باب 37- صفات خيار العباد و أولياء الله و فيه ذكر بعض الكرامات التي رويت عن الصالحين

الآيات يونس أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ الحج الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ وَ أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ نَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَ لِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ المؤمنون إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ وَ الَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَ الَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ وَ الَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَ قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَ هُمْ لَها سابِقُونَ النور فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَ إِقامِ الصَّلاةِ وَ إِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَ الْأَبْصارُ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَ يَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَ اللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ الفرقان وَ عِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَ إِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً وَ الَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَ قِياماً وَ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَ مُقاماً وَ الَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا وَ كانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً وَ الَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَ لا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَ لا يَزْنُونَ وَ مَنْ يَفْعَلْ   ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ يَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً إِلَّا مَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً وَ مَنْ تابَ وَ عَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً وَ الَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَ إِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً وَ الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَ عُمْياناً وَ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَ ذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَ اجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَ يُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَ سَلاماً خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَ مُقاماً السجدة إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ وَ لَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَ لَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ وَ مَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَ عَمِلَ صالِحاً وَ قالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ الأحقاف إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَ وَضَعَتْهُ كُرْهاً وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَ عَلى والِدَيَّ وَ أَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَ أَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَ إِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَ نَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ الذاريات إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ وَ بِالْأَسْحارِ هُمْ   يَسْتَغْفِرُونَ وَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَ الْمَحْرُومِ

 المجادلة لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَ يُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الحاقة فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ قُطُوفُها دانِيَةٌ كُلُوا وَ اشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ المعارج إِلَّا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ وَ الَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَ الْمَحْرُومِ وَ الَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ وَ الَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ وَ الَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَ عَهْدِهِمْ راعُونَ وَ الَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ وَ الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ الدهر إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَ يَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَ لا شُكُوراً إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَ لَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَ سُرُوراً وَ جَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَ حَرِيراً إلى   قوله تعالى إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَ كانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً العصر وَ الْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ تَواصَوْا بِالْحَقِّ وَ تَواصَوْا بِالصَّبْرِ. تفسير أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ قال المفسرون أي في القيامة من العقاب وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ أي لا يخافون و أقول يمكن أن يكون المراد أعم من الدنيا و الآخرة فإنهم لرضاهم بقضاء الله و عدم تعلقهم بالدنيا و ما فيها لا خوف عليهم للحوق مكروه و لا هم يحزنون لفوات مأمول. و قال الطبرسي رحمه الله اختلف في أولياء الله فقيل هم قوم ذكرهم الله بما هم عليه من سيماء الخير و الإخبات عن ابن عباس و قيل هم المتحابون في الله ذكر ذلك في خبر مرفوع و قيل هم الَّذِينَ آمَنُوا وَ كانُوا يَتَّقُونَ قد بينهم في الآية التي بعدها و قيل إنهم الذين أدوا فرائض الله و أخذوا بسنن رسول الله ص و تورعوا عن محارم الله و زهدوا في عاجل هذه الدنيا و رغبوا فيما عند الله و اكتسبوا الطيب من رزق الله لمعايشهم لا يريدون به التفاخر و التكاثر ثم أنفقوه فيما يلزمهم من حقوق واجبة فأولئك الذين يبارك الله لهم فيما اكتسبوا و يثابون على ما قدموا منه لآخرتهم و هو المروي عن علي بن الحسين ع و قيل هم الذين توالت أفعالهم على موافقة الحق. و قال رحمه الله في قوله تعالى الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أي أعطيناهم ما به يصح الفعل منهم و سلطناهم في الأرض أدوا الصلاة بحقوقها و أعطوا ما افترض الله عليهم من الزكاة وَ أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ و هو الحق لأنه تعرف صحته وَ نَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ و هو الباطل لأنه لا يمكن معرفة صحته و يدل على وجوبهما و قال أبو جعفر ع نحن هم و الله وَ لِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ أي يبطل كل ملك سوى

    ملكه فتصير الأمور إليه بلا مانع و لا منازع. و قال في قوله إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ أي من عذاب ربهم خائفون فيفعلون ما أمرهم به و ينتهون عما نهاهم عنه وَ الَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ أي بآيات الله و حججه من القرآن و غيره يصدقون. أقول و في الأخبار أن الآيات هم الأئمة ع. وَ الَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ من الشرك الجلي و الخفي وَ الَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا أي يعطون ما أعطوا من الزكاة و الصدقة أو أعمال البر كلها كما قال علي بن إبراهيم رحمه الله من العبادة و الطاعة و يؤيده قراءة يأتون ما أتوا في الشواذ وَ قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أي خائفة قال الحسن المؤمن جمع إحسانا و شفقة و المنافق جمع إساءة و امتنانا و قال أبو عبد الله ع خائفة أن لا تقبل منهم و في رواية أخرى يؤتي ما آتى و هو خائف راج و قيل إن في الكلام حذفا و إضمارا و تأويله قلوبهم وجلة أن لا يقبل منهم لعلمهم أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ أي لأنهم يوقنون بأنهم يرجعون إلى الله تعالى يخافون أن لا يقبل منهم و إنما يخافون ذلك لأنهم لا يأمنون التفريط أو يخافون من أن مرجعهم إليه و هو يعلم ما يخفى عليهم.

 و قال الصادق ع ما الذي أتوا أتوا و الله الطاعة مع المحبة و الولاية و هم في ذلك خائفون ليس خوفهم خوف شك و لكنهم خافوا أن يكونوا مقصرين في   محبتنا و طاعتنا

 أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ معناه الذين جمعوا هذه الصفات هم الذين يبادرون إلى الطاعات و يسابقون إليها رغبة منهم فيها و علما منهم بما ينالون بها من حسن الجزاء وَ هُمْ لَها سابِقُونَ أي و هم لأجل تلك الخيرات سابقون إلى الجنة أو هم إليها سابقون قال ابن عباس يسابقون فيها أمثالهم من أهل البر و التقوى و روى علي بن إبراهيم عن الباقر ع قال هو علي بن أبي طالب ع لم يسبقه أحد. فِي بُيُوتٍ أي كمشكاة في بعض بيوت أو توقد في بيوت أَذِنَ اللَّهُ أي أمر أو قدر أَنْ تُرْفَعَ بالتعظيم وَ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ بالتلاوة و الذكر و الدعاء و نزول الوحي و بيان الأحكام عن الصادق ع هي بيوت النبي ص و عن الباقر ع هي بيوت الأنبياء و الرسل و الحكماء و أئمة الهدى و روى علي بن إبراهيم عنه ع هي بيوت الأنبياء و بيت علي ع منها يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ في الفقيه

 عن الصادق ع في هذه الآية قال كانوا أصحاب تجارة فإذا حضرت الصلاة تركوا التجارة و انطلقوا إلى الصلاة و هم أعظم أجرا ممن لا يتجر

 و في المجمع عنهما ع مثله يَخافُونَ يَوْماً مع ما هم عليه من الذكر و الطاعة تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَ الْأَبْصارُ تضطرب و تتغير من الهول لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَ يَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ أشياء لم يعدهم على أعمالهم و لا تخطر ببالهم    وَ اللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ تقرير للزيادة و تنبيه على كمال القدرة و نفاذ المشية و سعة الإحسان. وَ عِبادُ الرَّحْمنِ أي عبيده الخلص الذين عملوا بلوازم العبودية الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً أي بسكينة و تواضع و في المجمع عن الصادق ع هو الرجل يمشي بسجيته التي جبل عليها لا يتكلف و لا يتبختر.

 و روى علي بن إبراهيم عن الباقر ع أنه قال في هذه الآية الأئمة ع يمشون على الأرض هونا خوفا من عدوهم

 و عن الكاظم ع أنه سئل عن هذه الآية فقال هم الأئمة يتقون في مشيهم

 و عن الباقر ع قال هم الأوصياء مخافة من عدوهم

 وَ إِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً قيل أي تسلما منكم و متاركة لكم لا خير بيننا و لا شر أو سدادا من القول يسلمون فيه من الإيذاء و الإثم وَ الَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَ قِياماً أي في الصلاة و تخصيص البيتوتة لأن العبادة بالليل أحمز و أبعد من الرئاء. وَ الَّذِينَ يَقُولُونَ إلى قوله غَراماً أي لازما و منه الغريم لملازمته و هو إيذان بأنهم مع حسن مخالفتهم مع الخلق و اجتهادهم في عبادة الحق وجلون من العذاب مبتهلون إلى الله في صرفه عنهم لعدم اعتدادهم بأعمالهم و لا وثوقهم على استمرار أحوالهم إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَ مُقاماً الجملتان تحتملان الحكاية و الابتداء من الله وَ الَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا إلخ قال علي بن إبراهيم الإسراف الإنفاق في المعصية في غير حق وَ لَمْ يَقْتُرُوا لم يبخلوا عن حق الله جل و عز و القوام العدل و الإنفاق فيما أمر الله به   

 و في المجمع عن النبي ص من أعطى في غير حق فقد أسرف و من منع من حق فقد قتر

 و عن علي ع ليس في المأكول و المشروب سرف و إن كثر

 و عن الصادق ع إنما الإسراف فيما أفسد المال و أضر بالبدن قيل فما الإقتار قال أكل الخبز و الملح و أنت تقدر على غيره قيل فما القصد قال الخبز و اللحم و اللبن و الخل و السمن مرة هذا و مرة هذا

 و عنه ع أنه تلا هذه الآية فأخذ قبضة من حصى و قبضها بيده قال هذا الإقتار الذي ذكر الله في كتابه ثم قبض قبضة أخرى فأرخى كفه كلها ثم قال هذا الإسراف ثم أخذ قبضة أخرى فأرخى بعضها و أمسك بعضها و قال هذا القوام

 حَرَّمَ اللَّهُ أي حرمها بمعنى حرم قتلها إِلَّا بِالْحَقِّ متعلق بالقتل المحذوف أو ب لا يَقْتُلُونَ يَلْقَ أَثاماً أي جزاء ثم يُضاعَفْ بدل من يلق و قال علي بن إبراهيم أثام واد من أودية جهنم من صفر مذاب قدامها حرة في جهنم يكون فيه من عبد غير الله و من قتل النفس التي حرم الله و تكون فيه الزناة و يضاعف لهم فيه العذاب فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ.

 في العيون عن الرضا ع قال قال رسول الله ص إذا كان يوم القيامة تجلى الله عز و جل لعبده المؤمن فيقفه على ذنوبه ذنبا ذنبا ثم يستغفر له لا يطلع الله على ذلك ملكا مقربا و لا نبيا مرسلا و يستر عليه ما يكره أن يقف عليه أحد ثم يقول لسيئاته كونوا حسنات

و أقول الأخبار في ذلك كثيرة أوردتها في الأبواب السابقة لا سيما في باب الصفح عن الشيعة. وَ مَنْ تابَ بترك المعاصي و الندم عليها وَ عَمِلَ صالِحاً بتلافي ما فرط أو خرج عن المعاصي و دخل في الطاعة فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ أي يرجع إليه بذلك مَتاباً مرضيا عند الله ماحيا للعقاب محصلا للثواب و قال علي بن إبراهيم لا يعود إلى شي‏ء من ذلك بإخلاص و نية صادقة وَ الَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ قال لا   يقيمون الشهادة الباطلة و عن الصادق ع هو الغناء و قال علي بن إبراهيم الغناء و مجالس اللهو وَ إِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً معرضين عنه مكرمين أنفسهم عن الوقوف عليه و الخوض فيه و من ذلك الإغضاء عن الفحشاء و الصفح عن الذنوب و الكناية عما يستهجن التصريح به و في المجمع عن الباقر ع الذين إذا أرادوا ذكر الفرج كنوا عنه و في الكافي عن الصادق ع أنه قال لبعض أصحابه أين نزلتم قالوا على فلان صاحب القيان فقال كونوا كراما ثم قال أ ما سمعتم قول الله عز و جل في كتابه وَ إِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً

 و في العيون عن محمد بن أبي عباد كان مشتهرا بالسماع و بشرب النبيذ قال سألت الرضا ع عن السماع فقال لأهل الحجاز رأي فيه و هو في حيز الباطل و اللهو أ ما سمعت الله يقول وَ إِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً

 وَ الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَ عُمْياناً أي لم يقيموا عليها غير واعين لها و لا متبصرين بما فيها كمن لا يسمع و لا يبصر بل أكبوا عليها سامعين بآذان واعية مبصرين بعيون راعية و في الكافي عن الصادق ع قال مستبصرين ليسوا بشكاك وَ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَ ذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ بتوفيقهم للطاعة و حيازة الفضائل فإن المؤمن إذا شاركه أهله في طاعة الله سر به قلبه و قر بهم عينه لما يرى من مساعدتهم له في الدين و توقع لحوقهم به في الجنة. وَ اجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً في الجوامع عن الصادق ع إيانا عنى و في رواية هي فينا

 و روى علي بن إبراهيم عن الصادق ع قال نحن أهل البيت

 قال و روي   أن أَزْواجِنا خديجة و ذُرِّيَّاتِنا فاطمة و قُرَّةَ أَعْيُنٍ الحسن و الحسين و اجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً علي بن أبي طالب و الأئمة ع قال و قرئ عنده ع هذه الآية فقال قد سألوا عظيما أن يجعلهم للمتقين أئمة فقيل له كيف هذا يا ابن رسول الله قال إنما أنزل و اجعل لنا من المتقين

 أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ أي أعلى مواضع الجنة و هي اسم جنس أريد به الجمع بِما صَبَرُوا أي بصبرهم على المشاق من مضض الطاعات و رفض الشهوات و تحمل المجاهدات وَ يُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَ سَلاماً أي دعاء بالتعمير و بالسلامة أي يحييهم الملائكة و يسلمون عليهم أو يحيي بعضهم بعضها و يسلم عليه أو تبقيه دائمة و سلامة من كل آفة خالِدِينَ فِيها لا يموتون و لا يخرجون. إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ اعترافا بربوبيته و إقرارا بوحدانيته ثُمَّ اسْتَقامُوا على مقتضاه و في أخبار كثيرة أن المراد به الاستقامة على الولاية و في نهج البلاغة و إني متكلم بعدة الله و حجته قال الله تعالى إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا الآية و قد قلتم ربنا الله فاستقيموا على كتابه و على منهاج أمره و على الطريقة الصالحة من عبادته ثم لا تمرقوا منها و لا تبتدعوا فيها و لا تخالفوا عنها فإن أهل المروق منقطع بهم عند الله يوم القيامة و قد ورد في الأخبار الكثيرة أن المراد بالاستقامة الاستقامة على ولاية الأئمة ع واحدا بعد واحد. تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ قال الطبرسي رحمه الله يعني عند الموت و روي ذلك عن أبي عبد الله ع و قيل تستقبلهم الملائكة إذا خرجوا من قبورهم في الموقف بالبشارة من الله تعالى و قيل إن البشرى تكون في ثلاثة مواطن عند الموت و في القبر و عند البعث أَلَّا تَخافُوا عقاب الله وَ لا تَحْزَنُوا فوت الثواب أو   لا تخافوا مما أمامكم و لا تحزنوا على ما وراءكم و ما خلفكم من أهل و ولد و قيل لا تخافوا و لا تحزنوا على ذنوبكم فإني أغفرها لكم نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ أي أنصاركم و أحباؤكم فِي الْحَياةِ الدُّنْيا نتولى إيصال الخيرات إليكم من قبل الله تعالى وَ فِي الْآخِرَةِ نتولاكم بأنواع الإكرام و المثوبة و قيل نحرسكم في الدنيا و عند الموت و في الآخرة عن أبي جعفر ع

 و قد روى علي بن إبراهيم و غيره عن الصادق ع قال ما يموت موال لنا و مبغض لأعدائنا إلا و يحضره رسول الله ص و أمير المؤمنين و الحسن و الحسين ع فيراهم و يبشرونه و إن كان غير موال يراهم بحيث يسوؤهم

و قد مضت الأخبار الكثيرة في ذلك وَ لَكُمْ فِيها أي في الآخرة ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ من الملاذ و تتمنونه من المنافع وَ لَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ أنه لكم فإن الله سبحانه يحكم لكم بذلك و قيل ما تشتهي أنفسكم من اللذائذ وَ لَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ ما تتمنون من الدعاء بمعنى الطلب و هو أعم من الأول نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ حال من تَدَّعُونَ للإشعار بأن ما يتمنون بالنسبة إلى ما يعطون مما لا يخطر ببالهم كالنزل للضيف. و أقول قد مضت الأخبار الكثيرة في أن هذه الآيات في شأن الأئمة ع و أن الملائكة يخاطبونهم في الدنيا بحيث يسمعون و في البصائر عن الباقر ع أنه قيل له يبلغنا أن الملائكة تتنزل عليكم قال إي و الله لتنزل علينا و تطأ فرشنا أ ما تقرأ كتاب الله إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ الآية. وَ مَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ أي إلى معرفته و عبادته و دينه الذي ارتضاه لعباده وَ عَمِلَ صالِحاً فيما بينه و بين ربه وَ قالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ قيل تفاخرا به و اتخاذا للإسلام دينا و مذهبا.   أقول و يمكن أن يكون المراد به من المنقادين لأئمة الدين. إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا قيل أي جمعوا بين التوحيد الذي هو خلاصة العلم و الاستقامة في الأمور التي هي منتهى العمل و ثم للدلالة على تأخير رتبة العمل و توقف اعتباره على التوحيد و قال علي بن إبراهيم ثم استقاموا على ولاية أمير المؤمنين فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ من لحوق مكروه وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ على فوات محبوب و هذه مرتبة الولاية. بوالديه حسنا و قرئ إِحْساناً و في المجمع عن علي ع حسنا بفتحتين وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ أي مدتهما ثَلاثُونَ شَهْراً ذلك كله لما تكابده الأم في تربية الولد مبالغة في التوصية بها حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ أي استحكم قوته و عقله وَ بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أي ألهمني و أصله أولعني من أوزعته بكذا نِعْمَتَكَ يعني نعمة الدين أو ما يعمها و غيرها وَ أَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي أي اجعل لي الصلاح ساريا في ذريتي راسخا فيهم إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ عما لا ترضاه أو يشغل عنك وَ إِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ المخلصين لك. أَحْسَنَ ما عَمِلُوا قيل يعني طاعاتهم فإن المباح حسن و لا يثاب عليه فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ قيل كائنين في عدادهم أو مثابين أو معدودين فيهم وَعْدَ الصِّدْقِ   مصدر مؤكد لنفسه فإن نتقبل و نتجاوز وعد الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ أي في الدنيا. و قد مرت أخبار كثيرة في أن الآيات نزلت في الحسين صلوات الله عليه

 و عن الصادق ع قال لما حملت فاطمة بالحسين ع جاء جبرئيل ع إلى رسول الله ص فقال إن فاطمة ستلد غلاما تقتله أمتك من بعدك فلما حملت فاطمة بالحسين كرهت حمله و حين وضعته كرهت وضعه ثم قال ع لم تر في الدنيا أم تلد غلاما تكرهه و لكنها كرهته لما علمت أنه سيقتل قال و فيه نزلت هذه الآية

 و في رواية أخرى ثم هبط جبرئيل ع فقال يا محمد إن ربك يقرؤك السلام و يبشرك بأنه جاعل في ذريته الإمامة و الولاية و الوصية فقال إني رضيت ثم بشر فاطمة ع بذلك فرضيت قال فلو لا أنه قال أَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي لكانت ذريته كلهم أئمة قال و لم يولد ولد لستة أشهر إلا عيسى ابن مريم و الحسين ع

 آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ قيل أي قابلين لما أعطاهم راضين به و معناه أن كل ما آتاهم حسن مرضي متلقى بالقبول إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ قد أحسنوا أعمالهم و هو تعليل لاستحقاقهم ذلك كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ تفسير لإحسانهم و عن الصادق ع كانوا أقل الليالي يفوتهم لا يقومون فيها و عن الباقر ع كان القوم ينامون و لكن كلما انقلب أحدهم قال الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر وَ بِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ عن الصادق ع كانوا يستغفرون في الوتر في آخر الليل سبعين مرة وَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ أي نصيب يستوجبونه على أنفسهم تقربا إلى الله و إشفاقا على الناس لِلسَّائِلِ وَ الْمَحْرُومِ.

