ يا شيخ إن كان لقولك حقيقة. قلت جعلت فداك، إنّ له حقيقة. قال ما تقول ]فيهما[. قال إماما عدل رحمهما اللّه. قال يا شيخ و اللّه لقد أشركت في هذا الأمر من لم يجعل اللّه له فيه نصيبا.

 و عن فضيل الرسّان، عن أبي جعفر عليه السلام، قال مثل ]فلان[ و شيعته مثل فرعون و شيعته، و مثل عليّ و شيعته مثل موسى و شيعته.

 و رووا عن أبي جعفر عليه السلام في قوله عزّ و جلّ وَ إِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً...، قال أسرّ إليهما أمر القبطيّة، و أسرّ إليهما ]أنهما[ يليان أمر الأمّة من بعده ظالمين فاجرين غادرين.

 و رووا عن عبيد بن سليمان النخعي، عن محمد بن الحسين بن علي بن الحسين، عن ابن أخيه الأرقط، قال قلت لجعفر بن محمّد يا عمّاه إنّي أتخوّف عليّ و عليك الفوت أو الموت، و لم يفرش لي أمر هذين الرجلين. فقال لي جعفر. عليه السلام ابرأ منهما، برئ اللّه و رسوله منهما.

 و عن عبد اللّه بن سنان، عن جعفر بن محمد عليهما السلام، قال قال لي ]فلان و فلان[ صنما قريش اللّذان يعبدونهما.

 و عن إسماعيل بن يسار، عن غير واحد، عن جعفر بن محمد عليهما السلام، قال كان إذا ذكر ]رمع[ زنّاه، و إذا ذكر أبا جعفر الدوانيق زنّاه، و لا يزني غيرهما.

 قال و تناصر الخبر عن عليّ بن الحسين و محمّد بن عليّ و جعفر بن محمّد عليهم السلام من طرق مختلفة أنّهم قالوا و كلّ منهم ثلاثة لا يَنْظُرُ اللّه إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ لا يُزَكِّيهِمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ، من زعم أنّه إمام و ليس بإمام، و من جحد إمامة إمام من اللّه، و من زعم أنّ لهما في الإسلام نصيبا. و من طرق أخر أنّ للأوّلين، و من أخر للأعرابيّين في الإسلام نصيبا...

إلى غير ذلك من الروايات عمّن ذكرناه، و عن أبنائهم عليهم السلام مقترنا بالمعلوم من دينهم لكلّ متأمّل حالهم، و أنّهم يرون في المتقدّمين على أمير المؤمنين عليه السلام و من دان بدينهم أنّهم...، و ذلك كاف عن إيراد رواية، و إنّما ذكرنا طرفا منها استظهارا. و قد روت الخاصّة و العامّة عن جماعة من وجوه الطالبيّين ما يضاهي المرويّ من ذلك عن الأئمّة عليهم السلام

 فرووا عن معمّر بن خيثم، قال بعثني زيد بن علي داعية، فقلت جعلت فداك، ما أجابتنا إليه الشيعة، فإنّها لا تجيبنا إلى ولاية ]فلان و فلان[. قال لي ويحك أحد أعلم بمظلمته منّا، و اللّه لئن قلت إنّهما جارا في الحكم لتكذّبنّ، و لئن قلت إنّهما استأثرا بالفي‏ء لتكذّبنّ، و لكنّهما أوّل من ظلمنا حقّنا و حمل الناس على رقابنا، و اللّه إنّي لأبغض أبناءهما من بغضي آباءهما و لكن لو دعوت الناس إلى ما تقولون لرمونا بقوس واحد.

 و رووا عن محمد بن فرات الجرمي، قال سمعت زيد بن علي يقول إنّا لنلتقي و آل عمر في الحمّام فيعلمون أنّا لا نحبّهم و لا يحبّونا، و اللّه إنّا لنبغض الأبناء لبغض الآباء.

 و رووا عن فضيل بن الزبير، قال قلت لزيد بن عليّ )ع( ما تقول في ]فلان و فلان[. قال قل فيهما ما قال علي كف كما كفّ لا تجاوز قوله. قلت أخبرني عن قلبي أنا خلقته. قال لا. قلت فإنّي أشهد على الذي خلقه أنّه وضع في قلبي بغضهما، فكيف لي بإخراج ذلك من قلبي. فجلس جالسا و قال أنا و اللّه الذي لا إله إلّا هو إنّي لأبغض بينهما من بغضهما، و ذلك لأنّهم إذا سمعوا سبّ عليّ عليه السلام فرحوا.

 و رووا عن العباس بن الوليد الأغداري، قال سئل زيد بن عليّ عن ]فلان و فلان[، فلم يجب فيهما، فلمّا أصابته الرميّة فنزع الرمح من وجهه استقبل الدم بيده حتّى صار كأنّه كبد، فقال أين السائل عن ]فلان و فلان[ هما و اللّه شركاء في هذا الدم، ثم رمى به وراء ظهره.

 و عن نافع الثقفي و كان قد أدرك زيد بن عليّ، قال فسأله رجل عن ]فلان و فلان[، فسكت فلم يجبه، فلمّا رمي قال أين السائل عن ]فلان و فلان[ هما أوقفاني هذا الموقف.

  و رووا عن يعقوب بن عديّ، قال سئل يحيى بن زيد عنهما و نحن بخراسان و قد التقى الصفّان، فقال هما أقامانا هذا المقام، و اللّه لقد كانا لئيما جدّهما، و لقد همّا بأمير المؤمنين عليه السلام أن يقتلاه.

 و رووا عن قليب بن حمّاد، عن موسى بن عبد اللّه بن الحسن، قال كنت مع أبي بمكة، فلقيت رجلا من أهل الطائف مولى لثقيف، فنال ]منهما[، فأوصاه أبي بتقوى اللّه، فقال الرجل يا أبا محمّد أسألك بربّ هذه البنية و ربّ هذا البيت هل صلّيا على فاطمة قال اللّهمّ لا. قال فلمّا مضى الرجل قال موسى سببته و كفّرته. فقال أي بني لا تسبّه و لا تكفّره، و اللّه لقد فعلا فعلا عظيما. و في رواية أخرى.. أي بني لا تكفّره، فو اللّه ما صلّيا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و لقد مكث ثلاثا ما دفنوه، إنّه شغلهم ما كانا يبرمان.

 و رووا، أنّه أتي بزيد بن عليّ الثقفي إلى عبد اللّه بن الحسن و هو بمكة، فقال أنشدك اللّه أ تعلم أنّهم منعوا فاطمة عليها السلام بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ميراثها. قال نعم. قال فأنشدك اللّه أ تعلم أنّ فاطمة ماتت و هي لا تكلّمهما و أوصت أن لا يصلّيا عليها. قال نعم. قال فأنشدك اللّه أ تعلم أنّهم بايعوا قبل أن يدفن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و اغتنموا شغلهم. قال نعم. قال و أسألك باللّه أ تعلم أنّ عليّا عليه السلام لم يبايع لهما حتّى أكره. قال نعم. قال فأشهدك أنّي منهما بري‏ء و أنا على رأي عليّ و فاطمة عليهما السلام. قال موسى فأقبلت عليه، فقال أبي أي بني و اللّه لقد أتيا أمرا عظيما.

 و رووا عن مخول بن إبراهيم، قال أخبرني موسى بن عبد اللّه بن الحسن و ذكرهما، فقال قل لهؤلاء نحن نأتمّ بفاطمة، فقد جاء البيت عنها أنّها ماتت و هي غضبى عليهما، فنحن نغضب لغضبها و نرضى لرضاها، فقد جاء غضبها، فإذا جاء رضاها رضينا. قال مخول و سألت موسى بن عبد اللّه عن ]فلان و فلان[، فقال لي ما أكره ذكره. قلت لمخول قال فيهما أشدّ من الظلم و الفجور و الغدر. قال نعم. قال مخول و سألت عنهما مرّة، فقال أ تحسبني تبريّا ثم قال فيهما قولا سيّئا.

 و عن ابن مسعود، قال سمعت موسى بن عبد اللّه يقول هما أوّل من ظلمنا حقّنا و ميراثنا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و غصبانا فغصب الناس.

 و رووا عن يحيى بن مساور، قال سألت يحيى بن عبد اللّه بن الحسن عن ]فلان و فلان[. فقال لي ابرأ منهما.

 و رووا عن عبد اللّه بن محمد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام، قال شهدت أبي، محمد بن عمر، و محمد بن عمر بن الحسن و هو الذي كان مع الحسين بكربلاء، و كانت الشيعة تنزله بمنزلة أبي جعفر عليه السلام يعرفون حقّه و فضله، قال فكلّمه في أبي ]زريق[، فقال محمد بن عمر بن الحسن بن عليّ ابن أبي طالب لأبي اسكت فإنّك عاجز، و اللّه إنّهما لشركاء في دم الحسين عليه السلام.