 عن الصادق ع المحروم المحارف الذي قد حرم كد يده في الشراء و البيع

 و في رواية أخرى ليس بعقله بأس و لا يبسط له في الرزق و هو محارف

و قيل المحروم المتعفف الذي   يظن غنيا فيحرم الصدقة يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ في المجمع أي يوالون من خالف الله و رسوله و المعنى لا تجتمع موالاة الكفار مع الإيمان و المراد به الموالاة في الدين وَ لَوْ كانُوا آباءَهُمْ أي و إن قربت قرابتهم منهم فإنهم لا يوالونهم إذا خالفوهم في الدين أُولئِكَ أي الذين لم يوادوهم كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ أي ثبت في قلوبهم الإيمان بما فعل بهم من الألطاف فصار كالمكتوب و قيل كتب في قلوبهم علامة الإيمان و معنى ذلك أنها سمة لمن شاهدهم من الملائكة على أنهم مؤمنون وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ أي قواهم بنور الإيمان و في الكافي عنهما ع هو الإيمان

 و عن الصادق ع ما من مؤمن إلا و لقلبه أذنان في جوفه أذن ينفث فيها الوسواس الخناس و أذن ينفث فيها الملك فيؤيد الله المؤمن بالملك فذلك قوله وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ

و قد مضت الأخبار في ذلك رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بإخلاص الطاعة و العبادة منهم وَ رَضُوا عَنْهُ بثواب الجنة و قيل بقضاء الله عليهم في الدنيا فلم يكرهوه أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أي جند الله و أنصار دينه و رعاة خلقه أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أي إن جنود الله و أولياءه هم المنجحون الناجون الظافرون بالبغية فيقول تبجحا و إظهارا للفرح و السرور. هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ هاؤُمُ اسم لخذوا و الهاء في كِتابِيَهْ و نظائره الآتية للسكت تثبت في الوقف و تسقط في الوصل إِنِّي ظَنَنْتُ أي تيقنت كذا في التوحيد

 و الإحتجاج عن أمير المؤمنين ع قال و الظن ظنان ظن شك و ظن يقين فما كان من أمر المعاد من الظن فهو ظن يقين و ما كان من أمر الدنيا   فهو ظن شك

 أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ قال أني أبعث و أحاسب

 و روى علي بن إبراهيم عن الصادق ع كل أمة يحاسبها إمام زمانها و يعرف الأئمة أولياءهم و أعداءهم بسيماهم

و هو قوله وَ عَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ و هم الأئمة يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ فيعطوا أولياءهم كتبهم بأيمانهم فيمروا إلى الجنة بغير حساب و يعطوا أعداءهم كتبهم بشمالهم فيمروا إلى النار بلا حساب فإذا نظر أولياؤهم في كتبهم يقولون لإخوانهم هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ قال علي بن إبراهيم أي مرضية فوضع الفاعل مكان المفعول و قيل أي ذات رضى أو جعل الفعل لها مجازا فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ قيل أي مرتفعة المكان لأنها في السماء أو الدرجات أو الأبنية و الأشجار قُطُوفُها جمع قطف و هو ما يجتنى بسرعة و القطف بالفتح المصدر دانِيَةٌ يتناولها القائم و القاعد كُلُوا وَ اشْرَبُوا بإضمار القول و جمع الضمير للمعنى هَنِيئاً أي أكلا و شربا هنيئا أو هنئتم هنيئا بِما أَسْلَفْتُمْ أي بما قدمتم من الأعمال الصالحة فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ أي الماضية من أيام الدنيا. إِلَّا الْمُصَلِّينَ روى علي بن إبراهيم عن الباقر ع قال ثم استثنى فوصفهم بأحسن أعمالهم و هو قضاء ما فاتهم من الليل بالنهار و ما فاتهم من النهار بالليل وَ الَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَ الْمَحْرُومِ

 في الكافي عن السجاد ع الحق المعلوم الشي‏ء يخرجه من ماله ليس من الزكاة و لا من الصدقة المفروضتين هو الشي‏ء يخرجه من ماله إن شاء أكثر و إن شاء أقل على قدر ما يملك يصل به رحما و يقوي به ضعيفا و يحمل به كلا و يصل به أخا له في الله أو لنائبة تنوبه

و في معناه أخبار أخر

 و عن الصادق ع المحروم المحارف الذي قد حرم كد يده

كما مر وَ الَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ في الكافي عن الباقر ع قال بخروج القائم ع قوله مُشْفِقُونَ أي خائفون على أنفسهم.    إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ اعتراض يدل على أنه لا ينبغي لأحد أن يأمن من عذاب الله و إن بالغ في طاعته إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ شاملة للمتعة أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ التحليل داخل في أحدهما على القولين فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ الكاملون للعدوان راعُونَ أي حافظون قائِمُونَ لا يكتمون و لا ينكرون يُحافِظُونَ أي يراعون شرائطها و آدابها و أوقاتها و في الكافي و المجمع عن الباقر ع قال هي الفريضة و الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ النافلة و عن الكاظم ع أولئك أصحاب الخمسين صلاة من شيعتنا أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ أي معظمون مبجلون بما يفعل بهم من الثواب. مِنْ كَأْسٍ قيل من خمر و هي في الأصل لقدح تكون فيه كانَ مِزاجُها أي ما يمزج بها كافُوراً لبرده و عذوبته و طيب عرفه عَيْناً يَشْرَبُ بِها أي منها يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً أي يجرونها حيث شاءوا إجراء سهلا و في المجالس عن الباقر ع هي عين في دار النبي ص يفجر إلى دور الأنبياء و المؤمنين يُوفُونَ بِالنَّذْرِ أي النذر الذي نذره أهل البيت ع لشفاء الحسنين ع وَ يَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً أي شدائده فاشية منتشرة غاية الانتشار و عن الباقر ع كلوحا عابسا عَلى حُبِّهِ أي حب الله أو حب الطعام و عن الباقر ع عن شهوتهم للطعام و إيثارهم له مِسْكِيناً قال من مساكين المسلمين وَ يَتِيماً من يتامى المسلمين وَ أَسِيراً من أسارى المشركين إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ قال ع يقولون إذا أطعموهم ذلك قال و الله ما قالوا هذا لهم و لكنهم أضمروه في أنفسهم فأخبر الله بإضمارهم يقولون لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً تكافئوننا به وَ لا شُكُوراً تثنون علينا به و لكنا إنما أطعمناكم لوجه الله و طلب ثوابه يَوْماً عَبُوساً تعبس فيه الوجوه قَمْطَرِيراً شديد العبوس نَضْرَةً وَ سُرُوراً قال الباقر ع نضرة في الوجوه و سرورا في القلوب جَنَّةً وَ حَرِيراً قال ع جنة يسكنونها   و حريرا يفترشونه و يلبسونه. و قد روى الخاص و العام أن الآيات في هذه السورة و هي قوله إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ إلى قوله وَ كانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً نزلت في علي و فاطمة و الحسن و الحسين ع و جارية لهم تسمى فضة و القصة طويلة مرت بأسانيد جمة مع تفسير سائر الآيات في أبواب فضائلهم ع. وَ الْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ قيل أقسم بصلاة العصر أو بعصر النبوة إن الإنسان لفي خسر في مساعيهم و صرف أعمارهم في مطالبهم إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فإنهم اشتروا الآخرة بالدنيا ففازوا بالحياة الأبدية و السعادة السرمدية وَ تَواصَوْا بِالْحَقِّ أي بالثابت الذي لا يصح إنكاره من اعتقاد أو عمل وَ تَواصَوْا بِالصَّبْرِ عن المعاصي و الطاعات و على المصائب و هذا من عطف الخاص على العام و عن الصادق ع أن العصر عصر خروج القائم ع إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ يعني أعداءنا إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا يعني بآياتنا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ يعني بمواساة الإخوان وَ تَواصَوْا بِالْحَقِّ يعني الإمامة وَ تَواصَوْا بِالصَّبْرِ يعني بالفترة و قد سبقت الأخبار في تأويلها بالولاية و قراءة أهل البيت ع فيها

1-  كش، ]رجال الكشي[ عن نصر بن صباح عن إسحاق بن محمد عن فضيل عن محمد بن زيد عن موسى بن عبد الله عن عمرو بن شمر قال جاء قوم إلى جابر الجعفي فسألوه أن يعينهم في بناء مسجدهم قال ما كنت بالذي أعين في بناء شي‏ء و يقع منه رجل مؤمن فيموت فخرجوا من عنده و هم يبخلونه و يكذبونه فلما كان من الغد أتموا الدراهم و وضعوا أيديهم في البناء فلما كان عند العصر نزلت قدم البناء   فوقع فمات

2-  كش، ]رجال الكشي[ عن نصر عن إسحاق عن علي بن عبيد و محمد بن منصور الكوفي عن محمد بن إسماعيل عن صدقة عن عمرو بن شمر قال جاء العلاء بن شريك برجل من جعفي قال خرجت مع جابر لما طلبه هشام حتى انتهى إلى السواد قال فبينا نحن قعود و راعي قريب منا إذ ثغت نعجة من شائه إلى حمل فضحك جابر فقلت له ما يضحكك يا با محمد قال إن هذه النعجة دعت حملها فلم يجئ فقالت له تنح عن ذلك الموضع فإن الذئب عام أول أخذ أخاك منه فقلت لأعلمن حقية هذا أو كذبه فجئت إلى الراعي فقلت يا راعي تبيعني هذا الحمل قال فقال لا فقلت و لم قال لأن أمه أفره شاة في الغنم و أغزرها درة و كان الذئب أخذ حملا لها منذ عام الأول من ذلك الموضع فما رجع لبنها حتى وضعت هذا فدرت فقلت صدق ثم أقبلت فلما صرت على جسر الكوفة نظر إلى رجل معه خاتم ياقوت فقال له يا فلان خاتمك هذا البراق أرنيه قال فخلعه فأعطاه فلما صار في يده رمى به في الفرات قال الآخر ما صنعت قال تحب أن تأخذه قال نعم قال فقال بيده إلى الماء فأقبل الماء يعلو بعضه على بعض حتى إذا قرب تناوله و أخذه

 بيان إذ ثغت بالثاء المثلثة و الغين المعجمة أي صوتت و الثغاء بالضم صوت الشاة و هذا أصح النسخ و في بعضها إذ لعبت و في بعضها إذ نقت بالنون و القاف المشددة أي صاحت لكن يطلق غالبا على صياح الضفدع و الدجاجة و الهر و في بعضها لفت باللام و الفاء المشددة و الكل تصحيف إلا الأول و النعجة الأنثى من الضأن و الشاة الواحدة من الغنم للذكر و الأنثى و الجمع شاء و في بعض النسخ من شائه بالهمز و الحمل بالتحريك الصغير من أولاد الضأن و الفراهة   الحذق و أفرهت الناقة إذا كانت تنتج الفره أغزرها درة أي أكثرها لبنا

3-  كش، ]رجال الكشي[ عن علي بن محمد عن محمد بن أحمد عن محمد بن علي الهمداني عن علي بن إسماعيل عن ربعي بن عبد الله قال حدثني غاسل الفضيل بن يسار قال إني لأغسل الفضيل بن يسار و إن يده لتسبقني إلى عورته فخبرت بذلك أبا عبد الله ع فقال لي رحم الله الفضيل بن يسار و هو منا أهل البيت

4-  مع، ]معاني الأخبار[ لي، ]الأمالي للصدوق[ عن الطالقاني عن أحمد الهمداني عن الحسن بن القاسم عن علي بن إبراهيم بن المعلى عن محمد بن خالد عن عبد الله بن بكر المرادي عن موسى بن جعفر عن آبائه ع قال قال أمير المؤمنين ص للشيخ الذي أتاه من الشام يا شيخ إن الله عز و جل خلق خلقا ضيق الدنيا عليهم نظرا لهم فزهدهم فيها و في حطامها فرغبوا في دار السلام الذي دعاهم إليه و صبروا على ضيق المعيشة و صبروا على المكروه و اشتاقوا إلى ما عند الله من الكرامة و بذلوا أنفسهم ابتغاء رضوان الله و كانت خاتمة أعمالهم الشهادة فلقوا الله و هو عنهم راض و علموا أن الموت سبيل من مضى و من بقي فتزودوا لآخرتهم غير الذهب و الفضة و لبسوا الخشن و صبروا على القوت و قدموا الفضل و أحبوا في الله و أبغضوا في الله عز و جل أولئك المصابيح و أهل النعيم في الآخرة و السلام الخبر

 كتاب الغايات، مرسلا مثله

5-  مع، ]معاني الأخبار[ عن ابن المتوكل عن الحميري عن أحمد بن محمد عن ابن محبوب عن عبد الله بن سنان قال قال أبو عبد الله ع طوبى لعبد نومة عرف الناس فصاحبهم ببدنه و لم يصاحبهم في أعمالهم بقلبه فعرفوه في الظاهر و عرفهم   في الباطن

 بيان قال في النهاية في حديث علي ع أنه ذكر آخر الزمان و الفتن ثم قال خير أهل ذلك الزمان كل مؤمن نومة النومة بوزن الهمزة الخامل الذكر الذي لا يؤبه له و قيل الغامض في الناس الذي لا يعرف الشر و أهله و قيل النومة بالتحريك الكثير النوم و أما الخامل الذي لا يؤبه له فهو بالتسكين و من الأول حديث ابن عباس أنه قال لعلي ما النومة قال الذي يسكت في الفتنة فلا يبدو منه شي‏ء انتهى.

 و في نهج البلاغة و ذلك زمان لا ينجو فيه إلا كل مؤمن نومة إن شهد لم يعرف و إن غاب لم يفتقد أولئك مصابيح الهدى و أعلام السرى ليسوا بالمساييح و لا المذاييع البذر أولئك يفتح الله لهم أبواب رحمته و يكشف عنهم ضراء نقمته

و قال السيد رضي الله عنه قوله ع كل مؤمن نومة فإنما أراد به الخامل الذكر القليل الشر و المساييح جمع مسياح و هو الذي يسيح بين الناس بالفساد و النمائم و المذاييع جمع مذياع و هو الذي إذا سمع لغيره بفاحشة أذاعها و نوه بها و البذر جمع بذور و هو الذي يكثر سفهه و يلغو منطقه انتهى. و لم يذكر الجوهري النومة بالهمزة و قال رجل نومة بالضم ساكنة الواو أي لا يؤبه له و رجل نومة بفتح الواو أي نئوم و هو الكثير النوم و في القاموس و هو نائم و نئوم و نومة كهمزة و صرد ثم قال و نومة كهمزة و أمير مغفل أو خامل و الأول بالهمزة و الباقي بالواو. و افتقده أي طلبه عند غيبته و الجملتان كالتفسير للنومة على الظاهر فالمراد   به الخامل و السرى كالهدى السير عامة الليل و أعلام السرى كلما يهتدى به في ذلك السير و في النهاية ليسوا بالمساييح البذر أي الذين يسعون بالشر و النميمة و قيل هو من التسييح في الثوب و هو أن يكون فيه خطوط مختلفة و قال المذاييع جمع مذياع من أذاع الشي‏ء إذا أفشاه و قيل أراد الذين يذيعون الفواحش و هو بناء مبالغة و قال البذر جمع بذور يقال بذرت الكلام بين الناس كما تبذر الحبوب أي أفشيته و فرقته انتهى. يفتح الله لهم أي ببركاتهم تنزل الخيرات و تندفع الشرور و الآفات و الضراء الحالة التي تضر نقيض السراء

6-  ب، ]قرب الإسناد[ عن ابن سعد عن الأزدي قال قال أبو عبد الله ع إن من أغبط أوليائي عندي عبد مؤمن ذو حظ من صلاح و أحسن عبادة ربه و عبد الله في السريرة و كان غامضا في الناس فلم يشر إليه بالأصابع و كان رزقه كفافا فصبر عليه تعجلت به المنية فقل تراثه و قلت بواكيه ثلاثا

 بيان ثلاثا أي قال قوله فقل إلى آخر الخبر ثلاثا و يحتمل الجميع لكنه بعيد

7-  ل، ]الخصال[ عن ماجيلويه عن عمن عن البرقي عن القاسم عن جده عن أبي بصير عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عن آبائه عن أمير المؤمنين ع قال إن الله تبارك و تعالى أخفى أربعة في أربعة أخفى رضاه في طاعته فلا تستصغرن شيئا من طاعته فربما وافق رضاه و أنت لا تعلم و أخفى سخطه في معصيته فلا تستصغرن شيئا من معصيته فربما وافق سخطه و أنت لا تعلم و أخفى إجابته في دعوته فلا تستصغرن شيئا من دعائه فربما وافق إجابته و أنت لا تعلم و أخفى   وليه في عباده فلا تستصغرن عبدا من عبيد الله فربما يكون وليه و أنت لا تعلم

8-  ل، ]الخصال[ عن أبيه عن سعد عن أيوب بن نوح عن ربيع بن محمد المسلي عن عبد الأعلى عن نوف قال بت ليلة عند أمير المؤمنين ع فكان يصلي الليل كله و يخرج ساعة بعد ساعة فينظر إلى السماء و يتلو القرآن قال فمر بي بعد هدوء من الليل فقال يا نوف أ راقد أنت أم رامق قلت بل رامق أرمقك ببصري يا أمير المؤمنين قال يا نوف طوبى للزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة أولئك الذين اتخذوا الأرض بساطا و ترابها فراشا و ماءها طيبا و القرآن دثارا و الدعاء شعارا و قرضوا من الدنيا تقريضا على منهاج عيسى ابن مريم ع إن الله عز و جل أوحى إلى عيسى ابن مريم ع قل للملإ من بني إسرائيل لا يدخلون بيتا من بيوتي إلا بقلوب طاهرة و أبصار خاشعة و أكف نقية و قل لهم اعلموا أني غير مستجيب لأحد منكم دعوة و لأحد من خلقي قبله مظلمة يا نوف إياك أن تكون عشارا أو شاعرا أو شرطيا أو عريفا أو صاحب عرطبة و هي الطنبور أو صاحب كوبة و هو الطبل فإن نبي الله ع خرج ذات ليلة فنظر إلى السماء فقال إنها الساعة التي لا يرد فيها دعوة إلا دعوة عريف أو دعوة شاعر أو دعوة عاشر أو شرطي أو صاحب عرطبة أو صاحب كوبة