 و في رواية أخرى عنه، أنّه قال و اللّه لقد أخرجهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من مسجده و هما يتطهّران و أدخلا و هما جيفة في بيته.

 و رووا عن أبي حذيفة من أهل اليمن و كان فاضلا زاهدا، قال سمعت عبد اللّه بن الحسن بن عليّ بن الحسين عليه السلام و هو يطوف بالبيت، فقال و ربّ هذا البيت، و ربّ هذا الركن، و ربّ هذا الحجر، ما قطرت منّا قطرة دم و لا قطرت من دماء المسلمين قطرة إلّا و هو في أعناقهما.

 و رووا عن إسحاق بن أحمر، قال سألت محمد بن الحسن بن عليّ بن الحسين عليهما السلام، قلت أصلّي خلف من يتوالى ]فلانا و فلانا[. قال لا، و لا كرامة.

 و رووا عن أبي الجارود، قال سئل محمد بن عمر بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام عن ]فلان و فلان[. فقال قتلتم منذ ستين سنة في أن ذكرتم عثمان، فو اللّه لو ذكرتم ]فلانا و فلانا[ لكانت دماؤكم أحلّ عندهم من دماء السنانير.

 و رووا عن أرطاة بن حبيب الأسدي، قال سمعت الحسن بن عليّ بن الحسين الشهيد عليه السلام بفخّ يقول هما و اللّه أقامانا هذا المقام، و زعما أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لا يورث.

 و رووا عن إبراهيم بن ميمون، عن الحسن بن محمد بن عبد اللّه بن الحسن ابن عليّ عليهما السلام، قال ما رفعت امرأة منّا طرفها إلى السماء فقطرت منها قطرة إلّا كان في أعناقهما.

 و رووا عن قليب بن حمّاد، قال سألت الحسن بن إبراهيم بن عبد اللّه بن زيد بن الحسن، و الحسين بن زيد بن عليّ عليه السلام و عدّة من أهل البيت عن رجل من أصحابنا لا يخالفنا في شي‏ء إلّا إذا انتهى إلى ]فلان و فلان[ أوقفهما و شكّ في أمرهما فكلّهم قالوا من أوقفهما شكّا في أمرهما فهو ضالّ كافر.

 و رووا عن محمد بن الفرات، قال حدّثتني فاطمة الحنفيّة، عن فاطمة ابنة الحسين أنّها كانت تبغض ]فلانا و فلانا[ و تسبّهما.

 و رووا عن عمر بن ثابت، قال حدّثني عبد اللّه بن محمد بن عقيل بن أبي طالب، قال إنّ أبا بكر و عمر عدلا في الناس و ظلمانا، فلم تغضب الناس لنا، و إنّ عثمان ظلمنا و ظلم الناس، فغضبت الناس لأنفسهم فمالوا إليه فقتلوه.

 و رووا عن القاسم بن جندب، عن أنس بن مالك، قال مرض عليّ عليه السلام فثقل، فجلست عند رأسه، فدخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و معه الناس فامتلأ البيت، فقمت من مجلسي، فجلس فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فغمز أبو بكر عمر فقام، فقال يا رسول اللّه )ص(، إنّك كنت عهدت إلينا في هذا عهدا و إنّا لا نراه إلّا لما به، فإن كان شي‏ء فإلى من. فسكت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فلم يجبه، فغمزه الثانية فكذلك، ثم الثالثة، فرفع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله رأسه ثم قال إنّ هذا لا يموت من وجعه هذا، و لا يموت حتى تملياه غيظا، و توسعاه غدرا، و تجداه صابرا.

 و رووا عن يزيد بن معاوية البكالي، قالت ]كذا[ سمعت حذيفة بن اليمان يقول ولي أبو بكر فطعن في الإسلام طعنة أوهنه، ثم ولي عمر فطعن في الإسلام طعنة مرق منه.

 و في رواية أخرى عنه رضي اللّه عنه، قال ولينا أبو بكر فطعن في الإسلام طعنة، ثم ولينا عمر فحلّ الأزرار، ثم ولينا عثمان فخرج منه عريانا.

 و رووا عن أبان بن تغلب، عن الحكم بن عيينة، قال كان إذا ذكر عمر أمضّه، ثم قال كان يدعو ابن عباس فيستفتيه مغايظة لعليّ عليه السلام.

 و رووا عن الأعمش، أنّه كان يقول قبض نبيّهم صلّى اللّه عليه و آله فلم يكن لهم همّ إلّا أن يقولوا منّا أمير و منكم أمير، و ما أظنّهم يفلحون.

 و رووا عن معمر بن زائدة الوشاء، قال أشهد على الأعمش أنّي سمعته يقول إذا كان يوم القيامة يجاء ]بفلان و فلان[ كالثورين العقيرين لهما في نار جهنّم خوار.

 و رووا عن سليمان بن أبي الورد، قال قال الأعمش في مرضه الذي قبض فيه هو بريّة منهما و سمّاهما، قلت للمسعودي سمّاهما. قال نعم، ]فلان و فلان[.

 و رووا عن عمر بن زائدة، قال كنّا عند حبيب بن أبي ثابت، قال بعض القوم أبو ]زريق[ أفضل من عليّ، فغضب حبيب ثم قام قائما، فقال و اللّه الذي لا إله إلّا هو لفيهما الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ لَعَنَهُمْ... الآية.

 و رووا عن يحيى بن المساور، عن أبي الجارود، قال إنّ للّه عزّ و جلّ مدينتين، مدينة بالمشرق و مدينة بالمغرب لا يفتران من لعن ]فلان و فلان[.

 و رووا عن ابن عبد الرحمن، قال سمعت شريكا يقول ما لهم و لفاطمة عليها السلام و اللّه ما جهّزت جيشا و لا جمعت جمعا، و اللّه لقد آذيا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في قبره.

  و رووا عن إبراهيم بن يحيى الثوري، قال سمعت شريكا و سأله رجل يا أبا عبد اللّه حبّ أبي بكر و عمر سنّة. فقال يا معافا، خذ بثوبه فأخرجه و اعرف وجهه و لا تدخله عليّ، يا أحمق لو كان حبّهما سنّة لكان واجبا عليك أن تذكرهما في صلاتك كما تصلّي على محمّد و آل محمّد.

و لنوضّح بعض ما يحتاج إلى الإيضاح قوله عليه السلام الوهدة العظيمة. أقول لم أره بهذا المعنى فيما عندنا من كتب اللغة، و لعلّه أطلق عليه مجازا، فإنّ السّدفة بالفتح و الضم و السّدف بالتحريك الظّلمة و الضّوء ضدّ، و بالضّمّ الباب، و سدّته، و سترة تكون بالباب تقيه من المطر، و بالتحريك سواد اللّيل، ذكرها الفيروزآبادي. قوله أضغنا، لعلّ الباء زائدة أو ليست الألف للتعدية بل للإظهار.. أي أظهر الضغن بآبائنا، و في بعض النسخ اضطغنا بآبائنا، و في بعضها بإنائنا. قال في القاموس اضطغنوا انطووا على الأحقاد و اضطغنه أخذه تحت حضنه. و في بعض النسخ أصغيا بإنائنا، و هو أصوب. قال في النهاية في حديث الهرة أنّه كان يصغي لها الإناء.. أي يميله ليسهل عليه الشّرب منه. فالمعنى إنّهم سهّلوا لغيرهم أخذ حقّنا. و قال الجوهري أصغيت إلى فلان إذا ملت بسمعك نحوه، و أصغيت الإناء مثله يقال فلان مصغى إناؤه إذا نقص حقّه، انتهى. فالمعنى إنّهم نقصوا حقّنا، و لعلّ التعبير عن نقص الحقّ بذلك لأنّه إذا أميل الإناء لا يمتلي. قوله عليه السلام و اضطجعا.. لعلّه كناية عن ترصّدهما للإضرار حيلة و غيلة و الانتهاز للفرصة في ذلك. قوله عليه السلام لذي الحلم.. قال الجوهري و قول الشاعر

و زعمت أنّا لا حلوم لنا إنّ العصا قرعت لذي الحلم

أي إنّ الحليم إذا نبّه انتبه، و أصله أنّ حكما من حكّام العرب عاش حتّى أهتر، فقال لابنته إذا أنكرت من فهمي شيئا عند الحكم فاقرعي لي المجنّ بالعصا لأرتدع، قال المتلمّس لذي الحلم... البيت. قوله عليه السلام ما قال هذا.. يمكن حمله على أنّه صلّى اللّه عليه و آله لم يقل هذا على وجه السؤال و الاعتقاد، بل لتنزّل الآية و يظهر للناس حالهما، أو لم يكن غرضه صلّى اللّه عليه و آله أن يعزّ الدين بهما مع كفرهما و نفاقهما، بل مع إسلامهما واقعا، فأخبر اللّه تعالى بأنّهما لا يسلمان أبدا، فلا ينافي الأخبار السابقة. قوله عليه السلام زنّاه.. أي قال إنّه ولد زنا، و إن كان يستعمل في المشهور فيمن نسب غيره إلى فعل الزنا.