 بيان في القاموس هدأ كمنع هدءا و هدوءا سكن و أتانا بعد هدء من الليل و هدء و هدأة و هدي‏ء و مهدإ و هدوء أي حين هدأ الليل و الرجل و في النهاية فيه إياكم و السمر بعد هدأة الرجل الهدأة و الهدء السكون عن الحركات أي بعد ما يسكن الناس عن المشي و الاختلاف في الطرق اتخذوا الأرض بساطا أي يجلسون على الأرض من غير بساط و ترابها فراشا أي ينامون على التراب من غير فراش و ماءها طيبا أي يتطيبون بالماء من غير استعمال طيب لعدم   قدرتهم عليه و القرآن دثارا أي يلازمون القرآن و الدعاء كلزوم الدثار و الشعار للإنسان فيدل على أن الدعاء أفضل لأن الشعار أهم و أخص و ألصق أو يبتدءون بالتلاوة قبل النوم بلا دثار كما يبتدئ غيرهم بتحصيل الدثار و لبسه و في النهج و القرآن شعارا و الدعاء دثارا فالأمر بالعكس في الإشعار بالفضل و أكف نقية أي عن التلوث بالحرام و الشبهة أو شاعرا أي بالباطل و في المصباح الشرطة وزان غرفة و فتح الراء وزان رطبة لغة قليلة و هي الجند و صاحب الشرطة الحاكم و الجمع شرط مثل رطب و هم أعوان السلطان و إذا نسب إلى هذا قيل شرطي بالسكون و العريف القيم بأمور القبيلة و في النهاية العرطبة العود و قيل الطنبور و قال الكوبة النرد و قيل الطبل و قيل البربط

9-  أقول قد روي هذا الخبر في النهج هكذا و عن نوف البكالي قال رأيت أمير المؤمنين ع ذات ليلة و قد خرج من فراشه فنظر إلى النجوم فقال يا نوف أ راقد أنت أم رامق فقلت بل رامق يا أمير المؤمنين فقال يا نوف طوبى للزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة أولئك قوم اتخذوا الأرض بساطا و ترابها فراشا و ماءها طيبا و القرآن شعارا و الدعاء دثارا ثم قرضوا الدنيا قرضا على منهاج المسيح ع يا نوف إن داود ع قام في مثل هذه الساعة من الليل فقال إنها ساعة لا يدعو فيها عبد ربه إلا استجيب له إلا أن يكون عشارا أو عريفا أو شرطيا أو صاحب عرطبة و هي الطنبور أو صاحب كوبة و هي الطبل و قد قيل أيضا إن العرطبة الطبل و الكوبة الطنبور انتهى و قال الجوهري نوف البكالي كان حاجب أمير المؤمنين ع و قال ابن ميثم البكالي بكسر الباء منسوب إلى بكالة قرية من اليمن و أقول في بعض النسخ البكالي بفتح الباء و الرقد بالفتح و الرقاد و الرقود بضمهما النوم و الرقاد خاص   بالليل و رمقه كنصره أي لحظه لحظا خفيفا و أقول سيأتي مزيد شرح الخبر في أبواب المناهي إن شاء الله

10-  شي، ]تفسير العياشي[ عن عبد الرحمن بن سالم الأشل عن بعض الفقهاء قال قال أمير المؤمنين إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ ثم قال تدرون من أولياء الله قالوا من هم يا أمير المؤمنين فقال هم نحن و أتباعنا فمن تبعنا من بعدنا طوبى لنا و طوبى لهم أفضل من طوبى لنا قال يا أمير المؤمنين ما شأن طوبى لهم أفضل من طوبى لنا أ لسنا نحن و هم على أمر قال لا لأنهم حملوا ما لم تحملوا عليه و أطاقوا ما لم تطيقوا

11-  شي، ]تفسير العياشي[ عن بريد العجلي عن أبي جعفر ع قال وجدنا في كتاب علي بن الحسين ع أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ إذا أدوا فرائض الله و أخذوا سنن رسول الله و تورعوا عن محارم الله و زهدوا في عاجل زهرة الدنيا و رغبوا فيما عند الله و اكتسبوا الطيب من رزق الله لوجه الله لا يريدون به التفاخر و التكاثر ثم أنفقوا فيما يلزمهم من حقوق واجبة فأولئك الذين بارك الله لهم فيما اكتسبوا و يثابون على ما قدموا لآخرتهم

12-  جا، ]المجالس للمفيد[ عن الجعابي عن ابن عقدة عن محمد بن أحمد بن خاقان عن سليم الخادم عن إبراهيم بن عقبة عن محمد بن نصر بن قرواش عن أبي عبد الله ع قال إن صاحب الدين فكر فعلته السكينة و استكان فتواضع و قنع فاستغنى و رضي بما أعطي و انفرد فكفي الأحزان و رفض الشهوات فصار حرا و خلع الدنيا فتحامى الشرور و طرح الحسد فظهرت المحبة و لم يخف الناس فلم يخفهم و لم يذنب إليهم فسلم منهم و سخط نفسه عن كل شي‏ء ففاز و استكمل الفضل و أبصر العافية فأمن الندامة

    بيان و انفرد أي عن الناس و اعتزل عنهم فصار حرا أي من رق الشهوات و في القاموس الحر بالضم خيار كل شي‏ء فتحامى الشرور أي احترز عن الشرور و منع نفسه عنها فإن الشرور كلها تابعة لحب الدنيا و في بعض النسخ بالسين المهملة أي السرور بلذات الدنيا و الأول أظهر و في القاموس حمى المريض ما يضره منعه إياه فاحتمى و تحمى امتنع و تحاماه الناس توقوه و اجتنبوه و لم يخف الناس على بناء الإفعال فلم يخفهم على بناء المجرد عن كل شي‏ء أي بعوض كل شي‏ء و أبصر العافية أي عرف أن العافية في أي شي‏ء و اختارها فلم يندم على شي‏ء

13-  جا، ]المجالس للمفيد[ عن ابن قولويه عن أبيه عن سعد عن ابن عيسى و ابن أبي الخطاب معا عن ابن محبوب عن ابن سنان عن الثمالي عن أبي جعفر ع قال قال موسى بن عمران على نبينا و عليه السلام إلهي من أصفياؤك من خلقك قال الندي الكفين البري القدمين يقول صادقا و يمشي هونا فأولئك يزول الجبال و لا يزولون قال إلهي فمن ينزل دار القدس عندك قال الذين لا ينظر أعينهم إلى الدنيا و لا يذيعون أسرارهم في الدين و لا يأخذون على الحكومة الرشا الحق في قلوبهم و الصدق على ألسنتهم فأولئك في ستري في الدنيا و في دار القبس عندي في الآخرة

 بيان الندي الكفين أي كثير السخاء قال الجوهري يقال فلان ندي الكف إذا كان سخيا و قال الفيروزآبادي تندى تسخى و أفضل كأندى فهو ندي الكف و أندى كثر عطاياه انتهى و في بعض النسخ الندي القدمين كناية عن بركتهما و سعيهما في نفع الناس و في بعضها البري القدمين أي أنهما بريئان من الخطاء و يحتمل الرسي أي الثابت القدمين في الخير في القاموس رسا رسوا و رسوا ثبت و كغني العمود الثابت وسط الخباء و الراسخ في الخير و الشر

14-  جا، ]المجالس للمفيد[ أحمد بن الوليد عن أبيه عن الصفار عن ابن معروف عن   ابن مهزيار عن محمد بن سنان عن أبي معاذ السدي عن أبي أراكة قال صليت خلف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه الفجر في مسجدكم فانفتل على يمينه و كان عليه كآبة و مكث حتى طلعت الشمس على حائط مسجدكم هذا قيد رمح و ليس هو على ما هو عليه اليوم ثم أقبل على الناس فقال أما و الله لقد كان أصحاب رسول الله و هم يكابدون هذا الليل يراوحون بين جباههم و ركبهم كأن زفير النار في آذانهم فإذا أصبحوا أصبحوا غبرا صفرا بين أعينهم شبه ركب المعزى فإذا ذكر الله تعالى مادوا كما يميد الشجر في يوم الريح و انهملت أعينهم حتى تبتل ثيابهم قال ثم نهض و هو يقول و الله لكأنما بات القوم غافلين ثم لم ير مفترا حتى كان من أمر ابن ملجم لعنه الله ما كان

 ين، ]كتاب حسين بن سعيد و النوادر[ عن محمد بن سنان مثله بيان قيد رمح بالكسر و قاده قدره و ليس هو أي لم يكن ارتفاع الحائط في هذا الزمان بهذا المقدار و مكابدة الشي‏ء تحمل المشاق في فعله و افتر ضحك ضحكا حسنا و في ين حتى كان من الرجل الفاسق ما كان

15-  كش، ]رجال الكشي[ عن نصر بن الصباح عن إسحاق بن محمد البصري عن محمد بن منصور عن محمد بن إسماعيل عن عمرو بن شمر قال قال أتى رجل جابر بن يزيد فقال له جابر تريد أن ترى أبا جعفر قال نعم قال فمسح على عيني فمررت و أنا أسبق الريح حتى صرت إلى المدينة قال فبقيت أنا لذلك متعجبا إذ فكرت فقلت ما أحوجني إلى وتد أوتده فإذا حججت عاما قابلا نظرت هاهنا هو أم لا فلم أعلم إلا و جابر بين يدي يعطيني وتدا قال ففزعت قال فقال هذا عمل العبد بإذن الله فكيف لو رأيت السيد الأكبر قال ثم لم أره قال فمضيت حتى صرت إلى باب أبي جعفر ع فإذا هو يصيح بي ادخل لا بأس عليك فدخلت فإذا   جابر عنده قال فقال لجابر يا نوح غرقتهم أولا بالماء و غرقتهم آخرا بالعلم فإذا كسرت فأجبره قال ثم قال من أطاع الله أطيع أي البلاد أحب إليك قال قلت الكوفة قال بالكوفة فكن قال فسمعت أخا النون بالكوفة قال فبقيت متعجبا من قول جابر فجئت فإذا به في موضعه الذي كان فيه قاعدا قال فسألت القوم هل قام أو تنحى قال فقالوا لا و كان سبب توحيدي أن سمعت قوله بالإلهية في الأئمة هذا حديث موضوع لا شك في كذبه و رواته كلهم متهمون بالغلو و التفويض

 بيان قوله هذا حديث موضوع كلام الكشي أو الشيخ لأنه موجود في اختياره و لا ريب في كونه موضوعا و هو مشتمل على القول بالتناسخ و التشويش في ألفاظه و معانيه فلهذا لم نتعرض لشرحه

16-  كش، ]رجال الكشي[ عن محمد بن مسعود عن محمد بن نصير عن محمد بن عيسى و حمدويه بن نصير عن محمد بن عيسى عن علي بن الحكم عن عروة بن موسى قال كنت جالسا مع أبي مريم الحناط و جابر عنده جالس فقام أبو مريم فجاء بدورق   من ماء بئر مبارك بن عكرمة فقال له جابر ويحك يا با مريم كأني بك قد استغنيت عن هذه البئر و اغترفت من هاهنا من ماء الفرات فقال له أبو مريم ما ألوم الناس أن يسمونا كذابين و كان مولى لجعفر كيف يجي‏ء ماء الفرات إلى هاهنا قال ويحك إنه يحفر هاهنا نهر أوله عذاب على الناس و آخره رحمة يجري فيه ماء الفرات فتخرج المرأة الضعيفة و الصبي فيغترف منه و يجعل له أبواب في بني رواس و في بني موهبة و عند بئر بني كندة و في بني فزارة حتى تتغامس فيه الصبيان قال علي إنه قد كان ذلك و إن الذي حدث على عهده و لعل أنه قد سمع بهذا الحديث قبل أن يكون

    بيان في القاموس الدورق الجرة ذات العروة و كان جملة معترضة و كيف تتمة كلام أبي مريم قال علي يعني ابن الحكم و القول لابن عيسى قوله قد كان ذلك أي قد كان زمان لم يكن النهر جاريا في هذا الموضع ثم أجروا النهر فيه و قوله و إن الذي كلام ابن عيسى و معناه أنه يظهر من كلام علي أنه سمع هذا الحديث و عهد الموضع قبل إجراء النهر و في بعض النسخ مكان و عهده و عمر و هو تصحيف

17-  كش، ]رجال الكشي[ عن حمدويه بن نصير عن أيوب بن نوح عن ابن أبي عمير عن هشام بن الحكم عن أبي حمزة قال كانت بنية لي سقطت فانكسرت يدها فأتيت بها التيمي فأخذها فنظر إلى يدها فقال منكسرة فدخل يخرج الجبائر و أنا على الباب فدخلتني رقة على الصبية فبكيت و دعوت فخرج بالجبائر فتناول بيد الصبية فلم ير بها شيئا ثم نظر إلى الأخرى فقال ما بها شي‏ء قال فذكرت ذلك لأبي عبد الله ع فقال يا با حمزة وافق الدعاء الرضا فاستجيب لك في أسرع من طرفة عين

18-  كش، ]رجال الكشي[ قال أبو النضر سمعت علي بن الحسن يقول مات يونس بن يعقوب بالمدينة فبعث إليه أبو الحسن الرضا ع بحنوطه و كفنه و جميع ما يحتاج إليه و أمر مواليه و موالي أبيه و جده أن يحضروا جنازته و قال لهم هذا مولى لأبي عبد الله ع كان يسكن العراق و قال لهم احفروا له في البقيع فإن قال لكم أهل المدينة إنه عراقي لا ندفنه في البقيع فقولوا لهم هذا مولى أبي عبد الله ع و كان يسكن العراق فإن منعتمونا أن ندفنه في البقيع منعناكم أن تدفنوا مواليكم في البقيع فدفن في البقيع و وجه أبو الحسن علي بن موسى ع إلى زميله محمد بن الحباب و كان رجلا من أهل الكوفة صل عليه أنت علي بن الحسن قال حدثني محمد بن الوليد قال رآني صاحب المقبرة و أنا عند القبر بعد ذلك فقال لي من هذا الرجل صاحب هذا القبر فإن أبا   الحسن علي بن موسى ع أوصاني به و أمرني أن أرش قبره أربعين شهرا أو أربعين يوما في كل يوم قال أبو الحسن الشك مني قال و قال لي صاحب المقبرة إن السرير عندي يعني سرير النبي ص فإذا مات رجل من بني هاشم صر السرير فأقول أيهم مات حتى أعلم بالغداة فصر السرير في الليلة التي مات فيها هذا الرجل فقلت لا أعرف أحدا منهم مريضا فمن ذا الذي مات فلما كان من الغد جاءوا فأخذا مني السرير و قالوا مولى لأبي عبد الله كان يسكن العراق

 توضيح صاحب المقبرة المتولي لأمرها و القائم بأمر الموتى المدفونين فيها و أبو الحسن كنية علي بن الحسن و في القاموس صر يصر صرا و صريرا صوت و صاح شديدا

19-  كش، ]رجال الكشي[ عن محمد بن مسعود عن علي بن محمد عن أحمد بن محمد عن علي بن مهزيار قال بينا أنا بالقرعاء في سنة ست و عشرين و مائتين منصرفي عن الكوفة و قد خرجت في آخر الليل أتوضأ و أنا أستاك و قد انفردت عن رحلي و من الناس فإذا أنا بنار في أسفل مسواكي تلتهب لها شعاع مثل شعاع الشمس أو غير ذلك فلم أفزع منها و بقيت أتعجب و مسستها فلم أجد لها حرارة فقلت الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ فبقيت أتفكر في مثل هذا و أطالت النار المكث طويلا حتى رجعت إلى أهلي و قد كانت السماء رشت و كان غلماني يطلبون نارا و معي رجل بصري في الرحل فلما أقبلت قال الغلمان قد جاء أبو الحسن و معه نار و قال البصري مثل ذلك حتى دنوت فلمس البصري النار فلم يجد لها حرارة و لا غلماني ثم طفئت بعد   طول ثم التهبت فلبثت قليلا ثم طفئت قليلا ثم التهبت ثم طفئت الثالثة فلم تعد فنظرنا إلى السواك فإذا ليس فيه أثر نار و لا حر و لا شعث و لا سواد و لا شي‏ء يدل على أنه حرق فأخذت السواك فخبأته و عدت به إلى الهادي ع و ذلك سنة ست و عشرين و مائتين بعد موت الجواد ع فتحتم الغلط في التنازع قابلا و كشفت له أسفله و باقيه مغطى و حدثته بالحديث فأخذ السواك من يدي و كشفه كله و تأمله و نظر إليه ثم قال هذا نور فقلت له نور جعلت فداك فقال بميلك إلى أهل البيت و بطاعتك لي و لآبائي و لأبي و بطاعتك لي و لآبائي أراكه الله

 كش، ]رجال الكشي[ عن علي عن محمد بن أحمد عن محمد بن عيسى عن علي بن مهزيار مثله   بيان في القاموس القرعاء منهل بطريق مكة بين القادسية و العقبة و قال الرش المطر القليل و أرشت السماء كرشت قوله و عدت به أقول في النسخ هنا اختلاف كثير ففيما عندنا من نسخة اختيار الكشي و عدت به إلى الرضا ع قابلا فكشفت له و ليست فيه الزيادة و في بعض كتب الرجال و عدت به إلى الهادي ع و ذلك سنة ست و عشرين و مائتين بعد موت الجواد ع فتخم الغلظ في التنازع قابلا و كشفت و في بعضها سنة ست و عشرين بعد موت الجواد ع فتحتم الغلظ في التنازع و في بعضها فتجشم و في بعضها في سنة عشرين و هي سنة وفاة الجواد ع و الحاصل أنه قرب التنازع أو تحتم و التنازع إما في حقيقة نور السواك أو في شي‏ء آخر من الإمامة و غيرها و النسخة الأولى أظهر