 166-  مهج الدعوات عن الرضا عليه السلام، قال من دعا بهذا الدعاء في سجدة الشكر كان كالرامي مع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في بدر و أحد و حنين بألف ألف سهم.

 167-  و حكاها الكفعمي في الجنّة ]الدعاء[ اللّهمّ العن الّذين بدّلا دينك، و غيّرا نعمتك، و اتّهما رسولك )ص(، و خالفا ملّتك، و صدّا عن سبيلك، و كفرا آلاءك، و ردّا عليك كلامك، و استهزءا برسولك، و قتلا ابن نبيّك، و حرّفا كتابك، و جحدا آياتك، و استكبرا عن عبادتك، و قتلا أولياءك، و جلسا في مجلس لم يكن لهما بحقّ، و حملا الناس على أكتاف آل محمّد عليه و عليهم السلام، اللّهمّ العنهما لعنا يتلو بعضه بعضا، و احشرهما و أتباعهما إلى جهنّم زرقا، اللّهمّ إنّا نتقرّب إليك باللّعنة لهما و البراءة منهما في الدنيا و الآخرة، اللّهمّ العن قتلة أمير المؤمنين و قتلة الحسين بن عليّ بن بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، اللّهمّ زدهما عذابا فوق العذاب، و هوانا فوق هوان، و ذلّا فوق ذلّ، و خزيا فوق خزي، اللّهمّ دعّهما إلى النار دعّا، و اركسهما في أليم عذابك ركسا، اللّهمّ احشرهما و أتباعهما إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً، اللّهمّ فرّق جمعهم، و شتّت أمرهم، و خالف بين كلمتهم، و بدّد جماعتهم، و العن أئمّتهم، و اقتل قادتهم و سادتهم، و العن رؤساءهم و كبراءهم، و اكسر رايتهم، و ألق البأس بينهم، و لا تبق منهم ديّارا، اللّهمّ العن أبا جهل و الوليد لعنا يتلو بعضه بعضا، و يتبع بعضه بعضا، اللّهمّ العنهما لعنا يلعنهما به كلّ ملك مقرّب، و كلّ نبيّ مرسل، و كلّ مؤمن امتحنت قلبه للإيمان، اللّهمّ العنهما لعنا يتعوّذ منه أهل النار، و من عذابهما، اللّهمّ العنهما لعنا لا يخطر لأحد ببال، اللّهمّ العنهما في مستسرّ سرّك و ظاهر علانيتك، و عذّبهما عذابا في التقدير و فوق التقدير، و شارك معهما ابنتيهما و أشياعهما و محبّيهما و من شايعهما.

 أقول و دعاء صنمي قريش مشهور بين الشيعة، و رواه الكفعمي عن ابن عباس، أنّ أمير المؤمنين عليه السلام كان يقنت به في صلاته

و سيأتي في كتاب الصلاة إن شاء اللّه، و هو مشتمل على جميع بدعهما، و وقع فيه الاهتمام و المبالغة في لعنهما بما لا مزيد عليه.

 168-  كا عن العدّة، عن أحمد البرقي، عن عبد الرحمن بن حمّاد، عن عمرو بن مصعب، عن فرات بن الأحنف، عن أبي عبد اللّه عليه السلام، قال مهما تركت من شي‏ء فلا تترك أن تقول في كلّ صباح و مساء اللّهمّ إنّي أصبحت.. إلى آخر الدعاء، و فيه اللّهمّ العن الفرق المختلفة على رسولك و ولاة الأمر بعد رسولك و الأئمّة من بعده و شيعتهم، و أسألك.. إلى آخر ما سيجي‏ء في كتاب الصلاة، و كذا الشيخ رحمه اللّه و غيره في كتبهم مرسلا هذا الدعاء بتغيير يسير.