20-  طا، ]الأمان[ إن المؤمن إذا كان لله مخلصا أخاف الله منه كل شي‏ء روينا ذلك بإسنادنا إلى البرقي من كتابه كتاب المحاسن عن صفوان الجمال قال قال أبو عبد الله ع إن المؤمن يخشع له كل شي‏ء و يهابه كل شي‏ء ثم قال إذا كان مخلصا لله أخاف الله منه كل شي‏ء حتى هوام الأرض و سباعها و طير السماء و حيتان البحر فمن ذلك ما رويناه من كتاب الرجال للكشي و قد ذكرناه في كتاب الكرامات و لم يحضرنا لفظه فنذكر الآن معناه أن بعض خواص مولانا علي ع من شيعته كان قد سجد فتطوق أفعى على حلقه فلم يتغير من حال سجوده و مراقبة معبوده حتى انفصل الأفعى عن رقبته بغير حيلة منه بل بفضل الله جل جلاله و رحمته و من ذلك ما رويناه مرويا عن علي الزاهد بن الحسن بن الحسن بن الحسن السبط ع أنه كان قائما في الصلاة فانحدر أفعى من رأس جبل فصعد على ثيابه و دخل من زيقه و خرج من تحت ثيابه فلم يتغير عن حال صلاته و مراقبته لمالك حياته و من ذلك ما رويناه في كتاب السفر و قد نقلناه بلفظه في كتاب الكرامات   و نذكر هاهنا بعض معناه أن عليا بن عاصم الزاهد كان يزور الحسين ع بكربلاء قبل عمارة مشهده بالناس فدخل سبع إليه فلم يهرب منه و رأى كف السبع منتفخة بقصبة قد دخلت فيها فأخرج القصبة منه و عصر كف السبع و شده ببعض عمامته و لم يقف من الزوار لذلك بسوء و من ذلك ما عرفناه نحن و هو أن بعض الجوار و العيال جاءوني ليلة و هم منزعجون و كنت إذ ذاك مجاورا بعيالي لمولانا علي ع فقالوا قد رأينا مسلخ الحمام تطوى الحصر الذي فيه و تنشر و ما ننظر من يفعل ذلك فحضرت عند باب المسلخ و قلت سلام عليكم قد بلغني عنكم ما قد فعلتم و نحن جيران مولانا علي ع و أولاده و ضيفانه و ما أسأنا مجاورتكم فلا تكدروا علينا مجاورته و متى فعلتم شيئا من ذلك شكوناكم إليه فلم نعرف منهم تعرضا لمسلخ الحمام بعد ذلك أبدا و من ذلك أن ابنتي الحافظة الكاتبة شرف الأشراف كمل الله لها تحف الألطاف عرفتني أنها تسمع سلاما عليها ممن لا تراه فوقفت في الموقف فقلت سلام عليكم أيها الروحانيون فقد عرفتني ابنتي أشرف الأشراف بالتعرض لها بالسلام و هذا الإنعام مكدر علينا نحن نخاف منه أن ينفر بعض العيال منه و نسأل أن لا تتعرضوا لنا بشي‏ء من المكدرات و تكونوا معنا على جميل العادات فلم يتعرض لها أحد بعد ذلك بكلام و من ذلك أنني كنت أصلي المغرب بداري بالحلة فجاءت حية فدخلت تحت خرقة كانت موضع سجودي فتممت الصلاة و لم تتعرض لي بسوء و قتلتها بعد فراغي من الصلاة و هذا أمر معلوم يعرفه من رآه أو رواه

 توضيح زيق القميص بالكسر ما أحاط بالعنق منه

21-  ين، ]كتاب حسين بن سعيد و النوادر[ عن محمد بن سنان عن أبي عمار صاحب الأكسية عن البريدي عن أبي أراكة قال سمعت عليا ع يقول إن لله عبادا كسرت قلوبهم خشية الله فاستكفوا عن المنطق و إنهم لفصحاء عقلاء ألباء نبلاء يسبقون إليه بالأعمال   الزاكية لا يستكثرون له الكثير و لا يرضون له القليل يرون أنفسهم أنهم شرار و أنهم الأكياس الأبرار

22-  دعوات الراوندي، قال أبو عبد الله ع إن إبراهيم خرج مرتادا لغنمه و بقره مكانا للشتاء فسمع شهادة أن لا إله إلا الله فتبع الصوت حتى أتاه فقال يا عبد الله من أنت أنا في هذه البلاد مذ ما شاء الله ما رأيت أحدا يوحد الله غيرك قال أنا رجل كنت في سفينة غرقت فنجوت على لوح فأنا هاهنا في جزيرة قال فمن أي شي‏ء معاشك قال أجمع هذه الثمار في الصيف للشتاء قال انطلق حتى تريني مكانك قال لا تستطيع ذلك لأن بيني و بينها ماء بحر قال فكيف تصنع أنت قال أمشي عليه حتى أبلغ قال أرجو الذي أعانك أن يعينني قال فانطلق فأخذ الرجل يمشي و إبراهيم يتبعه فلما بلغا الماء أخذ الرجل ينظر إلى إبراهيم ع ساعة بعد ساعة يتعجب منه حتى عبرا فأتى بها كهفا قال هاهنا مكاني قال فلو دعوت الله و أمنت أنا قال أما إني أستحيي من ربي و لكن ادع أنت و أؤمن أنا قال و ما حياؤك قال أتيت الموضع الذي رأيتني فيه فرأيت غلاما أجمل الناس كأن خديه صفحتا ذهب ذوابة مع غنم و بقر كان عليها الدهن فقلت له من أنت قال أنا إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن فسألت الله أن يريني إبراهيم منذ ثلاثة أشهر و قد أبطأ ذلك علي قال فقال ع فأنا إبراهيم فاعتنقا قال أبو عبد الله ع هما أول اثنين اعتنقا على وجه الأرض و عن النبي ص أنه قال خرج ثلاثة نفر ممن كان قبلكم يرتادون لأهلهم فأصابتهم السماء فلجئوا إلى جبل فوقعت عليهم صخرة فقال بعضهم لبعض عفا الأثر و وقع الحجر و لا يعلم مكانكم إلا الله ادعوا الله بأوثق أعمالكم فقال أحدهم اللهم إن كنت تعلم أنه كانت امرأة تعجبني فطلبتها فأبت علي فجعلت لها جعلا   فطابت نفسها فلما جلست منها اشتد ارتعادها من خشيتك فتركتها فإن كنت تعلم أني إنما فعلت ذلك رجاء رحمتك و خشية عذابك فافرج عنا قال فزال ثلث الجبل و قال الآخر اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي والدان و كنت أحلب لهما فأتيتهما ليلة و هما نائمان فقمت قائما حتى طلع الفجر فلما استيقظا شربا فإن كنت تعلم أني إنما فعلت ذلك رجاء ثوابك و خشية عذابك فافرج عنا فزال ثلث الحجر فقال الثالث اللهم إن كنت تعلم أني استأجرت يوما أجيرا فعمل إلى نصف النهار فأعطيه أجرته فسخط و لم يأخذه فصرفت ذلك إلى التجارة و المواشي و غيرها فلما جاء يطلب أجره قلت خذ هذا كله لك و لو شئت لم أعطه إلا أجره فإن كنت تعلم أني إنما فعلت ذلك رجاء رحمتك و خشية عذابك فافرج عنا فزال ثلث الحجر و خرجوا يتماشون

23-  كا، ]الكافي[ عن العدة عن البرقي عن محمد بن علي عن محمد بن سنان عن عيسى النهريري عن أبي عبد الله ع قال قال رسول الله ص من عرف الله   و عظمه منع فاه من الكلام و بطنه من الطعام و عفى نفسه بالصيام و القيام قالوا بآبائنا و أمهاتنا يا رسول الله هؤلاء أولياء الله قال إن أولياء الله سكتوا فكان سكوتهم ذكرا و نظروا فكان نظرهم عبرة و نطقوا فكان نطقهم حكمة و مشوا فكان مشيهم بين الناس بركة لو لا الآجال التي قد كتب الله عليهم لم تقر أرواحهم في أجسادهم خوفا من العذاب و شوقا إلى الثواب

 لي، ]الأمالي للصدوق[ عن ابن إدريس عن أبيه عن أحمد البرقي عن محمد بن علي الكوفي عن محمد بن سنان عن عيسى النهرتيري عنه ع مثله إلا أنه فيه هكذا فكان سكوتهم فكرا و تكلموا فكان كلامهم ذكرا

 لي، ]الأمالي للصدوق[ عن ماجيلويه عن عمه عن الكوفي عن محمد بن سنان مثله بيان قال النجاشي عيسى بن أعين الجريري الأسدي مولى كوفي ثقة و عده من أصحاب الصادق ع فما في المجالس أظهر سندا و متنا لكن في أكثر نسخ المجالس النهرتيري بالتاء كما في بعض نسخ الكافي و في بعضها النهربيري بالباء الموحدة و في بعضها النهري و الأخير كأنه نسبة إلى النهروان و لم أجد الأولين في اللغة و قال الشيخ البهائي قدس سره في حاشية الأربعين   الجريري بضم الجيم و الراءين المهملتين منسوب إلى جرير بن عباد بضم العين و تخفيف الباء. من عرف الله قال الشيخ المتقدم رحمه الله قال بعض الأعلام أكثر ما تطلق المعرفة على الأخير من الإدراكين للشي‏ء الواحد إذا تخلل بينهما عدم بأن أدركه أولا ثم ذهل عنه ثم أدركه ثانيا فظهر له أنه هو الذي كان قد أدركه أولا و من هاهنا سمي أهل الحقيقة بأصحاب العرفان لأن خلق الأرواح قبل الأبدان كما ورد في الحديث و هي كانت مطلعة على بعض الإشراقات الشهودية مقرة لمبدعها بالربوبية كما قال سبحانه أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى لكنها لإلفها بالأبدان الظلمانية و انغمارها في الغواشي الهيولانية ذهلت عن مولاها و مبدعها فإذا تخلصت بالرياضة من أسر دار الغرور و ترقت بالمجاهدة عن الالتفات إلى عالم الزور تجدد عهدها القديم الذي كاد أن يندرس بتمادي الأعصار و الدهور و حصل لها الإدراك مرة ثانية و هي المعرفة التي هي نور على نور. من الكلام أي من فضوله و كذا الطعام فإن الإكثار منه يورث الثقل عن العبادة و يحتمل أن يكون كناية عن الصوم و عفى كذا في بعض النسخ بالفاء أي جعلها صافية خالصة أو جعلها مندرسة ذليلة خاضعة أو وفر كمالاتها قال في النهاية أصل العفو المحو و الطمس و عفت الريح الأثر محته و طمسته و منه حديث أم سلمة لا تعف سبيلا كان رسول الله ص لحبها أي لا تطمسها و عفا الشي‏ء كثر و زاد يقال أعفيته و عفيته و عفا الشي‏ء درس و لم يبق له أثر و عفا الشي‏ء صفا و خلص انتهى و أقول يمكن أن يحملها بعضهم على الفناء في الله باصطلاحهم و الأظهر ما في المجالس و غيره و أكثر نسخ الكتاب عنا بالعين المهملة و النون المشددة أي أتعب و العناء بالفتح و المد النصب. بآبائنا و أمهاتنا قال الشيخ البهائي رحمه الله هذه الباء يسميها بعض النحاة باء التفدية و فعلها محذوف غالبا و التقدير نفديك بآبائنا و أمهاتنا و هي

    في الحقيقة باء العوض نحو خذ هذا بهذا و عد منه قوله تعالى ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. هؤلاء أولياء الله فهو استفهام محذوف الأداة و يمكن أن يكون خبرا قصد به لازم الحكم و التأكيد في قوله إن أولياء الله إلخ لكون الخبر ملقى إلى السائل المتردد على الأول و لكون المخاطب حاكما بخلافه على الثاني أن جعل قوله ص إن أولياء الله ردا لقولهم هؤلاء أولياء الله أي أولياء الله أناس أخر صفاتهم فوق هذه الصفات و إن جعل تصديقا لقولهم و وصفا للأولياء بصفات أخرى زيادة على صفاتهم الثلاث السابقة فالتأكيد لكون الخبر ملقى إلى الخلص الراسخين في الإيمان فهو رائج عندهم متقبل لديهم صادر عنه ص عن كمال الرغبة و وفور النشاط لأنه في وصف أولياء الله بأعظم الصفات فكأنه مظنة التأكيد كما ذكره صاحب الكشاف عند قوله تعالى وَ إِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا فكان سكوتهم ذكرا أي عند سكوتهم قلوبهم مشغولة بذكر الله و تذكر صفاته الكمالية و آلائه و نعمائه و غرائب صنعه و حكمته و في رواية المجالس كما أشرنا إليه فكان سكوتهم فكرا. و قال الشيخ البهائي رحمه الله أطلق على سكوتهم الفكر لكونه لازما له غير منفك عنه و كذا إطلاق العبرة على نظرهم و الحكمة على نطقهم و البركة على مشيهم و جعل ص كلامهم ذكرا ثم جعله حكمة إشعارا بأنه لا يخرج عن هذين فالأول في الخلوة و الثاني بين الناس و لك إبقاء النطق على معناه المصدري أي إن بما نطقوا به مبني على حكمة و مصلحة. فكان مشيهم بين الناس بركة لأن قصدهم قضاء حوائج الناس و هدايتهم و طلب المنافع لهم و دفع المضار عنهم مع أن وجودهم سبب لنزول الرحمة   عليهم و دفع البلايا عنهم لم تقر أرواحهم في المجالس لم تستقر. خوفا من العذاب و شوقا إلى الثواب فيه إشارة إلى تساوي الخوف و الرجاء فيهم و كونهما معا في الغاية القصوى و الدرجة العليا كما مضت الأخبار فيه. ثم اعلم أن كون الشوق إلى الثواب سببا لمفارقة أرواحهم أوكار أبدانهم و طيرانها إلى عالم القدس و محل الإنس و درجات الجنان و نعيمها ظاهر و أما الخوف من العقاب إما لشدة الدهشة و استيلاء الخوف عليهم كما فعل بهمام لعدهم أنفسهم من المقصرين أو يريدون اللحوق بمنازلهم العالية حذرا من أن تتبدل أحوالهم و تستولي الشهوات عليهم فيستحقوا بذلك العذاب فلذا يستعجلون في الذهاب إلى الآخرة. ثم قال الشيخ المتقدم رفع الله درجته المراد بمعرفة الله تعالى الاطلاع على نعوته و صفاته الجلالية و الجمالية بقدر الطاقة البشرية و أما الاطلاع على حقيقة الذات المقدسة فمما لا مطمع فيه للملائكة المقربين و الأنبياء المرسلين فضلا عن غيرهم و كفى في ذلك قول سيد البشر ما عرفناك حق معرفتك و في الحديث أن الله احتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار و إن الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه أنتم فلا تلتفت إلى من يزعم أنه قد وصل إلى كنه الحقيقة المقدسة بل أحث التراب في فيه فقد ضل و غوى و كذب و افترى فإن الأمر أرفع و أظهر من أن يتلوث بخواطر البشر و كلما تصوره العالم الراسخ فهو عن حرم الكبرياء بفراسخ و أقصى ما وصل إليه الفكر العميق فهو غاية مبلغه من التدقيق و ما أحسن ما قال.

آنچه پيش تو غير از او ره نيست غايت فهم تو است الله نيست

 بل الصفات التي نثبتها له سبحانه إنما هي على حسب أوهامنا و قدر أفهامنا فإنا نعتقد اتصافه بأشرف طرفي النقيض بالنظر إلى عقولنا القاصرة و هو تعالى أرفع و أجل من جميع ما نصفه به. و في كلام الإمام أبي جعفر محمد بن علي الباقر ع إشارة إلى هذا المعنى   حيث قال كلما ميزتموه بأوهامكم في أدق معانيه مخلوق مصنوع مثلكم مردود إليكم و لعل النمل الصغار تتوهم أن لله تعالى زبانيتين فإن ذلك كمالها و يتوهم أن عدمها نقصان لمن لا يتصف بهما و هذا حال العقلاء فيما يصفون الله تعالى به انتهى كلامه صلوات الله عليه و سلامه. قال بعض المحققين هذا كلام دقيق رشيق أنيق صدر من مصدر التحقيق و مورد التدقيق و السر في ذلك أن التكليف إنما يتوقف على معرفة الله تعالى بحسب الوسع و الطاقة و إنما كلفوا أن يعرفوه بالصفات التي ألفوها و شاهدوها فيهم مع سلب النقائص الناشية عن انتسابها إليهم و لما كان الإنسان واجبا بغيره عالما قادرا مريدا حيا متكلما سميعا بصيرا كلف بأن يعتقد تلك الصفات في حقه تعالى مع سلب النقائص الناشية عن انتسابها إلى الإنسان بأن يعتقد أنه تعالى واجب لذاته لا بغيره عالم بجميع المعلومات قادر على جميع الممكنات و هكذا في سائر الصفات و لم يكلف باعتقاد صفة له تعالى لا يوجد فيه مثالها و مناسبها بوجه و لو كلف به لما أمكنه تعقله بالحقيقة و هذا أحد معاني قوله ع من عرف نفسه فقد عرف ربه انتهى كلامه. ثم قال قدس سره قد اشتمل هذا الحديث على المهم من سمات العارفين و صفات الأولياء الكاملين فأولها الصمت و حفظ اللسان الذي هو باب النجاة و ثانيها الجوع و هو مفتاح الخيرات و ثالثها إتعاب النفس في العبادة بصيام النهار و قيام الليل و هذه الصفة ربما توهم بعض الناس استغناء العارف عنها و عدم حاجته إليها بعد الوصول و هو وهم باطل إذ لو استغنى عنها أحد لاستغنى عنها سيد المرسلين و أشرف الواصلين و قد كان ع يقوم في الصلاة إلى أن ورمت قدماه و كان أمير المؤمنين علي ع الذي إليه ينتهي سلسلة أهل العرفان يصلي كل ليلة ألف ركعة و هكذا شأن جميع الأولياء و العارفين كما هو في التواريخ مسطور و على الألسنة مشهور. و رابعها الفكر و في الحديث تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة قال بعض   الأكابر إنما كان الفكر أفضل لأنه عمل القلب و هو أفضل من الجوارح فعمله أشرف من عملها أ لا ترى إلى قوله تعالى أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي فجعل الصلاة وسيلة إلى ذكر القلب و المقصود أشرف من الوسيلة. و خامسها الذكر و المراد به الذكر اللساني و قد اختاروا له كلمة التوحيد لاختصاصها بمزايا ليس هذا محل ذكرها. و سادسها نظر الاعتبار كما قال سبحانه فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ. و سابعها النطق بالحكمة و المراد بها ما تضمن صلاح النشأتين أو صلاح النشأة الأخرى من العلوم و المعارف أما ما تضمن صلاح الحال في الدنيا فقط فليس من الحكمة في شي‏ء. و ثامنها وصول بركتهم إلى الناس و تاسعها و عاشرها الخوف و الرجاء و هذه الصفات العشر إذا اعتبرتها وجدتها أمهات صفات السائرين إلى الله تعالى يسر الله لنا الاتصاف بها بمنه و كرمه

24-  كا، ]الكافي[ عن العدة عن البرقي عن بعض أصحابه من العراقيين رفعه قال خطب الناس الحسن بن علي ع فقال أيها الناس إنما أخبركم عن أخ لي كان من أعظم الناس في عيني و كان رأس ما عظم به في عيني صغر الدنيا في عينه كان خارجا من سلطان بطنه فلا يشتهي ما لا يجد و لا يكثر إذا وجد كان خارجا من سلطان فرجه فلا يستخف له عقله و لا رأيه كان خارجا من سلطان الجهالة فلا يمد يده إلا على ثقة لمنفعة كان لا يتشهى و لا يتسخط و لا يتبرم كان أكثر دهره صماتا فإذا قال بذ القائلين كان لا يدخل في مراء و لا يشارك في دعوى و لا يدلي بحجة حتى يرى قاضيا و كان لا يغفل عن إخوانه و لا يخص نفسه بشي‏ء دونهم كان ضعيفا مستضعفا فإذا جاء الجد كان ليثا عاديا   كان لا يلوم أحدا فيما يقع العذر في مثله حتى يرى اعتذارا كان يفعل ما يقول و يفعل ما لا يقول كان إذا ابتزه أمران لا يدري أيهما أفضل نظر إلى أقربهما إلى الهوى فخالفه و كان لا يشكو وجعا إلا عند من يرجو عنده البرء و لا يستشير إلا من يرجو عنده النصيحة كان لا يتبرم و لا يتسخط و لا يتشكى و لا يتشهى و لا ينتقم و لا يغفل عن العدو فعليكم بمثل هذه الأخلاق الكريمة إن أطقتموها فإن لم تطيقوها كلها فأخذ القليل خير من ترك الكثير و لا حول و لا قوة إلا بالله

 نهج، ]نهج البلاغة[ قال أمير المؤمنين ع كان لي فيما مضى أخ في الله و كان يعظمه في عيني صغر الدنيا في عينه و كان خارجا من سلطان بطنه إلى قوله من ترك الكثير

 تبيين قال ابن أبي الحديد قد اختلف الناس في المعني بهذا الكلام و من هذا الأخ المشار إليه فقال قوم هو رسول الله ص و استبعده قوم لقوله ع و كان ضعيفا مستضعفا فإنه لا يقال في صفاته ص مثل هذه الكلمة و إن أمكن تأويلها على لين كلامه و سجاحة أخلاقه إلا أنها غير لائقة به ع و قال قوم هو أبو ذر الغفاري و استبعده قوم لقوله ع فإن جاء الجد فهو ليث غاد و صل واد فإن أبا ذر لم يكن من المعروفين بالشجاعة و البسالة و قال قوم هو مقداد بن عمرو المعروف بمقداد بن الأسود و كان من شيعة علي ع و كان شجاعا مجاهدا حسن الطريقة و قد روي في فضله حديث صحيح مرفوع و قال قوم إنه ليس بإشارة إلى أخ معين و لكنه كلام خارج مخرج المثل كقولهم فقلت لصاحبي و يا صاحبي و هذا عندي أقوى الوجوه انتهى. و لا يبعد أن يقال إن قوله ع فإن جاء الجد فهو ليث غاد إلى آخره لا يقتضي الشجاعة و البسالة في الحرب بل المراد الوصف بالتصلب في ذات الله و   ترك المداهنة في أمر الدين و إظهار الحق بل في العدول عن لفظ الحرب إلى الجد بعد الوصف بالضعف إشعار بذلك و قد كان أبو ذر معروفا بذلك و إفصاحه عن فضائح بني أمية في أيام عثمان و تصلبه في إظهار الحق أشهر من أن يحتاج إلى البيان. و قال الشارح ابن ميثم ذكر هذا الفصل بن المقفع في أدبه و نسبه إلى الحسن بن علي ع و المشار إليه قيل هو أبو ذر الغفاري و قيل هو عثمان بن مظعون انتهى. و أقول لا يبعد أن يكون المراد به أباه ع عبر هكذا لمصلحة. و كان رأس ما عظم به في عيني أي و كان أقوى و أعظم الصفات التي صارت أسبابا لعظمته في عيني فإن الرأس أشرف ما في البدن و في القاموس الرأس أعلى كل شي‏ء و الصغر وزان عنب و قفل خلاف الكبر و بمعنى الذل و الهوان و هو خبر كان و فاعل عظم ضمير الأخ و ضمير به عائد إلى الموصول و الباء للسببية. كان خارجا من سلطان بطنه أي سلطنته كناية عن شدة الرغبة في المأكول و المشروب كما و كيفا ثم ذكر ع لذلك علامتين حيث قال فلا يشتهي ما لا يجد و في النهج فلا يتشهى و يقال تشهى فلان إذا اقترح شهوة بعد شهوة و هو أنسب و لا يكثر في الأكل إذا وجد و الإكثار من الشي‏ء الإتيان بالكثير منه و المراد به إما الاقتصار على ما دون الشبع أو ترك الإفراط في الأكل أو ترك الإسراف في تجويد المأكول و المشروب. كان خارجا من سلطان فرجه أي لم يكن لشهوة فرجه عليه سلطنة بأن توقعه في المحرمات أو الشبهات و المكروهات فذكر لذلك أيضا علامتين فقال فلا يستخف له عقله و لا رأيه في القاموس استخفه ضد استثقله و فلانا عن رأيه حمله

    على الجهل و الخفة و أزاله عما كان عليه من الصواب و قال الراغب فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ أي حملهم على أن يخفوا معه أو وجدهم خفافا في أبدانهم و عزائمهم قيل معناه وجدهم طائشين و قوله عز و جل وَ لا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ أي لا يزعجنك و يزيلنك عن اعتقادك بما يوقعون من الشبه و قال البيضاوي في قوله سبحانه فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فطلب منهم الخفة في مطاوعته أو فاستخف أحلامهم و قال في قوله تعالى وَ لا يَسْتَخِفَّنَّكَ و لا يحملنك على الخفة و القلق الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ بتكذيبهم و إيذائهم. و أقول هذه الفقرة تحتمل وجوها الأول أن يكون المستتر في فلا يستخف راجعا إلى الفرج و الضمير في له راجعا إلى الأخ و يكون عقله و رأيه منصوبين أي كان لا تجعل شهوة الفرج عقله و رأيه خفيفين مطيعين لها الثاني أن يكون الضمير في يستخف راجعا إلى الأخ و في له إلى الفرج أي لا يجعل عقله و رأيه أو لا يجدهما خفيفين سريعين في قضاء حوائج الفرج الثالث أن يقرأ يستخف على بناء المجهول و عقله و رأيه مرفوعين و ضمير له إما راجع إلى الأخ أو إلى الفرج و ما قيل أن يستخف على بناء المعلوم و عقله و رأيه مرفوعان و ضمير له للأخ فلا يساعده ما مر من معاني الاستخفاف. كان خارجا من سلطان الجهالة بفتح الجيم و هي خلاف العلم و العقل فلا يمد يده أي إلى أخذ شي‏ء كناية عن ارتكاب الأمور إلا على ثقة و اعتماد بأنه ينفعه نفعا عظيما في الآخرة أو في الدنيا أيضا إذا لم يضر بالآخرة كان لا يتشهى أي لا يكثر شهوة الأشياء كما مر و لا يتسخط أي لا يسخط كثيرا لفقد المشتهيات أو لا يغضب لإيذاء الخلق له أو لقلة عطائهم في القاموس السخط بالضم و كعنق   و جبل ضد الرضا و قد سخط كفرح و تسخط و أسخطه أغضبه و تسخطه تكرهه و عطاءه استقله و لم يقع منه موقعا و لا يتبرم أي لا يمل و لا يسأم من حوائج الخلق و كثرة سؤالهم و سوء معاشرتهم في القاموس البرم السأمة و الضجر و أبرمه فبرم كفرح و تبرم أمله فمل. كان أكثر دهره أي عمره و أكثر منصوب على الظرفية صماتا بفتح الصاد و تشديد الميم و قرئ بضم الصاد و تخفيف الميم مصدرا فالحمل على المبالغة و في النهج صامتا فإن قال بذ القائلين و نقع غليل السائلين قال في النهاية في الحديث بذ القائلين أي سبقهم و غلبهم يبذهم بذا انتهى و نقع الماء العطش أي سكنه و الغليل حرارة العطش و يمكن أن يكون البذ بالفصاحة و النقع بالعلم و الجواب الشافي. كان لا يدخل في مراء أي مجادلة في العلوم للغلبة و إظهار الكمال قال في المصباح ماريته أماريه مماراة و مراء جادلته و يقال ماريته أيضا إذا طعنت في قوله تزييفا للقول و تصغيرا للقائل و لا يكون المراء إلا اعتراضا و لا يشارك في دعوى أي في دعوى غيره لإعانته أو وكالة عنه. و لا يدلي بحجة حتى يرى قاضيا في المصباح أدلى بحجته أثبتها فوصل بها و في القاموس أدلى بحجته أحضرها و إليه بماله دفعه و منه وَ تُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ. أقول و في النهج حتى يأتي قاضيا و هذه الفقرة أيضا يحتمل وجوها الأول ما ذكره بعض شراح النهج أي لا يدلي بحجته حتى يجد قاضيا و هو من فضيلة العدل في وضع الأشياء مواضعها انتهى. و أقول المعنى أنه ليس من عادته إذا ظلمه أحد أن يبث الشكوى عند الناس كما هو دأب أكثر الخلق بل يصبر إلى أن يجد حاكما يحكم بينه و بين

    خصمه و ذلك في الحقيقة يئول إلى الكف عن فضول الكلام و التكلم في غير موقعه. الثاني أن يكون المراد أنه يصبر على الظلم و يؤخر المطالبة إلى يوم القيامة فالمراد بالقاضي الحاكم المطلق و هو الله سبحانه أو لا ينازع الأعداء إلا عند زوال التقية فالمراد بالقاضي الإمام الحق النافذ الحكم. الثالث أن يكون المراد نفي إتيانه القاضي لكفه عن المنازعة و الدعوى و صبره على الظلم أي لا ينشئ دعوى و لا يأتي بحجة حتى يحتاج إلى إتيان القاضي. الرابع ما ذكره بعض الأفاضل حيث قرأ يري على بناء الإفعال و فسر القاضي بالبرهان القاطع الفاصل بين الحق و الباطل أي كان لا يتعرض للدعوى إلا أن يظهر حجة قاطعة و لعله أخذه من قول الفيروزآبادي القضاء الحتم و البيان و سم قاض قاتل و لا يخفى بعده مع عدم موافقته لما في النهج. و كان لا يغفل عن إخوانه أي كان يتفقد أحوالهم في جميع الأحوال كتفقد الأهل و العيال و لا يخص نفسه بشي‏ء من الخيرات دونهم بل كان يجعلهم شركاء لنفسه فيما خوله الله و يحب لهم ما يحب لنفسه و يكره لهم ما يكره لنفسه. كان ضعيفا أي فقيرا منظورا إليه بعين الذلة و الفقر كما قيل أو ضعيفا في القوة البدنية خلقة و لكثرة الصيام و القيام مستضعفا أي في أعين الناس للفقر و الضعف و قلة الأعوان يقال استضعفه أي عده ضعيفا و قال بعض شراح النهج استضعفه أي عده ضعيفا و وجده ضعيفا و ذلك لتواضعه و إن كان قويا. و إذا جاء الجد كان ليثا غاديا في أكثر النسخ بالعين المهملة و في بعضها بالمعجمة و في النهاية فيه ما ذئبان عاديان العادي الظالم و قد عدا يعدو عليه عدوانا و أصله من تجاوز الحد في الشي‏ء و السبع العادي أي الظالم الذي يفترس الناس انتهى و الجد بالكسر ضد الهزل و الاجتهاد في الأمر و المراد به هنا المحاربة و المجاهدة و في النهج فإن جاء الجد فهو ليث عاد و صل واد و في أكثر نسخه غاد بالمعجمة من غدا عليه أي تكبر و قال بعض شارحيه الوصف   بالغادي لأنه إذا غدا كان جائعا فصولته أشد و المناسب حينئذ أن يكون ليث منونا و في النسخ ليث غاد بالإضافة فكأنه من إضافة الموصوف إلى الصفة و في بعض نسخه بالمهملة كما مر و في بعضها غاب بالباء الموحدة بعد العين المهملة و هو الأجمة و يسكنها الأسد و المناسب حينئذ الإضافة و قال الجوهري الصل بالكسر الحية التي لا تنفع منها الرقية يقال إنها لصل صفا إذا كانت منكرة مثل الأفعى و يقال للرجل إذا كان داهيا منكرا إنه لصل أصلال أي حية من الحيات و أصله في الحيات شبه الرجل بها انتهى و ذكر الوادي لأن الأودية لانخفاضها تشتد فيها الحرارة فيشتد السم في حيتها. كان لا يلوم أحدا فيما يقع العذر في مثله حتى يرى اعتذارا فيما يقع العذر أي فيما يمكن أن يكون له فيه عذر و كلمة المثل إشعار بعدم العلم بكون فاعله معذورا إذ من الجائز أن يكون الفاعل غير معذور فيجب التوقف حتى يسمع الاعتذار و يظهر الحق فإن لم يكن عذره مقبولا لامه و يحتمل أن يكون حتى للتعليل أي كان لا يلومه بل يتفحص العذر حتى يجد له عذرا و لو على سبيل الاحتمال و في النهج و كان لا يلوم أحدا على ما يجد العذر في مثله حتى يسمع اعتذاره و في بعض النسخ على ما لا يجد بزيادة حرف النفي فالمعنى لا يلوم على أمر لا يجد فيه عذرا بمجرد عدم الوجدان إذ يحتمل أن يكون له عذر لا يخطر بباله. و كان يفعل ما يقول و يفعل ما لا يقول أي يفعل ما يأمر غيره به من الطاعات إشارة إلى قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ و قد قيل إن المعنى لم لا تفعلون ما تقولون فإنه إذا قال و لم يفعل فعدم الفعل قبيح لا القول و يفعل من الخيرات و الطاعات ما لا يقوله لمصلحة تقية أو عدم انتهاز فرصة أو عدم وجدان قابل كما قال تعالى فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى

    كذا فهمه الأكثر و يخطر بالبال أن المعنى أنه يحسن إلى غيره سواء وعده الإحسان أو لم يعده كما فسرت الآية المتقدمة في كثير من الأخبار بخلف الوعد و في النهج و كان يقول ما يفعل و لا يقول ما لا يفعل و في بعض نسخه في الأول و كان يفعل ما يقول كان إذ ابتزه أمران كذا في أكثر النسخ بالباء الموحدة و الزاي على بناء الافتعال أي استلبه و غلبه و أخذه قهرا كناية عن شدة ميله إليهما و حصول الدواعي في كل منهما في القاموس البز الغلبة و أخذ الشي‏ء بجفاء و قهر كالابتزاز و بزبز الشي‏ء سلبه كابتزه و لا يبعد أن يكون في الأصل انبراه بالنون و الباء الموحدة على الحذف و الإيصال أي اعترض له و في النهج و كان إذا بدهه أمران نظر أيهما أقرب إلى الهوى فخالفه يقال بدهه أمر كمنعه أي بغتة و فاجأه. و هذا الكلام يحتمل معنيين الأول أن يكون المعنى إذا عرضت له طاعتان كان يختار أشقهما على نفسه لكونها أكثر ثوابا كالوضوء بالماء البارد و الحار في الشتاء كما ورد ذلك في فضائل أمير المؤمنين ع و الثاني أن يكون معيارا لحسن الأشياء و قبحها كما إذا ورد عليه فعل لا يدري فعله أفضل أو تركه فينظر إلى نفسه و كلما تهواه يخالفها كما ورد لا تترك النفس و هواها فإن رداها في هواها و هذا هو الغالب لكن جعلها قاعدة كلية كما تقوله المتصوفة مشكل لما نقل عن بعضهم أنه مر بعذرة فعرضها على نفسه فأبت فأكلها و الظاهر أن أكلها كان عين هواها لتعده الرعاع من الناس شيخا كاملا و لكل عذرة آكلا. إلا عند من يرجو عنده البرء أي ربه تعالى فإنه الشافي حقيقة أو المراد به الطبيب الحاذق الذي يرجو بمعالجته البرء فإنه حينئذ ليس بشكاية بل هو طلب لعلاجه فالاستثناء منقطع و في النهج و كان لا يشكو وجعا إلا عند برئه   أي يحكيه بعد البرء للشكر و التحدث بنعمة الله فالاستثناء منقطع أو أطلقت الشكاية عليها على المشاكلة و قيل أي كان يكتم مرضه عن إخوانه لئلا يتجشموا زيارته. و لا يستشير في المصباح شاورته في كذا و استشرته راجعته لأرى رأيه فيه فأشار علي بكذا أراني ما عنده فيه من المصلحة فكانت إشارته حسنة و الاسم المشورة و فيه لغتان سكون الشين و فتح الواو و الثانية ضم الشين و سكون الواو وزان معونة و يقال هي من شار الدابة إذا عرضه في المشوار و يقال من أشرت العسل شبه حسن النصيحة بشري العسل إلا من يرجو عنده النصيحة أي خلوص الرأي و عدم الغش و كمال الفهم. كان لا يتبرم كأن إعادة تلك الخصال مع ذكرها سابقا للتأكيد و شدة الاهتمام بترك تلك الخصال أو المراد بها في الأول تشهي الدنيا و التسخط من فقدها و التبرم بمصائب الدنيا و الشكاية عن الوجع و المراد هنا التبرم من كثرة سؤال الناس و سوء أخلاقهم و التسخط بما يصل إليه منهم و تشهي ملاذ الدنيا و التشكي عن أحوال الدهر أو عن الإخوان و الشكاية و التشكي و الاشتكاء بمعنى و يمكن الفرق بأمور أخر يظهر بالتأمل فيما ذكرنا. و لا ينتقم أي من العدو حتى ينتقم الله له كما مر و لا يغفل عن العدو أي الأعداء الظاهرة و الباطنة كالشيطان و النفس و الهوى. فعليكم بمثل هذه الأخلاق في النهج فعليكم بهذه الخلائق فالزموها و تنافسوا فيها فإن لم تستطيعوها فاعلموا أن أخذ القليل خير من ترك الكثير. أقول لما كان الغرض من ذكر صفات الأخ أن يقتدي السامعون به في الفضائل المذكورة أمرهم ع بلزومها و التنافس فيها أو في بعضها إن لم يمكن الكل. قوله ع من ترك الكثير أي الكل. و أقول في رواية النهج ترك بعض تلك الخصال و فيها زيادة أيضا و هي قوله و كان إن غلب على الكلام لم يغلب على السكوت و كان على ما يسمع أحرص منه   على أن يتكلم و المراد بالفقرة الأولى أنه إن غلبه أحد بالجدال و الخروج عن الحق عدل إلى السكوت و ترك المراء فكان هو الغالب حقيقة لعدم خروجه عن الحق أو المراد أن سكوته كان أكثر من غيره فالكلام أعم مما هو في معرض الجدال و أما الثانية فالحرص على الاستماع لاحتمال الانتفاع و قيل صيغة التفضيل هنا مثلها في قوله تعالى أَ ذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ

25-  كا، ]الكافي[ عن العدة عن البرقي عن ابن محبوب عن عبد الله بن سنان عن معروف بن خربوذ عن أبي جعفر ع قال صلى أمير المؤمنين ع بالناس الصبح بالعراق فلما انصرف وعظهم فبكى و أبكاهم من خوف الله ثم قال أما و الله لقد عهدت أقواما على عهد خليلي رسول الله ص و إنهم ليصبحون و يمسون شعثا غبرا خمصا بين أعينهم كركب المعزى يبيتون لربهم سجدا و قياما يراوحون بين أقدامهم و جباههم يناجون ربهم و يسألونه فكاك رقابهم من النار و الله لقد رأيتهم على هذا و هم خائفون مشفقون