 169-  مهج بسنده الذي سيجي‏ء في كتاب الصلاة، عن أبي يحيى المادئني عن أبي عبد اللّه عليه السلام، أنّه قال من حقّنا على أوليائنا و أشياعنا أن لا ينصرف الرجل من صلاته حتى يدعو بهذا الدعاء، و هو اللّهمّ إنّي أسألك باسمك العظيم أن تصلّي على محمّد و آله الطاهرين.. إلى قوله عليه السلام اللّهمّ و ضاعف لعنتك و بأسك و نكالك و عذابك على اللّذين كفّرا نعمتك، و خوّنا رسولك، واتّهما نبيّك و بايناه، و حلّا عقده في وصيّته، و نبذا عهده في خليفته من بعده، و ادّعيا مقامه، و غيّرا أحكامه، و بدّلا سنّته، و قلبا دينه، و صغّرا قدر حججك، و بدءا بظلمهم، و طرّقا طريق الغدر عليهم، و الخلاف عن أمرهم، و القتل لهم، و إرهاج الحروب عليهم، و منع خليفتك من سدّ الثلم، و تقويم العوج، و تثقيف الأود، و إمضاء الأحكام، و إظهار دين الإسلام، و إقامة حدود القرآن. اللّهمّ العنهما و ابنتيهما و كلّ من مال ميلهم و حذا حذوهم، و سلك طريقتهم، و تصدّر ببدعتهم لعنا لا يخطر على بال، و يستعيذ منه أهل النار، و العن اللّهمّ من دان بقولهم، و اتّبع أمرهم، و دعا إلى ولايتهم، و شكّك في كفرهم من الأوّلين و الآخرين.

 بيان في النهاية التّخوّن التّنقّص. و قال الجوهري رجل خائن.. و خوّنه نسبه إلى الخيانة. و في النهاية نبذت الشّي‏ء أنبذه نبذا فهو منبوذ إذا رميته و أبعدته. و قلبا دينه.. أي ردّا، أو بالتشديد، يقال رجل مقلّبا.. أي محتال. إرهاج الغبار إثارته. و الثّلمة الخلل في الحائط و غيره. و تثقيف الرّمح تسويتها. و أود اعوجّ.

 170-  يب بإسناده عن الحسين بن ثوير و أبي سلمة السرّاج، قالا سمعنا أبا عبد اللّه عليه السلام و هو يلعن في دبر كلّ مكتوبة أربعة من الرجال و أربعا من النساء التيميّ و العدويّ و فعلان و معاوية.. و يسمّيهم، و فلانة و فلانة و هند و أمّ الحكم أخت معاوية.

 171-  كشف المحجّة، للسيّد عليّ بن طاوس قال بعد ما حكى خبر سعد بن عبد اللّه المتقدّم المشتمل على سبب إسلامهما و وقفت أنا في كتاب دانيال المختصر من كتاب الملاحم ما يتضمّن أنّ ]فلانا و فلانا[ كانا عرفا من كتاب دانيال و كان عند اليهود حديث ملك النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و ولاية رجل من تيم و رجل من عديّ بعده دون وصيّه، و لمّا رأيا الصفة التي كان في الكتاب في محمّد صلّى اللّه عليه و آله تبعاه و أسلما معه طلبا للولاية التي ذكرها دانيال في كتابه.

  -172  يج عن داود الرقّي، قال كنت عند الصادق عليه السلام و المفضّل و أبو عبد اللّه البلخي إذ دخل علينا كثير النواء، و قال إنّ أبا الخطاب يشتم ]فلانا و فلانا[ و يظهر البراءة منهما، فالتفت الصادق عليه السلام إلى أبي الخطاب و قال يا محمد ما تقول. قال كذب و اللّه، ما قد سمع قطّ شتمهما منّي. فقال الصادق عليه السلام قد حلف، و لا يحلف كاذبا. فقال صدق، لم أسمع أنا منه، و لكن حدّثني الثقة به عنه. قال الصادق عليه السلام إنّ الثقة لا يبلغ ذلك، فلمّا خرج كثير النواء قال الصادق عليه السلام أما و اللّه لئن كان أبو الخطاب ذكر ما قال كثير لقد علم من أمرهم ما لم يعلمه كثير، و اللّه لقد جلسا مجلس أمير المؤمنين عليه السلام غصبا، فلا غفر اللّه لهما و لا عفا عنهما. فبهت أبو عبد اللّه البلخي، فنظر إلى الصادق عليه السلام متعجّبا ممّا قال فيهما، فقال الصادق عليه السلام أنكرت ما سمعت فيهما. قال كان ذلك. فقال فهلّا الإنكار منك ليلة دفع إليك فلان بن فلان البلخي جارية فلانة لتبيعها، فلمّا عبرت النهر افترشتها في أصل شجرة. فقال البلخي قد مضى و اللّه لهذا الحديث أكثر من عشرين سنة، و لقد تبت إلى اللّه من ذلك. فقال الصادق عليه السلام لقد تبت و ما تاب اللّه عليك، و قد غضب اللّه لصاحب الجارية.