 ما، ]الأمالي للشيخ الطوسي[ عن المفيد عن ابن قولويه عن أبيه عن سعد عن ابن عيسى عن ابن محبوب مثله توضيح العراق هنا الكوفة و العراقان الكوفة و البصرة لقد عهدت أي لقيت أو هو في ذكري و في بالي و في المصباح عهدته بمكان كذا لقيته و عهدي به قريب أي لقائي و عهدت الشي‏ء ترددت إليه و أصلحته و حقيقته تجديد العهد به و في القاموس العهد الالتقاء و المعرفة منه عهدي به بموضع كذا و الشعث بالضم جمع الأشعث كالغبر بالضم جمع الأغبر و الشعث تفرق الشعر و عدم إصلاحه و مشطه و تنظيفه و الأغبر المتلطخ بالغبار قال في المصباح شعث الشعر شعثا فهو شعث من باب تعب تغير و تلبد لقلة تعهده بالدهن و رجل أشعث و امرأة شعثاء و الشعث   أيضا الوسخ و رجل شعث وسخ الجسد و شعث الرأس أيضا و هو أشعث أغبر من غير استحداد و لا تنظف و الشعث أيضا التفرق و تلبد الشعر انتهى. فإن قيل التمشط و التدهن و التنظف كلها مستحبة مطلوبة للشارع فكيف مدحهم ع بتركها قلنا يحتمل أن تكون تلك الأحوال لفقرهم و عدم قدرتهم على إزالتها فالمدح على صبرهم على الفقر أو المعنى أنهم لا يهتمون بإزالتها زائدا على المستحب أو يقال إذا كان تركها لشدة الاهتمام بالعبادة و غلبة خوف الآخرة يكون ممدوحا. خمصا جمع الأخمص و قيل الخميص أي بطونهم خالية إما للصوم أو للفقر أو لا يشبعون لئلا يكسلوا في العبادة و قد مر كركب المعزى أي من أثر السجود لكثرته و طوله و في القاموس الركبة بالضم ما بين أسافل أطراف الفخذ و أعالي الساق أو موضع الوظيف و الذراع أو مرفق الذراع من كل شي‏ء و الجمع ركب كصرد و قال المعز بالفتح و بالتحريك و المعزى و يمد خلاف الضأن من الغنم و الماعز واحد المعز للذكر و الأنثى و في المصباح المعز اسم جنس لا واحد من لفظه و هي ذوات الشعر من الغنم الواحدة شاة و المعزى ألفها للإلحاق لا للتأنيث و لهذا تنون في النكرة و الذكر ماعز و الأنثى ماعزة انتهى. يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ تضمين لقوله تعالى في الفرقان وَ الَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَ قِياماً قال البيضاوي و تأخير القيام للروي و هو جمع قائم أو مصدر أجري مجراه انتهى و قيل في تقديم الأقدام على الجباه مع التأخير في الآية إشارة إلى أن تقديم السجود فيها لزيادة القرب فيه و لرعاية موافقة الفواصل و في النهاية فيه أنه كان يراوح بين قدميه من طول القيام أي يعتمد على إحداهما مرة و على الأخرى مرة ليوصل الراحة إلى كل منهما و منه حديث ابن مسعود   أنه أبصر رجلا صافا قدميه فقال لو راوح كان أفضل و منه حديث بكر بن عبد الله كان ثابت يراوح ما بين جبهته و قدميه أي قائما و ساجدا يعني في الصلاة. و أقول ظاهر أكثر أصحابنا استحباب أن يكون اعتماده على قدميه مساويا و أما هذه الأخبار مع صحتها يمكن أن تكون مخصوصة بالنوافل أو بحالي المشقة و التعب و المناجاة المسارة و هم خائفون من رد أعمالهم للإخلال ببعض شرائطها مشفقون من عذاب الله و الحاصل أنهم مع هذا الجد و المبالغة في العمل كانوا يعدون أنفسهم مقصرين و لم يكونوا بأعمالهم معجبين

26-  كا، ]الكافي[ عن العدة عن البرقي عن إسماعيل بن مهران عن سيف بن عميرة عن سليمان بن عمرو النخعي قال و حدثني الحسين بن سيف عن أخيه علي عن سليمان عمن ذكره عن أبي جعفر ع قال سئل النبي ص عن خيار العباد فقال الذين إذا أحسنوا استبشروا و إذا أساءوا استغفروا و إذا أعطوا شكروا و إذا ابتلوا صبروا و إذا أغضبوا غفروا

 ل، ]الخصال[ لي، ]الأمالي للصدوق[ عن ابن الوليد عن الصفار عن البرقي عن ابن مهران عن ابن عميرة عن سليمان بن جعفر عن محمد بن مسلم و غيره عن أبي جعفر ع قال سئل رسول الله ص و ذكر نحوه

بيان الإحسان فعل الحسنة و يحتمل الإحسان إلى الغير و كذا الإساءة يحتملهما و الاستبشار الفرح و السرور

27-  كا، ]الكافي[ بالإسناد المتقدم عن أبي جعفر ع قال قال النبي ص إن خياركم أولو النهى قيل يا رسول الله و من أولو النهى قال هم أولو الأخلاق الحسنة و الأحلام الرزينة و صلة الأرحام و البررة بالأمهات و الآباء و المتعاهدين للفقراء و الجيران و اليتامى و يطعمون الطعام و يفشون السلام   في العالم و يصلون و الناس نيام غافلون

 بيان أولو النهى في القاموس النهية بالضم العقل كالنهى و هو يكون جمع نهية أيضا و قال الراغب النهية العقل الناهي عن القبائح جمعها نهى قال عز و جل إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى انتهى و الأحلام جمع حلم بالكسر بمعنى العقل أو الأناة و عدم التسرع إلى الانتقام و هو هنا أظهر و في القاموس الرزين الثقيل و ترزن في الشي‏ء توقر و صلة الأرحام عطف على الأحلام و يمكن أن يكون الواو جزء الكلمة و الصاد مفتوحة جمع واصل و المتعاهدين في أكثر النسخ بالنصب فيكون نصبا على المدح كما قالوا في قوله تعالى في سورة النساء وَ الْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَ الْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ و يمكن على الاحتمال الثاني في وصلة الأرحام نصب الوصلة على المدح. و الناس نيام غافلون نيام جمع نائم و غافلون خبر بعد خبر أي بعضهم نيام و بعضهم غافلون أو صفة كاشفة أي المراد بالنيام الغافلون كما

 ورد الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا

28-  كا، ]الكافي[ عن علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى عن يونس عن محمد بن عرفة عن أبي عبد الله ع قال قال النبي ص أ لا أخبركم بأشبهكم بي قالوا بلى يا رسول الله قال أحسنكم خلقا و ألينكم كنفا و أبركم بقرابته و أشدكم حبا لإخوانه في دينه و أصبركم على الحق و أكظمكم للغيظ و أحسنكم عفوا و أشدكم من نفسه إنصافا في الرضا و الغضب

 بيان و ألينكم كنفا أي لا يتأذى من مجاورتهم و مجالستهم و من ناحيتهم أحد في القاموس أنت في كنف الله محركة في حرزه و ستره و هو الجانب و الظل   و الناحية و من الطائر جناحه و في النهاية فيه أ لا أخبركم بأحبكم إلي و أقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا الموطئون أكنافا هذا مثل و حقيقته من التوطئة و هي التمهيد و التذلل و فراش وطي‏ء لا يؤذي جنب النائم و الأكناف الجوانب أراد الذين جوانبهم وطيئة يتمكن فيها من يصاحبهم و لا يتأذى انتهى. و أقول في بالي أن في بعض الأخبار أكتافا بالتاء أي أنهم لشدة تذللهم كأنه يركب الناس أكتافهم و لا يتأذون بذلك لإخوانه في دينه أي تكون إخوته بسبب الدين لا بسبب النسب على الحق أي على المشقة و الأذية اللتين تلحقانه بسبب اختيار الحق أو قول الحق في الرضا أي عن أحد و الغضب أي في الغضب له

29-  نهج، ]نهج البلاغة[ قال أمير المؤمنين ع في بعض خطبه لقد رأيت أصحاب محمد ص فما أرى أحدا يشبههم لقد كانوا يصبحون شعثا غبرا قد باتوا سجدا و قياما يراوحون بين جباههم و خدودهم و يقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم كان بين أعينهم ركب المعزى من طول سجودهم إذا ذكر الله هملت أعينهم حتى تبل جيوبهم و مادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف خوفا من العقاب و رجاء للثواب

 بيان شعثا غبرا إما لفقرهم فالمدح للصبر على الفقر أو لتركهم زينة الدنيا و لذاتها على ما ذكره الأكثر فينبغي التقييد بعدم القدرة أو التخصيص ببعض الأفراد أو لتقشف العبادة و قيام الليل و صوم النهار و هجر الملاذ فالغبرة كناية عن صفرة اللون و السجد جمع ساجد كالقيام جمع قائم أو القيام مصدر أجري مجراه و التخصيص بالليل لكون العبادة فيه أحمز و أبعد عن الرئاء و المراوحة بين الجبهة و الخد وضع كل على الأرض حتى يستريح الآخر أو كأنه يستريح و ليس الغرض الاستراحة و ذلك في سجدة الشكر و إن كان وضع الجبهة شاملا لسجود الصلاة و الجمر بالفتح جمع جمرة و هي النار المتقدة و وقوفهم   على مثل الجمر قلقهم و اضطرابهم من خوف المعاد و عذاب النار و المراد ببين أعينهم جباههم مجازا أو الموضع حقيقة للإرغام في السجود و الأول أظهر و هملت كضربت و نصرت أي سالت و فاضت و جيب القميص و نحوه بالفتح طوقه و مادوا تحركوا و اضطربوا و الريح العاصف و العاصفة الشديدة و خوفا مفعول له لقوله ع مادوا فقط فسيلان العين للحب و الشوق أو للفعلين جميعا أو للجميع على بعد و يدل على أن الخوف من العقاب و الرجاء للثواب لا ينافيان الإخلاص

30-  نهج، ]نهج البلاغة[ قال ع في بعض خطبه أين القوم الذين دعوا إلى الإسلام فقبلوه و قرءوا القرآن فأحكموه و هيجوا إلى الجهاد فولهوا وله اللقاح إلى أولادها و سلبوا السيوف أغمادها و أخذوا بأطراف الأرض زحفا زحفا و صفا صفا بعض هلك و بعض نجا لا يبشرون بالإحياء و لا يعزون عن الموتى مره العيون من البكاء خمص البطون من الصيام ذبل الشفاه من الدعاء صفر الألوان من السهر على وجوههم غبرة الخاشعين أولئك إخواني الذاهبون فحق لنا أن نظما إليهم و نعض الأيدي على فراقهم

 بيان كأن المراد بأحكام القرآن حفظ الألفاظ عن التحريف و التدبر في معناه و العمل بمقتضاه و أهاجه أثاره و المراد به تحريصهم و ترغيبهم إليه و الوله بالتحريك ذهاب العقل و التحير من شدة الوجد من حزن أو فرح و قيل هو شدة الحب يقال وله كفرح و كوعد على قلة و الوله إلى الشي‏ء الاشتياق إليه و اللقاح ككتاب الإبل أو الناقة ذات اللبن و اللقوح واحدتها و الحاصل أنهم اشتاقوا إلى الحرب بعد الترغيب اشتياق اللقاح إلى أولادها و في بعض النسخ فولهوا اللقاح أولادها قيل أي جعلوا اللقاح والهة إلى أولادها بركوبهم إياها عند خروجهم إلى الجهاد و قوله ع أولادها نصب بإسقاط الجار إذ الفعل أعني وله غير   متعد إلى مفعولين بنفسه و الغمد بالكسر جفن السيف. و أخذوا بأطراف الأرض أي أخذوا الأرض بأطرافها كما قيل أو أخذوا على الناس بأطراف الأرض أي حصروهم يقال لمن استولى على غيره و ضيق عليه قد أخذ عليه بأطراف الأرض قال الفرزدق أخذنا بأطراف السماء عليكم لنا قمراها و النجوم الطوالع. و قيل المعنى أخذوا أطراف الأرض من قبيل أخذت بالخطام و يحتمل أن يكون المراد شرعوا في الجهاد في أطراف الأرض و المواطن البعيدة و الزحف الجيش يزحفون إلى العدو أي يمشون و مصدر يقال زحف إليه كمنع زحفا إذا مشى نحوه و الصف واحد الصفوف و يمكن مصدرا و زحفا زحفا أي زحفا بعد زحف متفرقين في الأطراف و كذلك صفا صفا و النصب على الحالية نحو جاءوني رجلا رجلا و قيل زحفا منصوب على المصدر المحذوف الفعل أي يزحفون زحفا و الثانية تأكيد للأولى و كذلك قوله صفا صفا. و قوله ع بعض هلك و بعض نجا إشارة إلى قوله تعالى فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا و العزاء الصبر أو حسن الصبر و عزيته تعزية أي قلت له أحسن الله عزاك أي رزقك الصبر الحسن و هو اسم من ذلك نحو سلم سلاما قال ابن ميثم رحمه الله المعنى أنهم لما قطعوا العلائق الدنيوية إذا ولد لأحدهم مولود لم يبشر به و إذا مات منهم أحد لم يعزوا عنه و كانت نسخته موافقة لما نقلنا و في بعض النسخ لا يعزون عن القتلى موافقا لما في نسخة ابن أبي الحديد قال أي لشدة ولههم إلى الجهاد لا يفرحون ببقاء حيهم حتى يبشروا به و لا يحزنون لقتل قتيلهم حتى يعزوا به. مرة العيون يقال مرهت عينه كفرح أي فسدت لترك الكحل و المراد   هنا مطلق الفساد و خمص البطن مثلثة الميم أي خلا و خمص الرجل خمصا كقرب أي جاع و ذبل الشي‏ء ذبولا كقعد ذهبت نداوته و قل ماؤه و السهر بالتحريك عدم النوم في الليل كله أو بعضه و الغبرة بالتحريك الغبار و الكدورة فحق لنا أن نفعل على صيغة المجهول كما في أكثر النسخ و حققت أن تفعل كذا كعلمت و هو حقيق به أي خليق جدير و في بعض النسخ على صيغة المعلوم و ظمئ كفرح ظمأ بالتحريك أي عطش و قيل الظمأ أشد العطش و ظمئ إليه أي اشتاق و عضضت عليه و عضضته كسمع و في لغة كمنع أي مسكته بأسناني

31-  نهج، ]نهج البلاغة[ قال ع رحم الله امرأ سمع حكما فوعى و دعي إلى رشاد فدنى و أخذ بحجزة هاد فنجا راقب ربه و خاف ذنبه قدم خالصا و عمل صالحا اكتسب مذخورا و اجتنب محذورا رمى غرضا و أحرز عوضا كابر هواه و كذب مناه جعل الصبر مطية نجاته و التقوى عدة وفاته ركب الطريقة الغراء و لزم المحجة البيضاء اغتنم المهل و بادر الأجل و تزود من العمل

 توضيح سمع حكما بالضم أي حكمة و علما نافعا فوعى أي حفظ علما و عملا و الرشاد الصلاح و هو خلاف الغي و الضلال و هو إصابة الصواب و رشد كتعب و قتل و الاسم الرشاد كذا في المصباح فدنا أي من الداعي أو الحق و الحجزة بالضم موضع شد الإزار ثم قيل للإزار حجزة للمجاورة و الأخذ بالحجزة مستعار للاعتصام و الالتجاء و التمسك بأحد فنجا أي خلص من الضلالة و عواقبها و المراقبة الترصد و المحافظة و مراقبة الرب الترصد لأمره و العمل به و الإقبال بالقلب إليه. قدم خالصا أي عملا خالصا لله لم يشبه رئاء و لا سمعة و تقديمه فعله قبل أن يخرج الأمر من يده و بعثه إلى دار الجزاء قبل الوصول إليه و الاكتساب الكسب و المذخور الشي‏ء النفيس المعد لوقت الحاجة إليه و هو الأعمال   الصالحة و المحذور ما يحترز منه من سيئات الأعمال و الأخلاق و الغرض الهدف و المراد رميه إصابة الحق كمن رمى الغرض في المراماة ففاز بالسبق و هو المراد بإحراز العوض أي الفوز بالثواب و قيل المراد به أن يقصد بفعله غرضا صحيحا

32-  نهج، ]نهج البلاغة[ و من خطبة له ع و أشهد أنه عدل عدل و حكم فصل و أشهد أن محمدا عبده و رسوله و سيد عباده كلما نسخ الله الخلق فرقتين جعله في خيرهما لم يسهم فيه عاهر و لا ضرب فيه فاجر ألا و إن الله قد جعل للخير أهلا و للحق دعائم و للطاعة عصما و إن لكم عند كل طاعة عونا من الله يقول على الألسنة و يثبت الأفئدة فيه كفاء لمكتف و شفاء لمشتف و اعلموا أن عباد الله المستحفظين علمه يصونون مصونة و يفجرون عيونه يتواصلون بالولاية و يتلاقون بالمحبة و يتساقون بكأس روية و يصدرون برية لا تشوبهم الريبة و لا تسرع فيهم الغيبة على ذلك عقد خلقهم و أخلاقهم فعليه يتحابون و به يتواصلون فكانوا كتفاضل البذر ينتقى فيؤخذ منه و يلقى قد ميزه التخليص و هذبه التمحيص فليقبل امرؤ كرامة بقبولها و ليحذر قارعة قبل حلولها و لينظر امرؤ في قصير أيامه و قليل مقامه في منزل حتى يستبدل منزلا فليصنع لمتحوله و معارف منتقله فطوبى لذي قلب سليم أطاع من يهديه و تجنب من يرديه و أصاب سبيل السلامة ببصر من بصره و طاعة هاد أمره و بادر الهدى قبل أن تغلق أبوابه و تقطع أسبابه و استفتح التوبة و أماط الحوبة فقد أقيم على الطريق و هدي نهج السبيل

 بيان الظاهر أن الضمير في أنه راجع إلى الله و قيل راجع إلى القضاء و القدر المذكور في صدر الخطبة و الحكم بالتحريك منفذ الحكم و الفصل القطع و القضاء بين الحق و الباطل و النسخ الإزالة و التغيير و الإبطال و قال   ابن أبي الحديد يعني كلما قسم الله الأب الواحد إلى ابنين أعد خيرهما و أفضلهما لولادة محمد ص و سمي ذلك نسخا لأن البطن الأول تزول و يخلفه البطن الثاني. لم يسهم فيه عاهر السهم النصيب و الحظ و في النهاية و أصله واحد السهام التي يضرب بها في الميسر و هي القداح ثم سمي به ما يفوز به الفاتح سهمه ثم كثر حتى سمي كل نصيب سهما انتهى و السهمة بالضم القرابة و المساهمة المقارعة و أسهم بينهم أي أقرع و كانوا يعملون بالقرعة إذا تنازعوا في ولد و الكلمة في بعض النسخ على صيغة المجرد كيمنع و في بعضها على بناء الإفعال و العاهر الزاني قيل أي لم يضرب فيه العاهر بسهم و لم يكن للفجور في أصله شركة. و قال ابن أبي الحديد في الكلام رمز إلى جماعة من الصحابة في أنسابهم طعن ثم حكى عن الجاحظ أنه قال قام عمر على المنبر فقال إياكم و ذكر العيوب و الطعن في الأصول ثم قال و روى المدائني هذا الخبر في كتاب أمهات الخلفاء و قال إنه روي عند جعفر بن محمد ع بالمدينة فقال لا تلمه يا ابن أخي إنه أشفق أن يحدج بقصة نفيل بن عبد العزى و صهاك أمة الزبير بن عبد المطلب ثم قال رحم الله عمر إنه لم يعد السنة و تلا إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا الآية. أقول قد أوردنا هذه القصة في نسب عمر و الدعامة بالكسر عماد البيت الذي يقوم عليه و العصم كعنب جمع عصمة و هي المنع و الحفظ و كفاء أصله كفاية و الإتيان بالهمزة للازدواج كما قالوا الغدايا و العشايا كما قال ص مأزورات غير مأجورات و الأصل الواو و قال ابن أبي الحديد أهل الخير هم المتقون و دعائم الحق الأدلة الموصلة إليه المثبتة له في القلوب و عصم الطاعة هي الإدمان

    على فعلها و التمرن عليها لأن المرون على الفعل يكسب الفاعل ملكة تقتضي سهولة عليه و العون هاهنا هو اللطف المقرب من الطاعة المبعد من القبيح و لما كان العون من الله سبحانه مستهلا للقول أطلق عليه من باب التوسع أنه يقول على الألسنة و لما كان الله تعالى هو الذي يثبت كما قال يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ نسب التثبيت إلى اللطف لأنه من فعل الله و قال ابن ميثم قوله ع ألا و إن الله ترغيب للسامعين أن يكونوا من أهل الخير و دعائم الحق و عصم الطاعة و كأنه عنى بالعون القرآن قال تعالى لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ. و فيه كفاء أي في ذلك العون كفاية لطالبي الاكتفاء أي من الكمالات النفسانية و شفاء لمن طلب الشفاء من أمراض الرذائل الموبقة و يمكن أن يكون المراد بأهل الخير الأتقياء و بدعائم الحق النبي و الأئمة ع و بعصم الطاعة العبادات التي توجب التوفيق من الله سبحانه و ترك المعاصي الموجبة لسلبه أو الملائكة العاصمة للعباد عن اتباع الشياطين و بالعون الملائكة المرغبة في طاعة الله كما ورد في الأخبار. و المستحفظين في أكثر النسخ بالنصب على صيغة اسم المفعول و هو أظهر يقال استحفظته إياه أي سألته أن يحفظه و في بعض النسخ على صيغة اسم الفاعل أي الطالبين للحفظ و في بعض النسخ بالرفع حملا على المحل و كونه خبرا بعيد و المراد بهم الأئمة ع كما ورد في الأدعية و الأخبار و قال الشراح المراد بهم العارفون أو الصالحون. يصونون مصونه أي يكتمون ما ينبغي أن يكتم من أسرار علمه من غير أهله و يفجرون عيونه أي يفيضون ما ينبغي إفاضته على عامة الناس أو كل علم   على من هو قابل له أو يتقون في مقام التقية و يظهرون الحق عند عدمها و الولاية في النسخ بالكسر قال سيبويه الولاية بالفتح المصدر و بالكسر الاسم و قال ابن أبي الحديد الولاية بفتح الواو المحبة و النصرة أي يتواصلون و هم أولياء و مثله و يتلاقون بالمحبة كما تقول خرجت بسلاحي أي و أنا متسلح أو يكون المعنى يتواصلون بالقلوب لا بالأجسام كما تقول أنا أراك بقلبي و أزورك بخاطري و أواصلك بضميري انتهى. و أقول يحتمل أن يكون المراد ولاية أهل البيت ع أي بسببها أو متصفين بها أو مظهرين لها و ماء روي كغني أي كثير مرو و روي من الماء كرضي ريا بالفتح و الكسر أي تنعم و الاسم الري بالكسر و الرية في بعض النسخ بالفتح و في بعضها بالكسر و لعل المراد التساقي من المعارف و العلوم و الريبة بالكسر التهمة و الشك اسم من الريب بالفتح أي لا تخالطهم شك في المعارف و العقائد أو تهمة في حب أحدهم للآخر و عدم إسراع الغيبة فيهم لعدم استحقاقهم للغيبة في أقوالهم و أعمالهم و اتقائهم مواضع التهم أو المعنى لا يغتابون الناس و لا يتبعون عيوبهم. و الخلق يكون بمعنى التقدير و الإبداع و بمعنى الطبيعة كالخليقة و الأخلاق جمع خلق بالضم و بضمتين و هو السجية و الطبع و المروة و الدين و يحتمل أن يكون المراد بالخلق ما هو بمنزلة الأصل و المشخص للذات و بالأخلاق الفروع و الشعب و الضمير في عليه راجع إلى ما أشير إليه بذلك أو إلى العقد. فكانوا كتفاضل البذر أي كان التفاضل بينهم و بين الناس كالتفاضل بين ما ينتقى من البذر أي يختار و بين ما يلقى فالمعنى كالتفاضل بين الجيد و الردي و يحتمل أن يكون المراد أنه كان التفاضل بينهم كالتفاضل بين أفراد المختار من البذر فكما أنه لا تفاضل يعتد به فيما بينها كذلك فيما بينهم. و خلص الشي‏ء كنصر أي صار خالصا و خلصه أي جعله كذلك و خلصه أيضا

    نجاه و المراد بالتخليص الانتقاء المذكور أي ميزه ذلك عن غيره أو المعنى ميزه الله تخليصا إياه عن شرور النفس و الشيطان عن غيره و في بعض النسخ التلخيص بتقديم اللام و هو التبيين و التلخيص و التهذيب التنقية و الإصلاح و التمحيص الابتلاء و الاختبار. و الكرامة الاسم من التكريم و الإكرام و المراد بها هنا نصحه سبحانه و وعظه و تذكيره أو ما وعده الله على تقدير حسن العمل من المثوبة و الزلفى و قبول الكرامة على الثاني بالعمل الصالح الموجب للفوز بها و على الأول العمل بمقتضاه و بقبولها القبول الحسن اللائق بها و قرعه كمنعه أي أتاه فجأة و قرع الباب دقه و قال الأكثر القارعة الموت و يحتمل القيامة لأنها من أسمائها سميت بها لأنها تقرع القلوب بالفزع و أعدها الله للعذاب أو الداهية التي يستحقها العاصي يقال أصابه الله بقارعة أي بداهية تهلكه و حلولها نزولها و استبدلت الشي‏ء بالشي‏ء أي اتخذت الأول بدلا من الثاني و المراد بالنظر التدبر و التفكر و الظرف في قوله في منزل متعلق بالمقام و حتى لانتهاء غاية المقام أي الثبات أو الإقامة أي ليعتبر الإنسان بهذه المدة القصيرة و إقامته القليلة في الدنيا المنتهية إلى الاستبدال بها و اتخاذ غيرها. و قيل يحتمل أن تكون كلمة في لإفادة الظرفية الزمانية و يكون قوله في منزل متعلقا بالنظر و مدخول حتى علة غائية للنظر أي لينظر بنظر الاعتبار و ليتأمل مدة حياته في الدنيا في شأن ذلك المنزل الفاني حتى تتخذ بدله منزلا لائقا للنزول فالاستبدال حينئذ اتخاذ البدل المستحق لذلك أو توطين النفس على الارتحال و رفض المنزل الفاني. فليصنع أي فليعمل و المتحول بالفتح مكان التحول و كذلك المنتقل و معارف المنتقل قيل هي المواضع التي يعرف الانتقال إليها و قال ابن أبي الحديد معارف الدار ما يعرفه المتوسم بها واحدها معرف مثل معاهد الدار و معالمها و منه معارف المرأة أي ما يظهر منها كالوجه و اليدين و قيل يحتمل   أن يكون المراد بمعارف المنتقل ما عرف من أحواله و الأمور السانحة فيه فيمكن أن يكون المتحول و المنتقل مصدرين. من يهديه يعني نفسه و الأئمة من ولده ع من يرديه أي يهلكه بإلقائه في مهاوي الجهل و الضلالة و البصر يطلق على الحاسة و يراد به العلم مجازا و قد يطلق على العلم يقال بصرت بالشي‏ء أي علمته و يحتمل أن تكون الإضافة لأدنى ملابسة أي بالبصر الحاصل للمطيع بتبصير الهادي إياه و السبب في الأصل الحبل و إغلاق الأبواب بالموت و جوز بعضهم أن يكون الأبواب و الأسباب عبارة عن نفسه و الأئمة من ذريته ع فإنهم أبواب الفوز و الفلاح و الأسباب الممدودة من السماء إلى الأرض بهم يصل العبد إلى الله سبحانه و الغلق و القطع كناية عن عدمهم أو غيبتهم ع. و استفتح التوبة أي طلب فتحها كأنها باب مغلق يطلب فتحها للدخول فيها و يمكن أن يكون من الاستفتاح بمعنى الاستنصار أي طلب أن تنصره التوبة و مطت كبعت و أمطت أي تنحيت و كذلك مطت غيري و أمطته أي نحيته و قال الأصمعي مطت أنا و أمطت غيري و الحوبة بالفتح الإثم فقد أقيم على الطريق أي بهداية الله سبحانه و النهج بالفتح الطريق الواضح

33-  مشكاة الأنوار، عن أبي جعفر ع قال قال رسول الله ص قال الله عز و جل إن من أغبط أوليائي عندي رجلا خفيف الحال ذا خطر أحسن عبادة ربه في الغيب و كان غامضا في الناس جعل رزقه كفافا فصبر عليه مات فقل تراثه و قل بواكيه

34-  نهج، ]نهج البلاغة[ من كلام له ع قد أحيا عقله و أمات نفسه حتى دق جليله و لطف غليظه و برق له لامع كثير البرق فأبان له الطريق و سلك به السبيل و تدافعته الأبواب إلى باب السلامة و دار الإقامة و ثبتت رجلاه بطمأنينة   بدنه في قرار الأمن و الراحة بما استعمل قلبه و أرضى ربه

 بيان إحياء العقل بتحصيل المعارف الربانية و تسليطه على الشيطان و النفس الأمارة و إماتة النفس بجعلها مقهورة للعقل بحيث لا يكون لها تصرف إلا بحكمه فكانت في حكم الميت في ارتفاع الشهوات النفسانية كما قيل موتوا قبل أن تموتوا و دق الشي‏ء صار دقيقا و هو ضد الغليظ و الجليل العظيم و لطف ككرم لطفا و لطافة بالفتح أي صغر و دق و كأن المراد بالجليل البدن و دقته بكثرة الصيام و القيام و الصبر على المشاق الواردة في الشريعة المقدسة و بالغليظ النفس الأمارة و القوى الشهوانية و يحتمل العكس و التأكيد أيضا. و برق كنصر أي لمع أو جاء ببرق و برق النجم أي طلع و اللامع هداية الله بالأنوار الإلهية و النفحات القدسية و الألطاف الغيبية و كشف الأستار عن أسرار الكتاب و السنة. و تدافع الأبواب يحتمل وجوها. الأول أنه لم يزل ينتقل من منزله من منازل قربه سبحانه إلى ما هو فوقه حتى ينتهي إلى مقام إذا دخله كان مستيقنا للسلامة و هي درجة اليقين و منزلة أولياء الله المتقين الذين فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ. الثاني أنه إذا أدركته التوفيقات الربانية شرع في طلب الحق و تردد في المذاهب فكلما تفكر في مذهب من المذاهب الباطلة دفعته العناية الإلهية عن الدخول فيه فإذا أصاب الحق قر فيه و سكن و اطمأن

 كما روي عن الصادق ع إن القلب ليتجلجل في الجوف يطلب الحق فإذا أصابه اطمأن و قر ثم تلا أبو عبد الله ع هذه الآية فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ

 و عنه   ع قال إن الله خلق قلوب المؤمنين مبهمة على الإيمان فإذا أراد استنارة ما فيها نضحها بالحكمة و زرعها بالعلم و زارعها و القيم عليها رب العالمين

 و عنه ع قال إن القلب ليرجج فيما بين الصدر و الحنجرة حتى يعقد على الإيمان فإذا عقد على الإيمان قر و ذلك قول الله وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ

قال يسكن و سيأتي أمثالها إن شاء الله في باب القلب. الثالث أن تكون الأبواب عبارة عن أسباب القرب من الطاعات و ترك اللذات فإن كلا منها باب من أبواب الجنة فينتقل منها حتى ينتهي إلى باب الجنة التي هي قرار الأمن و الراحة. الرابع أن تكون الأبواب عبارة عن اللذات و المطالب النفسانية التي يريد الإنسان أن يدخلها بمقتضى طبعه فتمنعه العناية الإلهية و العقل السليم عن دخولها حتى ينتهي إلى باب السلامة و هو باب جنة الخلد في الآخرة أو الطاعات و العقائد الحقة التي توجب دخولها في الدنيا. الخامس أن يكون المراد بالأبواب طرائق أرباب البدع و أبواب علماء السوء فيمنعه التوفيق الرباني عن اعتقاد ضلالاتهم و الدخول في جهالاتهم حتى يرد باب السلامة و هو اتباع أئمة الحق ص فإنهم أبواب الله إما بالوصول إلى خدمتهم أو إلى السالكين مسلكهم و الحافظين لآثارهم و رواة أخبارهم فتثبت رجلاه على الدين و الصراط المستقيم و لا يفتتن بشبه الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لَا الضَّالِّينَ و هو قريب من بعض ما مر و هذا أظهر الوجوه. و ثبات الرجلين ضد الزلق أو عبارة عن السكون و الطمأنينة بضم الطاء المهملة و فتح الميم و سكون الهمزة السكون يقال اطمأن اطمئنانا و طمأنينة قال الشيخ الرضي رضي الله عنه مصادر ما زيد فيه من الرباعي نحو تدحرج و احرنجام و اقشعرار و أما اقشعر قشعريرة و اطمأن طمأنينة فهما اسمان واقعان مقام   المصدر كما في أنبت نباتا و أعطى عطاء و القرار بالفتح ما قر فيه الشي‏ء أي سكن و يكون مصدرا و قرار الأمن و الراحة الجنة أو ما يوجبهما كما عرفت

35-  جا، ]المجالس للمفيد[ عن المرزباني عن محمد بن أحمد الكاتب عن أحمد بن أبي خيثمة عن عبد الملك بن داهر عن الأعمش عن عباية الأسدي عن ابن عباس رحمه الله قال قال سئل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ص عن قوله تعالى أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ فقيل له من هؤلاء الأولياء فقال أمير المؤمنين ع هم قوم أخلصوا لله تعالى في عبادته و نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى ظاهرها فعرفوا آجلها حين غر الناس سواهم بعاجلها فتركوا منها ما علموا أنه سيتركهم و أماتوا منها ما علموا أنه سيميتهم ثم قال أيها المعلل نفسه بالدنيا الراكض على حبائلها المجتهد في عمارة ما سيخرب منها أ لم تر إلى مصارع آبائك في البلى و مضاجع أبنائك تحت الجنادل و الثرى كم مرضت بيديك و عللت بكفيك تستوصف لهم الأطباء و تستعتب لهم الأحباء فلم يغن عنهم غناؤك و لا ينجع فيهم دواؤك

36-  نهج، ]نهج البلاغة[ قال ع إن أولياء الله هم الذين نظروا إلى باطن الدنيا إذا نظر الناس إلى ظاهرها و اشتغلوا بآجلها إذا اشتغل الناس بعاجلها فأماتوا منها ما خشوا أن يميتهم و تركوا منها ما علموا أنه سيتركهم و رأوا استكثار غيرهم منها استقلالا و دركهم لها فوتا أعداء ما سالم الناس و سلم ما عادى الناس بهم علم الكتاب و به علموا و بهم قام الكتاب و به قاموا لا يرون مرجوا فوق ما يرجون و لا مخوفا فوق ما يخافون

 تبيان مع أن الظاهر اتحاد الروايتين بينهما اختلاف كثير و بعض فقرأت الرواية الأولى مذكورة في خطبة أخرى سنشير إليها و قد مر معنى   الإخلاص و باطن الدنيا ما خفي عن أعين الناس من مضارها و وخامة عاقبتها للراغبين إليها فالمراد بالنظر إليه التفكر فيه و عدم الغفلة عنه أو ما لا يلتفت الناس إليه من تحصيل المعارف و القربات فيها فالمراد بالنظر إليه الرغبة و طموح البصر إليه و إنما سماه باطنا لغفلة أكثر الناس عنه و لكونه سر الدنيا و حقيقتها و غايتها التي خلقت لأجلها و المراد بظاهرها شهواتها التي تغر أكثر الناس عن التوجه إلى باطنها و المراد بأجل الدنيا ما يأتي من نعيم الآخرة بعدها أضيف إليها لنوع من الملابسة أو المراد بأجلها ما يظهر ثمرتها في الآجل من المعارف و الطاعات و أطلق الآجل عليه مجازا. و ما علموا أنه سيتركهم الأموال و الأولاد و ملاذ الدنيا و الإماتة الإهلاك المعنوي بحرمان الثواب و حلول العقاب عند الإياب و ما يميتهم اتباع الشهوات النفسانية و الاتصاف بالصفات الذميمة الدنية و في الرواية الثانية نسبة الخشية إلى الإماتة و العلم بالترك لأن الترك معلوم لا بد منه بخلاف الإماتة إذ يمكن أن تدركهم رحمة من الله تلحقهم بالسعداء أو للمبالغة في اجتناب المنهيات من الأخلاق و الأعمال بأنهم يتركون ما خشوا أن يميتهم فكيف إذا علموا و الاستكثار عد الشي‏ء كثيرا أو جمع الكثير من الشي‏ء و يقابله الاستقلال بالمعنيين و الدرك محركة اللحاق و الوصول إلى الشي‏ء يقال أدركته إدراكا و دركا و الضمير في دركهم يرجع إلى غيرهم و يحتمل الرجوع إليهم أيضا. و السلم بالفتح و الكسر الصلح يذكر و يؤنث و في نسخ النهج بالكسر و سالمه أي صالحه و ما سالم الناس ما مالوا إليه من متاع الدنيا و زينتها و ملاذها و ما عادى الناس ما رفضوه من العلوم و العبادات و الرغبة في الآخرة و ثوابها و بهم علم الكتاب لأنه لولاهم لما علم تفسير الآيات و تأويل المتشابهات و هذه من أوصاف أئمتنا المقدسين صلوات الله عليهم أجمعين و يحتمل أن تشمل الحفظة لأخبارهم المقتبسين من أنوارهم و به علموا لدلالة آيات الكتاب على فضلهم و شرف منزلتهم كآيات المودة و التطهير و الولاية و غيرها و لو   عمم الكلام حتى يدخل فيه العلماء الربانيون فالمراد به أنه علم فضلهم بالآيات الدالة على فضل العلماء كقوله تعالى إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ و قوله عز و جل هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ و قوله سبحانه وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً إلى غير ذلك من الآيات و قيل به علموا لاشتهارهم به عند الناس و بهم قام الكتاب أي بهم صارت أحكامه قائمة في الخلق معمولا بها و به قاموا أي ارتفعت منزلتهم و فازوا بالزلفى بالعمل بما فيه أو ببركته انتظم الأمر في معاشهم و قال بعض الشارحين أي قاموا بأوامره و نواهيه فلا يكون الباء مثلها في بهم قام الكتاب و قال بعضهم بهم قام الكتاب لأنهم قرروا البراهين على صدقه و صحته و به قاموا أي باتباع أوامر الكتاب لأنه لو لا تأدبهم بآداب القرآن و امتثالهم أوامره لما أغنى عنهم علمهم شيئا. و دون ما يخافون أي غير ما يخافون من عذاب الآخرة و البعد من رحمة الله و في بعض النسخ فوق ما يخافون. قوله ع أيها المعلل نفسه أقول بعض هذه الفقرات مذكورة في كلام له ع ذكره حين سمع رجلا يذم الدنيا كما سيأتي و قال الجوهري علله بالشي‏ء أي لهاه به كما يعلل الصبي بشي‏ء من الطعام يتجزأ به عن اللبن يقال فلان يعلل نفسه بتعلة و تعلل به أي تلهى به و تجزأ و قال الركض تحريك الرجل و ركضت الفرس برجلي إذا استحثثته ليعدو ثم كثر حتى قيل ركض الفرس إذا عدا و الحبائل جمع الحبالة و هي التي يصاد بها أي تركض لأخذ ما وقع في الحبائل التي نصبتها في الدنيا كناية عن شدة الحرص في تحصيل متمنياتها أو المعنى نصب لك الشيطان مصايد فيها ليصطادك بها و أنت تركض إليها حتى