  -173  مصبا بإسناده عن عقبة بن خالد، عن أبيه، عن أبي جعفر عليه السلام في زيارة عاشوراء اللّهمّ خصّ أنت أوّل ظالم باللّعن منّي و ابدأ به أوّلا ثم الثاني ثم الثالث ثم الرابع، اللّهمّ العن يزيد بن معاوية خامسا.. إلى آخر الزيارة.

و الزيارات مشحونة بأمثال ذلك كما سيأتي في المجلد الثاني و العشرين.

 أقول الأخبار الدالّة على كفر ]فلان و فلان[ و أضرابهما و ثواب لعنهم و البراءة منهم، و ما يتضمّن بدعهم أكثر من أن يذكر في هذا المجلد أو في مجلدات شتّى، و فيما أوردنا كفاية لمن أراد اللّه هدايته إلى الصراط المستقيم.

 تذنيب و تتميم اعلم، أنّ طائفة من أهل الخلاف لمّا رأوا أنّ إنكار أهل البيت عليهم السلام على أئمّتهم و مشايخهم حجّة قاطعة على بطلانهم، و لم يقدروا على القدح في أهل البيت صلوات اللّه عليهم و ردّ أخبارهم لما تواتر بينهم من فضائلهم و ما نزل في الكتاب الكريم من تفضيلهم و مدحهم، حتى صار وجوب مودّتهم و فرض ولايتهم من الضروريّات في دين الإسلام اضطرّوا إلى القول بأنّهم عليهم السلام لم يقدحوا في الخلفاء و لم يذكروهم إلّا بحسن الثناء كما ذكره التفتازاني في شرح المقاصد. و ربما تمسّكوا بأخبار شاذّة موضوعة رووها عن النواصب، و لا يخفى على من له أدنى مسكة من العقل أنّه لا يصلح أمثال تلك الروايات المعدودة الشاذّة مع ظهور التقيّة فيها لمعارضة ما تواتر عنهم عليهم السلام و روتها خواصّ أصحابهم و بطانتهم، و لا يمكن صدور مثلها إلّا عن صميم القلب بدون الخوف و التقيّة، و أيّ ضرورة في أن ينسبوا إلى أئمّتهم في زمان الخوف و التقيّة ما يصير سببا لتضرّرهم من المخالفين، و لتضاعف خوفهم، و وقوع الجرائم و القتل و النهب عليهم و لم لم يمنعهم أئمّتهم من تدوين أمثال ذلك في كتبهم في مدّة مديدة تزيد على ثلاثمائة سنة، و أكثر تلك الكتب قد دوّنت في زمانهم و لم يتبرّوا منهم كما تبرّوا من الغلاة كأبي الخطاب و أضرابه و هل هذا مثل أن يقال لم ير أحد من أصحاب الأئمّة الذين دوّنوا أسماءهم في رجال الشيعة أحدا من الأئمّة عليهم السلام و لم يسمعوا منه شيئا بل كانوا يفترون عليهم أو يقال لم يكن جماعة موسومون بتلك الأسامي، بل وضعت الشيعة تلك الأسامي من غير أصل و تقول اليهود و النصارى لم يبعث رجل مسمّى بمحمّد بأمثال تلك الخرافات. و بالجملة، لا ريب في أنّ مذاهب الناس و عقائدهم إنّما يؤخذ من خواصّهم و أحبّائهم دون المنحرفين عنهم و المنخرطين في سلك أعدائهم، و هذا من أجلى الواضحات. و لعمري كيف لا يكذّبون أصحاب أبي حنيفة و الشافعي و مالك و أضرابهم فيما ينسبون إليهم، و يكذبون أصحاب أئمّتنا عليهم السلام في ذلك. و أعجب من ذلك أنّهم يعتمدون على أصولهم المشحونة بالأباطيل و الأكاذيب المرويّة عن جماعة من المنافقين ظهر على الناس فسقهم و كذبهم، و لا يلتفتون إلى ما يرويه أفاضل الشيعة في أصولهم مع كونهم معروفين بين الفريقين بالورع و الزهد و الصدق و الديانة و هل هذا إلا لمحض العصبيّة و العناد.

 فقد روى مسلم في صحيحه، بإسناده عن عمرو بن العاص، قال سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله جهارا غير سرّ يقول ألا إنّ آل أبي طالب ليسوا لي أولياء، و إنّما وليّي اللّه و صالح المؤمنين.