    تقع فيها جهلا و غرورا. المجتهد في عمارة ما سيخرب منها أي تسعى بغاية جهدك في عمارة ما تعلم أنه آئل إلى الخراب و لا تنتفع به ثم بين ع ما يمكن أن يستدل به على خرابها و عدم بقائها بقوله أ لم تر إلى مصارع آبائك يقال صرع فلان من دابته على صيغة المجهول أي سقط و صرعه أي طرحه على الأرض و الموضع مصرع و الثرى بالفتح الندى أو التراب الندي و في المصباح بلي الثوب يبلى من باب تعب بلى بالكسر و القصر و بلاء بالفتح و المد خلق فهو بال و بلي الميت أفنته الأرض و قوله في البلى كأنه حال عن آبائك و في النهج متى استهوتك أم متى غرتك أ بمصارع آبائك من البلى أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى. و الجنادل جمع جندل كجعفر و هي الحجارة و قال الجوهري مرضته تمريضا إذا قمت عليه في مرضه و العلة المرض و علله أي قام عليه في علته يطلب دواءه و صحته و يتكفل بأموره و قال الجوهري استوصفت الطبيب لدائي إذا سألته أن يصف لك ما تتعالج به انتهى و الاستعتاب الاسترضاء كناية عن طلب الدعاء أو رضاهم إذا كانت لهم موجدة و في بعض النسخ تستغيث و هو أظهر و في القاموس أغنى عنه غناء فلان و مغناه ناب عنه و أجزأ مجزأه و قال الراغب أغنى عنه كذا إذا اكتفاه قال تعالى ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَ ما كَسَبَ ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ و قال لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَ لا أَوْلادُهُمْ ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ و قال لا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ و في القاموس نجع الطعام كمنع نجوعا هنأ   آكله و العلف في الدابة و الوعظ و الخطاب فيه دخل فأثر كأنجع و نجع

37-  نهج، ]نهج البلاغة[ طوبى لمن ذل في نفسه و طاب كسبه و صلحت سريرته و حسنت خليقته و أنفق الفضل من ماله و أمسك الفضل من لسانه و عزل عن الناس شره و وسعته السنة و لم ينسب إلى بدعة قال السيد رضي الله عنه و من الناس من ينسب هذا الكلام إلى رسول الله ص

 بيان الذلة في النفس التواضع ضد الإعجاب و الترفع و طيب الكسب أن لا يكون مكسبه من الطرق المحرمة و المكروهة و مواضع الشبهة و صلحت كمنعت أو كحسنت باختلاف النسخ و سريرة الرجل و سره باطنه و صلاحها ترك النفاق و إضمار الشر و الخلو عن الحسد و غيره و الخليقة الطبيعة و إنفاق الفضل من المال أن لا يمسك لنفسه إلا الكفاف و إمساك الفضل من الكلام الاقتصار على ما يعنيه و عزله كنصره أي نحاه و أبعده و وسعته السنة أي لم تتضيق عليه حتى يخرج إلى البدعة و طلبها و ذلك الخروج إما في الاعتقاد لعدم الرضا بالسنة و هو مضاد للإيمان كما قال سبحانه فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ الآية و إما في العمل لميل النفس الأمارة إلى الباطل و اتباع الشهوات و هو معصية منافية لكمال الإيمان

38-  عدة الداعي، روى شعيب الأنصاري و هارون بن خارجة قالا قال أبو عبد الله ع إن موسى صلوات الله عليه انطلق ينظر في أعمال العباد فأتى رجلا من أعبد الناس فلما أمسى حرك الرجل شجرة إلى جنبه فإذا فيها رمانتان قال فقال يا عبد الله من أنت إنك عبد صالح أنا هاهنا منذ ما شاء الله ما أجد في هذه الشجرة إلا رمانة واحدة و لو لا أنك عبد صالح ما وجدت رمانتين قال ع   أنا رجل أسكن أرض موسى بن عمران قال فلما أصبح قال تعلم أحدا أعبد منك قال نعم فلان الفلاني قال فانطلق إليه فإذا هو أعبد منه كثيرا فلما أمسى أوتي برغيفين و ماء فقال يا عبد الله من أنت إنك عبد صالح أنا هاهنا منذ ما شاء الله و ما أوتي إلا برغيف واحد و لو لا أنك عبد صالح ما أوتيت برغيفين فمن أنت قال أنا رجل أسكن أرض موسى بن عمران ثم قال موسى هل تعلم أحدا أعبد منك قال نعم فلان الحداد في مدينة كذا و كذا قال فأتاه فنظر إلى رجل ليس بصاحب عبادة بل إنما هو ذاكر لله تعالى و إذا دخل وقت الصلاة قام فصلى فلما أمسى نظر إلى غلته فوجدها قد أضعفت قال يا عبد الله من أنت إنك عبد صالح أنا هاهنا منذ ما شاء الله غلتي قريب بعضها من بعض و الليلة قد أضعفت فمن أنت قال أنا رجل أسكن أرض موسى بن عمران قال فأخذ ثلث غلته فتصدق بها و ثلثا أعطى مولى له و ثلثا اشترى به طعاما فأكل هو و موسى قال فتبسم موسى ع فقال من أي شي‏ء تبسمت قال دلني نبي بني إسرائيل على فلان فوجدته من أعبد الخلق فدلني على فلان فوجدته أعبد منه فدلني فلان عليك و زعم أنك أعبد منه و لست أراك شبه القوم قال أنا رجل مملوك أ ليس تراني ذاكرا لله أ و ليس تراني أصلي الصلاة لوقتها و إذا أقبلت على الصلاة أضررت بغلة مولاي و أضررت بعمل الناس أ تريد أن تأتي بلادك قال نعم قال فمرت به سحابة فقال الحداد يا سحابة تعالي قال فجاءت قال أين تريدين قالت أريد أرض كذا و كذا قال انصرفي ثم مرت به أخرى فقال يا سحابة تعالي فجاءته فقال أين تريدين قالت أريد أرض كذا و كذا قال انصرفي ثم مرت به أخرى فقال يا سحابة تعالي فجاءته فقال أين تريدين قالت أريد أرض موسى بن عمران قال فقال احملي هذا حمل رفيق و ضعيه في   أرض موسى بن عمران وضعا رفيقا قال فلما بلغ موسى بلاده قال يا رب بما بلغت هذا ما أرى قال إن عبدي هذا يصبر على بلائي و يرضى بقضائي و يشكر نعمائي

39-  نهج، ]نهج البلاغة[ من كلام له ع عند تلاوته رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ قال إن الله سبحانه جعل الذكر جلاء للقلوب تسمع به بعد الوقرة و تبصر به بعد العشوة و تنقاد به بعد المعاندة و ما برح لله عزت آلاؤه في البرهة بعد البرهة و في أزمان الفترات عباد ناجاهم في فكرهم و كلمهم في ذات عقولهم فاستصبحوا بنور يقظة في الأسماع و الأبصار و الأفئدة يذكرون بأيام الله و يخوفون مقامه بمنزلة الأدلة في الفلوات من أخذ القصد حمدوا إليه طريقه و بشروه بالنجاة و من أخذ يمينا و شمالا ذموا إليه الطريق و حذروه من الهلكة و كانوا كذلك مصابيح تلك الظلمات و أدلة تلك الشبهات و إن للذكر لأهلا أخذوه من الدنيا بدلا فلم تشغلهم تجارة و لا بيع عنه يقطعون به أيام الحياة و يهتفون بالزواجر عن محارم الله في أسماع الغافلين و يأمرون بالقسط و يأتمرون به و ينهون عن المنكر و يتناهون عنه فكأنما قطعوا الدنيا إلى الآخرة و هم فيها فشاهدوا ما وراء ذلك فكأنما اطلعوا غيوب أهل البرزخ في طول الإقامة فيه و حققت القيامة عليهم عداتها فكشفوا غطاء ذلك لأهل الدنيا حتى كأنهم يرون ما لا يرى الناس و يسمعون ما لا يسمعون فلو مثلتهم لعقلك في مقاومهم المحمودة و مجالسهم المشهودة و قد نشروا دواوين أعمالهم و فرغوا لمحاسبة أنفسهم على كل صغيرة و كبيرة أمروا بها فقصروا عنها و نهوا عنها ففرطوا فيها و حملوا ثقل أوزارهم ظهورهم فضعفوا عن الاستقلال بها فنشجوا نشيجا و تجاوبوا نحيبا يعجون إلى ربهم من مقام ندم و اعتراف لرأيت أعلام هدى و مصابيح دجى قد حفت بهم الملائكة   و نزلت عليهم السكينة و فتحت لهم أبواب السماء و أعدت لهم مقاعد الكرامات في مقام اطلع الله عليهم فيه فرضي سعيهم و حمد مقامهم يتنسمون بدعائه روح التجاوز رهائن فاقة إلى فضله و أسارى ذلة لعظمته جرح طول الأسى قلوبهم و طول البكاء عيونهم لكل باب رغبة إلى الله منهم يد قارعة بها يسألون من لا تضيق لديه المنادح و لا يخيب عليه الراغبون فحاسب نفسك لنفسك فإن غيرها من الأنفس لها حسيب غيرك

 تبيين اللهو اللعب و ألهاني الشي‏ء أي شغلني و الذكر يطلق على اللساني و القلبي و لعل الظاهر من الكلمات الآتية أن المراد به ما يعم ذكره باللسان بالإنذار عن عقابه سبحانه و البشارة بثوابه و الأمر بطاعته و النهي عن معصيته و بالقلب بمحاسبة النفس في طاعته و معصيته و الإقدام على طاعته بذكر رحمته و الانتهاء عن معصيته بذكر غضبه و الاعتراف بالذنب و الندم على المخالفة فإن الجميع مما ينبعث عن ذكره سبحانه بالقلب بالعظمة و الجلال و المهابة و الإنعام و الإكرام. و جلا فلان السيف و المرآة جلوا بالفتح و جلاء ككساء أي صقلهما و الوقر الثقل في الأذن و ذهاب السمع كله و العشوة المرة من العشا بالفتح و القصر أي سوء البصر بالليل و النهار أو العمى و قيل أن لا يبصر بالليل و يبصر بالنهار و برح فلان مكانه كفرح أي زال عنه و ما برح أي دائما و عزت آلاؤه أي عظمت و كرمت نعمه و عطاياه و البرهة بالضم كما في النسخ و بالفتح أيضا المدة أو الزمان الطويل و الفترة بالفتح ما بين كل نبيين من الزمان و قيل انقطاع الوحي و المناجاة المخاطبة سرا في الفكر أي الإلهام و كلمهم في ذات عقولهم أي في الباطن خفيا كما قيل في قوله تعالى وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي بنفس الصدور أي ببواطنها و خفياتها و المصباح السراج و استصبح أي استسرج و نور   اليقظة في الأسماع الاستماع للحكم و المواعظ و كل كلام نافع في الدين و الدنيا و العبرة بسماع أحوال الماضين و ترك الإصغاء إلى الملاهي و كل كلام باطل و في الأبصار النظر بعين العبرة و الاستدلال بآثار الصنع على العلم و القدرة لا بعين الالتذاذ و الميل إلى المحرمات و الرغبة في زهرات الدنيا و في الأفئدة التفكر في آيات القدرة و كلام الله عز و جل و أحكامه و الحكم و المسائل الدينية و التفكر فيما نزل بالماضين و عاقبة المحسنين و المسيئين و ترك الاشتغال بالأفكار الباطلة و ما يلهي عن ذكر الله عز و جل. يذكرون بأيام الله إشارة إلى قوله تعالى وَ ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ و قيل معناه وقائع الله في الأمم الخالية و إهلاك من هلك منهم و أيام العرب حروبها و قيل أي بنعمه و آلائه و روي عن الصادق ع أنه يريد بأيام الله سننه و أفعاله في عباده من إنعام و انتقام و هو القول الجامع و مقام الله كناية عن عظمته و جلالته المستلزمة للهيبة و الخوف و قيل في قوله تعالى وَ لِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ أي مقامه بين يدي ربه للحساب. و الفلاة المفازة لا ماء فيها أو الصحراء الواسعة و القصد الرشد و استقامة الطريق و ضد الإفراط و التفريط و حمدوا إليه أي منهيا أو متوجها و نحو ذلك كقولهم في أوائل الكتب أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو و كذلك ذموا إليه و الهلكة بالتحريك و الهلكاء الهلاك و هلكة هلكاء توكيد. و التجارة ككتابة الاسم من قولك تجر فلان كنصر و اتجر أي باع و اشترى و قيل التجارة المعاملة الرابحة و ذكر البيع بعد التجارة مبالغة بالتعميم بعد التخصيص إن أريد به مطلق المعاوضة أو بأفراد ما هو أعم من قسمي التجارة فإن الربح يتوقع بالشرى و يتحقق بالبيع و هذا بناء على أن يكون كل من الأمرين قسما منها لا جزءا و قيل المراد بالتجارة الشرى فإنه أصلها و مبدؤها.

    و هتفت الحمامة كضربت أي صاتت و هتف به هتافا بالضم أي صاح به و دعاه و هتف به هاتف أي سمع صوته و لم ير شخصه و في بعض النسخ يهتفون بدون حرف العطف و القسط بالكسر العدل يقال قسط كضرب و نصر و أقسط و يقال قسط قسطا كضرب ضربا أي جار و عدل عن الحق فهو من الأضداد و تناهى عن الأمر و انتهى عنه أي امتنع. قوله ع إلى الآخرة أي منتهين أو واصلين إليها و في بعض النسخ و كأنما بالواو في الموضعين و غيوب أهل البرزخ ما غاب عن الناس من أحوالهم و الوعد يستعمل في الخير و الشر يقال وعدته خيرا و وعدته شرا فإذا أسقطوا الخير و الشر قالوا في الخير الوعد و في الشر الإيعاد و كشف الغطاء عن العداة بيانها لهم على أوضح وجه و المقاوم جمع مقام و شهده كسمعه أي حضره و الديوان بالكسر و قد يفتح مجتمع الصحف و الكتاب يكتب فيه أهل الجيش و أهل العطية و قيل جريدة الحساب و يطلق على موضع الحساب و هو معرب. و فرغوا لمحاسبة أنفسهم أي فرغوا عن سائر الأشغال و تركوها لمحاسبة أنفسهم و حملوا ثقل أوزارهم ظهورهم أي تدبروا في ثقل الآثام و المعاصي و طاقة حملهم فأذعنوا بأن ثقلها يزيد عن قوتهم و لا يطيقون حملها و عذابها و الاستقلال بالشي‏ء الاستبداد و الانفراد به و استقل القوم أي مضوا و ارتحلوا و استقله أي حمله و رفعه. و نشج الباكي كضرب نشيجا أي غص بالبكاء في حلقه من غير انتحاب و تجاوبوا أي جاوب بعضهم بعضا و النحيب أشد البكاء و الظاهر من التجاوب أن نشر الدواوين و محاسبتهم أنفسهم في مجمعهم و محضرهم كما هو الظاهر من لفظ المشهودة في أول الكلام لا أن يحاسب كل واحد نفسه علا حدة و يحتمل التجوز في لفظ التجاوب و عج كضر كما في النسخ و كعض عجا و عجيجا أي صاح و رفع صوته لرأيت الجملة جزاء للشرط السابق و الدجى جمع دجية بالضم   أي الظلمة. و حفت بهم أي أحاطت و طافت حولهم و السكينة الطمأنينة و المهابة و الوقار و لعل المراد به اليقين الذي تسكن به نفوسهم و تطمئن قلوبهم فلا يتزلزل لشبهة أو لما أصابها من فتنة كما قال عز و جل وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَ إِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ. و أبواب السماء الأبواب التي تنزل منها الرحمة أو تصعد الأعمال الصالحة و أعده إعدادا هيأه و أحضره و النسم محركة نفس الريح إذا كان ضعيفا كالنسيم و تنسم أي تنفس و تنسم النسيم أي تشممه و الروح بالفتح الراحة و الرحمة و نسيم الريح و المعنى يدعون و يتوقعون بدعائه تجاوزه عن ذنوبهم و الرهينة و المرتهنة الرهن و الأسى الحزن و أبواب الرغبة كلما يتقرب به إلى الله و اليد القارعة تطرق هذه الأبواب بالتقرب بها إلى الله تعالى و الندح بالفتح و الضم الأرض الواسعة و المنادح المفاوز و عليه متعلق بيخيب على تضمين معنى القدوم و الوفود و نحو ذلك و الحسيب المحاسب و المراد إما أسرع الحاسبين أو كل أحد من المكلفين فإنه مكلف بأن يحاسب نفسه قبل أن يحاسب في موقف الحساب

40-  نهج، ]نهج البلاغة[ و من دعاء له ع اللهم إنك آنس الآنسين بأوليائك و أحضرهم بالكفاية للمتوكلين عليك تشاهدهم في سرائرهم و تطلع عليهم في ضمائرهم و تعلم مبلغ بصائرهم فإسرارهم لك مكشوفة و قلوبهم إليك ملهوفة إن أوحشتهم الغربة آنسهم ذكرك و إن صبت عليهم المصائب لجئوا إلى الاستجارة بك علما بأن أزمة الأمور بيدك و مصادرها عن قضائك اللهم إن فههت عن مسألتي أو عمهت عن طلبتي فدلني على مصالحي و خذ بقلبي إلى مراشدي فليس ذلك بنكر من هداياتك و لا ببدع من كفاياتك اللهم احملني على عفوك و لا تحملني   على عدلك

 بيان إنما أوردت هذا الدعاء لأنه من مناجاة أولياء الله و مشتمل على كثير من صفاتهم المختصة بهم رزقنا الله الوصول إلى درجتهم قوله ع بأوليائك في بعض النسخ لأوليائك و قال بعضهم الباء أنسب أي أنت أكثرهم أنسا بأوليائك و عطفا و تحننا عليهم و أحضرهم بالكفاية الحضور ضد الغيبة و الحضر بالضم و الإحضار ارتفاع الفرس في عدوه قيل أي أبلغهم إحضارا لكفاية المتوكلين و أقومهم بذلك و قيل أي أسرعهم إحضارا لما استعد منهم من الكمال و الأظهر أن المعنى أشدهم و أكثرهم حضورا عند الكفاية فإنه لا يغيب عن كفايتهم و لا يعزب عن علمه شي‏ء و قيل الكفاية بيان للحضور. و الكافي من يقوم بالأمر و يحصل به الاستغناء عن الغير و توكل على الله أي اعتمد عليه و وثق به و البصيرة المعرفة و عقيدة القلب و الفطنة و قيل البصائر العزائم و الملهوف المكروب و المظلوم المستغيث أي قلوبهم مستغيثة راغبة عند الكرب و الحاجة إليك و المستجير الذي يطلب الأمان أو الحفظ و فهه كفرح أي عيي و عمه كفرح أيضا أي تردد في الضلال أو تحير في منازعة أو طريق أو لم يعرف الحجة و المراشد مقاصد الطريق أي ما فيه الاستقامة و الفوز بالمقصد و خذ بقلبي إلى مراشدي أي جره إليها و النكر العجيب و البدع بالكسر الأمر المبتدع أي لم يعهد مثله و احملني على عفوك أي عاملني يوم الجزاء بعفوك

   الجزء الثاني من كتاب الإيمان و الكفر   أبواب مكارم الأخلاق

أقول و سيجي‏ء ما يناسب هذه الأبواب في كتاب العشرة و في كتاب الآداب و السنن أيضا إن شاء الله تعالى