 و قد حكى ابن أبي الحديد، عن أبي جعفر الإسكافي و هو من مشايخ المعتزلة كلاما في المنحرفين عن عليّ عليه السلام و المبغضين له. و عدّ منهم عمرو ابن العاص، فروى الحديث الذي أخرجه البخاري و مسلم في صحيحهما مسندا متّصلا بعمرو بن العاص، و ذكر الحديث، فيظهر من كلامه الاعتراف بوجود الخبر في صحيح البخاري أيضا. ثم لمّا رأى بعض العامّة شناعة تلك الرواية غيّروا في كثير من النسخ لفظ أبي طالب بلفظ أبي فلان.

 و روى مسلم، عن أبي سعيد الخدري أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال لا تكتبوا عنّي غير القرآن و من كتب عنّي غير القرآن فليمحه، و حدّثوا عنّي و لا حرج، و من كذب عليّ متعمدا فليتبوّأ مقعده من النار.

و لا ريب في أنّ تحريم الكتابة عن الرسول صلّى اللّه عليه و آله باطل باتّفاق أهل الإسلام. و نقل ابن أبي الحديد أيضا، عن الإسكافي أنّ معاوية وضع قوما من الصحابة و قوما من التابعين على رواية أخبار قبيحة في عليّ عليه السلام، يقتضي الطعن فيه و البراءة منه، و جعل لهم جعلا يرغب في مثله، فاختلفوا ما أرضاه، منهم أبو هريرة، و عمرو بن العاص، و المغيرة بن شعبة، و من التابعين عروة بن الزبير.

 روى الزهريّ، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، قالت كنت عند رسول اللّه إذ أقبل العباس و عليّ، فقال يا عائشة إنّ هذين يموتان على غير ملّتي، أو قال ديني.

 و روى عبد الرزاق، عن معمّر، قال كان عند الزهريّ حديثان عن عروة عن عائشة في عليّ عليه السلام، فسألته عنهما يوما، فقال ما تصنع بهما و بحديثهما اللّه أعلم بهما، إنّي لأتّهمهما في بني هاشم.

قال أمّا الحديث الأول فقد ذكرناه، و أمّا الحديث الثاني فهو

 أنّ عروة زعم أنّ عائشة حدّثته، قالت كنت عند النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إذ أقبل العباس و عليّ، فقال يا عائشة إن سرّك أن تنظري إلى رجلين من أهل النار فانظري إلى هذين قد طلعا، فنظرت فإذا العباس و عليّ بن أبي طالب. انتهى.

و مع وجود أمثال تلك الروايات في أصولهم الفاسدة يعتمدون عليها اعتمادهم على القرآن، و يفرّون من روايات الشيعة المتديّنين البررة كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ، و أيّ نصّ قاطع دلّ على انحصار المحدّثين و رواة الأخبار في البخاري و مسلم و من يحذو حذوهما في التعصّب و إخفاء الحقّ و طرح ما يخالف أهواءهم من الأخبار، كما يظهر للفطن البصير ممّا حكاه ابن الأثير، قال قال البخاري أخرجت كتابي الصحيح من زهاء ستمائة ألف حديث. و قال مسلم صنّفت المسند الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة. و قال أبو داود كتبت عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه ]و آله[ خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمّنته هذا الكتاب يعني كتاب السنن أربعة آلاف حديث و ثمانمائة. و إنّما تأخذ الشيعة أخبار دينهم عمّن تعلّق بالعروة الوثقى الّتي هي متابعة أهل بيت النبوّة الذين شهد اللّه لهم بالتطهير، و نصّ عليهم الرسول صلّى اللّه عليه و آله بأنّهم سفينة النجاة، و لا يأخذون شطر دينهم عن امرأة ناقصة العقل و الدين مبغضة لأمير المؤمنين عليه السلام، و شطره الآخر عن أبي هريرة الدوسي الكذّاب المدنيّ، و أنس بن مالك الذي فضحه اللّه بكتمان الحقّ و ضربه ببياض لا تغطّيه العمامة و معاوية، و عمرو بن العاص، و زياد المعروفين عند الفريقين بخبث المولد و بغض من أخبر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله الأمين بأنّ بغضه آية النفاق.. و أضراب هؤلاء، لكنّ التعصّب أسدل أغطية الغيّ و الضلال على أبصارهم إلى يوم النشور، وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ.